المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الإحرام
الإحرام: فاتحة أعمال الحج، والمدخل إلى نسكه ومختلف واجباته وأركانه.
ولابد لفهم ما يتعلق به من أحكام من أن نحدثك عن ثلاثة أشياء: (المواقيت، كيفية الإحرام، محرمات الإحرام).
1ـ المواقيت:
هو جمع ميقات وينقسم إلى: ميقات زماني وميقات مكاني.
أما الميقات الزماني: فيقصد به الفترة الزمنية التي يصح أن يقع فيها الإحرام في الحج.
وأما الميقات المكاني: فيقصد به الحدود المكانية التي يجب أن لا يتجاوزها قاصد الحج إلا وهو محرم، فلنبين لك ضابط كل منهما:
أـ الميقات الزماني:
هو عبارة عن شهر شوال وذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، فهذه المدة الزمنية هي الفترة المفتوحة للإحرام بالحج، أي فلا نوى الحاج الحج قبل ذلك لم تصح نيته ولم يصح إحرامه.
وهو معنى قوله عز وجل في سورة البقرة (197): ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ .... ﴾.
ب ـ الميقات المكاني:
وهو عبارة عن حدود تحيط بالحرم المكي من شتى جهاته.
حددها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة للقادمين إليه من الآفاق البعيدة، بحيث يجب عليهم إذا وصلوا ولم يكونوا محرمين أن يبدؤوا الإحرام ويلتزموا شروطه وواجباته التي سنتحدث عنها، منذ ذلك المكان.
وتفصيل ذلك الحدود كما يلي:
1ـ (ذو الحُليفة) ميقات للمتوجه من المدينة المنورة.
وهو ما يسمى الآن " بأبيار علي " - رضي الله عنه - ويندب أن يحرم من المسجد الذي أحرم منه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
2ـ (الجُحفة) ميقات للمتوجه من الشام ومصر والمغرب، بحيث يجب عليه أن يحرم إذا وصل هذا المكان بعينه، أو إذا وصل إلى ما يسامته عن يساره أو يمينه.
3ـ (يلملم) ميقات للمتوجه من تهامة اليمن.
4ـ (قرن) ميقات للمتوجه من نجد الحجاز ونجد اليمن.
5ـ (ذات عرق) للمتوجه من جهة المشرق كالعراق والخليج ونحوه، بحيث يجب عليه كما قلنا أن يحرم من المكان ذاته، أو المكان الذي يسامته إذا لم يصل طريقه إليه مباشرة.
6ـ أما من كان منزله دون هذه المواقيت قرباً إلى مكة، فإن ميقاته منزله الذي هو فيه، فهو يحرم من حيث ينشئ سفره.
ويدخل في هذا الضابط أهل مكة أيضاَ، فيحرمون من بيوتهم داخل مكة.
ودليل ذلك ما رواه الشيخان، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم.
وقال: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة).
وهذه المواقيت تعتبر مواقيت للحاج والمعتمر، ما داما قادمين من خارج الحرم، أما إذا كان المعتمر في داخل الحرم، سواء كان مكياً أو وافداً، فيجب عليه الخروج للإحرام بالعمرة إلى أدني الحل، وهو ما وراء حدود الحرم ولو بخطوة واحدة.
فلو أحرم من مكة صحت عمرته ولزمه دم كما ستعلم فيما بعد.
ودليل الوجوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل عائشة، كما في الحديث الصحيح، بعد قضاء الحج إلى " التنعيم " وهو مكان وراء حدود الحرم ـ فاعتمرت من هناك.
2ـ كيفية الإحرام بالحج والعمرة:
الإحرام هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو نسكهما معاً، مع ما يتبعه من الأعمال والآداب المتممة، فلنستعرض كيفية ذلك بإيجاز:
أولاً: إذا أراد الحاج أو المعتمر الدخول في النسك، قدم بين يدي ذلك هذه التمهيدات التالية:
أـ الاغتسال: وهو سنة، وينوي به غسل الإحرام، فإن عجز عن الاغتسال يتيمم.
ب ـ تطييب بدنه وهو سنة أيضاَ، ولا بأس بأن تبقى رائحته إلى ما بعد الدخول في الإحرام وأعمال النسك.
لما ورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم) والوبيص: البريق، والمفرق: وسط الرأس.
ج ـ تجرد الرجل عن كل مخيط من الثياب، وهو واجب، ويستعيض عنه بإزار ورداء يسن أن يكونا أبيضين، أما المرأة فلا يجب عليها سوى كشف وجهها وكفيها لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري وغيره: " لا تلثم المرأة ولا تلبس القفازين " جوابا على سؤال بعض الصحابة عما يجب أن تلبسه المرأة أثناء إحرامها بالحج، ويسن في حق المرأة أن تخضب كفيها بحناء قبل الإحرام لأنها تحتاج إلى كشفهما.
د ـ صلاة ركعتين: وهي سنة، ينوى بهما سنة الإحرام.
ثانيا: إذا أنجز هذه التمهيدات: وقد علمت أن الواجب منها هو الفقرة " ج " فقط، الباقي سنن وآداب، انتظر اللحظة التي يبدأ فيها المسير أيا كانت وسيلته، وعندئذ ينوي بقلبه الإحرام بالحج أو العمرة، حسب ما هو قاصد إليه، ويسن أن يلتفظ بلسانه، ثم يقول: (لبيك الهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك).
والواجب من ذلك كله إنما هو النية القلبية، أما التلفظ بها والتلبية فسنة.
فإذا فعل ذلك فقد دخل في مناسك الحج أو العمرة، وسرت عليه الأحكام والواجبات المتعلقة بهما مما سنذكره لك فيما بعد.
ثالثاً: للحاج أن يختار في عقد النية بالإحرام كيفية من الكيفيات التالية:
(أولها) ـ أن ينوي الإحرام بالحج فقط، فإذا فرغ من أعمال الحج، عاد إلى خارج حدود الحرم فاعتمر وأتى بأعمال العمرة.
وهذه الكيفية هي أفضل كيفيات الإحرام، لما صح من رواية جابر أنه عليه الصلاة والسلام أحرم كذلك.
وتسمى هذه الكيفية " الإفراد ".
(ثانيهما) ـ أن ينوي بإحرامه العمرة، حتى إذا فرغ منها حل ثم أحرم بالحج من مكة أو من الميقات الذي أحرم بالعمرة منه، وتسمى هذه الكيفية " تمتعاً " وهي تلي في الأفضلية الإفراد.
(ثالثهما) ـ أن ينوي حجاً وعمرة معاً، ثم يمضي في أعمال الحج، فتندرج تحتها العمرة أيضاً، ويستحق أجرهما معاً.
فهذه هي خلاصة كيفية الإحرام، وهو كما قد علمت المدخل إلى مناسك كل من الحج والعمرة.
