الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيالباب التاسع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب التاسع

عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الحجر

الحجر

تعريف الحجر

: الحجر في اللغة: المنع.
والحجر في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هو المنع من التصرفات المالية لسبب يخل بها شرعاً.
والأسباب التي تخل بالتصرفات فتستوجب الحجر كثيرة ومتنوعة، ويتنوع الحجر تبعاً لها.
فمن أنواعه الحجر على المفلس لحق الغرماء، والحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة، والحجر على الصغير والمجنون محافظة على مالهما، والحجر على الراهن في التصرف في المرهون لحق المرتهن.
وأكثر هذه الأنواع موزعة في أبواب فقهية مختلفة، كباب الرهن، والوصية، والردة، وسنتحدث في هذا الباب عن أهم هذه الأنواع، ونحيل علم الأنواع الأخرى إلي الأبواب التي تذكر فيها، وسوف تجد أحكامها في هذه السلسلة الفقهية.

دليل مشروع الحجر

: الحجر بالمعني الذي ذكرناه مشروع، ومقرر في الفقه، ودليل تشريعه القرآن والسنة والإجماع.
أما القرآن فقول الله عز وجل: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (سورة النساء: 5).
[السفهاء: جمع سفيه، وهو الذي لا يحسن التصرف بالمال ن ويضعه في غير مواضعه، أموالكم: نسب المال إلي الجميع، لأنه مال الله تعالى، وللأمة حق

فيه وإن كان ملكاً خالصاً للفرد.
قياماً: فيه قيام معايشكم وقضاء مصالحكم].
ووجه الاستدلال بالآية أن الله عز وجل نهى الأولياء أن يضعوا الأموال بين أيدي السفهاء، وهذا هو الحجر عليهم.
وقال تبارك وتعالى: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (سورة البقرة: 281). [الذي عليه الحق: المستدين.
ضعيفاً: لصغر، أو اختلال عقل.
لا يستطيع أن يمل: لا يحسن الإملاء لعقدة في لسانه ونحوه، والإملاء هنا: أن يقرأ على الكاتب عقد الدين ليكتبه] ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى أخبر أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم في التصرف وهو معنى الحجر عليهم.
وقال عز وجل أيضاً: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: 6).
[ابتلوا: اختبروا.
اليتامى: جمع يتيم، وهو الصغير الذي مات والده.
بلغوا النكاح: أصبحوا أهلاً للزواج، والمراد به البلوغ.
آنستم: لمستم وعرفتم.
رشداً: سلامة عقل وحسن تصرف وصلاح دين] دلت الآية على أن الذي لم يلمس منه الرشد، لا يجوز أن يدفع له ماله، بل يحجر عليه حتى يرشد.
وأما دليل السنة، فما رواه عبدالرحمن بن كعب عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجر على معاذ ماله، وباعه على دين كان عليه.
رواه البيهقي [6/ 48] والحاكم [4/ 101] في الأحكام وصححه.
وروي ابن عمر رضي الله عنه، قال: عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
(أخرجه البخاري [3871] في المغازي، باب: غزوة الخندق، ومسلم [1868] في الإمارة، باب: بيان سن البلوغ).
وروي مالك [1456] في الوصية عن عمر رضي الله عنه قال: ألا إن

الأسيفع ـ أسيفع جُهينة ـ رضي من دينه وأمانته: أن يقال: سبق الحاج، فأدان معرضاً عن الوفاء، فأصبح وقد رين به ن فمن كان له عنده شيء فليحضر غداً، فإنا: بائعوا ماله وقاسموه بين غرمائه، ثم إياكم والدين، فإن أوله هم، وآخره حزن.
[فادان: استدان.
رين به: تراكمت عليه الديون.
غرماؤه: جمع غريم وهو صاحب الدين].
وأما الإجماع فمنعقد على مشروعية الحجر وجوازه، من غير نكير من أحد من العلماء، وكيف ينكره أحد، وقد دلت عليه النصوص الثابتة في القرآن والسنة.

الحكمة من تشريع الحجر

: الحجر عمل سلبي احتياطي، يستهدف تحقيق مصلحة المحجور عليه إن كان طفلاً أو سفيهاً أو نحوهما، ويستهدف مصلحة غيره من ذوي الحقوق إذا كان مفلساً، ذلك لأن الطفل والسفيه ومن في حكمهما كالمجنون، لا تسقط أهلية التملك والاحتياز في حقهم، وإنما ثمرة الملكة ما يتبعها من سياسة التصرف كالبيع والشراء والإيجار، ونحو ذلك، وهي لا تستقيم إلا على رشد كامل ونباهه تامة في شؤون المال والدنيا، فكان لا بد من كف يد هؤلاء الذين لم يتكامل فيهم الرشد والوعي الدنيوي عن التصرف بأموالهم، على أن ينوب عنهم في ذلك من توفرت لديهم هذه البصيرة الدنيوية ريثما يبلغون أشدهم، ويصبحون قادرين على إصلاح أمرهم.
أما المفلس الذي تراكمت عليه الديون، فيغلب عليه أن يتناسى ـ في غمرة الضيق الذي ينتابه ـ حقوق الآخرين، فيتصرف بماله الباقي عنده على نحو يضر أصحاب الحقوق ويفوت عليهم حقوقهم، أو ما يمكن أن يحصلوا منها، فكان في الحجر عليه عن طريق الرقابة العادلة ما يضمن توفير حق الغرماء مع عدم الإضرار به، مهما أمكن ذلك.

أنواع الحجر

: قلنا: إن الحجر أنواع مختلفة، ولكن الكثير من هذه الأنواع منتثر في أماكنه من أبواب متفرقة في الفقه، ولذا فلن نتعرض لها ههنا.

أما الأنواع الرئيسية التي سوف نتناولها في هذا الباب، فهي الأنواع التالية: 1 - الحجر على الصبي ومن في حكمه، كالسفيه والمجنون.
2 - الحجر على المفلس.
3 - الحجر على المريض المخوف عليه الموت.
وسندرس فيما يلي كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة على حدة مع إيضاح الأحكام المتعلقة به.

أحكام الحجر على الصبي ومن هو في حكمه

: ونقصد بمن كان في حكم الصبي كلاً من السفيه والمجنون.
فأما الصبي: فهو من لم يحتلم، أو يبلغ سن الحلم، وهو خمس عشرة سنة.
وأما السفيه: فهو من لم يكن رشيداً، بحيث لا يقيم مصالح دينه ودنياه: بأن يكون مبذراً لا يبالي أن يغبن غبناً فاحشاً في معاملاته، أو أن يرمي ماله في غير طائل، أو أن ينفقه في المحرمات التي لا وجه لها.
وأما المجنون: فهو فاقد التمييز سواء كان بشكل جزئي أو كلي، إذا كان ذلك يسرى بالاضطراب إلي تصرفاته المالية.

أهم الأحكام المتعلقة بالحجر على هؤلاء

: هناك أحكام تعلق بالحجر على هؤلاء الأصناف الثلاثة من الناس نجملها فيما يلي: أولاً: لا يصح تصرف الصبي ولا السفيه ولا المجنون في بيع أو شراء أو رهن، أو هبه أو نكاح ونحوها، أي لا يصح أن يكون أحدهم طرفاً مستقلاً في أي عقد من العقود، إذ هو ثمرة الحجر الذي دل عليه نص الكتاب الكريم والسنة المشرفة.
وترتب علي هذا الحكم:

أأنه لو اشتري أو اقترض مثلاً، وقبض المال، ثم تلف تحت يديه بآفة، أو أتلفه بتقصير منه، لم يضمنه المحجور عليه، ولم يكن للبائع، او لمقرض حق في تضمينه ومطالبته، سواء علم حاله أم لم يعلم، لأن عليه ان يتحرى لمصلحته، ولأنه هو المفرط في حق نفسه، إذ هو الذي سلط المحجور عليه على إتلافه بإقباضه إياه.
نعم يضمن المحجور عليه في ثلاث حالات: الحالة الأولي: أن يقبضه ممن هو مثله في عدم الرشد.
الحالة الثانية: أن يقبضه من رشيد، ولكن بدون إذنه.
الحالة الثالثة: أن يطالبه البائع، أو المقرض بالتسليم، فلا يستجيب المحجور عليه ثم يتلف المال المقبوض بعد ذلك.
ففي هذه الحالات الثلاث يضمن المحجور عليه، أي يثبت في ذمته قيمة المتلف، لعدم وقوع أي تقصير من جانب المقبض.
ب ـ وترتب على ذلك أيضاً أنه لا يعتد بشيء من إقراراته المتعلقة بالمال، سواء كانت عائدة إلي ما قبل الحجر، أو بعده، كإقراره بدين، أو إتلاف مال، إذ إن المحجور عليه بما ذكرنا لا يتمتع بأهلية تمكنه من أن يتعلق به أي التزامات ماليه، بخلاف ما إذا اقر بموجب حد أو قصاص، فهو إقرار صحيح تترتب عليه أحكامه، لأنه غير مستوجب لأي التزام مالي من حيث الأصل.
نعم إذا أقر بعد رشده بأي التزام مالي كان قد لزمه أثناء الحجر صح إقراره قطعاً، وكلف بدفعه.
ثانياً: يعتد بجميع التصرفات التي لا تتعلق بالمال، ولا تترتب عليها ذمم مالية، من الصبي ومن في حكمه، وهو السفيه والمجنون.
فتصح عباداتهم على اختلافها، إلا المجنون المطبق فيما يشترط فيه التمييز.
ولكن ليس لهؤلاء أن يتولوا

تفريق زكاة أموالهم بأنفسهم، إذ هو تصرف مالي لا ينفذ إلا ممن كان ذا أهلية ورشد، وإنما يتولي ذلك عنه وليه، أو يأذن له وليه، ويعين له الأشخاص الذين ينبغي أن يدفع زكاته إليهم، على أن يدفع المحجور عليه إليهم بحضرة الولي وإشرافه، خشية أن يتلف المال إذا خلا به.
ثالثاً: إذا كان مصدر السفه هو الصغر، أي بحيث لم يكن مسبوقاً برشد، ترتبت الأحكام المذكورة عليه بدون الحاجة إلي أدعاء، ولا إلي حكم قاض بذلك، فإذا ارتفع السفه، وتحقق الرشد، وانتهي الحجر بموجب ذلك، ثم عاد السفه لسبب عارض، لم تعد هذه الأحكام المذكورة إلا بموجب حكم يصدره القاضي، ومثل السفه في ذلك الجنون.
رابعاً: ولي الصبي ومن في حكمه، ممن لم يطرأ موجب الحجر عليه عرضاً، بل نشأ معه منذ صغره، وهو الأب، ثم الجد للأب وإن علا، ثم وصيهما، بشرط العدالة في كل منهما، فإن فسق الولي بعد أن كان عدلاً نزع القاضي الولاية منه، واختار لها من يراه، أو باشرها بذاته، وذلك لما رواه الترمذي [1102] في النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، بسند حسن، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " السلطان ولي من لا ولي له ". أما من طرأ عليه السفه أو الجنون بعد رشد، فإن وليه القاضي، أو من ينيبه عنه، إذ هو الذي يملك ضرب الحجر عليه، فكان حق الولاية له.
خامساً: يجب على الولي أيا كان أن يتصرف بمال المحجور عليه حسب ما تقتضيه المصلحة، بأن يحفظه عن التلف، وينميه بالوسائل الممكنة، التي لا مقامرة فيها، فيتاجر به، أو يبتاع به عقاراً، أو يسخره في غير ذلك من وجوه التنمية التي يغلب فيها احتمال الغبطة والربح، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (سورة النساء: 5).
ومكان الاستدلال في الآية: قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ فقد عدى الفعل (بفي) ولم يعده (بمن) تنبيهاً إلي أن على الولي أن ينفق على موليه من ريع

ماله، لا من عينه بحيث يبقي ماله بذلك أشبه ببيت يستقر فيه، لا يأتي عليه نقصان ولا تلف.
فإن راعي الولي وجه الغبطة والحيطة في تنمية مال موليه، فخسر المال لسبب لا بد له فيه، لم يضمن، ويصدق الولي بيمينه، إن وقع خلاف بينه وبين المحجور عليه بعد الرشد.
وهل يجوز للولي أن يأخذ أجراً على رعايته لمال المحجور؟ الصحيح أنه إن كان غنياً لم يجز له ذلك، ,إن كان فقيراً، وشغلته هذه الرعاية عن كسبه والتفرغ لشأن نفسه، جاز له أن يأخذ أجراً على ذلك بالمعروف.
وإنما يعين القدر الذي يقضي به العرف الحاكم أو من يقوم مقامه.
ودليل هذا الحكم قول الله عز وجل: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (سورة النساء: 6).

أحكام الحجر على المفلس

: المفلس في اللغة، مأخوذ من الفلس، وهو أقل النقود قيمة، ويقصد به من تحولت أمواله إلي فلوس، كناية عن افتقاره.
أما المفلس في اصطلاح الشريعة الإسلامية، فهو من تراكمت عليه ديون حالة زائدة على ماله.
وللحجر على المفلس أحكام مختلفة نجمل أهمها فيما يلي: أولاً: لا يجوز الحجر علي المفلس إلا إذا زادت الديون التي عليه عن الأموال التي يملكها، فإذا تساويا، أو زادت ممتلكاته عليها لم يجز الحجر عليه، سواء كانت نفقاته من هذه الأموال ذاتها، أم من كسب يومي يكتسبه، لأن الأدلة التي دلت على مشروعية الحجر على المفلس خاصة بما إذا زادت الديون التي عليه على ممتلكاته، ومنها حديث حجره عليه الصلاة والسلام على معاذ بن جبل السابق ذكره، عند عرض الأدلة.
ثانياً: لا يحجر على المفلس إلا بسؤال الغرماء ذلك، فإن اختلفوا فيما بينهم استجيب لرغبة طالبي الحجر يشرط أن تزيد ديونهم بمفردها على مجموع ماله.

ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حجر على معاذ طلب غرماؤه ذلك، ولأن الحجر إنما هو لمصلحة الغرماء، فإذا لم يصرحوا بطلب الحجر، فإن ذلك يعني أنه لم يتبين لهم مصلحة في الحجر، فلا يضار المفلس بذلك.
ثالثاً: إذا أوقع الحاكم الحجر على المفلس، تحولت حقوق الغرماء من التعلق بذمته إلي التعلق بأمواله: أي إن شأنها يصبح كشأن العين المرهونة التي يتعلق بها حق المرتهن.
ولذلك يعطيهم الشارع حق التسلط على هذه الأموال، باستيفاء حقوقهم وديونهم منها.
رابعاً: يسن للحاكم أن يشهر قرار الحجر على المفلس حتى يتقلي الناس من التعامل المطلق معه.
خامساً: يجيب على الحاكم أو من ينيبه عنه أن يبيع ماله، ثم يقسم القيمة بين الغرماء حسب دين كل منهم، ويسن أن يبادر بذلك قدر الإمكان، وعليه أن يتبع مصلحة المحجور عليه في طريقة البيع وكيفيته، كأن يقدم أولاً بيع ما يسرع فساده، كالطعام ونحوه، ثم المنقول، ثم العقار، وكأن يبيع كل شيء في سوقه وثمنه الذي يستحقه ويسن أن يكون ذلك بمشهد من المحجور عليه، وأصحاب الحقوق.
ويجب أن يبقي له الحاكم حاجاته، وحاجات أهله الضرورية بالمستوي اللائق به، من ثياب وقوت ومسكن، فإن كان يمتع نفسه من ذلك ما يزيد على اللائق به نزل به إلي الحد الذي يرى أنه اللائق به سادساً: إذا قسم المال أو ثمنه على الغارمين، كل منهم بنسبة وجب عليهم أن يمهلوه فيما بقي لهم عليه، إلي أن تحل عقدة عسرته، وذلك عملاً بقول الله عز وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 280)، ولما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها، فكثرت ديونه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تصدقوا عليه "، فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه،

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك ". ويترتب على ذلك أن المحجور عليه لا يطالب بعد تقسيم ماله بين الغرماء، أن يكتسب لحسابهم، أو أن يؤجر نفسه لهم، كي يوفي بقية حقوقهم عليه.

تصرف المفلس بعد الحجر عليه

: يترتب على الحجر على المفلس، وما يتعلق به من الأحكام التي ذكرناها، كف يد المحجور عليه عن التصرفات المالية المختلفة، إذ تنحسر علاقته عن أمواله عد الحجر، لتحل محلها حقوق الغارمين، وإن كانت ملكيته باقية.
ويمكن أن نجمل لك خلاصة الأحكام المتعلقة بتصرفات المفلس بعد الحجر عليه فيما يلي: ألا يصح من المفلس المحجور عليه أن تصرف مالي: كالبيع والرهن والهبة والإيجار، أذا كان متعلقاً بعين ماله وهو القول الصحيح في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، والرأي المقابل له ـ وهو ضعيف ـ يرى أنه تصرف موقوف، فإن تبين أنه قد زاد عن ديون الغارمين نفذ، وإلا فلا.
ب ـ يصح من المفلس المحجور عليه جميع التصرفات المالية إذا كانت متعلقة بذمته، كما لو باع على وجه السلم، أو باع موصوفاً بالذمة، إذ لا ضرر على الغرماء في ذلك.
ج ـ يصح منه جميع التصرفات التي لا تتعلق بشيء من أمواله العينية ن سواء تعلق بالذمة، كما ذكرنا في الفقرة (ب) السابقة، أو لم يتعلق بمال قط، فيصح نكاحه وطلاقه، وخلعه، واقتصاصه ممن ثبت له عليه حق القصاص، أو إسقاطه ذلك، سواء تحول عنه إلى الدية، أو عفا عن الدية أيضاً.
نعم إذا كانت الزوجة هي المحجور عليها، لم يصح لها أن تخالع نفسها، لأنه تصرف يتعلق ببعض مالها الذي تعلقه به حق الغرماء.
د- يصح منه كل إقرار بحق أو مال، يعود وجوبه إلى ما قبل الحجر عليه، ويترتب عليه خضوع أمواله العينية التي وقع الحجر عليها لما يقتضيه ذلك الإقرار من تعلق حقوق أخري بها، واشتراك آخرين مع الغرماء في قسمتها بينهم.

أما إن أقر بحقوق ترتبت على ماله بعد الحجر، فهو إقرار مرفوض ليس على الغرماء أن يخضعوا له.
ومن ثم فليس للأشخاص الذين اقر المفلس لمصلحتهم أن يشركوهم في تقاسم أمواله، بل ينتظرون فك الحجر عنه.

أحكام تصرف المريض المخوف عليه من الموت

:

تعريفه

: المريض المخوف عليه من الموت: هو من أصيب بمرض من شأنه أن ينتهي بالموت إذا اشتد، ثم برح به هذا المرض إلى درجة جعلت الطبيب وأصحاب الخبرة يحذرون عليه من الموت.
ويقاس على هذا المريض من هم في حكمه، مثل حالة التحام القتال، أو تموج البحر واشتداد العاصفة به، أو اشتداد طلق الولادة.
وخرج بما ذكرنا وجع الضرس مثلاً، فإنه لا يدخل في حكم المرض المخوف منهما كان شديداً، إذ ليس من شأنه عادة أن ينتهي بالموت.

الأحكام المتعلقة به

: وإليك أهم الأحكام المتعلقة بهذا المريض: أولاً: إذا لم يكن له وارث خاص، أو كان له وارث غير جائز التصرف كطفل صغير مثلاً، لم يجز له أن يتصرف فيما يزيد على ثلث ماله، سواء كان تصرفاً ناجزاً، أو تصرفاً معلقاً على الموت، كالوصية، فإن تصرف غير ملتزم بهذا الحد نفذ منها ما كان داخلاً في الثلث وطل الزائد.
هذا إذا جاءت تصرفاته متتابعة، فإن وقعت دفعة واحدة، قسم الثلث عليها حسب نسبة كل منها إن أمكن، وإلا بطل جميعها.
ثانياً: إذا كان له وارث خاص، وكان جائز التصرف توقفت تصرفاته فيما زاد على ثلث ماله على إجازة وارثه، فإن أجازها صحت، وإلا آلت إلى البطلان.
والعبرة بإجازته لها أو عدم أجازته بعد الموت.
ودليل ما سبق ما رواه البخاري [1233] في الجنائز، باب: رثاء النبي - صلى الله عليه وسلم -

سعد بن خولة؛ ومسلم [1628] في الوصية، باب: الوصية بالثلث، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال " لا " فقلت: بالشطر؟ فقال: " لا " ثم قال " الثلث، والثلث كبير، أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ". ثالثاً: محل هذا الحكم السابق الذي ذكرناه إذا لم يكن على المريض دين يستغرق جميع تركته، فإن كان عليه ذلك حجر عليه في الجميع دون نظر إلي الثلث وغيره.
رابعاً: ينبغي أن نفرق فيما ذكرناه بين التبرعات والتصرفات، أو النفقات الواجبة.
فأما التبرعات فينطبق عليه ما ذكرناه في البنود الثلاثة الماضية.
وأما التصرفات، أو النفقات الواجبة، فإن أنجزها في حياته، فهي من رأس المال كله، وإن أوصي بها إلي ما بعد موته، كما لو أوصي بأداء دين، أو حج واجب عليه، أو زكاة، فإن أطلق الوصية بها فهي من رأس ماله، وإن قيدها بالثلث اعتبرت منه، ولكن يجب أن تتمم ما زاد عليه إن لم يف بها الثلث.
وما الفائدة إذاَ من التقيد بالثلث؟ الفائدة تظهر فيما لو كان قد أوصى بتبرعات غيرها، فإن هذه الواجبات تزاحمها عندئذ، حتى إذا لم يتسع الثلث للجميع أُلغيت التبرعات، أو أُلغي منها بالقدر الذي يكفي لتنفيذ الواجبات، وهكذا فإن فائدة التقيد بالثلث تؤول إلى النظر في مصلحة الورثة كي لا تستهلك الوصايا قدراً كبيراً من التركة.

البلوغ والرشد وطريقة معرفة كل منهما

: علق الله تعالى انتهاء الحجر على الصغار، بظهور صفتين فيهم، وهما البلوغ والرشد.
قال تبارك وتعالى: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ

رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} (سورة النساء: 6).
فما معنى كل منهما، وكيف السبيل إلى التحقق منهما؟ أما البلوغ: فالمقصود به بلوغ السن التي يتأهل فيها الإنسان للتكليفات الإلهية، إذ كان سوياً في نشأته الإنسانية العامة.
وسن البلوغ يعرف بواحد من هذه الأشياء: 1 - استكمال الخامسة عشرة من العمر، سواء كان ذكراً أم أنثي.
2 - الاحتلام، بخروج المنى من الذكر أو الأنثى.
3 - رؤية دم الحيض بالنسبة للأنثى.
والوقت الذي يمكن أن يحصل فيه الاحتلام، أو الحيض يبدأ من استكمال تسع سنين من العمر.
ثم إن التأخر وعدمه عن سن الإمكان هذه يتبع طبيعة الأقاليم، وظروف الحياة.
وأما الرشد: فالمقصود به الاهتداء إلي سبيل حفظ الأموال ورعايتها، ويتضح ذلك بالاختبار والتجربة، وهل يشترط أن يضم ذلك إلى صلاح في الدين أيضاً؟ مذهب جمهور من أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى أنه يشترط ذلك، فلا يسمى رشيداً إلا من اهتدي إلى سبيل الخير في دينه ودنياه، وذهب فريق من علماء المذهب إلي أن المطلوب هنا الرشد في شؤون المال والدنيا ن إ ذ هو محل البحث في هذا المقام.
إذا علمت هذا، فلتعلم أنه لا بد لرفع الحجر عن الصغير من تحقق كل من وصفي: البلوغ والرشد.
فلو لوحظ في تصرفاته الرشد، وهو دون البلوغ، لم يكن له أي أثر، ولو بلغ الحلم ولم يلاحظ فيه الرشد لم يكن لبلوغه أيضاً أي أثر مهما تطاول به العمر.
نلاحظ هذا في قول الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: 6).

فقد جعل الرشد شرطاً للبلوغ المستلزم رفع الحجر.

الفسق بعد البلوغ وما يترتب عليه

: والفسق: أن يتجاوز الرجل حدود أوامر الله تعالى: بأن يرتكب كبيرة من الكبائر، ولا يتوب عنها، أو أن يثابر على ارتكاب بعض الصغائر من المحرمات.
وقد عرفت فيما سبق ضابط كل من الكبائر، والصغائر من المعاصي.
فإذا رفع الحجر عن البالغ الراشد، ثم فسق في سلوكه مع صلاح تصرفاته الدنيوية، فهل يعود الحجر عليه؟ الصحيح في المذهب، أنه لا يُعاد الحجر عليه بسبب ذلك، إذا لم يؤثر في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين أنهم كانوا يعيدون الحجر على من انحرف إلي الفسوق بعد الاستقامة.
والفرق بين هذه الصورة، وصورة بلوغه فاسقاً عند الجمهور القائلين بأن الرشد هو الهداية إلي صلاح الدين والدنيا معاً، أن الحجر هناك مستمر ن فلا يرتفع إلا بزوال مجموع أسبابه، إذ الأصل بقاء ما كان على حاله، فإذا ارتفع بعد ذلك لم يجز أن يعود ثانية إلا بوجود مجموع أسبابه أيضاً، وإنما الفسق سبب واحد فقط.
أما إذا صاحبه سفه جديد، أي سوء تصرف في شؤونه المالية، فإن ذلك يستوجب عود الحجر عليه، ولكن بشرط أن يقضي بذلك الحاكم أو نائبه.
ولا عبرة بولاية أقاربه حينئذ على الصحيح.

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل