المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نِعمة، ويكافئ مزيده، لك الحمد، سبحانك، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد نبيّ الهدى والرحمة، وعلى آله، وأصحابه، ومَن تبعهم، وسلِّم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين.
وبعد،،،
فهذا هو الجزء الخامس في سلسلة: الفقه المنهجي، على مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، رسمنا فيه، أحكام
الوقف
، والوصية، والمواريث
وقد رغبنا أن يكون ذلك بأسلوب سهل مبسط، وقفنا فيه عند أٌمهات الأحكام والمسائل من غير افتراض ولا تطويل.
وقرنَّا الأحكام بأدلتها ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأرشدنا إلى مواضع تلك الأدلة في مصادرها، تيسيراً لمن أراد الرجوع إليها، والوقف عليها.
فقد جاء بحمد الله هذا الكتاب - كسابقيه - وافياً بما توخَّينا، وملمَّاً بما أردنا.
ولا ندَّعي أننا بلغنا الكمال، فدون ذلك خَرْط القَتاد، ولكن حسبنا أنّا
بذلنا في سبيل ذلك جهداً، ونسأل الله أن يتقبله منّا، ويثبتنا عليه، وينفع به طلاب علوم الدين، وسائر المسلمين.
غير أننا في أبحاث الفرائض، زدنا في التبسيط، وأسهبنا في التعبير، وعُدْنا للأحكام بأكثر من أسلوب، لأن هذا الفن، لصعوبته، قد أعرض عنه كثير من المتعلمين، وأهمله في زماننا عامّة المتفقِّهين، فأردنا بكثرة الردّ تسهيلَه، وبتلوين العبارات تقريبه.
وعليه فنحن نستمح القارئين عذراً إن وجدوا فيه بعض الإسهاب والتطويل، وضايقهم كثرة الإعادة والتكرار، فعذرنا ما ذكرنا.
والله حسبنا ونِعمَ الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
المؤلفون
الوَقْفُ
الوَقْفُ
تعريف الوقف:
الوقف - ويُجمع على وقوف، وأوقاف -: هو في اللغة: الحبس، تقول: وقفت كذا إذا حبسته.
ولا تقول: أوقفته إلا في لغة رديئة.
وهذا على عكس حبس، فإن الفصيح فيه أن تقول: أحبست كذا، ولا تقول: حبسته إلا في لغة رديئة.
والوقف شرعاً: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود.
وهذه القيود في هذا التعريف سوف تستبين لك وأنت تقرأ فقرات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
دليل مشروعيه الوقف:
الوقف مشروع، بل هو قُربة، وأمر مرغَّب فيه شرعاً، ولقد قامت أدلة الكتاب والسنّة على تقريره، وبيان مشروعيته:
- أما الكتاب، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
[آل عمران: 92].
فإن أبا طلحة رضي الله عنه لما سمع هذه الآية الكريمة رغب في الوقف، وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيره.
روى البخاري (607) في (كتاب الوصايا)، باب (مَن تصدَّق إلى وكيله ثم ردّ الوكيل إليه)، عن أنس رضي الله عنه قال: لمّا نزلت: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ .. ﴾ جاء أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إلى بَيْرَحاءُ - قال: وكانت حديقة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويستظل بها، ويشرب من مائها - فهي إلى الله عز وجل وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أرجو بِرَّهُ وذُخْرَهُ، فَضَعْها أيْ رَسولَ الله حَيث أراكَ اللهُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بخ أبا طلحة، وذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين ". فتصدَّقَ به أبو طلحةَ على ذوي رحِمِهِ، قال: وكان منهم: أبي وحسانُ.
[بخْ: بوزن بل، كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ، وتُكرِّر للمبالغة، فيقال: بخْ بخْ، فإن وصلت خفضت ونوِّنت، فقلت: بخ بخ].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 115].
فلفظ ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ عام يشمل وجوه الخير كلها، ومنها الوقف.
- وأما السنّة، فأحاديث كثيرة، منها:
ما رواه مسلم (1631) في (كتاب الوصية)، باب (ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".
والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف.
والولد الصالح، هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد.
ومنها ما رواه البخاري (2586) في (كتاب الشروط)، باب (الشروط في الوقف)، ومسلم (1632) في (كتاب الوصية)، باب (الوقف)، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أصاب أرضاً
بخيبر، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إنَّي أصبتُ أرْضَاً بخيبر، لم أُصب مالا قط أنفسَ عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: " إن شئْت حبست أصْلَها وتصدَّقت بها ". قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يُباُع ولا يوهب ولا يُورَثُ، وتصدقَ بها في الفقراء، وفي القُرْبى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جُناحَ على من وَلِيَها أن يأكلَ منها بالمعروف، ويُطعَمَ غيرَ متموِّل.
قال ابن سيرين رحمه الله: غير متأثل مالاً.
[أصاب أرضا: أخذها وصارت إليه بالقَسْم حين فُتحت خيبر، وقسمت أرضها.
يستأمره: يستشيره.
أنفس: أجود، والنفيس: الجيد.
حبَّست: وقفت.
في الرقاب: تحرير العبيد.
لا جناح: لا إثم.
ولِيَهَا: قام بأمرها.
غير متمول: غير مدخر للمال.
غير متأثل: غير جامع للمال.
وكل شئ له أصل قديم، أو جمع حتى يصير له أصل، فهو مؤثل].
والمشهور أن وقف عمر رضي الله عنه هذا كان هو أول وقف في الإسلام.
وقد اشتهر الوقف بين الصحابة وانتشر، حتى قال جابر رضي الله عنه: ما بقى أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مقدرة إلا وقف.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدّقوا بصدقات محرمات.
والشافعي رحمه الله يطلق هذا التعبير (صدقات محرمات) على الوقف.
حكمة مشروعية الوقف:
قلنا فيما سبق: إن الوقف مشروع، بل هو قُربة يُثاب عليها المؤمن، لذلك كان هناك من غير شك فوائد وحِكَم كثيرة لتشريع الوقف، نلمح منها:
1 - فتح باب التقرّب إلى الله تعالى في تسبيل المال في سبيل الله وتحصيل المزيد من الأجر والثواب، فليس شئ أحبَّ إلى قلب المؤمن، من عمل خير يزلفه إلى الله تعالى، ويزيده حّباً منه.
2 - تحقيق رغبة الإنسان المؤمن، وهو يبرهن على إظهار عبوديته لله تعالى، وحبّه له، فمحبة الله تعالى لا تظهر واضحة إلا في مجال العمل والتطبيق.
قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].
3 - تحقيق رغبة المؤمن أيضاً في بقاء الخير جارياً بعد وفاته، ووصول الثواب منهمراً إليه، وهو في قبره، حين ينقطع عمله من الدنيا، ولا يبقى له إلا ما حسبه ووقفه في سبيل الله حال حياته، أو كان سبباً في وجوده من ولد صالح، أو علم يُنتفع به.
4 - تحقيق كثير من المصالح الإسلامية، فإن أموال الأوقاف إذا أُحسن التصرّف فيها كان لها أثر كبير وفوائد جمّة في تحقيق كثير من مصالح المسلمين: كبناء المساجد، والمدارس، وإحياء العلم، وإقامة الشعائر مثل الأذان والإمامة، وغيرها من المصالح والشعائر.
5 - سدّ حاجة كثير من الفقراء والمساكين والأيتام وأبناء السبيل، والذين أقعدتهم بعض الظروف عن كسب حاجاتهم.
فإن في أموال الأوقاف ما يقوم بسدّ حاجاتهم، وتطييب قلوبهم.
والله أعلم ..
أركان الوقف:
للوقف أربعة أركان، وهي:
الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة.
ولكل ركن من هذه الأركان الأربعة شروط، فإذا تحققت هذه الشروط، فإذا تحققت هذه الشروط كان الوقف على أكمل وجه، وهذه هي الشروط كل ركن:
1 -
شروط الواقف
:
يشترط في الواقف حتى يصحّ وقفه شرعاً الشروط التالية:
أصحة عبارته، وذلك بأن يكون حّراً بالغاً عاقلاً، فلا يصحّ وقف الرقيق، لأنه لا ملك له بل هو وماله لسيده، وكذلك لا يصح وقف الصبي والمجنون، ولو كان الوقف بمباشرة أوليائهم، فلو وقف الصبي - ولو ميِّزاً - شيئاً، وكذلك المجنون، كان الوقف باطلاً، ولو أجاز ذلك وليّهما، لأن الصبي والمجنون لا عبارة لهما شرعاً، فلا يصحّ الوقف منهما، ولا يجوز للوليّ التبرّع بشئ من أموالهما.
ب أهليّة التبّرع، فلا يصح الوقف من المحجور عليه بسفه، أو فلس، لأن هؤلاء ممنوعون من التصرّف بأموالهم، فلا يصح منهم التبرّع، ولا يجوز أن تسلّم إليهم أموالهم.
أما السفيه فلمصلحته، أما المفلس فلمصلحة غُرمائه.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: 5].
[السفهاء: جمع سفيه، وهو هنا من لا يحسن التصرّف في ماله.
وأصل السفه الخفّة].
وقد فسر الشافعي رحمه الله تعالى السفيه بالمبذر الذي ينفق ماله في المحرَّمات.
ومعنى قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ أي جعل الله في تلك الأموال صَلاَحَ معاشكم.
وأضاف المال إلى الأولياء - وإن كانت في الحقيقة أموال السفهاء - لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها.
والقيام، والقوام: ما يقيمك.
يقال: فلان قيام أهله، وقِوَام بيته، أي هو الذي يقيم شأنه، ويصلحه.
روى الحاكم (2/ 58) في (البيوع)، باب (الرهن محلوب ومركوب)، ورواه الدارقطني وغيره أيضاً، عن كعب بن مالك: أن كانَ عَليه، فقسمه بين غرمائه، فأصابهم خَمسة أسْبَاع حقوقهم، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ليس لكم إلا ذلك ".
ج- الاختيار، فلا يصحّ وقف المكره، لأن الاختبار شرط من شروط التكليف
وقف المريض مرض الموت:
المريض إذا كان في حالة من المرض يغلب فيها الهلاك، وتُفضي على الموت غالباً، فإنه لا يجوز وقفه فيما زاد على ثلث ماله، رعاية لحق الورثة في التركة، أما في الثلث فما دونه، فإنه يجوز وقفه رعاية لمصلحته، في الحصول الأجر والثواب له بعد موته.
دلّ على ذلك ما رواه البخاري (1233) في (كتاب الجنائز)، باب (رثي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سعد بن خَوْلة)، ومسلم (1628) في (كتاب الوصية)، باب (الوصية بالثلث)، عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال: كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَعودُني عام حَجَّةَ الوَداع، منْ وَجَع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدَّق بثلثي مالي، قال: " لا "، فقلت: بالشطر، فقال: " لا " ثم قال: " الثلث، والثلثُ كبير، أو كثير، إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
[الشطر: النصف.
عالة: فقراء.
يتكففون: يسألون بأكُفِّهم، أو يطلبون ما في أكفّ الناس].
وقف الكافر:
قال علماء الشافعية: يصحّ وقف الكافر ولو لمسجد، وإن لم يعتقده قُربة، اعتباراً باعتقادنا، ولأنه من أهل التبّرع، ومثل هذه التبرعات لا تحتاج في صحتها إلى نيّة، والنيّة معلوم أن شرطها الإسلام.
والكافر يُثاب على نفقاته وصدقاته في الدنيا، أما في الآخرة فلا حظّ له بشئ من الثواب.
روى مسلم (2808) في (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم)، باب (جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لا يَظلمُ مؤمنا حَسنةً، يعطي بها في الدنيا، ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها ". [أفضى إلى الآخرة: صار إليها].
2 -
شروط الموقوف:
وللموقوف شروط نذكرها فيما يلي:
أ - أن يكون الموقوف عيناً معيَّنة، فلا يصح وقف المنافع وحدها دون أعيانها، سواء كانت هذه المنافع مؤقتة، كأن سكنى داره سنة، أم كانت مؤبدة، كأن وقفها أبداً، وذلك أن الرقبة هي الأصل، والمنفعة فرع، والفرع يتبع الأصل، فما دام الأصل باقياً على ملك الواقف كانت المنفعة كذلك باقية على ملكه، فلا تنفصل وحدها بالوقف.
وكذلك لا يصح الوقف إذا لم يكن العين الموقوفة معيَّنة، فلو أنه وقف إحدى دارَية، أو إحدى سيّارتَيه من غير تعيين للموقوف، فإن
هذا الوقف غير صحيح لعدم بيان العين الموقوفة، وكان قوله هذا أشبه بالعبث، لا بالجدّ.
ب-أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف ملكاً يقبل النقل، ويحصل منه فائدة، أو منفعة.
وعلى هذا لا يصحّ أن يقف الإنسان شيئاً لا يملكه، لأن في الوقف نقلاً لملكية الموقوف من حَوْزة المالك.
وما لا يملكه كيف تُنقل ملكيته منه.
لذلك كان وقْفُ ما لا يملك لا غياً.
ومن هذا القبيل عدم صحة أن يقف الإنسان الحرّ نفسه، لأن رقبته ليست مملوكة له، حتى يخرجها بالوقف عن ملكه، بل ملكيتها لله تعالى.
وكذلك لا يصحّ وقف حمل الدواب وحدها دون أُمهاتها، لأن الحمل وحده لا يصحّ نقل ملكيته ما دام في بطن أُمه، نعم إذا وُقفت الأُم صحّ وقف الحمل تبعاً لها.
وكذلك يجب أن يكون الموقوف ذا منفعة تُرجى وفائدة تُقصد، فلو أنه وقف أرضاً لا تصلح لزرع أو بناء، أو ثياباً ممزقة لا تنفع في شئ، فإن هذا الوقف غير صحيح، لأن مقصود الوقف حصول المنفعة، وهذا لا فائدة منه لا منفعة فيه.
ج- دوام الانتفاع بالموقوف، فلا يجوز وقف الطعام ونحوه ممّا لا تكون فائدته إلا باستهلاك عينه.
والمقصود بدوام الانتفاع بالموقوف الدوام النسبي لا الأبدي، أي إنه يبقى مدة يصحّ الاستئجار فيها، أي تقابل تلك المنفعة بأُجرة، فلو وقف سيارة، أو دابّة صحّ هذا الوقف وإن كانت السيارة لا تبقى منفعتها أبداً، بل قد يصيبها التلف والعطب، وكذلك الدابة.
هذا، ولا
يشترط الانتفاع بالموقوف حالاً، بل يُكتفى بالانتفاع به ولو مالاً، فلو وقف دابة صغيرة صحّ الوقف، لأنه يمكن الانتفاع بها في المال.
د- أن تكون منفعة الموقوف مباحة، لا حُرمة فيها، وعليه فلا يصحّ وقف ما كانت منافعه محرّمة كآلات اللهو، وما أشبهها، لأن الوقف قُربة والمعصية تنافيه.
وقف إمام المسلمين وخليفتهم
من بيت مال المسلمين
ولقد أجاز علماء الشافعية لإمام المسلمين وخليفتهم أن يقف شيئاً من أرض بيت مال المسلمين، إذا رأى في ذلك مصلحة لهم، واستثنوا هذا من شرط ملكية الواقف للوقف، فإن الخلفية لا يملك أموال بيت مال المسلمين، ومع ذلك صحَّحوا وقفه هذا، واستدلوا لذلك بوقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه سواد العراق.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في " الروضة ": (لو رأى الإمام وقف أرض الغنيمة، كما فعل عمر رضي الله عنه، جاز إذا استطاب قلوب الغانمين في النزول عنها بِعوضَ أو بغيره).
وقف العقارات
يجوز وقف العقارات من أرض، أو دور، أو متاجر أو آبار، أو عيون ماء: أيّاً كانت تلك الأرض، أو تلك الدور، والمتاجر والآبار والعيون، ما دامت صالحة للانتفاع بها حالاً، أو مآلاً.
دلّ على ذلك الكتاب والسنّة، وعمل الصحابة رضي الله عنهم، فقد سبق أن نقلنا ما قاله جابر رضي الله عنه: (ما بقى أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مقدرة إلا وقف)، وقول الشافعي رحمه الله تعالى: (بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدَّقوا بصدقات محرمات)، أي وقفوا أوقافاً.
ومعلوم أن أكثر ما كانوا يقفونه إنما هو الأراضي، والدور، والآبار.
وقف الأموال المنقولة
وكذلك يصحّ وقف الأموال لمنقولة: كالدواب، والسيارات، والآت الحرب، والثياب، والفرش، والأواني، والكتب النافعة.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (2698) في (الجهاد)، باب (مَن احتبس فرساً)، والنسائي (6/ 225) في (الخيل)، باب (علف الخيل)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مَن احْتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شِعَبَةُ ورية وروْثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ". [احتبس: وقف].
وروى البخاري (1399) في (كتاب الزكاة)، باب (قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ ........... وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾، ومسلم (987) في (كتاب الزكاة)، باب (تقديم الزكاة ومنعها)، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، فقد احتبس أدراعه وأعتدة في سبيل الله).
[احتبس: وقف.
أدراعه: جمع درع، وهو الزرد.
أعتده: جمع عتاد، وهو ما أعدّه الرجل من السلاح والدواب، والآت الحرب].
وقف المشاع
المشاع هو الشئ المملوك المختلط بغيره بحيث لا يتميَّز بعضه عن بعض
والمشاع أيضاً يصحّ وقفه، سواء كان من المنقولات، أم من العقارات، سواء وقف الشخص الواحد جزءاً شائعاً، أم وقف الجماعة أجزاء شائعة، لا فرق بين هذا وذاك، فكل جائز شرعاً.
ودليل ذلك ما رواه النسائي (6/ 230، 231) في (الاحتباس)، باب (كيف يكتب المحتبس)، عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال عمر
رضي الله عنه للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن المائة السهم التي لي بخيبر لم أصب مالاً قط أعجب إلى منها قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " احبس أصلها وسبل ثمرتها ".
وروى البخاري (2619) في (كتاب الوصايا)، باب (إذا أوقف جماعة أرضاً مشاعاً فهو جائز)، عن أنس رضي الله عنه قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد، فقال: " يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا "، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
[ثامنوني بحائطكم: ساوموني ببستانكم وخذوا ثمنه].
قال الخطيب الشَّربيني في كتابه " مغنى المحتاج، إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج " للإمام النووي رحمه الله تعالى: (واتفقت الأمة في الأعصار على وقف الحُصر والقناديل في المساجد من غير نكير).
3 -
شروط الموقوف عليه:
الموقوف عليه قسمان:
معَّين، واحداً فأكثر.
غير معَّين، كالوقف على الجهات، كالفقراء مثلاً.
ولكل قسم منهما شروط.
شروط الموقوف عليه المعَّين
إذا كان الموقوف عليه معيناً، واحداً فأكثر، اشترط فيه الشرط التالي: إمكان تمليكه عند الوقف عليه، وذلك بأن يكون موجوداً في واقع الحال.
فلا يصحّ الوقف على ولد له، والواقع أنه ليس له ولد.
وكذلك لو وقف على الفقراء من أولاد فلان، ولا فقير فيهم عند الوقف، فإن هذا الوقف غير صحيح.
ولا يصحّ الوقف أيضاً على جنين، ولا على ميت، ولا
على دابة، ولا على دار.
وغير ذلك مما لا يتصور صحة تملكهم في حال الوقف عليهم.
وعليه فلا يصحّ وقف المصحف وكتب العلم الشرعية على غير مسلم لعدم جواز تمليكه إيّاها.
ولا يصحُ وقف من الواقف على نفسه أصالة، لعدم الفائدة في ذلك، لأنه من باب تحصيل الحاصل، فهو ملكه قبل الوقف، ولم يحدث بعد الوقف شئ جديد.
الوقف على الكافر
أجاز علماء الشافعية والوقف على كافر إذا كان ذمياً معيّناً ما دام الواقف لا يقصد بوقفه عليه معصية، وذلك لأن الصدقة تجوز على الذمِّي، فكذلك الوقف جائز عليه.
فإذا لوحظ عند الوقف عليه مراعاة معصية، كما لو وقف على خادم كنيسة لخدمته الكنيسة، فإن هذا الوقف غير صحيح، وذلك لمنافاة المعصية المشروعية الوقف.
والمُعاهَد والمستأمن في صحة الوقف عليهما كالذميّ، وما داما حالِّيْن في ديار المسلمين، سارية عليهما عهودهم.
أما الكافر الحربي والمرتد، فلا يصحّ الوقف عليهما، لأنهما ما داما كذلك، فلا دوام لهما، ولا يُقرِّان على كفرهما، والوقف صَدَقَة جارية فكما لا يصحّ وقف ما لا دوام له، لا يصح أيضاً الوقف على من لا دوام له.
فقد ورد الشرع بقتالهما وقتلهما.
روى البخاري (25) في (كتاب الإيمان)، باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم)، ومسلم (22) في (كتاب الإيمان)، باب (الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله)، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أمرت أن أُقاتلَ الناس حَتَّى يشهدُوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ مُحمداً رسولُ
الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتُوا الزكاة، فإذا فَعلُوا ذلك عَصَمُوا مّني دماءهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله ".
[عصموا مني دماءهم: حفظوها وحقنوها.
إلا بحق الإسلام: أي إلا إذا فعلوا ما يستوجب عقوبة مالية أو بدنّية في الإسلام، فإنهم يؤاخذون بذلك قصاصاً.
وحسابهم على الله: أي فيما يتعلق بسرائرهم، وما يضمرون].
وروى البخاري (2795) في (كتاب الجهاد)، باب (لا يعذَّب بعذاب الله)، والترمذي (1458) في (كتاب الحدود)، باب (ما جاء في المرتد)، وغيرهما، عن عكرمة رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " مَن بدّل دينه فاقتلوه"
شروط الموقوف عليه غير المعين:
يشترط في الموقوف عليه غير المعين: كالفقراء، والمساجد والمدارس وغيرها، حتى يكون الوقف عليه صحيحاً شرعاً شرط واحد، وهو:
أن لا يكون في ذلك الوقف وقف على معصية من المعاصي، لأن الوقف عندئذ إنما يكون إعانة على فعل المعاصي، وتثبيتاً لوجودها، والوقف إنما شُرِّع للتقرب إلى الله تعالى، فهو والمعصية إذاً ضدّان لا يجتمعان.
وبناءً على ما سبق، فإنه لا يصحّ وقف يكون ريعه لمعابد الكفّار، كالكنائس والبيعّ، ولا على خدمتها، وفرشها وقناديلها، ولا على تأسيسها أو ترميمها، وغير ذلك مما يتعلق بها.
ومثل هذا وقف السلاح على أصحاب الفتن وقّطاع الطرق، فإن ذلك لا يجوز أيضاً، لأن فيه الإعانة على المعاصي، كما سبق أن ذكرنا.
يتضح مما سبق أن الوقف على الفقراء، والعلماء والقرّاء
والمجاهدين، والكعبة والمساجد والمدارس والثغور، والمستشفيات، وتكفين الموتى، كل ذلك جائز شرعاً، بل هو قربة مستحبة، دعا الدين إليها، ووعد بالثواب عليها، ودليل ذلك عموم تلك الأدلة التي دلّت على مشروعية الوقف، والترغيب فيه، وقد مرّ ذكرها.
الوقف على الأغنياء
هذا ويجوز شرعاً الوقف على الأغنياء لأن الصدقة تجوز عليهم، وليس في الوقف عليهم معصية لله تعالى، وكذلك فالوقف، تمليك، وهم أهل لهذا التمليك.
حدّ الفقر والغني:
لو وقف إنسان داراً، وقال فيه: وقفتها ليكون ريعها للفقراء، أو الأغنياء، فمَن هو الفقير الذي يتناوله اللفظ، ومن هو الغني أيضاً؟
الفقير:
قالوا في تحديد الفقير في الوقف: إنه الفقير في الزكاة، فما صحّت له الزكاة لفقره، صحّ له الوقف لفقره أيضاً، وما لا فلا.
وعليه يجوز صرف الوقف على المساكين، وهم أحسن حالاً من الفقراء لجواز صرف الزكاة إليهم، ولا يجوز صرف الوقف إلى زوجة فقيرة لها زوج يَمُوْنها وينفق عليها، ولا على أولاد مكفيِّين بنفقة أبيهم، لأن الزكاة لا يجوز صرفها إليهم.
الغنيّ: قالوا في تحديده: إنه مَن تحرم عليه الزكاة، إما لملكه، أو لقوّته وكسبه، أو كفايته بنفقة غيره.
الوقف على سبيل الخير، أو سبيل الله
لو قال الواقف في وقفة: وقفت أرضي ليكون ريعها في سبيل البِّر أو الخير، أو الثواب، فمن يستحق ريع هذا الوقف؟
وجوابه: أن الذي يستحق ريع هذا الوقف إنما هم أقرباء الواقف، فإن لم يوجدوا، فأهل الزكاة ما عدا العاملين والمؤلّفة قلوبهم.
أما لو قال: في سبيل الله، فإنما يستحق ذلك الريع الغزاة الذين هم " أهل الزكاة
فإن جمع في وقفه بين سبيل الله وسبيل البر وسبيل الثواب، كان ثلث هذا الوقف للغزاة، وثلثه لأقرباء الواقف، والثلث الأخير لأصناف الزكاة ماعدا العاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم.
الوقف على زخرفة المساجد
وعمارة القبور
قال الفقهاء: لا يصحّ الوقف على تزويق المسجد أو نقشه، ولا على عمارة القبور، لأن الموتى صائرون إلى البلى فلا يليق بهم العمارة، ولا يجوز إضاعة المال وإتلافه في غير منفعة.
أين هذا الذي قاله العلماء، مما يفعله عّوام المسلمين اليوم، وربما أقرّهم على ذلك علماؤهم، أو سكتوا عليهم؟!.
فكم جمعوا أموالاً، من الفقراء والأغنياء، ومن غلاّت الأوقاف، أو هبات الناس ليزوّقوا مسجداً، أو ينقشوا فيه جداراً أو قُبَّة، أو يضخِّموا فيه محراباً أو منبراً، جاهلين أو متجاهلين أن ذلك سرف ممقوت، وإضاعة مال في افتتان قلوب الناس في صلاتهم، وشغل أفكارهم بهذه الزخارف عن عباداتهم!! كأنهم لم يقرؤوا قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2]. ومن أين يأتي الخشوع، وبين يدي المصلى وفي قبلته وعن يمينه وشماله من الزخارف والنقوش ما يأخذ بقلبه ولُبّه؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومثل هذا السَرَف في المساجد السرف أيضاً في عمارة القبور،
وتسنيمها وتجصيصها، وبناء القباب والقناطر عليها، حتى ليخيَّل إليك أنها قصور وليست بقبور، وكأن أصحابها أحياء ينعمون بتلك المباني!!.
إن بعض الناس لينفقون من أموالهم على بناء قبورهم، ويوصون أن تُجعل لهم قبور ضخمة فخمة يُوضعون فيها بعد موتهم، فهذه وصايا باطلة شرعاً، وأوقاف لاغية.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في متن " المنهاج ": (ويكره تجصيص القبور والبناء والكتابة عليه، ولو بني في مقبرة مُسَبَّلة هُدم).
قال الخطيب الشربيني في " مغني المحتاج ": (يهدم البناء لأنه يضيق على الناس، ولا فرق بين أن يبني قبة أو بيتاً أو مسجداً أو غير ذلك).
وقف الكفّار على معابدهم
قلنا فيما سبق: لا يجوز وقف المسلم مالاً على الكنيسة ونحوها، لوجود المعصية في ذلك.
وهنا نقول: لا نجوِّز للذمِّي أيضاً أن يقف لكنيسة أو معبد من معابدهم، عملاً بشرعنا واعتقادنا، هذا حين يترافعون إلينا، ويطلبون منّا بيان الحكم في ذلك، فإننا نقضي ببطلان أوقافهم على تلك الكنائس والبِيَع.
أما إذا لم يترافعوا إلينا، ولم يستفتونا في ذلك فإننا لا نتعرّض لهم، ونتركهم وما يدينون به.
أما ما وقفوه قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - على كنائسهم القديمة، فلا نُبطله، بل نقرّه حيث نقرّها.
4 -
صيغة الوقف:
(1) تعريف الصيغة:
الصيغة: هي اللفظ المشعر بالمقصود، أما ما يقوم مقام اللفظ،
كإشارة الأخرس المفهمة، أو كتابته.
ولا بدّ من الصيغة لصحة الوقف وإنشائه
(2) أقسام الصيغة:
الصيغة قسمان:
أ - صريحة: وهي التي لا تحتمل إلا المعنى المراد، مثل أن يقول وقفت داري على الفقراء، أو هي موقوفة عليهم، أو يقول: حبستها لهم، أو سبّلتها لهم.
ومثل هذه الألفاظ الصريحة الواضحة في الدلالة على المقصود لا تحتاج إلى نيّة لصحة الوقف، شأنها شأن كل لفظ صريح في العقود، بل يكفي فيها النطق بها.
ب كناية: وهي اللفظ الذي يحتمل مع المعنى المراد غيره، كأن يقول: مالي صدقة على الفقراء، أو حرمته لهم، أو أبّدته عليهم، وهكذا.
ومن كناية أيضاً كتابة الناطق.
والكناية لا بدّ فيها من النّية مع اللفظ، شأنها شأن كل ألفاظ الكناية في العقود، حتى تنشأ العقود صحيحة.
(3) شروط صيغة الوقف:
لصيغة الوقف - صريحة كانت، أم كناية - شروط نذكرها فيما يلي: أ - أن تكون لفظاً من ناطق يشعر بالمراد، أو كتابة من أخرس مُفصحة عن المقصود.
ب-أن تكون الصيغة خالية من التوقيف، فإن قال: وقفت أرضي على طلاب العلم سنة، بَطُلَ الوقف، لعدم صحة هذه الصيغة، لوجود التوقيف فيها، وذلك لأن مقتضى الوقف التأبيد، والتوقيت يُنافيه.
ما يُستثنى من شرط التوقيت:
لقد استثنى العلماء من هذا الشرط - شرط التوقيت - المساجد، والرُبُط والمقابر، وما يجري مجراها مما يشبه تحرير الرقاب، ويضاهيه، فحكموا بصحة الوقف، على التأبيد، وألغْوا الشرط.
رغبة في تصحيح الصيغة ما أمكن.
فلو قال: وقفت أرضي هذه مسجداً، أو مقبرة أو رباطاً سنة، صحّ الوقف مؤبداً وأُلغي الوقت.
ج- بيان مصرف الوقف، فلو قال وقفت، أو سبّلت كذا ولم يبيّن المصرف لم ينعقد الوقف، لعدم معرفة الجهة التي وقف عليها.
د- عدم التعليق، فإن الوقف عقد يقتضي الملك في الحال، فلا يصحّ تعليقه على شرط.
فإذا قال.
وقفت داري على الفقراء إذا جاء زيد، وسبّلت سيارتي لهم إن رضيت زوجتي، فالوقف باطل، لمنافاة مقتضى العقد لمثل هذه الشروط كما سبق أن قلنا.
ويستثنى من هذا الشرط أيضاً ما يشبه تحرير الرقاب كما سبق وذكرنا.
فلو قال إذا جاء رمضان فقد وقفت داري مسجداً، وصحّ الوقف.
هـ - الإلزام، فلا يصح فيه خيار شرط له، أو لغيره، وكذلك خيار المجلس.
فلو قال: وقفت دابتي على الفقراء، ولي الخيار ثلاثة أيام، أو لي خَيار بيعها متى شئت، بطل هذا الوقف لعدم تنجيز الوقف في الحال حسب مقتضى الوقف.
اشتراط قبول الموقوف عليه المعَّين الوقف:
إذا كان الوقف على معين، مثل أن يقف داراً على خالد مثلاً، اشترط لصحة هذا الوقف قبول الموقوف عليه المعيّن الوقف، ويجب أن يكون هذا القبول متصلاً بالإيجاب، وهو قول الواقف: وقفت داري هذه على خالد.
فإذا قبل خالد بهذا الوقف صحّ، وإذا ردّه بَطل.
أما إذا كان الوقف على غير معين: كالوقف على الفقراء، أو على المسجد، فلا يشترط لصحة هذا الوقف القبول، لتعذّر ذلك.
انتفاع الواقف من وقفه:
ليس للواقف أن ينتفع بشئ من وقفه - كما سبق وقلنا: ليس له أن يقف على نفسه - لأن الوقف إخراج ل
ملكية الموقوف
من ملك الواقف، وكذلك منافعه، ولكن العلماء استْثَنْوا من هذا، ما لو وقف مُلكه مسجداً أو مقبرة، أو بئراً، فله أن يكون كباقي المسلمين في الانتفاع من هذا الموقوف.
وعليه يصحّ له أن يصلّي في ذلك المسجد الذي وقفه، وأن يشب من ماء تلك البئر، وأن يُدفن في المقبرة أيضاً.
ودليل هذا حديث عثمان - رضي الله عنه -، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب، غير بئر رُومة، فقال: " من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة " فاشتريتها من صلب مالي.
رواه الترمذي (3704) بسند حسن، في (المناقف)، باب (مناقب عثمان)، ورواه النسائي (6/ 235) في (الأحباس)، باب (وقف المساجد)، ورواه البخاري (2626) تعليقاً في (كتاب الوصايا)، باب (إذا وقف أرضاً أو بئراً، أو اشترط لنفسه مثل دِلاء المسلمين).
وبئر رومة: كانت ليهودي في المدينة يبيع ماءها للمسلمين، كل قربة بدرهم، فاشتراها عثمان - رضي الله عنه -، ووقفها على المسلمين، على أن له أن يشرب منها، كما يشربون.
لزوم الوقف، وما يترتب عليه من أحكام:
الوقف من العقود اللازمة، التي يترتب عليها آثارها بمجرد إنشاء العقد الصحيح، وليس هو كالوصية، فإنها عقد جائز.
ويترتب على لزوم عقد الوقف الأحكام التالية:
أعدم ثبوت الخيار في عقد الوقف، فإذا وقف صحيحاً، فليس له خيار مجلس، كما أنه ليس له خيار شرط أيضاً.
ب انتقال ملكية الموقوف إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يحق للمالك الأصلي التصرّف في الوقف على سبيل الملكية لا بيع ولا هبة، ولا غير ذلك.
ج- انتقال حق الانتفاع بالوقف إلى الجهة التي كان لها الوقف، خاصّة كانت، ... أو عامّة.
ملكية الموقوف:
إذا وقف الواقف عيناً، عقاراً، أو سيارة، أو سلاحاً، أو غير ذلك انتقل مُلك رقبة الموقوف إلى الله تعالى، فلا يكون الموقوف للواقف، ولا للموقوف عليه.
منافع الموقوف:
منافع العين الموقوفة مُلك للموقوف عليه إذا كان الموقوف عليه معيَّناً، وله أن يستوفي هذه المنافع بنفسه، أو بغيره، بإعارة وإجارة.
ويملك أيضاً فوائد الوقف الحاصلة بعده، كثمر الأشجار الموقوفة عليه وصوف ولبن وأولاد الدواب الموقوفة عليه أيضاً.
أما إذا كان الموقوف عليه غير معين، وإنما هو جهة من الجهات كالفقراء مثلاً، فإنهم لا يملكون منفعة الموقوف، بل يملكون حق الانتفاع بها.
التصرّف بالموقوف:
لا يجوز التصرّف برقية العين الموقوفة بيعاً أو شراءً أو إرثاً، لا من قبل الواقف، ولا من قبل الموقوف عليه، معيناً كان الموقوف عليه، أو غير معين، بل تبقى على ملكية الله تبارك وتعالى، تصرف منافعها إلى مَن وُقفت عليه، ويعمل بها ما أمكن بما نصّ عليه الواقف.
دلّ على ذلك وقْف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه نصّ في وقفه: (أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث) رواه البخاري (2586)، ومسلم (1632).
نفقة الموقوف:
إذا كان للموقوف نفقة يحتاجها: كطعام الدواب، أو ترميم المباني، أو إصلاح الآلات، فإن هذه النفقة على الوقف تكون من حيث شرطها الواقف من ماله، أو من مال الوقف، فإن لم يشترط الواقف شيئاً كانت النفقة من غلاّت الوقف إن كان له غلّة، فإن لم يكن للموقوف غلّة، أو تعطّلت منافعه، فالنفقة تَجِبْ في بيت مال المسلمين، لأنه مرصود لمصالحهم، وفي النفقة على الموقوف مصلحة لهم.
هلاك الموقوف والأحكام المتعلقة به:
قد يهلك الموقوف، فتتعلق به عند هلاكه أحكام، تختلف باختلاف العين الموقوفة الهالكة، وباختلاف نوعية الهلاك، وهذه الأحكام هي:
أإذا كان الموقوف بهيمة غير مأكولة فماتت اختصّ بجلدها الموقوف عليه، لأنه أولى به من غيره، فإن دُبغ الجلد عاد وقفاً عليه ينتفع به، ولا يجوز له بيعه حفظاً على مقصد الواقف ما أمكن.
ب إذا كان الموقوف بهيمة مأكولة، وقطع الموقوف عليه بأنها ستموت من شئ نزل بها جاز ذبحها للضرورة، ويُباع لحمها ويُشترى به دابة من جنسها وتوقف مكانها، وقيل يُترك أمر لحمها للحاكم يفعل فيه ما يراه مصلحة.
ج- إذا أُتلفت العين الموقوفة، فإن على مُتلفها ضمان قيمتها، وذلك كأن أتلفها أحد تعدِّياً، لم يملك الموقوف عليه قيمة العين الموقوفة التالفة، بل يُشتري بالقيمة عين مماثلة لها، وتصبح وقفاً مكانها، وذلك مراعاة لغرض الواقف من استمرار الثواب، وتعلّق حق البطن الثاني وما
بعده بها، فإن تعذّر شراء عين كاملة، فبعض عين، لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذّر شراء البعض، فإن الموقوف يعود إلى أقرب الناس إلى الواقف، وأما إذا تلفت العين الموقوفة من غير ضمان، أو تلفت بنفسها، فقد انتهى الوقف بزوال العين الموقوفة.
د- إذا تعطّلت منفعة العين الموقوفة بسبب غير مضمون، كأن وقف أشجاراً فجفّت، أو قلعها الريح أو السَّيْل، ولم يمكن إعادتها إلى مغرسها قبل جفافها، لم ينقطع الوقف، بل تبقى موقوفة ينتفع بها جذوعاً بإجارة ونحوها، إدامة للوقف في عينها، ولا تُباع ولا تُوهب، فإن لم يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها بإحراق ونحوه جاز للوقوف عليه ذلك، إلا أنه لا يجوز بيعها ولا هبتها.
هـ - إذا كان الموقوف حُصُر مسجد ونحوها فبليت، أو جذوعاً فانكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق جاز بيعها، لئلا تضيع، أو يضيق المكان بها من غير فائدة، وتحصيل مال يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها، وعلى هذا، فإن ثمنها يُصرف في مصالح المسجد، ويقدم شراء مثيل للتالف إن أمكن أما إذا صلحت لغير الإحراق، لم يجز بيعها، محافظة على استيفاء عينها، تمشياً مع غرض الواقف.
وإذا انهدم مسجد وتعذّرت إعادته لم يجز بيعه بحال، لإمكان إعادته في وقت ما، فإن كان لهذا المسجد غلّة تُصرف على مصالحه، فإن توقعنا عوده حفظت غلّته، وإن لم نتوقع عوده جار صرف غلّته إلى أقرب المساجد إليه.
ز- إذا خيف على مسجد جاز للحاكم نقضه، وبنى بحجارته مسجداً آخر، ولا يبني بحجارته وأنقاضه شيئاً آخر مراعاة لغرض الواقف.
وبناؤه قريباً من المسجد المنقوض أولى.
ح- ولو وقف أحد مالاً على قنطرة منصوبة على واد، فانخرق الوادي وتعطلت القنطرة، واحتاج الناس إلى قنطرة أخرى، جاز نقل تلك القنطرة إلى محل الحاجة، استبقاءً لمقصود الواقف ما أمكن.
موت الموقوف عليه:
أإذا مات الموقوف عليه، فإن عيِّن الواقف مصرفاً آخر غير ذلك الشخص الذي مات ينتقل إليه الوقف عند موته، انتقل إلى الذي عيِّنه، وذلك كأن يقول الواقف: وقفت هذه الدار، أو السيارة على ولدي، ثم على الفقراء.
وإن لم يعيِّن مصرفاً آخر ينتقل إليه الوقف بقي الموقوف وقفاً، وصرف إلى أقرب الناس للواقف يوم موت الموقوف عليه الأول.
ب إذا وقف على شخصين، ثم الفقراء: كأن قال وقفت أرضي على زيد وعمر، ثم الفقراء، فمات أحدهما ذهب نصيبه من الوقف إلى الشخص الآخر، لأن الواقف شرط انتقال الوقف إلى الفقراء بموت الشخصين، ولم يوجد ذلك.
ج- إذا وقف شخصين، وفصَّل بأن قال: وقفت على كل واحد منهما نصف هذه الدار، ثم على الفقراء، فهو وقفان، فلا ينتقل نصيب أحدهما إلى الآخر، بل ينتقل إلى الفقراء.
حكم الوقف ابتداءً ودواماً:
للوقف من حيث الابتداء والدوام أحكام متنوعة أهمها:
أإذا كان الوقف على موجود إلا إنه منقطع الآخر، وذلك مثل قوله: وقفت هذه المكتبة على أولادي، أو على زيد، ثم نسله، ولم يزد على ذلك، صحّ الوقف، لأن مقصود الوقف القربة والدوام، فإذا بَّين مصرفه ابتداء سهَل إدامته على سبيل الخير، فإذا انقرض المذكور بقي وقفاً، ويصرف الوقف إلى أقرب الناس للواقف يوم انقراض المذكور، لأن الصدقة على الأقارب من أفضل القربات، فإن الصدقة على
الأقارب، صدقة وصلة، كما جاء في حديث: رواه الترمذي (658) بسند حسن في (كتاب الزكاة)، باب (ما جاء في الصدقة على ذي القرابة) والنسائي 8 (5/ 92) في (الزكاة)، (باب الصدقة على الأقارب)، وابن ماجه (1844) في (الزكاة)، باب (فضل الصدقة)، كلهم عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة ". ويختصّ الوقف عندئذ بفقراء قرابة الرحم، لا الإرث، فيقدم ابن بنت على ابن عم.
ب إذا كان الوقف منقطع الأول، كأن قال الواقف: هذه الدار على مَن سيولد لي، ثم على الفقراء، بطل هذا الوقف في الأول، لعدم إمكان تمليكه في الحال، كما مرّ بيانه، وبطل في الثاني، لأنه مرتب على الأول.
ج- إذا كان الوقف منقطع الوسط، كأن قال الواقف: وقفت هذا المتجر على أولاد خالد، ثم على رجل، ثم على الفقراء، صحّ هذا الوقف، لوجود المصرف في الحال، والمآل، ويصرف بعد أولاد خالد إلى الفقراء، لا لأقرب الناس إلى الواقف، لعدم معرفة أمد الانقطاع.
الولاية على الموقوف:
لا بدّ في الوقف من ناظر ينظر في أمره، ويقوم على مصالحه، والمحافظة عليه، وإنفاق موارده في الجهات التي نصّ عليها الواقف.
أحقّ الناس بالولاية على الوقف:
أحقّ الناس بالولاية على الموقوف هو من يعيّنه الواقف نفسه.
فإن شرط النظر على الوقف لنفسه، كان له النظر عليه، وكان أولى الناس به، وإن شرطه لغيره واحداً كان أو أكثر اتُبع شرطه، سواء فوّض الناظر بهذا النظر على الوقف حال حياته، أم أوصى له به، لأنه المتقرِّب
إلى الله تعالى بالصدقة، فيتبع شرطه في النظر كما يتبع في المصارف وغيرها.
فإن جعل الولاية لفلان، فإن مات فلفلان، جاز تحقيقاً لرغبته في النظر على وقفه.
وقد كان عمر - رضي الله عنه - يلي أمر صدقته، ثم جعله لحفصة بنته رضي الله عنها تليه ما عاشت، ثم يليه أولو الرأي من أهلها.
رواه أبو داود (2879) في
(الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يوقف الوقف) وإن لم يشترط الواقف النظر على الوقف لأحد، فالنظر عندئذ للقاضي، لأن له النظر العام، فكان أولى بالنظر في الوقف.
شروط الوالي على الوقف:
للناظر في الوقف شروط، حتى يصح أن يكون ناظراً، وهذه الشروط هي:
1 - العدالة، وهي الاستقامة في أمور الدين، وشرطت العدالة في الناظر، لأن النظر ولاية، والولاية لا تصح من غير عدل.
2 - الكفاية، والمراد بها قوة الشخص وقدرته على التصرف فيما هو ناظر عليه، واهتداؤه إلى محاسن أوجه التصرف.
فإذا اختلّ في الناظر أحد هذين الشرطين نزع الحاكم الوقف منه، ووليه هو بنفسه، أو يوليه مَن أراد.
فإن زال اختلاله، وتحققت فيه شروط الولاية من جديد عاد إليه النظر على الوقف إن كان مشروطاً نظره في الوقت، منصوصاً عليه بعينه من قبل الواقف نفسه.
ولا يتصرف الناظر إلا في وجوه المصلحة، والاحتياط، لأنه ينظر في مصالح الغير، فأشبه وليّ اليتيم.
وظيفة الناظر على الوقف:
للناظر على الوقف وظيفة نُجمِلها فيما يلي:
أالقيام بشؤون الوقف من عمارة، وإجارة وتحصيل غلّة، وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلاّت على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله.
وهذا التصرف إنما يتولاّه الناظر إذا أطلق الواقف له النظر، أو فوّضه في جميع الأمور، فإذا فوّض إليه النظر في بعض هذه الأمر لم يتعدّه اتباعاً لشرط الواقف، شأنه في ذلك شأن الوكيل يتصرف في حدود ما وُكِّل به.
ب إذا شرط الواقف النظر لاثنين لم يستقل أحدهما بالتصرّف، ما لم ينصّ عليه، فإن نصّ عليه جاز له التصرّف.
أُجرة الناظر على الوقف:
إذا شرط الواقف للناظر شيئاً من الريع جاز، وكان له أخذه، فإن لم يذكر الواقف للناظر أجرة، فلا أجرة له.
فلو رفع الناظر الأمور إلى الحاكم، وطالب أن يقرِّر له أُجرة، جاز للحاكم أن يقرِّر له الأجرة التي يراها مناسبة لعمله، وهذا إذا لم يجد متبرعاً يقوم بالنظر على الوقف من غير أجر، وللناظر أن يأكل من ثمرة الموقوف بالمعروف، كما قال عمر - رضي الله عنه -: (لا جُناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف).
اختلاف الناظر والموقوف عليهم في النفقة:
إذا ادّعى الناظر على الوقف صرف الريع إلى مستحقِّيه، فأنكروا ذلك، فإن كانوا معيِّنين، فالقول قولهم، ولهم مطالبته بالحساب، وإن كان الموقوف عليهم غير معينين، فللحاكم مطالبته بالحساب، ويصَّدق في قدر ما أنفق عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم حلّفه.
عزل الناظر:
يُعزل الناظر بزوال أهليته كما مرّ، وينعزل أيضاً بالإضافة إلى ذلك بعزل الواقف له، ويصحّ الواقف له، ويصحّ له عندئذ تولية غيره مكانه، وذلك أن الناظر وكيل،
وللموكِّل عزل الوكيل متى شاء، إلا أن يشرط الواقف نظره حال الوقف، فلا يجوز له عزله، ولو لمصلحة، لأنه لا تغيير لما شرطه حال العقد، كما لو وقف على أولاده الفقراء، فلا يجوز تبديلهم بالأغنياء.
لأنه كما قلنا لا تغيير لما شرطه في العقد.
بعض مسائل الوقف:
1 - لو قال الواقف في وقفه: وقفت هذه الدار على أولادي، وأولاد أولادي، استحقّ الوقف جميعهم، وقسم منافعه بينهم بالسوية، لا فرق بين ذكر وأنثى، وبين ولد وولد ولد، لأن الواو لمطلق الجمع، لا للترتيب، كما هو الصحيح عند علماء الأصول.
2 - لو قال: وقفت هذه الدار على أولادي، فإنه لا يدخل أولاد الأولاد في الوقف، لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة، هذا إذا كان له أولاد، وأولاد أولاد، أما إذا لم يكن له إلا أولاد أولاد، فإنهم يدخلون في اللفظ، ويستحقّون الوقف، لوجود القرينة، وصيانة لكلام المكلّف عن الإلغاء.
3 - لو قال هذه الحديقة وَقْف على ذريتي، أو نسلي، أو عقبي: دخل فيه أولاد البنات، وأولاد الأولاد، قريبهم وبعيدهم، وذكرهم وأنثاهم، لأن اللفظ يشملهم.
4 - لو قال: وقَفْتُ أموالي على فقراء قرابتي، دخل كل من اجتمع في النسب مع الواقف، من فقراء قرابته، سواء كان قريباً أم بعيداً، ذَكَرَاً أم أنثى، وارثاً أو غير وارث، محرماً أو غير محرم.
5 - الصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكل، كما لو قال: وقفت هذه الأرض على محتاجي أولادي، وأحفادي، وإخوتي، فصفة الحاجة مشروطة فيهم جميعاً، وكذلك الصفة المتأخرة عليها، كما لو قال، وقفْتُ هذه الدار على أولادي، وأحفادي، وإخوتي الفقراء.
6 - لقد عُرف الوقف على القرابة والأولاد والأحفاد والذرية بالوقف الذري أو الأهلي.
كما عرف الوقف على المصالح والجهات، كالمساجد والمدارس، والعلماء والفقراء بالوقف الخيري.
الوقف
من مفاخر المسلمين ومآثرهم الحميدة
الوقف قربة من القربات، وعبادة من العبادات، والوقف يدل على صدق إيمان الواقف، ورغبته في الخير، وحرصه على مصالح المسلمين، وحبّة لهم ولأجيالهم المتعاقبة.
ومنافعهم المتلاحقة.
ولقد ضرب المسلمون منذ عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الأمثلة في ميادين الوقف، فوقفوا أوقافاً لا تُحصى، وسبّلوا أموالاً لا تُعدّ، شملت أوقافهم جوانب كثيرة من جوانب الخير، ونواحي المعروف، ومرافق الحياة: مدارس، مساجد، مشافي، أراضي، مباني، آبار، مكاتب، سلاح على الذراري، على الفقراء، على المجاهدين، على العلماء، وغير هذا كثير.
فما تركوا ناحية من نواحي الحياة إلا وقفوا لها وقفاً، وما من حاجة من حاجات المجتمع إلا حبسوا لها أموالاً، ونظرة سريعة في ربوع العالم الإسلامي تنبئك عن أوقافهم التي وقفوها، وأموالهم التي حبسوها في سبيل الله تبارك وتعالى، اشترك في ذلك حاكمهم ومحكومهم، قوّادهم وجنودهم، تجّارهم وصنّاعهم، ورجالهم ونساؤهم، حتى غدا في كل بلد من بلدان المسلمين أوقاف يقدَّر ريعها بمئات الملايين، وأصبح لهذه الأوقاف في كل قطر أقطارهم وزارة، تدير تلك الأموال، وتقوم عليها، وهناك آلاف من الأُسر تعيش من ثمرات هذه الأوقاف وغلاّتها وهناك أيضاً مرافق كثيرة، ومصالح عديدة، استمرت ونَمَت في أحضان هذه الأوقاف، وفي
ربوع خيراتها.
فجزي الله أولئك الصالحين خيراً، وأجزل لهم الأجر والمثوبة.
والأمر المؤسف والمُحزن، أن الرغبة في أيامنا، منذ أزمان قريبة قد قلت عند كثير من المسلمين في الوقف، وشحّت نفوس كثيرين منهم في مثل هذه الصدقات الجارية، والمَبَرَّات النافعة.
وهذا مظهر مُحزن، إن دلّ على شئ فإنما يدل على قلّة الرغبة في الأجر والثواب، وضعف الإيمان بالآخرة ونعيمها، وشدة الحب للدنيا وشهواتها، وانشغال الناس بهذه الفانية، وتفضيلها على الآخرة ونعيمها، حتى صدق فينا قول الله تعالى ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: 16].
وكأننا لم نسمع قوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17].
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الوصية
تعريف الوصية:
الوصية في اللغة: الإيصال، مأخوذة من: وصيت الشئ أصيه إذا وصلته
والوصية، والإيصاء في اللغة بمعنى واحد، تقول: أوصيت لفلان بكذا، أو أوصيت إلى فلان بكذا، بمعنى عهدت إليه.
وتكون الوصية اسم مفعول بمعنى المُوصى به، ومنه قول الله تعالى:
﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ [النساء: 12].
وتكون مصدراً بمعنى: الإيصاء، ومنه قول الله عز وجل: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ [المائدة: 106].
لكن الفقهاء فرقوا بين اللفظين، فقالوا: إن معنى أوصيت إليه: عهدت إليه بالإشراف على شؤون القاصرين مثلاً.
وخصّوا هذا بالوصاية والإيصاء.
ومعنى أوصيت له: تبرّعت له وملِّكته مالاً وغيره.
وخصّوه بالوصية.
والوصية شرعاً: تبرّع بحق مضاف لما بعد الموت.
وسمي هذا التبرع بالوصية، لأن المُوصي قد وصل به خير عُقْباه بخير دنياه.
الفرق بين الوصية وبين أنواع التمليك الأخرى:
يتبيَّن من تعريف الوصية، وبين غيرها من أنواع التمليك الأخرى، إذ إن التمليك في الوصية مضاف إلى ما بعد الموت، بينما هو في العقود الأخرى كالهبة مثلاً تمليك في حال الحياة.
دليل مشروعية الوصية:
الوصية مشروعة ويدل على مشروعيتها الكتاب الكريم، والسنّة النبوية الشريفة، وعمل الصحابة رضي الله عنهم، وإجماع علماء المسلمين.
- أما الكتاب فقول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].
[كتب: فرض.
خيراً: مالاً.
بالمعروف: بالعدل، الذي ليس فيه ظلم للورثة].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11].
وقوله عز من قائل: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 106].
- أما السنّة فأحاديث عدّة: منها ما رواه البخاري (2587) في كتاب (الوصايا)، باب (الوصايا، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " وصية الرجل مكتوبة عنده ")، ومسلم (1627) في أول كتاب الوصية، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما حق امرئ مسلم، له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ".
[ما حق: لا ينبغي له، وليس من حقه.
إذ الحزم والاحتياط أن تكون
وصيته مكتوبة عنده، لأنه لا يدري متى يأتيه الموت، فيحول بينه وبين ما يريد].
ومن السنّة أيضاً ما رواه ابن ماجه (2700) في (الوصايا)، باب (الحث على الوصية)، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المحروم من حُرم الوصية "، وقال عليه الصلاة والسلام: " من ماتَ على وصية مات على سبيل وسُنَّة ومات على تُقَىً وشهادة، ومات مغفوراً له " رواه ابن ماجه (2701) في (الوصايا)، باب (الحث على الوصية).
- أما الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يوصون ببعض أموالهم تقرباً الله تعالى.
أخرج عبد الرزاق بسند صحيح: أن أنساً رضي الله عنه قال: (كانوا - أي الصحابة - يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]. - أما الإجماع، فقد انعقد إجماع فقهاء المسلمين منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم على جواز الوصية، ولم يؤثر عن أحد منهم منعها.
الصدقة في حال الحياة أفضل من الوصية:
الصدقة المُنجزة في حال الحياة، أفضل، وأكثر ثواباً، وأعظم أجراً من تلك الصدقة التي يتصدّق بها الإنسان بعد موته، وهي الوصية، لأن الصدقة في الحياة، أسبق في تحصيل الأجر والثواب، وأكثر دلالة على صدق المؤمن في إيمانه، ورغبته في الخير والإحسان، وحبه لهما.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: 48]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: 10]
روى البخاري (1353) في (الزكاة)، باب (أيّ الصدقة أفضل .. )، ومسلم (1032) في (الزكاة)، باب (أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح)، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغني، ولا تمهل حتى، إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان ".
[شحيح: أي من شأنك الشح، وهو البخل مع الحرص.
بلغت الحلقوم: قاربت الروح الحلق، والمراد شعرت بقرب الموت.
لفلان كذا: أي أخذت توصي وتتصدق.
وقد كان لفلان: أي أصبح مالك ملكاً لغيرك، وهم الورثة].
وروى الترمذي (2124) في (الوصايا)، باب (ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت)، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يُهدي إذا شبع ".
حكمة مشروعية الوصية:
مقتضى القواعد الشرعية أن تكون الوصية غير جائزة، لأنها مضافة إلى زمن قد انقطع فيه حق الموصي في ماله، إذ الموت مُزيل للمُلك، ولكن الشرع الحكيم أجاز الوصية، لما فيها من مصلحة للموصي، ولأقربائه وللمجتمع، أما مصلحة الموصي، فهي ما يناله من الأجر والثواب على وصيته، والذكر الحسن الجميل بعد مماته.
وأما مصلحة أقربائه فإن الغالب في الوصايا أن تكون للأقرباء الذين لا يرثون بموجب نظام الإرث في الشريعة الإسلامية، فيستحقون بالوصية قدراً من المال، وهم - غالباً - ممُن يحتاجون إليه.
وأما مصلحة المجتمع، فإن الوصية باب من أبواب الإنفاق في وجوه الخير العامة، كالمساجد والمدارس والمكتبات، والمستشفيات وغيرها، وفي الجهات العامة كذلك كالفقراء، والأيتام والعلماء.
وبهذا كانت الوصية من قوانين التكافل الاجتماعي في نظام الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من خير وفائدة.
حكم الوصية:
كانت الوصية في أول الإسلام واجبة بكل المال للوالدين والأقربين.
وذلك بدليل قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].
[كتب: فرض.
خيراً: مالاً].
لكن هذا الوجوب نسخ، بآيات المواريث، وبالنسّبة أيضاً، وبقي استحبابها في وجوه الخير، في الثلث فما دونه لغير الوارث.
روى أبو داود (2869) في (الوصايا)، باب (ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين)، والترمذي (2118) في (الوصايا)، باب: رقم 2، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك، حتى نسختها آية المواريث.
وروى عمرو بن خارجة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، خطب على ناقته، وأنا تحت جرَانها، وهي تقصع بجرتها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: " إن الله عز وجل أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، والولد للفراش، وللعاهر الحجر ". رواه الترمذي (2122) في (الوصايا)، باب (ما جاء لا وصية لوارث)، ورواه النسائي (6/ 247) في (الوصايا)، باب (إبطال الوصية للوارث).
[جرانها: باطن عنقها مما يلي الأرض.
بجرتها: ما تخرجه من بطنها لتجتره.
تقصع: تمضغه بشدة.
العاهر: الزاني.
وإنما قال: له الحجر، لأنه لا شئ له في الولد.
أو أنه يرجم بالحجر].
وروى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث ".
أخرجه أبو داود (2870) في (الوصايا)، باب (ما جاء في الوصية للوارث)
أحكام أخرى للوصية:
قلنا: إن الوصية مندوبة في وجوه الخير، ولغير وارث، لكنها قد يعتريها أحوال أخرى تُخرِجها عن الندب إلى:
أ- الوجوب:
فتجنب الوصية فيما إذا كان الإنسان حق شرعي لله تعالى، كزكاة وحج، وخشي أن يضيع إن لم يوص به.
وكذلك حق لآدمي، كوديعة ودين، إذا لم يعلم بذلك من يثبت هذا الحق بقوله.
ب- الحرمة:
وتحرم الوصية إذا كانت بما حرّم الشرع فعله، كالوصية بخمر، أو إنفاق في مشاريع مؤذية للأخلاق العامة، وهذه الوصية مع حرمتها باطلة، لا تنفذ.
ومن الوصية المحرمة، الوصية بقصد الإضرار بالورثة، ومنعهم من أخذ نصيبهم المقدر لهم شرعاً.
وقد نهى الله تبارك وتعالى عن الإضرار بالوصية، فقال عز من قائل:
﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: 12].
روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الرجل