المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الشرط الأول: أن تكون الآلة مما يجرح بحدِّه، من حديد ونحاس ورصاص، وقصب وزجاج، وحجر، وغير ذلك.
فلا تتم التذكية بما يقتل رضخاً بثقله، كحجر غير محدَّد.
ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم السابق: " ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله عليه فكُلُوه".
وإنما ينهر الدم ـ أي يسيله بشدة ـ ما يجرح بحدِّه، أما ما يقتل رضخاً بثقله، فليس من شأنه أن ينهر الدم.
الشرط الثاني: أن تكون آلة الذبح سنّاً، ولا ظفراً.
فلا تحلّ الذبيحة التي ذبحت بأحدهما، ولو كان جارحاً، بما له من حدّ، واستنزف الدم كله.
وذلك لأن الذبح بأحدهما مستثنى بنص الحديث من عموم ما يجوز الذبح به، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه -، عند الشيخين، السابق ذكره: " ... ليس السن والظفر".
ويدخل في حكم السن والظفر سائر أنواع العظام، سواء كانت من آدمي، أو غيره.
أما الحكمة من هذا الاستثناء، فهي كما قال بعض العلماء: التعبّد المحض.
وقد عرفت أن أحكام الذبائح قائمة في جملتها على التعبّد، وليست قائمة على شيء من العلل والمصالح، التي تُدار عليها الأحكام المصلحية.
فالأفضل في معرفة سبب الاستثناء الوقوف عند هذا القول.
والله أعلم.
ملاحظات
الأولى:
ذكاة الجنين بذكاة أمِّه، إلا أن يوجد حيّاً فيذكّى: أي يعتبر ذبح أمه ذبحاً له، إذا خرج من بطنها ميتاً بعد ذبحها.
أما إن خرج حيّاً، فلابدّ حينئذٍ من ذكاته.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في ذكاة الجنين، رقم: 2827] عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجنين، فقال: " كُلُوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه".
الثانية:
ما قطع من الحيوان حال حياته، فإن له حكم ميتة ذلك الحيوان، إلا الشعور المُنتفع بها في مفارش والملابس، وغيرهما، وسيأتي بيانها.
أي إن للجزء المنقطع من الحيوان حكم ميتة ذلك الحيوان، من حيث حلِّ الأكل وعدمه، ومن حيث الطهارة والنجاسة.
فما قطع من السمك حال حياته، فإنه يؤكل، وذلك لحلّ ميتة السمك.
وما قطع من شاة حال حياتها، فإنه لا يؤكل لنجاسة ميتتها.
وما قطع من إنسان حال حياته، فهو طاهر، لطهارة الإنسان حال موته.
وما قطع من دابّة حال حياتها، فهو نجس، لنجاسة ميتتها.
ودليل ذلك ما رواه الحاكم وصحّحه، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن جِباب أسنمة الإبل، وأَلْيَات الغنم، فقال: " ما قطع من حيّ فهو ميت" [المستدرك: كتاب الذبائح ـ باب ـ ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت: 4/ 239].
جباب: مصدر جَبَّ يُجبّ، إذا قطع.
وروى أبو داود في [الصيد ـ باب ـ في صيد قطع منه قطعة، رقم: 2858] والترمذي في [الصيد ـ باب ـ ما قطع من الحي فهو ميت، رقم: 1480] واللفظ له وحسّنه، عن أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وهم يجبّون أسنمة الإِبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: " ما قُطع من البهيمة وهي حيَّةٌ، فهي ميتة" ورواه الحاكم وصحّحه [4/ 239].
ما يستثنى من ذلك:
إلا أنه استثنى من حكم ما ذُكر سابقاً الأصواف، والأشعار والأوبار ضمن الشروط التالية:
الشرط الأول: أن تكون من حيوان مأكول اللحم شرعاً.
الشرط الثاني: أن تقص منه حال حياته، أو بعد ذبحه ذبحاً شرعياً.
الشرط الثالث: أن لا تنفصل من الحيوان الحيّ على العضو انفصل منه.
أما شعر الحيوان الميت غير الآدمي فهو نجس، ولا يطهر، لأنه لا يُدبغ.
والأصل في طهارة ما ذكر قول الله عزّ وجلّ: [وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ] (النحل: 80).
[يوم ظعنكم: يوم سيركم في أسفاركم.
أثاثاً: الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية].
فلقد دلّت الآية على جواز استعمال الأصواف والأوبار والأشعار، وذلك دليل طهارتها.
والحق فيما ذكر ما يقوم مقام الشعر من كل حيوان مأكول اللحم: كالريش ونحوه، بالشروط السابق ذكرها.
الثالثة:
يحرم أكل الميتة كيفما كان موتها، والميتة: هي ما أزهقت روحه بغير ذكاة شرعية، سواء ماتت حتف أنفها، أو ماتت بفعل غيرها: كضرب، وخنق، وغرق، وغير ذلك.
كما يحرم أكل الدم المسفوح من أيّ حيوان كان.
ودليل ذلك، قول الله تبارك تعالى: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ] (المائدة: 3).
[المنخنقة: التي ماتت خنقاً بحبل ونحوه.
الموقوذة: التي ماتت بضرب بعصاً أو حجر، أو نحوهما.
المتردية: التي ماتت بالسقوط من مكان عالٍ.
النطيحة: التي ماتت بالنطح من غيرها من الدواب.
ما أكل السبع: التي ماتت بافتراس حيوان لها.
إلا ما ذكيتم: إلا ما أدركتموه حياً مما ذُكر فذكيتموه، فإنه يحلّ ويؤكل].
دلت الآية على حرمة أكل كلٍّ من الدم، والميتة، وما ذكر معهما من أكل لحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله به، وما ذبح على النصب: أي
الأحجار التي كانوا يذبحون عليها لآلهتهم.
ما يستثنى من الميتة والدم:
لقد استثنى من ميتة الحيوان: السمك والجراد.
واستثنى من الدم: الكبد والطحال.
ودليل ذلك ما رواه أحمد [2/ 27] وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال".
خاتمة في بعض سُنن الذبح:
تسنّ عند الذبح مراعاة الأمور التالية: 1 -
ذكر اسم الله عزّ وجلّ عند الذبح؛
بأن يقول الذابح: باسم الله.
ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: [فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ] (الأنعام: 118).
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق: " ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا".
كما تسنّ التسمية عند إرسال السهم، أو بعث الجارحة إلى الصيد.
فلو لم يذكر الذابح اسم الله عزّ وجلّ عند الذبح، وكانت سائر شروط التذكية متوفرة، لم يضرّ ذلك شيئاً، لأن التسمية في الآية والحديث محمولة على الندب عند الشافعية.
2 -
قطع الوَدجَيْن عند الذبح:
والودجان عرقان في صفحتَيْ العنق، محيطان بالحلقوم، يسمى كل منهما بالوريد، لأن ذلك أدعى لزهوق الروح.
3 -
أن يحد الذابح شفرته:
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبِحَ، وليحدَّ أحدُكم شفرتَه، فليُرحْ ذبيحته" رواه مسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ
الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم: 1955]. 4 -
أن يُضجِع الدابّة لجنبها الأيسر،
ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح يتحريكها، إلا الإِبل، فإن الأفضل أن تُنحر قائمة معقولة ركبتها اليسرى، ودليل ذلك قول الله عزّ وجلّ [فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ]
(الحج: 36).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (قياماً على ثلاث) رواه الحاكم في [المستدرك، أول كتاب الذبائح: 4/ 233].
5 -
استقبال القبلة عند الذبح:
لأن القبلة أشرف الجهات.
وإذا استُقبِلت القبلة بالذبيحة، استقبلها الذابح أيضاً.
العَقيقَة
العَقيقَة
تعريف العقيقة:
العقيقة في اللغة: مشتقة من العَقِّ، وهو القطع، وتطلق في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، سمي بذلك، لأنه يُحلق ويقطع.
والعقيقة شرعاً: ما يذبح للمولود عند حلق شعره، وسميت هذه الذبيحة بهذا الاسم، لأنها تقطع مذابحها وتشق، حين الحلق.
ويستحبّ تسمية العقيقة نسيكة، أو ذبيحة.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي، ـ باب ـ في العقيقة، رقم: 2842] أنه سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة، فقال: " لا يحب الله العقوق" فكأنه كره الاسم، وقال: " من وُلد له ولد، فأحبَّ أن يَنسُك عنه فليَنْسُك".
حكم العقيقة:
العقيقة سُنّة مؤكدة، يطالب وليّ المولود الذي ينفق عليه.
ودليل استحبابها فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها، وفعل الصحابة رضي الله عنهم.
عن سليمان بن عامر الضَّبِّي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: " مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى".
[أي أزيلوا عنه القذارة والنجاسة].
أخرجه البخاري في [العقيقة ـ باب ـ إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، رقم: 5154].
وإنما لم يقل العلماء بوجوب العقيقة، لأنها إراقة دم بغير جناية، ولا نذر، فلم تجب كالأضحية.
ودلّ على عدم وجوبها أيضاً حديث أبي داود السابق" من وُلد له مولود فأحب أن ينسك عنه فلينسك".
وقت العقيقة:
يدخل وقت جواز ذبح العقيقة بانفصال جميع المولود من بطن أمه، فلو ذبحت قبل تمام خروجه، لا تحسب عقيقة، بل تكون لحماً، ليس له حكم سنّة العقيقة.
ويستمر وقت استحبابها إلى البلوغ، ثم بعد البلوغ يسقط الطلب عن نحو الأب، والأحسن عندئذٍ أن يعقَّ عن نفسه تداركاً لما فات.
لكن يسنّ أن يعقّ عن المولود في اليوم السابع من ولادته.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة، رقم: 1522] وغيره عن سمرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الغلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه".
ومعنى مرتهن بعقيقته: أي أن تنشئته تنشئة صالحة، وحفظه حفظاً كاملاً مرهون بالذبح عنه.
وقيل المعنى: لا يشفع بوالديه يوم القيامة إن لم يُعق عنه.
حكمة تشريع العقيقة:
في تشريع العقيقة أسرار بديعة، ومصالح جمّة، وفوائد كثيرة نذكر منها ما يلي:
1 - الاستبشار بنعمة الله عزّ وجلّ، حيث يَسّر الوضع، ورزق الوالدين الولد، والولد محبَّب للوالدين، فينبغي شكر واهبه، والمنعِم به.
قال الله عزّ وجلّ: [وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] (الزمر: 7).
وقال سبحانه وتعالى [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] (إبراهيم: 7).
وقال تبارك وتعالى: [لْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] (الكهف: 46).
وقال عز من قائل: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ] (آل عمران: 14).
2 - التلطف بإشاعة نسب الولد ونشره، إذ لابدّ من نشر ذلك وإشاعته، لئلا يقال فيه ما لا يحب، فكانت العقيقة أحسن وسيلة لذلك.
3 - إنماء مُلْكة السخاء والكرم عند الإنسان، وعصيان داعية الشح الذي أحضرته النفوس.
قال الله تعالى: [وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ] (النساء: 128).
وقال جل جلاله: [وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] (الحشر: 9).
4 - تطيب قلوب الأهل والأقارب والأصدقاء والفقراء، وذلك بجمعهم على الطعام، وبالتقائهم حوله تكون المودّة والمحبة والألفة، والإسلام دين ألفة ومحبّة واجتماع.
ما يذبح عن الغلام والجارية:
تتحقق السنة في العقيقة بأن يذبح الوليّ شاة عن الغلام، وشاة عن الجارية.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة
بشاة، رقم: 1519] عن علي - رضي الله عنه -، قال: (عق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن بشاة).
ولكن الأفضل أن يذبح الوليّ عن الصبي شاتين، وعن البنت شاة.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة، رقم: 1513] وغيره عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أمرهم: عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة).
[الغلام: الذكر.
الجارية: الأنثى.
متكافئتان: متساويتان].
تعدد العقيقة بتعدّد الأولاد:
هذا ولا يكفي في تحصيل سنة العقيقة أن يذبح شاة واحدة عن أكثر من مولود واحد.
بل السنة تعدادها بتعدد الأولاد، فللولد شاة وللولدين شاتان، وللثلاثة ثلاث شياه، وهكذا.
فلو ولد له توأمان كان عليه عقيقتان، ولا يكفي واحدة عنهما.
روي أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ في العقيقة، رقم: 2841] عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً).
وعند الحاكم في المستدرك [كتاب الذبائح ـ باب ـ عقّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن والحسين، 4/ 237] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عَقَّ عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما، كبشين اثنين مثلين متكافئين.
شروط العقيقة:
ويشترط في العقيقة حتى تكون مجزئة، ما يشترط في الأضحية: من
حيث الجنس، والسن، والسلامة من العيوب التي تسبب نقصاً في اللحم، وذلك: لأن العقيقة ذبيحة مندوب إليها، فأشبهت الأضحية.
روى الترمذي وصحّحه في [الأضاحي ـ باب ـ ما لا يجوز في الأضاحي، رقم: 1497] وأبو داود، واللفظ له، في [الضحايا ـ باب ـ ما يكره من الضحايا، رقم: 2802] عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسير التي لا تُنْقَى".
[لا تنقى: لا مخ لها، مأخوذة من النِّقْي، وهو المخي].
ويقاس على هذه العيوب الأربعة كل ما يشبهها في التسبّب في الهزال، وإنقاص اللحم.
انظر الأضحية في الجزء الأول [ص127].
ما تخالف به العقيقة الأُضحية:
إذا قلنا: إنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأُضحية، فليس يعني هذا أنها تشبهها من كل الوجوه، بل هناك أوجه اختلاف بينهما نجملها فيما يلي:
1 - يسن أن تطبخ العقيقة، كسائر الولائم، ويتصدق بها مطبوخة، ولا يتصدق بلحمها نيئاً، وهذا بخلاف الأضحية.
ويستحبّ أن تطبخ العقيقة بحلوى، تفاؤلاً بحلاوة أخلاق المولود.
والأفضل أن يتصدق بلحمها ومرقها على المساكين، بالعبث بهما إليهم، كما يستحب أن يأكل منها ويهدي.
2 - يستحبّ أن لا يكسر منها عظماً، ما أمكن ذلك، بل يقطع كل عظم من مفصله تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود.
3 - يستحب أن يهدي القابِلة رِجْل العقيقة نِيْئة غير مطبوخة، لأن فاطمة
رضي الله عنها فعلت ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. رواه الحاكم.
تسمية المولود يوم سابعه وحلق شعره والتصدّق بوزنه ذهباً أو فضة:
يُسنّ تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته، كما يسنّ أن يُختار له من الأسماء ما كان حسناً.
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنكم تُدْعَوْن يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم".
أخرجه أبو داود في [كتاب الأدب ـ باب ـ في تغيير الأسماء، رقم: 4948].
وروى مسلم في [الأدب ـ باب ـ النهي عن التكنّى بأبي القاسم وبيان ما يستحبّ من الأسماء، رقم: 2132] عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن أحبَّ أسمائكم إلى الله عبدالله وعبد الرحمن".
كما يسنّ حلق رأس المولود، ذَكَراً كان أو أنثى، يوم سابعه بعد ذبح العقيقة، ويتصدق بزِنة شعره ذهباً أو فضة.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة بشاة، رقم: 1519] وغيره عن عليّ - رضي الله عنه -، قال: عقّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحسن بشاة، وقال: " يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة".
قال: فوزنته، فكان وزنه درهماً، أو بعض درهم.
التأذين في أذن المولود:
ويُسنّ أن يُؤذَّن أذان الصلاة في أذن المولود اليمنى، حين يولد، وتُقام الصلاة في أذنه اليسرى، ليكون إعلامه بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا.
روى الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ الأذان في أذن المولود، رقم:
1514] وغيره عن عبيدالله بن أبي رافع عن أبيه قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَذَّن في أُذُن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة).
تحنيك المولود:
ويستحبّ أن يُحَنَّك المولود بتمر، سواء كان ذكراً، أم أنثى.
والتحنيك: أن يُمضغ التمر، ويُدلك به حَنَك المولود، حتى ينزل إلى جوفه شيء منه، فإن لم يكن هناك تمر، حُنِّك بشيء حلو.
ويستدلّ لاستحباب هذا التحنيك بما رواه مسلم في [الأدب ـ باب ـ استحباب تحنيك المولود عند ولادته، رقم: 2144] وغيره عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حين ولد، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عباءة يهنأ بعيراً له، فقال: " هل معك تمر"؟ قلت: نعم.
فناولته تمرات، فألقاهنّ في فيه، فلاكهنّ، ثم فَغَرَ فَاْ الصبي فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظُه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حِبُّ الأنصار التمر".
وسماه عبدالله.
[يهنأ: يطليه بالقطران.
فلاكهن: مضغهن.
فغر فا الصبي: فتح فمه.
مجه: طرحه وألقاه في فمه.
يتلمظه: يحرك لسانه به ليبتلع ما فيه من الحلاوة.
حب الأنصار التمر: محبوب الأنصار التمر].
وروى مسلم أيضاً [في نفس الباب، رقم: 2145] عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: (ولد لي غلام، فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسماه إبراهيم، وحنكه بتمر).
وروى مسلم في [نفس الباب أيضاً، رقم: 2147] عن عائشة رضي الله عنها؛ (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالصبيان، فيبرك عليهم ويحنكهم).
وبناء على ما ذكرنا، قال العلماء: يستحبّ حمل المولود بعد ولادته إلى أهل الصلاح والتقوى، لتحنيكهم، والدعاء لهم بالخير والبركة.
ختان الطفل:
الختان: مصدر ختن: أي قطع.
والختان: اسم لفعل الخاتن، ولموضع الختان.
وختان الذكر: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
حكم الختان:
الختان واجب عند الشافعية على الذكور والإناث.
ثم إن الواجب في حقّ الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
وفي حقّ الإناث قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج.
وقيل: الختان واجب على الذكور، دون النساء.
دليل مشروعية الختان:
ويستدل على وجوب الختان بما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب"أخرجه البخاري في [اللباس ـ باب ـ تقليم الأظفار، رقم: 5552] ومسلم في [الطهارة ـ باب ـ خصال الفطرة، رقم: 257].
[الفطرة: الخلقة المبتدأة، والمراد بها هنا: السنّة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع.
الاستحداد: حلق العانة، وهي الشعر الذي حول فرج الرجل والمرأة.
تقليم الأظفار: قطع رؤوسها المستطيلة عن أصلها].
وقت الختان:
الختان كما قلنا واجب، ولكن لا يشترط أن يكون في حال الصِّغَر، بل يجوز في الصغر، والكبر.
ولكن يسنّ لوليّ الطفل أن يختنه في اليوم السابع من ولادته، إن رأى الخاتن أن الطفل يطيق ذلك، ولم يكن مريضاً.
ولقد كان العرب قبل الإسلام يختتنون إتباعا لسنة أبيهم إبراهيم عليه السلام.
حكمة مشروعية الختان:
والحكمة من مشروعية الختان إنما هي المبالغة في الطهارة، والنظافة، ولا شك أن إزالة القُلْفة أضمن لذلك، وأعون عليه.
وفي نظافة الظاهر إشعار بالحقّ على نظافة الباطن.
قال الله عزّ وجلّ: [إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] (البقرة: 222).
ولا شك أن التوبة إنما هي شعار لنظافة الباطن من الذنوب والعيوب.
التهنئة بالمولود:
ويستحبّ أن يهنئ الرجال الوالد، والنساء الوالدة بالمولود، يقولون له: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشُدَّه، ورُزقت بِرَّه.
ويستحب للوالد أن يجيبهم بقوله: بارك الله لكم، وبارك عليكم، وأجزل ثوابكم.
وكذلك يقال للمرأة الوالدة، وتقول هي لهنّ، ما يقول الرجل للرجال.
والله تعالى أعلم.
الأطعِمَة والأشربَة
الأطعِمَة والأشربَة
- ما يحلّ من الأطعمة وما يحرم -
تنطلق القاعدة الشرعية في معرفة ما يحلّ من الأطعمة، وما يحرم منها من قول الله عزّ وجلّ: [قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الأنعام: 145).
ومن قوله سبحانه وتعالى: [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ] (الأعراف: 157).
ومن قوله جل جلاله: [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ] (المائدة: 4).
والمراد بالطيبات: ما تستطيبه النفس السليمة وتشتهيه.
وانطلاقاً من هذه الآيات قام حكم الأطعمة حلاًّ وحرمة على المبادئ الثلاثة التالية:
المبدأ الأول:
كل حيوان استطابته العرب في حال الخصب والرفاهية، وفي عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو حلال.
ويدخل في هذا الباب:
ا- كل حيوان لا يعيش إلا في البحر، وهو السمك بكل أنواعه، وأسمائه، فهو حلال، لأنه العرب استطابت كل ذلك، وجاء الشرع، مؤكِّداّ حلَّه وجواز أكله.
روى الترمذي في [أبواب الطهارة ـ باب ـ ما جاء في ماء البحر أنه طهور، رقم: 69] وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يقول: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته".
وقال الله عزّ وجلّ في محكم كتابه العزيز: [أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ] (المائدة: 96).
[فصيد البحر: هو مَصِيده.
وطعامه: أي مطعومه].
وفسّر جمهور العلماء طعام البحر بما طفا على وجه الماء من السمك بعد موته، ما لم يفسد.
ب - الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، والخيل، وبقر وحُمُر الوحش، والظباء والأرانب، وغيرها مما استطابه العرب، وقد جاء الشرع بحلِّها.
لكن يستثنى من عموم ما استطابته العرب ما ورد الشرع بتحريمه، فلا يباح أكله: كالبغال والحُمُر الأهلية.
روى البخاري في [كتاب الذبائح والصيد ـ باب ـ لحوم الحمر الإنسية، رقم: 5204] عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحُمُر، ورخص في لحوم الخيل).
وروى الترمذي في [كتاب الأطعمة ـ باب ـ ما جاء في أكل لحوم الخيل، رقم: 1794] عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: (أطعَمَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحُمُر).
والبغال ملحقة بالحمر في الحرمة للنهي عن أكلها في خبر أبي داود بإسناد على شرط مسلم، ولأنها متولِّدة بين حلال، وحرام، فهي متولِّدة بين الخيل، والحمير، فغُلِّب جانب الحرمة على جانب الحلّ.
وكل حيوان استخبثه العرب في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - كالحشرات ونحوها، فهو حرام إلا ما ورد الشرع بإباحته خصوصاً: كاليربوع، والضَّبّ، والسمُّور، والقنفذ، والوبر، وابن عرس، وغيرها.
اليربوع: دابّة نحو الفأرة، لكن ذنبه أطول، وكذلك أُذُناه، ورجلاه أطول من يديه.
الضَّبّ: دابّة تشبه الجرذون، ولكنه أكبر منه قليلاً.
السمُّور: وهو حيوان يشبه السنور، وهو من ثعالب الترك.
الوَبْر: دابة أصغر من الهر كحلاء العين لا ذنب لها.
ابن عرس: دابّة رقيقة تعادي الفأر، وتدخل حجره وتخرجه.
وقد روى البخاري ما جاء في حلِّ الضب في [الصيد والذبائح ـ باب ـ الضبّ، رقم: 5216] عن ابن عمر رضي الله عنهما: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الضبّ لست آكله ولا أُحرمه".
وإنما اعتبر عُرْف العرب في هذا التحليل والتحريم، لأنهم الذين خوطبوا بالشرع أولاً، وفيهم بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونزل القرآن الكريم.
المبدأ الثاني:
يحرّم من السباع كل ما له ناب قويّ يفترس به: كالكلب، والخنزير، والذئب، والدب، والهرّة، وابن آوى ـ وهو حيوان فوق الثعلب ودون
الكلب، طويل المخالب ـ والفيل، والسبع، والنمر، والفهد، والقرد، وأمثالها مما ناب قوي يفترس به.
فإن كان نابه ضعيفاً، لا يبلغ أن يفترس به، لم يحرّم أكله؛ كالضبع والثعلب.
روى الترمذي في [الأطعمة ـ باب ـ ما جاء في أكل الضبع، رقم: 1792] وغيره عن ابن أبي عمّار، قال: قلت لجابر - رضي الله عنه -: (الضَّبُع صيد هي؟ قال: نعم.
قال: قلت: آكله؟ قال: نعم.
قال: قلت له: أقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم).
ويحرّم من الطيور كل ما له مخلب؛ أي ظفر قوي يجرح به: كالنسر، والصقر، والباز، والشاهين، والعقاب.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ أكل كل ذي ناب من السباع، رقم: 5210] ومسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ تحريم أكل كل ذي ناب، رقم: 1932] عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن كل ذي ناب من السباع).
وروى مسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ تحريم أكل كل ذي ناب، رقم: 1934] وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور).
ولأن هذه الحيوانات من السباع، والطيور من شأنها أن تأكل الجيف، بسبب طبيعة الافتراس التي فيها، فتكون بسبب ذلك من الحيوانات المتخبثة.
المبدأ الثالث:
يحرّم كل حيوان ندب قتله: كحية، وعقرب، وغراب، وحدأة، وفأر، وكل ما ثبت ضرره.
فهذه الحيوانات ونحوها يحرم أكلها سواء استطابتها العرب، أم لا، لأنه ثبت ندب قتلها بالسنّة، على أن معظمها مما تعافه العرب.
عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " خمس من الدواب كلهنّ فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
أخرجه البخاري في [الإحصار وجزاء الصيد ـ باب ـ ما يقتل المحرم من الدواب، رقم: 1732] ومسلم في [الحج ـ باب ـ ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب، رقم: 1198].
[فاسق: من الفسق، وهو الخروج، ووصفت هذه الدواب بذلك، لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد، وعدم الانتفاع.
العقور: الجارح الذي يتعرض للناس، ويعضّهم].
حالة الضرورة:
يستثنى من عموم الحكم الذي اقتضته هذه المبادئ الثلاثة حال ضرورة تلبّست بإنسان، فيحلّ له إذا اضطر أن يأكل من الميتة المحرمة، ومن الحيوانات التي ثبتت حُرمة أكلها، يأكل ما يسدُّ رمقه، ويبقى عليه حياته، وذلك عملاً بقول الله عزّ وجلّ: [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: 29).
وقوله سبحانه وتعالى: [فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (المائدة: 3).
[المخمصة: الجوع الشديد.
متجانف لإثم: مائل إليه].
وبقوله جلّ وشأنه: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: 173).
[غير باغ: غير طالب الأكل تشهياً.
ولا عاد: ولا معتد؛ أي متجاوز القدر المسموح به، وهو ما يسدّ الرمق، ويحفظ الحياة].
خاتمة في بعض ما يحلّ وما يحرم:
نذكر، ـ إتماماً للفائدة، وإضافة لما ذكرنا سابقاً ـ بعض ما يحرم أكله، وما يحلّ على سبيل التعداد فقط.
1 - ما يحرم:
ا- تحرّم الحشرات كلها؛ وهي صغار دواب الأرض، وصغار هوامّها: كالنمل والذباب، والخنافس، والحيات، والدود، والبقّ، والقمل، والصُّرصُر، والوزغ: وهو سامُّ أبرصَ، وغيرها.
وذوات الإبر والسموم: كالنحل، والزنبور، والعقرب، وغيرها.
إلا ما استثنى من ذلك: كالجراد، والقنفذ، والضَّبّ، واليربوع.
ويعفى عن دود الخلّ، والفاكهة إذا أكل معهما.
ب- يحرم من الطيور:
الببَّغا: وهو طائر أخضر، له قوة حكاية الأصوات، وقبول التلقين.
والطاووس: وهو طائر: يحبّ الزهو بنفسه، والخيلاء، والإعجاب بريشه.
والرَّخَمَة: وهي طائر يشبه النسر في الخلقة.
والبُغَاثة: طائر أبيض بطئ الطيران أصغر من الحدأة، له مخلب ضعيف.
والخُطَّاف: وهو طائر أسود الظهر، أبيض البطن يأوي إلى البيوت في الربيع.
والخُفَّاش، ويقال له الوطواط: وهو طائر صغير، لا ريش له، يشبه الفأرة، يطير بين المغرب والعشاء.
ج- كل متنجس لا يمكن تطهيره: وهو كل مائع وقعت فيه نجاسة: كخل، وزيت، ودبس، وغيرها.
د- ما يضرّ البدن: كالأحجار، والتراب، والزجاج، والسم، والأفيون وغيرها.
2 - ما يحلّ:
ا- ويحلّ: النعامة، والبط، والإوَز، والدجاج، وغراب الزرع، والقطا، والحجل، والحمام ـ وهو كل ما عَبَّ وهَدَر ـ وما على شكل عصفور، وإن اختلف لونه ونوعه: كعندليب، وزرزور، وبلبل، وغيرها.
[معنى عَبَّ: شرب الماء من غير تنفس، بأن شرب جرعة بعد جرعة من غير مص.
وهدر: رجع الصوت].
ب- كل طاهر لا ضرر فيه، ولا هو مما تعافه الأنفس، وتستقذره: كالزهور، والثمار، والحبوب، والبيض، والجبن، وغيرها.
أما ما تعافه الأنفس، وتستقذره فحرام، كالمخاط، والمِني وغيرهما.
ج- ألبان الحيوانات المأكولة اللحم، أما ألبان غير مأكول اللحم فحرام، إلا لبن الإنسان فطاهر، ويحلّ أكله، وشربه,
والله تعالى أعلم.
الأشربة المحرّمة والمخدرات
الأصل في الأشربة الحلّ:
الأشربة - مثلها مثلُ المأكولات والأطعمة - الأصل فيها الإِباحة والحلّ: لعموم قول الله عزّ وجلّ: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة: 29).
فكل ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، وكلما عُصر من ثمر، أو زهر، أو غير ذلك فهو حلال.
قال الله تبارك وتعالى: [وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً] (الفرقان: 48 - 49).
لكن يستثنى من عموم ما ذكر، ما دلَّ الدليل على حرمته.
ما يحرم من الأشربة:
وإنما يحرم من الأشربة: 1 -
ما كان منها ضاراً،
كالسم، وغيره، لأن ذلك يفسد الجسم، ويُتلفه.
والله عزّ وجلّ يقول: [وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] (البقرة: 195).
ويقول سبحانه وتعالى: [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: 29).
2 -
ما كان نجساً
كالدم المسفوح، والبول، أو لبن ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات، غير الإنسان، أو كان متنجساً كالمائع إذا وقعت فيه نجاسة، لما في ذلك من الضرر على الجسم، ولأنه مما تعافه الأنفس وتستقذره.
قال الله عزّ وجلّ في ذكر المحرمات: [أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً] (الأنعام: 145).
وروى البخاري في [الوضوء ـ باب ـ ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، رقم: 216] ومسلم في [الطهارة ـ باب ـ وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، رقم: 484] عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أعرابياً يبول في المسجد، فقال: " دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبّه عليه".
وفي رواية مسلم: (أمر رسول الله بذَنوب فصب على بوله).
والأمر بصبّ الماء على بوله دليل نجاسته.
والذنوب: الدلو المملوءة ماء.
3 -
ما كان مُسكِراً،
سواء كان خمراً، وهو المتخذ من العنب، أو كان غير خمر، وهو المتخذ مما سوى ذلك.
وذلك لما ورد من نصوص ثابتة في تحريم كل مُسكِر.
دليل تحريم المُسكِر:
والأصل في تحريم المُسكِرات قول الله عزّ وجلّ: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: 90).
فالتعبير بالاجتناب أبلغ في النهي والتحريم من التعبير بتحريم
الشرب، لأن تحريم الشرب، لا يتناول النهي عن التعامل به تحضيراً وشراءً وبيعاً.
أما الأمر بالاجتناب، فهو تحذير من جميع وجوه التعامل به، بما في ذلك الشرب وغيره.
كل مُسكِر حرام:
والآية وإن كانت نصاً على الخمرة وحدها، وهي ما كانت متخذة من العنب، إلا أن سائر المُسكِرات الأخرى، داخلة في مضمون النص، وذلك لما يلي:
1 - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كلّ شراب أسكر فهو حرام".
رواه البخاري في [الأشربة ـ باب ـ الخمر من العسل، وهو البتع، رقم: 5263] ومسلم في [الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر، رقم: 2001].
2 - ولقوله عليه الصلاة والسلام، شارحاً المعنى المراد بكلمة (الخمر) في الآية: "كل مُسكِر خمر، وكل خمر حرام".
رواه مسلم في [الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر].
فاختلاف الأسماء لا يُخرِج المُسكِرات عن حكم الخمر، وهو التحريم.
3 - لأن المعنى المسبِّب لتحريم الخمر، إنما هو وصف بالإسكار فيها، بإجماع المسلمين.
فوجب أن يشترك معها في التحريم كل الأشربة المُسكِرة، أيّاً كان أصلها دون أيّ تفريق.
روى أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ في الداذي، رقم: 3688] وابن ماجه في
[الفتن ـ باب ـ العقوبات رقم: 4020] عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ليشربَنَّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".
[الداذي: حبّ يلقى في العصير فيشتدّ ويُسرع إسكاره].
تحديد معنى السكر:
المراد بالسُكْر: شدّة مُطْربة، تستر فاعليّة العقل، بنشوة تبعث على عدم الانضباط بمقتضيات الرشد واللياقة.
والمراد المُسكِر: ما ثبت أن جنسه يسبّب الإسكار، بقطع النظر عن الكمية المشروطة لذلك.
فكل ما ثبت أن شرب كمية منه يورث السُكْر، فلا يجوز تناول شيء منه مطلقاً، أي سواء كان القدر المتناوَل منه داخلاً في حدود الكمية المُسكِرة فعلاً، أو أقل منها.
ولا عبرة أيضاً بالشارب، سواء سكر بذلك، أم لا.
ويعبّر الفقهاء عن هذا المعنى، بالقاعدة المشهورة: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)؛ وهي نص حديث، رواه أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: 3681] والترمذي في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم: 1866] وابن ماجه في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم: 3393] عن جابر - رضي الله عنه -.
وروى الترمذي في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره، فقليله حرام، رقم: 1867] وأبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: 3687] عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كلّ مُسكِر حرام، ما أسكَر الفَرَق منه، فَمَلْءُ الكفّ منه حرام".
[والفرق: مكيال كان معروفاً لديهم يسع ستة عشر رِطْلاً].
نجاسة المُسكِر:
الخمر، وكل مائع مُسكِر، نجس في مذهب الشافعية.
ودليل ذلك قول الله عزّ وجلّ: [إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ]
(المائدة: 90).
[والرجس في اللغة: القذر والنجس].
الحكمة من تحريم المسكرات:
أنعم الله عزّ وجلّ على الإنسان بنعم كثيرة، في مقدمتها: نعمة العقل التي ميّزه، بل شرّفه بها على سائر الحيوانات الأخرى، وإنما تستقيم حياة الإنسان في معناها الشخصي، وصورتها الاجتماعية بواسطة العقل، وتكامله وسلطانه.
والمُسكِرات ـ كما قد علمت ـ من شأنها أن تُؤدي بهذه النعمة، وتُفقِد الإنسان الكثير من فوائدها وثمراتها.
فإذا غابت ضوابط العقل، ظهرت من ورائه رعونة النفس، وساد طيش الشهوات والأهواء، فثارت الشحناء والبغضاء، وانتشرت أسباب العداوة بين المسلمين، وتقطعت روابط الأخوة والمحبة بينهم.
أضف إلى ذلك ما في الخمر من صدٍّ عن ذكر الله تعالى، وابتعاد عن أبواب رحمته، ومواطن فضله وإحسانه.
وإلى هذا وذاك يشير قول الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ] (المائدة: 91).
وهذا ما أكده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: " اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر".
أخرجه الحاكم في المستدرك [كتاب الأشربة ـ باب ـ اجتنبوا الخمر، 4/ 145].
وروى النسائي في [الأشربة ـ باب ـ ذكر الآثام المتولدة عن شرب الخمر، 8/ 315] عن عثمان - رضي الله عنه - موقوفاً: " اجتنبوا الخمر، فإنها أمّ الخبائث".
أي أصل كل شر، ومنبع كل فساد.
فتلك هي بعض الحكم من تحريم وسائر أنواع المُسكِرات.
ما يترتب على شرب المُسكِر:
بعدما تبيّن لك المعنى المقصود بالمُسكِر، وعرفت حكم المُسكِرات على اختلافها، ودليل ذلك، والحكمة منه، فما هي الأحكام التي تترتب على شرب المسكر؟
يترتب على شرب المُسكِر حكمان اثنان:
أحدهما: قضائي، يتحقق أثره في دار الدنيا.
والثاني: دياني، لا يظهر أثره إلا يوم القيامة.
فأما الأول: وهو حكم شرب المُسكِر قضاء: فهو استحقاق الشارب للحدّ.
وأما الثاني: وهو حكمه ديانة: فهو الإثم الذي يستوجبه على ذلك.
ولا نطيل في الحديث عن هذا الحكم الثاني، وهو الإثم، فإنه عائد إلى ما بين العبد وربّه جلّ جلاله، ولا يعود الأمر في ذلك إلى شيء من أقضية الدنيا وأحكامها، وإنما هو مرهون بقضاء أمر الله وحكمه.
غير أنه من المتّفق عليه أن شرب المُسكِر عمداً من كبائر الإِثم، وعقوبته يوم القيامة عقوبة شديدة، ما لم يتدارك الله عبده بالمغفرة والصفح.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن على الله عزّ وجلّ عهداً لمن شرب المُسكِر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار" رواه مسلم عن جابر - رضي الله عنه - في [كتاب الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر وأن كل خمر حرام، رقم: 2002].
حدّ شرب المُسكِر:
حدّ شرب المُسكِر، خمراً كان أو غيره، أربعون جلدة، بالشروط التي سنذكرها.
ويجوز أن يزيد الإمام إذا رأى ذلك، إلى أن يبلغ به ثمانين جلدة، ويكون ما زاد على الأربعين تعزيراً.
ودليل ذلك ما رواه مسلم في [الحدود ـ باب ـ حدّ الخمر، رقم: 1706] عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -) كان يضرب في الخمر بالجريدة والنعال أربعين).
[والجريد: أغضان النخيل إذا جُرِّدت من الورق].
وروى مسلم أيضاً في [نفس الموضع الذي سبق] عن أنس - رضي الله عنه -: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين، ثم جلد أبو بكر - رضي الله عنه - أربعين، فلما كان عمر - رضي الله عنه -، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما تَرَوْن في جلد الخمر؟ فقال عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: أرى أن تجعلها كأخفّ الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين.
ودل على أن الزيادة على الأربعين تعزيز، وليس بحدّ: ما رواه مسلم في
[الأشربة ـ باب ـ حدّ الخمر، رقم: 1707] أن عثمان - رضي الله عنه -: (أمر بجلد الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فجلده عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما، وعلي - رضي الله عنه - يعدُّ، حتى إذا بلغ أربعين، فقال أمسك، ثم قال: جلد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة، وهذا أحبُّ إلي) أي الاكتفاء بالأربعين، لأنه الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحوط في باب العقوبة، من أن يزيد فيها عن القدر المستحق، فيكون ظلماً.
قال الفقهاء: فأما الأربعون الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي الحدُّ الأساسي، وأما خبر أن عمر - رضي الله عنه - جلد ثمانين، فوجهه كما قال علي لعمر رضي الله عنهما: (نرى أن تجلد ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى).
رواه مالك في [الموطأ، كتاب الأشربة ـ باب ـ الحدّ في الخمر].
[وحدّ افتراء ثمانون، ومثل هذا الحكم إنما يتم تعزيراً.
هذي: تكلم بما لا ينبغي.
افترى: كذب واتهم غيره بالزنى].
لذلك كان المذهب على أن الأفضل الاقتصار على الأربعين، إذ هو الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولا يقام الحدّ على مَن شرب الخمر حال سكره، لأنه لا يحصل به عندئذ المزجر، وإنما ينتظر ليستفيق من سكره، فيحدُّ، ليحصل به الانزجار عن تعاطي المُسكِر مرة أخرى.
شروط ثبوت حدّ شرب المُسكِر:
لا يثبت الحدّ على المتهم بشرب المُسكِر إلا بأحد أمرين اثنين:
الأول: البينة الكاملة:
وهي شهادة رجلين عدلين، فلا يثبت الحد بشهادة رجل وامرأتين، ولا بعلم الحاكم.
بل لابد من شهادة رجلين اثنين عدلين.
ودليل ذلك ما جاء في حديث مسلم في جلد عثمان - رضي الله عنه - للوليد بن عقبة: (فشهد عليه رجلان) [الأشربة ـ باب ـ حد الخمر، رقم: 1707].
الثاني: الإقرار:
وذلك بأن يعترف أنه شرب مُسكِراً أو خمراً.
والإقرار حجة تقوم مقام البينة.
هذا، ويكفي الإطلاق في كل من الإقرار والشهادة، أي فيكفي في إقراره أن يقول: شربت مسكراً.
ويكفي في الشهادة، أن يقول الشاهدان: إنه شرب مسكراً.
فلا يشترط أن يقول هو: شربته عالماً مختاراً، أو يقول الشاهدان شربه عالماً مختاراً.
إذ الأصل أنه لم يشربه إلا وهو عالم بكونه مسكراً، ومختاراً، فإن تبين أنه أُكره على شربه بتهديد أو جرت الخمر في حلقه، وتبين أنه لم يعلم أنها خمر، لم يجز حده.
ودليل ذلك عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" رواه ابن ماجه في [الطلاق ـ باب ـ طلاق المُكره، والناسي، رقم: 2045] عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولا يدخل في حكم شيء من البيّنات، أو الإقرار: القيء، ولا الإستكناه؛ وهو شم رائحة المسكر من الفم، لاحتمال عذر، من نحو غلط، أو إكراه.
وإذا وقع الاحتمال، لم يجز الحد.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".
أخرجه أبو داود في [الحدود ـ باب ـ ما جاء في درء الحدود، رقم: 1424].
من يتولى تنفيذ الحدّ:
حد الشرب ـ كغيره من الحدود ـ إنما يتولى تنفيذه الحاكم.
فلو لم يعلم الحاكم بالأمر، أو لم يثبت عنده موجب الحد، لم يجُزْ لغيره من عامّة الناس أن يتولى عنه إقامة الحدّ، درءاً للفتنة.
ولا يكلف شارب الخمر، أو مستحق الحدّ، أياً كان أن يعرض نفسه للحدّ أمام القضاء.
بل يكفيه أن يتوب توبة صادقة بينه وبين ربه سبحانه وتعالى.
روى البخاري في [المحاربين ـ باب ـ إذا أقرّ بالحدّ ولم يبين، رقم: 6437] ومسلم في [التوبة ـ باب ـ قوله إن الحسنات يذهبن السيئات،
رقم: 2764] عن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً، فأقمه عليّ، قال: ولم يسأل عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله، قال: قال: " أليس قد صلّيت معنا"؟ قال: نعم، قال: " فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدَّك".
وفي حديث مشابه عند مسلم، [رقم: 2763] قال عمر - رضي الله عنه - للرجل: (لقد سترك الله لو سترت نفسك)، قال ذلك على مسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينكره عليه.
فدل على أن هذا هو المطلوب في شرع الله عزّ وجلّ، أن يستر الإنسان على نفسه، ويتوب بينه وبين ربه تبارك وتعالى.
المخدرات المختلفة
معنى التخدير:
الخَدَرُ: مأخوذ من الخِدْر، وهو السِّتر من بيت ونحوه.
والمراد بالتخدير هنا: الحالة التي تغشي العقل والفكر من الكسل والثقل والفتور، فكأنه يستتر بشيء.
والمخدرات: كل ما يسبب هذه الحالة للعقل: من بنج، وأفيون وحشيشة، ونحوها.
حكم المخدرات:
يحرّم تعاطي المخدرات على اختلافها، كيفما كان تعاطيها، لما فيها من الإضرار بالعقل والجسم، ولما تستلزم من الأمراض والنتائج الضارّة المختلفة، التي لم تعد خافية على أحد، فهي داخلة ـ من حيث التحريم ـ في حكم المُسكِرات التي مرّ ذكرها.
روى أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: 3686 عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل مُسكِر، ومفتر) وأخرجه أحمد في المسند [6/ 309].
عقوبة تناول المخدرات:
إن عقوبة المخدرات الدنيوية لا تتجاوز التعزير.
وعقوبة التعزير مفوَّضة من حيث نوعها وشدتها، إلى ما يراه القضاء
الإسلامي العادل؛ من سجن أو ضرب، أو تقريع أو نحو ذلك، بشرط أن لا يبلغ به الضرب أدنى حدّ من الحدود الشرعية.
حالات استثنائية:
هناك حالات استثنائية تخرج من عموم حكم الخمر والمخدر، نذكرها فيما يلي:
الحالة الأولى: حالة الضرورة:
غصّ بلقمة طعام، وليس حوله ما يسيغها به إلا جرعة خمر، أو نحوها من المسكرات، جاز له أن يسيغ لقمته تلك، بجرعة الخمر، اتقاء الهلاك.
قال الله عزّ وجلّ: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الأنعام: 145).
الحالة الثانية: التداوي:
وصف الطبيب دواء للمريض، وكان ممزوجاً بمُسكِر مزجاً استهلك صفات المسكر، وخصائصه، وليس في الظاهر دواء آخر يقوم مقامه، جاز للمريض تناوله للضرورة، والحاجة لذلك.
أما المُسكِر الذي لم يستهلك في غيره من الأدوية، فلا يجوز تناوله للاستشفاء، وإن أشار به الطبيب، أو أمر بذلك.
وقد ثبت أن المُسكِر الصافي لا يمكن أن يكون الدواءَ الذي لا يقوم مقامه غيره لمرض ما.
بل إن الأضرار الكامنة فيه تزيد على ما قد يُظن فيه من فائدة وخير.
روى ابن ماجه في [الطب ـ باب ـ النهي أن يتداوى بالخمر، رقم: 3500] عن طارق بن سويد الحضرمي - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله، إن بأرضنا أعناباً نعتصرها، فنشرب منها؟ قال: " لا " فراجعته،
قلت إنا نستشفي به للمريض؟ قال: " إن ذلك ليس بشفاء، ولكنه داء".
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: [4/ 311، 5/ 293].
وروى البخاري تعليقاً عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم).
[الأشربة ـ باب ـ شراب الحلوى والعسل].
الحالة الثالثة: العمليات الجراحية:
اضطر الطبيب إلى الاستعانة بمخدر من أجل إجراء عملية جراحية، ونحوها للمريض، بمعنى أن المريض لا يكاد يتحمّل ألم الجراحة بدون مخدر: (والآلام الشديدة تنزل منزلة الضرورة) فلا مانع في مثل هذه الحالة من الاستعانة بالمخدر سواء كان على كيفية حقنة، أو شرب، أو ابتلاع.
والله تعالى أعلم.
اللِّبَاسُ والزّينَة
اللِّبَاسُ والزّينَة
الأصل في أحكام اللباس والزينة الحلّ:
إن الأصل في أحكام اللباس والزينة، سواء كان في البدن، أو في الثياب، أو المكان، إنما هو الحلّ والإباحة.
وذلك عملاً بعموم الأدلة التي تحمل منَّة الله تعالى على عباده، فيما خلق لهم، وأنعم به عليهم، لينتفعوا به في حياتهم الدنيا، لباساً، وتزيناً واستعمالاً، وتنعماً.
قال الله تبارك وتعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة: 29).
وقال عزّ وجلّ: [وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: 34).
وقال الله سبحانه وتعالى: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: 32).
وقال عزّ من قائل: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] (الأعراف: 26).
[يواري سوآتكم: يستر عوراتكم.
وريشاً: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس ويفرش].
وقال جل جلاله، ممتناً على عباده بما خلق لهم: [وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] (النحل: 80 - 81).
[سكناً: بيوتاً تسكنون إليها.
يوم ظعنكم: يوم سيركم في أسفاركم.
أثاثاً: الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية.
أكناناً: جمع كِنّ: وهو ما يستكنّ فيه من شدة الحر والبرد: كالكهوف والأسراب.
سرابيل: جمع سربال، وهي القُمُص والثياب.
وسرابيل تقيكم بأسكم: هي الدروع تردّ عنكم سلاح عدوكم وتقيكم الجراح].
من هذه الأدلة وغيرها نعلم أن الأصل في كل ما كان من قبيل اللباس والزينة إنما هو الحلّ والإباحة، إلا ما استثنى من ذلك بنصوص خاصة.
ما استثنى من عموم الحل:
لقد استثنى من هذا العموم ما قامت الأدلة على تحريمه، ومنعت من استعماله.
وسنقتصر على بعض ما استثنى من عموم الحل، وأَخَذ حكماً آخر وهو الحرمة، والمنع.