الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 129-169
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 129-169
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

4ـ لا يلحق المرأة المُخالعة أي طلاق، أو ظهار، أو إيلاء ـ أثناء العدّة ـ من زوجها الذي خالعها، أي لا أثر لشيء من ذلك عليها، لأنها أصبحت بالخلع أجنبية عن الزوج، فلا يسرى إليها تطليق، ولا ظهار، ولا إيلاء.
بخلاف المطلّقة طلاقاً عادياً رجعياً، فإن الزوج يملك أن يطلّقها طاقة ثانية، أو يظاهر منها أثناء العدة، ويسري أثر ذلك عليها.
5ـ يجوز أن يُخالع الرجل زوجته في الحيض والطهر الذي جامعها فيه، ما دامت رشيدة.
ذلك لأنها لا تتضرر بذلك، إذ الخلع إنما هو تحقيق لرغبتها في التخلّص من الزوج، فلا يرِد فيه ما يمكن إيراده على الطلاق العادي الذي يكون برغبة من الزوج، من الإضرار بالزوجة.
ما يملكه الزوج من الطلقات: من المعلوم أن الطلاق حقُ للزوج في الأصل.
ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]. والذي بيده عقدة النكاح إنما هو الزوج.
غير أن الزوجة أيضاً تصبح صاحبة حق في ذلك، في حالات خاصة، من أهمها: ـ أن ينالها ضرر من الزوج.
ـ أن يقصر في أداء شيء من حقوقها، ثم تعذّر إصلاح الأمر بينهما.
فعندئذ يُوقع عنها القاضي طلقة بناءً على رغبتها.
بعد هذا نقول: كَم هي الطلقات التي يملكها الزوج، ما دام هو صاحب هذا الحق في الأصل؟ لقد أجاب القرآن على ذلك، وقرر عدد الطلقات التي يملكها الزوج: قال الله عز وجل: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ

بِإِحْسَانٍ}.
[البقرة: 229]. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. أي إن الزوج يملك أن يطلّق زوجته ثلاث تطليقات، اثنتان منهما رجعيتان، والثالثة تسريح لا رجعة بعده، إلا بشرط سنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى.
روى أبو داود (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، رقم: 2159)، والنسائي (في الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث: رقم: 6/ 212) عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: إن الرجل كان إذا طلق امرأته، فهو أحقّ برجعتها، وإن طلّقها ثلاثاً، فَنَسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] أي الطلاق الذي يملك الزوج فيه الرجعة مرتان فقط.
ومن ثم فقد انعقد الإجماع على أن الزوج يملك ثلاث تطليقات، ثالثتها بائنة لا رجعة بعدها، إلا بما سنذكره من الشروط إن شاء الله تعالى.

شروط صحة الطلاق ووقوعه:

لابدّ لكي يملك الزوج ما ذكرنا من الطلقات، ولابد لكي يقع ذلك منه، من أن تتوفر في الزوج المطلِّق الشروط التالية: الشرط الأول: ثبوت عقد النكاح: فلا يقع طلاق الرجل من المرأة التي لم يعقد نكاحه عليها، ولا من التي سيعقد نكاحه عليها، سواء كان ذلك بأسلوب التنجيز، أو التعليق: كأن يقول لامرأة لم يعقد عليها: أنت طالق، أو يقول: إن تزوجتك فأنت طالق.
ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].

فقد علّق سبحانه وتعالى نتائج الطلاق وأحكامه على ثبوت النكاح أولاً.
والدليل من السنة أيضاً: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا طلاق قبلَ نكاح ". رواه الحاكم (في الطلاق، باب: لا طلاق لمن لم يملك، رقم: 2/ 205) وصححه.
وروى أبو داود (الطلاق، باب: في الطلاق قبل النكاح، رقم: 2190)، والترمذي (الطلاق، باب: ما جاء لا طلاق قبل نكاح، رقم: 1181) عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا نذر لابن آدم فيما يملكُ، ولا عِتْقَ له فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ له فيما لا يملكُ ". الشرط الثاني: تكامل الرشد: فالصبي والمجنون والنائم لا يقع طلاقهم.
ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (في الحدود، باب: في المجنون يسرق أو يصيب حدّا، رقم: 4403) وغيره عن على - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - رضي الله عنه -: " رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتِلم َ، وعن المجنون حتى يْعقِلَ " والاحتلام هو البلوغ والكبر.
ويدخل في حكم هؤلاء الثلاثة: الساهي، والجاهل بمعنى الكلام الذي يقوله: ولكن لا تقبل دعواه أنه ساهٍ، أو جاهل بمعنى ما يقول إلا بقرينة أو بيِّنة.

طلاق السكران: أما السكران، فإن سكر بدواء لا مندوحة له عن استعماله، وغاب من جرّائه عقله، أو أُكره على شرب مُسكِر، بالتهديد، أو صُبَّ المُسِكر في جوفه، فإن حكمه كالصبي والنائم والساهي، بجامع العذر في كلَّ.
أما إن سكر متعدياً ـ أي عن قصد واختيار وبدون عذر ـ فإن طلاقه

يقع، ويعتبر كالرشيد حكماً، وعقوبة له على تعدّيه بشرب المُسكر، لأن السكران مكلّف، ولأنه بإجماع الصحابة مؤاخذ بما يتلفظ به حال سكره، من عبارات القذف، ونحوه.
الشرط الثالث تكامل الاختيار: فلا يقع طلاق المكره.
لكن مع مراعاة الشروط التالية في الإكراه: 1ـ أن يكون الإكراه بغير حق، فإن أُكره على الطلاق بحق ـ كأن كان مُضاراً لزوجته، فأكرهه الحاكم على تطليقها ـ فإن الطلاق يقع.
2ـ أن يكون الإكراه معتمداً على التهديد له مباشرة، بما يحصل منه ضرر شديد: كالقتل، والقطع، والضرب المبرح، ومثله الضرب القليل والإيذاء البسيط بالنسبة لمن هو من ذوي الأقدار.
3ـ وأن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به.
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا طلاق ولا عتاق في إغْلاَقٍ ". رواه ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: 2046) أي في إكراه، لأن المكره يغلق عليه أمره، وتصرّفه.
وروى ابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، رقم: 2045) وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله وضع عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أي وضع عنهم حكم ذلك، لا نفس هذه الأمور، لأنها واقعة.
4ـ أن لا يصدر من الزوج المُكْرَه إلا القدر الذي أُكره عليه، فلو أُكره على الطلاق مرة، أو مطلقاً، فطلق طلقتين، أو ثلاثاً، وقع الطلاق.
طلاق الهازل واللاعب: إذا تأملت في الشروط التي ذكرناها لوقوع المكره علمت أن

