المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: " صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: " اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ": قال " فإن معي الهدي فلا تحل ".
قال فكان جماعة الهدي الذي قام به علي من اليمن، والذي أتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة.
قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هَدْي، فلما كان يوم التروية 1 توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلع الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة.
فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام 2 كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له 3، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال:
" إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دماءنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته
هذيل، وربا الجاهلية موضوع 1، وأول ربا أضع ربا عمي العباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى الناس ينكتها 2 إلى الناس، اللهم أشهد، اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة 3 بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، ولم وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق 4 للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله 5 ويقول بيده اليمنى 6 أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذن واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره.
وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً 1، فلما دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرت به ظعن
يجرين 2، فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر.
فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاه منها، مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده 3، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر 4، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها.
ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت 5، فصلى بمكة الظهر.
فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا 6 بني عبدالمطلب فلولا أن يغلبكم الناس 7 على سقايتكم لنزعت، فناولوه دلواً فشرب منه.
زيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبره الشريف
أهمية ذلك ودليله:
أما مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد دل على استحباب زيارته قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ".
وأما قبره - صلى الله عليه وسلم - فقد دل على استحباب زيارته وعظم الأجر المنوط بها، إجماع الصحابة كلهم والتابعين من بعدهم على زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - كما يدل على ذلك ما ثبت من استحباب زيارة القبور عامة بقوله - صلى الله عليه وسلم - " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " وبفعله إذ كان يزور البقيع بين حين وأخر.
ولا ريب أن الاستحباب يتضاعف إذا كان القبر قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. كما يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ، عندما أرسله إلى اليمن: " يا معاذ، عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " رواه أحمد بسند صحيح.
ومعلوم أن (لعلك) هنا بمعنى الطلب والرجاء.
آداب زيارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
فإذا أدركت مدى أهمية زيارة مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقبره الشريف، فلتعلم أن على الحاج إذا فرغ من نسك حجه وعمرته،
كان عليه حين يتجه إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينال شرف زيارته وزيارة مسجده التزام الآداب التالية:
أولاً: يستحب أن يعقد العزم ـ لدى اتجاهه إلى المدينة المنورة ـ على زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيارة مسجده، حتى يكتب له أجرهما معاً.
وأن يكثر في طريقه من الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانياً: يستحب أن يغتسل قبيل دخوله المدينة إن تيسر له ذلك، وإلا فليغتسل قبل دخوله المسجد، ويلبس أنظف ثيابه.
ثالثاً: إذا وصل إلى باب مسجده - صلى الله عليه وسلم - فليقدم رجله اليمنى في الدخول قائلاً: " أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم.
اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " قال الإمام النووي: هذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد، وقد وردت فيه أحاديث في الصحيح وغيره، ثم يدخل فيتجه إلى الروضة الكريمة، وهي ما بين المنبر والبيت، فيصلى تحية المسجد يجنب المنبر.
إذ يظن أن يكون موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
رابعاً: إذا صلى التحية في الروضة، فليأت إلى القبر الكريم، فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر، ويبعد عن رأس القبر نحو أربعة أذرع.
ويقف ناظراً إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر، وقد أفرغ قلبه من علائق الدنيا واستحضر جلالة موقفه ومنزلة من هو في حضرته.
ثم يسلم بصوت خفيض قائلاً:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا خيرة رب العالمين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً وسولاً عن أمته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله من خلقه،
وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
ثم ينحرف قليلاً نحو اليمين حيث قبر أبي بكر - رضي الله عنه - فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، ثم ينحرف إلى اليمين أيضا حيث قبر عمر بن الخطاب فيقول: السلام عليك يا عمر بن الخطاب.
ثم يعود إلى مكانه الأول، ويتجه إلى القبلة فيدعوا لنفسه وللمؤمنين بما يشاء، فإنها ساعة تُرجى فيها الاستجابة إن شاء الله.
خامساً: لا يجوز الطواف بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال الإمام النووي، ويكره أن يلصق نفسه بجدار القبر، كما يكره التمسح به وتقبيله، كما هو شأن من الجهال، بل الأدب أن يبتعد عن القبر كما يبتعد عنه - صلى الله عليه وسلم - في حضرته أثناء حياته.
سادساً: ينبغي له مدة إقامته في المدينة المنورة أن يصلي الصلوات كلها في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يخرج كل يوم إلى زيارة البقيع، وأن يزور قبور شهداء أحد، كما يستحب استحباباً مؤكداً أن يأتي مسجد قباء، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجد قباء في كل يوم سبت ورد ذلك في الصحيحين وغيرهما.
حكم من أحصر
أو فاته الوقوف بعرفة
المحصر من منعه مانع دون الوصول إلى مكة والقيام بأعمال الحج فإذا أحرم شخص بالحج أو العمرة، ثم منعه عدو من الوصول إلى مكة أو حبس وسد عليه منافذ الطريق تحلل في مكانه.
والتحلل أن يذبح شاة في مكانه الذي أحصر فيه مع نية التحلل، ثم يحلق رأسه أو يقصر من شعره.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿َإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وهذه الآية نزلت بالحديبية حين صد المشركون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت، وكان معتمراً، فنحر ثم حلق، وقال لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا).
فإذا فقد الدم فلم يقدر على الذبح قومت الشاة وأخرج طعاماً بقيمتها، فإن عجز عن الطعام صام عن كل مد يوماً.
ويتحلل هذا في الحال ولا ينتظر إلى انتهاء الصيام.
ومن الموانع التي تحول دون إتمام الحج أو العمرة عدم إذن الزوج، فإذا أحرمت المرأة بالحج أو العمرة من غير إذن الزوج، سواء أكان نسكها فرضاً أو نفلاَ، فللزوج تحليلها، فإذا طلب منها ذلك.
وجب عليها الإحلال إذا كان زوجها حلالاً، لأن في استمرارها تفويتاً لحق الزوج، ويكون إحلالها كإحلال المحصر الآنف الذكر.
وعلى هؤلاء الحج فيما بعد:
ومن فاته الوقوف بعرفة بعذر أو بغير عذر تحلل بطواف وسعي وحلق ويجب عليه دم، ويجب عليه أيضا القضاء فوراً في العام المقابل.
فلقد روى مالك في الموطأ بإسناد صحيح: أن هبَّار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد وكنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة.
فقال له عمر - رضي الله عنه -: أذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك، واسعوا بين الصفا والمروة، وانحروا هديكم إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
ملاحظة: للحاج أو المعتمر أن يشترط أنه إذا مرض أو وقع به نحو ذلك فقد حل، فإذا وقع به ما اشترط جاز له أن يتحلل.
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: " دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: أردت الحج؟ فقالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال: حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني".
والإحلال في هذه الحال يكون بالنية والحلق، ولا دم عليه إلا إذا كان قد شرط التحلل بالهدي.
من مات ولم يحج
إذا وجب على الإنسان الحج أو العمرة، ولكنه تراخى عن
أدائها فلم يؤدهما حتى مات، مات عاصياً، ووجب تكليف من يحج عنه أو يعتمر، وتدفع النفقة من رأس مال المتوفى، وتعد هذه من الديون، فلا تقسم التركة إلا بعد أداء الديون.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ قالت نعم، قال: اقضوا دين الله، فالله أحق بالوفاء" فشبه الحج بالدين الذي لا يسقط بالموت.
أحكام منثورة
يلزم المرأة أجرة المحرم إن كان لا يخرج معها إلا بأجرة، وكانت قادرة على دفعها، فإن لم تكن قادرة على ذلك خرجت عن حدود الاستطاعة فلا يجب عليها الحج.
القائد للأعمى كالمحرم للمرأة، فإن لم يجد قائداً إلا بأجرة وجب عليه دفعها.
العاجز عن الحج بنفسه ـ وهو المعضوب ـ يجب عليه استئجار من يحج عنه بأجرة المثل، فإن لم يجد من يحج عنه إلا بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه.
إذا بذل ولده مالاً أو أجنبي ليدفعه أجرة لمن يحج عنه لم يلزمه قبوله.
لو تبرع هؤلاء أن يحجوا عنه بأنفسهم وجب عليه قبول ذلك والإذن لهم.
إذا وقف الحجاج يوم العاشر غلطاً بدل اليوم التاسع أجزأهم الوقوف ولم يجب عليهم القضاء لقوله عليه الصلاة والسلام: " يوم عرفة اليوم الذي يعرف فيه الناس ".
المرأة الحائض يجوز لها أن تسافر من غير طواف وداع، لما ورد
في الصحيحين عن ابن عباس: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض ".
كما يحرم على الحاج الصيد يحرم عليه قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت، وتجب فيه الفدية، ففي الشجرة الكبيرة بدنة، وفي الشجرة الصغيرة شاة، وفي النبات القيمة.
صيد المدينة حرام كصيد الحرم إلا أنه لا ضمان فيه.
إذا حج الصبي صح حجه ولكنه لا يقع عن حجة الإسلام، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام إن كانت توجد فيه شروط الاستطاعة.
كيف تحج؟
لقد تحدثنا فيما مضى عن الحج والعمرة وشروط وجوبهما، وعن أركانهما، وعن الواجبات فيهما، وعن مفسداتهما وعن حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أمور كثيرة تتعلق بالحج والعمرة.
والآن نريد أن تستعرض أفعال الحج بشكل متسلسل، كي يسهل على المرء المسلم أداء هذه الفريضة العظيمة.
يبدأ المسلم رحلة الحج بأن يؤدي ما عليه من واجبات، فإن كان عليه دين أداه إلى صاحبه، أو استأذن منه في السفر إلى الحج، وإن كان قد آذى مسلماً تحلل منه، وطلب منه المسامحة.
يختار في الحج الرفقة الصالحة، ولاسيما الفقهاء في الدين، فإن ذلك ضروري لأداء فريضة الحج على أكمل وجه.
يتعلم قبل سفره ما لا بد منه من أحكام الحج، وقد عد الإمام الغزالي هذا التعلم فرض عين على كل من أراد أداء هذه الفريضة ,.
إذا بدأ بالسفر إلى الحج جاز له أن يحرم من بيته، وجاز له أن يؤجل الإحرام إلى الميقات.
إذا أراد أن يحرم سواء أكان من بيته أم من الميقات يغتسل أولا، ً ثم يلبس ثياب الإحرام وهي إزار ورداء غير مخيطين ثم يصلي
ركعتين سنة الإحرام، ثم يتوجه إلى القبلة ويقول: لبيك اللهم بحج ناوياً ذلك بقلبه أيضاً، هذا إذا أراد الدخول في الحج، وإذا أراد الدخول في العمرة قال: لبيك الهم بعمرة، فإذا فعل ذلك صار محرماً بالنسك وحرم عليه الأشياء التي ذكرناها فيما مضى تحت عنوان محرمات الإحرام.
فإن فعل شيئاً من هذه المحرمات ترتب عليه الفدية التي ذكرناها فيما مضى، وأما الجماع منها فإنه مفسد للحج وموجب للفدية كما ذكرنا.
إذا كان سفره بالطائرة استحسن أن يبدأ بالإحرام عند قيام الطائرة، خشية أن تكون لسرعتها تتجاوز الميقات من غير إحرام، فيلزم الإنسان دم ذلك.
إذا أحرم بالنسك سن له أن يقول: اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي، وسن له التلبية، وخاصة إذا صعد مرتفعاً أو هبط وادياً أو التقى برفقة، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
والمرأة في ذلك كالرجل، إلا أنها لا يجب عليها خلع المخيط، ولا ترفع صوتها بالتلبية.
ونذكر هنا أن المرأة يجب عليها كشف وجهها وكفيها، ويسن خضبهما بحناء كما مر.
إذا شارف المحرم دخول مكة سن له أن يغتسل لدخول مكة، والأفضل الاغتسال عند بئر ذي طوى كما مر.
أن يتجه فور وصوله مكة إلى البيت الحرام قاصداً طواف القدوم، إن كان قد نوى الحج، وإن كان معتمراً نوى بالطواف طواف العمرة، وعند مشاهدته الكعبة المشرفة يرفع يديه مكبراً وداعياً بهذا الدعاء: " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة،
وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام ". ثم يدعوا بما شاء ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل منه.
ثم يتقدم إلى الكعبة المشرفة ويبتدئ بالطواف من عند الحجر الأسود ويستلمه بيده أو يقبله إن استطاع وهذا سنة، فإذا قبله وجب عليه أن يرفع رأسه ويرجع قليلاً حتى يخرج عن سمت بناء البيت، وإن لم يستطع أشار إليه من بعيد.
ثم يستمر بالطواف من عند الحجر الأسود جاعلاً الكعبة عن يساره، وكلما وصل إلى الحجر الأسود فقد أتم طوفة.
وهكذا يفعل ذلك سبع مراتٍ، لأن الطواف سبعة أشواط.
ويجب في الطواف ستر العورة، والطهارة من الحدث والنجس، فلو أحدث في أثناء الطواف تطهر وبنى، ويجب أن يكون الطواف خارج البيت الحرام، فلو دخل من إحدى فتحتي حجر إسماعيل ـ وهو المحوط بجدار قصير ـ وخرج من الفتحة الأخرى لم تحسب له الطوفة، لأن الحجر من البيت الحرام.
ويسن في الطواف أن يقول في أول طوافه " بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، وإتباعا لسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - وليقل قبالة باب الكعبة.
" اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار " وليقل بين الركنين اليمانيين: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ثم يدعوا أثناء طوافه بما شاء.
ويسن أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول إن كان يعقب هذا الطواف سعي ـ والرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطو ـ ويمشي في
الأشواط الأربعة الباقية، وليقل في رمله: " اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً ".
ويسن أيضاً أن يضطبع في جميع طواف يعقبه سعي، والاضطباع هو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن مع كشفه، ويجعل طرفيه على منكبه الأيسر.
والرمل والاضطباع خاص بالذكر، أما المرأة فلا ترمل ولا تضطبع.
ويسن في الطواف أن يكون قريباً من البيت الحرام بأن يجعل بينه وبين البيت ثلاث خطوات، إلا أن يتأذى بالقرب فالبعد أفضل.
أما المرأة فيسن لها أن تكون في حاشية المطاف إن كان ازدحام.
ويسن استلام الركن اليماني إن أمكن وإلا اكتفي بالإشارة من بعيد، ولم يرد في الركن اليماني سنة في تقبيله، لكن إذا قبله لم يكره.
هذا وأركان الكعبة أربعة: الركن الذي فيه الحجر الأسود ـ يليه حال الطواف الركن العراقي ـ ثم الشامي ـ ثم اليماني.
ويطلق على هذا والركن الذي فيه الحجر اسم الركنين اليمانيين.
إذ انتهى من طوافه صلى خلف مقام إبراهيم ركعتين سنة الطواف، يقرأ في أولاهما:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ويقرأ في الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ... ﴾
وبعد الانتهاء من الركعتين يأتي فيقبل الحجر الأسود أو يستلمه إن أمكن ذلك.
ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويصعد على الصفا مبتدئاً بالسعي، فإذا ارتقى على الصفا قال: "الله أكبر الله أكبر الله اكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولاناً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير
وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ثم يدعوا بما شاء من أمور الدين والدنيا.
ويسن أن يعيد الذكر والدعاء ثانياً وثالثاً.
ثم ينحدر من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم الأخضر فيرمل حتى يصل إلى العلم الثاني فيمشي حتى يصل إلى المروة فهذا شوط.
ثم يعود من المروة إلى الصفا وهذا شوط ثانٍ، والفرض أن يسعى سبعة أشواط.
والرمل في السعي سنة للرجل أما المرأة فلا يسن في حقها الرمل كالطواف.
ويسن أن يقول الساعي أثناء سعيه: " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم ".
ومما مر علم أن الواجب الافتتاح بالصفا والاختتام بالمروة.
ومما يجدر ملاحظته أن السعي لا يكون إلا بعد طواف قدوم أو طواف ركن.
إذ انتهى من السعي فإن كان قد أحرم بالعمرة حلق شعره أو قصره، وقد انتهى من عمرته.
وإن كان قد أحرم بالحج لم يتحلل بل يبقى محرماً، ويمكث في مكة هكذا إلى يوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية.
إذا كان هذا اليوم ـ يوم التروية ـ أحرم بالحج إن لم يكن محرماً ـ ثم مضى الحجاج جميعهم إلى منى ليبيتوا في منى تلك الليلة.
والخروج إلى منى يوم الثامن سنة لا يضر تركها بالحج.
إذا كان صباح يوم التاسع بعد طلوع الشمس توجه الحاج من منى إلى عرفات، والسنة أن لا يدخل الحاج عرفات إلا بعد زوال
الشمس، بل السنة أن يقيم بنمرة إلى ما بعد دخول وقت الظهر، ويصلي الظهر مع العصر مجموعة جمع تقديم.
ثم يدخل عرفه ويمكث فيها إلى غروب الشمس، وفي عرفات يذكر الحاج ربه ويدعوه بما يشاء، ويكثر من التهليل، والوقوف بعرفة ركن لابد منه كما مر.
وقد ورد أدعية كثيرة يدعى بها في ذلك اليوم العظيم الذي هو أعظم الأيام.
منها: " اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري " ومنها: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت.
فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
واكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، ونور قلبي وقبري، واهدني وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" ومنها: " اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه ".
إذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة، ويكفي في الوقوف بعرفة حضور لحظة من زوال الشمس إلى فجر يوم العيد ففي أي وقت من ذلك وقف كفاه، ولكن الأفضل الجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل.
إذا وصل الحاج إلى مزدلفة صلى فيها المغرب والعشاء مقصورة
مجموعة جمع تأخير، ويجب أن يبقى فيها إلى ما بعد منتصف الليل، فإن خرج منها قبل منتصف الليل وجب عليه دم.
ويسن أن يلتقط من منى حصى الرمي، وهي حصى صغير، ثم يصلي الفجر، ثم يأتي حتى يقف عند المشعر الحرام ـ وهو جبل صغير آخر المزدلفة، ثم يدعو الله عنده، ويكون من جمله دعائه " اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿َإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والوقوف عند المشعر الحرام سنة.
ويسن أن يبقى واقفاً عند المشعر الحرام مستقبل القبلة إلى الإسفار ـ وهو طلوع الضوء من المشرق بمقدار ما تتعارف الوجوه ـ ثم يسيرون ليصلوا إلى منى بعد طلوع الشمس.
إذا وصل الحاج إلى منى وجب عليه أن يرمى جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى التي في غرب منى عند فم الطريق إلى مكة.
ويسن أن يقف عند الرمي مستقبل الجمرة ومنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويقطع التلبية عند الرمي.
ويسن أن يكبر مع كل حصاة، فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر والله اكبر ولله الحمد.
ويسن أن يرمي بيده اليمنى رافعاً حتى يبدو بياض إبطيه، أما المرأة فلا ترفع يدها.
ويجب أن يصيب الحصى المرمى، فإن لم تصب حصاة المرمى لم تحسب.
إذا انتهى الحاج من الرمي ذبح هديه إن كان معه هدي,
والهدي ما يسوقه الحاج من النعم ليهديه لمكة وحرمها تقريباً إلى الله تعالى.
ثم يحلق شعره أو يقصر، والأفضل للرجل الحلق، وللمرأة التقصير، والحلق أو التقصير ركن من أركان الحج.
فإذا رمى وحلق فقد تحلل الأول، وحل له ما كان محرماً عليه من لبس ثياب وتطيب وما أشبه ذلك، ولم يبق محرماً عليه إلا النساء.
ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف حول البيت سبع مرات طواف الإفاضة، وهذا الطواف ركن لا يتم الحج إلا به.
ثم يسعى إن لم يكن قد سعى الحج بعد طواف القدوم.
فإذا رمى الحاج وحلق وطاف طواف الإفاضة فقد حل له جميع ما كان محرماً عليه للإحرام، حتى النساء وعقد الزواج.
ثم يرجع إلى منى ليبيت فيها، والمبيت بمنى واجب عليه دم إن تركه.
وبعد زوال الشمس عن وسط السماء أي عند دخول وقت الظهر، يدخل وقت الرمي، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، ثم الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة ويجب ترتيب الجمرات في الرمي.
ثم يبيت في منى الليلة الثانية، فإذا دخل وقت الظهر، دخل وقت الرمي، فيرمي الجمرة الأولى ثم الجمرة الثانية ثم جمرة العقبة.
فإذا انتهي من هذا الرمي رمي اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له أن يتعجل وينزل إلى مكة وقد انتهت أعمال الحاج.
لكن يجب عليه في هذا الحال أن يغادر منى قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو في منى وجب عليه أن يبيت الليلة الثالثة، فإذا كان وقت الظهر رمى ثم نزل إلى مكة.
إذا أراد الحاج الرجوع إلى أهله طاف بالبيت الحرام طواف الوداع، وهذا الطواف واجب، إن تركه كان عليه دم.
إلا الحائض فإنها تنفر بلا طواف وداع فهو ساقط عنها، ويجب أن لا يتأخر عن السفر بعد طواف الوداع، فإن مكث في مكة بعده كان عليه أن يعيده.
ويسن شرب ماء زمزم وينوي عند شربه ما يريد من خير، ويسن استقبال القبلة عند شربه.
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى
الجزء الثالث
الأيمان والنذور، الصيد والذبائح، العقيقة، الأطعمة والأشربة اللباس والزينة، الكفارات تأليف الدكتور مصطفى الخن ... الدكتور مصطفى البغا علي الشربجي
دار القلم دمشق
بسم الله الرحمن الرحيم