الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 170-212
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 170-212
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1ـ نفقة الإنسان على نفسه: إن أدنى ما يجب على الإنسان من الإنفاق أن يبدأ بنفسه، إذا قدر على ذلك، وهي مقدمة على نفقة غيرة.
وتشمل هذه النفقة كل ما يحتاجه المرء من مسكن، ولباس، وطعام، وشراب، وغير ذلك.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (الأحكام، باب: بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، رقم: 6763)، ومسلم (الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس ... .، رقم: 997) وغيره عن جابر - رضي الله عنه - قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة عبدّ له عن دُبُر، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: " ألك ما غيره".
فقال: لا.
فقال: - صلى الله عليه وسلم -: " مَن يشتريه مني "؟ فاشتراه نُعيم بن عبدالله العدوي رضي الله عنه بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعها إليه، ثم قال: " ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فَلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا ". يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك.
معنى قوله: " عن دُبُر " أي علق عتقه بموته، فقال: أنت حر يوم أموت.

2ـ نفقة الفروع على الأصول: يجب على الوالد ـ وإن علا ـ نفقة ولده، وإن سفل.
فالأب مكلف بالإنفاق ـ على اختلاف أنواع النفقة ـ على أولاده ذكوراً وإناثاً، فإن لم يكن لهم أب، كلَّف بالإنفاق عليهم الجد أبو الأب القريب، ثم الذي يليه.

ودليل ذلك من الكتاب قول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فإيجاب الأُجرة على الزوج لرضاعة أولاده، يقتضي إيجاب مؤونتهم المباشرة من باب أولى.
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. فإن نسبة الولد إلى أبيه بلام الاختصاص، وهي (له) تقتضي مسؤولية صاحب الاختصاص، وهو الأب، عن نفقة ولده ومؤونته.
وكذلك وجوب نفقة المُرضِعة للوليد وكسوتها تدلّ على وجوب نفقة الولد وكسوته من باب أولى كما علمت.
وأما دليل ذلك من السنّة: فما رواه البخاري (النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ.، رقم: 5049)، ومسلم (الأقضية، باب: قضية هند، رقم: 1714) عن عائشة رضي الله عنها، أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال، " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". يقصد: خذي من مال أبي سفيان.
هذا، ويلحق الأحفاد بالأولاد بجامع النسبة والحاجة في كل.
شروط وجوب نفقة الفروع على الأصول: ويشترط لوجوب نفقة الفروع على الأصول تحقّق الشروط التالية: أولاً: أن يكون الأصل موسراً بما يزيد عن قوت نفسه، وقوت زوجته مدّة يوم وليلة.
فلو كان الذي يملكه لا يكفي - خلال هذه المدة - غير نفسه هو، أو

غير نفسه وزوجته، لم يكن مكلفاً بالإنفاق على فروعة.
ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ابدأ بنفسك ". رواه مسلم (الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس ... ، رقم 997). ثانياً: أن يكون الفرع فقيراً، ويشترط مع فقره، واحد من الأوصاف الثلاثة: 1ـ فقر، وصغر.
2ـ فقر، وزمانة.
3ـ فقر، وجنون.
فالصغير الفقير يكلّف أبوه، بالإنفاق عليه، فإن لم يكن أبوه فجده.
وكذلك الفقير الزمن، وهو العاجز عن العمل.
وكذلك الفقير المجنون.
والمقصود بالفقر: العجز عن الاكتساب.
فلو كان الولد صحيحاً بالغاً، قادراً على الاكتساب، لم تجب نفقته على أبيه، وإن لم يكن مكتسباً بالفعل.
فإن عاقه عن الاكتساب اشتغال بالعلم مثلاُ، فإنه ينظر: فإن كان العلم متعلقاً بواجباته الشخصية: كأمور العقيدة، والعبادة، فذلك يُعدّ عجزاً عن الكسب، وتجب نفقته على أبيه.
أما إن كان العلم الذي يشتغل به من العلوم الكفائية التي يحتاج إليها المجتمع، كالطب، والصناعة، وغيرهما، فلا يخرج الولد بالاشتغال بها عن كونه قادراً على الكسب، والأب عندئذ مخيّر: بين أن يمكِّنه من العكوف على ذلك العلم الذي يشتغل به وينفق عليه، وبين أن يقطع عنه النفقة، ويلجئه بذلك إلى الكسب والعمل:

مقدار النفقة: ليس لهذه النفقة حدّ تقدّر به إلا الكفاية، والكفاية تكون حسب العُرْف، ضمن طاقة المنفق، قال الله عزّ وجل: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ [الطلاق: 7] هل تصير هذه النفقة ديناً على الأصل إذا فات وقتها: لا تصير نفقة الفروع بمضي الزمان ديناً على المنفق، لأنها مواساة من الأصل لفرعه، فهي ليست تمليكاً لحق معين، ولكنها تمكين له بدافع صلة القربى.
أي يتناول حاجته من النفقة، فإذا مرّت الحاجة، ولم يشأ أن يسّدها بما قد مكّنة الأصل منه، تعففاً، أو نسياناً، أو غير ذلك، فإن ذمّة أبيه لا يعقل أن تنشغل بدين لولده مقابل الحاجة التي تعفّف ولده عنها، أو شغل عنها، أو نسيها حتى فات وقتها.
هذا هو الأصل، وهو الحكم، عندما تكون الأمور بين الأولاد وأبيهم جارية على سَننها الطبيعي.
فأما إذا وقع خلاف، تدخل القاضي بسببه فيما بينهم، وفرض القاضي على الأب نفقة معينة، أو أذِنَ للأولاد أن يستقرضوا على ذمّة أبيهم ديناً معيناً من المال، أو القدر الذي يحتاجون إليه، فإن هذه النفقة تصبح ديناً بذمة الوالد، إذا فات وقتها، ولا تسقط بمضي الزمن، لأنها قد آلت، بحكم القاضي، إلى تمليك، بعد أن كانت مجرد مواساة وتمكين.
3ـ نفقة الأصول على الفروع: كما تجب نفقة الفروع على أصولهم بالأدلة والشروط التي أوضحناها.
كذلك تجب نفقة الأصول ـ أي الأب والأم، والجدّ والجدّة، وإن

علاَ كل منهما ـ على فروعهم، بناءً على الأدلة التالية، وطبقاً للشروط التي سنذكرها.
الأدلة على وجوب هذه النفقة: ويستدل لوجوب النفقة على الأصول، بأدلة من الكتاب والسنّة، والقياس: ـ أما من الكتاب: فقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: 15] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23].
والمعروف الذي يقدّمه الولد لوالديه، والإحسان الذي يحسنه إليهما، لا يكون إلاّ بنهوض الولد بمسؤولية نفقتهما عند الاحتياج.
ـ وأما من السنّة: فما رواه أبو داود (البيوع والإجارات، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، رقم: (3528) والترمذي (الأحكام، باب: الوالد يأخذ من مال ولده، رقم: (1358) وغيرهما، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه ". وقال - صلى الله عليه وسلم -: " أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم ". رواه أبو داود (البيوع والإجازات، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، رقم: 3530). وروى النسائي (الزكاة، باب: أيّتهما اليد العليا: 5/ 61) عن طارق المحاربي - رضي الله عنه - قال: قَدِمت المدينة، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: " يد المُعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أُمك وأباك، وأُختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ". وروى أبو داود (الأدب، باب: في برِّ الوالدين، رقم: 5140) عن

كليب بن منفعة عن جده - رضي الله عنه -: أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، مَن أبر؟ قال: " أُمك وأباك، وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصولة ". ـ أما دليل القياس والاجتهاد: فقياس الأصول على الفروع، إذ كما وجبت نفقة الفروع ـ عند العجز ـ على الأصول كذلك تجب نفقة الأصول عند العجز على الفروع، بجامع شيوع البعضية بينهما، وهي أساس القرابة التي هي ثابتة الأصول والفروع.

شروط وجوب نفقة الأصول على الفروع: أولاً: أن يكون الفرع موسراً بما يزيد عن الضروري من نفقته، ونفقة زوجته، يومه وليلته، فلو كان الذي عنده من النفقة لا يكفي لأكثر من حاجته، وحاجة زوجته، مدة يوم وليلة، لم يكلّف الإنفاق على أبيه وأُمه، لأن نفقة الفقير لا تجب على فقير مثله، فإن أيسر بجزء من نفقتهما الضرورية تقدم بها إليهما، فإن ضاقت عنهما قدّم أمه على أبيه، ذلك لأن ما لا يدرك كله لا ينبغي أن يترك كله.
ثانياً: أن يكون الأصل فقيراً، والمراد بالفقر هنا: أن لا يكتسب ما يسدّ حاجته الضرورية، سواء كان قادراً على الكسب، أم لا.
بخلاف ما مرّ الزمانة، أو الجنون، أي مع صفة العجز.
والفرق بينهما: أن الأصل لا يقبح منه تكليف الفرع القادر على الاكتساب.
ولكن الفرع يقبح منه أن يكلف أصله ـ الذي طالما اكتسب وجدّ من أجله ـ بالاكتساب، ولا سيما مع كبر السن.
ثالثاً: أن لا تكون الأم مكفيّة بنفقة زوجها فعلاً، أو حكماً.
ومعنى

هذا الشرط: أن نفقة الأُم تجب على ولدها في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون والده عاجزاً عن الإنفاق عليها.
الحالة الثانية: أن يكون والده متوفى، وهي خليّة على الزوج.
وقدرتها على النكاح لا يلغي هذا الواجب أي يجب على ولدها أن ينفق عليها حتى ولو كان ثمّة كفء يتقدم بطلب الزواج منها.
كما أن معنى هذا الشرط أن نفقتها تسقط في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون والده قادراً على الإنفاق عليها.
الحالة الثانية: أن تكون متزوجة من غير أبيه، سواء كان زوجها موسراً بنفقتها، أو مسعراً بها.
فإذا طالبت الأم في حالة إعسار زوجها بالفسخ، وفسخ النكاح، وجب حينئذ أن ينفق عليها ابنها.
لا تتأثر نفقة الفروع والأصول باختلاف الدين: إذا لاحظت هذه الشروط، سواء ما شرط منها لنفقة الأصول على الفروع، وما شرط منها لنفقة الفروع على الأصول، أدركت أن وحدة الدين بين الأصول والفروع لا تعتبر شرطاً لوجوب هذه النفقة.
إذاً فإن وجوب هذه النفقة من الأصل والفرع، ومن الفرع للأصل لا يتأثر باختلاف الدين].
فيكلف الولد المسلم بالإنفاق على والديه غير المسلمين، ويكلُف الوالد المسلم بالإنفاق على أولاده غير المسلمين، إذا تحققت باقي الشروط التي ذكرناها.
ولكن يستثنى من ذلك المرتد، فلا تجري النفقة عليه، سواء كان أصلاً للمنفق، أو فرعاً له.

ودليل جواز النفقة على الأصل، ولو كان مشركاً: ما رواه البخاري (الأب، باب: صلة الوالد المشرك، رقم: 5633)، ومسلم (الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ... ، رقم: 1003) وغيره عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمت عليّ أُمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهَدَهُم، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، قدمت عليّ أمي، وهي راغبة، أفأصلُ أمي؟ قال: " نعم، صِلِي أُمك ". [وهي راغبة: أي راغبة بالصلة، أو راغبة عن الإسلام.
في عهد قريش: أي ما بين صلح الحديبية وفتح مكة].
مقدار نفقة الأصول على الفروع: هذه النفقة أيضا ليست مقّدرة بحد معين، وإنما هي مقدرة بالعرف المتبع.
وهي أيضاً لا تصبح ديناً في ذمة الفرع إذا مرّ وقتها، ولم يتمتع الأصل بها.
إلا إذا وقع خلاف بين الأصل والفرع، ففرض القاضي بموجبه جراية معينة على الفرع، فإنها تصبح حينئذ ـ كما قلنا سالفاً ـ ديناً في ذمته بمرور الوقت.
ترتيب الأصول والفروع في الإنفاق: إذا كان الوالدين فقيرين، وكان لهما فروع، واستووا في القُرب، أنفقوا عليهما، لأن عّلة إيجاب النفقة تشملهم جميعاً.
وتكون حصة الأُنثى من النفقة كنصف حصة الذكر، كالإرث.
وإن اختلفوا في درجة القُرب، كابن، وابن ابن، فإن النفقة إنما تجب على الأقرب، وارثاً كان أو غير وارث، ذَكَراً كان أو أُنثى، لأن القُرْب أولى بالاعتبار.
ومَن كان فقيراً، وله أبوان موسران فنفقته على الأب، لأنه هو

المكلف بالإنفاق على ولده الصغير، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
وأما نفقة على الكبير الفقير، فاستصحاباً لما كان في الصغر.
ومن كان فقيراً، وله أًصل وفرع غنيّان، قدم الفرع في وجوب النفقة، وإن بعد، لأن عصوبة الفرع أقوى من عصوبة الأصل، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه، لعظم حرمته.
وإذا تعدّد المحتاجون من أُصول وفروع وغيرهم، وكان ما يفضل عن حاجته لا يتسع لنفقة جميعهم، فإنه يقدّم بعضهم على بعض وفق الترتيب التالي: يقدم بعد نفسه: أـ زوجته، لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، بخلاف نفقة الأصول والفروع، فإنها تسقط بمضي الوقت، كما ذكرنا سابقاً.
ب ـ ولده الصغير، ومثله البالغ المجنون، وذلك لشدّة عجزهما عن الكسب.
ج ـ الأُم، لعجزها أيضاً، ولتأكيد حقها بالحمل والوضع، والإرضاع والتربية.
د ـ الأب، لعظيم فضله أيضاً.
هـ ـ الابن الكبير الفقير، لقربه من أبيه، وللقرب مزية فضيلة.
وـ الجد وإن علا، لأن حرمته من حرمة الأب، وهو أصل تجب رعاية حقوقه.

4ـ نفقة الزوجة على الزوج: تجب نفقة الزوجة على الزوج بالإجماع، بشرط معينة سنذكرها، فيما بعد.

دليل وجوب هذه النفقة على الزوج: ويستدل لوجوب نفقة الزوجة على الزوج: بالكتاب، والسنّة.
أما دليل الكتاب: فقول الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34].
فقد دلّت هذه الآية على أن الزوج هو المسئول عن النفقة.
وقوله الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. والمولود له في الآية هو الزوج، والضميري في ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ عائد إلى الوالدات، وهن الزوجات.
والمعنى إذاً: وعلى الأزواج تَجِب نفقة الزوجات.
وأما دليل السنة: فما رواه مسلم (الحج، باب: حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم: 1218) عن جابر - رضي الله عنه - في حديث حجة الوداع الطويل: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله ". الحكمة من إيجاب نفقة الزوجة على الزوج: إن الحياة الزوجية لابُدّ أن تنهض على أحد أُسس ثلاثة: الأساس الأول: أن يتولى الزوج الإشراف على بيت الزوجية، وأن يكون هو المسئول عن النفقة على الزوجة والأولاد.

الأساس الثاني: أن تتولى الزوجة ذلك كله بدلاً من الزوج.
الأساس الثالث: أن يتعاون الزوجان في النهوض بالمسئوليات المادية، وتقديم النفقة.
فما الذي يحدث لو استبعدنا الأساس الأول: الذي هو حكم الشريعة الإسلامية، واستعضنا عنه بأحد الأساسين الثاني، أو الثالث؟.
تحدث عندئذ مجموعة النتائج التالية: الأول: لابد أن ينعكس ذلك على المهر أيضاً.
فأما أن تتقدم المرأة بالمهر كله إلى الرجل، أو أن يلزما بالاشتراك في تقديمه.
ومن النتائج الحتمية لهذا الواقع أن تتحول المرأة، فتصبح طالبة للزوج بعد أن شرّفها الله عز وجل، فجعلها مطلوبة.
ذلك لأن الذي يتقدم بالمال يكون هو الطالب لمن يأخذ المال.
وإذا أصبحت الزوجة هي الساعية بحثاً عن زوجها، فإنها لن تعثر على الزوج الذي تستطيع أن تركن إليه، حتى تسقط السقطات المتتالية، بخِداع الرجال، وأكاذيبهم عليها.
ثانياً: لابدّ أن تتجه المرأة هي الأخرى إلى سبل الكدح، والعمل من أجل الرزق، وأن تناكب الرجال سعياً وراء الأعمال المختلفة.
وإذا فعلت المرأة ذلك، أصبحت ـ لا محالة ـ عرضة للسوء والانحراف.
والواقع المشاهد أكبر دليل على ذلك.
كما أن البيت يعوزه عندئذ مَن يدبر شأنه، ويرعى حاله، ويربي صغاره، إذ يصبح عندئذ فارغاً موحشاً، ومصدراً للفوضى، والقلق والاضطراب بدلاً من أن يكون موئلا للسعادة، ومنبعاً للأنس وملجأ للراحة والاستجمام.

والواقع المشاهد أيضاً أكبر دليل على ذلك.
ثالثاً: إذا قامت الحياة الزوجية على أحد من الأساسين المذكورين، فلا بد أن يكون حق الطلاق بيدها، على سبيل المشاركة، أو الاستقلال.
ذلك لأن القانون الاقتصادي والاجتماعي يقول: (مَن ينفق يشرف).
وقد علمت في باب الطلاق الحكمة الباهرة من كون الطلاق ـ في أعم الأحوال ـ حقا للزوج.
فمن أجل أن يكون كل من الزوجين عنصر إسعاد للآخر، ومن أجل أن يكون بيت الزوجية عامراً بالرعاية والتهذيب والأنس، ومن أجل أن تظل المرأة عزيزة يطلبها الرجال، ولا تصبح مهينة تلحق الرجال، وهو عنها مُعرض، أو لها مُخادع.
من أجل ذلك كله كان الإنفاق على بيت الزوجية واجباً على الزوج دون الزوجة.
شروط وجوب نفقة الزوجة على الزوج: إنما تجب نفقة الزوجة على الزوج بالشروط التالية: أولاً: تمكين الزوجة نفسها من الزوج، بأن لا تمنعه من وجوه الاستمتاع المشروع بها.
فلو منعته، ولو عن بعض ذلك فقط، لم تجب نفقتها على الزوج.
أما إن أرادها على وجه مُحرّم من الاستمتاع، كأن أراد أن يأتيها وهي في المحيض، فإن امتناعها لا يسقط حقّها في النفقة عليها.
ثانياً: أن تتبعه في المكان والبيت الذي يختاره، ويستقر فيه، ما لم يكن المكان أو البيت غير صالح للسكن، أو البقاء فيه شرعاً.
فلو كان يقيم في بلدة لا يلحقها ضرر شرعي صحيح بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه فيها، أو في بيت مستوف للشروط الشرعية المعتبرة، ولم تقبل بالإقامة معه في تلك البلدة، أو ذلك المنزل، لم يكلّف بالإنفاق عليها، لأنها تُعدّ ناشزة حينئذ.

إذا توفرت هذه الشروط وجب على الزوج أن يقدّم للزوجة جميع النفقات التي تحتاجها، مما سيأتي تفصيله.
وبذلك تعلم أن النفقة لا تجب على الزوج لمجرد العقد وحده.
النفقة على الزوجة تقدّر حسب حال الزوج: اعلم أن النفقة على الزوجة مقدّرة، ولكنها تتفاوت كّماِّ ونوعاً، حسب تفاوت حال الزوج، في العسر والُيسر.
أما اختلاف حال الزوجة في ذلك فلا أثر له في هذا التفاوت.
ذلك لأن التفاوت إنما يخضع لنسبة الاستطاعة، وهي عائدة إلى حال المنفق، لا إلى حال المنفق عليه.
والدليل على هذا: قول الله عزّ وجلّ: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق: 7] فقد جعل ميزان الإنفاق تابعاً إلى حالة الزوج سعة وضيقاً، لا إلى مستوى الزوجة ومكانتها.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن حالة الزوج تصنّف شرعاً ضمن ثلاث درجات: 1ـ درجة اليُسْر: (الغنى).
2ـ درجة التوسط.
3ـ درجة الفقر.
والعُرف العام هو المحكم في تحديد ما يكون الإنسان به موسراً، أو متوسط الحال، أو فقيراً.
أـ فأما الزوج الموسر، فيكلف من النفقة ما يلي: أولاً: ما يساوي مد (حفنتين كبيرتين) كل يوم غالب قوت البلد التي هي فيها، مع تكلفة طحنه وخبزه، وما يتبع ذلك، أو يقدم ذلك خبزاً جاهزاً.

ثانياً: يقدم من الأدم ما اعتاده أهل تلك البلدة، وما يقدّمه عادة أمثاله من أهل اليُسْر والغنى.
وقد أطال الفقهاء في تفصيل ذلك، ولكن المدار فيه على كل حال إنما هو عرف أهل البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة بزوجات الموسرين في تلك البلدة، ويظهر أثر العُرف في الكسوة، في نوعها جودة ورداءة، أما العدد والكمية، فإنما يتبع ذلك الحاجة لا العُرْف.
ويدخل في حكم الكسوة ما يتبعها من أثاث وفراش، وأدوات مطبخ ونحو ذلك.
واعلم أن دليل العُرْف في ذلك كله، هو قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. ب ـ أما الزوج المتوسط فيكلف من النفقة بما يلي: أولاً: ما يساوي مدّاً ونصف مدّ من غالب قوت البلد التي هي فيه كل يوم.
مع مراعاة ما ذكرنا بالنسبة لحال الموسر.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة أهل تلك البلدة بالنسبة لأوساط الناس، نوعاً وكماً.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان، وما يتبعها من بقية حاجات المنزل المختلفة.
ج ـ أما الزوج الفقير فيكلّف من النفقة بما يلي: أولاً: ما يساوي مدّاً واحداً من غالب قوت البلد كل يوم.
ثانياً: الأدم الذي جرت به عادة الفقراء على اختلافه في تلك البلدة.
ثالثاً: الكسوة اللائقة لزوجات أمثاله في ذلك المكان.

ويستدل لمراعاة حال الزوج في كل ما سبق بما رواه أبو داود (النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها، رقم 2144) عن معاوية القشيري - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ما تقول في نسائنا.
قال:: " أطعموهنّ مما تأكلون، واكسوهنّ مما تكتسون، ولا تضربوهنّ، ولا تقبِّحوهنّ.
مما يدخل في نفقة الزوجة إضافة لما سبق: ويدخل في نفقة الزوجة على اختلاف حال الزوج إضافة لما سبق ما يلي: أولاً: منزل مناسب لحال الزوج يسكن في زوجته، على أن تتوفر فيه الضرورات التي لابدّ منها.
ثانياً: كلّ ما لابدّ منه للنظافة والتنزه من الأدران والأوساخ، وأدوات الزينة، إذا كان الزوج طالباً منها أو تتزين له.
ثالثاً: الخادم إذا كانت الزوجة ممّن يخدم مثلها في بيت أبيها، سواء كان الزوج موسراً، أو متوسط الحال، أ, كان فقيراً، فيجب عليه أن يقدم لها مَن يخدمها بالقدر الذي تندفع به الحاجة.
وينبغي أن يكون هذا الخادم أُنثى، أو طفلاً مميزاً غير بالغ، أو محرماً لها.
وأُجره هذا الخادم إنما هي على الزوج.
هل نفقة الزوجة تمليك أم تمكين؟ لقد عرفت الفرق بين التمليك والتمكين، عند حديثنا عن نفقة الأصول على الفروع، ونفقة الفروع على الأصول.
ونقول الآن: إذا كانت الزوجة تأكل مع زوجها ـ كما هي الغالبة في أيامنا ـ وتسكن معه دون أن يتفقا على قدر معين من القوت والأدم، يلتزم به

الزوج، فهذه النفقة، تُعد من قبيل التمكين، لا التمليك، وتسقط بمضي الزمن.
ـ أما إذا كانت الزوجة قد اتفقت مع زوجها على قدر معين من النفقة يُجريه عليها، أو كان القاضي قد ألزمه بقدر معين من النفقة لها، فهي عندئذ مقدّرة، تطالب بها، حتى بعد مرور وقتها، لأنها تُعدّ ـ والحالة هذه ـ من قبيل التمليك، لا التمكين، ولها أن تعتاض عنها بما تحب.

أثر العُرْف في تقدير النفقة: مما سبق تعلم أن القوت الأساسي الذي لابدّ منه في الطعام، لا أثر للعْرف في تقدير كميته.
وإنما هو محدّد ـ كما علمت ـ في سائر الظروف والأحوال: بمدّين، للموسر.
ومدّ ونصف المدّ، للمتوسط.
ومدّ واحد، للفقير.
يقدّمه كل منهم لزوجته خبزاً، أو حبّاً مع تقديم كلفة طحنه وخبزه.
وذلك لأن قوت ضروري لا يتأثر باختلاف العُرْف.
أما ما زاد عليه من الأدم والكساء ونحوهما، فإنما يحدده العرف، أي العُرف السائد في تلك البلدة، في ذلك العصر، بشرط أن لا يكون العُرف مخالفاً لشيء من الأحكام الشرعية.
فلا أثر لعُرف يقضي بالبذخ والتبذير بالنسبة لبعض النفقات، أو بالنظر لبعض المناسبات، كما هو واقع، وكثير، ومرهق في هذه الأزمان.
ما يترتب على إعسار الزوج بالنفقة: إذا أعسر الزوج، فإن كان إعبساره نزولاً عن درجة اليُسْر إلى الدرجة

الوسطى، أو إلى الدرجة الدنيا، وهي درجة الفقر، فلا يترتب على هذا الإعسار شيء، وتلزم بمتابعته، والرضا بحالته التي آل إليها أمره.
أما إذا أعسر الزوج حتى عن نفقة الدرجة الثالثة بكاملها، فللزوجة عندئذ أن تُطالب بفسخ النكاح.
وإذا طلبت ذلك وجب على القاضي أن يلبّي طلبها ويفرّق بينهما، ولكن يجب أن يكون ذلك، بعد عجز الزوج عن النفقة بثلاثة أيام على أقل تقدير، لكي يتحقق عجزه، إذ قد يكون العجز لعارض، ثم يزول.
روى الدارقطني (في النكاح، باب: المهر: 3/ 297) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته: " يفرّق بينهما ". وإذا رضيت بالبقاء مع زوجها على عجزه، فلها أن تطلب فسخ النكاح بعد ذلك، لأن الضرر بعجز الزوج عن النفقة بتجدّد كل يوم، ولكل يوم حكم مستقل.
ولكن لا يجوز لها الفسخ إذا أعسر ببعض نفقة الدرجة الثالثة، كأن أعسر عن تقديم الأدم، لأنه تابع، وبالإمكان أن تقوم النفس بدونه، أو كأن عجز عن نفقة الخادم، لأن الخدمة من المكمِّلات التي يمكن للبدن أن يقوم بدونها.
أما إذا أعسر بمجموع نفقة هذه الدرجة، فعندئذ يحقّ لها أن تطلب الفسخ.
5ـ نفقات أخرى: هذا ويكلّف الإنسان بنفقات أخرى ـ غير ما ذكر ـ وذلك نحو ممتلكاته، التي يملكها: أولاً نفقة البهائم: تنقسم البهائم إلى الأصناف الثلاثة التالية:

1ـ بهائم مأكولة.
2ـ بهائم محترمة غير مأكولة.
3ـ بهائم غير محترمة.
الصنف الأول (البهائم المأكولة): وهذا الصنف، كالأنعام ونحوها من كل ما هو مأكول، يخيّر مالكها بين أن يعلفها، ويسقيها، بما يحفظ عليها حياتها بشكل سوي، وبين أن يذبحها للأكل، أو أن يبيعها، أو يهبها للآخرين، فإن لم يذبح، أو لم يفعل شيئاً غير الذبح مما ذكر، فإنه يجبر على نفقتها من علف وسقي، بالقدر الكافي لحفظ حياتها، فإن لم يفعل أُجبر على بيعها، فإن لم يفعل بِيعت عليه غضباً.
الصنف الثاني (البهائم المحترمة غير المأكولة): وهذه البهائم المحترمة، ككلب صيد غير عقور، وهرّة، وصقر، ونحل، ودود قز، ونحو ذلك، فإن مالكها يلزم ببيعها، فإن لم يفعل، أو لم يوجد مَن يشتريها، وجب عليه أن يدفعها لمن قد ينتفع بها، صوناً لها عن الهلاك.
الصنف الثالث (البهائم غير المحترمة): وهذه البهائم غير المحترمة، كالكلب العقور، ومختلف الحيوانات المؤذية، فلا يلزم الإنسان بشيء مما ذكرنا نحوها، إذ لا حَرَج في قتلها ما دامت كذلك.
الدليل على نفقة الحيوانات المحترمة، والمأكولة: ويستدل لذلك كله بحديث مسلم (البرَ والصلة والآدب، باب: تحريم تعذيب الهرة ونحوها ... ، رقم: 2619) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " دخلت امرأة النار في هرّة، ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشَاش الأرض، حتى ماتت

هزلاً " وأخرجه البخاري (المساقاة، باب سقي الماء، رقم: 2236)، ومسلم (السلام، باب: تحريم قتل الهرة، رقم: 2242) والهرّة مثال لكل حيوان محترم، مأكولاً كان أو غير مأكول، ويخرج بذلك ما هو غير محترم، كالفواسق الخمس التي ذكرت في الحديث.
روى البخاري (الإحصار وجزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، رقم: 1732)، ومسلم (الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ... ، رقم: 1198) وغيرها عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " خمس فواسق، يقتلن في الحلّ والحرم: الحيّة، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُديَّا ". [فواسق: الفاسق: الخارج عن الطاعة، وسميت هذه الدواب الخمس فواسق، لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب.
الغراب الأبقع: هو الذي في ظهره وبطنه بياض.
الحُديّا: تصغير: الحدأة، وهو طائر خبيث، بله هو أخس الطير، يخطف الأفراخ، وصغار أولاد الكلاب].
ثانياً: نفقة الزروع والأشجار: والمقصود بنفقة الزروع والأشجار، سقيها ورعايتها، فإن لم يكن بصاحبها رغبة في اقتلاعها، لعمارة، ونحوها، فإنه ينبغي عليه سقيها ورعايتها، لأن إهمالها يدخل في دائرة إضاعة المال، بدون مسوَّغ شرعي، وهو لا يجوز.
أما إذا كان يريد اقتلاع الشجر أو الزرع ليستفيد منهما، أو ليستفيد من الأرض في عمارة، أو نحوها، فإن له قطع الأشجار والزرع، أو إهمالها إلى أن ييبسا، لأن له في ذلك غرضاً شرعياً سليماً.
والله سبحانه وتعالى أعلم ..

رَابعاً: الحَصَاَنة وَأَحْكَامُهَا

الحَضَاَنة:

تعريف الحصانة: الحصانة لغة: مأخوذة من الحِضْن، وهو الجنب، لأن الحاضنة من شأنها أن تردّ المحضون إلى جنبها.
و

الحضانة

في اصطلاح الشريعة الإسلامية: هي حفظ مَن لا يستقل بأمر نفسه، ... وتربيته بمختلف وجوه التنمية والإصلاح، وتنتهي بالنسبة للصغير إلى سن التمييز.
أما رعايته بعد ذلك إلى سن البلوغ، فتسمى: كفالة، لا حضانة.
حكمة مشروعية الحضانة: إن الحكمة من مشروعية الحضانة، إنما هي تنظيم المسؤوليات المتعلقة برعاية الصغار، وتربيتهم.
إذ ربما تفارق الزوجان، أو اختلفاً، أو تعاسرا فيما يتعلق بالنظر لتربية صغارهما.
فلو ترك الأمر لما ينتهي إليه شقاقهما، أو لما يقرره المتغلب من الطرفين في الخصومة، كان في ذلك ظلم كبير للصغار، وإهدار لمصلحتهم.
وربما كان في ذلك رج بهم في أسباب الشقاء والهلاك.
لذلك كان لابدّ من وضع ضوابط تحدد أصناف المسؤولين عن

حضانة الصغار، ورعايتهم، وتصنفهم حسب الأولوية، بحيث لا تتأثر مصلحة الصغار، بأيّ شقاق، أو خلاف يقع بين أولياء أُمورهم.
من هو الأحق بالحضانة؟ إذا فارق الرجل زوجته، وكان له منها ولد، ذكر أو أنثى، وكان دون سن التمييز، فإن الأم أحق من الأدب بحضانته.
أسباب تقديم الأم في الحضانة على الأب: إن الأم أحق بالحضانة من الأب، للأسباب التالية: 1ـ لوفور شفقتها، وصبرها على أعباء الرعاية والتربية.
2ـ لأنها ألين بحضانة الأطفال، ورعايتهم، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من العاطفة والحنو.
الدليل على حق الأُم في الحضانة: والدليل على أن الحضانة من حق الأُم، وأن حقها مقدّم على حق الأب في ذلك: ما رواه أبو داود (الطلاق، باب: مَن أحقّ بالولد، رقم: 2276) عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا، كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحجري له حواءً، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينزعه منّي، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنت أحق به ما لم تنكحي ". [حواء: الحواء اسم للمكان الذي يحوي الشيء ويضمه].
مَن أحقّ بالحضانة بعد الأم؟ إذا لم توجد أم الطفل، أو وجدت، ولكنها رفضت أن تحضنه، كان الحق في الحضانة لمن بعد الأُم، وكانت الأفضلية لأم الأم.
والمقصود بها: جدّة تدلي إلى الطفل بأنثى، تقدّم القربى، فالقربى.
ثم لأم الأب.
ثم أُمهاتها، تقدم القربى فالقربى.
ثم للأخت الشقيقة.
ثم للأخت من الأب.
ثم للأخت من الأم.

ثم الخالة.
ثم العمّة.
ثم بنات الأخ، ثم بنات الأُخت.
الحكمة في تقديم الإناث في الحضانة: والحكمة في هذا التقديم للإناث في حق الحضانة هي ما قلناه في الأُم، فإن الإناث غالباً ما يكن ألين بحضانة الأطفال، ورعايتهم، وأصبر على مشاكلهم، وأقدر على بذل ما يحتاجون إليه من الحنو والعاطفة.
حضانة الرجال: قلنا إن حق النساء في الحضانة مقدّم، لأنهن أليق بها، ولكن إذا لم يكن هناك امرأة قريبة للطفل، أو كانت، وأبت أن تحضنه، فهل ينتقل هذا الحق إلى الرجال؟ نعم ينتقل حق الحضانة إلى الرجال، فيقدّم منهم المحرم الوارث، على ترتيب الإرث، إلا الجد فإنه يقدّم على الإخوة، ثم الوارث غير المحرم، على ترتيب الإرث أيضاً.
فيقدم: الأب، ثم الجد، وإن علا.
ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، ثم العمّ الشقيق، ثم العم لأب.
ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب.
وإنما قدّم الأقرب فالأقرب في حق الحضانة، لأن الأقرب أوفر شفقة على الغالب من الأبعد، وأكثر حرصاً على حق الرعاية، وحُسن التربية؛ ومصلحة الصغار.
اجتماع الرجال والنساء من أقرباء الأطفال: إذا اجتمع ذكور وإناث من أقارب الطفل، وتنازعوا في الحضانة، قدّمت: الأم، لحديث أبي داود السابق، ولأنها ـ كما قلنا ـ أوفرهم شفقة على الطفل.

ثم أُمهات الأم، المدليات بإناث، كما ذكرنا، لأنهنّ في معنى الأم في الشفقة، تقدم القربى، فالقربى.
ثم يقدّم الأب، لأنه الأصل.
ثم الجدّة أُم الأب، ثم الجد أبو الأب.
ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخ الشقيق، وهكذا.
فإذا استووا في القرب، وكانوا ذكوراً وإناثاً: كإخوة أشقاء وأخوات شقيقات، قدّم الإناث على الذكور، لما قلنا، من أن الحضانة بهنّ أليق، وهنّ لها أفضل.
وإن كانوا ذكوراً فقط، أو كنّ إناثاً فقط، وتنازعوا في الحضانة، أقرع بينهم، فأيّهم خرجت قرعته، سُلَّم إليه الطفل.

إلى متى تستمر الحضانة للطفل: تستمر فترة الحضانة شرعاً إلى أن تتكامل في الطفل التمييز، والمقصود بالتمييز أن يستقل الطفل بشؤونه الخاصة، دون الحاجة إلى معونة أحد.
والمراد بشؤونه الخاصة: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، والتنزّه من الأدران، والقيام بأعمال الطهارة، من وضوء ونحوه.
وقد حدّد سن التمييز بسبع سنين، إذ يتكامل التمييز عنده غالباً.
فإذا أتمّ الطفل السابعة من عمره، وكان مميزاً، فإن مدّة الحضانة تنتهي عند ذلك.
وتبدأ مرحلة أخرى من الرعاية تسمي: كفالة.
فإذا أتمّ الطفل، سن السابعة، وكان مميزاً، فإنه يخيّر إذ ذاك بين أبويه، فأيّهما اختار سلّم إليه.
ودليل ذلك: ما رواه الترمذي (الأحكام، باب: ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا اقترفا، رقم 1357) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاماً بين أبيه وأمه.
وفي رواية عند أبي داود (الطلاق، باب: مَن أحق بالولد، رقم: 2277) وغيره: أن امرأة جاءت، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " استهما عليه " فقال زوجها: من يحاقني في ولدي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " هذا أبوك، وهذه أُمك، فخذ بيد أيّهما شئت " فأخذ بيد أُمه، فانطلقت به.
[بئر أبي عنبة: بئر معين، والظاهر أنه كان في مكان بعيد.
وهي تغني: أن ولدها قد كبر، وأصبح يستطيع القيام بما ينفعها، بعد أن قامت بتربيته، حيث كان صغيراً، لا ينفعها بشيء.
استهما: أي اقترعا.
يحاقني: يخاصمني].
ثم إن اختار المميز أباه، ففقد الأب، أو سقطت أهليته، نزل الجد منزلته، وإن علا، ومثله الأخ والعم، ومثلهما ابن العم عند فَقْد الأخ والعم، على الترتيب الذي ذكرناه سابقاً.
إلا أن تكون فتاة مُشتهاة، أو في سن المراهقة، فلا يجوز بقاؤها في كفالة ابن عمّها، فإن لم يكن غيره، وجي أن تكون عند امرأة موثوقة يعينها ابن العم.
حكمة تخيير الطفل بين أبويه عند بلوغه التمييز: علمنا سبب تقديم حق الأم في الحضانة على الأب، كما علمنا السبب في انتهاء مدة الحضانة بتكامل التمييز عند الطفل، أو الطفلة، وذلك، لأن فترة ما قبل التمييز عند الطفل، أو الطفلة، وذلك، لأن فترة ما قبل التمييز، لا يستغني فيها الصغير عن رعاية الأم، ولا يكاد يقوم مقامها الأب، أو غيره من الرجال.
غير أن الكفالة، إنما هي رعاية عامة، قد يستوي في القدرة عليها

كلّ من الأب والأم، وذلك بسبب قدرة الطفل على أن يستقل بالكثير من شؤونه، وبسبب توفر الطاقة العقلية عنده في الجملة.
فناسب بعد هذا كله، أن يعطى الطفل الخيار بين أبويه، أو مَن يقوم مقامهما، يختار أيّهما شاء.

شروط الحضانة: يشترط للحضانة أن يتوفر فيها الشروط التالية: أولاً: العقل: فلا حضانة لمجنون، أو مجنونة، ولو كان جنوناً متقطعاً، لأن الحضانة ولاية، وليس المجنون من أهل الولاية، إذ يتأتى منه الحفظ والرعاية، بل هو نفسه محتاج إلى الرعاية والحفظ.
ثانياً: الإسلام: وذلك إذا كان المحضون مسلماً، ولو حكماً، بأن كان أحد أبويه مسلماً، فإنه يتبع أشرف الأبوين في الدين.
فلا تجوز حضانة الكافر للمسلم، ذلك لأن الحضانة، ولاية ـ كما قلنا ـ ولا ولاية للكافر على المسلم.
ولأن الكافر، ربما يفتن الصغير عن دينه، بشتى الوسائل والأساليب.
لكن إذا كان المحضون كافراً، كان لكلّ من المسلم والكافر حضانته.
ثالثاً: العفة والأمانة: والمراد بالعفة والأمانة: أن لا يكون الحاضن فاسقاً، إذ الفاسق لا يلي، ولا يؤتمن على شيء، وإنما ينبغي أن يكون عدلاً ذا عفّة ودين.
ثم إن العدالة تثبت بالظاهر المشاهد، ولا يشترط لثبوتها شهادة وبيِّنات، إلا إذا وقع نزاع في أهلية الحاضن، وعدالته، فلا بدّ عندئذ من

ثبوت عدالته عند القاضي بناءً على الأدلة والبيِّنات.
رابعاً: الإقامة: وذلك بأن يكون صاحب الحق في الحضانة مقيماً في بلد الطفل.
فلو سافرت الأم ـ وهي صاحبة الحق في حضانة طفلها ـ سفر حاجة: كحج، وتجارة ونزهة ونحوها، لم تمكن من أخذ الطفل معها، وكان المقيم عنده أولى منها إلى أن تعود من السفر، فيسلّم الولد إلى جدته إلى أن تعود الأم.
أما السفر الذي يكون انتقالاً إلى بلدة أخرى، بدون قصد العودة، فإنه لا يستوجب سقوط حق الحضانة، إذا كان الطريق آمناً، وكانت البلدة التي تقصد الحاضن الاستيطان فيها آمنة أيضاً: فإذا اضطر كل من الأبوين إلى السفر لحاجة، بقي حق الأُم، ولم يعد السفر عندئذ مانعاً من الحضانة: خامساً: الخلو من زوج أجنبي: فإذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة، وإن لم يدخل بها الزوج بعد، أو رضي زوجها أن يدخل الولد داره.
والدليل على ذلك من السنة: فما رواه أبو داود (2276) وذكرناه سابقاً " أنت أحقّ به ما لم تنكحي " 1. والدليل من المعقول على سقوط حق الأم في الحضانة إذا تزوجت، هو أن الأم إذا تزوجت شغلت عن ولدها بحق الزوج، فلا توجد ضمانة لرعاية شأن الطفل، والنظر في أمره لكن يستثنى من ذلك حالتان:

الحالة الأولى: أن يتراضى والد الطفل مع زوج الأم أن يبقى الولد عند أمه، فإن ذلك يبقي حقّها في الحضانة، ويسقط حق الجدّة.
الحالة الثانية: أن يكون زوج الأُم الجديد قريباً للطفل، ممّن له حق حضانته، وإن كانت درجته بعيدة، فإن الأم في حضانة ولدها لا يسقط حينئذ إذا رضي زوجها بحضانته.
ذلك لأن له حقاً في رعايته، ولأن له من الشفقة عليه ما يحمله على التعاون مع أُمه على كفالته، والاهتمام بشأنه.
سادساً: الخلو من الأمراض الدائمة والعادات المؤثرة: فلو كانت الأُم تعاني من مرض عضال: كالسل، والفالج، أو كانت عمياء، أو صّماء، لم يكن لها حق في حضانته، لأن من شأنها ما يشغلها عن القيام بحق الطفل.
ما يترتب على فَقْد شيء من شروط الحضانة: إذا فُقِدَ شرط من هذه الشروط الستة التي ذكرناها لاستحقاق الحضانة، سقط حق الحاضنة، وانتقل هذا الحق من يليها، مَن جدة، ثم أخت، ثم خالة، وهكذا.
كيف يتم التأكد من فوات شرط من شروط الحضانة: يعتمد في التأكد من فوات شرط من شروط الحضانة على واحد من الأمور الثلاثة التالية الأمر الأول: إقرار الحاضنة: فإذا أقرّت الأم بأنها متزوجة، أو أنها تعاني من مرض عضال دائم العلّة، سقط حقها في الحضانة.
الأمر الثاني: دعوى المعارض: إذا ادّعى المعارض في الحضانة: أن الحاضنة فقدت شرطاً من

شروط الحضانة، وكانت دعواه تلك مصحوبة بالبيِّنات المعتمدة، فإن حقها في الحضانة يسقط عندئذ.
ثالثاً: تحقيق القاضي: تحقيق القاضي، أو الحاكم، وذلك عندما يرتاب ويشكّ في توفر الشروط عند الحاضنة، فإذا ثبت لديه بموجب تحرياته فقدان شرط من شروط الحضانة، فإنه يسقط الحضانة عندئذ في الحضانة.
والله سبحانه وتعالى أعلم ... .

خامساً:

الرضاع

وأحكامه

الرضاع

تعريف الرضاع: الرِّضاع، والرِّضاعة ـ بفتح الراء ويجوز كسرها فيهما ـ معناه في اللغة: اسم لمصّ الثدي وشرب لبنه.
والرضاع شرعاً: اسم لحصول لبن امرأة، أو ما حصل منه في معدة طفل، أو دماغه دليل تشريع الرضاع: إرضاع الولد من غير أُمه التي ولدته جائز شرعاً، ولقد كان أمراً معروفاً قبل الإسلام.
ولما جاء في الإسلام أقرّه ولم يحرمه، لما فيه أحياناً من المصلحة، والحاجة الملجئة؛ كأن تموت أُم الطفل، مثلاً، أو يكون بها علّة تمنعها الإرضاع، فلا بدّ والحالة هذه من امرأة أخرى ترضعه حفاظاً على حياته.
دليل هذا الجواز: ويستدل على جواز الإرضاع بقول الله عز وجل: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
تعاسرتم: اختلفتم في إرضاع الولد، فسترضع الولد امرأة أخرى غير أمه.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 233]. هل الرضاع واجب على الأم أم هو حق لها؟ إن قلت: الرضاع واجب على الأم، كان معنى ذلك، أنها ملزمة بإرضاع طفلها، سواء رضيت بذلك، أو لم ترضَ، مادامت قادرة على الإرضاع، غير معذورة بأيّ سبب شرعي.
وإن قلت: الرضاع حق للأم، كان معنى ذلك الأمر عائد إلى اختيارها.
فإن رغبت في الإرضاع لم يكن للزوج، ولا لغيره أن يصدّها عن حقها.
أما إن لم ترغب في إرضاعه، فإن الزوج يصبح عندئذ ملزماً بتدبر مُرضعة أخرى لطفله.
إذا عرفت الفرق بين الواجب عليها، والحق لها، فما هي علاقة الأُم بإرضاع ولدها؟.
هل هي علاقة حق لها؟ أم هي علاقة واجب عليها؟ المفتي به في مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى: أن الرضاع حق للأم، تطالب به عندما تشاء، وليس واجباً عليها.
فلا تلزم به إلا إذا لم يوجد مَن يقوم مقامها، فيصبح الإرضاع واجباً عليها للضرورة.
دليل أن الرضاع حق للأم وليس واجباً عليها: ودليل كون الإرضاع حقا للأم، وليس واجباً عليها: قول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:: 233] مع قوله سبحانه تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
وقوله جلّ جلاله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].

وبيان وجه الدليل في هذه الآيات على أن الإرضاع حق للأم وليس واجباً عليها: أن الله عزّ وجلّ، عندما قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ احتمل أن يكون المعنى: الوالدات يلزمن بإرضاع أولادهن.
ولو قال سبحانه وتعالى: وعلى الوالدات إرضاع أولادهنّ: لسقط الاحتمال الثاني، وتعين الاحتمال الأول.
فلما قرأنا قول الله عز وجل ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ترجح المعنى الثاني في الآية الأولى، وهو كان الرضاع حقاً لها.
إذ لو كان واجباً عليها، لما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
ولما كان من سبيل إلى التعاسر والاختلاف مع الزوج، ولما كان لها الامتناع عن الإرضاع.
ولما قرأنا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ازداد المعنى الثاني للآية رجحاناً، بل تعين ذلك المعنى، لأن الرضاع لو كان واجباً على الأم، لما استحقّت عليه أجراً، إذ لا أجر على واجب، فلما أمر سبحانه وتعالى بإعطائهنّ الأجر على الرضاع إن طلبنه، دلّ ذلك على أنهنّ مخيّرات في الإرضاع، لا مجبرات عليه.
والخلاصة: أن الرضاع حق للأم تجاب إليها، إن طالبت به.
وليس واجباً عليها، فلا تلزم به إن رفضته، إلا إن تعينت له، فعندئذ يجب عليها للضرورة.
ما يترتب على كون الرضاع حقاً لا واجباً: لعلك أدركت مما أوضحنا، الأمور التي تترتب على كون الرضاع مجرد حق للأم، وأنه ليس واجباً عليها.
وهذه الأمور، تتلخص فيما يلي: أولاً: لا يجوز للزوج إجبار زوجته على إرضاع طفلها، فإن أجبرها،

فلم تستجب لإجباره وأمره، فهي ليست بعاصية، ولا تُعدّ ناشزة.
يستثنى من ذلك، ما لو لم يكن ثَمة من يصلح لإرضاع الطفل غيرها.
فإن الضرورة عندئذ تقضي بقسرها على الإرضاع، وهي المحافظة على حياة الطفل.
ثانياً: يجب على الزوج أن يعطي زوجته الأجر حسب العُرف، على ما تقوم من إرضاع الطفل، إذا طلبت على ذلك أجراً.
فإن لم تطالب بالأجر ـ كما هو السائد في أعراف الناس اليوم ـ لم يلزم الزوج بدفع الأجر، وسقط حقها في المطالبة، إن كانت تبرعت به وأظهرت له عدم الرغبة فيه.
ما يترتب على الرضاع من القرابة: إذا أرضعت المرأة طفلاً أجنبياً عنها، صار الطفل ابنها بالرضاع، وصار زوجها صاحب اللبن أباً لذلك الطفل، وترتب على هذا الرضاع الأمور التالية: أولاً: يحرم على الرضيع التزوج ممّن أرضعته، ومن كل أنسبائها اللائي يحرم عليه التزوج منهنّ لو كانت أُمه من النسب.
فيدخل في هذا التحريم: -أُخت مرضعته، لأنها خالته من الرضاعة.
-وبنت مرضعته، لأنها أُخته من الرضاعة.
-وبنات أولاد مرضعته، ذُكوراً كانوا أو إناثاً، لأنهنّ بنات إخوته، أو بنات أخواته من الرضاعة.
-أم مرضعته، لأنها جدّته من الرضاعة.
وكذلك يحرم على هذا الرضيع التزويج من هؤلاء أنفسهم، إذا كانوا أنسباء والده من الرضاعة، وهو زوج المرضعة، صاحب اللبن.

فتحرم عليه: -أُخت والده من الرضاعة، لأنها عمّة الرضيع.
-وبنت والده من الرضاعة، ولو من زوجة أخرى، لأنها أُخت هذا الرضيع.
-وبنات أولاد أبيه من الرضاعة، ذكوراً كانوا أم إناثاً، لأنهنّ بنات أخوة الرضيع أو بنات أخواته.
-وأم أبيه من الرضاعة، لأنها جدّة الرضيع.
ثانياً: يحرم على المرضع، وعلى هؤلاء الأنسباء للمرضع جميعاً التزويج من الرضيع، كما أوضحنا، والتزويج من فروعه، لأنك لو قدّرت أمومة المرضعة للطفل أُمومة نسب، كان هؤلاء الأنسباء محرّمات عليه فكذلك أُمومة الرضاع.
فكما لا يتزوج الرضيع من بنت مرضعته، لأنها أخته من الرضاع، فكذلك لا يتزوج ابن الرضيع منها لأنها عمّته من الرضاعة.
وهكذا إلى آخرة.
ثالثاً: يجوز للمرضع، وأنسبائها اللائي عدّدنا أسماءهنّ التزوج من حواشي الرضيع: كأخيه، ومن أصوله، كأبيه، وكعمّه، لأنهم أجانب عن المرضع وأنسبائها.
الدليل على حرمة الرضاع: الأصل في كل ما ذكرنا: القرآن، والسنّة: أما القرآن الكريم: فقول الله عز وجل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وأما السنّة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: فيما رواه البخاري (2553) ومسلم (4144) عن عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الرضاعة تُحرِّم ما يَحرُم من الولادة ".

وفي رواية عند البخاري (الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب ... ، رقم: 2502) ومسلم (الرضاع، باب: تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، رقم: 1447) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في بنت حمزة رضي الله عنه: " لا تحلّ لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة ". فقد دلّت الآية على أن المرضع تصبح بسبب الرضاعة أُمّاً للرضيع، وأن ابنتها، تصبح أُختاً له.
وأما الحديثان فقد أوضحنا النتائج المترتبة على ذلك، وهي: أن أُمومة الرضاع بمنزلة أُمومة النسب.
فكلّ مَن تحرم على الولد من أقارب أمه وأخته نسبياً، تحرم عليه من أقارب أمه أو أخته رضاعاً.

شروط الرضاع المحّرم: لا يعتبر الرضاع موجباً للقرابة، ومحرماً للزواج، إلا إذا يؤثر فيه الشرطان التاليان: الشرط الأول: أن يكون الرضيع لم يتم سنتين من عمره عند الرضاع.
فإن أرضعته بعد أن تجاوز الستين من العمر، لم يُؤثر هذا الرضاع في التحريم، ولم يُفد في القرابة شيئاً.
ودليل ذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]. وقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14].
[والفصال: هو الفطام، لأنه يفصل فيه الرضيع عن أُمه].
ويستدل لذلك من السنّة أيضاً: بما رواه الدارقطني (الرضاع 4/ 174) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا رضاعَ إلا ما كان في الحَوْليْن ".

وروى الترمذي (الرضاع، باب: ما جاء [ما ذكر] أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر ... .، رقم: 1152) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يُحرِّم من الرضاعة إلا فتقَ الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ". فتق الأمعاء: شقها وسلك فيها.
في الثدي: في الثدي، في زمن الرضاع، قبل الفطام.
والفطام يكون في تمام الحولين، كما في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] وروى البخاري (النكاح، باب: مَن قال لا رضاع بعد حولين ... .، رقم: 4814)، ومسلم (الرضاع، باب: إن الرضاعة من المجاعة، رقم: 1455) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: أنه أخي، فقال: (انظرن من إ خوانكن، إنما الراضعة من المجاعة).
أي تحرم الرضاعة إذا كانت في الزمن الذي يجوع فيه الطفل لفقدها، ويشبع بها، وهذا لا يكون إلا للصغير.
الشرط الثاني: أن ترضعه خمس رضعات متفرقات.
وتعتبر الرضاعة منفصلة، أو غير منفصلة عن الأخرى بالعُرف.
فلو قطع الطفل الرضاع إعراضاً وشبعاً، كان ذلك رضعة مستقلة، ولو قطعه للهو، مثلاً، وعاد في الحال، أو تحول من ثدي إلى ثدي، عُدّ ذلك رضعة واحدة.
دليل هذا الحكم: والدليل على ذلك: ما رواه مسلم (الرضاع، باب: التحريم بخمس رضعات، رقم: 1452) عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما نزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن.
ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنّ فيما يقرأ من القرآن.

أي إن نسخها كان متأخراً، حتى إنه توفي - صلى الله عليه وسلم -، وبعض الناس مازال يتلوها قرآناً، لأنه لم يبلغه النسخ بعد.
وروى مسلم (الرضاع، باب: في المصّة والمصّتان، رقم: 1451) عن أم الفضل رضي الله عنها: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصّة أو المصّتان ". ما يترتب على قرابة الرضاع من أحكام: يترتب على القرابة الناشئة من الرضاع حكمان اثنان: 1ـ حكم يتعلق بالحُرمة.
2ـ حكم يتعلق بالحل.
أما الحرمة: فتتعلق بالنكاح.
وأما الحل: فيتعلق بالخلوة والنظر.
فإذا نشأت قرابة الرضاع بين طرفين، كان لهذه القرابة من التأثير على حرمة النكاح مثل ما لقرابة النسب، ويتفرع عنها كل ما يتفرع عن قرابة النسب من الآثار.
فأُمك وإن عَلَت، وبنتك وإن سَفلت، وأُختك لأبويك، أو لأحدهما، وعمتك وإن بعدت، وبنت الأخ لأبوين، أو لأحدهما، وبنت الأخت لأبوين، أو لأحدهما، محرّمات عليك بسبب هذه القرابة التي جاءت عن طريق النسب.
فإن تولدت هذه القرابات عن طريق الرضاع، ترتب عليها أيضاً التحريم دون أيّ فرق بينهما.
وقد مضى بيان ذلك فلا نعيده.
وتتفرع عن قرابة النسب حُرمة المصاهرة، كما هو معلوم.
فأم الزوجة نسباً تحرم على صهرها، الذي هو زوج ابنتها.
وكذلك بنت الزوجة نسباً، وزوجة الأب نسباً، وزوجة الابن نسباً.

كلهنّ يحرمن على الزوج في المثال الأول، وعلى الابن في المثال الثاني، وعلى الأب في المثال الثالث.
والسبب هو المصاهرة.
فإذا نشأت هذه القرابات نفسها من رضاع، أورثت الحكم ذاته، بالنسبة للمصاهرة.
أي فأم الزوجة من رضاع تحرم على الزوج.
وبنتها من رضاع تحرم عليه أيضاً.
وزوجة أبيك من رضاع، وزوجة ابنك من رضاع محرّمتان عليك.
والسبب المصاهرة التي ترتبت على قرابة الرضاع.
واعلم أن دليل ذلك كله: هو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - السابق 1: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". رواه البخاري (2502)، ومسلم (1447) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
هذا ما يتعلق بأثر التحريم المترتب على قرابة الرضاع.
أما ما يتعلق بأثر الحل: فبيان ذلك: أن كل ما يحّل بينك وبين قريبة لك نسباً ممّن مضى ذكرهم، يحلّ بينك وبين مَن بينك وبينها رضاعة: فيحلّ بينهما النظر، كما يحلّ ذلك بين الأخ والأخت من النسب، وتحلّ بينهما الخلوة المحّرمة بين الأجنبيين، ويحلّ لها أن تسافر معه فوق ثلاث ليالٍ.
غير أن هذا الحكم لا يسوغ نظر القريب رضاعة إليها بشهوة، أو نظرها إليه كذلك.
لأن هذا النظر محّرم حتى بين أقارب النسب.

ولذلك فقد كره متأخرو الفقهاء إرضاع المرأة لغير طفلها بدون ضرورة وحاجة.
كما أنهم كرهوا اختلاط الذكور والإناث الذي جمعتهم قرابة الرضاع، وذلك بسبب ما قد يتوصل به إلى شرور ومحّرمات مختلفة، لضعف الوازع الديني، ولعدم وجود الوازع الفطري الذي يكون بين القريب والقريبة.

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل