المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
يجب أن يخرج القدر الواجب من كل نوع من الصنف الوسط منه، ولا يجزئ أن نخرج الأقل قيمة، والمعيب، وما كسد سوقه، ونحو ذلك.
خامساً: نصاب المعدن والركاز وما يجب فيهما:
قد علمت معنى كل من المعدن والركاز، فلا نعيده الآن، وإنما المهم هنا أن تعلم النصاب الذي تتعلق به الزكاة من كل منهما، والنسبة التي يجب إخراجها.
فأما المعدن:
فنصابه نصب الذهب والفضة نفسه، إلا أنه لا يشترط لوجوب الزكاة فيه حولان الحول، بل تجب الزكاة فور استخراجه.
فإذا استخرج الرجل ذهباً أو فضة من معدنه، وبلغ ما أخرجه من ذلك نصاباً، وجب عليه أن يخرج زكاته فوراً، بنسبة ربع العشر، أي اثنين ونصف في المائة من المجموع.
وأما الركاز:
فنصابه أيضاً نصاب النقدين، ولا يشترط لتعلق الزكاة به مرور حول بل يجب إخراج زكاته فوراً، إلا أن المقدار الذي يجب إخراجه هنا إنما هو الخمس، أي عشرون في المائة من مجموع ما قد استخرجه.
دليل ذلك:
ما رواه البخاري (1428) ومسلم (1710) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وفي الركاز الخمس "
وافترق عن الأنواع الزكوية الأخرى، لأن سبيل امتلاكه يكون
بغير مؤونة أو كلفة ذات أهمية، فكان حق الفقراء فيه أكثر.
ولم يشترط الحول في المعدن والركاز: لأن كلا منهما مستخرج من الأرض، فهو بمنزلة الزرع، فتؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزروع فور الحصول عليها، وبعد تنقيتها وتصفيتها من الشوائب الدخيلة عليها.
زكاة الخليطين
المقصود بالخليطين:
يقصد بالخليطين في باب الزكاة: مالان زكويان لشخصين، خلطا ببعضهما، يقصد الشركة أو نحوها.
أقسام الخليطين:
يقسم هذا المال إلى قسمين
الأول:
يسمى خلطة عيان، أو خلطة شيوع: ويقصد به أن يكون بين شخصين من أهل الزكاة نصاب زكوي أو فوقه، ملكاه حولاً كاملاً بشراء أو إرث أو غيرهما، وكان من جنس واحد.
ويلاحظ أن المالين في هذا القسم ممتزجان امتزاج شيوع.
أي أن ما يملكه كل واحد غير متميز عما يملكه الآخر، وإنما لكل مهما جزء غير متعين من المملوك بنسبة ما يملك.
وذلك: كما لو ورث أخوان من أبيها أربعين رأسا من الغنم، أو اشترى اثنان معاً ذلك الغنم، فإن كلا منهما يملك من كل رأس نصفه.
وكذلك لو كان الموروث أو المشترى سلعاً أو أرضاً، فكل واحد يملك النصف من كل جزء منها دون تعيين.
الثاني:
يسمى خلطة مجاورة أو خلطة أوصاف: ويقصد به أن يكون بين شخصين مثلاً من أهل الزكاة نصاب غير مشترك من المال، بل بينهما مجاورة مجردة.
فيلاحظ أن المالين في هذا القسم غير ممتزجين، بل هما منفصلان متميزان.
كيف تؤدى زكاة الخليطين:
يعتبر الخليطان ـ من أي القسمين كانا ـ مالاً واحداً لرجل واحد، في تعلق الزكاة بهما.
أي: فإذا بلغ مجموع الخليطين نصاباً، وحال عليه الحول، وهو كذلك، وجبت الزكاة فيهما، وإن كانت حصة كل من المالكين منفردة لا تبلغ نصاباً.
دليله: حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه، وقد مرت بك فقرات منه، وفيه: " لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة ".
ومعناه: إذا كان نصيب كل مالك مفترقاً أو متميزاً عن غيره، فلا يجمع معه ليصبح المجموع نصاباً، فتجنب فيه الزكاة، وإذا كان مختلطاً به، فلا يميز عنه حتى لا تجب فيه الزكاة، لأنه يصبح أقل من النصاب.
وهذا الحكم كما ترى من شأنه في بعض الأحيان: أن يوجب في المالين زكاة لم تكن واجبة فيهما لولا الاختلاط، كما أن من شأنه أيضا في أحيان أخرى أن يقلل نسبة الزكاة فيهما، وقد كانت أكثر فيهما لولا الاختلاط.
مثال الأول:
أن يملك شخصان مدة حول كامل أربعين رأساً من الغنم فإن الزكاة تتعلق بها، مع العلم بأن كلاً منهما لو انفرد بنصيبه منها لما وجب على أحدهما فيها زكاة، لنقصان نصيب كل منهما عن النصاب.
ومثال الثاني:
أن يملكا ثمانين رأساً من الغنم، لكل منهما أربعون فلا يجب فيها بعد مرور الحول إلا شاة واحدة حال الاختلاط، مع العلم بأن كلا منهما لو انفرد بنصيبه استقلالاً لوجب فيهما شاتان، في كل أربعين شاة.
شروط اعتبار الخليطين مالاً واحداً:
لاعتبار الزكاة في الخليطين، كما لو كانا مالاً واحداً لرجل واحد، طائفتان من الشروط.
أما الطائفة الأولى:
فهي شروط للخليطين من أي القسمين كانا، أي سواء كانت الخلطة على سبيل الشيوع، أو كانت خلطة مجاورة، وهي:
1ـ أن يكون المالان من جنس واحد، فلو كان أحد المالين غنماً والآخر بقراً بقي كل منهما مستقلاً، مهما كانت الخلطة والشركة.
2ـ كون مجموع المالين نصاباً فأكثر، فلو كان المجموع خمسة وثلاثين رأساً من الغنم لم تجب فيها الزكاة، وإن كان كل منهما ـ أو أحدهما ـ يملك عدد آخر من الأغنام لو ضُمَّت إلى الخليط لبلغ نصاباً.
3ـ دوام الخلطة سنة إن كان المال مما يجب فيه الحول،
فلو ملك كل منهما أربعين شاة في أول شهر محرم، وخلطاهما في أول صفر فإن الواجب إذا استدار العام وعاد شهر محرم أن يخرج كل منهما شاة، أي فلا عبرة بالخلطة.
أما إذا لم يكن المال حوليا، كالزروع والثمار، فإنما يشترط بقاء الخلطة فيها إلى ظهور الثمر واشتداد الحب.
وأما الطائفة الثانية فهي شروط خاصة بخلطة الجوار وهي:
- أن لا يتميز ـ بالنسبة للأنعام ـ مراحها ومسرحها ومرعاها وموضع حلبها.
فلو كان كل من المالكين يذهب بشياهه إلى مرعى مختلف عن الآخر، أو يعود بها إلى مراح، وهو محل المبيت ـ مختلف، وكذلك المسرح ـ وهو المكان الذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى ـ أو كان منهما يمضي بشياهه إلى مكان مستقل للحلب، لم يكن لهذا الاختلاط أي أثر فيما ذكرنا. - أن يكون الراعي لها واحداً، والفحل الذي يطرقها واحداً، فلو كان لكل منهما راعٍ، أو فحل خاص، لم يعتبر المال مختلطاً.
- يشترط إذا كان المال الزكوي زرعاً: أن لا يتميز الحارس، والجرين: أي المكان الذي يجفف فيه الثمر.
ويشترط إذا كان عروض تجارة: أن لا يتميز الدكان ومحل التخزين، وأداة البيع من ميزان ونحوه.
فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة اعتبر الخليطان مالاً واحداً كأنهما لمالك واحد، ولا يضر أنهما ليسا ممتزجين امتزاج شيوع، بل تكفي ـ إذا وجدت هذه الشروط ـ المجاورة.
أما إذا لم تتوفر،
أو لم يوجد واحد منها، فإن كل مالك ينظر في ماله ويحسبه مستقلاً عن الآخر، ويخرج زكاته على هذا الأساس.
ما يلزم كل مالك من زكاة الخليطين:
إذا أخذت الزكاة من الخليط ـ على أنه مال واحد ـ كان على كل واحد من الشركاء بنسبة ما يملك من الخليط، فإن أخذ من عين ماله أكثر مما يلزمه استرد الزيادة من شركائه، وإن أخذ منه أقل مما يلزمه رد الفرق على شركائه.
فلو كان الخليط مائه شاة لزمت فيه شاه، فإن كان الخليط لثلاثة: وأحد الشركاء يملك خمسين شاة لزمه نصف شاة، والثاني يملك خمساً وعشرين لزمه ربع شاة، وكذلك الثالث.
دليل ما سبق: ما جاء في حديث أنس - رضي الله عنه -: " ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ".
كيفية أداء الزكاة
عدم التأخير عن وقت الاستحقاق:
إذا كان المال نصاباً فما فوقه، وحال الحول عليه، فقد وجبت فيه الزكاة وثبتت لمستحقيها، ووجب على المالك إخراج القدر الواجب على الفور، إذا توفر شرطان اثنان:
الشرط الأول: أن يتمكن من إخراجها: وذلك بأن يكون المال حاضراً عنده.
فإن كان غائباً عن المكان الذي هو فيه، بأن كان في بلدة أخرى، أو كان ديناً في ذمة بعض الناس، لم يكلف بإخراج الزكاة عنه فوراً.
نعم إن توفر تحت يده المبلغ الذي يجب إخراجه عن المال المشغول بالدين، وجب إخراجه فوراً.
الشرط الثاني: حضور الأصناف المستحقين لها، أو حضور، الإمام أو وكيله الساعي على جمعها، فإن لم يحضر من يستحقها من الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن، أو من ينوب عنهم، فله تأخيرها، بل لا بد من تأخيرها حتى يحضر المستحقون.
ما الذي يترتب على التأخير:
إذا توفر هذان الشرطان، وأخَّر المالك مع ذلك إخراج الزكاة، يترتب على ذلك أمران اثنان:
الأول: الإثم، إذ هو في حكم من يحبس مال الفقراء عنده دون موجب، وهو حرام.
ويستثنى من ذلك ما إذا اخر لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج من الحاضرين، شريطة أن لا يتضرر الحاضرون بهذا التأخير ضرراَ بليغاً، ويزداد جوعهم وعوزهم، فيأثم عند ذلك مطلقاً.
الثاني: الضمان، أي ينتقل حق الفقراء والمستحقين من التعلق بعين المال إلى التعلق بذمة المالك، فتصبح ذمته مشغولة بحقهم حتى وإن تلف جميع ماله، ذلك لأنه قصر بسبب التأخير الذي لم يكن له فيه عذر، فيتحمل مسؤولية تقصيره، حفظاً لمصلحة المستحقين، حتى ولو كان تأخيره لانتظار من ذكر آنفاً.
تأخير الوكيل صرف الزكاة للمستحقين:
مما مر يتبين لنا: أنه إذا وكل المالك غيره بصرف زكاة ماله، ودفع له المقدار الواجب، ووجد المستحقون لهذه الزكاة، فليس له تأخير دفعها إليهم، وإن أخر أثم وكان ضامناً.
وهنا نلفت أنظار المشرفين على الجمعيات الخيرية إلى هذا الأمر ونبين لهم أن إبقاء مبلغ الزكاة - التي تدفع إليهم من المالكين - كرصيد مدور لحساب الجمعية أو في صندوقها، وكذلك إبقاء مبالغ لتدفع للمستحقين خلال العام كأقساط شهرية، أمر غير مشروع، ومخالف لما ثبت في شرع الله تعالى، من وجوب أداء الحق لصاحبه فور استحقاقه، ومباين لحكمة تشريع الزكاة التي تهدف إلى إغناء الفقير ومن على شاكلته، بإعطائه مبلغاً من المال قد يساعده على تهيئة عمل شريف يكون مورد رزق دائم له، وبذلك يمحى اسمه من لائحة الفقراء والمعوزين، ليوضع في قائمة المنفقين والمحسنين المتصدقين.
ونحن غير مسؤولين عن تصرف
المكلف صاحب الاستحقاق، طالما أنه بالغ عاقل راشد من حيث الظاهر.
وعليه فإننا نهيب بالمشرفين المخلصين على الجمعيات أن لا يقعوا في هذه المخالفة، كي يسلم لهم الأجر عند الله عز وجل، ولا تحبط أعمالهم، أو تذهب جهودهم المبذولة في خدمة ذوي الحاجة سدى.
تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها:
أما إذا أراد المالك أن يستعجل بإخراج زكاته، قبل حلول وقتها، فينظر.
إن أخرجها قبل أن يمتلك نصاباً لم تجزئ، ولم يقع المال المدفوع زكاة، أي فإذا تكامل ماله بعد ذلك نصاباً، وحال عليه الحول، وجب أن يخرج الزكاة عنه، ولم يسد المال الذي كان قد عجل بإخراجه أي مسد عنه.
ذلك لأن سبب وجوب الزكاة- وهو النصاب- مفقود من أصله، فقسناه على التعجيل بأداء الثمن قبل شراء السلعة، فإنها لا تعتبر ثمناً، ولا تغني عن وجوب دفع الثمن بعد عقد الشراء.
أما إن أخرجها بعد أن امتلك النصاب وقبل أن يحول الحول، فهو مجزئ ويقع المال المدفوع زكاة عن ماله الزكوي، أي فلا يجب عليه أن يخرج زكاة ماله هذا بعد تكامل الحول عليه.
ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (1624) والترمذي (678) وابن ماجه (1795): أن العباس - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك.
شروط صحة التعجيل:
إذا عجل زكاة ماله سقط عنه الواجب عند حولان الحول إذا وجدت الشروط التالية:
الشرط الأول: بقاء المالك أهلا لوجوب الزكاة عليه إلى آخر الحول، فلو سقطت عنه هذه الأهلية ـ بأن مات مثلاُ قبل مرور الحول ـ لم يعتبر المال المعجل زكاة.
وفي هذه الحالة لورثته أن يستردوا ما دفع إن كان بين للقابض أنها زكاة معجلة.
الشرط الثاني: أن يبقى ماله كما هو إلى مرور الحول، فلو تلف ماله أو باعه في غير تجارة، لم يعتبر المعجل زكاة وكان له أن يسترد ما عجله إن بين للقابض أنه زكاة معجلة.
الشرط الثالث: أن يكون القابض للمال المعجل مستحقاً في آخر الحول ـ وإن مرت عليه ظروف خلال الحول جعلته غير مستحق، بسبب طروء غنى بغير ما دفع إليه من زكاة، أو ارتداد أو نحو ذلك ـ إذ العبرة إنما هي بآخر الحول، حيث تجب المبادرة بالإخراج.
وعلى هذا: لو أن القابض للزكاة المعجلة خرج عن الاستحقاق في آخر العام، لم يعتبر المدفوع له زكاة، وعلى المالك أن يدفع الزكاة ثانية.
وينظر: فإن كان قال له عند الدفع: هذه زكاتي، كان له أن يسترد منه ما أعطاه.
وإن لم يقل له ذلك فليس له الرجوع عليه بشيء.
دفع الزكاة عن طريق الإمام:
تنقسم الأموال الزكوية ـ بالنظر إلى المسألة ـ إلى قسمين أموال باطنة، وأموال ظاهرة.
أما الأموال الباطنة: فهي النقدان، وعُروض التجارة، والركاز:
وللمالك أن يخرج زكاة هذه الأموال ويعطيها للمستحقين إذا شاء بنفسه، دون وساطة الإمام، وله أن لا يعطيها له وإن طلبها، بل لا يجوز للإمام أن يطلبها منه، لأنها أموال باطنة هو أدرى بها وبكميتها.
وأما الأموال الظاهرة: فهي الأنعام والزروع والثمار والمعادن، فإن طلب الإمام زكاة هذه الأمور وجب على المالك تسليمها إليه، لظاهر قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة: 103
وإن لم يطلبها الإمام كان المالك بالخيار: بين أن يتولى دفعها للمستحقين بنفسه، وأن يسلمها للإمام.
ولكن الأفضل إعطاؤها له، لأنه ـ أي الإمام ـ اعرف بالمستحقين وأقدر على استيعابهم، ولأن توزيعها عن طريق الإمام أضمن لعدم إيذاء المستحقين بالتمنن أو الاستعلاء، إذ علاقة الحاكم بها كعلاقة الأب بأولاده، فلا مجال لشيوع معنى التمنن أو الاستعلاء بينهما، ولأن ذلك خير سبيل لإٍغناء المستحقين بالزكاة، مما يجعلهم يعتمدون على أنفسهم بشق سبل الكدح والارتزاق لأنفسهم.
هذا إذا كان الإمام عادلاً في قسمة الأموال وصرفها إلى المستحقين، فإن كان جائزا، بل غلب على الظن أنه لا يسلمها إلى المستحقين، فإن الأفضل أن يتولى المالك توزيع زكاته بنفسه، إلا أن يطلبها الإمام على وجه الحتم، وكانت أموالاً ظاهرة، فلا سبيل عندئذ للمالك إلى منعها عنه، إن كان جائزاً.
التوكيل بالزكاة:
الأفضل أن يخرج المالك زكاة ماله ويعطيها للمستحقين
بنفسه، إلا ما قد علمت من حكم إعطائها للإمام بالتفصيل الذي ذكرناه.
ولكن هل له أن يوكل بها غيره؟
نعم، له أن يفعل ذلك، لأن الزكاة إنما تتعلق بحق مالي، والحقوق المالية يجوز التوكيل في أدائها، كالتوكيل في دفع الديون والأثمان، وإعادة الودائع والعواري إلى أصحابها.
فيجوز للمالك بها أن يوكل كل من يملك أن يفعل ذلك عن نفسه، فيدخل فيه الكافر والصبي المميز، ولكن يشترط إذا وكل بها كافراً وصبياً أن يعين له الشخص المدفوع إليه.
النية عند دفعها:
تجب النية عند إخراج الزكاة تميزاً لها عن الكفارات وبقية الصدقات، وللحديث المشهور: " إنما الأعمال بالنيات " البخاري (1) ومسلم (1907)
فإن تولى إخراج الزكاة بنفسه، استحضر نية ذلك عند الدفع للمستحق، أو عندما يعزل المبلغ الذي يريد إخراجه عن بقية ماله، أي فإن نوى عند العزل أن هذا المبلغ هو زكاة ماله، كان ذلك كافيا، ولم يجب استحضار النية مرة أخرى عند الدفع.
وإن وكل بها، نوى الزكاة عند تسليم المبلغ إلى الوكيل، ولا يجب على الوكيل بعد ذلك أن يستحضر أي نية عند إعطائه للمستحقين، ولكن الأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً عند توزيع المبلغ عليهم، فإن لم ينو المالك عند تسليمها للوكيل لا تكفي نية الوكيل عند دفعها للمستحقين.
وإن سلمها للإمام أو نائبه، نوى عند دفعها
له، وكان ذلك كافياً، لأن الإمام نائب عن المستحقين، فكانت النية عند إعطائها له بمثابة النية عند إعطائها للمستحقين أنفسهم.
فإن لم يستحضر المالك النية عند إعطائها للإمام لم تفد نية الإمام عنه بعد ذلك، ولا يعتبر المال المدفوع له مجزئاً عن الزكاة، وذلك لأن الإمام ـ كما قلنا ـ نائب عن المستحقين، وليس نائباً عن المالك كما هو الشأن في الوكيل، لذلك فلا عبرة بنيته عن المالك.
على أن نية الوكيل لا تكفي، إذا لم ينو المالك الموكل كما علمت.
مصارف الزكاة
المستحقون للزكاة:
لقد ذكر الله تعالى المستحقين الذين تصرف إليهم الزكاة بقوله:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة/60
وإليك بيان هذه الأصناف:
1ـ الفقراء: جمع فقير، وهو: من لا مال له يقع موقعاً من كفاية مطعماً وملبساً ومسكناً، كمن يحتاج إلى عشرة فلا يقدر إلى على ثلاثة.
2ـ المساكين: جمع مسكين، وهو: من له شيء يسد مسداً من حاجته، ويقع موقعاً من كفايته، ولكنه لا يكفيه.
كمن يحتاج إلى عشرة مثلاً فلا يجد إلى ثمانية.
ويعطى هؤلاء ومن قبلهم كفاية العمر الغالب على الأصح.
هذا ومما ينبغي الانتباه إليه: أن الحاجة إلى النكاح من تمام الكفاية التي تؤخذ بعين الاعتبار، عند تقدير ما لديه وما يحتاج إليه.
3ـ العاملون عليها: هم العمال الموظفون والجباة الذين يستعين بهم الإمام لجمع الزكاة وتوزيعها.
وهؤلاء يعطون أجرة مثل عملهم الذي قاموا به، ولا يزاد لهم على ذلك، ولا يجوز إعطاؤهم نسبة معينة مما يجبون، إذ لا دليل على هذا في شرع الله تعالى، وإنما هم أجراء، فيعطون أجرة مثل عملهم لا غير.
4ـ المؤلفة قلوبهم: وهم مسلمون حديثو عهد الإسلام، يتوقع بإعطائهم أن يقوى إسلامهم.
أو هم مسلمون ذوو وجاهة ومكانة في قومهم، يتوقع بإعطائهم إسلام أمثالهم.
أو هم مسلمون يقومون على الثغور، يحمون المسلمين من هجمات الكفار وشر البغاة، أو يقومون بجبي الزكاة من قوم يتعذر إرسال عمال إليهم.
وإنما يعطى هؤلاء سهماً من الزكاة إذا كان المسلمون في حاجة إليهم، وإلا فلا يعطون شيئاً.
5ـ وفي الرقاب: أي في تحرير رقاب العبيد من الرق، والمراد المكاتبون، أي الذين تعاقدوا مع أسيادهم المالكين لهم على: أن يجلبوا إليهم أقساطاً من المال، فإذا أدوها صاروا أحراراً، فيعطون من الزكاة ما عجزوا عن سداده من هذه الأقساط.
6ـ الغارمون: وهم الذين أثقلتهم الديون وعجزوا عن وفائها.
فيعطي هؤلاء ما يقدرون به على وفاء ديونهم التي حلت آجالها مع ما يكفيهم مطعماً وملبساً ومسكناً، شريطة أن يكونوا قد استدانو لأمر مشروع، فإذا كانت استدانتهم لأمر غير مشروع فلا يعطون من الزكاة، إلا إذا كانوا قد تابوا من المعصية، وغلب على الظن صدقهم في توبتهم.
هذا، ويدخل في هذا الصنف: من استدان لدفع فتنة بين
متنازعين، فيعطى ما استدانه لهذا الغرض، وإن كان غنياً يملك ما يفي به ذاك الدين من ماله الخاص.
7ـ في سبيل الله تعالى: والمراد هنا الرجال الغراة المتطوعون بالجهاد دفاعاً عن الإسلام، ولا تعويض لهم ولا راتب في مال المسلمين.
فيعطى كل من هؤلاء ما يكفيه ويكفي من تجب عليه نفقته إلى أن يرجع، مهما طالت غيبته، وإن كان غنياً.
كما يعطى ما يساعده على الجهاد من وسائل نقل وحمل أمتعة وأدوات حرب، وما إلى ذلك.
8ـ ابن السبيل: هو المسافر سفراً مباحاً، أو المريد لسفر مباح، أي لا معصية فيه، ولو لنزهة، فيعطى ما يكفيه لسفره ـ أو في سفره ـ ذهاباً وإياباً إن كان يقصد الرجوع، نفقة ومركباً وحمولة إن عجز عن حمل أمتعته.
فإن كان عاصياً بسفره، أو في سفره، لا يعطى من الزكاة إلا إذا تاب وغلب على الظن صدقه في توبته.
فهؤلاء الأصناف الثمانية هم المستحقون للزكاة، وهي محصورة فيهم فلا تصرف إلى غيرهم.
ودل على هذا الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء ... ﴾
والمراد بالصدقات الزكاة المفروضة، بدليل قوله تعالى في آخر الآية ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ﴾ وأما غير الزكاة من الصدقات المتطوع بها فيجوز صرفها إلى غيرهم.
كيف توزع الزكاة على مستحقيها؟
تصرف الزكاة إلى من يوجد من هؤلاء الأصناف في محل الزكاة:
ـ فإن وجدوا جميعاً وجب الصرف إليهم، ولا يجوز أن يحرم صنف منهم (1).
ـ فإن فقد أحد الأصناف رد نصيبه على باقي الأصناف
ـ وإن فضل نصيب أحد الأصناف عن حاجة أفراده ردت الزيادة على الأصناف الآخرين.
ـ تقسم الزكاة على الأصناف الموجودين بالتساوي وإن تفاوتت حاجاتهم، ماعدا العاملين عليها، فإنهم يعطون أجرهم على ما مر، قبل قسمة الزكاة.
ولا تشترط التسوية بين أفراد الصنف الواحد، بل تجوز المفاضلة بينهم.
وإذا وزع المالك بنفسه أو بوكيله وجب أن يعطي ثلاثة من كل صنف على الأقل إن كان عددهم غير محصور، لأن كل صنف ذكر بصيغة الجمع في الآية، وأقل الجمع ثلاثة، فإن كان عددهم محصوراً، وتسهل معرفته وضبطه عادة، وجب أن يستوفي الجميع إذا وفت الزكاة بحاجتهم، فإن ترك واحداً منهم في الحالين ـ مع علمه به ـ ضمن له أقل متمول من مال.
نقل الزكاة من محل وجوبها:
لا يجوز نقل الزكاة إلى غير البلد التي وجبت فيه ـ وهو محل المال ـ طالماً أنه يوجد مستحقوها في ذلك البلد، وإن قربت المسافة، لأن في ذلك إيحاشاً وإيلاماً لمستحقيها في بلد وجوبها، إذ إن أطماعهم تمتد إليها، وآمالهم تتعلق بها.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن: " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ".1
فإذا فقد أحد الأصناف في بلد الوجوب، أو زاد نصيب أفرادهم عن حاجتهم، نقل نصيب ذاك الصنف، أو ما فضل عن حاجة أفراده، إلى نفس الصنف من أفراد بلد من بلد الزكاة.
شروط استحقاق الزكاة، ومن لا تدفع إليهم:
يشترط ـ فيمن كان أحد الأصناف الثمانية المذكورة ـ شروط، حتى يستحق الزكاة ويصح دفعها إليه، وإليك هذه الشروط:
1ـ الإسلام: فلا تدفع الزكاة الواجبة لغير مسلم، دل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ... . فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ". البخاري: 1331، مسلم: 19].
فواضح أن الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين وتعطي لفقرائهم، فكما أنها لا تؤخذ من أغنياء غير المسلمين فلا تعطى لفقراء غيرهم، ويجوز أن يعطى غير المسلمين من الصدقات غير الواجبة.
2ـ عدم القدرة على الكسب: فإذا كان الفقير أو المسكين يقدر على الكسب من عمل يليق به، ويحصل به ما يكفيه، لا يصح دفع الزكاة إليه ولا يجوز له قبولها.
لما رواه الترمذي (652) وأبو دواد (1634) من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِىٍّ " والمرة: القوة والقدرة على الكسب.
وفي رواية عند أبي داود (1633): " ولا لذي قوة مكتسب ".
3ـ أن لا تكون نفقته واجبة على المزكي، لأن من كانت نفقته واجبة على المزكي كان مستغنياً بتلك النفقة، وكان دفع
المزكي إليه دفعاً إلى نفسه، لأن فائدته تعود إليه، إذ إنه يوفر بذلك النفقة على نفسه أو يخففها.
فلا يجوز دفع الزكاة إلى الأب والأم أو الجد والجدة مهما علوا، لأن نفقتهم واجبة على الفروع، وكذلك لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبناء والبنات وفروعهم إن كانوا صغاراً، أو كباراً مجانين أو مرضى مزمنين، لأن نفقة هؤلاء واجبة على آبائهم.
وأيضا: لا تعطى الزكاة للزوجة، لأن نفقتها واجبة على زوجها.
هذا ومما ينبغي أن ينتبه إليه: أن هؤلاء لا يعطون من الزكاة بوصف المسكنة أو الفقراء، أما لو كان أحدهم من صنف غير صنف الفقراء والمساكين، كما إذا كان غارماً أو في سبيل الله، فإنه يجوز لمن تجب نفقته عليه أن يعطيه زكاة ماله لذاك الوصف.
إعطاء الزكاة لمن يكتفي بنفقة غيره عليه:
علمنا أن من وجبت عليه زكاة لا يصح أن يعطيها إلى من في نفقته ـ من زوجة، وأصل، وفرع ـ إن كان فقيراً أو مسكيناً.
وهل يجوز لغير من يعوله أن يعطيه زكاة ماله؟
ـ فإن كان مكتفياً بنفقة من تجب نفقته عليه فلا يجزئ دفعها إليه، لأنه مستغنٍ بنفقة غيره عليه.
ـ وإن كان لا يكتفي بنفقةٍ جاز إعطاؤها إليه، لأنه في هذه الحالة مسكين أو فقير.
إعطاء الزوجة زكاة مالها لزوجها:
يسن للزوجة إذا كانت غنية، ووجبت في مالها الزكاة، أن تعطي زكاة مالها لزوجها إن كان فقيراً، وكذلك يستحب لها أن
تنفقها على أولادها إن كانوا كذلك، لأن نفقة الزوج والأولاد غير واجبة على الأم والزوجة.
فقد روى البخاري (1397) ومسلم (1000) أن زينب امرأة عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ فقال: لمن بلغه سؤالها: " نعم، لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة ".
وروى البخاري (1398) ومسلم (1001) عن أم سلمة رضي الله عنهما قالت: قلت يا رسول الله، إلي أجر أن أنفق على بني أبي سلمة، إنما هم بني؟ فقال: " أنفقي عليهم، فلك أجر ما أنفقت عليهم " وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى هاذين الحديثين تحت عنوان: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
الزكاة للأقارب الذي لا تجب نفقتهم:
وإذا كان للمالك الذي وجبت في ماله الزكاة أقارب لا تجب عليه نفقتهم، كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبنائهم وغيرهم، وكانوا فقراء أو مساكين، أو غيرهم من أصناف المستحقين للزكاة، جاز صرف الزكاة إليهم، وكانوا هم أولى من غيرهم.
ومثل من ذكر في جواز الزكاة إليهم: أبناؤه الكبار القادرون على الكسب ولا كسب يكفيهم.
روي الترمذي (658) والنسائي (5/ 92) وابن ماجه (1844) واللفظ له عن سلمان بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى القرابة اثنتان: صدقة وصلة".
4ـ أن يكون غير هاشمي ولا مطلبي: من ثبت نسبه إلى بني هاشم أو بني المطلب فلا يعطى من الزكاة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) [مسلم: 1072].
وروي البخاري (1420) ومسلم (1069) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أخذ الحسن بن على تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " كخ كخ ـ ليطرحها ـ ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة ".
والمراد بآل محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بنو هاشم، وبنو المطلب.
رأي واجتهاد:
والذي نراه في هذه الأيام أن يعطى هؤلاء من الزكاة إن كانوا من أصناف المستحقين، وذلك أن في عدم إعطائهم تضييعاً لهم، طالماً أنهم لا يعطون ما جعله شرع الله تعالى: لهم من خمس الغنيمة مقابل منعهم من الزكاة.
قال تعالى
﴿َاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الأنفال: 41
وذوو القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب، فقد روى البخاري (2971) عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ".
[بمنزلة واحدة: من حيث القرابة، فعثمان من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل، وهما والمطلب وهاشم أبناء عبد مناف شيء واحد: من حيث المنزلة في الإسلام، لأنهم ناصروه - صلى الله عليه وسلم - جيمعاً قبل الإسلام وبعده].
زكاة الدَّيْن
وجوب الزكاة فيه:
من كان له ديون تبلغ نصاباً، وحدها أو مع ما عنده، وجبت فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، كما تجب على ما في يده من المال, وذلك لأنه مال بلغ نصاباً وحال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة.
وكونه ليس في يده لا يمنع من وجوبها فيه، كالتجارة الغذائية والوديعة، فإن في كل منهما زكاة وإن كانت ليست في يده.
متى تخرج
زكاة الدين
:
أ-إذا كان الدين حالاً، وكان الدائن قادراً على أخذه من المدين، بأن كان المدين مليئاً يجد ما يفي به دينه، وجب على الدائن إخراج زكاته فور وجوبها وإن لم يقبضه، لأنه في حكم المال الذي تحت يده، فهو كالوديعة في يد المدين، يقدر على أخذه والتصرف فيه.
ب- إن كان الدين حالاً، وكان الدائن غير قادر على أخذه لعسر المدين أو إنكاره له ولا بنية للدائن عليه، فلا يجب على الدائن إخراج زكاته في الحال، لأنه غير قادر على أخذه والتصرف
فيه.
وإنما يحسب ويحفظ فترة بقائه في ذمة المدين، فإذا قبضه زكاه عما مضى عليه من السنين.
لأن زكاته كل سنة لزمته وثبتت في ذمته، كمال الغائب عنه، فوجب عليه وفاؤها حين قبضه له.
ج-كذلك إذا كان الدين مؤجلاً، فإنه لا يجب عليه إخراج الزكاة حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل وقبضه ـ أو لم يقبضه وكان قادراً على قبضه ـ زكاه عما مضى من السنين.
وإن حل الأجل ولم يقبضه وكان غير قادر على قبضه انتظر، فإذا قبضه زكاه عما مضى من السنين.
وجوب الزكاة في مال من عليه دين:
من ملك نصاباً من الأموال الزكوية التي مر ذكرها، وحال عليه الحول في ملكه، وجبت فيه الزكاة، ولزمه إخراجها على ما مر، وإن كانت عليه ديون تستغرق ما لديه من مال أو تنقصه عن النصاب.
وكذلك الحال بالنسبة لمن ملك عروضاَ للتجارة، وبلغت نصاباً بعد حول من ملكيتها، فإن الدين الذي عليه لا يمنع وجوب الزكاة في المال الذي تحت يديه، من عروض تجارة وغيرها.
وذلك لأن الدين يتعلق بالذمة، والزكاة تتعلق بالمال الذي تحت يده وتجب فيه، وإذا وجبت الزكاة في المال أصبحت ملكاً لمن وجبت له، وهم المستحقون لها، وإن بقيت في يد صاحب المال، فوجب أداؤها إليهم.
ويؤيد هذا: ما رواه مالك في الموطأ (1/ 253) أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان يقول: " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة ".
فقد نبه - رضي الله عنه - الناس حتى يؤدوا ما عليهم من ديون قبل أن يمضي الشهر الذي يحول فيه حول الزكاة، وتثبت الزكاة في أموالهم بمضيه، ولا يلتفت إلى ما عليهم من ديون.
[انظر الأم للشافعي: 42 ـ 43] 1.
الصيام
أحكامه الفقهية وأدلته وأسراره
الصيام
تعريفه، وتشريعه، وأسراره
تعريفه:
الصيام لغة: الإمساك عن الشيء، كلاماً كان أو طعاماً.
ودليل ذلك قوله تعالى، حكاية عن مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ مريم: 26: أي إمساكاً وسكوتاً عن الكلام.
والصيام شرعاً: إمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية.
تاريخ تشريع الصيام:
فرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة.
وقد كان الصيام قبل ذلك معروفاً عند الأمم السابقة، وعند أهل الكتاب الذي عاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: 183.
إلا أن وجوب صوم رمضان لم يشرع من قبل، فهذه الأمة تلتقي مع الأمم السابقة في أصل مشروعية الصوم، وتختص أمة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بفرضية شهر رمضان بالذات.
دليل مشروعية صوم شهر رمضان:
الأصل في فرضية صوم شهر رمضان قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة: 185
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " رواه البخاري (8) ومسلم (16) وغيرهما.
وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي سأله: أخبرني ماذا فرض علي الله من الصوم؟ فقال: " صيام رمضان " رواه البخاري (1792) ومسلم (11).
حكم تارك صيام شهر رمضان من غير عذر:
لما كان صيام شهر رمضان ركناً من أركان الإسلام، ومن الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، كما جاحد وجوبه كافرا، أي يعامل معاملة المرتد، فيستتاب، فإن تاب قبل منه، وإلا قتل حداً.
وذلك إن لم يكن قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن العمران ـ كما يقول العلماء ـ أي بعيداً عن العلماء.
أما من ترك صومه بغير عذر، وكان غير جاحد لوجوبه، وذلك كأن قال: الصوم واجب علي، ولكني لا أصوم فإنه يكون فاسقاً، وليس بكافر، ووجب على حاكم المسلمين حبسه ومنعه من الطعام والشراب نهاراً ليحصل له الصوم بذلك، ولو صورة.
من حكم الصيام وأسراره وفوائده:
ينبغي للمسلم أن يعلم قبل كل شيء: أن صيام شهر رمضان
عبادة فرضها الله تعالى.
ومعنى كونها عبادة: أن يقوم المسلم بأدائها استجابة لأمر الله تعالى، وقياماً بحق العبودية له، بقطع النظر عن أي نتيجة يمكن أن تنتج عن عبادة الصوم.
فإذا فعل المسلم ذلك، فلا مانع أن يتطلع بعدئذ إلى الحكم والأسرار الإلهية الكامنة في تلك العبارة، من صيام وغيره، ومما لا شك فيه أن أحكام الله تعالى كلها قائمة على حكم وأسرار وفوائد للعباد، ولكن لا يشترط أن يكون العباد على علم بها.
ومما لا شك فيه أيضاً أن للصوم حكماً وفوائد كثيرة قد يطلع العباد على بعضها.
ويبقى الكثير منها خافياً عليهم.
ومن هذه الحكم والفوائد التي يمكن أن يستشفها المسلم ويلمها في الصوم ما يلي:
1ـ إن الصيام من شأنه أن يوقظ قلب المؤمن لمراقبة الله عز وجل، ذلك لأن الصائم ما إن يستدبر جزءاً من نهاره حتى يحس بالجوع والعطش، وتهفو نفسه إلى الطعام والشراب، لكن شعوره بأنه صائم يحول دون تحقيقه لرغبات نفسه، تحقيقاً لأمر الله عز وجل، ومن خلال هذا التدافع يستيقظ القلب، وينمو فيه شعور المراقبة لله تعالى، ويظل على ذكر لربوبيته وعظيم سلطانه، كما يظل متنبهاً إلى أنه عبد خاضع لحكم الله تعالة، ومنقاد لإرادته.
2ـ إن شهر رمضان شهر قدسي بين أشهر السنة كلها، يريد الله عز وجل من عباده أن يملؤوه بالطاعات والقربات، ويحققوا فيه أسمى معاني عبوديتهم لله سبحانه وتعالى، وهيهات أن يتحقق ذلك أمام موائد الطعام، وفي مجالس الشراب، وبعد امتلاء المعدة، وتصاعد أبخرة الطعام إلى الفكر والدماغ، فكان في
شريعة صيام هذا الشهر أيسر سبيل للقيام بحقه، وأداء واجب العبودية فيه.
3ـ إن استمرار حالة الشبع في حياة المسلم من شأنه أن يغمر مشاعره بأسباب القسوة، وينمي في نفسه عوامل الطغيان، وكلاهما مما يتنافي مع شأن المسلم، فكان في شريعة الصيام ما يهذب نفس المسلم، ويرهف مشاعره.
4ـ إن من أهم المبادئ التي ينهض عليها المجتمع الإسلامي تراحم المسلمين وتعاطفهم، وهيهات أن يرحم الغني الفقير رحمة صادقة من غير أن يتخلله شعور بآلام الفقر وشدته، ومرارة الجوع وضراوته.
وشهر الصيام خير ما يكسب الغني شعور الفقير، ويجعله يعيش معه في آلامه وحرمانه، ومن ثم كان الصوم خير ما يثير في نفس الأغنياء دوافع العطف والرحمة والمواساة.
ثبوت شهر رمضان
يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:
الأول: رؤية الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان، وذلك بأن يشهد أمام القاضي شاهد عدل أنه قد رأى الهلال.
الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً: وذلك فيما إذا تعسرت رؤية الهلال بسبب غيوم، أو إذا لم يتقدم شاهد عدل يشهد بأنه قد رأى الهلال، فيتمم شهر شعبان ثلاثين يوماً، إذ هو الأصل ما لم يعارضه شيء.
ودليل هذين الأمرين: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً " رواه البخاري (1810) ومسلم (1080)
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني رأيت هلال رمضان.
فقال "أتشهد أن لا إله إلا الله " قال: نعم.
قال: " أتشهد أن محمداً رسول الله " قال: نعم.
قال: " يا بلال، أذن في الناس، فليصوموا غداً " صححه ابن حبان (موارد الظمآن 870) والحاكم (1/ 424)
هذا، وإذا رؤي الهلال ببلد لزم الصوم أهل البلاد القريبة من
بلد الرؤية، دون أهل البلاد البعيدة، لأن البلاد القريبة ـ كدمشق وحمص وحلب ـ في حكم البلد الواحد، بخلاف البلاد البعيدة كدمشق، والقاهرة، ومكة
ويعتبر البعد باختلاف المطالع.
ودليل ما سبق:
ما رواه مسلم (1087) عن كريب قال: استهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس - رضي الله عنه -: متى رأيتم الهلال؟
فقلت: رأيناه ليلة الجمعة.
قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم.
ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: كلنا رأيناه ليلة السبت.
فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه.
فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وعليه قال العلماء: إذا لم يجب الصوم على أهل بلد بعيد فسافر إليه شخص من بلد الرؤية فإنه يوافقهم في الصوم آخراً، وإن كان قد أتم ثلاثين يوماً، لأنه بالانتقال إلى بلدهم صار واحداً منهم، فيلزمه حكمهم، ومن سافر من البلد الذي لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية أفطر معهم، سواء أصام ثمانية وعشرين يوماً، وذلك بأن كان رمضان عندهم ناقصاً فأفطر معهم في التاسع والعشرين، أم صام تسعة وعشرين، وذلك بأن كان رمضان عندهم تاماً لكنه يقضي يوماً إن صام ثمانية وعشرين، لأن الشهر لا يكون كذلك.
ومن أصبح في بلد معيداً، فسافر إلى بلد بعيد أهله صيام وجب عليه أن يمسك بقية اليوم موافقة لهم.
شروط وجوب الصوم
وشروط صحته
يشترط لوجوب صيام رمضان أن تتوفر الأمور التالية:
1ـ الإسلام:
فلا يجب الصوم على الكافر، بمعنى أنه لا يطالب في دار الدنيا بالصيام، لأنه فرع عن دخوله في الإسلام، وما دام غير داخل في الإسلام لا معنى لصيامه، ولا معنى لمطالبته بالصوم.
أما في الآخرة فالكافر يعاقب على كفره، وعلى تركه لفروع الإسلام أيضاً
2ـ التكليف:
ويقصد بالتكليف أن يكون المسلم بالغاً عاقلاً، فإن فقد أحد هذين الوصفين سقطت صفة التكليف عنه، وإذا سقطت صفة التكليف عنه لم يطالب بشيء من الوظائف الدينية.
ودليل ذلك: حديث علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " رواه أبوداود (4403) وغيره.
3ـ الخلو عن الأعذار المانعة من الصوم، أو المبيحة للفطر:
أما الأعذار المانعة فهي:
أـ التلبس بالحيض، أو النفاس جزءاً من أجزاء النهار.
ب ـ الإغماء أو الجنون المطبق بياض اليوم كله، فإن أفاق ولو لحظة من النهار سقط العذر، ووجب إمساك بقية اليوم.
وأما
الأعذار المبيحة للإفطار
فهي:
1ـ المرض الذي يسبب لصاحبه ضرراَ شديداً، أو ألماً أو انزعاجاً شديدين.
أما إن اشتد المرض أو الألم بحيث خشي معه على نفسه الهلاك وجب الفطر عندئذ.
2ـ السفر الطويل الذي لا يقل عن 83 كم بشرط أن يكون سفراً مباحاً، وبشرط أن يستغرق السفر سائر اليوم.
أما إن أصبح صائماً وهو مقيم، ثم أحدث سفراً أثناء النهار لم يجز الإفطار.
ودليل هذين العذرين قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: 185.
3ـ العجز عن الصيام: فلا يجب الصوم على من لا يطيقه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، لأن الصوم إنما يجب على من يقدر عليه.
ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة: 184.
وقرئ: " يطيقونه " أي يكلفونه فلا يطيقونه.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هو الشيخ الكبير والمرأة
الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً رواه البخاري (4235)
شروط صحة الصوم
يشترط لصحة الصوم الشروط التالية:
1ـ الإسلام، فلا يصح صوم الكافر بحال.
2ـ العقل: أي التمييز، فلا يصح صوم المجنون والطفل غير المميز، لفقدان النية، ويصح صوم الصبي المميز، ويؤمر به إذا أطاق الصوم متى بلغ السابعة من العمر ويضرب على تركه إذا بلغ العشر، كالصلاة.
3ـ الخلو من الأعذار المانعة من الصوم، وهي التلبس بحيض أو نفاس، والإغماء أو الجنون المطبقين بياض اليوم كله.
أركان الصوم
يتكون الصيام من تحقيق ركنين أساسين، هما:
1ـ نية الصوم.
2ـ الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى الغروب.
أولاً ـ النية:
وهي قصد الصيام، ومحلها القلب، ولا تكفي باللسان، ولا يشترط التلفظ بها، ودليل وجوب النية قوله - صلى الله عليه وسلم - " إنما الأعمال بالنيات " رواه البخاري (1) ومسلم (1907)
فإن كانت النية لصوم رمضان اشترط فيها تحقق الأمور التالية:
1ـ التبييت:
وهو أن يتوافر لديه القصد في الليل: أي قبل طلوع الفجر، فإن لم يقصد إلى الصيام إلا بعد طلوع الفجر بطلت النية.
وبطل الصوم.
ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ﴿من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له﴾ رواه الدارقطني (2/ 172) وقال: رواته ثقات.
ورواه البيهقي (4/ 202)
2ـ التعيين:
وذلك بأن يعين نوع الصوم، فيعزم في قلبه على صيام غد عن رمضان، فلو قصد في نفسه مطلق الصوم لم تصح نيته أيضا.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث: إنما الأعمال بالنيات السابق:
﴿وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ أي ينصرف فعله إلى النوع الذي قصده بالفعل.
3ـ التكرار:
أي أن ينوي كل ليلة قبل الفجر عن صيام اليوم التالي، فلا تغني نية واحدة عن الشهر كله، لأن صيام شهر رمضان ليس عبادة واحدة، بل هي عبادات متكررة، وكل عبادة لابد أن تنفرد بنية مستقلة.
أما صوم النافلة فلا يشترط في نيتها تبييت ولا تعيين، فيصبح بنية قبل الزوال، ويصح بنية مطلقة.
ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها يوماً: " هل عندكم من غداء؟ قالت لا.
قال: فإني إذاً أصوم ". رواه الدارقطني.
ثانياً ـ الإمساك عن المفطرات:
والمفطرات كل من الأمور التالية:
1ـ الأكل والشرب:
إذا كان ذلك عمداً، مهما كان المأكول أو المشروب قليلاً، فإن نسي أنه صائم، وأكل أو شرب لم يفطر مهما كثر الطعام، أو الشراب.
ودليل ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه " رواه مسلم (1155) والبخاري (1813)
2ـ وصول عين إلى الجوف من منفذ مفتوح:
والمقصود بالعين: أي شيء تراه العين.
والجوف: هو الدماغ أو ما وراء الحلق إلى المعدة والأمعاء.
والمنفذ المفتوح: هو الفم والأذن والقبل والدبر من الذكر والأنثى.
فالقطرة من الأذن مفطرة، لأنها منفذ مفتوح.
والقطرة في العين مفطرة، لأنه منفذ غير مفتوح.
والحقنة الشرجية مفطرة، لأن الشرج منفذ مفتوح.
والحقنة الوردية لا تفطر، لأن الوريد غير مفتوح.
وهكذا.
وهذا كله أيضا بشرط التعمد، فإن فعل شيئاً من ذلك ناسياً لم يضر قياساً على الطعام والشراب.
ولو وصل جوفه ذباب أو بعوضة، أو غبار الطريق لم يفطر أيضاً، لما في الاحتراز عن ذلك من المشقة الشديدة.
ولو ابتلع ريقه لم يفطر لعسر التحرز عنه.
ولو ابتلع ريقه متنجساً ـ كمن دميت لثته، ولم يغسل فمه، وإن ابيض ريقه ـ افطر.
ولو تمضمض أو استنشق فسبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه، فإنه لا يفطر إن لم يكن قد بالغ في ذلك أثناء الوضوء، فإن كان قد بالغ في ذلك أفطر، لأنه فعل ما هو منهي عنه أثناء الصوم.
ولو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه من غير قصد لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه وغير مقصر، فإن لم يعجز أفطر لتقصيره.
ولو أكره حتى أكل أو شرب لم يفطر أيضاَ، لأن حكم اختياره ساقط.
3ـ القيء المتعمد فيه:
فهو مفطر، وإن تأكد الصائم أن شيئا لم يعد ثانية إلى جوفه، ولكن إذا غلبه القئ لم يضر، ولو علم أن بعضاً مما خرج قد عاد إلى جوفه بدون قصد منه.
ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من ذرعه قئ ـ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض" أخرجه أبو داود (2380) والترمذي (720) وغيرهما.
ومعنى ذرعه: غلبه.
4ـ الوطء عمداً:
ولو من بغير إنزال.
ودليل ذلك قوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) البقرة: 187.
والمراد بالخيط الأبيض: ضوء النهار.
والخيط الأسود: ظلمة الليل.
والفجر: ضوء يطلع معترضاَ في الأفق ينتهي بطلوعه الليل ويبدء النهار.
ومعنى تباشروهن: تجامعوهن.
وأنتم عاكفون: أي في حال اعتكاف.
أما لو وطئ ناسياً فإنه لا يفطر على الأكل والشرب ناسياً.
5ـ الاستمناء:
وهو استخراج المني بمباشرة تقبيل ونحوه، أو بواسطة اليد، فإن تعمد ذلك الصائم أفطر.
أما إن غلب على أمره فلا يفطر.
هذا وتكره القبلة في رمضان كراهة تحريم لمن حركت شهوته، رجلا كان أو امرأة، لأن في ذلك تعريضاَ لإفساد الصوم.
أما من لم تحرك شهوته، فالأولى له تركها حسماً للباب.
روى مسلم (1106) عن عائشة رضي الله عنهما قالت: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلني وهو صائم.
وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه ".
قال العلماء: ومعنى كلام عائشة رضي الله عنهما: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - في استباحتها، لأنه يملك نفسه، ويأمن الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة، أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك.
6ـ الحيض والنفاس:
فإن كلا منهما عذر يمنع من صحة الصوم، فإذا طرأ على المرأة الصائمة حيض أو نفاس في جزء من النهار بطل صيامها، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم.
روى البخاري (298) ومسلم (80) عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة، وقد سئل عن نقصان دينها: " أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؟ ".
7ـ الجنون والردة:
وكلاهما مانع من صحة الصوم، لخروج من قام به ذلك عن أهليه العبادة.