طلاق الهازل واللاعب واقع، إذا كان رشيداً بالغاً عاقلاً مختاراً، ولا يُعدّ لعبه وهزله عذراً في عدم وقوع الطلاق.
ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (في الطلاق، باب: ما جاء في الجدّ والهزل في الطلاق، رقم: 1184)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في الطلاق على الهزل، رقم: 2149)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: من طلّق أو نكح أو راجع لاعباً، رقم: 2039) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ثلاث جدّهنّ جد، وهزلهنّ جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ". الكيفيات المشروعة للطلاق: يمكن إيقاع الطلاق على كيفيات مختلفة: ـ كالجمع بين الطلقات بلفظ واحد، أو التفريق بينها.
ـ أو إيقاع الطلاق منجزاً، أو معلقاً على شرط، أو مع استثناء.
الكيفية الأولي للطلاق: واعلم أن الكيفية التي هي أفضل في الطلاق شرعاً، والمتفقة مع الحكمة من جعل الشّارع طلاق الرجل زوجته موزعاً على ثلاث مراحل، هي: أن يطلّق طلقة واحدة في طهر لم يجامع الرجل زوجته فيه، فإذا بدا له وندم أرجعها إليه أثناء العدّة.
فإن عاودته الرغبة في الطلاق طلاقها طلّقة ثانية، وكان في يده بعد ذلك طلقة واحدة، تبين بها زوجته عنه بينونة كبرى، ولا ترجع إليه إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً كاملاً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وهذه الكيفية هي المفهومة من صريح قول الله عزّ وجلّ: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد: إذا لم يلتزم بالكيفية المفضلة للطلاق، فلا يعني أن الطلاق لا يقع، بل يقع كيفما كان، ما دامت الشروط التي تحدّثنا عنها مجتمعة في الشخص المطلق.
وعلى ذلك، فلو جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد في وقت واحد، فقال: أنتِ طالق ثلاثاً، بانت منه بثلاث طلقات، كما لو نطق بهنّ متفرقات.
ولا يعتبر ذلك محرماً، بل هو خلاف السنة، وجنوح عن الطريقة المفضلة.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتّة، رقم: 1177)، وأبو داود (في الطلاق، باب: في البتّة، رقم: 2208)، وابن ماجه (في الطلاق، باب: طلاق البتة رقم: 20511) أن ركانة طلّق زوجته البتَّة ـ أي قال لها أنت طالق البتّة ـ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ـ وقد سأله ركانة عن سبيل لرجعتها ـ (آلله ما أردت إلا واحدة).
قال: الله ما أردت إلا واحدة فردّها إليه.
فالحديث دليل على أن ركانة لو أراد بقوله (البتَّة) ثلاثاً لوقعن، ولما أذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بردها، وإلا لم يكن لسؤاله وتحليفه له أيّ معنى.
تعليق الطلاق بصفة أو شرط: كما يصح الطلاق ويقع منجزاً، فإنه يصحّ معلقاً.
ومعنى تعليق الطلاق: أن يعلّق الزوج وقوع الطلاق على حدوث صفة، أو شرط، سواء مما قد تتلبس به الزوجة أو غيرها، كتعليقه طلاقها على قدوم غائب، أو على تصرّف معين قد تقوم به الزوجة أو غيرها.
مثال تعليق طلاقها على صفة: أن يقول: أنت طالق عند قدوم أبيك،

أو أنت طالق في شهر رمضان فتطلق إذا قَدِم أبوها أو إذا دخل شهر رمضان.
ومثال تعليقه بالشرط أن يقول لها: أنت طالق إن خرجت من الدار، أو أنت طالق إن دخل أخوك الدار، فتطلق إن هي خرجت من الدار، أو إن دخل أخوها الدار.
ودليل صحة تعليق الطلاق على صفة أو شرط، ووقوعه إذا تحقق ذلك الشرط، أو تلك الصفة، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " المسلمون عند شروطهم ". رواه الحاكم (البيوع، باب: المسلمون على شروطهم والصلح جائز: 2/ 49. إذ يُفهم من الحديث أن الشروط التي يعلّق الإنسان عليها إبرام شيء تكون محل اعتبار وتقدير من الشارع، ما لم تكن تحرم حلالاً، أو تحلّ حراماً.
الآثار التي يترتب على الطلاق المعلق: ويترتب على الطلاق المعلّق ما يلي: 1ـ عدم وقوع الطلاق ما دام الشيء الذي عُلق الطلاق به لم يحصل بعد.
2ـ تظل الحياة الزوجية مستمرة بكامل أحكامها ومستلزماتها، ما دام الشرط المعلّق عليه لم يتحقق بعد، وإن كان حصوله على حكم المحقّق.
كقوله: إذا جاء شهر رمضان فأنت طالق.
3ـ يقع الطلاق بمجرد حصول الشرط الذي علّق الزوج الطلاق به، دون حاجة إلى أن ينطق نطقاً جديداً بالطلاق.
الاستثناء في الطلاق: وكما يصحّ الطلاق المعلّق بصفة، أو شرط، كما ذكرنا يصحّ الطلاق الذي دخله الاستثناء.

والمقصود بالاستثناء في الطلاق: أن يجمع بلفظ واحد أكثر من طلقة واحدة، ثم يطرح بعضاً منها بأداة الاستثناء، وهي (إلاّ) بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، إلا طلقة واحدة، أو إلا طلقتين.
وذلك لأن الاستثناء من المعدود أسلوب عربي متّبع، ومستعمل في كلّ من الكتاب والسنة، للتعبير عن المعاني، وضبط الكميات والأعداد.
قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: 14] لذلك جاز استعمال الاستثناء في التعبير عن الطلاق، وضبط عدد الطلقات المراد إيقاعها شروط صحة الاستثناء في الطلاق: يشترط لصحة الاستثناء في الطلاق مراعاة الشروط التالية: 1ـأن ينوي المطلّق إلحاق الاستثناء بكلامه قبل فراغه من النطق بالكلام الأصلي المستثنى منه.
فلو أتمّ كلامه الأصلي، ثم طرأ على باله أن يستثني منه شيئاً، لم يصح الاستثناء، ووقع الطلاق كما يقتضيه كلامه الأصلي قبل تعليق الاستثناء به.
2ـ أن يتصل لفظ الاستثناء بلفظ المستثنى منه عُرفاً.
فلو فصل بينهما بفاصل زمني يعتبره العُرْف فاصلاً: كدقيقة مثلاً، بطل استثناؤه، ووقع الطلاق كما يقتضيه لفظ المستثنى منه.
3ـ أن لا يكون الاستثناء مستغرقاً لكمية المستثنى منه: كأن يقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاث طلقات، فمثل هذا الاستثناء يعتبر لاغياً، ويستقر الحكم على ما يقتضيه لفظ المستثنى منه.
وينبغي أن تعلم بعد هذا أن الاستثناء من الكلام المثبت يعتبر نفياً، وأن الاستثناء من الكلام المنفي يعتبر إثباتاً، لأن الاستثناء يعطي نقيض

الحكم الأصلي للمستثنى، فلو قال: ما طلّقتك إلا طلقتين، وقعت طلقتان.

دليل صحة الاستثناء في الطلاق: ويستدل لصحة الاستثناء في الطلاق بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " مَن أعتق، أو طلّق واستثنى فله ثنياه: ". أي استثناؤه.
ذكر ابن الأثير في النهاية مادة: (ثنا).
تفويض الطلاق إلى الزوجة: يصحّ للزوج أن يفوِّض إيقاع الطلاق إلى زوجته، وهذا التفويض إنما هو بمثابة تمليك الطلاق لها.
شروط وقوع طلاق التفويض: يشترط لوقوع هذا الطلاق الشروط التالية: 1ـ أن يكون الطلاق منجزاً، فلا يصحّ تعليقه على شيء: كإذا جاء الغد فطلَّقي نفسك.
2ـ أن يكون الزوج المفوَّض مكلفاً، فلا يصحّ تفويض الصغير والمجنون.
3ـ أن تكون الزوجة أيضاً مكلفة، فلا يصحّ تفويض صغيرة أو مجنونة.
4ـ أن تُطلَّق نفسها على الفور، بعد تفويضها مباشرة، فلو أخّرت بقدر ما ينقطع به القبول من الإيجاب، لم يصحّ طلاقها.
دليل جواز تفويض الطلاق إلى الزوجة: ويستدلّ على جواز ذلك، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيّر نساءه من بين المقام معه، وبين مفارقته، وذلك لمّا نزل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 28].
فلو لم يكن لاختيارهنَّ الفرقة لم يكن لتخييرهنّ معنى.

