مقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الآثار المترتبة على الجهاد
تترتب على الجهاد آثار ونتائج كثيرة ذات أهمية، ولكل منها أحكام خاصة بها.
فلنستعرض هذه الآثار واحدة إثر أخري، موضحين خلاصة الأحكام المتعلقة بكل منها:
1 - الأسر:
من أبرز نتائج الجهاد وقوع أسري من الكفار تحت سلطان المسلمين، وفي أيديهم.
فهؤلاء الأسري: إن كانوا أطفالاً أو نساءً أصبحوا بمجرد
الأسر
أرقاء حكماً أما إن كانوا رجالاً بالغين، فلا يعتبرون أرقاء بمجرد الأسر، وإنما يتبع ذلك حكم الإمام، فإن ضرب عليهم
الرق
أصبحوا أرقاء، وإلا فهم أحرار.
مصير الأسري:
ثم إن الإمام يختار لمصير الأسرى واحدة من خصال أربعة: القتل، والمن والفداء بالمال، والاسترقاق.
يختار ما شاء متبعاً في ذلك مصلحة المسلمين وخيرهم.
أما المن والفداء، فقد جاء مصرحاً بهما في قول الله عز وجل: ﴿َإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (سورة محمد: 4)
[أثخنتموهم: أثقلتموهم بالقتل والجراح.
فشدوا الوثاق: فأسروهم، وشدوا
رباطهم حتى لا يفلتوا منكم.
مناً: أي تمنون منا، والمن: هو الإنعام على الأسير وإطلاق سراحه من غير فدية.
تضع الحرب أوزارها: تنتهي الحرب وذلك بوضع المحاربين أسلحتهم]
وأما ما يدل على قتل الأسري، فقول الله عز وجل: ﴿َا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: 67)
[حتى يثخن في الأرض: حتى يبالغ في قتل الكفار]
وأما الاسترقاق، فقد ثبت بدلالة السنة، وفعل النبي $، فقد استرق أسرى في غزوة خيبر وقريظة، وفي غزوة حنين.
روي البخاري [3804] في المغازي، باب: حديث بني النضير .. ، ومسلم [1766] في الجهاد، باب: إجلاء اليهود من الحجاز، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: حاربت النضير وقريظة، فأجلي بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين.
واسترق - صلى الله عليه وسلم - أسرى هوازن، ثم تشفع فيهم لدي المسلمين بعد أن قسموا بينهم، عندما جاء وفد هوازن مسلمين، وطلبوا منه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فمنوا عليه.
(رواه البخاري [2963] في الخمس، باب: الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين)
وروي مسلم [1755] في الجهاد والسير، باب: التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى، عن إياس بن سلمة عن أبيه أن سرية من المسلمين أتوا بأسري، فيهم امرأة من بني فزارة، فبعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي أهل مكة، ففدي بها ناساً من المسلمين، كانوا أسروا بمكة.
وروي مسلم [1763] أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الفداء من أسري بدر.
2 - الرق:
الرق
في اصطلاح الشريعة الإسلامية: عجز حكمي يتلبس الإنسان بسبب
الكفر في الأصل، ويظهر هذا العجز الحكمي، بفقدان أهليه التملك، وفقدان الحقوق المدنية.
الحكمة من مشروعية الرق:
عرفت أن حكم الاسترقاق والمن والفداء داخل في أحكام السياسة الشرعية، ومنوط برأي الحاكم المسلم، يراعي فيه المصلحة العامة للمسلمين.
والحكمة في أن يتخذ الاسترقاق محله بين هذه الخصال التي يخير بينها هي أنه سلاح موجود في أيدي الأعداء بالنسبة لأسرانا عندهم.
فكان من أسس العدالة أن يملك المسلمون هذا السلاح نفسه، ثم يعطي الحاكم صلاحية استعماله، بمجرد أن يري ضرورة لذلك، كأن يجد أعداءنا قد استرقوا أسرانا، وأنت تعلم أن القانون الدولي يقر مبدأ التعامل بالمثل فيما يتعلق بالأسري.
وكان من الإجحاف أن ينسخ هذا السلاح (الاسترقاق الناتج عن الحرب) نسخاً شاملاً، مع استعمال الأعداء له، وشعورهم بالسعادة لكونهم وحدهم الذين يملكون هذا السلاح.
مصير حكم الاسترقاق اليوم:
لا يزال ضرب الرق على أسري الحرب إلي اليوم، حكماً شرعياً من أحكام الإمامة، أي أن الإمام يرى في ذلك رأيه، بناءً على المصلحة العامة للمسلمين.
غير أنه منذ حين بعيد، أبعد هذا الحكم عن التنفيذ، وذلك لعدم وجود مصلحة تدعو إلي ذلك، ولأن دول العالم اتفقت فيما بينها على عدم استرقاق الأسري، فكان في هذا الاتفاق ما أبعد المصلحة الإسلامية عن ضرب الرق عليهم.
واعلم أن أحكام السياسة الشرعية المتعلقة بأبواب الجهاد أشبه ما يكون بما يسمي بأحكام الطوارئ، فكما يجوز لرئيس الدولة أن يعلق القانون، ويعلن حالة الطوارئ، ويقرر ما يشاء تحت هذا العنوان، فكذلك يجوز لإمام المسلمين أن يمارس صلاحيات معينة، وضعها الشارع تحت يده ليستفيد منها عند الضرورة
واللزوم كحكم الرق، وقتل الأسري، وقطع أشجار الكفار وتحريق بيوتهم، ونحو هذا مما يري فيه مصلحة المسلمين.
ومما يجب أن يعلم أن من أسلم من الكفار قبل الأسر، ولو بعد الهزيمة فقد أحرز دمه من القتل، ونفسه من الرق، وصغر أولاده من السبي والاسترقاق، يدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿َإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 5) وقول الله عز وجل: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {(سورة التوبة: 11).
ولا شك أن هذه الأخوة تستلزم المحافظة على أرواحهم وأموالهم وأولادهم ما داموا قد أسلموا قبل وقوعهم أسرى في أيدي المسلمين.
ويدل على هذا أيضاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " (رواه البخاري [25] في الإيمان، باب: فإن تابوا ... ، ومسلم [22] في الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما).
وهذا ويُحكم على الصغر من الأولاد بالإسلام عند وجود ثلاثة أسباب:
1 - إسلام أحد أبويهم، فإنه يتبع أشرف أبويه في الدين، تغليباً لجانب الإسلام، وترجيحاً لمصلحة الصغير، وما هو أنفع له، فإن الإسلام صفة كمال وشرف وعلو، قال عليه الصلاة والسلام: " الإسلام يعلو ولا يعلي ". (رواه الدارقطني في سننه، كتاب النكاح، ورواه البخاري تعليقاً في الجنائز، باب: إذا اسلم الصبي.
انظر العيني [8/ 169]).
2 - أن يسبيه مسلم وهو منفرد عن أبويه، فيحكم عندئذ بإسلامه تبعاً لدين من سباه، ترجيحاً لمصلحته كما قلنا.
3 - أن يوجد لقيطاً في دار الإسلام، فيحكم بإسلامه تبعاً للمكان الذي وجد فيه وتغليباً لجانب الخير بالنسبة له.
3 -
الغنائم والأسلاب:
الغنيمة: هي المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً، سواء كانت منقولة، أو غير منقولة، وسواء أخذت، والحرب قائمة، أو أخذت عند مطاردة الأعداء وفرارهم، والأسلاب: جمع سلب، وسلب القتيل: ما وجد معه وفي حوزته من المال والسلاح.
حكم الغنائم:
يجب تقسيم الغنائم خمسة أقسام، فأما أربعة أخماسهم، فتوزع بين المقاتلين، وكان من هدى النبي - صلى الله عليه وسلم - في عصره أن المقاتل راجلاً، يأخذ سهماً واحداً يفرضه له الحاكم، والمقاتل فارساً يأخذ ثلاثة أسهم.
روي البيهقي [9/ 62] أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما تقول في الغنيمة؟ قال: " لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش " وروي البخاري [2708] في الجهاد، باب: سهام الفرس عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله $ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً.
وفي رواية عند البخاري [3988] في المغازي، باب: غزوة خيبر، ومسلم [1762] في الجهاد والسير، باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قسم رسول الله $ يوم خيبر: للفرس سهمين، وللراجل سهماً.
وإذا كان هذا التقسيم بذاته غير وارد اليوم لاختلاف أساليب الحرب، وأدواتها، فإن المطلوب الآن ملاحظة جنس التفاوت بين المقاتلين، بالقدر الذي يتناسب والفرق ما بين الفارس والراجل فيما مضي، فيعطي للأدنى 1/ 3 مما يأخذه الأعلى.
فيجب على كل حال حجز أربعة أخماس الغنائم، وقصرها على الجند والمقاتلين، بنفس الطريقة التي كان يسلكها رسول الله $، مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال، وطرائقه، وأثرها في تفاوت درجات المقاتلين.
ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات، أو مرتبات متلاحقة، إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستمسك بشيء من هذه الأموال المغنومة لنفسها.
هذا لا يسهم على الشكل الذي ذكرنا من الغنيمة إلا لمن اجتمعت فيه الشروط التالية:
الإسلام، والبلوغ، والعقل والحرية، والذكورة، فإن اختل شرط من هذه الشروط، رضخ له الإمام، أي أعطاه شيئاً من الغنيمة قبل قسمتها ويجتهد في قدره حسب ما قدم من نفع، على أن لا يبلغ ما يعطيه سهم الراجل ولك لأن هؤلاء الذين لم تتكامل فيهم تلك الشروط، كالصغار والنساء والعبيد، ليسوا من أهل الجهاد الذي يفرض عليهم حضوره.
وأما الخمس الخامس من الغنيمة، فيوزع أخماساً كما نصت عليهم الآية القرآنية: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (سورة الأنفال: 41).
[لله خمسه: أي يحكم فيه كما يشاء.
وللرسول أي قسمته وتوزيعه، وله فيه نصيب، وهو خمسه.
اليتامى: جمع يتيم، وهو كل صغير لا أب له، فإذا بلغ لم يبق يتيماً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يتم بعد احتلام ". (رواه أبو داود [2873] في الوصايا باب: ما جاء متى ينقطع اليتم، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه).
ابن السبيل: المسافر الذي فقد النفقة، وهو بعيد عن ماله.
ولذي القربى: هم أقارب الرسول الذين لا تحل لهم الصدقة، وهم بنو هاشم والمطلب، روي البخاري [2981] في الخمس، باب: الدليل على أن الخمس للإمام، وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ".
بمنزلة واحدة: أي من حيث القرابة، لأن الجميع ينو عبد مناف، شيء واحد: لأنهم ناصروه قبل إسلامهم وبعده]
حكم الأسلاب:
وقد عرفت الأسلاب، والفرق بينها وبين الغنائم، وحكمها أن سلب القتيل يكون ملكاً لقاتله إذا أخذه وكان ممن يستحق الغنيمة.
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " من قتل قتيلاً له عليه بينه، فله سلبه ". (رواه البخاري [2973] في الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلاً فله سلبه، ومسلم [1851] في الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل، عن أبي قتادة رضي الله عنه).
تنبيه
:
يري الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن حكم الأسلاب ـ على نحو ما ذكرنا ـ هو حكم تبليغي، أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فه ثابت إلي ويم القيامة.
وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلي أنه حكم قضائي، قضي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوصف كونه حاكماً، ولم يخبر به عن الله عز وجل بوصف كونه نبياً، وعليه يجوز للحكام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخالفوه إلي ما هو مصلحة في عصرهم، وظروفهم.
4 - الفيء:
تعريف الفيء:
الفيء
هو ما أخذه المسلمون من أعدائهم بدون قتال، ومن أموال منقولة، وغير منقولة، قال الله عز وجل في أموال يهود بني النضير: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (سورة الحشر: 6).
[أوجفتم: أسرعتم.
ولا ركاب: ولا أبل، أي لم تقاسموا فيه مشقة]
فالفرق إذاً بين الفيء والغنائم، أن الغنائم مال وصل إلي المسلمين في أعقاب حرب، والفيء: مال وصل إلي المسلمين من أعدائهم بدون حرب ولا قتال.
حكم الفيء:
يقسم الفيء أخماساً، فيجعل خمسه في أصحاب خمس الغنيمة وخم خمس فئات كما مر في الغنيمة.
1 - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان يأخذ من خمس الخمس ما يحتاج إليه من نفقته ونفقة عياله، وما فضل كان يضعه في مصالح المسلمين: كالثغور، والمشاريع
المختلفة.
وسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين.
روي البخاري [2748] في الجهاد، باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، ومسلم [1757] في الجهاد والسير، باب: حكم الفيء، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله $ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع، عدة في سبيل الله.
2 - ذوو القربى، وهم بنو هاشم والمطلب أقرباء رسول الله $، وقد مر دليل ذلك.
3 - اليتامى، وهم من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ.
4 - المساكين، ويدخل في زمرتهم الفقراء، لأن الفقراء أسوأ حالاً من المساكين.
5 - أبناء السبيل، وهم المسافرون الذين فقدوا نفقتهم، وهم بعيدون عن أموالهم.
وأما الأربعة الأخماس الأخرى فتصرف في مصالح المسلمين، بشرط أن يكون في مقدمتها رفع مستوي العاملين في الجيش، وهم الأجناد المرصود ون للجهاد.
فإن كانت أموال الفيء منقولة وزعت عليهم أعيانها.
وإن كانت غير منقولة كالعقارات، وقفت لمصالح بيت مال المسلمين، ووزع ريعها على من ذكرناهم.
ويدل على كل ما ذكر قول الله تبارك وتعالي: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وهذه الآية مطلقة لم يذكر فيها التخميس، كما هو واضح، لكنها تحمل على آية الغنيمة المقيدة بالتخميس، فتخمس كما ذكرنا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود فيكم﴾.
(رواه البيهقي [نهاية: 3/ 272])
[والمراد بالخمس: خمس الخمس، كما علمت.
وقوله: مردود فيكم: أي يصرف في مصالحكم.
وذلك بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -]
هذا، ومن جملة مصارف الفيء: النفقة على أسر من يموت من المجاهدين الذين سبق ذكرهم، ويسمون المرتزقة، ولو في غير قتال، أو العلماء ونحوهم، ممن تحتاج الأمة إلي أعمالهم، فيعطي ورثتهم الذين كانت تلزمهم نفقتهم في حياتهم ما يسد حاجتهم.
قال في النهاية: ومن مات من المرتزقة دفع إلي من كان تلزمه نفقته من أربعة أخماس الفيء كفايته، لا ما كان يأخذه هو، فتعطي الزوجة وإن تعددت، والبنات حتى ينكحن، أو يستغنين بكسب أو بغيره، والذكور حتى يستقلوا بالكسب، أو المقدرة على الغزو، لئلا يشتغل الناس بالكسب عن الجهاد، إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم، ومن بلغ من الأبناء عاجزاً، فكمن لم يبلغ وقال: ويعطي أولاد العالم من أموال المصالح إلي أن يستقلوا، وللزوجة حتى تنكح ترغيباً في العلم [3/ 74]
5 - الجزية:
تعريف الجزية:
الجزية:
من الجزاء، وهو الثواب والعقاب، والمراد منها شرعاً: المال الذي يدفعه الكتابي، ومن في حكمه، لبيت مال المسلمين جزاء كف اليد عنهم، ودخولهم تحت الحماية والرعاية، والتزام الدولة الإسلامية النظر في شؤونهم وذلك ضمن ضوابط وشروط معينة.
دليل مشروعية الجزية:
قلنا سابقاً بأن الجزية شرعت، لأهل الكتاب، ومن في حكمهم، ويدل على مشروعيتها قول الله عز وجل، في أهل الكتاب: ﴿حتي يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (سورة التوبة: 29).
[عن يد: أي طائعتين غير ممتنعين.
وهم صاغرون: قال الشافعي رحمه الله تعالى: الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم وقد سبق بيان ذلك]
حكمة تشريع الجزية
:
قلنا سابقاً: إن الكتابي يملك من الإيمان بالله تعالي ما يفسح مجالاً لتعايش المسلمين معه ضمن حدود وضوابط مرسومة.
ومن فوائد هذا التعايش القائم على حرية النظر والفكر، أن تتلاقح الأفكار.
ويطلع الكتابيون على ما لم يكونوا يعلمونه من حقائق الإسلام، وتذوب أسباب العصبية، فيجتمع الكل على الحق.
إلا أن هذا التعايش لا يتم إلا بتحمل الدولة الإسلامية مسؤولياتها تجاههم، والنظر في شؤونهم، لا سيما المعيشية والاقتصادية، فكان لابد من أخذ ضريبة مالية محددة، لتيسير أسباب القيام بهذه المسؤوليات.
شروط الجزية
:
يشترط لعقد الجزية الشروط التالية:
1 - أن يكون أصحابها من أهل الكتاب ـ نصارى أو يهوداً ـ أو من هم في حكمهم، وهم المجوس، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ". (رواه مالك في الموطأ [1/ 278] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس).
ومثل المجوس في الحكم من يزعمون التمسك بمصحف إبراهيم، أو زبور داود عليهما السلام.
وروي البخاري [2987] في الجزية، باب: أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يكن ليأخذ من المجوس، حتى شهد عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي $ أخذها من مجوس هجر.
2 - أن يجري بذلك عقد إيجاب وقبول بينهم وبين إمام المسلمين، فيقول الإمام، أو من ينوب منابه: أقربكم بدار الإسلام على أن تبذلوا جزية قدرها كذا وكذا، وتنقادوا لحكم الإسلام، ثم يقول ممثل الطرف الآخر من أهل الكتاب: قبلنا بذلك.
3 - أن يذكر قدر الجزية محددة، ومصنفة بالنسبة لأغنيائهم وفقرائهم، وأن يتم القبول بناء على ذلك.
4 - أن لا يؤقت عقد الجزية بفترة زمنية محدودة، كعام ونحوه، لأنه عقد يحقن به الدم، فلا يجوز أن يكون مؤقتاً، كعقد الإسلام.
شروط من تأخذ الجزية منهم
:
يشترط فيمن تؤخذ منهم الجزية خمس صفات: العقل، والبلوغ، والحرية، والذكورية، وأن يكون من أهل الكتاب ومن في حكمهم.
ويدل على اعتبار هذه الشروط قول الله تعالي: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (سورة التوبة: 29) ,
فقد دلت هذه الآية على أن الجزية تؤخذ من المكلفين أهل القتال، فخرج النساء، لأنهن لسن من أهل القتال، وكذلك العبيد، وخرج الصبيان والمجانين، لأنهم غير مكلفين.
وروي البيهقي [9/ 195] أن عمر رضي الله عنه كتب إلي عماله أن لا يضربوا الجزية على النساء والصبيان.
حدود الجزية
:
أقل الجزية دينار على كل رجل في كل عام، فيؤخذ الدينار ممن كانوا دون المرتبة الوسط في المعيشة واليسر.
ويؤخذ ديناران كل عام من المتوسط الحال.
ويؤخذ أربعة دنانير من أصحاب الغني.
واعلم أن الزيادة على الدينار مستحبة عند اليسر، بالشكل الذي ذكرناه، أما الواجب فهو دينار واحد، فلو أبي الغني أو المتوسط عقدها إلا بدينار واحد أجيب، لأنه القدر المنصوص عليه وجوباً.
ويجوز للإمام أن يشترط على أهل الجزية الضيافة فضلاً عن مقدار الجزية وقد جاءت الأحاديث، ووردت السنة بكل ما ذكرنا.
روي أبو داود [3038] في الإمارة، باب: في أخذ الجزية، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وجهه إلي اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله من المعافري.
[حالم: محتلم، أي بالغ.
عدله: ما يعادله ويساويه.
من المعافري: نسبة إلي معافر، موضع باليمن، تنسب إليه الثياب، وتكون به]
وروي مالك في الموطأ [1/ 279] في الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، عن أسلم رحمه الله تعالى: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهماً مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.
[الورق: الفضة].
وروي البيهقي [9/ 195] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل أيله على ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة رجل، وعلى ضيافة من مر بهم من المسلمين.
وروي البيهقي أيضاً [9/ 196] أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وضع على الغني ثمانمائة وأربعين درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير اثني عشر درهماً.
وكان صرف الدينار باثني عشر درهماً.
الآثار التي تترتب على عقد الجزية من حقوق للمسلمين
:
يتضمن عقد الجزية أربعة أشياء يلزم بها أهل الجزية:
1 - أداء الجزية حسب الاتفاق الذي تم بينهم وبين المسلمين، ديناراً فأكثر.
2 - أن يجري عليهم حكم الإسلام فيما يقرون ـ ولو ضمناً ـ بحكم الإسلام فيه، كحرمة الزني مثلاً، وبناءًَ على ذلك رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - يهودياً ويهودية زنيا.
(رواه البخاري [6433] في المحاربين، باب: الرجم في البلاط، ومسلم [1699] في الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزني، عن ابن عمر رضي الله عنهما).
وعليه، فإنهم يمنعون من التعامل بالربا، ومن ارتكاب الفواحش، وأسباب الفسوق، لأنهم يعرفون حرمة ذلك في دينهم ودين المسلمين، بخلاف ما لا يقرون بحكمه في الإسلام، كشرف الخمر مثلاً فإنهم لا يقرون بحرمته في شريعتهم، فلا تجري عليهم أحكامنا فيه، إلا إن ترافعوا إلي قاضي
المسلمين، فإنه يحكم بينهم بشرعنا.
3 - أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بخير، فلو تعرضوا للقرآن، أو ذكروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما لا يليق، أو طعنوا في شرع الله عز وجل، عزروا، وإن كان شرط انتفاض العهد بذلك نقض.
ولو عثر على أنهم يكيدون للإسلام في الخفاء بقول أو فعل، فسخ عقد الذمة بيننا وبينهم، إلا ما كان من ذلك تعبيراً عن عقيدتهم مثل قولهم: إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس برسول، وإن القرآن ليس بكلام الله تعالي، فلا تنقض الذمة بيننا وبينهم، لأنهم يعبرون بذلك عن عقيدتهم، وإن كنا نعلم بطلانها.
4 - أن لا يفعلوا ما فيه ضرر بالمسلمين: كأن يؤووا جاسوساً للكفار، أو يتواطؤوا مع أهل الحرب علي إيذاء المسلمين.
فلو امتنعوا من أداء الجزية المتفق عليها، ولو كانت أكثر دينار، أو ذكروا الله ورسوله بسوء، أو عثر على أنهم متواطئون مع أهل الحرب ضد المسلمين انتقضت ذمتهم.
بيان ما يجب لهم من الرعاية والحماية بعقد الذمّة:
إن عقد الذمة بيننا وبين أهل الكتاب يتضمن أربعة أشياء يلزم بها المسلمون تجاه أهل الذمة:
1 - إنهاء الحرب معهم، وعودة العلاقات السلمية بيننا وبينهم، ودليل ذلك ما رواه مسلم [1731] في الجهاد، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، وغيره عن بُريدة رضي الله عنه، وفيه: " فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ".
2 - وجوب حمايتهم، والمحافظة عليهم، وعلى أموالهم وحرماتهم إزاء أي اعتداء عليهم، أو عليها، من المسلمين، أو من غيرهم.
روي البخاري [2887] في الجهاد، باب: يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون عن عمر بن ميمون، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم).
3 - عدم التعرض لكنائسهم القائمة، وما يتبعها من شعائرهم الدينية، وخمورهم وخنازيرهم، ما لم يظهروها أو يتباهوا بها.
جاء في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لنصارى نجران:
" ... ولنجران وحاشيتها وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليه دية ولا دم جاهلية، ولا يخسرون ولا يعسرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقاً، فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ".
4 - لزوم عقد الذمة في حق المسلمين واستمراره، فلا يملك إمام المسلمين، أو احد منهم نقضه بحال، لأنه عقد مؤبد، ما لم يصدر من أهل الذمة شيء يستوجب نقض العهد مما قد سبق بيانه.
الهدنة والاستئمان
معني الهدنة
:
الهدنة، وتسمي الموادعة والمعاهدة والمسالمة، وهي في اللغة: بمعني المصالحة.
والهدنة شرعاً: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة، والأصل في تشريعها، قبل الإجماع، قول الله عز وجل: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة التوبة: 1)، وقوله تبارك وتعالي: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة الأنفال: 61).
ومهادنة النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشاً عام الحديبية.
(رواه البخاري [3945] في المغازي، باب: غزوة الحديبية، ومسلم [1783] في الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية).
معني الاستئمان
:
والاستئمان: أن يطلب أي فرد من أهل الحرب الأمان من أي واحد من أفراد المسلمين، فيعطيه هذا الأمان، ولكل من المسلمين أن يعطي الأمان لمن طلبه من الأعداء، حاكماً كان المعطي، أو واحداً من عامة الناس، ذكراً كان أو أنثي، فإذا أعطاه الأمان حقن بذلك دمه، وحرم على سائر المسلمين أن تمتد إليه أيديهم بأي أذي.
قال الله تعالي: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (سورة التوبة: 6)
الفرق بين الهدنة والاستئمان
:
نلاحظ من التعريفين السابقين لكل من الهدنة والاستئمان الفروق التالية:
أولاً: أن الهدنة صلح جماعي يمثله من طرف المسلمين الحاكم الأعلى أو نائبه، ويمثله من طرف الأعداء قائدهم، أو من ينوب عنه، بينما الاستئمان يكون للآحاد والجماعات من الكفار، ويقوم بإعطائه لهم، أو لأي فرد منهم أي شخص من المسلمين، حاكماً أو غيره، رجلاً أو امرأة.
ثانياً: أن الهدنة طريقة من طرق إنهاء الحرب بين المسلمين وعدوهم، فلا يمكن أن تجتمع الحرب مع الهدنة، أما الاستئمان، فيمكن أن يتم أثناء الحرب، بأن يستأمن أحد الجنود من أهل الحرب مسلماً رآه أمامه، فأعطاه الأمان، فإنه يصبح عندئذ محقون الدم، لا يجوز لأحد علم بذلك أن يمسه بأذى، مع أن الحرب دائرة، بين المسلمين والكافرين.
حكم كل من الهدنة والاستئمان
:
حكم الهدنة
: أما الهدنة، فلها حالتان:
الحالة الأولي: أن يطلبها الأعداء، فيجب على إمام المسلمين الاستجابة لهم مع الحذر، وأخذ الحيطة، ولا يجوز أن يمتد أجلها أكثر من أربعة أشهر.
الحالة الثانية: أن يبادر إليها المسلمون، وإنما تجوز بناء على ظهور مصلحة للمسلمين فيها، فإن كانت اعتباطاً، أي بدون مصلحة داعية لها، لم تصح ولم تنعقد.
ثم إن كانت المصلحة الداعية إلي الهدنة رجاء التخلص من ضعف في ظلال السلم، وطمأنينة الأمن، جاز أن يمتد أجلها إلي عشرة أعوام فقط، ودليل ذلك صلح الحديبية، فقد تم بسبب ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - من ضعف المسلمين، وتألب الأعداء عليهم، وكان أجله في العقد المتفق عليه بين المسلمين ومشركي مكة عشرة أعوام.
أما إن كانت المصلحة شيئاً آخر غير الضعف، كتوقع إسلام الأعداء، أو خضوعهم للجزية، فلا يجوز والحالة هذه أن تزيد الهدنة عندئذ عن أربعة أشهر، وذلك تمسكاً بمفهوم قول الله تعالي: {فسيحوا في الأرض أربعة
وأعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} (سورة التوبة: 2).
حكم الاستئمان
:
وأما الاستئمان، فالإجابة إليه واجبة، إن لوحظت في ذلك مصلحة للمسلمين، أو مصلحة للمستأمن، ذلك لصريح قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: 6) ويجوز أن يخاطب بالاستئمان الحاكم، أو نائبه، أو أي شخص من المسلمين، ويجري في حقهم جميعاً الحكم الذي ذكرناه، وهو وجوب الاستجابة مهما لوحظت في ذلك المصلحة.
ويعتد بأمان المسلم أيا كان ذكراً أو أنثي، لقوله عليه الصلاة والسلام: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعي بذمتهم أدناهم " (أخرجه أو داود [4530] في الديات، باب: إيقاد المسلم بالكافر، وابن ماجه [2683] في الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم، وأحمد في المسند [1/ 119]، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه).
وروي البخاري [3000] في الجزية، باب: أمان النساء وجوارهن، ومسلم [336] في الحيض، باب: تستر المغتسل بثوب ونحوه، وغيرهما، عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، أنها ذهبت إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: " مرحباً بأم هانئ "، فلما فرغ من غسله قام فصلي ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي على، أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " قالت أم هانئ: وذلك ضحي.
[فلان ابن هبيرة: قيل هو جعدة، ولد زوجها من غيرها.
وذلك ضحي: أي وقت الضحى]
شروط مشروعية كل من الهدنة والاستئمان
:
أولاً: شروط الهدنة:
لا تتم الهدنة إلا بالشروط التالية:
الشرط الأول: أن يعقد الهدنة الإمام أو نائبه، فلا تصح هدنة بين المسلمين وأعدائهم يعقدها واحد من عامة المسلمين، أو من أولي الحل والعقد فيهم، وذلك لما فيها من الخطورة والأهمية، إذ يترتب عليها إنهاء الحرب مع العدو، والانتقال إلي حال السلم، ولو كان السلم مؤقتاً بزمن معين، وإنما يملك إعلان السلم، وتقريره من يملك إعلان الحرب وقيادتها، وهو الحاكم، أو نائبه الأعلى.
الشرط الثاني: أن تنطوي الهدنة مع العدو على مصلحة أكيدة للمسلمين، أيا كان نوع تلك المصلحة، فإن لم ترج مصلحة ما منها للمسلمين، لم تصح ولم تشرع.
الشرط الثالث: أن لا تزيد الهدنة بين المسلمين وعدوهم على عشرة أعوام، إن كان المصلحة منها رجاء تخلص المسلمين من ضعف يعانونه، وأن لا تزيد عن أربعة أشهر إن كانت المصلحة شيئاً آخر غير متعلق بضعفهم.
فلو عقدها لهم الإمام مطلقاً، أي دون تقيد بزمان فسدت، ولم تصح ودليل هذا الشرط ما سبق وذكرنا من صلحه عليه الصلاة والسلام في الحديبية مع قريش، وكان أمد ذلك الصلح عشر سنين وكذلك قول الله عز وجل للمشركين: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (سورة التوبة: 2).
الشرط الرابع: أن لا يشترط أن لا يشترط الكفار لأنفسهم على المسلمين شرطاً باطلاً.
فإن شرطوا لأنفسهم ذلك، ووافقهم الإمام عليه فسدت الهدنة وذلك كان يطلب المسلمون الهدنة، فيشترط الكفار لأنفسهم حق الاحتفاظ بأسري المسلمين، أو يشترطوا على المسلمين التنازل عن بعض أموالهم المنقولة أو غير المنقولة، أو التنازل عن بعض واجباتهم الإسلامية، فإن إقحام شرط من هذا القبيل في عقد الهدنة يفسدها، ويجعلها لاغية لا صحة لها.
ثانياً: شروط الاستئمان:
ويشترط لتأمين أحد من الكفار الشروط التالية:
الشرط الأول: أن يكون الأمان، بناءً على طلب من أهل الحرب، شخصاً كان أو جماعة، فلا يعطي الكافر الحربي أماناً بدون طلب منه، وهذا الشرط واضح في الآية السابقة: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ أي طلب منك الأمان.
الشرط الثاني: أن يكون المجير أهلاً للإجارة، وإنما يكون أهلاً لها بالإسلام، فلو أجار ذمي حربياً وأعطاه أماناً، فلا أمان له، ولا اعتبار بكلامه، ولا يجب على المسلمين احترام ذمته، لأنه لا يجير على المسلمين إلا واحد منهم.
الشرط الثالث: أن يعلم به ولي الأمر، أو قائد الجيش فيقره، فلو لم يعلم به، أو علم به ولكنه لم يقره، بل ألغاه، إذا ثبت له مثلاً أنه عين على المسلمين وجاسوس لأعدائهم، فلا عبرة بالأمان المعطي لذلك الشخص، أو لتلك الجماعة.
أما إذا علم ولي الأمر، أو قائد الجيش بالأمان الذي أعطاه أحد المسلمين لواحد من الحربيين، وبحث فلم يجد ما يمنع الموافقة على أمانه، فليس له أن يلغيه أو يهمله، بل يجب عليه أن يعلن الأمان له ليسري ذلك على جماعة المسلمين كلهم.
الآثار والالتزامات التي تترتب على عقد الهدنة والاستئمان
: إذا تم عقد الهدنة بين المسلمين وعدوهم، وتكاملت فيه الشروط المذكورة، وأعطي الحربي المستأمن الأمان ممن طلبه منه بشروطه المذكورة أيضاً، ترتب على كل منهما آثار والتزامات يجب الوفاء بها.
أولاً: الآثار والالتزامات المترتبة على عقد الهدنة:
يترتب على عقد الهدنة آثار والتزامات نلخصها فيما يلي: أ- يجب الكف عمن هودنوا، ويحرم مسهم بأي أذي أو سوء، ولكن لا يجب المحافظة عليهم ضد الآخرين، ويستمر هذا الحكم إلي إحدى غايتين: الغاية الأولي: انقضاء مدة الهدنة.
الغاية الثانية: أن يبدر منهم ما ستوجب نقضها، وذلك بان يصرحوا بنقضهم لها، ويكون ذلك بتصريحهم جميعاً، أو بتصريح ولي أمرهم عنهم بذلك أو بأن يبادروا إلي القتال، أو بأن يكاتبوا أعدائنا بكشف بعض أسرارنا، أو بأن يقتل مسلم على أيديهم.
فإن تضامنوا جميعاً بنقض الهدنة بسبب من هذه الأسباب، وما يشبهها فلا جرم أن المسلمين يصبحون بمجرد ذلك في حل من معاهداتهم ومسالمتهم.
أما إن استقل بعضهم بارتكاب واحد من هذه الأسباب فينظر:
_ أن أنكر الباقون، بأن اعتزلوهم، أو ضربوا على أيديهم، أو أعلموا الإمام باستنكارهم فعل إخوانهم، وأعلنوا بقائهم على العهد، لم يؤثر شيء من ذلك على الهدنة، وبقيت أحكامها مستمرة، في حق من لم يبدر منهم سؤ.
ـ وإن لم ينكروا بقول ولا فعل مع علمهم بذلك، انتقضت الهدنة في حقهم جميعاً.
وإذا استشم إمام المسلمين بوادر الخيانة في صفوف المهادنين، أي لاحظ مجرد مقدمات لها، دون أن يعثر على خيانة مادية يمكن الاعتماد عليها في إنهاء عقد الهدنة، لم يكن له نقض الهدنة إلا بعد أن يعلن عليهم جميعاً أن المسلمين مقدمون على إلغاء الهدنة التي بينهم وبين المسلمين، بسبب ما قد بدر من دلائل الخيانة في صفوفهم.
ويستدل على ما ذكرنا بقول الله عز وجل: ﴿َمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة التوبة: 7)، وقلوه تبارك وتعالي: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 58).
[فانبذ إليهم على سواء: أي اطرح إليهم عهدهم على علم منك ومنهم].
فإذا أعلمهم ببوادر خيانتهم، وطرح لهم عهدهم حل للمسلمين قتالهم
على الشكل الذي أرشدهم الله عز وجل إليه.
قال الله تعالي: ﴿{الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال 56 - 57)
[تثقفنهم: تجدنهم وتدركنهم.
فشرد بهم من خلفهم: فرق بهم من خلفهم من المحاربين بالتنكيل بهم والعقوبة لهم]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء ". (رواه الترمذي [1580] في السير، باب: ما جاء في الغدر، وأبو داود [2759] في الجهاد باب: في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه).
ب- يجب على المسلمين الوفاء كل شرط تحملوه للطرف الآخر، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً، فلا يجوز الوفاء به، بل لا يجوز إقحامه في عقد الهدنة
مثال الشروط الصحيحة التي يجب الوفاء بها: أن يشترط العدو على المسلمين إيواء من يصل إليهم من المرتدين الذين كانوا عندنا مسلمين، أو نرد إليهم من جاءنا مسلماً منهم لأن سهيل بن عمرو شرط ذلك على المسلمين في صلح الحديبية فوافقه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وقد سبق تخريج حديث صلح الحديبية.
ومثال الشروط الباطلة: أن يشترطوا على المسلمين إعادة النساء المسلمات اللائي يأتين إلينا من قبلهم، لأن الله عز وجل، نهى عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (سورة الممتحنة: 10).
ج- عقد الهدنة يصبح عقداً لازماً بعد وجوده مستوفي الشروط والأركان فلا يجوز للمسلمين نقضه بدون موجب إلي أن تنتهي المدة المضروبة له.
ثانياً: الآثار والالتزامات المترتبة على إعطاء الأمان:
وهذه الالتزامات نُجملها فيما يلي:
أيجب على المسلمين جميعاً كف الأذى عمن أعطي الأمان، بقطع النظر ـ كما قلنا ـ عن الشخص الذي أجاره وأعطاه الأمان، ودون تفريق بين كونه ذكراً أو أنثي، بشرط أن يكون مسلماً، إلا إذا علم أنه عين للكافرين علينا، أو غلب على الظن ذلك فيلغي أمانه.
ب - إذا انتهت مدة الأمان، أو أراد المستأمن أن يخرج عن جوار المسلمين قبل انتهائها، وجب على الحاكم أن يبلغه مأمنه، أي المكان الذي يطمئن فيه من العدوان على حياته وماله، ويستطيع أن يأخذ فيه حذره من أي شر قد يصيبه، وذلك لصريح قول الله تعالي: ﴿َإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة التوبة: 6).
ج - إذا أصبح الكافر الحربي مستأمناً في جوار المسلمين، كان ذلك بمثابة العقد اللازم، فليس لمن أجاره وأمنه أن يعود، فكيف عن ذلك بدافع ندم، أو نحوه ما لم يصدر من المستأمن ما يستدعي إلغاء جواره.