الباب الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الشفعة
الشفعة
تعريفها:
الشفعة - بضم الشين وسكون الفاء - هي في اللغة: من الشفع بمعنى الضم.
وفي اصطلاح الفقهاء: حق تملك قهري، يثبت للشريك القديم على الحادث، فيما ملك بعِوض، بما ملك به، لدفع الضرر.
فالشفعة حق اثبته الشرع، يتملك به الشريك الأول ما باعه شريكه لغيره، كما اذا كان اثنان شريكين في دار، فباع احدهما حصته لغير شريكه، فلشريكه الحق ان يأخذ هذه الحصة من المشتري - الذي صار شريكا جديدا له - بغير رضاه، بمثل الثمن الذي دفعه وهذا خلاف الاصل الثابت في التملك شرعا: ان يكون برضا المالك.
وسمى هذا الحق شفعة لأن الشريك يضم به نصيب شريكه الى نصيبه.
مشروعيتها:
الشفعة جائزة ومشروعة، دل على مشروعيتها احاديث كثيرة، منها:
ما رواه جابر بن عبدالله الانصاري رضى الله عنه قال: قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
(اخرجه البخاري: اول كتاب الشفعة، باب: الشفعة في ما لم يقسم .. ، رقم: 2138، ومسلم: المساقاة، باب: الشفعة، رقم: 1608).
[ومعنى وقعت الحدود: صارت الأرض مقسومة وحددت الأقسام.
صرفت الطرق: ميزت وبينت].
وسيأتي خلال البحث احاديث في هذا المعنى.
وما دل عليه الحديث اجمع على العمل به علماء المسلمين في كل عصر.
حكمة المشروعية
:
ان التشريع الاسلامي يهدف الى تحقيق مصالح الناس بجلب النفع له ودفع الضرر عنهم، والمرء قد يكون على وفاق وتعاون مع من كان يشاركه في دار او ارض، وقد يحتاج احد الشريكين الى بيع نصيبه ويكون في ذلك تحقيق مصلحته، فلا يحول الشرع بينه وبين ذلك، وانما يحوط تصرفه وتحقيق نفعه بما لا يضر بشريكه، وانما يصون مصلحته ايضا ويحميه من الضرر الذي قد يلحق به، من جراء البيع الى اجنبي عن الشركاء، فقد يبادر هذا الشريك الجديد الى طلب القسمة، او يكون منه سوء خلق ومعاملة، فيضطرهم الى ذلك اوطلبه فينال شركاءه بذلك ضرر احداث مرافق جديدة ونحو ذلك، ويكلفهم اعباء القسمة ونفقتها، فيحل محل الوئام الشقاق والنزاع بين الجيران، وتفوت المصالح ويكثر الضرر بين الأنام.
ولذا وجه شرع الله عز وجل هذا الراغب ببيع نصيبه ان يعرض هذا اولا على شركائه، فإن رغبوا بشرائه كانوا هم اولى واحق، فإن لم يرغبوا بذلك كان له الحق ان يبيعه لمن يشاء.
فعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له شريك في ربعة او نخل فليس له ان يبيع حتى يؤذن حتى يؤذن شريكه، فإن رضى اخذ وإن كره ترك".
(اخرجه مسلم في المساقاة، باب: الشفعة، رقم: 1608).
وعن عمرو بن الشريد رضى الله عنه قال: وقفت على سعد بن ابي وقاص - رضى الله عنه - فجاء المسور بن مخرمة - رضى الله عنه - فوضع يده على احدى منكبي اذ جاء ابو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه - فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله لا ازيدك على اربعة الاف منجمة او مقطعة.
فقال ابو رافع: لقد اعطيت بها خمسمائة دينار، ولوا اني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الجار أحق بسبقه" ما اعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا اعطي بها خمسمائة دينار.
فأعطاها إياه.
(البخاري: الشفعة، باب: عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع، رقم: 2139).
[منجمة: مؤجلة ومفرقة تعطى جزءا بعد جزء.
اربعة آلاف: أي درهم، وكانت تساوي اربعمائة دينار.
بسبقه: ما قرب من داره].
وهكذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسم الطريق واضحا لحفظ الود والوئام بين الناس، ويوجه الى أمثل خلق في التعامل، ونجد اصحابه - رضوان الله تعالى عليهم اجمعين - يلتزمون هديه فلا يحيدون عنه، ولو كان في ذلك خسارة مادية ظاهرة، فيأبون إلا ان يقولوا: سمعنا واطعنا.
فإذا ما خالف المرء ما وجه اليه، ولم ينظر في مصلحة غيره ولم يبادر الى استشارة شركائه، فباع الى اجنبي عنهم، بادر الشرع لدفع ما قد يكون من خطر وما قد يقع من ضرر، فانتقل من التوجيه الى التشريع، فجعل الحق لهؤلاء الشركاء: ان يتملكوا حصة شريكهم رغما عن المالك الجديد لها، بمثل ما قامت عليه من ثمن.
وبهذا تحقق مصالح الجميع، وتلبي حاجات الناس، ويندفع الضرر عنهم، وتتلاشى اسباب البغضاء والشحناء، ويكون المسلمون مثل الجسد الواحد في الوئام والوفاق وكالبنيان في التماسك والتعاون والإحسان.
أركان الشفعة
:
للشفعة اركان نبينها فيما يلي:
1 - الشفيع (أي الذي له حق الشفعة):
علمنا من حكمة التشريع ان الشفعة شرعت لدفع الضرر المتوقع، وهذا المعنى قد يكون في الشريك، وقد يكون في غيره كالجار الملاصق مثلا، ولكن الشرع خصه في الشريك الذي لم يقاسم، وهو الذي يشترك مع غيره في الأصل وملحقاته، كأن يكون شريكا في الدار - مثلا - ومرافقها وطريقها، او في الأرض وحق شربها وحظائرها ونحو ذلك، كما صرح به الحديث: "في كل ما لم يقسم".
وصاحب الحق هذا يسمى: الشفيع.
فإذا قسمت الدار او الأرض، واصبح كل من الشركاء مستقلا بنصيبه، فباع احدهم ما يملكه لأجنبي، أي غير واحد من الشركاء السابقين، فليس لهم ان يأخذوا هذا النصيب بحق الشفعة، حتى ولو كانت المرافق - كالممر وحق الشرب ونحو ذلك - مشتركة، لما جاء في الحديث: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهؤلاء المستقلون بحصصهم، والمشتركون بالمرافق، يسمى كل منهم بالشريك المخالط.
واذا لم تثبت الشفعة للشريك المخالط فلا تثبت للجار الملاصق وغيره من باب أولى.
ولم تثبت الشفعة لغير الشريك الذي لم يقاسم - مع ان المعنى الذي شرعت من اجله، وهو دفع الضرر المتوقع، قد يوجد في غيره - لأنها شرعت كما علمت على خلاف الأصل، اذ الأصل ان لا يتملك احد شيئا قهرا عمن ملكه، وقد علمت ان الشفيع يتملك الحصة قهرا عن المشترى الذي ملكها بالشراء من الشريك القديم الشفيع.
والمراد بالأصل هنا: المعنى الذي يراعيه التشريع في غالب احكامه، وهو الذي يسميه العلماء: علة الحكم، وقد يطلقون عليه كلمة: القياس.
والقاعدة في التشريع الاسلامي: ان كل ما ثبت على خلاف الأصل يقتصر فيه على ما ورد بالنص، ولا يلحق به غيره، وقد يعبرون عن هذا بقولهم: ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.
وقد ورد النص الصحيح الصريح هنا بثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، فلا يلحق به غيره من شريك مقاسم اوجار ولا يقاس عليه.
وما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم: "الجار احق بسبقه" ليس صريحا في ثبوت حق الشفعة، انما هو من باب الحث على تحصيل النفع للجار وانه اولى بالإحسان من غيره.
على ان كلمة الجار عامة في اللغة، فتشمل الشريك وغيره.
والأولى تفسيرها في الحديث بالشريك الذي ذكرناه، لأن ابا رافع رضى الله عنه اورده بهذا المعنى حين طلب من شريكه ان يشتري بيتيه - أي غرفتيه - اللتين في داره، وواضح ان الدار لم تكن مقسومة، والله تعالى اعلم.
تزاحم الشفعاء:
علمنا ان الشفيع هو الشريك، فقد يكون للشريك البائع حصته اكثر من شريك، فيكون اصحاب الحق في الشفعة متعددين، وقد تكون حصصهم متساوية - كما لو كانوا يملكون الدار المبيعة اثلاثا مثلا - وقد تكون متفاوتة، كما لو كان احدهم يملك الربع والثاني الربع والثالث النصف مثلا، فاذا باع احدهم حصته، وليكن صاحب الربع مثلا، واراد شركاؤه جميعا اخذ نصيبه بالشفعة، فهل يأخذونه بالسوية حسب عددهم، ام ان كلا منهم يأخذ بنسبة حصته؟
والجواب: ان كلا منهم يأخذ بنسبة حصته، فمن كان له الربع يأخذ ثلث الحصة، ومن كان له النصف يأخذ ثلثيها، لأن سبب الاستحقاق هو الملك وهم متفاوتون فيه، فيتفاوتون في الاستحقاق.
? تجزئة الشفعة:
حق الشفعة من الأمور التي لا تتجزأ، فالشفيع: اما ان يأخذ نصيب شريكه المباع جميعه، واما ان يتركه.
فاذا كان هناك اكثر من شفيع - كما سبق - ولم يرد بعضهم الأخذ بالشفعة، واسقط حقه: فالأصح ان باقي الشفعاء - او الشفيع الآخر - يخير بين اخذ الجميع او ترك الجميع، كما لو كان شفيع واحد، وليس لمن لم يسقط حقه ان يأخذ بقدر حصته.
وذلك لكي لا تفرق الصفقة وتبعض على المشتري، فيناله بذلك ضرر، لأن مصلحته قد تكون في الجميع، ولا يتحق غرضه في البعض.
? غيبة بعض الشفعاء:
اذا كان احد الشفعاء او بعضهم غائبا كان للحاضرين طلب الشفعة والأخذ بها، وتقسم بينهم على قدر حصصهم كما علمنا، لأن الغائب في حكم من اسقط حقه، فلم يبق للحاضرين مزاحم، فلهم ان يأخذوا الكل، وليس لهم الاقتصار على قدر حصصهم كما علمنا، اذ من المحتمل ان لا يأخذ الغائب حصته اذا حضر فتتفرق الصفقة على المشتري:
فإذا اخذ الحاضرون الكل ثم حضر الغائب، كان له الحق ان يطالب بنصيبه، وقاسم الشركاء فيما اخذوا بنسبة ما كان يملك.
والأصح: ان لمن حضر من الشفعاء ان يؤخر الأخذ بالشفعة حتى يحضر الغائب، وذلك لأنه قد يكون له غرض ظاهر في هذا، فقد يكون غير قادر على اخذ الجميع، او لا يرغب ان يأخذ ما قد يؤخذ منه اذا حضر الغائب.
2 - المشفوع عليه:
وهو الذي انتقل اليه ملك نصيب الشريك القديم، والذي هو محل الشفعة.
ويشترط ان يكون انتقل الملك اليه بعوض: وقد يكون هذا العوض مالا، كما اذا انتقل الملك اليه بالشراء، او بالصلح عن جناية موجبة للمال، كما اذا صالحه من الدية التي تثبتت عليه على نصف العقار الذي يملكه، فلشريك المصالح ان يأخذ هذا الشِّقص بالشفعة.
وقد يكون العوض غير مال، كما اذا جعل نصيبه من العقار مهراً، او جعلته بدل الخُلع، ونحو ذلك، فللشريك ايضا اخذ هذا النصيب ممن انتقل اليه بالشفعة.
وذلك لأنه مملوك بعقد معاوضة فأشبه البيع.
ويأخذ الشفيع هذا الشقص بالثمن الذي ملك به اذا كانا مثليا، وبقيمته يوم البيع ان كان قيميا كثوب مثلا، وبمهر المثل في النكاح والخلع يوم النكاح ويوم الخلع سواء أنقص عن قيمة النصيب او زاد.
فإذا انتقل الملك الى الشريك الجديد بغير عوض لم يكن للشريك القديم ان يأخذ الشقص بالشفعة، وذلك كما انتقل الملك اليه بهبة بغير عوض، او صدقة، او وصية، او انتقل اليه بواسطة الإرث، ونحو ذلك.
3 - المشفوع فيه:
وهو الشئ الذي يريد الشفيع ان يتملكه بالشفعة.
ويشترط فيه ان يكون غير منقول، كالدور والأراضي ونحوها، ولا تثبت في المنقول كالحيوان والأمتعة ونحو ذلك.
ودليل هذا:
1 - ما رواه جابر رضى الله عنه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة في كل شِرْك: في ارض او ربع او حائط .. " (اخرجه مسلم في المساقاة، باب: الشفعة، رقم: 1608).
[شرك: شئ مشترك.
ربع: دار.
حائط: بستان]
2 - ان الأخذ بالشفعة ثبت بالنص على خلاف القياس في العقار، فلا يلحق به غيره ولا يُقاس عليه ما ليس في معناه، لأن الشفعة شرعت لدفع ضرر سوء الجِوار على الدوام، وما ينقل ويحول لا يدوم الضرر فيه.
ويلحق بالعقار البناء والشجر اذا بيعا مع الأرض تبعا للأرض.
ويشترط في العقار ونحوه حتى تثبت فيه الشفعة: ان يكون قابلا للقسمة.
والعقار القابل للقسمة هو الذي إذا قسم كان قسم منه صالحا لتحقيق المنفعة المقصودة منه، فإذا ابطلت القسمة منفعته كان غير قابل للقسمة، وبالتالي لا يثبت فيه حق الشفعة، وذلك كحمام صغير وطاحون صغيرة ونحو ذلك.
ودليل ذلك:
انه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
وهذا يدل على ان الشفعة فيما يمكن ان يقسم ما دام لم يقسم.
وكذلك: الشفعة انما ثبتت لدفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق، وذلك لا يوجد الا فيما يقبل القسمة.
وقيل: تثبت الشفعة في العقار ونحوه فيما لم يقسم، ولو كان غير قابل للقسمة، لعموم قوله: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم، ولأن الشفعة شُرعت لإزالة ضرر المشاركة، وهذا المعنى في الذي لا يقسم آكد، لأن الضرر فيه يتأبد عند ذلك.
شروط الأخذ بالشفعة
: علمت اركان الشفعة وما يشترط في كل ركن منها، ونذكر لك الآن بعض الشروط الأخرى التي لابد منها حتى يثبت حق الأخذ بالشفعة، وهي:
1 - ان يزول مِلْك الشريك الأول عن المشفوع فيه ويزول حقه فيه، فلو باع الشريك حصته لغير شريكه، وشرط لنفسه الخيار، فلا تثبت الشفعة مدة الخيار، وكذلك لو شرط الخيار للبائع والمشتري، لأن المبيع لم يخرج من ملك البائع في هذه المدة، فإذا انتهت المدة ولم يختر فسخ البيع فقد تم البيع وثبتت الشفعة.
اما لو شرط الخيار للمشتري وحده فإن الشفيع له ان يأخذ الشقص بالشفعة فور عقد البيع، لأن البيع قد خرج من ملك الشريك الأول بمجرد العقد وعدم شرط الخيار لنفسه.
وكذلك لا يثبت الأخذ بالشفعة اذا تبين فساد عقد التمليك وبطلانه، لأن ملك البائع ايضا لم يزل عن البيع.
2 - ان يكون الشفيع مالكا لما يشفع به عند عقد تمليك الشريك الجديد، وان يستمر ملْكه ذلك الى ان يقضي له بالشفعة على الأصح.
فلو اخرج الشفيع الشقص عن ملكه ببيع او هبة او نحو ذلك، قبل ان يقضي له بالشفعة، بطل حقه، سواء اكان عالما بهذا ام جاهلا وسواء اطالب بالشفعة ام لم يطالب، لزوال سبب الأخذ بالشفعة وهو الشركة.
وفي هذه الحالة لو طالب الشريك الجديد - وهو المتملك من الشفيع - ان يأخذ هو بالشفعة ما كان للشفيع ان يأخذه، فليس له ذلك، لأنه لم يكن مالكا لما يشفع به عند عقد التمليك الأول.
ويستثنى من هذا: ما اذا مات الشفيع قبل القضاء له بالشفعة، فإن لوارثه ان يأخذ بها، مع انه لم يكن مالكا لما يشفع به عند البيع ونحوه، لأن الشفعة من الحقوق التي تورث وسواء اكان ذلك قبل طلب المورث الشفيع للشفعة ام بعدها.
3 - ان لا يظهر من الشفيع ما يدل على اعراضه عن الأخذ بالشفعة، وذلك بأن يعلن رضاه بتمليك الشريك الجديد، او يكون منه ما يدل على عدم رغبته بالشفعة من قول او فعل او سكوت، كأن يحصل عقد البيع امامه، فيقوم ويغادر المجلس
دون ان يطالب بالشفعة، او يبلغه خبر التمليك فلا يطالب بالشفعة زمنا طويلا من غير عذر ففي هذه الحالات ليس له ان يعود ويطالب بالشفعة.
إلا ان هناك حالات له ان يطالب فيها بالشفعة رغم ظهور الاعراض منه، وهي:
أ- ... ان لا يُخبر بحقيقة العوض الذي حصل به التمليك، كما لو اخبر انه مائة الف مثلا، فأعرض عن الطلب ثم تبين له بعد ذلك انه تسعون مثلا، لأن اعراضه اولا لم يكن عن رضا منه، وانما لارتفاع العوض فلم يكن اعراضه دليل الرضا بالشريك الجديد.
ب- ان يخبر ان المشتري فلان، فلا يطالب بالشفعة، ثم يتبين له انه غير، فله ان يطالب بها، لأنه قد يرغب في مشاركة انسان ولا يرغب بمشاركة آخر، ولهذا لم يطلب اولا، ولم يكن ذلك بتقصير منه.
ج- ان يخبر بأن العوض معجل، ثم يتبين له انه مؤجل، فله ان يطالب بالشفعة ولو ظهر منه إعراض اولا، اذ قد يقدر على اخذ الشقص بمؤجل، ولا يقدر على اخذه بمعجل.
د- ان لا يخبر بقدر المبيع حقيقة، كما لو اخبر ان المبيع نصف الشقص فتبين انه جميعه، او ان المبيع الشقص كله فتبين انه جزء منه، فإذا ظهر منه الإعراض اولا حق له ان يطالب بعد تبين الحقيقة، لأنه قد يرغب بتملك قدر معين ولا يرغب بتملك قدر غيره.
4 - ان يبادر الشفيع الى الطلب بالشفعة بحسب الإمكان، وذلك ان حق الشفعة حق فوري، لأنه ثبت على خلاف القياس كما علمت، فهو حق ضعيف وقد جاء في الحديث: "الشفعة كحل العقال" (اخرجه ابن ماجه في الشفعة، باب: طلب الشفعة، رقم: 2500).
ومعناه: انها تفوت ان لم يبادر الى طلبها، كما ان البعير يشرد فورا اذا حل عقاله، أي رباطه، ولذا يجب على الشفيع المبادرة الى الطلب بها عند علمه بانتقال الملك من شريكه الى غيره حسب العادة وقدر الإمكان، فلو علم
ليلا كان له تأخير ذلك الى النهار، وان كان مريضا او غائبا عن البلد فليوكل بذلك او ليشهد على طلبه، فإن قصر فيما هو قادر عليه سقط حقه على الأظهر.
ولا يشترط لثبوت الحق حكم حاكم ولا حضور المشتري ولا رضاه، واحضار الثمن، وانما يشترط طلبها بلفظ يدل على الأخذ بها، كتملكت او اخذت بالشفعة.
ويشترط تسليم العوض الى المشتري، او رضاه بأن يكون في ذمة الشفيع، واذا لم يحصل هذا وقضى له القاضي بالشفعة ملك بها في الأصح.
أحكام الشفعة
:
1 - سقوط حق الشفعة:
علمنا أن حق الشُفعة حق ضعيف، ولذا يتعرض للسقوط بأقل الأسباب، ومن هذه الأسباب ما علم مما مر: كالإعراض عن الطلب بها، وكذلك عدم المبادرة اليها، وخروج الشقص عن ملكه قبل الحكم بها، ونحو ذلك.
ومن ذلك ايضا: الصلح عن الشفعة على عوض، كما لو صالح الشفيع المشتري على شئ من مال ليترك له الشقص الذي اشتراه، فإن الصلح باطل، ولا يستحق شيئا من العوض، وبالتالي سقط حقه في الشفعة.
2 - تصرف المشتري في المشفوع فيه:
على من اشترى شقصا من عقار او دار ان يتريث في التصرف فيما اشتراه، حتى يتبين له موقف الشفيع من حيث المطالبة بالشفعة او التنازل عنها، لأن حق الشفيع متقدم على حقه، واستقرار ملكه فيما اشتراه متوقف على اسقاط الشفيع حقه في الشفعة.
فإذا تصرف المشتري قبل طلب الشفيع او تبين الحال كان تصرفه صحيحا ونافذا، لأنه يتصرف في ملكه وان لم يلزم ويستقر.
ولكن هل يبطل تصرفه ذلك حق الشفيع؟
والجواب: ان ذلك لا يبطل حقه، بل للشفيع ان ينقض كل تصرف لا شفعة
فيه لو وجد ابتداء، كالهبة والوقف والاجارة، وان يأخذ الشقص بالشُفعة، لأن حقه سابق على هذه التصرفات، فلا يبطل بها.
واما اذا كان التصرف الجديد مما تثبت به الشُفعة ايضا، كالبيع مثلا ونحوه من التمليك بعوض، كان له الخيار: بين ان يأخذ الشقص بالشُفعة بناء على التصرف الجديد، وبين ان ينقضه ويأخذ بالحق الثابت له اولا.
وفائدة هذا التخيير: ان العوض قد يكون في أحدهما اقل او ايسر في جنسه عليه، فيختار ما فيه مصلحته.
ولو تصرف المشتري في الشقص تصرفا يزيد فيه او ينقص منه:
- كما لو زرع الأرض او غرس فيها او بنى، كان للشفيع ان يكلفه قلع ما فعل وتسوية الأرض، لأنه متعد في فعله، وله ان يأخذ الغراس او البناء بقيمته مقلوعا.
- ولو كان في الأرض بناء او شجر، فهدم البناء او قطع الشجر، فللشفيع اخذ الشقص بما يخصه من الثمن، بعد نقص قيمة البناء او الشجر يوم العقد، لأنهما - وان كانا تابعين للأرض - صارا مقابلين بشئ من الثمن لأنه قصد اتلافهما.
وكذلك الحال لو تلف بعض الأرض بغرق أوانهيار، فإنه يسقط من الثمن ما يقابل القسم التالف منها، لأنه بعض الأصل.
اما لو تلف البناء او الشجر بغير صنع احد: كان للشفيع ان يأخذ الأرض بكل الثمن او يدعها، ولا يسقط شئ من الثمن، لأن البناء والشجر تابع للأرض، ويدخلان معها في البيع ولو لم يذكر في العقد، فلا يقابلهما شئ من الثمن بخصوصهما.
3 - نقص الثمن على المشتري او الزيادة فيه: إذ حط البائع بعض الثمن عن المشتري او زاد فيه، وأراد الشفيع الأخذ بالشفعة، فهل يستفيد من هذا النقص او تلزمه تلك الزيادة؟ والجواب: - اذا كانت الزيادة او النقص بعد لزوم البيع واستقراره، كما اذا كان البيع باتا لا خيار فيه، وتفرق العاقدان من المجلس، او كان ذلك بعد انتهاء مدة الخيار إن
كان مشروطا، لم يلحق ذلك الشفيع، لأن نقص الثمن في هذه الحال يكون بمثابة هبة من البائع للمشتري، والزيادة فيه بمثابة هبة من المشتري للبائع، ولا صلة لهذا بالثمن لأن العقد قد تم قبل ذلك.
- واذا كانت الزيادة او النقص قبل لزوم البيع واستقراره، كما لو كانت في مجلس العقد وقبل التفرق، او كانت في مدة الخيار ان كان مشروطا، لحق ذلك الشفيع، فينحط عنه من الثمن ما حطه البائع، كما يلزمه ما زاد فيه المشتري، لأن ذلك يعتبر لاحقا للعقد وجزءا منه، طالما انه وقع قبل لزوم العقد واستقراره.
4 - أخذ ما بيع مؤجلا: اذا باع الشريك نصيبه بثمن الى اجل، وطلب الشفيع ان يأخذ بالشفعة، فهل يستفيد من تأجيل الثمن؟ والجواب: ان الشفيع في هذه الحالة يخير: بين ان يأخذ بالشفعة في الحال ويعجل الثمن، وبين ان يؤجل الأخذ بالشفعة الى حلول الاجل، فإذا حل الأجل، دفع الثمن وأخذ المبيع، ولا يسقط حقه بهذا التأخير لأنه معذور به، لأننا لو ألزمناه الأخذ في الحال مع تعجيل الثمن كان في ذلك إضرار به، لأن الأجل غالبا ما يقابل بقسط من الثمن، فما بيع مؤجلا يغلب ان يكون ثمنه اكثر مما بيع حالا.
ولو اجزنا له ان يأخذ الشقص المبيع في الحال بالثمن المؤجل كان في ذلك إضرار وقد لا يرضى المشتري - الذي سيدفع هو الثمن للبائع، ويأخذ الثمن من الشفيع - قد لا يرضى ان يبيعه الى اجل باختياره، فإذا الزمناه بذلك اضررنا به، فكان في تخييره على ما ذكر دفع للضرر عن الجانبين.
ولو رضى المشتري ان ياخذ الشفيع الشفعة في الحال، وان يؤجل الثمن الى وقت حلوله، فأبى الشفيع الا ان يؤجل الأخذ الى وقت الحلول، بطل حقه في الشفعة على الأصح.
5 - اختلاف المشتري والشفيع: قد يختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، فيقول الشفيع: اشتريته بألف مثلا، ويقول المشتري: اشتريته بألف ومائة، ولا بينة على ذلك، يصدق المشتري
بيمينه، لأنه اعلم بما باشره من الشراء وما دفعه من الثمن، ولأن الشفيع يدعي عليه الاستحقاق بالأقل وهو ينكر ذلك، والقول دائما قول المنكر بيمينه، فإذا نكل المشتري في اليمين - أي امتنع من الحلف - حلف الشفيع على مدعاه، واخذ الشقص بما حلف عليه.
واذا اختلفا في البيع اصلا، فأنكر المشتري الشراء والشفيع يدعيه، فيصدق المشتري بيمينه، لأن الأصل عدم الشراء، إلا اذا اعترف الشريك القديم بالبيع.
وكذلك الحال لو انكر المشتري كون الشفيع الطالب شريكا، فيحلف على نفي العلم بشركته، لأن الأصل عدمها والقول قول من يتمسك بالأصل.