خاتمة في بعض مسائل الطلاق: 1ـ إذا تلفظ بالطلاق باللغة العربية رجل غير عربي، وهو لا يدري معناه، فإنه لا يقع طلاقه، لانتفاء قصده، ولو تلفظ به بلغته وقع، ولو لم ينوه إذا كان اللفظ الذي استعمله في الطلاق صريحاً في لغته، أي لا يحتمل إلا الطلاق، وإذا كان غير صريح اشترط لوقوع الطلاق النية، كما هو الشأن في اللغة العربية.
2ـ قال رجل لزوجته: أنا منكِ طالق , فإن نوى تطليقها طلقت , وإن لم ينو لم تطلق , لأن اللفظ خرج عن الصراحة إلى الكناية , بإضافته إلى غير محله , فشرط فيه ما شرط في الكناية من قصد إيقاع الطلاق.
3ـ قال رجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
فإن تخلل سكوت بين هذه الجمل بما يعد فاصلا عرفا، وقعت ثلاث طلقات، ولا يقبل قضاء قوله أردت التأكيد، لأنه خلاف الظاهر، وإن لم يتخلل هذه الجمل فاصل، فإن نوى التأكيد وقعت طلقة واحدة، فإن نوى الثلاث وقعت ثلاثاُ، وإن أطلق، ولم ينو شيئاً، وقعت أيضاً ثلاثاً.
عملاً بظاهر اللفظ.
4ـ إذا قال لزوجته: إن شاء الله فأنت طالق: لم تطلق إن قصد التعليق بمشيئة الله عز وجل، لأن المعلق عليه من مشيئة الله تعالى غير معلوم.
فإن لم يقصد بالمشيئة التعليق، وإنما قصد بها التبرك، أو لم يقصد شيئاً، فإن الطلاق يقع.
5ـ لو خاطبت الزوجة زوجها بمكروه، فقالت له يا سفيه، أو يا خسيس، فقال لها: إن كنتُ كما تقولين فأنت طالق.
فإن قصد بذلك مكافأتها بإسماعها ما تكره، وإغاظتها بالطلاق كما أغاظته بالشتم، فإن الطلاق يقع، وإن لم يكن سفيهاً، ولا خسيساً.
وكأنه قال: إن كنت بزعمك كذلك فأنت طالق.

أما إذا أراد تعليق الطلاق على وجود السفه والخسّة، أو أطلق، ولم يرد شيئاً اعتبرت الصفة المعلّق عليها كما هو سبيل التعليقات، فإن لم يكن سفيهاً أو خسيساً، لم يقع الطلاق، وإن كانت كذلك، وقع.
والسفيه: هو من يستحق الحَجْر عليه لسوء تصرفه بأمواله.
والخسيس: قيل هو: مَن باع دينه بدنياه.
وقيل: هو مَن يتعاطى غير لائق به بخلاً.

أحكام الرجعة

اعلم أن الرجل إذا طلق زوجته، فلابدّ أن يقع الطلاق على واحد من الأحوال التالية: أولاً: أن يطلّقها قبل الدخول.
ثانياً: أن يطلّقها على وجه المخالفة، سواء كان ذلك قبل الدخول أم بعده.
ثالثاً: أن يطلّقها طلاقاً عادياً بعد الدخول طلقه، أو طلقتين.
رابعاً: أن يطلّقها طلاقاً عادياً ثلاث تطليقات.
هذه هي الكيفيات التي يمكن أن يقع عليها الطلاق، فلنشرح ما يترتب على كل حالة من أحكام الرجعة إذا أراد الزوج أن يراجع زوجته بعدها أولاً: إذا طلقها قبل أن يدخل بها: إذا طلّق الرجل زوجته قبل أن يدخل بها، بانت منه، ولم يجز له أن يراجعا، إذا لا يجب عليها أن تعتدّ منه، لصريح قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] لذلك ينتهي بها الطلاق إلى البينونة رأساً.

ثم إذا كان طلّقها في هذه الحالة طلقة واحدة، أو طلقتين، لم تحلّ له إلا بعقد ومهر جديدين، بناء على اختيارها ورضاها.
وإن كان قد طلّقها ثلاث تطليقات، لم تحلّ له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها الزوج الثاني، ثم يطلّقها، ثم تعتدّ منه، ثم يتزوجها هو بعقد ومهر جديدين.
ثانياً: إذا خالعها على مال: إذا خالع الزوج زوجته (وقد مرّ بك بيان الخلع) بانت منه، ولم يجز له أن يراجعها بموجب العقد والمهر جديدين، كزوج جديد، سواء كان ذلك الخلع قبل الدخول بها، أو بعده.
ثالثاً: إذا طلّقها بعد الدخول طلقة أو طلقتين: إذا طلّق الزوج زوجته بعد الدخول بها طلقة واحدة، أو طلقتين، جاز له أن يراجعها بموجب العقد والمهر الثابتين، بناءً على رغبته المنفردة، إذا كانت عدّتها لم تنقض بعد.
ودليل ذلك صريح قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً﴾ [البقرة: 228]. والمراد بالردّ: الرجعة.
وقال الله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. فإن الإمساك بمعروف بعد الطلاق لا يكون إلا بناءً على الرجعة.
ودليل ذلك من السنّة: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: في المراجعة، رقم: 2283) عن عمر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة رضي الله عنها، ثم راجعها.
كيفية الرجعة: ويكفي لإرجاعها إلى عصمة نكاحه أن يقول: أرجعتك إلى عصمتي، وعقد نكاحي.

ويسنّ أن يشهد على كلامه هذا شاهدين.
واستدلّ لهذا بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
فإن أرجعها عادت إليه بما بقي له من الطلاق، فإن كان قد طلّقها طلقة، بقيت له اثنان، وإن كان قد طلقها طلقتين، بقيت له طلقة واحدة فقط.
فأما إذا لم يراجعها حتى انقضت عدّتها، فإنها تصبح بذلك بائنة منه، وعندئذ سبيل إليها إلا بعقد ومهر جديدين، باختيار منها، كزوج جديد.
ودليل ذلك: قول الله عزّ وجلّ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232]. فلو كان حق الرجعة ثابتاً لزوجها الأول، لما أباح لها النكاح ممن تشاء من الأزواج.
رابعاً: إذا طلقها ثلاث تطليقات: إذا طلق الزوج زوجته ثلاث تطليقات، سواء كنّ متفرقات، أم مجتمعات بلفظ واحد، وسواء كان الطلاق قبل الدخول، أو بعد الدخول، بانت منه الزوجة، ولم يعد له من سبيل إليها، سواء أثناء العدّة أو بعدها، إلا بعد اجتيازها خمس مراحل من الشروط: 1ـ أن تنقضي عدّتها من زوجها.
2ـ أن يعقد نكاحها بعد انقضاء عدّتها على زوج غير الأول عقداً طبيعياً صحيحاً.
3ـ أن يدخل بها هذا الزواج الثاني دخولاً حقيقياً.
4ـ أن يطلّقها بعد ذلك.
5ـ أن تنقضي عدّتها منه.

ثم إذا أراد بعد ذلك زوجها الأول أن يعود إليها كان له ذلك، لكن بناءً على رضاها، وبعقد ومهر جديدين.
قال الله تعالى: ﴿َإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: 230] وروى البخاري (الشهادات، باب: شهادة المختبي، رقم: 2496)، ومسلم (في النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلّقها حتى تنكح ... .، رقم: 1433) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني فأبتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير، إنما معه مثل هُدْبة الثوب، فقال: (أتريدين أن ترجعي إلاّ رفاعة؟، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك).
[أبتّ طلاقها: طلّقها ثلاثاً.
هدبة الثوب: حاشيته، شبّهت به استرخاء ذكره، وأنه لا يقدر على الوطء.
تذوقي عسيلته: هذا كناية عن الجماع.
وعسيلة: قطعة صغيرة من العسل، شبّه لذة الجماع بلذة ذوق العسل].
الحكمة من توقف حل المطلقة ثلاثاً على هذه الشروط: ولعلّ الحكمة في إلزام المطلّقة بكل هذه الشروط التي ذكرنا لتحلّ لزوجها الأول هي: التنفير من الطلاق الثلاث، وحمل الأزواج بذلك على أن لا يتورطوا في الطلاق الثلاث.
الخلاصة في الرجعة: اعلم أن المطلّقة بالنسبة لإمكان رجوعها إلى زوجها تسمى: (رجعية) إن طلِّقت طلقة واحدة أو طلقتين، بعد الدخول بها، وعدّتها لم تنقضِ بعد.

وحكمها: جواز مراجعة زوجها لها، بعقدها ومهرها السابقين وبموجب إرادته المنفردة (بائنة بينونة صغرى): وهي: 1ـ المطلّقة طلقة واحدة أو طلقتين قبل الدخول بها.
2ـ المطلّقة طلقة واحدة أو طلقتين بعد الدخول بها، وقد انقضت عدّتها.
3ـ المخالعة على بَدَلَ مالي، كما سبق بيانه.
وحكمها: لا سبيل للزوج إليها إلا بعقد ومهر جديدين، وباختيارها ورضاها.
(بائنة بينونة كبرى): وهي التي طلّقها زوجها ثلاث تطليقات، سواء قبل الدخول بها، أو بعده.
وحكمها: لا تحلّ له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، على نحو ما قد سبق إيضاحه.

مشبهات الطلاق

هنا ثلاث مسائل، تشبه في نتائجها الطلاق، أو هي قد تؤول إلى الطلاق.
وهذه المسائل هي: الإيلاء، الظهار، اللعان.
لذلك جمعناها إلى بعضها تحت هذا العنوان: (مشبّهات الطلاق) ثم لنشرح كلاً منها على حدة:

أولاً ـ الإيلاء

تعريف الإيلاء: الإيلاء في اللغة من الأليَّة، بمعنى اليمين.
يقال: آلى فلان: أي أقسم، وعليه قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ ... ﴾ [النور: 22] أي لا يحلف.
والإيلاء اصطلاحاً: فهو أن يقسم الزوج المالك لحق الطلاق ألاّ يجامع زوجته مطلقاً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر.
حكم الإيلاء: إذا أقسم الزوج على أن يجامع زوجته مطلقاً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فهو مولٍ بذلك من زوجته.
ويترتب على الزوج من الأحكام الشرعية ما يلي: يمهله الحاكم أربعة بدءاً من اليوم الذي أقسم فيه أن لا يطأ

زوجته، كفرصة يمكنه من الرجوع والتكفير عنها، أو من تطليقها إن لم يرد الرجوع والتفكير.
فإذا انتهت الأشهر الأربعة، وهو ملتزم يمينه، فهو عندئذ مضار لزوجته، ويلزمه الحاكم بسبب ذلك ـ بناءً على طلب الزوجة ـ بأحد أمرين: 1ـ الرجوع عن يمينه، والاتصال بزوجته، ويكفّر عن يمينه، إن كان قد أقسم بالله، أو بعض صفاته، أو يأتي بما أقسم به إن كان قد حلف على أن يفعل عملاً، أو يتصدق بصدقة.
2ـ أو الطلاق إن أبى إلا التمسك بيمينه.
فإن أبى الزوج، ورفض سلوك أحد هذين السبيلين، أوقع القاضي عنه طلقة واحدة، لأنه حق توجه عليه لرفع الضرر عن الغير، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتطليق عليه.
وتقع النيابة فيه، كقضاء الدين، وأداء الحقوق العينية.
هذا إذا لم يكن بالزوج عذر يمنعه من الوطء، فأما إن كان عذر من مرض ونحوه، طولب بالرجوع عن إيلائه بلسانه، بأن يقول: إذا قدرت رجعت عن التزامي ويميني دليل أحكام الإيلاء: ودليل أحكام الإيلاء التي ذكرناها قول الله عز وجل: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {226﴾ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 ـ 227]. [يؤلون: يحلفون.
تربص: انتظار.
فاؤوا: رجعوا عن الحلف إلى الوطء.
عزموا الطلاق: أوقعوه].
وروى مالك رحمه الله تعالى في كتابه المؤطأ (الطلاق، باب: الإيلاء 2/ 556) عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من

امرأته، لم يقع عليه طلاق، وإن مضت الأربعة أشهر، حتى يوقف: فإما أن يطلّق، وإما أن يفيء.
وروى ... مثل ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ومثل هذا الحكم لا يقال من قبل الرأي، لذلك كان لهذا الحديث حكم المرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ثانياً ـ الظهار:

تعريف الظهار: الظهار ـ لغة ـ مأخوذ من الظهر، لأن صورته الأصلية أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي.
وتعريف الظهار في الاصطلاح: أن تشبّه الزوج زوجته في الحرمة بإحدى محارمه: كأمه، وأخته.
وكان العرب في الجاهلية يعتبرون الظهار أسلوباً من أساليب الطلاق.
ولكن الشريعة الإسلامية أعطته اعتباراً آخر، وبَنَت عليه أحكاماً أخرى غير الطلاق.
حكم الظهار من حيث الحلّ والحرمة: الظهار حرام بإجماع المسلمين، وهو كبيرة من الكبائر، بدليل أن الله عز وجل سماه منكراً من القول وزوراً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: 2] ألفاظ الظهار: تنقسم الألفاظ التي تعتبر دالّة على الظهار إلى قسمين: صريح، وكناية.
أما اللفظ الصريح: وهو الذي لا يحتمل غير الظهار ـ فهو أن يقول

لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي.
أو أنت عندي - كظهر أُمي.
فإذا تلفظ بهذا الكلام، فهو مظاهر من زوجته، سواء وجت نيّة ذلك لديه أم لم توجد، مادام ممّن يصحّ منهم الطلاق، أما دام رشيداً واعياً لمعنى ما يقول.
أما اللفظ الكنائي ـ وهو ما يحتمل الظهار وغيره ـ فهو مثل أن يقول لزوجته: أنت عليّ كأمي وأختي، أو: أنت عندي مثل أمي وأختي.
فإذا نطق بمثل هذه الألفاظ، فإنها تنصرف إلى المعنى الذي أراده عند التلفّظ بها.
فإن كان قصد بها الظهار كان مظاهراً، وإن كان قصد بها تشبيه زوجته بأمه أو أخته في الكرامة والتقدير لم يكن مظاهراً، وليس عليه شئ أبداً.
أحكام الظهار: إذا نطق الزوج بلفظ الظهار الصريح، أو بشيء من ألفاظه الكنائية، وأراد بذلك معنى الظهار، وهو تشبه الزوجة بمحارمه في الحرمة عليه، فإنه ينظر: ـ فإن أتبع كلامه هذا بالطلاق، فإن حكم الظهار يندرج في الطلاق، ولا يبقى له من أثر، إذ يأتي الطلاق بمثابة تفسير للفظ الظهار، فيلغو حكم الظهار، ويستقر الطلاق.
ـ أما إن لم يتبع ذلك بالطلاق، ولم يحصل ما يقطع النكاح، فإنه يعتبر عائداً في كلامه، مخالفاً لما قاله، فإن عدم انفصاله عن زوجته، وقد شبّهها في الحرمة بمحاربة ـ يعتبر نقضاً منه لهذا التشبيه، ومخالفة لمقتضاه.
وعندئذ تلزمه كفّارة، يُكلف بإخراجها على الفور.
كفارة الظهار: وكفّارة الظهار مرتبة ـ حسب الإمكان ـ وفق ما يلي:

1ـ عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المُخلّة بالكسب والعمل، كالزمانة، أو فَقْد عضو، كرجْل مثلاً.
2ـ فإن لم يكن رقيق كعصرنا اليوم، أو كان، ولكنه عجز عنه، فصيام شهرين قمريين متتابعين.
3ـ فإن لم يستطيع الصوم، أو لم يستطيع الصبر على تتابع الصوم، لمرض، أو هرم، فإطعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مدّ من غالب قوت البلد.
دليل ترتيب الكفّارة: والدليل على هذا الترتيب في كفّارة الظهار ـ ما سيأتي في أحكام الظهار عامة ـ وما رواه الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في كفارة الظهار، رقم: 1200) وغيره: أن سلمان بن صخر الأنصاري، أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أُمه، حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف من رمضان، وقع عليها ليلاً، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أعتق رقبة ". قال: لا أجدها، قال: " فصم شهرين متتابعين ". قال: لا أجد.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفروة بن عمرو: " أعطه ذلك العرق " وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعاً، أو ستة عشر، إطعام ستين مسكيناً.
كفارة الظهار تخرج فوراً: إن كفّارة الظهار يُطالب بها الزوج على الفور، أي إنه لا يحلّ له وطء زوجته قبل التفكير بأيّ الأنواع الثلاثة التي سبق ذكرها، فإذا وطىء زوجته قبل التفكير، فقد عصى، ولزمته الكفّارة، لأن الوطء قبل التفكير حرام.
لقول الله عزّ وجل: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3].
روى الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، رقم: 1199)، وابن ماجه (الطلاق، باب: المظاهر يجامع قبل أن يكفر، رقم: 2065) وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً

أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من زوجتي، فوقعت عليها قبل أن أُكفّر، فقال: " وما حملك على ذلك، يرحمك الله "؟ يرحمك الله "؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به ". دليل أحكام الظهار عامة: ويستدل لأحكام الظهار جملة: بما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة أوس بن الصامت ـ رضي الله عنها ـ جاءت تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني، اللَّهمّ إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ رواه ابن ماجه (الطلاق، باب: الظهار، رقم: 2063)، وأبو داود (الطلاق، باب: في الظهار، رقم: 2214)، والحاكم (في المستدرك: التفسير، تفسير سورة المجادلة: 2/ 481) .. والآيات هي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {1﴾ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴿2﴾ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿3﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 1 - 4].

ثالثاً ـ اللعان

تعريف اللعان: اللعان ـ لغة ـ مصدر لاعن، وهو الطرد، والإبعاد.
منه: لعنه الله، أي طرده وأبعده.
وسمي بذلك لبعد الزوجين كلّ منهما عن الآخر.
وأما اللعان شرعاً: فهو كلمات معينة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطّخ فراشة، وألحق العار به.
وسمي لعاناً، لاشتمال هذه الكلمات على لفظ اللعن، ولأن كلا من المتلاعنين يبتعد عن الآخر باللعان.

الحكمة من مشروعية اللعان: أعلم أن حكم اللعان جاء مخالفاً لما يقتضيه عموم حكم القذف، من استحقاق القاذف الحدّ، وبراءة المقذوف حكماً مما قد رماه به القاذف.
فما هي حكمة هذه المخالفة؟ ولماذا لم تنطبق أحكام القذف على مَن جاء بقذف زوجته بالفاحشة؟ والجواب: أن غير الزوج بالنسبة لزوجته غير مضطر إلى أن يرمي أحداً من الناس بالفاحشة، صادقاً كان في ذلك أم كاذباً.
بل الأدب الإسلامي يقضي بأن يستر المسلم ما قد ينكشف له من عيوب الآخرين، ويكتفي بالنصح لهم، في ستر ونَجْوة من الناس.
أما الزوج بالنسبة لزوجته، فإنه يشبه أن يكون مضطراً إلى الكشف عن حقيقتها، وواقع أمرها في ارتكاب الفاحشة، لأن ارتكابها ذلك تلطيخ لفراشه، وإلحاق للعار به.
وهو عذر شرعي يعطيه حق الانفصال عنها.
ولو انفصل عنها بطلاق لاستلزم ذلك أن يقع في ظلم آخر يلحقه

بنفسه، وهو الحكم لها بكامل المهر، دون أن تستحق شيئاً منه بسبب سوء سلوكها.
لذلك كان لابدّ ـ لإنصافه ـ من أن يشرع حكم خاص بهذه الحالة، يضمن بقاء كل من الزوجين في كنف العدالة، دون أن يذهب واحد منهما ضحّية لظلم الآخر.
وكان هذا الحكم هو: حكم اللعان، الذي سنقف على موجز لتفاصيله.
وبهذا تدرك الحكمة من أن قذف الزوج لزوجته، إذا جاء على النحو الذي رسمته الشريعة الإسلامية، لا يستوجب حدّاً أبد له، فإن القاذف إنما يُحدّ لاتهامه بالكذب من جانب، ولعدم اهتمامه بستر حال المسلمين من جانب آخر.
أما الزوج فإنه يبعد جداً أ، يقذف زوجته كاذباً، لم يلحقه بسبب هذا الكذب من العار، وسوء السمعة، وهو معذور في أن لا يستر حال زوجته، لأن ستره لها إلحاق للعار به، وهو إسقاط لمروءته وحُسن سيرته بين الناس.
حكم قذف الزوجة: القذف: هو أن يرمي زوجته بالزنى، وللزوج الحق في أن يرميها بذلك إذا علم زناها، أو ظنه ظناً مؤكداً: كظهور زناها بفلان من الناس، مع رؤيتهما في خلوة منفردين.
هذا الحكم ـ وهو إباحة رمي الزوجة بالزنى ـ إذا لم يكن هناك ولد، أما إذا كان هناك ولد، والزوج يعلم أنه ليس منه، فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يرمي زوجته، وينفي الولد عن نفسه، لأن ترك نفسي الولد عن نفسه يتضمن استلحاقه، واستلحاق من ليس منه حرام، كحرمة نفي مَن هو منه، لكن كيف يعلم أن هذا الولد ليس منه.
طريق العلم بذلك أن يكون لم يطأ زوجته، أو أن زوجته قد أتت

بالولد لدون ستة أشهر من الوطء، التي هي أقل مدة الحمل، أو ولدته لأكثر من أربع سنين من الوطء، التي هي أكثر مدة الحمل، ففي هذه الحالات يثبت أن الولد ليس من هذا الزوج، وعندئذ يجب نفيه عن نفسه، لئلا يلحق به.

كيفية لعان الزوج: إذا رمى الرجل زوجته بالزنى فعليه حدّ القذف، إلا أن يقيم البيّنة، والبيّنة أربعة شهداء، بما فيهم الزوج.
وهذا هو الحكم العام لمقتضى القذف، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهلال بن أُمية - رضي الله عنه - لما قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم -: " البينّة أو حدّ في ظهرك " فقال هلال: والذي نعثك بالحق إني صادق، فَلْينزلنّ الله ما يبرئ ظهري من الحدّ.
وقد نزل حكم اللعان، فكان السبيل الذي يدرأ به الزوج عن نفسه حدّ القذف، إذا قذف زوجته بالزنى، فكيف تكون الملاعنة إذاً؟ الملاعنة: أن يقول الزوج عند الحاكم أمام جَمْع من الناس، يسنّ أن يكونوا من وُجهائهم، وصالحيهم، وأن يكون ذلك في المسجد، فوق مكان مرتفع، كمنبر وغيره، يقول أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنى، وأن هذا الولد (إن كان لها ولد، أو حمل) من الزنى وليس منّي.
يقول ذلك أربع مرات، يشير في كل مرة بيده إلى زوجته، إن كانت حاضرة.
ثم يقول في المرة الخامسة: بعد أن يعظه الحاكم، ويحذّره من الكذب، يقول: وعلىّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين.

دليل هذا اللعان: ويستدلّ على تشريع اللعان بالنسبة للزوج يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ {6﴾ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 6 - 7] ويستدل من السنة بما رواه البخاري (الطلاق، باب: التلاعن في المسجد، رقم: 5003) ومسلم (أول كتاب اللعان، رقم: 1429) عن سهل بن سعد - رضي الله عنه -: أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله.
أرأيتَ رجلاً وجد من امرأته رجلاً، أيقتله، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذُكرَ في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " قد قضى الله فيك وفي امرأتك ". قال فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد.
وفي رواية: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الأحكام التي تترتب على لعان الزوج: إذا لاعَنَ الزوج زوجته، على الكيفية التي ذكرناها، ترتب على ذلك خمسة أحكام: 1ـ سقوط حدّ القذف عن الزوج.
2ـ وجوب حدّ الزنى على الزوجة، إلا أن تلاعن هي أيضاً.
3ـ زوال الفراش، أي انقطاع النكاح بينهما.
4ـ نفي الولد، وانقطاع نسبه عن الزوج إن نفاه في لعانه، وإلحاقه بالزوجة.
5ـ حُرمة كلّ من الزوجين على الآخر إلى الأبد.
روى البخاري (الطلاق، باب: يلحق الولد بالملاعنة، رقم: 5559)، ومسلم (في اللعان، رقم: 1494) عن ابن عمر رضي الله

عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعَنَ بين رجل وامرأته، فانتفى مَن ولدها، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
وروى أبو داود (الطلاق، باب: في اللعان، رقم: 2250) عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: مضت السنّة بعدُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً.
كيفية لعان الزوجة: كما أن لعان الزوج هو السبيل الذي يدرأ عنه حدّ القذف، فإن لعان الزوجة هو السبيل الذي يدرأ عنها حدّ الزنى، الذي يتعلق بها بسبب لعان الزوج.
إما كيفية لعان الزوجة، فهو أن تقول: أشهد بالله أن فلاناً من الكاذبين فيما رماني به من الزنى.
تقول ذلك أربع مرات، ثم تقول في المرة الخامسة: وعلىّ غضب الله إن كان من الصادقين.
فإذا قالت ذلك سقط عنها حدّ الزنى دليل لعان الزوجة: والدليل على ذلك قول الله عز وجلّ: ﴿وَيَدْرَأُ {7﴾ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿8﴾ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 8ـ9]. من أهم شرائط اللعان: 1ـ أن يتقدم القذف على اللعان.
2ـ أن يتقدم لعان الزوج على لعان الزوجة.
3ـ أن يلتزم كل من الزوج والزوجة نصّ الكلمات التي ذكرناها، فلو أبدل أحد الزوجين لفظ الشهادة بغيرها: كالحلف، أو القسم، أو أبدل لفظ

الغضب باللعن، أو العكس، لم يصحّ اللعان.
لأن ألفاظ اللعان وردت بنصّها في صريح كتاب الله عزّ وجلّ، فيجب المحافظة عليها في صيغة الملاعنة.
4ـ أن يكون بين الشهادات الخمس التي يشهدها كل من الزوجين موالاة وتتابع، فلا يجوز أن يقع ما يعدّ في العُرف فاصلاً بينهما.
5ـ يجب على الحاكم أن ينصح كلاً من الزوجين، ويحذره الكذب ومغبّته، وأن يقول لهما: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب.
روى الترمذي (الطلاق، باب: ما جاء في اللعان، رقم: 1202) عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا الرجل، فتلا عليه الآيات، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها.
ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما صدق.
قال فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات إنه لمن الصادقين، والخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
ثم فرّق بينهما.
وفي رواية عند البخاري (الطلاق، باب: قول الإمام للمتلاعنين: أحدكما كاذب ... .، رقم: 5006) قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما " حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها ". وروى البخاري (الطلاق، باب: يبدأ الرجل بالتلاعن، رقم: 5001) عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هلال بن أمّية قذف امرأته، فجاء

فشهد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ". وروى أبو داود (الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء، رقم 2263) وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين نزلت آية المتلاعبين: " أيّما امرأة أدخلت على قوم مَن ليس منهم، فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.
وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين ". نسأل الله تعالى اللطف في الدنيا والآخرة.

العدَّة تعريف

العدة

: العدّة ـ لغة ـ اسم مصدر عدّ يعدّ، أما المصدر: فهو (عدّ) والعدّة: مأخوذة من العدد، لاشتمالها عليه، من الأقراء، والأشهر.
والعدة اصطلاحاً: اسم لمدة معينة تتربصها المرأة، تعبداً لله عزّ وجلّ، أو تفجعاً على زوج، أو تأكداّ من براءة الرحم.
دليل مشروعية العدة: لقد ثبتت مشروعية العدّة بعدد من آيات القرآن الكريم، وبكثير من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وانعقد إجماع الأمة على مشروعيتها.
وسيأتي ـ أثناء البحث ـ الكثير من أدلة الكتاب والسنّة التي تفصل أحكام العدّة وتبيِّنها، وتدل على مشروعيتها.
الحكمة من مشروعية العدة: ـ أما المتوفى عنها زوجها، فقد شرعت العدة في حقها، للمعاني التالية: أولاً: للوفاء بحق زوجها الراحل، فإن ما قد فرضه الله عليها من التقدير والوفاء وحُسن المعاملة له، لا يتناسب مع إعراضها عنه بمجرد وفاته، ورحيله عنها.
ثانياً: للتعويض عن العُرْف الجاهلي، الذي كان يفرض على الزوجة

إذا مات زوجها أن تحبس نفسها في وكر مظلم عاماً كاملاً، وأن تضمخ نفسها خلال ذلك بالسواد، وتلبس البشع المستقذر من ثيابها.
ذلك لأن القضاء على عادة متطرفة في المجتمع، لا يتم إلا إذا ملىء مكان تلك العادة بمبدأ معتدل سليم، يحقّق محاسن العادة الأولى دون أن يجرّ على الناس شيئاً من مساوئها.
ـ وأما المفارقة بفسخ أو طلاق: فإن كانت الزوجة من ذوات الحيض، أو كانت حاملاً: فإن الحكمة من وجوب العدّة في حقها: ضبط الأنساب، وحفظ المسؤوليات، والتأكد من براءة الرحم، والأمر في ذلك واضح.
أما إن كانت الزوجة صغيرة، أو آيسة لا تحيض، فالحكمة من وجوب العدّة عليها تظهر فيما يلي.
1ـ المعنى التعبدي، الذي يتضمن الانصياع لأمر الله عزّ وجلّ، وهذا في الحقيقة معنى جدير بالوقوف عنده، وهو يتناول العدّة بكل أنواعها.
2ـ تفخيم أمر النكاح، وإعطاؤه الأهمية الشرعية التي تناسبه.
وواضح أنه لا يتناسب مع شيء من هذا التفخيم والأهمية أن تتحول الزوجة في اليوم التالي من فراقها إلى زوج آخر، وإن كانت صغيرة، أو آيسة مقطوعاً ببراءة رحمها من الحمل من زوجها.
إن هذه السرعة في التنقل تُذيب أهمية النكاح، وهيبته أمام الأنظار، وتثير في النفس والخيال شأن السفاح وصورته، وكيف تنتقل البغي من شخص إلى آخر دون أي انتظار 3ـ مزيد من الحيطة للتأكد من براءة الرحم، إذ لا يؤمن عدم وقوع أحوال ووقائع شاذة عن القانون والعُرْف الطبيعي، بين كل حين وآخر من الزمن.

أنواع العدّة: تنقسم العدّة التي تلزم بها المرأة إلى قسمين: 1ـ عدة وفاة.
2ـ وعدة فراق.
أولاً: عدّة الوفاة: أما عدّة الوفاة، فهي التي تجب على من مات عنها زوجها: أـ فإن كانت حاملاً منه أثناء الوفاة فعدّتها تنتهي بوضع الحمل، طالت المدة أو قصرت.
ب ـ وإن كانت المرأة غير حامل، أو كانت حاملاً بحمل لا يمكن أن يكون من زوجها المتوفى عنها، كأن يكون زوجها غير بالغ، أو ثبت غيابه عنها منذ أكثر من أربع سنوات، فعدّتها تنتهي بنهاية أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء دخل بها الزوج، أو لم يدخل.
دليل ذلك: والدليل على ما ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234]. [يتربصن: ينتظرن.
بلغن أجلهنّ: انقضت عدّتهنّ ومدّتهنّ المذكورة.
فلا جناح: لا خرج ولا إثم.
فيما فعلن في أنفسهنّ: أي من التزين، والتعرّض للخطاب، وللزواج.
بالمعروف: بالوجه الذي يقرّه الشرع، ولا ينكره].
فالآية الثانية من الآيتين عامّة تشمل المرأة الحامل وغيرها، أما الأولى منهما فقد أخرجت من ذلك العموم النساء الحوامل، وجعلت لهنّ

حكماً خاصاً بهنّ، فكان هذا هو دليل التفريق بين عدّة المرأة التي توفي عنها زوجها وهي حامل منه، وبين عدّة المرأة التي توفي عنها زوجها وهي غير حامل.
والدليل من السنة أن الحامل تنتهي عدّتها بوضع الحمل: ما رواه البخاري (الطلاق، باب: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ ... . ﴾، رقم: 5014) عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه -: أن سُبيْعة الأسلمية رضي الله عنها نُفسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه أن تنكح، فأذن لها، فنكحت.
[نفست: ولدت].
ثانياً: عدة الفراق: وأما عدّة الفراق فهي التي تجب على المرأة التي فارقت زوجها، بفسخ أو طلاق، بعد وطئها: أـ فإن كانت حاملاً فعدّتها تنتهي بوضع الحمل.
ودليل ذلك عموم قول الله عزّ وجل: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4].
ب ـ وإن كانت حامل، وهي من ذوات الحيض، فعدّتها بمرور ثلاثة أطهار من بعد الفراق.
ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 228] ج ـ وإن كانت لا ترى حيضاً: بأن كانت صغيرة، أو آيسة، أي متجاوزة سن الحيض ذلك قول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن

نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].
[واللائي لم يحضن: الصغيرات، فعدّتُهنّ أيضاً ثلاثة أشهر.
إن ارتبتم: شككتم في حكمهنّ، ولم تعرفوا كيف يعتدن].
المطلّقة قبل الدخول بها: أما المرأة التي فارقها زوجها بفسخ، أو طلاق، قبل الدخول بها، فلا يجب عليها أن تلتزم بأيّ عدّة.
ودليل ذلك قول الله عزّ وجل ّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: 49].
أحكام العدة وما تفرضه من التزامات: هناك أحكام والتزامات تفرضها العدّة، وسنبيّنها فيما يلي: أولاً عدّة الطلاق: إذا كانت المرأة معتدّة من زوجها عدّة طلاق، فإما أن يكون طلاقها: رجعياً، أو بائناً الأول: فإن كانت معتدّة من طلاق رجعي ترتب على عدّتها الأحكام التالية: أـ وجوب المسكن لها مع الزوج، والأفضل أن يكون مسكن طلاقها، إن كان لائقاً بها، ولم يمنع منه مانع شرعي، ونحوه.
ب ـ وجوب النفقة لها بسائر أصنافها: من مؤنة، وكسوة، وغير ذلك، سواء كانت حاملاً، أو حائلاً، وذلك لبقاء سلطان الزوج عليها، وانحباسها تحت حكمه، حيث يمكنه أن يرجعها ما دامت في العدّة.
ج ـ يجب عليها ملازمة مسكنها، فلا تفارقه إلا لضرورة.
ودليل هذه

الأحكام الثلاثة قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقال الله تعالى: ﴿َا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
د ـ يحرّم عليها التعرّض لخطبة الرجال، إذ هي لا تزال حبيسة على زوجها، وهو الأحقّ والأولى من سائر الرجال.
قال الله عز وجل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً﴾ [البقرة: 228]. الثاني: إن كانت معتدّة بفراق بائن، وهي عندئذ: إما أن تكون حاملاً، وإما أن تكون حائلاً، أي غير حامل: فإن كانت حاملاً: ترتب على ذلك الأحكام التالية: أـ وجوب المسكن لها على الزوج، ودليل ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1].
والآية هذه عامّة في المطلّقة الرجعية والبائنة.
ب - النفقة بأنواعها المختلفة، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6) ج - ملازمة البيت الذي تعتدّ فيه، فلا تخرج منه إلا لحاجة، كأن تحتاج إلى طعام ونحوه، أو تحتاج إلى بيع متاع لها تتكسب منه، وليس ثمة مَن يقوم مقامها في ذلك، أو كانت موظفة في عمل، ولا يسمح لها بالبقاء في بيتها مدة عدّتها، أو كانت تضطر - إزالة لوحشتها - أن تسمر عند جارة لها، فلا يحرم خروجها من بيتها لمثل ذلك.

أما دليل المنع من الخروج لغير حاجة، فقول الله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1) أما دليل جواز الخروج للحاجة: فما رواه مسلم (الطلاق، باب: جواز خروج المعتدّة البائن .. لحاجتها، رقم: 1483) عن جابر - رضي الله عنه - قال: طلّقت خالتي، فأرادت أن تجُدَّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي - رضي الله عنه - فقال: " بلى اخرجي، فجُدّي نخلك، فإنك عسى أن تَصَدَّقَي، أو تفعلي معروفاً ". وإن كانت حائلاً: ترتب كل ما ذكر في الفقرة السابقة، إلا النفقة بأنواعها المختلفة من مؤنة، وملبس، وغير ذلك.
فلا تثبت لها، وإنما يجب لها المسكن، وتجب عليها ملازمته.
ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: في نفقة المبتوتة، رقم: (229) في قصة فاطمة بنت قيس، حين طلّقها زوجها تطليقة كانت بقيت لها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: " لا نفقة لك إلا أن تكوي حاملاً ثانياً: عدّة الوفاة: وإن كانت المرأة معتدّة من وفاة، وجبت في حقّها الأحكام التالية: أـ الإحداد على الزوج: بأن تمتنع عن مظاهر الزينة والطيب، فلا تلبس ثياباً ذات ألوان زاهية، ولا تكتحل، ولا تستعمل شيئاً من الأصباغ، ولا تتزين بشيء من الحلي: ذهباً أو فضة، أو غيرهما، فإن فعلت شيئاً من ذلك فهي آثمة.
ودليل ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ". رواه البخاري (الطلاق، باب: تحدُ المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، رقم: 5024)، ومسلم (الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدّة الوفاة رقم: 1486ـ 1489) عن أُم حبيبة رضي الله عنها.
دلّ هذا الحديث على حرمة إحداد المرأة على غير الزوج، ووجوبها على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام.
ورخّص - صلى الله عليه وسلم - في إظهار الحزن، وأمر بالتعزية خلال ثلاثة أيام فقط، لأن النفوس لا تستطيع فيها الصبر، وإخفاء الحزن.
وروى البخاري (الحيض، باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، رقم 307) ومسلم (الجنائز، باب: نهي النساء عن اتباع الجنائز، رقم: 938) عن أُم عطية الأنصارية، رضي الله عنها قالت: كنا نُنهى أن نحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا نكتحل، ولا نتطيب، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً، إلا ثوب عَصْب، وقد رخص لنا عند الطهر، إذا اغتسلت إحدانا من محيضها، في نُبْذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتّباع الجنائز.
[ثوباً مصبوغاً: مما يعدّ لبسه زينة في العادة.
ثوب عَصْب: نوع من الثياب، تشدّ خيوطها، وتصبغ قبل نسجها.
نبذة: قطعة صغيرة كُسْت أظفار: نوع من الطيب].
ب ـ يجب عليها ملازمة بيتها الذي تعتدّ فيه، فلا تخرج إلا لحاجة، كالتي ذكرناها بالنسبة للمعتدّة من الطلاق.
روى الترمذي (الطلاق، باب: أين تعتدّ المتوفى عنها زوجها، رقم: 1204) وأبو داود (الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل، رقم: 2300) وغيرهما، عن زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُريْعة بنت مالك بن سنان ـ وهي أُخت أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أخبرتها أنها جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبَقُوا، حتى إذا كان بطوف القدوم لحقهم، فقتلوه.
قالت: فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أرجع إلى

أهلي، فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه، ولا نفقة.
قالت: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نعم ". قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة (أو في المسجد) ناداني رسول الله ـ أو أمر بي فنوديت له ـ فقال: زوجني.
قال: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً.
قالت: فلما كان عثمان - رضي الله عنه -، أرسل إلي فسألنيّ عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به.
أما ما يتصوره كثير من العوّام من أنه لا يجوز للمعتدّة أن تكلم أحداً، وأن أحداً من الناس لا يجوز أن يسمع صوتها، فلا أصل له، وإنما حكمه أثناء العدة وخارج العدة سواء.
خلاصة في أحكام العدة: والحاصل أن جميع أنواع العدّة تخضع لقدر مشترك من الحكم، وهو: ـ حُرمة الخروج من المسكن الذي تعتدّ فيه المرأة إلا لحاجة.
ثم تختصّ المعتدّة بالوفاة بحكم مستقل، وهو: وجوب الإحداد على الزوج، وذلك بأن تمتنع عن الطيب والزينة، على نحو ما قدّمنا.
كما تختصّ المعتدّة بالطلاق الرجعي مطلقاً، والطلاق البائن إن كانت حاملاً بوجوب المسكن، وجميع أنواع النفقة لها.
وتختصّ المعتدّة بالطلاق البائن - إن لم تكن حاملاً - بوجوب المسكن فقط، دون سائر أنواع النفقات .. خاتمة: ونختم هذا البحث ببيان أمر هام، ألا وهو حُرمة إحداد النساء على

مَن عدا الزوج من أقاربهنّ، نساءً وذكوراً، وهو إحداد بشع يتخذ شكلاً من أشكال الجاهلية العتيقة، حيث تلزم المرأة التي توفي لها قريب أو قريبة لبس السواد، أو ما يشبهه، إعلاناً عن حزنها، وتتجنب حضور الأماكن العامة، والظهور في مواسم الأفراح ومناسباتها، وتظل على ذلك عاماً، أو يزيد، وربما كانت نفسها خلال أكثر العام لا تنطوي على أيّ حزن أو كرب، ولكنها تتصنع ذلك أمام أبصار الناس، وتتكلفه، وتتباهى به أمامهم.
إن هذا الالتزام ليس إلا معارضة صريحة وحادة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثة الواضح الصحيح: " لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله وباليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ". رواه البخاري (الطلاق، باب: تحدُّ المتوف عنها زوجها.، رقم: 5024) ومسلم (الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدّة الوفاة، رقم: (1486ـ 1498) عن أم حبيبة رضي الله عنها.
وقد روى البخاري ومسلم، عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش رضي الله عنهما حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: والله ما لي في الطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " (البخاري ومسلم المواضع السابقة).
ولا فرق في هذا الحكم بين هذا التصنّع المتكلَّف الممجوج الذي تلتزمه النساء فيما بينهنّ، وما يفعله الرجال من التزام شعارات الحزن، في ربطة العنق، ونحوها، وهو تقليد أجنبي بشع مغموس في الحُرمة والإثم.
نسأل الله تعالى أن يحقّقنا بمعنى العبودية الخالصة له، وأن يلبسنا كسوة الرضى بحكمه، والتجمّل بشرعه، وهدي نبيّه، عليه الصلاة والسلام.

ثالثاً:

النفقات

وما يتعلق بها

النفقات

تعرف النفقات: النفقات: جمع نفقه، والنفقة لغة: مأخوذة من الإنفاق.
وهو في الأصل بمعنى الإخراج، والنفاد، ولا يستعمل الإنفاق إلا في الخير.
والنفقة اصطلاحاً: كلُّ ما يحتاجه الإنسان، من طعام وشراب، وكسوة ومسكن.
وسمي نفقة، لأنه ينفد ويزول، في سبيل هذه الحاجات.
أنواع النفقات: للنفقات أنواع خمسة نذكرها فيما يلي: 1ـ نفقة الإنسان على نفسه.
2ـ نفقة الفروع على الأصول.
3ـ نفقة الأصول على الفروع.
4ـ نفقة الزوجة على الزوج.
5ـ نفقات أخرى.
ولنبدأ بشرح أحكام كل نوع من هذه الأنواع على هذا الترتيب.

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل