الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الحمد لله رب العالمين القائل في محكم كتابه المبين: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرسول الأمين قائد الغر الميامين القائل: ... "من يرد الله به خيراً يفقه في الدين" وعلى آله الطاهرين وأصحابه الذين عملوا على نشر هذا الدين بالحجة والدليل الواضح المبين.

وبعد: فغن خير ما يشتغل به الإنسان معرفة الحلال والحرام من الأحكام، وعلم الصحيح من الفاسد من الأعمال؛ وعلم الفقه هو الذي أخذ على عاتقه بيان ذلك.
ولقد ألف كثير من علمائنا الأقدمين كتبا في هذا الفن يكاد لا يحصيها العدّ، ولا شك أن كل واحد من هؤلاء المؤلفين الأفاضل قد لاحظ أن هناك ثغرة يوجب عليه دينه أن يقوم بسدها وحاجة يجب عليه أن يبذل كل ما في وسعه لقضائها؛ فمن مطول يجد أن هناك حاجة ماسة للتطويل، ومن مختصر يجد أن هناك طلباً ملحاً للاختصار، ومن ناظم ومن ناثر، ومن باحث في أمهات المسائل وما ينبثق منها من فروع، ومن مقتصر على بيان أمهات المسائل من غير تعرض لكثير من الفروع، وكلهم يقصد بما ألفه ملء فراغ يجب أن يملأ، وفرجة في المكتبة الإسلامية يجب أن تسد، لعل الله سبحانه أن يكون راضياً عنه بما عمل،

ومسجلاً عمله في عداد الصدقات الجارية والعلم النافع التي لا ينقطع ثوابها إلى يوم القيامة.
ولقد لاحظنا أن هناك حاجة إلى سلسلة فقهية تذكر فيها أمهات المسائل مقرونة بأدلتها من الكتاب الكريم والسنة المطهرة، مشفوعة ببيان ما نستطيع أن نصل إليه بعقولنا من حكمة التشريع.
مع سهولة في التعبير، وإكثار من العناوين المنبهة إلى ما تحتها من مسائل.
ومع اعتقادنا بأننا لم نبلغ بعد درجة أسلافنا الفقهاء العظام فإننا شعرنا أن من الواجب علينا أن نقوم بالأمر، فاستعنّا بالله وقمنا بذلك على قدر استطاعتنا تاركين لأرباب الكفاءة الصحيحة تتميم ما نقص، وإصلاح ما اعوجَّ، وتصويب ما وقع فيه من الخطأ، إذ لا ندعي - ولن ندعي- أننا قد بلغنا الغاية مع إفراغ جميع ما لدينا من وسع.
وها نحن أولاء نقدم الحلقة الأولى من السلسة في موضوع الطهارة والصلاة الواجب على كل مسلم العلم به؛ وأسمينا هذه السلسة (الفقه المنهجي) على مذهب الإمام الشافعي، وما على إخواننا الذين يريدون الوصول إلى الأفضل-لا تسقُّط والتقاط العيوب- إلا أن يرشدونا إلى ما فاتنا مما هدفنا إليه.
اللهم أخلص نياتنا وأعمالنا، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وانفع المسلمين بما عملنا، واهدنا سواء السبيل.

المؤلفون

مدخل

في التعريف بعلم الفقه، ومصادره، وبعض مصطلحاته

معنى الفقه:

إن للفقه معنيين: أحدهما لغوي، والثاني اصطلاحي.
أما المعنى اللغوي: فالفقه معناه: الفهم.
يقال: فقه يفقه: أي فهم يفهم.
قال تعالى: ﴿فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾ [النساء: 78].
أي لا يفهمون.
وقال تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: 44].
أي لا تفهمون تسبيحهم.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن طولَ صّلاةِ الرَّجُلِ وقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌٌ مِنْ فٍقْهِهِ" (رواه مسلم: 869). أي علامة فهمه.
وأما المعنى الاصطلاحي؛ فالفقه يطلق على أمرين: الأول: معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بأعمال المكلفين وأقوالهم، والمكتسبة من أدلتها التفصيلية: وهي نصوص من القرآن والسنة وما يتفرع عنهما من إجماع واجتهاد.
وذلك مثل معرفتنا أن النية في الوضوء واجبة أخذاً من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنَّما الأعْمالُ بِالنيَّات " (رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907).

وإن النية من الليل شرط في صحة الصوم أخذاً من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " مَنْ لَم يبيَّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فلا صيام له" (رواه البيهقي: 4/ 202، الدارقطني: 2/ 172، وقال: رواته ثقات).
ومعرفتنا أنَّ صلاة الوتر مندوبة، أخذاً من حديث الأعرابي الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفرائض، ثم قال بعد ذلك: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها؟ قال: "لا إلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ".
(رواه البخاري: 1792/مسلم: 11).
وأن الصلاة بعد العصر مكروهة أخذاً من نهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
[رواه البخاري: 561، ومسلم: 827]. وأن مسح بعض الرأس واجب أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6].
فمعرفتنا بهذه الأحكام الشرعية تسمى فقهاً اصطلاحاً.
والثاني: الأحكام الشرعية نفسها، وعلى هذا نقول: درست الفقه، وتعلمته: أي إنك درست الأحكام الفقهية الشرعية الموجودة في كتب الفقه، والمستمدة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وإجماع علماء المسلمين، واجتهاداتهم.
وذلك مثل أحكام الوضوء، وأحكام الصلاة، وأحكام البيع والشراء، وأحكام الزواج والرضاع، والحرب والجهاد، وغيرها.
فهذه الأحكام الشرعية نفسها تسمى فقهاً اصطلاحاً.
والفرق بين المعنيين: أن الأول يطلق على معرفة الأحكام، والثاني يطلق على نفس الأحكام الشرعية.

ارتباط الفقه بالعقيدة الإسلامية:

من خصائص الفقه الإسلامي - وهو كما قلنا: أحكامُ شرعية ناظمةُ لأفعال المكلفين وأقوالهم - أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بالله تعالى، ومشدود تماماً إلى أركان العقيدة الإسلامية، ولا سيما عقيدة الإيمان باليوم الآخر.
وذلك لأن عقدية الإيمان بالله تعالى هي التي تجعل المسلم متمسكاً بأحكام الدين منساقاً لتطبيقها طوعاً واختياراً.
ولأن من لم يؤمن بالله تعالى لا يتقيد بصلاةٍ ولا صيامٍ، ولا يراعي في أفعاله حلالاً ولا حراماً، فالتزام أحكام الشرع إنما هو فرعُ عن الإيمان بمن أنزلها وشرعها لعباده.
والأمثلة في القرآن الكريم التي تبيِّن ارتباط الفقه بالإيمان كثيرة جداً.
وسنكتفي بذكر بعضها لنرى مدى هذا الارتباط بين الأحكام والإيمان وبين الشريعة والعقيدة: 1 - لقد أمر الله عز وجل بالطهارة وجعل ذلك من لوازم الإيمان به سبحانه وتعالى فقال: ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
2 - ذكر الله الصلاة والزكاة وقرن بينهما وبين الإيمان باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: 3].
3 - فرض الله الصوم المفضي إلى التقوى، وربطه بالإيمان،

قال تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمنوا كُتٍِبَ عَليْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ على الَّذينَ مِنْ قَبْلٍكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. 4 - ذكر الله تعالى الصفات الحميدة التي يتحلى بها المسلم وربط ذلك بالإيمان به تعالى والتي يستحق بها دخول الجنة، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 1 - 11]. اللغو: الباطل وما لا فائدة فيه من قول أو فعل.
لفروجهم حافظون: جميع فرج وهو اسم لعضو التناسل من الذكر والأنثى.
وحفظها: صيانتها عن الحرام ومن الوقوع في الزنى خاصة.
ما ملكت أيمانهم: النساء المملوكات وهن الإماء.
غير ملومين: بوطئهن.
العادون: الظالمون والمجاوزون.
5 - أمر الله تعالى بحسن معاملة النساء ومهَّد لذلك بنداء المخاطبين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء: 19] تعضلوهن: تمنعوهن من الزواج.
بفاحشة: سوء خلق أو نشوز أو زنى.
... مبينة: واضحة وظاهرة.

6 - أمر المطلقة أن تعتدّ ثلاثة قروء وألا تكتم ما في رحمها إن كانت حاملاً وعلق ذلك على الإيمان بالله واليوم الآخر، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ... [البقرة: 228]. 7 - أمر الله سبحانه وتعالى باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام بعد أن نادى المؤمنين بوصف الإيمان، مشعراَ بذلك اجتنابها مرتبط بخلوص إيمانهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
8 - حرَّم الله سبحانه وتعالى الربا وربط بين تركه وتحقيق التقوى والإيمان، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ... [آل عمران: 130] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ... [البقرة: 278]. 9 - حضَّ على العمل وأحاطه بسياج من الشعور بالمراقبة الإلهية والشعور بالمسؤولية، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]. وهكذا فقلَّما تجد حكماً من أحكام الدين في القرآن إلا وهو مقرون بالإيمان بالله تعالى ومرتبط بأركان العقيدة الإسلامية، وبهذا اكتسب الفقه الإسلامي قداسة دينية، وكان له سلطان روحي، لأنها

أحكام شرعية صادرة عن الله تعالى موجبة لطاعته ورضاه، وفي مخالفتها خطر غضبه وسخطه، وليست أحكاماً قانونية مجردة لا يشعر الإنسان لها برابط يربطها في ضميره، أو يصلها بخالقه.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النساء: 65].

شمول الفقه الإسلامي لكل ما يحتاج إليه الناس:

لا شك أن حياة الإنسان متعددة الجوانب، وأن سعادة الإنسان تقتضي رعاية هذه الجوانب كلها بالتنظيم والتشريع، ولمَّا كان الفقه الإسلامي هو عبارة عن الأحكام التي شرعها الله لعباده رعاية لمصالحهم ودرءاً للمفاسد عنهم، جاء هذا الفقه الإسلامي ملماً بكل هذه الجوانب، ومنظماً بأحكامه جميع ما يحتاجه الناي، وإليك بيان ذلك: لو نظرنا إلى كتب الفقه التي تضمن الأحكام الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع علماء المسلمين واجتهاداتهم، لوجدناها تنقسم إلى سبع زمر وتشكل بمجموعها القانون العام لحياة الناس أفراداً ومجتمعات: الزمرة الأولى: الأحكام المتعلقة بعبادة الله من وضوء وصلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: العبادات.
الزمرة الثانية: الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق، ونسب ورضاع، ونفقة وإرث، وغيرها، وتسمى هذه الأحكام: الأحوال الشخصية.
الزمرة الثالثة: الأحكام المتعلقة بأفعال الناس، ومعاملة بعضهم

بعضاَ من شراء ورهن وإجارة، ودعاوي وبينات، وقضاء وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: معاملات.
الزمرة الرابعة: الأحكام المتعلقة بواجبات الحاكم من إقامة العدل ودفع الظلم وتنفيذ الأحكام، وواجبات المحكوم من طاعة في غير معصية وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: الأحكام السلطانية، أو السياسية الشرعية.
الزمرة الخامسة: الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين وحفظ الأمن والنظام مثل: عقوبة القاتل والسارق وشارب الخمر وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: العقوبات.
الزمرة السابعة: الأحكام المتعلقة بالأخلاق والحشمة، والمحاسن والمساوئ وغير ذلك، وتسمى هذه الأحكام: الآداب والأخلاق.
وهكذا نجد أن الفقه الإسلامي شامل بأحكامه لكل ما يحتاج إليه الإنسان، وملمَّ بجميع مرافق حياة الأفراد والمجتمعات.

مراعاة الفقه الإسلامي اليسر ورفع الحرج:

معنى اليسر: إن الإسلام راعي بتشريع الأحكام حاجة الناس، وتأمين سعادتهم، ولذلك كانت هذه الأحكام كلها في مقدور الإنسان، وضمن حدود طاقته، وليس فيها حكم يعجز الإنسان عن أدائه والقيام به، وإذا ما نال

المكلف حرج خارج عن حدود قدرته أو متسبب بعنت ومشقة زائدة لحالة خاصة، فإن الدين يفتح أمامه باب الترخص والتخفيف.
الدليل على أن الإسلام دين اليسر: وليس أدل على أن الإسلام دين يسر من قوله تعالى: ﴿ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدَّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ومن قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. ومن قوله تعالى: ﴿لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إلآ وُسْعَها﴾ [البقرة: 286]. ومن قوله عليه الصلاة والسلام: " إنَّ الدَّينَ يُسْرُ" (رواه البخاري: 39).

أمثلة على يسر الإسلام: ومن الأمثلة على يسر الإسلام ما يلي: 1 - الصلاة قاعداً لمن يشق عليه القيام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ" (رواه البخاري: 1066). 2 - قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين للمسافر، قال تعالى: ﴿َإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِِ﴾ [النساء: 101] وروى البخاري (1056) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إذا كانَ عَلىَ ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ ". [على ظهر سير: سائر في السفر].

مصادر الفقه الإسلامي:

قلنا إن الفقه الإسلامي هو مجموعة الأحكام الشرعية التي أمر الله عباده بها، وهذه الأحكام ترجع بمجموعها إلى المصادر الأربعة التالية: القرآن الكريم

- السنة الشريفة -

الإجماع - القياس.

القرآن الكريم:

القرآن: هو كلام الله تعالى: أنزله على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو المكتوب في الصحف، والقرآن هو المصدر والمرجع لأحكام الفقه الإسلامي، فإذا عرضت مسألة رجعنا قبل كل شئ إلى كتاب الله عز وجل لنبحث عن حكمها فيه، فإن وجدنا فيه الحكم أخذنا به، ولم نرجع إلى غيره.
فإذا سئلنا عن حكم الخمر، والقمار، وتعظيم الأحجار، والاستقسام بالأزلام، رجعنا إلى كتاب الله عز وجل لنجد قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
وإذا سئلنا عن البيع، والربا، وجدنا حكم ذلك في كتاب الله عز وجل، حيث قال عز من قائل: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وإذا سئلنا عن الحجاب وجدنا حكمه في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] بخمرهن: جمع خمار وهو غطاء الرأس.
وجيوبهن: جمع جيب

وهو شق الثوب من ناحية الرأس، والمراد بضرب الخمار على الجيب: أن تستر أعالي جسمها مع الرأس.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: 59].
يدنين: يرخين ويغطين وجوههن وأعطافهن.
جلابيبهن: جمع جلباب وهو الرداء الذي يستر كامل البدن أعاليه وأسافله.
أدنى: أقرب لأن تُميَّز الشريفاتُ العفيفات من غيرهن.
فلا يؤذين: بالتعرض لهن.
وهكذا يكون القرآن الكريم هو المصدر الأول لأحكام الفقه الإسلامي.
لكن القرآن الكريم لم يقصد بآياته كل جزئيات المسائل وتبيين أحكامها والنص عليها، ولو فعل ذلك لكان يجب أن يكون أضعاف ما هو عليه الآن.
وإنما نص القرآن الكريم على العقائد تفصيلاً، والعبادات والمعاملات إجمالاً، ورسم الخطوط العامة لحياة المسلمين وجعل تفصيل ذلك للسنة النبوية.
فمثلاً: أمر القرآن بالصلاة، ولم يبين كيفياتها، ولا عدد ركعاتها.
وأمر بالزكاة، ولم يبين مقدارها، ولا نصابها، ولا الأموال التي تجب تزكيتها.
وأمر بالوفاء بالعقود، ولم يبين العقود الصحيحة التي يجب الوفاء بها.
وغير ذلك من المسائل كثير.
لذلك كان القرآن مرتبطاَ بالسنة النبوية لتبيين تلك الخطوط العامة وتفاصيل ما فيه من المسائل المجملة.

السنة الشريفة:

والسنّة هي كل ما نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير.
فمثال القول: ما أخرجه البخاري (48) ومسلم (64) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " سِبَابُ الْمسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ".
ومثال الفعل: ما رواه البخاري عائشة رضي الله عنها لما سئلت: "مَا كَانَ يَصْنَعُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته؟ قَالَتْ: كَانَ يَكونُ في مَهْنَةِ أَهْلَهِ، فَإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ قَامَ إلَيْها".
مهنة التقرير: ما رواه أبو داود (1267) أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال: " صلاة الصبح ركعتان"، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين التي قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاعتبر سكوته إقراراً على مشروعية صلاة السنة القبلية بعد الفرض لمن لم يصلِّها قبله.
منزلة السنَّة: والسنة تعدُّ في المنزلة الثانية بعد القرآن الكريم من حيث الرجوع إليها: أي إنما نرجع أولاً إلى القرآن، فإن لم نجد الحكم فيه رجعنا إلى السنة، فإذا وجدناه فيها عملنا به كما لو كان في القرآن الكريم، شريطة أن تكون ثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسند صحيح.
وظيفة السنة النبوية: وظيفة السنة النبوية إنما هي توضح وبيان لما جاء في القرآن

الكريم، فالقرآن - كما قلنا - نص على الصلاة بشكل مجمل، فجاءت السنة ففصلت كيفيات الصلاة القولية والعملية.
وصح عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلَّي" (رواه البخاري: 605). وكذلك بينت السنة أعمال الحج ومناسكه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (رواه البخاري).
وبينت العقود الجائزة، والعقود المحرَّمة في المعاملات، وغيرها.
كذلك شرعت السنة بعض ما سكت عنه القرآن ولم يبين حكمه؛ مثل: تحريم التختُّم بالذهب ولبس الحرير على الرجال.
وخلاصة القول: إن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وإن العمل بها واجب، وهي ضرورية لفهم القرآن والعمل به.

الإجماع:

والإجماع معناه: اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر من العصور على حكم شرعيَّ، فإذا اتفق هؤلاء العلماء - سواء كانوا في عصر الصحابة أو بعدهم - على حكم من الأحكام الشرعية كان اتفاقهم هذا إجماعاً وكان العمل بما أجمعوا عليه واجباً.
دليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن علماء المسلمين لا يجتمعون على ضلالة، فما اتفقوا عليه كان حقاً.
روى أحمد في مسنده (6/ 396) عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يَجْمَعَ أُمَّتي عَلى ضَلالَةٍ فَأَعْطَانيها".

ومثال ذلك: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الجد يأخذ سدس التركة مع الولد الذكر، عند عدم وجود الأب.
منزلة الإجماع: والإجماع يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الرجوع إليه، فإذا لم نجد الحكم في القرآن، ولا في السنة، نظرنا هل أجمع علماء المسلمين عليه، فإن وجدنا ذلك أخذنا وعملنا به.

القياس:

وهو إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما, وهذا القياس نرجع إليه إذا لم نجد نصاً على حكم مسألة من المسائل في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع.
منزلة القياس: وأركان القياس أربعة: أصلُ مقيسٌ عليه، وفرعٌ مقيس، وحكم الأصل المنصوص عليه، وعلة تجمع بين الأصل والفرع.
مثال القياس: إن الله حرَّم الخمر بنص القرآن الكريم، والعلة في تحريمه: هي أنه مسكر يذهب العقل، فإذا وجدنا شراباً آخر له اسم غير الخمر، ووجدنا هذا الشراب مسكراً حكمنا بتحريمه قياساً على الخمر، لأن علة التحريم- وهي الإسكار - موجودة في هذا الشراب، فيكون حراماً مثل الخمر.

هذه هي المصادر التشريعية التي ترجع إليها أحكام الفقه الإٍسلامي ذكرناها تتميماً للفائدة، ومكان تفصيلها كتب أصول الفقه الإسلامي.

ضرورة التزام الفقه الإسلامي، والتمسك بأحكامه، وأدلة ذلك من القرآن والسنّة:

لقد أوجب الله على المسلمين التمسك بأحكام الفقه الإسلامي، وفرض عليهم التزامه في كل أوجه نشاط حياتهم وعلاقاتهم.
وإحكام الفقه الإسلامي كلها تستند إلى نصوص القرآن والسنة، والإجماع والقياس- في الحقيقة - يرجعان إلى القرآن والسنة.
فإذا استباح المسلمون ترك أحكام الفقه الإسلامي، فقد استباحوا ترك القرآن والسنة، وعطلوا بذلك مجموع الدين الإسلامي، ولم يعد ينفعهم أن يتسموَّا بالمسلمين أو يدَّعوا الإيمان، لأن الإيمان في حقيقته هو تصديق بالله تعالى، وبما أنزل في كتابه، وفي سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. والإسلام الحقيقي يعني الطاعة والامتثال لكل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه عز وجل مع الإذعان والرضا.
وأحكام الفقه الإسلامي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل مهما تبدل الزمن وتغير، ولا يباح تركها بحال من الأحوال.
أدلة ذلك من القرآن والسنة: والأدلة على وجوب التزام الفقه والتمسك بأحكامه كثيرة جداً في الكتاب والسنة:

أما في الكتاب: فقد قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الأعراف: 3].
وقال: ﴿َلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وقال تعالى: ﴿إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: 105] وبناءً على هذه النصوص الآمرة باتباع ما أنزل الله تعالى وتحكيم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسنته في كل ما ينشأ من معاملة بين الناس، والناهية عن كل مخالفة لله ورسوله.
بناءً على ذلك يعد من يختار من الأحكام غير ما اختاره الله ورسوله، قد ضلَّ ضلالاً بعيداً قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب: 36].
وأما في السنة: فالأحاديث كثيرة أيضاً، منها: ما روى البخاري (2797) ومسلم (1835) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: " مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصاني فَقَدْ عَصَى اللَّهَ".
ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذي نَفْسي بيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبعاً لَما جِئْتُ بِهِ" (ذكره الإمام النووي في متن الأربعين النووية: 41، وقال: حديث صحيح).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلَيْكُمْ بِسُنتَّي" (رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2678). وقوله: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّو بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتي" (انظر: مسلم: 1218، وأبو داود: 1905، والموطأ: 2/ 899). هذه الأدلة من القرآن والسنة واضحة في وجوب إتباع الأحكام التي شرعها الله عز وجل للعباد في كتابه، وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

التعريف ببعض المصطلحات الفقهية:

لا بد قبل البدء بأبواب الفقه ومسائله من التعريف ببعض المصطلحات الفقهية التي تدور عليها أحكام الفقه في جميع الأبواب وهذه المصطلحات هي: 1 - الفرض: الفرض هو ما طلب الشرع فعله طلباً جازماً، بحيث يترتب على فعله الثواب، كما يترتب على تركه العقاب.
ومثاله الصوم، فإن الشرع الإسلامي طالبنا بفعله مطالبة جازمة، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]. أي فرض.
فإذا صمنا ترتب على هذا الصيام الثواب في الجنة، وإذا لم نَصُمْ ترتب على ذلك العقاب في النار.
2 - الواجب: والواجب مثل الفرض تماماً في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، لا فرق بينهما أبداً إلا في باب الحج.

فالواجب في باب الحج: هو ما لا يتوقف عليه صحة الحج، وبعبارة أخرى: لا يلزم من فوته فوت الحج وبطلانه، وذلك مثل رمي الجمار، والإحرام من الميقات، وغير ذلك من واجبات الحج، فإذا لم يأت الحاج بهذه الواجبات صح حجه، ولكن كان مسيئاً، ووجب جبر ترك هذه الواجبات بفدية هي إراقة دم.
وأما الفرض في الحج فهو ما يتوقف عليه صحة الحج، وبعبارة أخرى: يلزم من فوته فوت الحج وبطلانه.
ومثال ذلك الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وغير ذلك من الفروض فإنه إذا لم يأت بها بطل حجه.
3 - الفرض العيني: هو ما يطلب من كل فرد من أفراد المكلفين طلباً جازماً، مثل الصلاة والصيام، والحج على المستطيع، فإن هذه العبادات تجب على كل مكلف بعينه، ولا يكتفي بقيام بعض المكلفين بها دون الباقين.
4 - الفرض الكفائي: هو ما كان مطالباً بفعله مجموع المسلمين، لا كل واحد منهم، بمعنى: أنه إذا قام به بعضهم كفى، وسقط الإثم عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثموا وعصَوا جميعاً.
ومثل ذلك: تجهيز الميت والصلاة عليه، فإن واجب المسلمين إذا مات فيهم ميت أن يغسلوه ويكفنوه، ويصلوا عليه، ثم يدفنوه، فإذا قام بهذا العمل بعض المسلمين حصل المقصود، وإذا لم يقم به أحد عصَوا جميعاً، وأثموا لتركهم هذا الفرض الكفائي.

5 - الركن: وهو ما وجب علينا فعله وكان جزءاً من حقيقة الفعل، وذلك مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، والركوع، والسجود فيها، فهذه الأمور تسمى أركاناً.
6 - الشرط: وهي ما وجب فعله، ولكنه ليس جزءاً من حقيقة الفعل، بل هو من مقدماته، وذلك مثل الوضوء، ودخول وقت الصلاة، واستقبال القبلة، فهذه الأمور كلها خارجة عن حقيقة الصلاة، ومقدمة عليها، ولا بد منها لصحة الصلاة، وتسمى شروطاً.

7 - المندوب: والمندوب هو ما طلب الشرع فعله لكن طلباً عير جازم، حيث يترتب الثواب على فعله، ولا يترتب العقاب على تركه.
ومثال ذلك: صلاة الضحى، وقيام الليل، وصيام ستة أيام من شوال وغير ذلك، فهذه العبادات إن فعلناها أثبنا عليها، وإن لم نفعلها لم نعاقب على تركها.
ويسمى المندوب سنة، ومستحباً، وتطوعاً، ونفلاً.
8 - المباح: وهو ما كان فعله وتركه سواءً، لأن الشرع لم يأمرنا بتركه، ولم يأمرنا بفعله، بل جعل لنا حرية الترك والعمل، ولذلك لم يترتب على فعل المباح أو تركه ثواب أو عقاب، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].

أفادت هذه الآية أن العمل بعد صلاة الجمعة مباح، فمن شاء عمل، ومن شاء ترك.
9 - الحرام: وهو ما طالبنا الشرع بتركه طلباً جازماً، بحيث يترتب على تركه امتثالاً لأمر الله ثوابٌ ويترتب على فعله عقاب، ومثال ذلك: القتل، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: 33].
وأكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وََلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]. فإذا فعل الإنسان شيئاً من هذه المحرَّمات أثم واستحق العذاب، وإذا تركها تقرباً إلى الله استحق على تركها الثواب.
ويسمى الحرام محظوراً، ومعصية، وذنباً.
10 - المكروه: والمكروه قسمان: مكروهاً تحريمياً، ومكروهاً تنزيهياً.
المكروه تحريمياً: هو ما طالبنا الشرع بتركه طلباً جازماً لكن دون طلب ترك الحرام، بحيث يترتب على تركه امتثالاً لأمر الله تعالى الثواب، ويترتب على فعله العقاب، لكن دون عقاب الحرام.
ومثال ذلك صلاة النفل المطلق عند طلوع الشمس، أو عند غروبها.
فهذه الصلاة مكروهة تحريمياً.
المكروه تنزيهياً: هو ما طلب الشرع تركه طلباً غير جازم، بحيث إذا عرفة للحاج، فإن ترك الصوم امتثالاً لأمر الدين أثيب، وإن صام لم يعاقب.

11 - الأداء: وهو فعل العبادة في وقتها المحدد لها من قبل الشرع، وذلك كصيام رمضان في شهر رمضان، وكصلاة الظهر في وقتها المحدد شرعاً.
12 - القضاء: وهو فعل العبادة التي وجبت خارج وقتها المحدد لها من قبل الشرع، وذلك كمن صام رمضان في غير رمضان بعد فواته، أو صلى الظهر في غير وقتها المحدد شرعاً بعد فواته.
والقضاء واجب، سواء فاتت العبادة بعذر، أو بغير عذر، والفرق بينهما: أن فوتها بغير عذر موجب للإثم، وفوتها بعذر غير موجب للإثم.
قال تعالى: ﴿ِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]. أي من أفطر لعذر مرض أو سفر، فعليه قضاء ما فاته بعد رمضان.
13 - الإعادة: والإعادة هي فعل العبادة في وقتها مرة ثانية لزيادة فضيلة، وذلك كمن صلى الظهر منفرداً، ثم حضرت جماعة، فإنه يُسَنُّ له إعادتها تحصيلاَ لثواب الجماعة.


أحكَام الطهَارَة

معنى الطهارة:

الطهارة لغة: النظافة والتخلص من الأدناس حسيَّة كانت كالنجس، أو معنوية كالعيوب.
يقال تطهّر بالماء: أي تنظف من الدنس، وتطهر من الحسد: أي تخلص منه.
والطهارة شرعاً: فعل ما تستباح به الصلاة - أو ما في حكمها- كالوضوء لمن كان غير متوضئ، والغسل لمن وجب عليه الغسل، وإزالة النجاسة عن الثوب والبدن والمكان.

عناية الإسلام بالنظافة والطهارة:

لقد اعتنى الإسلام بالطهارة والنظافة عناية تامة، ويظهر ذلك مما يلي: 1 - الأمر بالوضوء لأجل الصلاة كل يوم عدت مرات.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ م [المائدة: 6] 2 - الحضُّ على الغسل في كثير من المناسبات، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6]، وقال

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لِلهِ عَلَى كلَّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فيِ كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامِ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسِهُ وَجَسَدَهُ" [رواه البخاري: 856، ومسلم: 849]. 3 - الأمر بقص الأظفار، ونظافة الأسنان، وطهارة الثياب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ... " خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الْخِتان، والاسْتِحْدَاد، َوَنْتفُ الإِبط، وَتَقْليمُ الأََْظافِر، وَقَصُّ الشَّاربِ" [رواه البخاري: 5550، ومسلم: 257]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لّوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّواكِ عِنْدَ كلِّ صَلاَةٍ" [رواه البخاري: 847، ومسلم: 252]. وفي رواية عند أحمد ... [6/ 325]: "مع كل وضوء".
[الاستحداد: هو استعمال الموسى في حلق العانة].
وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: " إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحوا رِحَالَكُمْ، وَاَصْلِحُوا لباسَكم، حتى تكونوا كأنكم شامةٌ في الناس، فإن اللهَ لا يحبّ الفُحْشَ وَلا َالتَّفَحُّشَ" (1) [رواه أبو داود: 4089. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، ولقد جعل الدين الطهارة نصف الإيمان، فقال - صلى الله عليه وسلم -: " الطُّهور شَطْرُ الإيمان" [أخرجه مسلم: 223].

حكمة تشريع الطهارة:

لقد شرع الإسلام الطهارة لحكمٍ كثيرة نذكر منها ما يلي:1

1 - أن الطهارة من دواعي الفطرة، فالإنسان يميل إلى النظافة بفطرته وينفر بطبعه من الوساخة والقذارة، ولما كان الإسلام دين الفطرة كان طبيعياً أن يأمر بالطهارة والمحافظة على النظافة.
2 - المحافظة على كرامة المسلم، وعزته، فالناس يميلون بطبعهم إلى النظيف، ويرغبون بالاجتماع إليه، والجلوس معه، ويكرهون الوسِخ، ويحتقرونه، وينفرونه، وينفرون منه، ولا يرغبون بالجلوس إليه.
ولما كان الإسلام حريصاَ على كرامة المؤمن وعزته أمره بالنظافة، ليكون بين إخوانه عزيزاً كريماً.
3 - المحافظة على الصحة، فالنظافة من أهم الأسباب التي تحفظ الإنسان من الأمراض، لأن الأمراض أكثر ما تنتشر بين الناس بسبب الأوساخ والأقذار.
فتنظيف الجسم، وغسل الوجه، واليدين، والأنف، والرجلين - وهذه الأعضاء التي تتعرض للوسخ كثيراً - عدة مرات كل يوم يجعل الجسم حصيناً من الأمراض.
4 - الوقوف بين يدي الله طاهراً نظيفاَ، لأن الإنسان في صلاته يخاطب ربه ويناجيه، فهو حرَ أن يكون طاهر الظاهر والباطن نظيف القلب والجسم، لأن الله تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين.

المياه التي يُطهر بها:

المياه: جمع ماء، وهي ماء السماء، وماء البحر، وماء البئر، وماء النهر، وماء العين، وماء الثلج.
وتندرج هذه المياه جميعها تحت قولنا: ما من السماء، أو نبع

من الأرض، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: 48]، وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11].
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يَا رَسولَ اللهِ، إنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، وَنَحمِلُ مَعَنا القَليلَ مِنَ المَاءِ، فَإنْ تَوَضَّأْنا بهِ عَطِشْنَا، أَفَتَوَضَّأُ بِماءِ البَحْرِ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هُوَ الطَّهُورُ ماُؤهُ الحِلُّ مَيتَتُهُ" [رواه الخمسة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح] [الحل ميتته: أي يؤكل ما مات فيه من سمك ونحوه بدون ذبح شرعي].
الخمسة هم: أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه وأحمد بن حنبل.


أقسام المياه

وتنقسم المياه إلى أربعة أقسام: طاهر مطهر، وطاهر مطهر مكروه، وطاهر غير مطهر، ومتنجس.

الطاهر المطهر:

وهو الماء المطلق الباقي على وصف خلقته التي خلقه الله عليها، ولا يخرجه عن كونه ماء مطلقاً تغيره بطول مكث، أو بسبب تراب، أو طحلب ـ وهو شيء أخضر يعلو الماء من طول مكث ـ أو تغيره بسبب مقرّه أو ممرّه كوجوده في أرض كبريتية، أو مروره عليها، وذلك لتعذر صون الماء عن ذلك والأصل في طهورية الماء المطلق: ما رواه البخاري (217) وغيره: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " دَعُوهُ، وَهَريقُوا عَلى بَولِهِ سَجْلاً مِنْ ماءٍ ـ أَوْ ذَنُوباً مِنْ ماءٍ ـ فَإنَّما بُعُثُتْم مُسَيِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ". [ليقعوا به: ليزجروه بالقول أو الفعل.
سجلاً: دلواً ملأى بالماء، ومثله الذنوب].
فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإراقة الماء على مكان البول دليل أنه فيه خاصية التطهير.

الطاهر المطهر المكروه:

وهو الماء المشمس الذي سخنته الشمس، ويشترط لكراهيته ثلاثة شروط وهي: 1ـ أن يكون ببلاد حارة.
2ـ أن يكون موضوعاً بأوان منطبعة غير الذهب والفضة، كالحديد والنحاس، وكل معدن قابل للطرق.
3ـ أن يكون استعماله في البدن لأدمي ولو ميتاً أو حيوان يلحقه البرص كالخيل.
نقل الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يكره الاغتسال به، وقال: ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب، ثم روى: أنه يورث البرص.
وذلك لأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء، فأن لاقت البدن بسخونتها أمكن أن تضر به، فتورثه البرص، وهو مرض يصيب الجلد.

الطاهر غير المطهر:

وهو قسمان: الأول: هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة كالغسيل والوضوء.
ودليل كونه طاهراً ما رواه البخاري (191) ومسلم (1616) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني وأنا مريض لا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ مِنْ وَضوئِهِ عَلي.

[لا أعقل: أي في حالة غيبوبة من شدة المرض.
من وضوئه: الماء الذي توضأ به] ولو كان غير طاهر لم يصبه عليه.
ودليل كونه غير مطهر ما رواه مسلم (283) وغيره: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لاَ يَغْتَسِلْ أَحدُكُمْ في المَاءِ الدَّاثِمِ ـ أي الراكد ـ وَهُوَ جُنُب " فقالوا: يا أبا هريرة، كيف نفعل؟ قال: يتناوله تناولاً وحكم الوضوء في هذا حكم الغسل لأن المعنى فيهما واحد، وهو رفع الحدث.
فقد أفاد الحديث: أن الاغتسال في الماء يخرجه عن طهوريته، وإلا لم ينه عنه، وهو محمول على الماء القليل لأدلة أخرى.
الثاني: هو الماء المطلق الذي خالطه شيء من الطاهرات التي يستغني عنها الماء عادة والتي لا يمكن فصلها عنه بعد المخالطة، فتغير بحيث لم يعد يطلق عليه أسم الماء المطلق: كالشاي والعرقسوس، أما إذا كان المخلط الطاهر موافقا للماء في صفاته من طعم ولون وريح كماء الورد الذي فقد صفاته فإنه يعمد عند ذلك إلى التقدير بالمخالف الوسط، وهو في الطعم عصير الرمان، وفي اللون عصير العنب، وفي الرائحة اللاذن (1)، فإن قدر تغيره بمخالطة ذلك صار الماء طاهراً غير مطهر، وكونه غير مطهر لأنه أصبح لا يسمى ماء في هذه الحالة والشارع اشترط التطهر بالماء.

الماء المتنجس:

هو الماء الذي وقعت فيه نجاسة وهو قسمان:1

الأول قليل: وهو ما كان دون القلتين.
وهذا الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة، ولو كانت قليلة ولم يتغير فيه شيء من أوصافه كاللون والريح والطعم.
والقلتان: خمسمائة رطل بغدادي وتساوي مائة وأثنين وتسعين كيلو غراماً وثمان مائة وسبعة وخمسين غراماً (857، 192 كلغ)، ويساوي بالمكعب ذراعاً وربعاً طولاً وعرضاً وعمقاً.
روى الخمسة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يسأل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: " إذَا كَانَ الماءُ قلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَث "، وفي لفظ أبي أبي داود (65): " فَإَّنهُ لا يَنْجُسُ ". [بالفلاة: الصحراء ونحوها.
ينوبه: يرد عليه.
السباع: كل ما له ناب يفترس به من الحيوانات].
ومفهوم الحديث: أنه إذا كان الماء أقل من قلتين بنجس ولو لم يتغير، ودل على هذا المفهوم ما رواه مسلم (278) عن أبي هري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ في الإنَاءِ حَتَّى يَغْسلها ثَلاَثاً فَإنَّهُ لاَ يدْرِي أَيْنَ بَاَتت يدُهُ ". فقد نهى المستيقظ من نومه عن الغمس خشية تلوث يده بالنجاسة غير المرئية، ومعلوم أن النجاسة غير المرئية لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بمجرد الملاقاة لم ينهه عن ذلك.
والثاني كثير: وهو ما كان قلتين أو كثر، وهذا الماء لا ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، وإنما ينجس إذا غيرت النجاسة أحد أوصافه.
الثلاثة: اللون، أو الطعم، أو الريح.
ودليله الإجماع.
قال النووي في المجموع

(1/ 160): قال ابن المنذر: أجمعوا أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت طعماً أو لوناً أو ريحاً، فهو نجس.

ما يصلح منها للتطهير:

وهذه المياه الأربعة ليست كلها صالحة للطهارة ـ أي لرفع الحديث وإزالة الخبث ـ كما علمت، بل إنما الذي يصلح منها هو النوع الأول والثاني، مع كراهة النوع الثاني في البدن.
أما النوع الثالث: فلا يصلح التطهر به، وإن كان طاهراً في ذاته بحيث يصح استعماله في غير الطهارة كالشرب، والطبخ وغير ذلك أما النوع الرابع: فهو متنجس لا يصلح لشيء.


الأواني

الأواني: جمع آنية وهي الأوعية التي توضع فيها المائعات وغيرها وفيها أمور: أولاً ـ

حكم استعمال أواني الذهب والفضة:

يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في جميع وجوه الاستعمال: كالوضوء والشرب، إلا لضرورة كأن لم يجد غيرها.
روى البخاري (5110) ومسلم (2067) عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ". [الديباج: نوع نفيس من ثياب الحرير.
آنية: جمع إناه.
صحافها: جمع صحفها وهي القصعة.
لهم: أي الكفار].
ويقاس على الأكل والشرب غيرهما من وجوه الاستعمال، ويشمل التحريم الرجال والنساء.
وكالاستعمال الاتخاذ، فإن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه، أي اقتناؤه للتزيين ونحوه.

ثانياً ـ

حكم استعمال الأواني المضببة بالذهب أو الفضة:

يحرم استعمال ما ضبب بالذهب مطلقاً سواء كانت الضبة صغيرة أم كبيرة، وأما التضبيب بالفضة، فإن كانت ضبة صغيرة لغير زينه جاز، وإن كانت كبيرة لزينة فحرام، وإن كانت كبيرة لحاجة أو صغيرة لزينة كره، ودليل جواز ضبة الفضة الكبيرة لحاجة: ما رواه البخاري (5305) عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي - صلى الله عليه وسلم - عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة، وقال أنس: لقد سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
ثالثاً ـ

حكم استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة:

يجوز استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة من نحو الماس واللؤلؤ والمرجان وغيرها، لعدم ورود نص بالنهي عنها، والأصل الإباحة ما لم يرد دليل التحريم.

رابعاً ـ

حكم استعمال أواني الكفار:

يجوز استعمال هذه الأواني، لما رواه البخاري (5161) عن أبي ثعلبه - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فاغسلوها وكلوا فيها".
والأمر بغسلها للاستحباب لاحتمال تلوثها بسبب استعمال الكفار لها بخمر أو خنزير وغيرهما.
ومثل الأواني استعمال ثيابهم ونحوها.


أنواع الطهارة

الطهارة نوعان: أولاً ـ طهارة من النجس.
ثانياً ـ طهارة من الحدث.

الطهارة من النجس:

معنى النجس: النجس لغة: كل مستقذر.
وشرعاً: مستقذر يمنع صحة الصلاة، كالدم والبول.

الأعيان النجسة:

والأعيان النجسة كثيرة نذكر أهمها في سبعة أشياء: 1ـ الخمر وكل مانع مسكر.
قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس) أي نجس [المائدة: 90].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" [رواه مسلم: 2003، عن أبن عمر رضي الله عنهما].
2ـ الكلب والخنزير: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" [رواه مسلم: 279]. وفي رواية للدارقطني (1/ 65): "إحداهن بالبطحاء".
[ولغ: شرب، البطحاء: صغار الحصى ويقصد به التراب].

3ـ الميتة: وهي كل حيوان مات بغير زكاة شرعية، قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة) [المائدة: 3).
وتحريمها إنما كان من أجل نجاستها.
ويدخل في حكم الميتة ما ذبح على الأنصاب، وما ذكر عليه غير اسم الله، قال تعالى: (وما أهل لغير الله به) [المائدة: 3].

ما سيتثنى من نجاسة الميتة:

ويستثنى من نجاسة الميتة ثلاثة أشياء: الأول- ميتة الإنسان: قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) [الإسراء: 70].
ومقتضى تكريمه أن يكون الإنسان طاهراً حياً وميتاً.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله إن المسلم لا ينجس" [رواه البخاري: 279]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما " المسلم لا ينجس حياً وميتاً" [رواه البخاري تعليقا في الجنائز، باب غسل الميت ووضوئه].
والثاني والثالث ـ السمك والجراد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لكم ميتتان ودمّان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال " [رواه ابن ماجه].
4ـ الدم السائل ومنه القيح: قال تعالى: (أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) [سورة الأنعام: الآية 145]. ويستثنى من نجاسة الدم: الكبد والطحال للحديث السابق.
5ـ بول الإنسان وغائطه، وبول الحيوان وفرثه:

روى البخاري (217) ومسلم (284) أن أعرابياً بال في المسجد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: صًُبُّوا عليه ذنوباً من ماء" أي دلواً، والأمر يصب الماء عليه دليل نجاسته.
6ـ كل جزء انفصل من الحيوان حال حياته فإنه نجس.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما قطع من بهيمة فهو ميتة" [رواه الحاكم وصححه].
ويستثنى من ذلك شعر وريش الحيوانات المأكول اللحم فإنه طاهر.
قال تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) [سورة النحل: 80].
7ـ لبن الحيوان غير مأكول اللحم: كالحمار ونحوه، لأن لبنه كلحمه، ولحمه نجس.

النجاسة العينية والنجاسة الحكمية:

النجاسة العينية: هي كل نجاسة لها جرم مشاهد، أولها صفة ظاهرة من لون أو ريح، كالغائط أو البول أو الدم.
والنجاسة الحكمية: كل نجاسة جفت وذهب أثرها، ولم يبق لها أثر من لون أو ريح، وذلك مثل بول أصاب ثوباً ثم جف، ولم يظهر له أثر.

النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة:

النجاسة المغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، ودليل تغليظها أنه لا يكفي غسلها بالماء مرة كباقي النجاسات، بل لا بد من غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب، كما مر في حديث "ولوغ الكلب" وقيس عليه الخنزير لأنه أسوأ حالاً منه.

النجاسة المخففة: وهي بول الصبي الذي لم يأكل إلا اللبن ولم يبلغ سنه حولين، ودليل كونها مخففة أنها يكفي رشها بالماء، بحيث يعم الرش جميع موضع النجاسة من غير سيلان.
روى البخاري (2021)، ومسلم (287) وغيرهما: عن أم قيس بنت مِحْصن رضي الله عنها: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
[فنضحه: رشه بحيث عم المحل بالماء وغمره بدون سيلان] .. النجاسة المتوسطة: وهي غير الكلب والخنزير، وغير بول الصبي الذي لم يطعم إلا لبن، وذلك مثل بول الإنسان، وروث الحيوان، والدم.
وسميت متوسطة لأنها لا تظهر بالرش، ولا يجب فيها تكرار الغسل إذا زالت عينها بغسلة واحدة.
روى البخاري (214) عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به.
[تبرز لحاجته: خرج إلى البزار وهو الفضاء، ليقضي حاجته من بول أو غائط].
وروى البخاري (176)، ومسلم (303): عن على - رضي الله عنه - قال: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: "وفيه الوضوء".
ولمسلم "يغسل ذكره ويتوضأ".
[مذاء كثير خروج المذي، وهو ماء أصفر رقيق يخرج غالباً عند ثوران الشهوة].

وروى البخاري (155): عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط، فأمرني أن آتية بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخلت روثه فاتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس".
والركس: النجس، والروثة براز الحيوان.
فدلت هذه الأحاديث على نجاسة الأشياء المذكورة، وقبس ما لم يذكر منها على ما ذكر.

كيفية التطير من النجاسات:

التطهر من النجاسة المغلطة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، وهذه لا تطهر إلا إذا غسلت سبع مرات إحداهن بالتراب، سواء كانت النجاسة عينية أم حكمية، وسواء كانت على الجسم، أو الثوب، أو المكان.
التطهر من النجاسة المتوسطة: وهي نجاسة ما عدا الكلب والخنزير، والصبي الذي لم يطعم، وهذه النجاسة إنما تطهر إذا جرى الماء عليها وذهب بأثرها، فزالت عينها وذهبت صفاته من لون أو طعم أو ريح، سواء كانت عينية أم حكمية، وسواء كانت على ثوب أم جسم أم مكان، ولكن لا يضر بقاء لون عسر زواله، كالدم مثلاً.

تطهير جلود الميتة غير الكلب والخنزير:

ويطهر جلد الحيوان غير الكلب والخنزير بالدباغ، والدباغ: نزع رطوبة الجلد التي يفسده إيقاؤها، بمادة لاذعة حِرِّيفة، بحيث لو تقع في الماء بعد إليه النتن والفساد.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" [رواه مسلم: 366]، ويجب غسل الجلد بالماء بعد الدبغ لملاقاته للأدوية النجسة التي دبغ بها، أو الأدوية التي تنجست بملاقاته قبل طهر عينه.

بعض ما يعفى عنه من النجاسات:

الإسلام دين النظافة، لذلك أوجب إزالة النجاسة أينما كانت، والتحرز منها، وجعل الطهارة من النجاسة شرطاً لصحة الصلاة سواء في الثوب أم البدن أم المكان.
إلا أن الدين راعي اليسر، وعدم الحرج، فعفا عن بعض النجاسات لتعذر إزالتها، أو مشقة الاحتراز عنها، تسهيلاً على الناس، ورفعاً للحرج عنهم، وإليك بعض هذه المعفوات: 1ـ رشاش البول البسيط الذي لا يدركه الطرف المعتدل إذا أصاب الثوب أو البدن، سواء كانت النجاسة مغلظة أم مخففة أم متوسطة.
2ـ اليسير من الدم، والقيح، ودم البراغيث وونيم الذباب أي نجاسته ما لم يكن ذلك بفعل الإنسان وتعمده.
3ـ دم وقيح الجروح ولو كان كثيراً، شريطة أن يكون من الإنسان نفسه، وأن لا يكون بفعله وتعمده، وأن لا يجاوز محله المعتاد وصوله إليه.

4ـ روث الدواب الذي يصيب الحبوب أثناء دراستها، وروث الأنعام الذي يصيب اللبن أثناء الحلب ما لم يكثر فيغير اللبن.
5ـ روث السمك في الماء ما لم يتغير، وذرق الطيور في الأماكن التي تتردد عليها كالحرم الملكي والحرم المدني والجامع الأموي، وذلك لعموم البلوى، وعسر الاحتراز عنه.
6ـ ما يصيب ثوب الجزار من الدم ما لم يكثر.
7ـ الدم الذي على اللحم.
8ـ فم الطفل المتنجس بالقي، إذا أخذ ثدي أمه.
9ـ ما يصيب الإنسان من طين الشارع.
10ـ الميتة التي لا نفس لها سائلة أي لا دم لها من نفسها إذا وقعت في مائع: كالذباب، والنحل، والنمل، شريطة أن تقع بنفسها، ولم تغير المائع الذي وقعت فيه.
روى البخاري (5445) وغيره: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله ثم يطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء".
ووجه الاستدلال: أنه لو كان ينجسه لم يأمر بغمسه.
وقيس بالذباب كل ما في معناه من كل ميتة لا يسيل دمها.


فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
مدخلمعنى الفقه:ارتباط الفقه بالعقيدة الإسلامية:شمول الفقه الإسلامي لكل ما يحتاج إليه الناس:مراعاة الفقه الإسلامي اليسر ورفع الحرج:مصادر الفقه الإسلامي:- السنة الشريفة -القرآن الكريم:السنة الشريفة:الإجماع:القياس:ضرورة التزام الفقه الإسلامي، والتمسك بأحكامه، وأدلة ذلك من القرآن والسنّة:التعريف ببعض المصطلحات الفقهية:أحكَام الطهَارَةمعنى الطهارة:عناية الإسلام بالنظافة والطهارة:حكمة تشريع الطهارة:المياه التي يُطهر بها:أقسام المياهالطاهر المطهر:الطاهر المطهر المكروه:الطاهر غير المطهر:الماء المتنجس:ما يصلح منها للتطهير:الأوانيحكم استعمال أواني الذهب والفضة:حكم استعمال الأواني المضببة بالذهب أو الفضة:حكم استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة:حكم استعمال أواني الكفار:أنواع الطهارةالطهارة من النجس:الأعيان النجسة:ما سيتثنى من نجاسة الميتة:النجاسة العينية والنجاسة الحكمية:النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة:كيفية التطير من النجاسات:تطهير جلود الميتة غير الكلب والخنزير:بعض ما يعفى عنه من النجاسات:
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل