الباب الثامن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الإقرار
الإقرار
تعريف الإقرار
:
الإقرار لغة: الإثبات، مأخوذ من: قر الشيء، إذا ثبت.
والإقرار شرعاً: إخبار عن حق ثابت على المخبر.
ويسمى الإقرار اعترافاً.
دليل مشروعية الإقرار
:
الإقرار مشروع، وقد ثبتت مشروعيته، بنص الكتاب، والسنة وإجماع الأُمة
أما الكتاب فقول الله عز وجل: ﴿َأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (سورة آل عمران: 81).
[إصري: عهدي]
وقوله تبارك وتعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (سورة النساء: 135)
[قوامين بالقسط: دائمي القيام بالعدل].
قال العلماء: شهادة الإنسان على نفسه، معناها الإقرار.
وأما في السنة فما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " اغد يا أنيس إلي امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول اله - صلى الله عليه وسلم - فرُجمت (رواه البخاري [2575] في الشروط، باب: الشروط التي لا تحل في الحدود، ومسلم [1697] في الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما).
أما الإجماع، فقد نقل عن العلماء أنه منعقد على مشروعيته، وأن المقر مؤاخذ بإقراره.
حكمة تشريع الإقرار
:
والحكمة من تشريع الإقرار، وجود الحاجة إليه، وما أكثر ما تشرع الأحكام تلبية لمقتضي حاجة الناس إليها.
فقد يكون على المرء حق لا بينه لصاحبه عليه، فلو لم يكن الإقرار مشروعاً، ولا حجة على المقر لضاع كثير من هذه الحقوق، والإسلام ـ كما هو معلوم ـ حريص على إثبات الحقوق إلي أصحابها، وإيصالها إليهم ـ كما هو معلوم ـ حريص على إثبات الحقوق إلي أصحابها، وإيصالها إليهم.
وهو دائماً يسعى إلي حفظ الأموال وصيانتها من الضياع، فكان طبيعياً إذا أن يشرع الإقرار ويعتد به.
وكذلك إن كانت الحقوق غير أموال، سواء كانت الله، أو لآدمي، فإنها تظهر بالإقرار، وتتضح، فيؤخذ حق الآدمي، وتؤدى حقوق الله عز وجل.
فقد اعترف ماعز بن مالك رضي الله عنه أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالزنى، واقر به وطلب من الرسول أن يطهره منه ويقيم الحد عليه أداء الحق الله تعالى، فأمر - صلى الله عليه وسلم - برجمه حتى مات.
وكذلك أقرت امرأة من غامد بالزني، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت.
جاء هذا في البخاري [2575] ومسلم [1695].
وهذا يدل على مشروعية الإقرار، وبيان الحكمة من تشريع وانه حجة يؤخذ به المقر ولو كان الحق لله تعالى.
المقر به من الحقوق وحكم الرجوع فيه
: المقر به من الحقوق نوعان: حق الله عز وجل، وحق العباد.
النوع الأول: حق الله تعالى
: حق الله تعالى، مثل حد الزني، وحد السرقة، وحد الردة، وشرب الخمر،
والزكاة والكفارة ونحوها، فهذه الحقوق إنما شرعت إقامة للدين، وتحقيق مصالح المجتمع.
وحكم حق الله عز وجل أنه تنفع فيه التوبة فيما بين العبد وربه، ويصح الرجوع عنه بعد الإقرار فيه، لأن مبنى حق الله عز وجل على الدرء والستر.
ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض لماعز بن مالك بالرجوع عندما أقر على نفسه بالزني فقال له " لعلك قبلت، أو غمزت ". ومعنى هذا الكلام الإشارة على تلقينه الرجوع عن الإقرار بالزني، واعتذاره بشبهة يتعلق بها.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". (أخرجه الترمذي [1424] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود).
ولا شك أن الرجوع عن الإقرار شبهة تسقط الحدود.
ويندب للقاضي أن يعرض للمقر بالرجوع، ولا يقول له: ارجع، فيكون أمراً له بالكذب.
فلو رجع المقر بعد إقراره بحقوق بالله وجل، صح رجوعه، وزال عنه حكم ما كان أقر به.
يدل على ذلك، ما جاء في قصة رجم ماعز بن مالك رضي الله عنه، أنه لما وجد مس الحجارة فر، فأدركوه ورجموه، وأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " هلا تركتموه ". (رواه البخاري [4670]، ومسلم [1691] في نفس الأبواب السابقة، كما رواه الترمذي [1428] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع)
النوع الثاني: حق العباد
:
وهذا الحق لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار، لتعلق حق المقر له بالحق المقر به إلا إذا كذبه المقر له به، فحينئذ يصح له الرجوع به.
فلو أنه بدين لزيد، أو إتلاف، أو قذف، فإنه لا يصح الرجوع عنه، ويلزمه ما أقر به، إلا كذبه المقر له، كما قلنا.
شروط المقر
:
للمقر شروط حتى يصح إقراره أمام القضاء، ويعتد به.
وهذه الشروط هي:
1 - البلوغ، فلا يصح إقرار صبي دون البلوغ، ولو كان مميزاً، لامتناع تصرفه، ولرفع القلم عنه.
2 - العقل، فلا يحص إقرار مجنون أو مغمي عليه، أو من زال عقله بعذر، لامتناع تصرفهم، وعدم تمييزهم، ولرفع القلم عنهم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ". (رواه أبو داود [4403]، وغيره، عن على رضي الله عنه).
3 - الاختيار، فلا يعتد بإقرار المكره بما أكره عليه.
روي ابن ماجه [2044] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " " إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه " أي أنه سبحانه وتعالى أسقط التكليف عن المكره فيما استكره عليه، فلا يصح إقراره فيما أكره على الإقرار به، بل إن الله تعالى الغي اعتبار الإقرار بالكفر حال الإكراه مع طمأنينة القلب، فقال تعالى: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ (سورة النحل: 106) فلا اعتبار للإقرار بغيره من باب أولي.
4 - أن لا يكون محجوراً عليه، فإن كان محجوراً عليه فإنه لا يصح إقراره بدين في معاملة أسند وجوب الدين إليها قبل الحجر أو بعده، وكذلك لا يصح إقراره بإتلاف مال قبل الحجر، أو بعده، لأن المحجور عليه ممنوع من التصرف بماله.
ويصح إقرار المحجور عليه بالحد والقصاص، لعدم تعلقها بالمال، ولبعد التهمة، فإذا كان الحد قطع سرقة قطع، ولا يلزمه المال المسروق الذي اقر به.
شروط المقر له
:
يشترط في المقر له الشروط التالية:
1 - أن يكون المقر له معيناً نوع تعيين بحيث يتوقع منه الدعوى والطلب.
فلو قال: لإنسان أو لواحد من بني آدم على ألف، لم يصح إقراره لأنه
إقرار لمبهم، والإبهام مبطل للإقرار.
ولو قال: لأحد هؤلاء الثلاثة على ألف صح إقراره لوجود التعيين ولو بالجملة، فإذا قل واحد منهم أنا المراد بالإقرار صدق بيمينه إن لم يكذبه المقر، لاحتمال أن يكون هو المراد، ويمينه يؤكد ذلك، أضف إلي ذلك عدم تكذيب المقر له.
2 - أن يكون المقر له فيه أهلية استحقاق المقر به، لأن الإقرار حينئذ يصادف محله، وصدقه محتمل.
فلو قال: لهذه الدابة على ألف لم يصح إقراره، لأن الدابة ليست أهلاً للاستحقاق، فإنها غير قابلة للملك في الحال ولا في المآل.
3 - الا يكذب المقر له المقر، فلو كذبه في إقراره بطل إقراراه، وبقي المال المقر به في يده، أن يده تشعر بأنه مالك للمال ولو ظاهراً، والإقرار الطارئ عارضه التكذيب فسقط.
شروط الصيغة
:
يشترط في صيغة الإقرار لفظ صريح أو كناية تشعر بالتزام، وتدل عليه، وفي معنى اللفظ الصريح الكتابة مع النية، وإشارة الأخرس المفهمة.
ـ فلو قال: لزيد على ألف، أو له في ذمتي ألف، كان ذلك إقراراً، وحمل على الدين الملتزم بالذمة، لأنه المتبادر من الصيغة عرفاً.
ـ ولو قال: لزيد معي أو عندي ألف كان ذلك أيضاً إقراراً، وحمل على العين، لأنهما ظرفان، فيحمل كل منهما عند الإطلاق على عين له بيده.
ـ ولو قال له إنسان: لي عليك ألف ليرة فقال: بلى، أو نعم، أو صدقت، فإقرار لأن هذه الألفاظ موضوعة للتصديق.
ـ ولو قال له: أبرأتني منه أو قضيته له، فهو إقرار أيضاً، لأنه قد اعترف بشغل ذمته بالحق، ثم ادعى الإسقاط والأصل عدمه.
شروط المقر به
: 1 - يشترط في الحق المقر به أن لا يكون ملكاً للمقر حين يقر به، لأن الإقرار ليس إزالة عن الملك، وإنما هو إخبار عن كونه مملوكاً للمقر له.
فلو قال: ثوبي لزيد، أو ديني الذي لي على زيد لعمر لم يصح هذا الإقرار، لأن إضافة هذه الحقوق لنفسه تقتضي أنه مالكها، فينا في ذلك إقراره بها لغيره.
2 - أن يكون الحق المقر به في يد المقر، ليسلمه بالإقرار إلي المقر له، لأنه إذا لم يكن في يده كان إقراره إما دعوى عن الغير بغير إذنه، أو شهادة بغير لفظها فلا تقبل.
فلو أقر بحق ولم يكن في يده، ثم صار في يده عمل بمقتضي الإقرار لوجود شرط العمل فيسلم للمقر له.
الإقرار بمجهول
: يصح الإقرار بالمجهول، لأن الإقرار إخبار عن حق سابق، والشيء يخبر عنه مفصلاً تارة، ومجملاً تارة أخري.
- فإذا قال: لزيد على مال صح إقراره، ورجع إليه في تفسيره، ويقبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل كدرهم مثلاً، لأن اسم المال صادق عليه.
- وإذا أقر بمجهول وامتنع من تفسيره حبس حتى يبين قدر الحق الذي أقر به ن لأن البيان واجب عليه، فإذا امتنع منه حبس كالممتنع من أداء الدين.
الاستثناء في الإقرار وحكمه
:
يصح الاستثناء في الإقرار، لكثرة وروده في القرآن الكريم وغيره من السنة النبوية، وكلام العرب في نثرهم وأشعارهم.
فلو قال: على ألف إلا مائة صح إقراراه ولزمه تسعمائة.
شروط صحة الاستثناء في الإقرار
:
ويشترط في الاستثناء شروط حتى يكون صحيحاً منها:
أ- أن يتصل المستثني المستثنى منه في الكلام، بحيث يعد معه كلاماً واحداً عرفاً، فلا يضر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو تذكر.
أما لو طال الفصل ن وانقطع الكلام الأول عن الثاني، بحيث لم يعد
عرفا متصلاً به فإن الاستثناء لا يصح، ويثبت كامل الحق المقر به قبل الاستثناء.
ب ـ أن لا يستغرق المستثني منه، كأن يقول: له على خمسة إلا أربعة فإن الاستثناء يصح ويلزمه واحد فقط.
أما إذا قال: له على خمسة إلا خمسة، فاستثناؤه باطل، وتلزمه الخمسة كاملة، لأنه قد أقر بها.
الاستثناء المنقطع
:
ويصح الاستثناء من غير جنس المستثني منه، ويسمى استثناءً منقطعاً، لوروده في القرآن الكريم وغيره، ومنه قوله تعالي: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ.
أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشعراء: 75 - 77).
فلو قال: له على ألف ليرة إلا ثوباًَ صح إقراره، ويجب أن يبين بثوب قيمته أقل من ألف ليرة، حتى لا يستغرق المستثني المستثنى منه، فإن فسره بثوب قيمته ألف بطل تفسيره والاستثناء، ولزمه ألف ليرة.
الاستثناء من معين
: يصح أيضاً الاستثناء من معين، كأن يقول: لزيد هذه الدار إلا هذا البيت، لأنه إقرار وإخراج بلفظ متصل، فهو كالتخصيص.
الإقرار في حال المرض
:
يصح الإقرار في حال المرض، ولو مرض موت، ويكون حكمه حكم الإقرار في حالة الصحة، فلو اقر في صحته بدين لإنسان، وفي مرضه بدين لآخر صح إقراره بدين المرض، ولم يقدم عليه دين الصحة.
وكذلك يقبل إقراره في مرض موته لوارثه كالأجنبي، لأن الظاهر أنه محق، لأنه انتهي إلي حالة يصدق فيها الكاذب ويتوب فيها الفاجر.