الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 213-227
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 213-227
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

سادساً: ثبوت

النسب

النَّسَبُ تمهيد:

النسب

: القرابة.
والنسب أساس هام لأحكام كثيرة متنوعة: كالإرث، والنكاح حلاَّ وحرمة، والولاية، والوصية، وغير ذلك.
من أجل ذلك كان لابدّ من بيان الدلائل التي يثبت بها النسب، وضبطها بما لا يدع مجالاً لريبة، أو اضطراب في طريق إثباتها.
فكيف يثبت النسب بين شخصين ثبوتاً ِشرعياً، تترتب بموجبه الأحكام الشرعية المتعلقة به؟.
مثبتات النسب: يثبت النسب شرعاً بواحد من الموجبات التالية: الأول: الشهادة: ويشترط في الشهادة رجلان ممّن توافرت فيهم شروط صحة الشهادة تحملاً وأداء، وقد مّرت هذه الشروط في النكاح، فلا يثبت النسب بشهادة النساء، ولا بشهادة رجل وامرأتين، لأن النسب فرع من النكاح، والنكاح مما لا يطّلع عليه في الغالب إلا الرجال.
فلا تقبل شهادة النساء فيه.
الثاني: الإقرار: وذلك بأن يقرّ الرجل أنه والد زيد مثلاً، أو أن يقرّ زيد بأنه ابن ذلك الرجل شروط صحة الإقرار: وإنما يعتبر هذا الكلام من كلَّ منهما، ويعُدّ إقراراً، إذا توفرت في الشروط التالية:

1ـ أن لا يكذب هذا الإقرار الحسنَُ، وذلك بأن يكونا في سن يمكن أن يكون هذا الابن من ذلك الأب.
فلو كان في سن لا يتصور أن يكون منه، كأن كان مساوياً له في السن لم يصحّ هذا الإقرار، ولم يثبت به نسب، لتكذيب الحسّن له.
2ـ أن لا يكذب هذا الإقرار الشرعُ.
وتكذيب الشرع له: أن الولد المستلحق بالإقرار معروف النسب من غير المقَّر، لأن النسب الثابت من شخص لا ينقل إلى غيره بالإقرار، سواء صدّقة المستلحق أم غيره.
3ـ أن يصدّق المستحلقُ المقرٌَ، إن كان هذا المستلحق أهلاً للتصديق، بأن يكون مكلفاً، لأن له حقاً في نسبه، وهو أعرف به من غيره.
4ـ أن لا يجّر المقر بهذا الإقرار نفعاً إلى نفسه، أو يدفع عنها به ضرراً، فإن استلزم واحداً منهما، لم يُعد يسمى كلامه إقراراً، بل هو ادّعاء، ولا يقبل الادعاء إلا إذا ثبت ببينه من شهادة ونحوها.
مثال ذلك: أن يقول عن شاب مات عن ثروة من المال: إنه ابني، فلا يقبل كلامه، ولا يعتبر إقراراً، ولا شهادة، لأن الإقرار من شأنه أن يجرّ مَغْرماً، أو مسؤولية على المقرّ.
ولأن الشهادة إنما تعتبر حيث لا تستلزم نفعاً للشاهد، ولا تدفع عنه ضرراً.
ودليل ذلك ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا تجوز شهادة الظِّنين.
الترمذي (الشهادات، باب: ما جاء فيمن لا تجوز شهادته، رقم: 2299). والظنِّين: المتهم.
والجارّ إلى نفسه نفعاً، والدافع عنها ضرراً متهمان.

وإنما يدخل هذا الكلام عندئذ في الاّدعاء، والاّدعاء لا يقبل إلا إذا عزّرته البيَّنة المعتبرة شرعاً.
ومنها: أن يشهد شاهدان عدلان بصدق كلامه.
الثالث: الاستفاضة: وصورة الاستفاضة: أن ينتسب الشخص إلى رجل، أو قبيلة، والناس في تلك البلدة ينسبونه إلى ذلك الشخص، أو تلك القبيلة، دون وجود مخالف، ودون أن يُحدّ ذلك في فترة قصيرة من الزمن.
فهذه الاستفاضة تنزل منزلة الشهادة الصحيحة، وتعتبر دليلاً شرعياً على صحة الأمر.
بشرط أن يكون الناس ـ الذين استفاض عنهم وبينهم ذلك ـ قد بلغوا من الكثرة مبلغاً، يحيل العقل اتفاقهم على الكذب.
والسبب في تنزيل الاستفاضة في ثبوت النسب منزلة الشهادة الصحيحة: أن النسب من الأمور الثابتة المستمرة مع توالي الأجيال، فإذا طالت مدتها عَسُرَ إقامة البيَّنة على ابتدائها، فمسّت الحاجة إلى إثباتها بالاستفاضة.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتسبون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قبائلهم، وأجدادهم، فما كان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يطالبهم بالشهود الذي يثبتون النكاح رؤية بالعين.
بل كان يكتفي باستفاضة الخير بين الناس، دون وجود مخالف.
وكانت الأحكام تبنى على ذلك.
ثبوت الرضاعة: لقد علمت سابقاً أن الرضاعة لها حكم النسب في التحريم.
فكذلك لها حكم النسب في طرق الثبوت.
فتثبت الرضاعة من المثبتات الثلاثة السابقة: الشهادة، الإقرار، الاستفاضة.

غير أن شهود الرضاعة، لا يشترط فيهم أن يكونوا ذكوراً، كشهود النسب.
بل تجوز في الرضاع شهادة النساء فقط، لأن الرضاعة مما يغلب أن تطلع عليها النساء وبناءً على ذلك، فالشهادة المقبولة في ثبوت الرضاع هي: أـ شهادة رجلين عدلين.
ب ـ شهادة رجل عدل، وامرأتين عادلتين.
ج ـ شهادة أربع نسوة عادلات.
الأحكام المتعلقة بالنسب: إذا عرفت ما تقدم، فاعلم أن هناك أحكاماً كثيرة تترتب على ثبوت النسب بين شخصين نذكر منها ما يلي: أولاً: أحكام النكاح حلاًّ وحرمة ثانياً: أحكام الفقه، وتنسيق المسؤوليات المتعلقة بها.
ثالثاً: الولاية ودرجاتها.
رابعاً: الميراث، وتوزيع الأنصباء، وتنسيق درجات الوارثين.
خامساً: الوصية وأحكامها من صحة وبطلان، فإن كثيراً من أسباب ذلك إنما يعود إلى النسب، وإلى معرفة: هل الموصى له وارث، أو غير موروث.
هذا عرض مختصر لأهم الأحكام المترتبة على ثبوت النسب.
ومثل النسب في بعض هذه الأحكام الرضاع.
أما مجال تفصيل هذه الأحكام، فإن لكلِّ منا باباً خاصاً به، بعض هذه الأبواب قد مرّ ذكرها، وبعضها يأتي بحثه إن شاء الله تعالى، وإننا نحيل إليه تفصيل القول في ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

سَابعًا: أَحْكَام

ُ اللّقِيط

اللّقِيطُ تعريف

اللقيط

: اللقيط: على وزن فعيل، بمعنى مفعول: كقتيل بمعنى مقتول.
واللقيط، والملقوط، والمنبوذ: أسماء تطلق على الطفل الموجود مطروحاً في شارع ونحوه، وليس ثَمّة من يَدّعيه.
الأدلة على تشريع أخذ اللقيط: الأصل في التقاطه وأخذه، وتشريع أحكامه دلائل عامة كثيرة في القرآن والسنة: أما القرآن: فقول اله عزّ وجلّ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وقوله جلّ جلاله في النفس البشرية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32].
وأما السنّة: فما رواه مسلم (الذِكْر والدعاء والتوبة، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن .. ، رقم: 2699) وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسّر على معُسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".

وروى البخاري (الأدب، باب: فضل مَن يعول يتيماً، رقم: 5679) عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بإصبعيه: السبّابة والوسطى إشارة إلى شدّة القرب بينهما.
وروى الترمذي (البّر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس، رقم: 1923) وغيره عن جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " مَن لا يرحمِ الناس لا يرحمْه الله ". حكم أخذ اللقيط: إذا وجد لقيط بقارعة الطريق، ولا كافل معلوم له، فأخذه وتربيته وكفالته، فرض على الكفاية، على كلّ مَن وجده.
فإذا أهمل، وبقي في مكانه الذي وجد فيه، أثم جميع أهل تلك البلدة، أو المنطقة، أو القرية الذي عملوا بوجوده.
وإذا التقطه أحدهم، واهتم بتربيته، والنظر في شأنه، ارتفع الإثم عن الجميع.
ودليل ذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32] وقتل النفس كما يكون بالاعتداء الإيجابي على حياتها، فإنه يكون بمنع المسعفات عنها، مع قدرته على ذلك.
الإشهاد على أخذ اللقيط: ومَن وجد طفلاً مطروحاً في مكان، وأخذه ليكفله ويربيّه، وجب عليه أن يشهد على التقاطه، وأخذه، حفاظاً على حريته، ونسبه، ويجب الإشهاد أيضاً على ما معه من مال، إن وجد الملتقط معه مالاً.
دفعاً للتهمة، وضماناً لحقّ اللقيط في ماله، ولو كان الملتقط عدلاً أميناً

شروط بقاء اللقيط مع ملتقطه: كان ما ذكرنا سابقاً هو حكم أخذ اللقيط، وقد علمت أنه فرض كفاية على جميع المسلمين حيث وجد اللقيط، دون قيد أو شرط.
فإذا أخذ اللقيط واحد من الناس أياً كان، فقد ارتفع بذلك الفرض الكفائي عن سائرهم.
إلا أنه لا يجوز إبقاء اللقيط عند هذا الذي التقطه إلا بشروط أربعة: الشرط الأول: الإسلام: فلا يقّر اللقيط عند الكافر، إلا إذا كان اللقيط محكوماً بكفره، كأن عرف بطريقة ما أن أبويه كافران، فلا مانع عندئذ من إبقائه عنده.
الشرط الثاني: العدالة: فلا يجوز إبقاء اللقيط عند مَن عُرف بالفسق، ويعطى لمن ثبتت عدالته وأمانته.
الشرط الثالث: الرشد: فلو التقطه غير رشيد، بأن كان دون سن الرشد، انتزع منه.
ومنه السفيه الذي طرأ عليه السفه بعد الرشد، إذا كان محجوراً عليه، فلا يجوز إقرار اللقيط عنده.
الشرط الرابع: الإقامة: فلو عزم الملتقط على السفر به إلى مكان ما، وجب انتزاعه منه، إذ لا يؤمن أن يسترقّه، أو يغدر به.
وإنما يراعي هذه الشروط، ويُبقى أو ينتزع اللقيط على أساسها القاضي أو الحاكم وليّ له.
فلابدّ أن يكون هو المُحكَّم في ولاية الملتقط، والنظر في صلاحيته لذلك.
نفقات اللقيط: إذا أخذ أحد اللقيط، وأُقر في يده، لتوفر الشروط التي ذكرناها فيه، فإنه ينظر:

1ـ فإما أن يكون في حوزة اللقيط مال.
2ـ أو ليس في حوزته مال.
فإن وجد في حوزته مال، اعتبر هذا المال ملكاً له، لأنه صاحب اليد عليه، ولا يوجد منازع فيه، وأنفق عليه من ماله.
وعندئذ ينفق الحاكم عليه من ذلك المال، وذلك بأن يأذن للملتقط الذي يرعى شأنه، بأن يصرف منه على مصالحه، واحتياجاته.
فلو استقل الملتقط بالإنفاق على اللقيط من ذلك المال، دون إذن للحاكم، أو القاضي، ضمن ذلك المال، وكلِّف برد قدره إلى حوزة الطفل.
كما لو كان لليتيم وديعة عند الولي، فصرف الوليّ الوديعة عليه بدون إذن الحاكم، فإنه يضمنها، ويكلّف بإعادة مثلها، أو قيمتها إلى حوزة اليتيم.
وإنما توقف صرف هذا المال على إذن الحاكم، لأن ولاية المال لا تثبت لقريب، غير الأب والجد، فضلاً عن الأجنبي الذي لا تربطه بالطفل أي قرابة.
ولما كان الحاكم هو الوليّ المطلق لكل مَن لا وليّ له، كان هو المرجع في التصرفات المختلفة بماله.
فإما أن ينفق هو عليه مباشرة، أو يأذن بالإنفاق منه للملتقط الذي استحق الولاية عليه.
نفقة اللقيط في بيت المال إن لم يكن لديه مال: وإن لم يوجد في حوزة اللقيط مال، فنفقة، وجوباً في بيت مال المسلمين، من سهم المصالح العامة، لأن بيت المال مرصود لذلك.
وقد روي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الصحابة في نفقة اللقيط، فأجمعوا على أنها في بيت المال.

ويدخل اللقيط ـ إذا لم يكن له مال ـ في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلا فإلي ". وفي رواية: " ومن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني، فأنا مولاه ". رواه البخاري (الاستقراض، باب: الصلاة على مَن ترك ديناً، رقم: 2268ـ2269)، ومسلم (الفرائض، باب: من ترك مالاً فلورثته، رقم: 1619) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. [والمراد بالكل: العيال الفقراء.
ضياعاً: ضائعاً ليس له شيء.
فإلّي: أنا أعوله وأُنفق عليه].
هل يرجع الحاكم بالنفقة على اللقيط إذا كبر؟ هذا، ولا يرجع الحاكم بهذه النفقة التي أنفقها على اللقيط من بيت مال المسلمين، عند كبر اللقيط وغناه، لأنه هذه النفق لا تُصرف عليه ديناً، بل استحقاقاً، كما ينفق الزوج على زوجته، والوالد على أولاده ". حكم النفقة على اللقيط إذا لم يكن في بيت المال مال: وإذا لم يكن في بيت مال المسلمين ما يكفي لنفقات اللقيط، لكثرة اللقطاء مثلاً، أو لوجود مصارف أهم من الإنفاق على اللقطاء، وجب على الحاكم أن يستقرض من الأغنياء، على ذمة الدولة، ما يكفي لسدّ حاجات اللقيط، ويسدّد القرض لأصحابه عند اليسر.
الاهتمام باللقيط: لاحظت من خلال الأحكام التي ذكرناها، أن الشّارع جلّ جلاله، يضع مسؤولية رعاية اللقطاء، وتربيتهم والعناية بهم في أعلى درجات الخطورة والأهمية.
فالمسلمون كلهم آثمون إن ضُيع بينهم لقيط واحد.
والدولة آثمة أيضاً، إن هي أهملت النظر في أمره، ولم تعوضَّه عن رعاية الوالد، وحنان الأم، بالقدر الممكن، ويفرض الدَّين على الدولة أن

تستقرض من أغنياء المسلمين، إن هي أعسرت، ولم تجد سبيلاً للإنفاق عليه.
تربية اللقيط لا تسوّغ تبنَيه: هذا الترغيب في تربية اللقيط، والاهتمام به لا يسوّغ تبنّيه، واختلاقَ نسب بين اللقيط، وأي رجل أو امرأة من الناس، مربياً كان أو غيره.
لقد فصل الشّارع بين الأمرين فصلاً حاسماً: أما الرعاية، والعناية، والتربية، فكل ذلك واجب، ومصدر ذلك الأخوة الإسلامية، والرحم الإنساني.
وأما التبني، وهو ما نعبر عنه: باختلاق النسب، فمحرم باطل.
لأن مصدر النسب ولادة أو نكاح، وليس بين اللقيط ومن يريد أن يتبناه شيء من ذلك.
ولأن البنّوة لها حق في الميراث، وعليها واجب في ذلك، ولها حق في الإنفاق، وعليها واجب في ذلك.
ولأنها أساس في تحريم النكاح، وحلّ النظر والخلوة والاختلاط.
فإذا قيس التبني عليها، وجاز اعتبار اللقيط ابناً لمن تبناه، كان في ذلك ظلم لمن سيشركهم في ميراثهم، وظلم له ولورثته الحقيقيين عندما يتقاسم أقاربه المزيفون ميراثه من دونهم، أو يشاركونهم فيه.
وكان في ذلك ظلم للخُلق والفضيلة عندما يفرض قانون الأخوة بينه وبين من ليست أختاً له بحال، أن يخالطها مخالطة الشقيق، وهو أجنبي عنها، ويمنع حقّه في الزواج منها، وهي غير محّرمة عليه.
من أجل ذلك كله حرّم الله تعالى التبنّي، الذي هو اختلاق نسب غير موجود، ثم إعطاؤه جميع الحقوق والأحكام الثابتة لرابطة النسب.
وشرّع الدين ما يُعني عن التبنّي , ويحقّق مصلحة اللقيط، وهو مبدأ الرعاية والعناية، والتربية له.

وحمل المسلمين في ذلك أخطر المسؤوليات، وأهمها.

دليل حُرمة التبنّي: ويدّل على حُرمة التبنّي، قول الله عزّ وجلّ: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ {4﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 4ـ5]. انحراف وعود إلى الجاهلية: هذا ولقد عاد الناس أدراجهم إلى الجاهلية، فنجد بعض أولئك الذين لم يولد لهم يذهبون إلى دور اللقطاء، فيختارون لقيطاً يدعونه ولداً، ويثبتون نسبه لهم في السجلات المدنية، فيقعون في معصية الله عزّ وجلّ ويرتكبون أسوء ما نهى الله عنه من تحليل الحرام وتحريم الحلال، إذ يخالفون صريح القرآن وصحيح السنّة في تحريم التبني ومنعه، بل إن ما يفعله هؤلاء أشد مما كان يفعله أهل الجاهلية لأن أولئك كانا يعلنون أن هذا متبنى وليس بولد حقيقي، بينما هؤلاء الناس يطمسون الحقيقة ويدّعون أنه ولد حقيقي لهم، وبهذا يُدخلون على الأسرة من ليس منها، فيخالط هذا الدعي النساء الأجنبيات في الأسرة المدعية على أنهنّ محارم له، ويمنع من الزواج منهنّ على أساس ذلك، ينما هنّ حلال له، وإنما يحرم عليه مخالطتهنّ العيش معهنّ كمحارم.
وأيضاً بسببه يُحرم من الميراث مستحقّه، ويأخذ هو مال غيره بالباطل، وما إلى ذلك من مفاسد يقع فيا هؤلاء الجهّال العصاة، عن سوء قصد أو بدون قصد، فيقعون في غضب الله تعالى، ويستحقون شديد عقابه يوم القيامة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
والله تعالى المسؤول أن يسدّد خطانا لما فيه مرضاته، والحمد لله ربّ العالمين.

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمهُ الله تعالى

الجُزء الخامس

في الوقف والوصية والفرائض الدكتوُر مُصطفى الخِنْ ... الدّكتور مُصطفى البُغا علي الشْربجَي دار القلم دمشق

بسْم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل