المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وهكذا يجب على الصائم الإمساك عن هذه المفطرات ليصح صومه، بدءاً من أول طلوع الفجر إلى تحقق غروب الشمس، فإن باشر الصائم شيئاً من هذه المفطرات ظانا أن الفجر لم يطلع بعد، فتبين خطؤه بطل صومه، وامسك النهار حرمة للشهر، وقضى بدلاً عنه.
وكذلك إذا أفطر في آخر النهار ظاناً غروب الشمس، ثم تبين أنها لم تكن قد غابت بعد بطل صيامه، ووجب عليه القضاء.
آداب الصيام ومكروهاته
آداب الصيام
للصيام آداب كثيرة نوجزها فيما يلي
1ـ تعجيل الفطر:
ويكون ذلك إثر تحقق غروب الشمس.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (1856) ومسلم (1098) عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ". والأفضل أن يفطر على رطب أو تمر، فإن لم يجد فعلى ماء.
روي الترمذي (696) وأبو داود (2356) أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء، فإنه طهور ".
2ـ السَحور:
والسَحور يفتح السين ما يؤكل في السحر، وبضم السين: الأكل ودليل استحبابه ما رواه البخاري (823) ومسلم (1095) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " تسحروا فإن في السحور بركة " والحكمة من استحباب السحور التقوي على الصوم.
روي الحاكم في مستدركه (1/ 425) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " واستعينوا بطعام السحر على صيام النهار "
ويدخل وقت السحور بنصف الليل.
ويحصل فضل السحور بكثير المأكول، وقليله، وبالماء.
روى ابن حبان في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " تسحروا ولو بجرعة ماء " (موارد الظمآن: 884).
3ـ تأخير السحور:
وذلك بحيث ينتهي من الطعام والشراب قبيل طلوع الفجر بقليل.
ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (5/ 147) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ".
وروى البخاري (556) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت تسحراً، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
4ـ ترك الهجر من الكلام:
كالشتم والكذب، والغيبة والنميمة، وصون النفس عن الشهوات: كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء روى البخاري (1804) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " واعلم أن الشتم والكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك أمور محرمة بحد ذاتها، وإنما الجديد في الأمر بالنسبة للصائم أنها ـ علاوة على كونها إثماً ـ تحبط أجر صيام، وإن صح معها الصوم، وتم الواجب.
ولذلك تعد هذه الأمور من آداب الصيام وسنته.
5ـ الاغتسال عن الجنابة قبل الفجر:
ليكون على طهر من أول الصوم ـ ومعنى ذلك أن الجنابة لا تنافي الصيام، ولكن الأفضل إزالتها قبل الفجر.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (1825، 1830): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم.
وكذلك يستحب الغسل عن الحيض والنفاس قبل الفجر إذا تم الطهر ونقطع الدم قبل ذلك.
6ـ ترك الحجامة والفصد، ونحوهما:
لأن ذلك يضعف الصائم، وترك ذوق الطعام وعلكه، خوفاً من وصول شيء منه إلى جوفه، لأن وصوله إلى الجوف يفطر.
7ـ أن يقول عند فطره:
(اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله).
8ـ أن يفطر الصائمين:
وذلك بأن يطعمهم، فإن عجز عن إطعامهم فطرهم على تمرة أو شربة ماء.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً " رواه الترمذي (807) وصححه.
9ـ كثرة الصدقة:
وتلاوة القرآن ومدارسته.
والاعتكاف في المسجد، لاسيما في العشر الأخير من رمضان.
عن أنس رضي الله عنه قيل: يا رسول الله فأي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان " رواه الترمذي (663) وروي البخاري (1803) ومسلم (2308) أن جبريل كان
يلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن.
وسنتحدث عن الاعتكاف في آخر باب الصوم.
مكروهات الصيام:
مكروهات الصيام تتمثل في مخالفة الآداب المذكورة، فبعضها يدخل في المكروه التنزيهي: كتأخير الإفطار، وتعجيل السحور، وبعضها يدخل في المحرمات، كالغيبة والنميمة، وقول الزور.
قضاء رمضان
والفدية والكفارة
1ـ المسافر والمريض:
من فاته شيء من رمضان ـ لسفر أو مرض ـ وجب عليه قضاؤه قبل حلول شهر رمضان من العام الذي يليه، فإن لم يقض تساهلاً حتى دخل رمضان آخر أثم، ولزمه مع القضاء فدية، وهي أن يطعم عن كل يوم مد، ومن غالب قوت البلد، يتصدق به على الفقراء، ويتكرر بتكرر السنين.
والمد يساوي ملء حفنة، وبالوزن: رطل وثلث بالرطل البغدادي، وهو ما يساوي 600 غراماً تقريباً.
أما إن استمر عذره: كأن استمر مرضه حتى دخل عليه رمضان آخر فلا يجب عليه إلا القضاء، ولا فدية بهذا التأخير.
فإن مات ولم يقض فلا يخلو: إما أن يكون قد مات قبل أن يتمكن من القضاء، أو مات بعد التمكن، ولكنه لم يقض تقصيراً.
فإن مات قبل التمكن من القضاء فلا إثم عليه، ولا تدارك له، لعدم تقصيره.
ومن مات بعد التمكن من القضاء صام عنه وليه ـ ندباً ـ الأيام الباقات في ذمته.
والمقصود بالولي هنا أي قريب من أقاربه.
ودليل ذلك ما رواه
البخاري (1851) ومسلم (1147) عن عائشة رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
وروى البخاري (1852) أيضاً، ومسلم (1148) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه؟ قال: " نعم فدين الله أحق أن يقضى ".
هذا ويصح صوم الأجنبي عنه إذا استأذن بذلك أحد أقاربه، فإن صام بغير إذن، ولا وصية من الميت لم يصح بدلاً عنه.
فإن لم يصم عنه أحد أطعم عنه لكل يوم مد، ويخرج هذا من التركة وجوباً كالديون، فإن لم يكن له مال جاز الإخراج عنه، وتبرأ ذمته.
روى الترمذي (817) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً)
وروى أبو داود (2401) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم أطعم عنه).
2ـ الكبير العاجز، والمريض الذي لا يرجى برؤه:
إذا اضطر الشيخ المسن إلى الفطر، وجب عليه أن يتصدق عن كل يوم بمد من غالب قوت البلد، ولا يجب عليه، ولا على أحد من أوليائه غير ذلك.
روى البخاري (4235) عن عطاء: سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة 184. قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.
هذا، ومما يجب أن يعلم أن المريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم المسن الذي لا يقدر على الصوم، فيفطر، ويتصدق عن كل يوم بمد من غالب قوت البلد.
3ـ الحامل والمرضع:
إذا أفطرت الحامل والمرضع، فهي إما أن تفطر خوفاً على نفسها، أو خوفاً على طفلها.
فإن أفطرت خوفاً من حصول ضرر بالصوم على نفسها وجب عليها القضاء فقط قبل حلول شهر رمضان آخر.
روى الترمذي (715) وأبو داود (2408) وغيرهما عن أنس الكعبي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم ".
أي خفف بتقصير الصلاة، ورخص في الفطر مع القضاء.
وإن أفطرت خوفاً على طفلها، وذلك بأن تخاف الحامل من إسقاطه إن صامت، أو تخاف المرضع أن يقل لبنها فيهلك الولد إن صامت، وجب عليها والحالة هذه القضاء والتصدق بمد من غالب قوت البلد عن كل يوم أفطرته.
ومثل هذه الصورة أن يفطر الصائم لإنقاذ مشرف على الهلاك، فيجب عليه مع القضاء التصدق بمد طعام.
روى أبو داود (2318) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة 184.
قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعماً كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا ـ يعني على أولادهما ـ أفطرتا وأطعمتا).
كفارة الإفطار في رمضان
موجب الكفارة:
هو إفساد صوم يوم من أيام رمضان بجماع بشرط أن يكون المجامع ذاكراً لصومه، عالماً بالحرمة، غير مترخص بالسفر.
فمن فعل ذلك ناسياً للصوم، أو جاهلاً بالحرمة، أو أفسد به صوماً غير صوم رمضان، أو أفطر معتمداً ولكن بغير الجماع، أو كان مسافراً سفراً يخوله الإفطار فجامع، فلا كفارة عليه، وإنما عليه القضاء فقط.
من تجب عليه الكفارة:
إنما تجب الكفارة على الزوج المجامع، ولا تجب على الزوجة، أو المرأة الموطوءة وإن كانت صائمة، لأن جناية الواطئ أغلظ فناسب أن يكون هو المكلف بالكفارة.
ما هي الكفارة؟
الكفارة التي تجب بإفساد الصوم هي عتق رقبة مؤمنة، أي نفس رقيقة ذكراً كانت أم أنثى، فإن لم يجد، أو لم يستطيع، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أيضا فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من غالب قوت البلد.
فإن عجز عن الكل ثبتت الكفارة في ذمته حتى يقدر على خصلة منها.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (1834) ومسلم (1111) وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، هلكت.
قال: " مالك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ـ في رواية: في رمضان ـ فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا.
قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا.
فقال: " فهل تجد إطعام ستين مسكيناً قال: لا.
قال: فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن على ذلك أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر ـ وعاء ينسج من ورق النخل والعرق: المكتل ـ قال: " أين السائل؟ " فقال: أنا.
قال: " خذ هذا فتصدق به".
قال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: " أطعمه أهلك ".
قال العلماء: ولا يجوز للفقير الذي قدر على الإطعام صرف ذلك الطعام إلى عياله، وكذلك غيرها من الكفارات، وما ذكر في الحديث فإنما هو خصوصية لذلك الرجل.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه يجب على المجامع مع الكفارة قضاء اليوم الذي أفطره من رمضان بالجماع.
وأن الكفارة تتكرر بتكرر الأيام التي أفطرها بالجماع.
فإذا جامع في يومين من رمضان لزمه ـ مع القضاء ـ كفارتان، وإذا جامع في ثلاثة لزمه ثلاث كفارات، وهكذا.
صوم التطوع
وهو الصوم المسنون.
والتطوع: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.
ولا شك أن الصوم من أفضل العبادات.
ففي البخاري (2685) ومسلم (153) عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفاً ".
وحكمة تشريع الصوم المسنون زيادة التعبد والتقرب إلى الله، فما من عبادة إلا وتزيد المرء قرباً من ربه عز وجل، ولذلك جاء في الحديث " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " ولا شك أن محبة الله تعالى لعبده، وقرب العبد من ربه تقصيه عن معصيته، وتدنيه من طاعته، والمسارعة إلى فعل البر والمعروف، وبهذا يستقيم شأن الإنسان وتصلح حياته.
وسنذكر خلاصة عن صوم التطوع وأنواع الصوم المسنون:
1ـ صوم يوم عرفة:
وهو تاسع ذي الحجة، وذلك لغير الحاج.
عن أبي قتادة
- رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صوم عرفة، فقال: " يكفر السنة الماضية والباقية " رواه مسلم (1162).
ويوم عرفة أفضل الأيام.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة " رواه مسلم (1338). أما الحاج فلا يسن له صوم يوم عرفة، بل يسن له فطره اتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليقوى على الدعاء في ذلك اليوم.
2ـ صوم يوم عاشوراء وتاسوعاء: وعاشوراء: هو عاشر المحرم، وتاسوعاء: هو التاسع منه ودليل استحباب صومهما ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه " رواه البخاري (1900) ومسلم (1130). وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: " يكفر السنة الماضية " رواه مسلم (1162). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع " رواه مسلم (1134) لكنه - صلى الله عليه وسلم - مات قبله.
وحكمة صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء إنما هي الاحتياط لاحتمال الغلط في أول الشهر، ولمخالفة اليهود، فإنهم يصومون العاشر.
لذلك استحب ان لم يصم مع عاشوراء تاسوعاء أن يصوم اليوم الحادي عشر.
3ـ صوم يوم الاثنين والخميس:
ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (745) عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرى صوم الاثنين والخميس " وروى أيضاً (747) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ".
4ـ صوم ثلاثة أيام من كل شهر:
والأفضل أن تكون أيام الليالي البيض.
وهي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر قمري.
وسميت الأيام البيض، لأن ليالي تلك الأيام من كل شهر تكون مستنيرة بضياء القمر.
ودليل استحباب صيام ما ذكر ما رواه البخاري (1124) ومسلم (721) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام ".
وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " صوم ثلاثة من كل شهر صوم الدهر " رواه مسلم (1162).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا صمت من الشهر ثلاثاً، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة " رواه الترمذي (761) وقال: حديث حسن.
وروى أبو داود (2449) عن قتادة بن ملحان رضي الله عنه قال:
(كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) وقال: "هن كهيئة الدهر ".
لكن يستثني صيام اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فإن صومه حرام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
5ـ صوم ستة أيام من شوال:
والأفضل تتابعها عقب عيد الفطر مباشرة، ولكن لا يشترط، بل تحصل السنة بصيامها متفرقات.
روى مسلم (1164) عن أبي أيوب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر".
قطع الصيام المسنون:
إذا تلبس المسلم بصيام مسنون جاز له أن يقطعه بالإفطار متى شاء، ولا قضاء عليه، وإن كان يكره له ذلك.
قال - صلى الله عليه وسلم - " الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر" رواه الحاكم (1/ 439).
أما إذا تلبس بصيام قضاء فرض فإنه يحرم عليه قطعه، لأن التلبس بالفرض يوجب إتمامه.
الصوم المكروه والصوم المحرم
أولاً: الصوم المكروه
إن الإنسان عبد لله تعالى، ولله عز وجل أن يتعبده بما شاء فيتعبده بالصوم، كما يتعبده بالفطر، وليس لابن آدم أن يعترض، ولا أن يعارض، وكل ما يجب عليه أن يقول: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
والصيام المكروه هو الذي يترتب على تركه الثواب، ولا يترتب على فعله ثواب ولا عقاب.
ومن الصوم المكروه:
1ـ إفراد يوم الجمعة بالصوم:
ودليل ذلك ما رواه البخاري (1884) ومسلم (1144) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده ".
2ـ إفراد يوم السبت بالصوم:
ودليل ذلك ما رواه الترمذي (744) ـ وحسنه ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم " وكذلك
قال العلماء يكره إفراد الأحد بالصوم.
لأن اليهود تعظم يوم السبت والنصارى يوم الأحد.
لكن لا يكره جمع السبت مع الأحد في الصيام، لأنه لا يعظمهما أحد مجتمعين.
روى أحمد (6/ 324) أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام يقول: "إنهما يوما عيد المشركين " فأنا أحب أن أخالفهم ".
3ـ صيام الدهر:
وهذا خاص بمن خاف بهذا الصيام أن يلحقه ضرر أو يفوت حقا لغيره.
روى البخاري (1867) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخى بين سلمان وبين أبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فقال سلمان: يا أبا الدرداء: إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فذكر أبوالدرداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما قاله سلمان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " صدق سلمان "
أما من لم يضر به صيام الدهر، ولم يفوت عليه حقاً لأحد، فإنه لا يكره له، بل يستحب، لأن الصوم من أفضل العبادات.
ثانياً: الصوم المحرم
يحرم صيام الأيام التالية: 1ـ صيام يومي عيد الفطر والأضحى: ودليل ذلك ما رواه مسلم (1138) عن أبي هريرة - رضي الله
عنه -: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر ". 2ـ صوم أيام التشريق الثلاثة: وهي الأيام التي تلي يوم عيد الأضحى، ودليل تحريم صومها ما رواه مسلم (1142) عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه، وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: " أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب ". وروى أبو داود (2418) عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: " فهذه الأيام التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها " قال مالك: وهي أيام التشريق.
3ـ صوم يوم الشك:
وهو يوم الثلاثين من شعبان، حيث يشك فيه الناس: هل هو من شعبان، أو من رمضان؟ وحيث لم تثبت رؤية الهلال فيه.
فلا يجوز صومه، بل ينبغي اعتباره يوماً متبقيا من شعبان.
ودليل تحريم صيامه ما رواه أبو داود (2334) والترمذي (686) وصححه ـ عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -.
4ـ صوم النصف الثاني من شعبان.
ودليل ذلك ما رواه أبوداود (2337) والترمذي (738) ـ وصححه ـ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ".
وعند ابن ماجه (1651) " إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يجيء رمضان ".
لكن تنتفي حرمة صوم يوم الشك، والنصف الثاني من شعبان إذا وافق عادة للصائم، أو وصل صيامه بما قبل النصف الثاني من شعبان.
روى البخاري (1815) ومسلم (1082) واللفظ له عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه ".
الاعتكاف
تعريفه:
الاعتكاف في اللغة: الإقامة على الشيء والملازمة له.
وشرعاً: اللبث في المسجد بنية مخصوصة.
دليل تشريعه:
والأصل في مشروعية الاعتكاف قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة: 187.
وما رواه البخاري (1922) ومسلم (1172) عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف الأواخر من رمضان.
ثم اعتكف أزواجه من بعده ".
والاعتكاف من الشرائع القديمة التي كانت معروفة قبل الإسلام، بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ البقرة: 125
حكمة تشريعه:
لا بد للمسلم ـ بين الفينة والفينة ـ من محاولة لكفكفة النفس
عن شهواتها المباحة، وحبسها على طاعة مولاها، والتفرغ لعبادته، كي ترتاض بحب الله تعالى، وإيثار رضاه على ترك ما هو محرم من شهواتها، وضار من أهوائها.
والنفس أمارة بالسوء، تواقة إلى المعاصي.
قال الله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي) يوسف: 53.
ومخامرة الدنيا يزيد من إقبالها عليها، وطلبها تلك الخلوات على حب الله تعالى والكف عن محارمه.
فمن ثم شرع الاعتكاف ليكون سبباً لجمع الخاطر، وتصفية القلب، وتربية النفس على الزهد بالشهوات المباحة، والتعاطي بها عن المخالفات والآثام.
حكم الاعتكاف:
الاعتكاف سنة في كل وقت، وهو في شهر رمضان أشد استحباباً، وفي العشر الأخيرة منه آكد، إلا أن ينذره على نفسه فيصبح واجباً.
وبناء على ذلك، فإن الاعتكاف قد تكون له ثلاثة أحكام:
الأول: الاستحباب، وذلك في مطلق الازمنة.
الثاني: السنة المؤكدة، وذلك في العشر الأخير من رمضان.
وحكمة تأكده في العشر الأخير من رمضان إنما هي طلب ليلة القدر.
فإنها أفضل ليالي السنة، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وجمهور العلماء على أنها في العشر الأخير من رمضان.
الثالث: الوجوب في حالة النذر.
شرط صحة الاعتكاف:
وإنما يصح الاعتكاف بشرطين أساسيين:
الشرط الأول:
النية: وذلك عند ابتدائه، بان ينوي المكث في المسجد مدة معينة للتعبد، تحقيقاً للسنة، فلو دخل المسجد لغرض دنيوي، أو لم يخطر في باله أي قصد لم يعتبر لبثه في المسجد اعتكافاً شرعياً.
الشرط الثاني:
اللبث في المسجد: وينبغي أن يستمر اللبث إلى مدة تسمى في العرف اعتكافاً.
ويدخل في هذا الشرط شروط جواز اللبث في المسجد، وهي الطهارة من الجنابة، والطهارة من الحيض والنفاس، وخلو الثوب والبدن من نجاسة يحتمل أن يتلوث بها المسجد.
فإن خرج من المسجد لغير عذر انقطع اعتكافه، أي بطل، أما إذا خرج لعذر وعاد لم ينقطع، وكان في حكم المتتابع.
هذا، ولا يشترط لتحصيل سنة الاعتكاف الصوم، ولكن يسن، ودليل ذلك ما رواه الحاكم (1/ 439) عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ".
الاعتكاف المنذور:
وهو النوع الثالث من أنواع الاعتكاف المذكورة.
فإن نذر اعتكاف مدة معينة على سبيل التتابع لم يجز له الخروج من المسجد إلا لحاجة: كقضاء حاجة، ووضوء ونحوه،
فإن خرج لذلك لم يحرم ولم ينقطع تتابع اعتكافه.
أما إن خرج لغير عذر كنزهة، وكأمر غير ضروري حرم عليه ذلك، وانقطع تتابع اعتكافه، ووجب عليه استئناف الاعتكاف.
ولو نذر أن يعتكف، وهو صائم لزمه ذلك، لأنه أفضل، فإذا التزمه بالنذر لزمه.
ولو عين الناذر لاعتكافه مسجداً من المساجد لم يتعين، وصح له أن يعتكف فيه غيره، وإن كان ما عينه أولى من غيره.
إلا المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، والمسجد الأقصى فإنه إذا عين واحداً منها تعين لزيادة فضلها، وتضاعف أجر العبادة فيها، لكن يقوم المسجد الحرام مقامها، ولا عكس، ويقو مسجد المدينة مكان المسجد الأقصى، ولا عكس أيضاً.
آداب الاعتكاف:
1ـ يستحب للمعتكف الاشتغال بطاعة الله تعالى، كذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، ومذاكرة العلم، لأنه أدعى لحصول المقصود من الاعتكاف.
2ـ الصيام، فإن الاعتكاف مع الصيام أفضل.
وأقوى على كسر شهوة النفس وجمع الخاطر وصفاء النفس.
3ـ أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع، وهو الذي تقام فيه الجمعة.
4ـ أن لا يتكلم إلا لخير، فلا يشتم، ولا ينطق بغيبة، ونميمة، أو لغو من الكلام.
مكروهات الاعتكاف:
1ـ الحجامة والفصد: إذا أمن من تلويث المسجد، أما إذا خشي تلويثه حرم عليه.
2ـ الإكثار من تعاطي صنعة من الصنائع كنسج الصوف، والخياطة وغيرهما، والبيع والشراء، وإن قل.
مفسدات الاعتكاف:
1ـ الجماع عمداً، ولو بدون إنزال.
قال تعالى: (وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) البقرة: 187.
أما المباشرة بغير الجماع: كاللمس والقبلة، فإنها لا تبطل الاعتكاف إلا إذا أنزل.
2 - الخروج عمداً من المسجد لغير حاجة.
3 - الردة والسكر، والجنون.
4 - الحيض والنفاس.
لأن ذلك ينافي اللبث في المسجد.
هذا ويجوز للمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب، ويخرج من المسجد، إذا شاء، فإذا خرج وعاد جدد النية.
الحج والعمرة
أحكامها الفقهية وأدلتها وأسرارهما
الحج والعمرة
التعريف بهما ومشروعيتهما
1ـ التعريف بهما:
معنى الحج:
الحج لغة القصد: وقال الخليل: كثرة القصد إلى من يُعظم.
وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء عبادة مخصوصة بشروط مخصوصة.
معنى العمرة:
العمرة لغة: الزيارة، يقال اعتمر فلاناً: أي زاره، وقيل: القصد إلى مكان عامر.
وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام، في غير وقت الحج، لأداء عبادة مخصوصة بشروط مخصوصة.
الفرق بين الحج والعمرة:
الحج يختلف عن العمرة من حيث الزمان، وفي بعض الأحكام.
أما من حيث الزمان، فالحج له أشهر معلومات لا يجوز بغيرها ولا تصح نية الحج إلا فيها، وهذه الأشهر: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة.
وأما العمرة فالسنة كلها زمان لأدائها، ما عدا أيام الحج لمن نوى به فيها.
وأما من حيث الأحكام، فالحج فيه وقوف بعرفات ومبيت بالمزدلفة ومنى، وفيه رمي الجمار وأما العمرة فلا شيء فيها من هذا بل هي كما سيأتي:
نية، وطواف، وحلق أو تقصير فقط، ومن جهة أخرى، فإن الحج مجمع على وجوبه بين العلماء، أما العمرة فمختلف في وجوبها.
2ـ زمن مشروعيتهما:
لعل أرجح ما قيل في تحديد الزمن الذي شرع فيه الحج والعمرة، أنه العام التاسع من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: فيما رواه الشيخان، لوفد عبد القيس الذين قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول العام التاسع للهجرة، وقد سألوه عن الأوامر التي يجب أن يأتمروا بها: " آمركم بالإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم ".
فلو كان الحج مفروضاً قبل ذلك، لعده في جملة الأوامر التي وجهها إليهم.
حكمهما ودليلهما
1ـ حكم الحج ودليله:
الحج فرض باتفاق المسلمين، وركن من أركان الإسلام، لم يخالف في ذلك، أحد من المسلمين، ودليله: الكتاب، السنة، الإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى في سورة آل عمران (96 ـ 97)
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: " بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ".
وأما الإجماع: فقد اتفقت علماء المسلمين على فرضيته من غير أن يشذ منهم أحد، ولذلك حكموا بكفر جاحده لأنه إنكار لما ثبت بالقرآن، والسنة، والإجماع.
2ـ حكم العمرة ودليلها:
العمرة فرض كالحج على الأظهر من قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
واستدل على ذلك بالكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى في / سورة البقرة: 196: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامين.
وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قلت يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال: " نعم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة ".
ملاحظات
الأولى: كم مرة يجب الحج والعمرة على المستطيع؟
أجمع العلماء على أنه لا يجب الحج والعمرة على المستطيع إلا مرة واحدة في عمره كله إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر.
ودليلهم على ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: " ذروني ما تركتكم، ولو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من كمان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ". رواه مسلم والنسائي.
وحديث جابر بن سراقة: أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه
واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج ـ مرتين ـ لا بل لأبدٍ أبدٍ " رواه مسلم (1218) الثانية: هل يصح تأخير الحج والعمرة لمن وجبا عليه أم يجب أداؤهما فوراً: مذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن الحج والعمرة لا يجبان على الفور، بل، بل يصح تأخيرهما لأن العمر كله زمان لأدائهما، لكن بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وهذا لا ينافي أنه يُسن أداؤهما عقب الوجوب فوراً مبادرة إلى براءة ذمته، ومسارعة في طاعة ربه، قال تعالى في / سورة المائدة: 48: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
الثالثة: كم عمرة اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكم حجة حج؟
عن قتادة قال: قلت لأنس: كم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - " قال حجة واحدة، واعتمر أربع عمرت في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين.
رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه البخاري ومسلم.
قال النووي رحمه الله في شرحه لمسلم: كانت إحداهن في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة وصدوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة، والثانية في ذي القعدة وهي سنة سبع وهي عمرة القضاء، والثالثة في ذي القعدة سنة ثمان وهي عام الفتح، والرابعة مع حجته - صلى الله عليه وسلم -.
حكمة الحج والعمرة
وفوائدها
لقد شرع الله لعبادة الشرائع وفصل لهم الأحكام تحقيقاً لمصالحهم العاجلة والآجلة في الدين والدنيا.
ولقد أشار القرآن الكريم عند ذكر الحج إلى وجود منافع للناس ومصالح لهم، فقال تعالى: ﴿ِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج: 28).
قال بن عباس رضي الله عنهما: في تفسير هذه الآية: إنها منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة: فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح والتجارات.
في الحقيقة لو أردنا تفصيل كلام ابن عباس وتعداد المنافع الدينية والدنيوية التي أشار إليها لتحصل لنا كثير من هذه المنافع، فمن هذه المنافع:
أولاً: اجتماع المسلمين: اعلم أن مبنى هذا الدين على الاجتماع والتآلف بين المسلمين.
فلذلك جعل الله تعالى معظم عباداته المشروعة سبيلاً لألوان من التلاقي فيما بينهم.
جعل لهم لقاء يتكرر كل يوم خمس مرات على مستوى الحي الواحد من البلدة، وشرع لتنظيم ذلك صلاة الجماعة.
وجعل لهم لقاء آخر يتكرر في كل أسبوع مرة على مستوى البلدة الواحدة، وشرع لتنظيم ذلك صلاة الجمعة.
وجعل لهم لقاء آخر يتكرر فيم كل عام مرة، على مستوى البقاع الإسلامية كلها.
وشرع لتنظيم ذلك الحج إلى بيته الحرام.
ثانيا: إحياء حقيقة الأخوة الإسلامية وإبرازها بشكل محسوس، بحيث لا تؤثر عليها حواجز اللغات وتباعد البلدان.
وخير وسيلة لإحيائها تلاقيهم حول بيت الله العتيق، يلهجون بدعاء واحد لرب واحد باتجاه واحد.
ثالثاً: شد المسلمين جميعاً مهما تباعدت ديارهم إلى محور مكة المكرمة التي هي مشرق الإسلام في الأرض، والتي منها انبثق نور التوحيد إلى أقطار العالم، لتكون رمز وحدتهم وتجسيد مبدئهم.
رابعاً: هو مظهر من مظاهر المساواة بين المسلمين، تسقط فيه سائر الاعتبارات التي تميز الناس وتحملهم على التفاخر في الملبس والمسكن.
ففي عرفات ومثلها في منى وعند رمي الجمار وفي الطواف يكاد يضيع الغني ولا يعرف الفقير، ويستوي السيد والمسود والخادم والمخدوم، وتغمر الجميع روحانية واحدة، وهي نشوة القرب من الله والتطلع لرضاه.
إنه مظهر رائع يذكر بالمبدأ حين يخرج الناس من بطون أمهاتهم سواء لا مزية لأحد على غيره، كما يذكر بالمعاد حين يقوم الناس لرب العباد حفاة عراة لا أحساب ولا أنساب.
خامساً: والحج كذلك أكبر مذكر يذكر المسلمين حال آبائهم وأسلافهم من الأنبياء والمرسلين، فكل موقف من مواقف الحج مرتبط بحدث يثير في مشاعر الحجاج كثيراً من الذكريات، فعند البيت يتجلى في خاطر المؤمن إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان البيت العتيق،
وتتجلى صور المصطفي هو يقبل الحجر الأسود، ويطعن الأصنام لتهوي على رؤوسها مستخذية مهينة.
وعند الصفا والمروة يتذكر المسلم هاجر عليها السلام وهي تسعى بينهما تطلب الماء لولدها إسماعيل.
وفي منى عند الجمرات يستشعر مواقف إبراهيم وهو يعارض الشيطان ويخالف أوامره، ويرجمه بالحصباء ويقبل على امتثال أمر ربه، وينفذ ما أوحاه إليه في رؤياه من ذبح ابنه.
وفي عرفات تثور في ضمير المؤمن بواعث التطلع إلى رحمة الله والأمل في مغفرته، ولا يغيب عن بصيرته ذلك الموقف الرائع الذي وقفه رسول الله في حجة الوداع وهو على ناقته يعظ المسلمين ويخطبم ويقرر لهم مبادئ الحياة الرائعة والمساواة العادلة والأخوة الصادقة، ويحذرهم من العودة إلى مساوئ الجاهلية: " أيها الناس إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ألا لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ".
سادساً: أضف إلى كل ذلك ما يناله فقراء تلك البلاد في ذلك الموسم المبارك من الرزق الذي يغني فقيرهم السنة كلها، تحقيقاً لدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)
سابعاً: والحج تربية للجسم على الخشونة وتحمل المشاق والصبر على المكاره.
وتربية للخلق على التواضع والتسامح وحسن المعاشرة وطيب الملاطفة.
وتربية للنفس على البذل والتضحية والصدقة والإحسان.
وتربية للضمير على الطهارة والرقابة لله سبحانه، قال تعالى في سورة البقرة: 197:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}.
من يجب عليه الحج والعمرة
يجب الحج والعمرة على من توفرت فيه الشروط الستة الآتية:
1ـ الإسلام:
فلا يجب على غير المسلم وجوب مطالبة في الدنيا، لأن الحج والعمرة من العبادات التي لا يطالب بها غير المسلمين، ولا تصح من غيرهم، لأن شرط صحة العبادة الإسلام.
2ـ العقل:
فالمجنون لا يجب عليه الحج ولا العمرة لعدم التمييز عنده بين المأمور والمحظور، ولأن الله تعالى إذا أخذ ما وهب فقد أسقط ما أوجب، ولا يتم التكليف شرعاً إلا بالعقل.
3ـ البلوغ:
فلا يجب الحج والعمرة على غير البالغ لأنه غير مكلف، إذ التكليف شرعاً إنما يكون بالبلوغ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يبرأ ". رواه ابن حبان والحاكم وصححاه.
4ـ الحرية:
فلا يجب الحج والعمرة على العبد لأنه لا يملك مالاً، بل هو وماله ملك سيده.
5ـ أمن الطريق:
فلو خاف على نفسه أو ماله عدواً، أو كان الطريق خطراً لوجود حرب مثلاً، لا يجب عليه الحج ولا العمرة لحصول الضرر، والله تعالى يقول ف سورة البقرة: / 195:
﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
6ـ الاستطاعة:
لقوله تعالى في سورة آل عمران / 98: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).
ولحديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج، قال: "الزاد والراحلة " رواه الترمذي، وقال حديث حسن.
والزاد والراحلة في الحديث يفسران الاستطاعة الواردة في القرآن.
بم تتحقق الاستطاعة؟
والاستطاعة تتحقق بأن يملك الإنسان المال الذي يلزمه لأداء الحج والعمرة، من أجرة مركوب ونفقة ذهاباً وإياباً، بالإضافة لما تفرضه عليه اليوم الحكومات من نفقة جواز سفر، وأجرة مطوف، ويجب أن يكون هذا المال زائداً عن دينه وعن نفقة عياله مدة غيابه.
أنواع الاستطاعة:
والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرة، واستطاعة غير مباشرة.
1ـ فالاستطاعة المباشرة: هي أن يتمكن الإنسان من الحج والاعتمار بنفسه، بأن يكون قادراً صحيح الجسم، يمكنه السفر، وأداء المناسك، من غير أن يناله ضرر كبير أو مشقة لا تحتمل.
2ـ الاستطاعة غير المباشرة: هي أن يملك المكلف من المال ما يمكنه إنابة غيره بالحج عنه في حياته أو بعد مماته، فيما إذا كان لا يستطيع الحج بنفسه لكبر أو مرض أو نحو ذلك.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جُهينة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: " نعم حُجي عنها.
أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم.
قال: " اقضوا دين الله، فالله أحق بالوفاء ". ولفظ النسائي أن رجلاً قال يا رسول الله: إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه، قال: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم.
قال: " فدين الله أحق بالوفاء ".
وروي في الصحيحين أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله تعالى على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: " نعم ".
ملاحظات الأولى: من كان له رأس مال تجارة وجب صرفه لأداء الحج والعمرة، ومن كان له أرض يحصل منها على نفقته وجب بيعها لأداء الحج والعمرة، وذلك أنه لو كان مديناً لآدمي وجب صرف مال تجارته، فكذلك الحج والعمرة وهذا هو القول الأصح، وقيل لا يلزمه بيع ذلك.
الثانية: لا يجب بيع بيته الذي يسكنه ولا أثاثه الذي يستخدمه في حاجته لأداء الحج والعمرة، لأن هذه حوائج ضرورية لا يستغنى عنها فلا يكلف بيعها.
الثالثة: من كان بينه وبين مكة دون مرحلتين، وهو قوى على المشي وجب عليه الحج ماشياً إن كان لا يملك ثمن مركوب، والمرحلتان مسيرة يوم وليلة على الأقدام.
الرابعة: من كان مالكاً نفقة الحج فقط وأراد أن يتزوج بهذا المال، فهو لا يخلو من أحدى حالتين.
الأولى: أن يكون بحاجة إلى نكاح ولكنه قادر على ضبط نفسه، فهذا يجب عليه الحج، والأفضل تقديمه على الزواج.
الثانية: أن يخاف على نفسه العنت والوقوع في المعاصي، فهذا أيضاَ يجب عليه الحج، ولكن تقديم الزواج أفضل من الحج، والقاعدة في ذلك أن الحاجة إلى النكاح لا تمنع الوجوب.
الخامسة: يشترط في وجوب حج المرأة وعمرتها زائداً على الشروط التي تقدم ذكرها في الرجل شرطان: أحدهما:
أـ أن يكون مع المرأة زوج لها.
ب ـ أو أن يكون معها محرم بنسب أو غيره، وذلك لما ورد في الصحيحين: " لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم " وفي رواية فيهما: " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ".
ج ـ أو أن يوجد معها نسوة ثقات مشهورات بالعفة والتدين، وأقل ذلك أن يكون معها امرأتان وهي الثالثة، ولا يشترط وجود محرم أو زوج لإحداهن معهن لأنه باجتماعهن وهن ثقات يحصل الأمن عليهن، والاطمئنان إلى عدم افتتان إحداهن، وإذا لم تجد
المرأة محرماً يحج ويعتمر معها من ماله وجب عليها أجرة المحرم إذا كان معها تلك الأجرة.
وهذا الشرط إنما هو لوجوب الخروج إلى الحج، أما لجواز الخروج فإنه يكتفى بامرأة واحدة، وكذا يجوز الخروج وحدها إذا أمن الطريق، وهذا خاص في أداء فريضة الحج، وأما في الحج غير المفروض وفي سائر الأسفار فلا بد من وجود محرم زوج أو غيره.
والدليل على جواز سفر المرأة وحدها لحج الفريضة ما رواه البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: " فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله ".
ثانيهما:
أن لا تكون معتدة من طلاق أو وفاة مدة إمكان السير للحج، وذلك لقوله تعالى في / سورة الطلاق: 1/: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾
السادسة:
ليس للمرأة السفر إلى الحج إلا بإذن زوجها، فإن منعها منه لم يجز لها الخروج، فإن ماتت في حال قدرتها ومنع الزوج لها، قضي الحج من تركتها ولا تعمد آثمة في ذلك.
من يصح منه الحج
كانت الشروط السابقة، شروطاً لوجوب وثبوت فرضيته، فمن لم يتوفر عنده واحد منها لم يكن مكلفاً بهذه الفريضة.
غير أن هذه الشروط لا علاقة لها بصحة الحج وعدمها، بل ربما صح الحج مع عدم توفر شروط وجوبه، وربما لم يصح الحج رغم توفر هذه الشروط: فشروط من يصح منه الحج هي:
الشرط الأول: الإسلام:
فمن لم يكن مسلماً لم يصح حجه، بحيث إذا أسلم بعد ذلك وتوفرت لديه شروط الحج، لم يغن حجه السابق ووجب عليه الحج من جديد.
الشرط الثاني: التمييز:
فإذا لم يبلغ الطفل سن التمييز لم يصح حجه مباشرة.
والتمييز أن يبلغ الطفل سناً يتوفر لديه فيه من النباهة والوعي ما يجعله قادراً على أن يستقل بطهارته وإصلاح شأنه، وهي قد تختلف ما بين طفلٍ وآخر.
الشرط الثالث: أن يحرم به في ميقاته الزمني:
والميقات الزمني للحج شهر شوال، وذي القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، فلا يصح الحج إلا إذا وقع ـ بدءاً من الإحرام به ـ في هذه الفترة، فإن أحرم بالحج خارج هذه الفترة لم يصح حجه، وتحول نسكه إلى عمرة على الصحيح.
الشرط الرابع: أن يكون وافي الأركان:
وسنحدثك عنها فيما بعد إن شاء الله.
فهذه هي شروط صحة الحج، فإذا توفرت صح الحج، بقطع النظر عن ثبوت وجوبه، ويتبين إذاً أن الطفل المميز إذا باشر الحج صح حجه، ولو لم يكن مكلفاً به بعد، بل يصح حجه إذا لم يكن مميزاً أيضاً فيما إذا أحرم عنه وليه، ثم طاف وسعى به، ورمى الجمار عنه، ووقف به في عرفة.
روى مسلم (1336) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي ركباً بالروحاء، فقال: " من القوم؟ " قالوا: المسلمون.
فقالوا: من أنت؟ قال: " رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فرفعت إليه امرأة صبياً.
فقالت ألهذا حج؟ قال: " نعم ولك أجر ".