3ـ محرمات الإحرام:
تحرم على المتلبس بالإحرام عشرة أشياء يجب أن يتجنبها سواء كان محرماً بحج أو بعمرة وهي:
1ـ لبس المخيط أو المحيط في جميع بدنه.
وكالمخيط في الحرمة الحذاء المحيط بالرجل.
بل يلبس في مكانة نعلاً لا يستر أطراف رجليه مما يلي الكعبين.
2ـ تغطية الرأس إلا من عذر، أو تغطية بعضه، سواء كانت وسيلة التغطية مخيطاً أو غيره كالعمامة والقلنسوة أو أي شيء ساتر.
أما الاستظلال بجدر أو مظلة بحيث لا تلامس رأسه فلا مانع من ذلك.
وهذان الأمران يحرمان على الرجال خاصة دون النساء.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: " لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس،
والخفاف إلا أحد لا يجد نعلين، فليس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه زعفران أو ورس ".
3ـ ترجيل الشعر، أي تسريحه، أيا كانت وسيلة ذلك مشطاً أو ظفراً أو نحوهما.
هذا إن خيف سقوط شعر بسبب ذلك.
فإن لم يخف فهو مكروه فقط.
4ـ حلق الشعر أو نتفه، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك ونحوه.
ويدخل في الحرمة قص بعض شعرة وذلك لصريح قول الله تعالى: ﴿َلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (البقرة: 196) وقاس الفقهاء على شعر الرأس شعر جميع البدن لسقوط موجب التفريق في الحكم بينهما.
5ـ تقليم الأظافر، والمراد الجنس الذي يصدق بظفرٍ واحد أو بعض ظفر.
وذلك قياساً على الشعر إلا أن يكون من عذر كأن انكسر ظفره وتأذي به فاضطر إلى قطعه.
6ـ التطيب: وذلك باستعماله عمداً في أي جزء من أجزاء بدنه، ومثله أن يمزج الطيب بطعام أو شراب فيطعمه، وأن يجلس أو ينام على فراش أو أرض مطيبين من غير حائل، ومثله أيضاً الغسل بصابون مطيب.
وليس في حكم التطيب شم الورد، أو مائه في إنائه أو مغرسه.
فلا يحرم ذلك.
ودليل الحرمة الإجماع، لأنه من أبرز مظاهر الترفُّه الذي تأباه حكمة الحج، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: " الحاج أشعت أغبر ".
7ـ قتل الصيد المأكول إذا كان برياً أو وحشيًا.
ومثل القتل مجرد صيده بوضع اليد عليه والتعرض لشيء منه من جزء أو شعر
أو ريش ونحو ذلك.
وخرج بالبري صيد البحر، فلا يحرم على المحرم، لو فرض وجوده على شاطئ بحر، وخرج بالوحشي من المأكول، الإنسي منه كالنعم والدجاج وإن استوحش.
ودليل تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (المائدة: 95).
8ـ عقد النكاح سواء فعل المحرم ذلك لنفسه أو غيره بتوكيل منه لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم وغيره: " لا ينكح المحرم ولا ينكح " أي لا يتولى ذلك لنفسه، ولا لغيره.
فإن فعل ذلك فالعقد باطل.
9ـ الجماع بأشكاله وأنواعه المختلفة، لصريح قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) والرفث مفسر بعدة أشياء من أبرزها وأهمها الجماع.
10ـ المباشرة بشهوة فيما دون الجماع، كلمس وقبلة ونحوهما، ومثلها الاستمناء باليد ونحوها، إذ كل ذلك داخل في الرفث الذي نهى الله تعالى عنه في الآية الكريمة المذكورة.
فهذه الأشياء يحرم مباشرتها في حال الإحرام بحج أو عمرة، إذا باشرها أو واحداً منها عالماً مختاراً بغير ضرورة.
فإن لم يكن عالماً أو لم يكن مختاراً أو ألجأته إلى ذلك الضرورة، كمرض ألجأه إلى ستر رأسه أو حلق شعره، لم يحرم ووجبت الفدية التي سنحدثك عنها فيما بعد إن شاء الله.
أعمال الحج والعمرة
أولاً: أعمال الحج
بعد أن عرفت شروط وجوب الحج وصحته، والمواقيت التي تبدأ منه أعمال الحج وكيفية الإحرام، نبدأ ببيان الأعمال التي يتحقق بها الحج.
وهذه الأعمال، منها ما هو واجب، ومنها ما هو ركن، ومنها ما هو سنة، ومنها توابع كالأدعية التي يستحب الدعاء بها، وكزيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبره.
فلنفصل القول في كل منهما على حدة.
الواجبات:
الفرق بين الواجبات والأركان: الواجبات والأركان، كلاهما واجب لا بد منه إلا أن الفرق بينهما أن الواجبات يجبر تركها بإراقة دم، كما سنعلم.
أما الأركان فهي ما لا يتم ماهية الحج إلا به، ولا يجبر تركه بإراقة دم.
وتتلخص واجبات الحج في الأمور التالية:
(الأول):
الإحرام من الميقات:
فيجب على الحاج إذا أراد أن يدخل في الحج أن يحرم به
في ميقاته سواء الزمان، والمكاني.
وقد عرفت ضابط كل منها للحاج والمعتمر.
فإذا مر بالميقات المكاني ولم يحرم حتى تجاوزه متغلغلاً داخل الحرم، فقد ترك واجباً من واجبات الحج.
أما إذا أحرم قبل أن يصل إليه فلا ضير في ذلك.
وقد عرفت كلا من دليل الميقات الزماني والمكاني عند الحديث عن المواقيت.
(الثاني):
المبيت بمزدلفة:
إذا نزل الحاج من عرفة بعد غروب الشمس، ووصل إلى مزدلفة ـ وهو مكان بين عرفة ومنى ـ وجب عليه المبيت فيه، بحيث يبقى هناك إلى ما بعد منتصف الليل.
أي فلا يجب عليه أن يبقى فيه إلى الفجر.
وذلك اتباعاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الطويل الذي رواه جابر - رضي الله عنه - عن كيفية حجة عليه الصلاة والسلام.
(الثالث):
رمي الجمار:
يجب على الحاج إذا نزل من عرفة ثم بات بالمزدلفة أن يتجه إلى جمرة العقبة وهي في آخر منى مما يلي مكة، وأن يرمي تلك الجمرة بسبع حصيات، بحيث تقع كل حصاة في المكان المحدد لها.
ويدخل وقت هذا الرمي بعد منتصف ليلة العيد.
ويمتد إلى مغيب شمس يوم العيد، وهو يوم النحر، للحديث الطويل الذي رواه مسلم عن جابر في كيفية حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه: " ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى حصاة منها، كل حصاة مثل حصى الخذف " ثم يجب عليه في كل يوم من أيام التشريق ـ وهي التي تلي يوم العيد ـ أن يرمى سبع
حصيات إلى كل من الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، على هذا الترتيب، وأمكانها معروفة في منى ويبدأ وقت رمي الجمار بعد زوال الشمس عن وسط السماء ويمتد إلى الغروب.
لكن إذا لم يدرك الرمي في هذا الوقت فله الرمي عقب الغروب، وله أن يؤخر الرمي إلى اليوم الثاني من غير فدية.
ملاحظة:
يسقط وجوب رمي الجمار يوم التشريق الثالث، إذا نفر الحاج من منى إلى مكة قبل غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو رخصة للمتعجل نص عليه كتاب الله عز وجل في قوله: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ) فإذا غربت الشمس قبل أن ينفر من منى وجب عليه المبيت فيها ورمي الجمار في اليوم الثالث أيضاً.
(الرابع):
المبيت بمنى ليلتي التشريق:
لا يكفي أن يرمى الحاج الجمرات الثلاث أيام التشريق ثم ينزل إلى مكة فيبيت فيها، بل يجب عليه أن يبيت بمنى ليلتي اليوم الأول واليوم الثاني، من أيام التشريق بحيث يمضي معظم الليل فيها.
أما ليلة اليوم الثالث فقد رخص الله له عدم المبيت فيها بشرط أن لا تغرب عليه الشمس وهو لا يزال في منى.
فإن غربت قبل أن ينفر منها وجب عليه مبيت تلك الليلة أيضاً، ورمي جمار اليوم الثالث كما قلنا، ودليل ذلك كله فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل عن كيفية حجه عليه الصلاة والسلام.
(الخامس):
طواف الواداع:
إذا أتم مناسكه كلها، وأنهى أعماله، وأراد الخروج من مكة، وجب عليه أن يطوف بالكعبة طواف الوداع على الصحيح.
لما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع.
وهذا الطواف يسقط عن المرأة الحائض.
فإذا طاف طواف الوداع فلا يمكثن بعده، بل يبادر بالخروج من مكة، فإن مكث لغير الحاجة أو لحاجة لا تتعلق بالسفر كعيادة مريض وشراء متاع، وجب عليه إعادة الطواف.
فهذه الأمور الخمسة واجبات يأثم الحاج بتركها من غير عذر.
ولكنها لا تدخل في الأجزاء الأساسية لحقيقة الحج.
ولذلك فإن ترك شيء من هذه الواجبات لا يبطل الحج، بل يمكن أن يجبر تركه بدم كما سنوضحه لك فيما بعد إن شاء الله تعالى:
الأركان:
قد علمت الآن أن أركان الشيء، هي الأجزاء الأساسية التي يتكون منها ذلك الشيء.
فأركان الحج إذاً هي تلك الأعمال التي إذا أهمل واحد منها بطل الحج، ولم يعد ينجبر بأي كفارة أو فدية وهي خمسة أشياء.
(الأول):
الإحرام:
وقد علمت أن المقصود به نية الدخول في الحج، وقد ذكرنا كيفيته وآدابه وشروطه.
فكما أن النية ركن أساسي من أركان الصلاة، فهي هنا ركن جوهري من أركان الحج.
(الثاني):
الوقوف بعرفة:
للحديث الصحيح: " الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج " رواه أبو داود وغيره.
أي الوقوف بعرفة هو لب أعمال الحج وأهمها، حتى لكأن الحج ليس إلا الوقوف بعرفة.
وعرفة اسم لجبل يطل على منى، يقع على بعد 25 كم إلى الجنوب الشرقي من مكة.
وتتلخص شروط الوقوف بعرفة فيما يلي:
1ـ أن يكون الوقوف بها في جزء من أجزاء الفترة التي تبدأ بظهر اليوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر يوم النحر.
أي فلو وقف بعرفة قبل ذلك أو بعده لم يعتبر حجة.
ويكفي أن يحضر من الوقت المحدد للوقوف لحظة واحدة من نهار أو ليل، ولكن الأفضل أن يجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل، فإن خرج من عرفات قبل غروب الشمس أراق دماً استحباباً لا وجوباً لمخالفته عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
2ـ أن يقف ضمن حدود عرفة، في أي مكان شاء للحديث الصحيح: " ها هنا وقفت وعرفة كلها موقف " رواه مسلم.
فلا يكفي وقوفه بعُرنْة، وهو اسم مكان يسامت حدود عرفة، بينهما صخرات نصبت علامة على حدود عرفة.
ويؤخر صلاة المغرب إلى العشاء جمعاً، يصليهما في المزدلفة في طريق العودة إلى منى، لفعله - صلى الله عليه وسلم - وأمره بذلك في الحديث المتفق عليه.
(الثالث):
طواف الإفاضة:
لصريح قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، ولفعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في حديث جابر الذي رواه مسلم، ولصحة الطواف شروط نلخصها فيما يلي:
1ـ أن يتوفر له ما يشترط لصحة الصلاة من النية، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، ومن النجاسة على بدنه، أو ثوبه أو المكان الذي يطوف فيه، ويستر العورة.
لما رواه الترمذي والدارقطني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ".
2ـ يشترط أن لا يدخل بشيء من جسمه أثناء الطواف إلى حدود الكعبة، فعليه إذاً أن يطوف بالبيت من خارج حدود الحِجْر (وهو عبارة عن مساحة إلى جانب الجدار الشمالي للكعبة محدود بجدار قصير على شكل نصف دائرة) لأن الحِجْر داخل ضمن حدود الكعبة.
فلا يجوز الطواف من داخله.
3ـ يشترط أن يجعل البيت عن يساره أثناء طوافه بادئاً بالحجر الأسود فلو بدأ بما وراء حدود الحجر الأسود، لم تحسب طوفته حتى يصل إليه.
وذلك للاتباع ولفعله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح.
4ـ يشترط أن يكمل طوافه سبعة أشواط، أي سبع طوفات.
فعندئذ يتم ركن الطواف، ويعتبر ذلك كله طوافاً واحداً.
هذه شروط الطواف، وله من وراء ذلك سنن وآداب سنتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله.
(الرابع):
السعي بين الصفا والمروة:
والصفا والمروة رابيتان قرب البيت، والمراد من السعي بينهما أن يسير من الصفا إلى المروة ثم العكس سبع مرات: من الصفا إلى المروة مرة، والعكس مرة.
وهكذا ... ودليل هذا الركن أنه - صلى الله عليه وسلم - استقبل القبلة في السعي وقال: " يا أيها الناس اسعوا " وحديث جابر
الذي رواه مسلم عن كيفية حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: " ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ) " أبدأ بما بدأ الله به " فرقى الصفا حتى رأى البيت ... . " الحديث.
وشروط السعي تتلخص فيما يلي:
1ـ أن يكون عقب طواف، سواء كان طواف القدوم، وهو الذي يستحب أن يفعله الحاج أول مقدمه مكة، أو كان طواف إفاضة، وهو طواف الركن.
لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدال على ذلك.
2ـ أن يكون مؤلفاً من سبعة أشواط مبدوءة بالصفا مختومة بالمروة، كل سعي بينهما محسوب شوطاً.
3ـ أن يقطع جميع المسافة التي بين الصفا والمروة، فلو ترك شبراً أو أقل منها لم يصح شوطه ذاك، ولذلك يجب أن يلصق عقبه بحائط الصفا، ومن ثم ينطق ساعياً إلى المروة، حتى إذا انتهى إليها ألصق رؤوس أصابع قدميه بحائط المروة ... . وهكذا.
4ـ أن يتابع ويوالي بين الأشواط السبعة، فلو فصل بينها بفاصل كبير عُرْفاً، وجب أن يستأنف السعي من جديد.
(الخامس):
الحلق:
ويشمل مطلق ما يسمى قصا للشعر، فيدخل قص ثلاث شعرات فأكثر، ويدخل الحلق بمعنى استئصال شعر الرأس، كما يدخل التقصير مهما كان قدره وأيا كانت وسيلته.
وهو ركن على الصحيح في مذهب الإمام الشافعي.
دليل ذلك فعله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان وغيرهما.
وشرط الحلق ما يلي:
1ـ ألا يسبق وقته، ووقته بعد منتصف ليلة النحر، فلو حلق قبل ذلك كان آثما ويستوجب الفدية.
2ـ ألا يقل عدد الشعرات حلقاً أو تقصيراً عن ثلاث شعرات على الصحيح لقوله تعالى عن المؤمنين: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) والرؤوس كناية عن الشعر لأن الرأس لا يحلق، قالوا: والشعر جمع وأقله ثلاث شعرات.
3ـ يشترط أن يكون الشعر المحلوق من حدود الرأس فلا يغني عنه حلق شعرات من اللحية والشاربين مثلاً.
هذا، وأما المرأة فتقصر ولا تؤمر بالحلق إجماعاً.
ملاحظة: من ليس في رأسه شعر سن إمرار الموسى على رأسه ولا يجب.
الترتيب بين معظم هذه الأركان:
لابد من الترتيب بين معظم هذه الأركان، على الوجه التالي: الإحرام أولاً، الوقوف بعرفة ثانياً، الطواف ثالثاُ السعي رابعا، أما الحلق فله أن يؤخره إلى ما بعد الطواف، وله أن يؤخر الطواف عنه.
ولكن هل الترتيب ركن سادس، أم هو شرط لكيفية تنفيذ الأركان؟ جرى خلاف في مذهب الإمام الشافعي في ذلك.
والمهم أن تعلم بأن الترتيب لابد منه على النحو الذي ذكرنا.
ثانياً: أعمال العمرة:
أما أعمال العمرة فتتلخص كالتالي:
1ـ الإحرام بها على طريقة الإحرام بالحج.
وقد ذكرنا ميقات الإحرام للعمرة.
2ـ يدخل مكة فيطوف طواف العمرة مباشرة، أي بدون طواف قدوم.
3ـ يسعى بين الصفا والمروة.
4ـ يحلق أو يقصر من شعر رأسه.
وبذلك يتحلل المعتمر من أعمال العمرة والتزاماتها.
سنن الحج
وهي عبارة عن الآداب والمكملات التي حرص عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسكه تطبيقاً وتعلماً، دون أن تكون داخلة في جوهر أعمال الحج، أو أن تكون واجبة يستلزم تركها الإثم والفدية.
وهي كثيرة موزعة على أعمال الحج المختلفة.
فلنعد أهمها تبعاً لأعمالها المقرونة بها.
أولاً: سنن الإحرام:
يسن عند الإحرام بالحج القيام بالآداب التالية:
1ـ الاغتسال قبل الإحرام، فإن لم يمكن الاغتسال قام التيمم مقامه، ويتبع ذلك كل وجوه التنظيف وخصال الفترة.
كإزالة شعر الإبط والعانة، وقص الأظافر، وإزالة الأوساخ، وهذا الغسل مسنون لكل حاج ذكراً أو أنثى طاهراً أو حائضاً أو نفساء.
2ـ التلفظ بالنية، وإجراء ألفاظها على اللسان، ثم إتباع ذلك بالتلبية وهي (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ويرفع الرجل صوته بذلك، قائما وقاعداً وماشياً، وفي مختلف الحالات لما رواه مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن
يرفعوا أصواتهم بالتلبية " ويستمر استحباب ذلك إلى رمي جمرة العقبة صباح يوم النحر.
ويستقبل القبلة عند الإحرام ويقول: لها خفض صوتها في التلبية بحيث تسمع نفسها.
3 - الابتعاد عن أحاديث الدنيا وملهياتها المباحة فضلاً عن المكروهة والمحرمة، ما أمكن ذلك.
ثانياً: سنن دخول مكة:
فإذا شارف الحاج دخول مكة يسن له أن يلتزم الآداب التالية:
1ـ أن يدخل مكة قبل وقوفه بعرفة، ثم يذهب إلى عرفة منها.
2ـ أن يغتسل لدخول مكة عند بئر ذي طوى وهي بئر معروفة، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بمائها دائماً إذا دخل مكة.
3ـ أن يدخل مكة من ثنية (كداء) وهي طريق بأعلى مكة.
4ـ أن يتجه فور وصوله مكة إلى البيت قاصداً طواف القدوم، وهي تحية البيت الحرام التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرص عليها.
5ـ أن يدخل المسجد من باب بني شيبة، فإذا أبصر الكعبة المشرفة رفع يديه ودعا بهذا الدعاء: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام ".
ثالثا: سنن الطواف:
علمت فيما مضى واجبات الطواف وشروط صحته، أما سننه فتتلخص فيما يلي:
1ـ أن يطوف ماشياً رجلاً كان أو امرأة، إلا إن عاقه عن ذلك مرض ونحوه، فلا كراهة في أن يطوف راكباً.
روى الشيخان أن أم سلمى قدمت مريضة، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " طوفي وراء الناس وأنت راكبة ".
2ـ أن يستلم الحجر الأسود أول طوافه ويقبله ويضع جبينه عليه.
إذ كان ذلك دأب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان.
فإن لم يتمكن أن يتلمسه بيده لازدحام ونحوه أشار إليه بيده عن بعد مكبراً ومهللاً.
وهذه السنة خاصة بالرجال.
أما المرأة فلا يسن لها استلام لا تقبيل، إلا إذا خلا المطاف أمامها.
وإذا كان في الطواف ازدحام، بحيث كان استلام الحجر وتقبيله، يسبب إيذاء للناس سقط استحباب ذلك للرجل أيضا، بل ربما عاد ذلك مكروهاً أو محرماً، حسب درجة الإيذاء التي تأتي نتيجة ذلك.
لما رواه الشافعي وأحمد عن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " يا عمر " إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر، فتؤذي الضعيف.
إن وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر ".
3ـ أن يكرر الاستلام والتقبيل للحجر الأسود عند كل شوط من طوافه، بالشروط التي ذكرناها، ويسن أيضا استلام الحجر بعد الطواف وصلاته.
4ـ أن يقول في أول طوافه: " بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، وإتباعا لسنة نبيك محمد عليه الصلاة والسلام " لاتفاق السلف من الأئمة على ذلك.
وأن يقول قبالة باب الكعبة: اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار.
وأن يقول عند الانتهاء إلى الركن العراقي: اللهم إني
أعوذ بك من الشك والشرك، والنفاق والشقاق، وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد.
وأن يقول عند الانتهاء إلى تحت الميزاب: اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقني بكأس نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - شراباً هنيئا لا أظمأ بعده يا ذا الجلال والإكرام.
وأن يقول بين الركن الشامي واليماني: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً مقبولاً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور.
وأن يقول بين الركنين اليمانيين: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ويدعو بما شاء من الأدعية، والدعاء المأثور الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطواف أفضل من القراءة، والقراءة أفضل من غير المأثور.
5ـ أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، بأن يسرع مشيه مقارباً خطاه، ويمشي على هيئته في الأشواط الأربعة الأخرى، إذا كان سيعقب طوافه سعي، وإلا بأن كان قد سعى بعد طواف سابق، فلا يسن الرمل فيه، ويسن الرمل أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، ويلقي طرفيه فوق منكبه الأيسر.
ويسمى ذلك اضطباعاً.
وذلك لما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما دخل مكة لعمرة القضاء فعل ذلك وأمر أصحابه بذلك، وقال: " رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوة ".
6ـ أن يصلى بعد أن يتم طوافه، ركعتين خلف مقام إبراهيم يقرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون وفي الثانية بقل هو الله أحد.
لما صح من رواية مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك وندب الناس إليه وهو يقرأ قول الله تعالى: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ".
رابعاً: سنن السعي:
1ـ يسن إذا سعى بعد طواف ألا يعيد السعي بعد طواف آخر.
فإذا سعى بعد طواف القدوم (وهو سنة كما علمت) يكره أن يعيده بعد طواف الإفاضة الذي هو ركن في الحج.
2ـ يستحب أن يرقى في أول سعيه على الصفا، بحيث يشاهد البيت لو لم يكن دونه حجاب، ثم يستقبل القبلة قائلاً: " الله اكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا.
لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير " فإذا وصل بعد ذلك إلى المروة رقى عليها وقال مثل ذلك.
3ـ أن يسعى ماشياً ما أمكنه ذلك، فإذا وصل إلى ما بين الميلين المعروفين سن له أن يعدو ويهرول.
ويدعوا أثناء ذلك وعند صعوده على الصفا والمروة كل مرة بما يجب لنفسه ولإخوانه وللمؤمنين.
خامساً: سنن الخروج إلى عرفة:
الوقوف بعرفة ـ كما قد عرفت ـ ركن من أهم أركان الحج.
ويمكن تحقيقه بأن يذهب إليه الحاج رأساً، دون مرور بمكة.
ولكن إذا أراد اتباع السنة، وتطبيق المراحل التي اجتازها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذهاب إلى عرفة، كان عليه أن يراعي الخطوات التالية:
1ـ أن يجعل صعوده إلى عرفة بعد دخوله مكة وأدائه طواف القدوم كما ذكرنا.
2ـ أن يخطب إمام المسلمين أو كبير قدوة فيهم، في مكة، في سابع ذي الحجة، بعد صلاة الظهر يوجههم إلى الصعود إلى منى صباح اليوم التالي، وما يلي ذلك من خطوات المناسك.
ليكونوا على بينة من الأعمال التي هم مقبلون عليها.
3ـ أن يخرجوا صباح اليوم الثامن إلى منى فيقيموا هناك إلى صباح اليوم التاسع.
يصلون فرائضهم الخمسة في مسجد الخيف، حيث كان يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
4ـ أن يتجهوا صباح اليوم التاسع بعد شروق الشمس إلى عرفات.
ويسن أن لا يدخلوها إذا وصلوا إلى قريب من حدودها، بل يقيمون بنمرة (مكان قريب عرفات) إلى أن تزول الشمس، حيث يصلون الظهر والعصر جمع تقديم، ثم يدخلون عرفات ويقفون بها إلى الغروب، يذكرون الله تعالى ويدعون ويكثرون التهليل والإنابة والتضرع إلى الله عز وجل.
هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أصحابه، فيما صح عنه، في حجة الإسلام التي أداها قبيل وفاته.
سادساً: سن المبيت بالمزدلفة:
فإذا وصلوا إلى مزدلفة (وقد عرفت أن المبيت بها واجب، بحيث يوجد فيها ولو دقيقة بعد منتصف الليل) استحب مراعاة الأمور التالية:
أـ البقاء في المزدلفة إلى أذان الفجر، حيث يصلون الصبح فيها مغلسين أي في أول وقتها
ب ـ الاتجاه إلى منى بعد أن يأخذوا من المزدلفة حصى الجمار: سبع حصيات كل منها أكبر من الحمصة، ودون حبة الفول.
لما رواه النسائي والبيهقي عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له غداة النحر: " التقط لي حصى ". قال فلقطت له حصيات مثل حصى الخزف.
ج ـ الوقوف عند المشعر الحرام (وهو جبل صغير في آخر المزدلفة) إذا وصلوا إليه، والدعاء هناك إلى الإسفار، مع الإكثار من قول: " ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ". وذلك لصريح قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾ ثم يواصلون سيرهم إلى منى، شعارهم التلبية والذكر، بحيث يصلونها بعد طلوع الشمس.
سابعاً: سنن الرجم
يسن في رجم جمرة العقبة اتباع الآداب التالية:
1ـ أن لا يبتدئ إذا وصل إلى منى بشيء غير رمي الجمار، إذ هو تحية منى ذلك اليوم.
2ـ أن يقطع التلبية عند ابتداء الرمي لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يزل ملبياً حتى إذا رمى قطع التلبية، واستبدل بها التكبير.
3ـ أن يكبر مع قذف كل حصاه، وأن يرمي بيده اليمنى، رافعاً لها حتى يري بياض إبطه.
أما المرأة فلا ترفع، وأن تكون الحصاة في قدر الباقلاء.
ويسن في رمي الجمار أيام التشريق اتباع ما يلي:
1ـ أن يرمي الجمار إذا زالت الشمس وقبل أن يصلي الظهر، إلا إذا حال ازدحام شديد دون ذلك فلا مانع من التأخير.
2ـ أن يقف من الجمرة الأولى والثانية موقفاً بحيث يتجه إلى
القبلة، ثم يرمي إليها الجمار واحدة إثر أخرى على النحو الذي ذكرناه في جمرة العقبة.
3ـ أن ينحرف بعد الرمي قليلاً بحيث لا يناله حصى الناس أثناء الرمي، ويجعل الجمرة خلفه، ويستقبل القبلة، ويدعوا الله بخشوع وتضرع بما شاء لنفسه ولإخوانه، ويسن أن يطيل ذلك قدر قراءة سورة البقرة.
فإذا أتى الجمرة الثانية فعل مثل ذلك ودعا بعد الرمي بدون أي فرق بينهما، حتى إذا وصل إلى جمره العقبة، وهي التي كان قد رماها يوم النحر، رمى الجمار كما فعل في السابق.
ولا يدعو بعد ذلك، ولا يقف عندها.
دليل ذلك كله فعله - صلى الله عليه وسلم - فيما صح في الحديث الصحيح.
كيفية التحلل من الحج
عرفت فيما مضى أن الدخول في مناسك الحج يستلزم تلبس الداخل في التزامات معينة، وحرمة تلبسه بطائفة من التصرفات والأعمال لتي سبق بيانها.
فمتى يتحلل الإنسان من الحج والتزاماته، ومن الحظر المفروض عليه.
وكيف يكون ذلك؟
يبدأ وقت التحلل من بعد منتصف ليلة عيد النحر، عندما يكون قد دفع من عرفات وبات البيتوتة الواجبة في المزدلفة واتجه عائداً إلى منى.
هنالك تكون أمامه ثلاثة أعمال هامة من مناسك الحج في انتظاره وهي: رمي جمرة العقبة، الحلق، الطواف، فإذا أنجز الحاج اثنين من هذه الأعمال الثلاثة، أيا كانت، فقد تحلل من الحج التحلل الأول، ويسمونه: التحلل الأصغر، فيجوز له مباشرة جميع المحرمات العشرة السابق ذكرها ما عدا النساء: وطأ، ومباشرة، عقد نكاح.
أي فيلبس ثيابه ويتطيب.
الخ فإذا أنجز الحاج العمل الثالث الباقي من تلك الأعمال الثلاثة، فقد تحلل من الحج تحللا كاملاً، ويسمونه: التحلل الأكبر، أي فيجوز له مباشرة النساء وتوابعها أيضا.
دليل ذلك ما رواه أحمد وأبوداود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا النساء ".
أدعية الحج
تمهيد:
1ـ الدعاء عبادة بل هو مخ العبادة، وهو في الحقيقة تعبير عملي عن يقظة الضمير، والشعور بالحاجة إلى تأييد الله وعونه.
2ـ ذلك ورد الأمر به في القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ وقال: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " لا يرد القضاء إلا الدعاء " وقال: " الدعاء هو العبادة ".
3ـ ولا شك أنه من أعظم دواعي إجابة الدعاء: إخلاص القلب، وطهارة النفس، وطيب الكسب، والإعراض عن الدنيا والإقبال على الله.
والإنسان في أيام الحج وقت أداء المناسك يكون أكثر استعداداً للاتصاف بالأوصاف التي ذكرناها، مما يجعل الإنسان أكثر تعرضاً لرحمة الله وإجابة دعائه.
4ـ لذلك كله شرع الدعاء في أيام الحج واستحب الإكثار منه رغبة ورهبة خوفاً وطمعاً.
5ـ ولا شك أن أفضل الدعاء ما كان مأثوراً، في كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أو في السنة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استوي على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل).
6ـ واعلم أنه قد أثرت أدعية كثيرة، في مناسك الحج ولكنها ليست كلها مما يصح نسبتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل أكثرها لم يصح عنه، وإنما استحبها السلف الصالح ورويت عن كثير من العلماء، والصالحين، فيستحب للإنسان أن يدعو بها على أنها دعاء، أو أن يدعوا بغيرها مما ينشرح له صدره وتطيب له نفسه غير ملتزم بدعاءٍ معين، وقد مر بك بعض الأدعية أثناء دراستك لفقرات أبحاث الحج مخرجة، أما ما سنذكره الآن فسنذكره من غير نسبة لأحد.
الأدعية في الحج
1ـ عند الإحرام:
قال الإمام الرازي: لو قال الحاج بعد التلبية: (اللهم لك أحرم نفسي وشعري وبشري، ولحمي ودمي) كان حسناً.
2ـ إذا رأى شيئاً أعجبه:
وإذا رأى شيئاً أعجبه بعد إحرامه قال: (لبيك إن العيش عيش الآخرة) اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
3ـ إذا وصل إلى حرم مكة:
وإذا وصل الحاج إلى مكة استحب له أن يقول: (اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرمني على النار، وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك).
4ـ إذا دخل مكة ووقع بصره على الكعبة:
وإذا دخل مكة ووقع بصره على الكعبة استحب أن يقول:
(اللهم زد البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً وزد من شرفه وكرمه ممن حجه، أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام).
5ـ عند الطواف:
ويقول عند البدء بالطواف: (باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك عليه الصلاة والسلام).
ويقول في رمله في الأشواط الثلاثة: (اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً)
ويقول في الأشواط الأربعة الباقية: (اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
6ـ عند السعي:
يستحب على الصفا أن يستقبل القبلة ويقول: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله
إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني إلى الإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم).
ويقول ذلك على المروة أيضاً.
ومن الأدعية المستحبة في السعي أيضاً: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والفوز بالجنة والسلامة من كل إثم، والنجاة من النار، اللهم إني أسألك التقى والعفاف والغنى).
7ـ في عرفات:
يستحب الإكثار من الدعاء يوم عرفة لحديث: " خير الدعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ".
روى الترمذي عن علي - رضي الله عنه - قال: أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة في الموقف: " اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح ".
8ـ في المزدلفة والمشعر الحرام:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾.
ويستحب أن يقول: (اللهم إني أسألك أن ترزقني في هذا المكان
جوامع الخير كله، وأن تصلح شأني كله، وأن تصرف عني الشر كله، فإنه لا يفعل ذلك غيرك ولا يجود به إلا أنت).
9 - بمنى يوم النحر:
يستحب أن يقول إذا انصرف من المشعر الحرام ووصل منى (الحمد لله الذي بلغنيها سالماً معافى، اللهم هذي مني قد أتيتها وأنا عبدك، وفي قبضتك، أسألك أن تمن عليَّ بما مننت به على أوليائك، اللهم إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين.
10ـ بمنى أيام التشريق:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيام التشريق أيام كلها أكل وشرب وذكر لله تعالى " فيستحب الإكثار من الأذكار، وأفضلها قراءة القرآن، ويستحب أن يقف عند الجمرة الأولى مستقبلاً الكعبة، ويحمد الله ويكبره ويهلل ويسبح، ويدعو مع حضور القلب وخشوع الجوارح.
11ـ عند شرب ماء زمزم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ماء زمزم لما شرب له " ويستحب أن يقول: (اللهم إنه قد بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ماء زمزم لما شرب له " اللهم إني أشربه لتغفر لي ولتفعل كذا وكذا ـ مما يحب أن يدعوا به ـ). الخلاصة: هذه بعض أدعية اخترناها من كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى، وأكثرها كما يظهر لك من أقوال السلف الصالح،
وأدعية العلماء المؤمنين دعوا بها وأرادوا أن يعلموها الناس على الأخص العوام منها، ليدعوا بها في تلك الأماكن الطاهرة وفي تلك الحالات الخاشعة، علماً بأن المأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك قليل، ولا يصح أن يعتقد الإنسان أن هذه الأدعية هي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله، بل هي أدعية مرسلة يصح أن يدعو بها الإنسان ويدعو بغيرها مما يشاء والله نسأل أن يلهمنا الدعاء الذي يرضاه وأن يرزقنا الإجابة كما يحب ويرضى.
الإخلال بالحج
اعلم أن الإخلال بالحج يكون بسبب من الأسباب التالية:
السبب الأول:
ترك مأمور به أذن الشارع للحاج بتركه بشرط الفدية.
السبب الثاني:
ترك واجب من الواجبات الخمسة التي سبق ذكرها.
السبب الثالث:
ترك ركن من أركان الحج وهو إما أن يكون الوقوف بعرفة أو غيره من بقية الأركان ولكل منا حكم.
السبب الرابع:
ارتكاب شيء من محرمات الإحرام التي مضى ذكرها ..
فالإخلال بالحج إنما يكون بسبب من الأسباب الأربعة، وهي أسباب متفاوتة فيما تترك من أثر، فالبعض منها يجبر بفدية، والبعض لا يجبر بشيء.
ولنبدأ بتفصيل القول في كل منها.
السبب الأول:
أن يترك مأموراً به ولكن أذن الشارع للحاج بتركه بشرط الفدية وهذا السبب محصور في أن يحج متمتعاً أو قارناً فإن المأمورية في الأصل إنما هو الإفراد في مذهب الشافعي.
ولكن لا مانع من أن يحرم متمتعاً أو قارناً، بشرط أن يذبح لقاء ذلك هدياً وهو شاة مما تجزىء به الأضحية.
فإن لم يجد الشاة أو ثمنها صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لقوله تعالى: ﴿َمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فإن لم يصم في الحج ثلاثة أيام صامها إذا رجع إلى أهله وفرق بينهما وبين السبعة بقدر أربعة أيام ومدة إمكان السير إلى أهله.
السبب الثاني:
أن يترك شيئاً من الواجبات التي سبق ذكرها، بأن لا يحرم من الميقات، أو يترك الرمي، أو المبيت، بمزدلفة، أو بمنى، أو يترك طواف الوداع.
فمن ترك واحداً من هذه الواجبات التي سبق ذكرها، فقد أخل بالحج، وعليه ليجبر هذا الإخلال أن يذبح شاة إن تيسر له ذلك، فإن لم يتيسر وجب عليه في الأصح أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
السبب الثالث:
ترك ركن من أركان الحج، وهو إما يكون تركاً للوقوف بعرفة أو تركاً لواحد من بقية الأركان الأخرى.
فالأول: وهو ترك الوقوف بعرفة يترتب عليه وجوب ما يلي:
أـ ذبح دم.
كدم المتمتع أو الصيام إن لم يتيسر الدم.
ب ـ التحلل بعمرة، بأن يعمل أعمال العمرة ثم يتحلل، ومع ذلك فهي لا تحسب له عمرة مسقطة للواجب.
ج ـ قضاء هذا الحج، سواء قد أحرم به عن حجة الفرض أو أحرم به متطوعاً، وذلك على الفور أي السنة المقبلة، ولا يجوز التأخير عنها إلا لعذر.
ولا فرق في هذا بين أن يترك الوقوف بعرفة بعذر كنوم ونسيان ونحو ذلك.
أو بغير عذر.
والثاني: وهو ترك واحد من الأركان، كأن يترك طواف الإفاضة والسعي، أو الحلق فهذه لا مدخل للجبران فيها، ولا يرتفع الإخلال، إلا يفعل المتروك نفسه، أي فيبقي الحج معلقاً حتى يتدارك، مهما تطاول الزمن ومضى الوقت.
السبب الرابع:
أن يرتكب شيئاً من محرمات الإحرام التي مضى بيانها: كأن يحلق شعراً، أو يقلم ظفراً، أو يلبس مخيطاً ... إلى آخرة، فمن ارتكب شيئاً من المحرمات، وجب عليه جبر الإخلال الذي نتج عن ذلك على الوجه التالي:
أولاً: إن كان المحرم الذي ارتكبه: حلقاً لشعر، أو قلماً لأظافر، أو لبساً لمخيط، أو تطيباً، أو ستراً للرأس، أو مباشرة فيما دون الجماع، وجب عليه واحد من الأمور التالية:
أـ ذبح شاة مما تجزئ به الأضحية.
ب ـ إطعام ستة مساكين كل مسكين ما يساوي نصف صاع.
ج ـ صيام ثلاثة أيام.
فهو مخير فعل واحد من هذه الأمور الثلاثة، بشرط ألا يقل المحلوق عن ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظافر.
فإن كان دون ذلك، ففي الشعرة الواحدة أو الظفر الواحد مد طعام وفي الشعرتين أو الظفرين مدين.
ثانياً: إن كان المحرم الذي ارتكبه الحاج جماعاً وجب أن يذبح بدنة، فإن لم يجد قومت البدنة دراهم (وتعتبر القيمة بسعر مكة) وقومت الدراهم طعاماً يتصدق به، فإن لم يجد قيمة البدنة أيضاً، قدر الطعام أمداداً (والمد ملء حفنة) عن كل مد يوماً.
ثالثاُ: أما إن كان المحرم اصطياداً، فينظر:
1ـ إن كان الحيوان الذي اصطيد، له مثل في الأنعام، وجب ذبح مثله من الأنعام.
ففي صيد النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، وفي الغزل عنز ... . إلخ.
2ـ إن كان الحيوان لا نقل فيه عن الصحابة وجُهل المماثل له من الأنعام، وجب الرجوع في ذلك إلى قرار عدلين، من ذوي الخبرة لقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾.
3ـ أما إذا كان الحيوان مما لا مثيل له، فيجب إخراج القيمة.
عندئذ والتصدق بها على الفقراء ويرجع في تحديد القيمة إلى قرار عدلين من ذوي الخبرة.
4ـ يستثنى من ذلك كله الحمام ونحوه مما يهدر، ففي الواحد شاة من ضأن أو معز نقل ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم، والصحيح أن مستندهم في ذلك هو التوقيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك هو أصل الفدية في الصيد.
ثم إن كان الحيوان مثلياً
تخير الصائد في جزاء الإتلاف بين أن يذبح مثله من النعم، كما ذكرنا ويتصدق به على فقراء الحرم خاصة، وبين أن يقوم ذلك المثل بالدراهم ويتصدق بما يسويها طعاماً عليهم وبين أن يصوم عن كل مد يوماً.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ المائدة 95.
أما غير المثلي، فيتصدق بالقيمة التي يقررها العدلان الخبيران، أو يصوم عن كل مد من ذلك يوماً.
يتبين لك مما ذكرنا: أن فدية ترك الواجب فدية مرتبة: الذبح أولاً، فإن عجز فالتصدق، فإن عجز فالصيام، وأن فدية ارتكاب محرم فدية محيرة.
إن شاء ذبح، أو أطعم، أو صام.
وذلك طبقاً للتفصيل الذي ذكرناه والله أعلم.
هذا ولابد من بيان أن الأضحية سنة للحاج كغيره.
وأن وقتها من بعد الرمي إلى آخر أيام التشريق.
الدماء الواجبة في الحج وما يقوم مقامها:
الدماء الواجبة في الحج على هذا خمسة أقسام:
القسم الأول: الدم المرتب المقدر: وهذا يجب عند ترك واجب من واجبات الحج التي مر ذكرها.
فإذا ترك واجباً مما ذكر وجب عليه أولاً ذبح شاة مجزئة في الأضحية، أو سُبُع بقرة أو سُبُع بدنة.
فإن لم يجد شيئاً من ذلك وجب عليه أن يصوم بدلها عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
ويدخل في هذا القسم دم التمتع ودم الفوات للوقوف، بعد التحلل لعمرة.
القسم الثاني: مخير مقدر: وهذا يجب عند فعل محظور كحلق
شعر وقلم ظفر وما شابه ذلك، فيجب على من فعل ذلك ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو ثلاثة آصع من طعام بر أو شعير يدفعها إلى ستة من مساكين الحرم، لكل مسكين نصف صاع.
ويكفي في وجوب هذه الفدية إزالة ثلاث شعرات، أو قلم ثلاثة أظافر.
القسم الثالث: مخير معدل: وهذا ما يجب عند قطع نبت أو بقتل صيد، فمن فعل ذلك وجب في حقه إن كان للصيد مثل أو شبه صوري أن يذبح المثل في الحرم، أو يشتري لأهل الحرم حباً بقدر قيمته يوزعه عليهم، أو يصوم عن كل مد يوماً.
وإن لم يكن لذلك مثل فهو مخير بين الإطعام والصيام.
إلا الحمام فيجب في الحمامة شاة.
القسم الرابع: مرتب معدل: وهو الدم الواجب بالإحصار، فمن منع من الحج بعد إحرامه وجب عليه أولاً أن يذبح شاة حيث أحصر، فإن لم يستطع فليطعم بقدر ثمن الدم يوزعه على الفقراء، فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد يوماً.
القسم الخامس: مرتب معدل أيضاً: وهذا يجب على المجامع خاصة، فمن جامع قبل الإحلال وجب أن يذبح بعيراً، فإن عجز وجب عليه أن يذبح بقرة، فإن عجز وجب عيه أن يذبح سبع شياه، فإن عجز عن ذلك أطعم بقيمة البعير أهل الحرم، فإن عجز عن الإطعام، صام عن كل مد يوماً.
هذا ولا يجزئ الذبح والإطعام إلا في الحرم، وأما الصيام فيصوم حيث شاء، هذا والمراد بالترتيب في هذه الدماء أنه لا يجوز أن ينتقل إلى الثاني إلا عند عجزه عن الأول، وهو ضد التخيير فهو مفوض إليه أن يفعل ما يختاره.
ومعني التقدير أن الشرع قد قدر البدل المعدول إليه سواء أكان ترتيباً أم تخبيراً، ويقابله التعديل ومعناه
أنه أمر فيه بالتقويم والعدول إلى الغير بحسب القيمة، ولقد جمع الشيخ العمريطي شرف الدين يحي في منظومته "نظم الغاية والتقريب" الكلام عن تلك الدماء فقال: وسائر الدماء في الإحرام ... محصورة في خمسة أقسام فالأول المرتب المقدر ... بترك أمر واجب ويجبر بذبح شاةٍ أولاً وصاما ... للعجز عنه عشرة أيام ثلاثة في الحج في محله ... وسبعة إذا أتى لأهله ثاني الدما مخيري مقدر ... بنحو حلق من أمور تخطرُ فالشاة أو ثلاثة أيام ... يصومها أو آصع طعام لستةٍ هم من مساكين الحرم ... لكل شخص نصف صاع منه تم ثالثها مخير معدل ... يقطع نبت أو بصيد يقتل فإن يكن للصيد مثل في النعم ... فليذبح المثل ابتداء في الحرم أو يشتري لأهل ذلك الحرم ... حبا بقدر ما له من القيم أو يعدل الأمداد منه صوما ... يصومه عن كل مد يوما وخيروا في الصوم والإطعام في ... إتلاف صيد حيث مثله تفي رابعها مرتب معدل ... فواجب بالحصر حيث يحصل دم فإن لم يستطع فليطعم ... قوتا يرى بقدر قيمة الدم وصام عند العجز عن إطعام ... ما يعدل الأمداد من أيام خامسها يختص بالمجامع ... مرتب معدل كالرابع لكن هنا البعير قبل معتبر ... وبعده للعجز رأس من بقر وعند عجز عن سبع من غنم ... ثم الطعام يشترى عند العدم بقيمة البعير حيثما وجد ... وعدله من الصيام إن فقد ولم يجب كون الصيام في الحرم ... والهدي والإطعام فيه ملتزم
حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
هذا وقد أحببنا أن نضع لك في ختام بحث الحج حديث جابر - رضي الله عنه - في حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنقف بذاكرتك بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام وهم يؤدون هذه الفريضة عبر الزمان الطويل.
روى مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أُذِّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعمل مثل عمله.
فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، استثفري 1 بثوبٍ وأحرمي، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ثم ركب القصواء 2، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل 3
بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.
وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلبيته.
قال جابر لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ:
﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان يقرأ في الركعتين:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلها عمرة.
فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة " فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد، فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعة واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج، مرتين، لا بل لابد أبد " وقدم علي من اليمن ببدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا.
قال: فكان علي يقول بالعراق: ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحرشا 1
على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -