الباب الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أصْنَاف اللهو الجَائِزةَ والمحرمَة
أصناف اللهو
الجائزة والمحرمة
معني اللهو
:
اللهو: هو كل ما يشغل الإنسان عن المزعجات، والأفكار، والمؤرقات المختلفة، دون أن تكون له حقيقة ثابتة، كاللعب، وأحاديث الفكاهة والأسمار، والغناء ونحو ذلك.
أصناف اللهو:
ثم أن اللهو، إما أن ينقضي دون أن يترك وراءه أثراً من نفع أو ضرر، إلا أنه يشغل الفكر عن الجد في الأمور، والمهمات من الشؤون، وإما أن يترك ـ علاوة على ذلك ـ أثراً ضاراً في النفس: كأن يتعود على الدعة والانصراف عن القيام بواجبات الحياة، وعزائم الأمور، وإما أن يترك أثراً مفيداً فيها: كأن يعودها على بعض أعمال الخير، ويسهل عليها اقتحام بعض الشدائد.
فاللهو إذا يتفرع حسب ما ذكرنا إلي ثلاثة أصناف.
حكم كل صنف من هذه الأصناف
:
ـ أما الصنف الأول: وهو ما لا يترك أثراً في الحياة نافعاً أو ضاراً، فهو مكروه: كالاسترسال في المجالس التي يشيع فيها المزاح والفكاهات التي لا فائدة منها، بحيث ينقضي الوقت فيها دون فائدة.
ـ وأما الصنف الثاني: وهو ما يعقب أثاراً ضارة في النفس والمجتمع، فهو محرم، ولا يجوز تعاطيه مقاله: الصنف الأول ذاته، إذا زاد استرسال الإنسان فيه، بحيث أصبح يفوت عليه واجباته، من عبادات مفروضة، أو سعي من أجل
المعيشة، أو يوجد في طبيعة سيئة: كالكذب، والتهاون في علاقاته الأخلاقية مع الناس.
ومثاله أيضاً: مجالس الغناء المقرونة بالمعازف والآلات المحرمة، أو المقرونة بنساء، أو غلمان.
- وأما الصنف الثالث: وهو ما أعقب فائدة للنفس والمجتمع، فهو مباح وقد يسمو إلي درجة الاستحباب، حسب مدي أهمية الفائدة الناجمة عنه.
مثاله: ما ذكرناه من السباق والرمي، والألعاب المفيدة للحرب ولغيرها مما يعتد به في ميزان الحكم الإنساني.
تطبيق هذه الأحكام على مزيد من الأمثلة
:
أولاً: الألعاب الهادئة الشائعة بين الناس، كالشطرنج، والنرد، وما يسمى بالشدة، أي الورق، ونحوها وهذه الألعاب تقوم أحكامها على أساس القاعدة التالية:
? كل ما كان من هذه الألعاب قائماً على التفكير والتدبير والنظر في العواقب، فهو جائز، ثم هو يدور بين الإباحة والكراهة حسب مدى انصراف اللاعب إليها، وانشغاله بها.
من هذه الألعاب الشطرنج، فهو قائم على تشغيل الذهن، وتحريك العقل والفكر.
ولا ريب أنه لا يخلو عن فائدة للذهن والعقل، فإن عكف عليه زيادة عما تقتضيه هذه الفائدة، فهو مكروه، فإن زاد عكوفه حتى فوت بسببه بعض الواجبات عاد محرماً.
? وكل ما كان قائماً على المصادفة، وإغماض الفكر والعقل، كالنرد، والورق، ونحوهما فهو محرم، وذلك لأن مثل هذه الألعاب يعود النفس على الركون إلي معني المصادفة في تقلبات الأحوال والأمور، ويجعل العقل يتخيل المصادفة هي العامل الأول في الكون وحركته، فهو من اللهو الذي يترك أثراً ضاراً في النفس.
ثانياً: اللهو بالحيوانات: كتحريش الديكة على بعضها، ودفع المواشي إلي التناطح وكالذي يسمي اليوم بمصارعة الثيران، فهو محرم، قولاً واحداً، لما يترك
من الآثار الضارة على حياة البهائم أو الإنسان.
ثالثاً: المصارعة، وهي كما تعلم أصناف كثيرة:
? فكل ما لم يعقب أثراً ضاراًَ في الجسم، وكان من شأنه أن يعود الإنسان على القوة، وفنون القتال، والدفاع عن النفس، فهو مباح، وربما مستحباً ود صارع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركانة وغلبه.
وكل ما كان من شأنه أن يعقب أثراً ضاراً في الجسم، كجرح أو تهشيم عظم أو تشويه طرف، فهو محرم: كالمصارعة الحرة، والملائكة، ونحوهما، إلا أن تكون المصارعة على نحو وبوسائل تضمن عدم الإضرار بأحد الطرفين، فيصبح حكمها حكم النوع الذي قبلها: مباحاً أو مستحباً، حسب ما بينا.
لا يجوز شيء من اللهو على مال مشروط
:
ثم أعلم أن شيئاً من أصناف اللهو واللعب التي ذكرناها، لا يجوز على المال، سواء كان من طرف واحد أو طرفين، أو من أجنبي عنهما.
وكل مال يدخل في شيء من اللهو الذي ذكرنا، فهو من الميسر الذي يحرم تعاطيه، إلا أن في شرط المال في المصارعة المباحة، وجهاً عند الشافعية، فهي ـ على هذا الوجه ـ تتبع السباق والرمي اللذين مضي حكمهما.
دليل هذا الوجه: ما رواه أو داود في مراسليه: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صارع ركانة، إذ كان مشركاً، على شياه ". والصحيح في المذهب أنه لا يجوز شرط المال في شيء غير السباق والرمي، من أصناف اللعب واللهو المباحة، وإن كان مصارعة.
أما الاستدلال بحديث أبي داود، فيجاب عنه بما يلي:
أولاً: الحديث ضعيف لكونه مرسلاً.
ثانياً: على فرض صحته فإنما كان ذلك قبل إسلام ركانة.
ولتلك الحالة شأن آخر، والدليل على ذلك أن ركانة لما أسلم بعد ذلك أعاد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - الشياه.