المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
عليه الجمعة: كمسافرٍ أو امرأةٍ، أو صغير، وقيل: يسن الغسل لكل أحد، حضر الجمعة أم لا - انظر مشروعية الغسل ص72 - ودليل ذلك، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتي الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (رواه البخاري: 837، ومسلم: 844، واللفظ له).
والأمر هنا للندب، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةَ فَبِها ونِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ".
(رواه الترمذي: 497).
وقته:
ووقت الغسل يوم الجمعة يدخل بأذان الفجر الصادق، وتقريبه من ذهابه إلى الجمعة أفضل، لأنه أبلغ في حصول المقصود من الغسل وهو تطيب رائحة جسمه، وإزالة العرق والرائحة الكريهة، لأن الإسلام إنما سنَّ غسل الجمعة من أجل اجتماع الناس، لئلا يتأذى بعضهم لرائحة كريهة، لذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الثوم والبصل، لمن يريد حضور الصلوات في المساجد.
2 - غسل العيدين:
مشروعيته:
ويسن الغسل يوم عيد الفطر، ويم عيد الأضحى، لمن أراد أن يحضر الصلاة ولمن لم يحضر، لأن يوم العيد يوم زينة، فسنَّ الغسل له.
ودليله: ما رواه مالك في الموطأ (1/ 177) أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُو إلى المُصَلَّى.
وقيس بيوم الفطر يوم الأضحى.
ويَعْضُد عمل الصحابي هذا: قياس
غسل العيدين
على غسل الجمعة، لأن المعنى فيهما واحد، وهو التنظف لاجتماع الناس.
وروى ابن ماجه (1315) بسند فيه ضعف، عن ابن عباس - رضي الله عنه - عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى ويقوي الحديث ما سبق من عمل الصحابي والقياس.
وقته:
ووقت غسل العيدين يبدأ ينصف الليل من ليلة العيد.
3ـ غسل الكسوفين:
كسوف الشمس، وخسوف القمر:
مشروعيته:
ويسن الغسل لصلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر.
ودليل ذلك القياس على الجمعة لأنها في معناها من حيث مشروعية الجماعة فيها، واجتمع الناس لها.
وقته:
ويدخل وقت الغسل للكسوفين ببدء الكسوفين، وينتهي بانجلائهما.
4ـ غسل الاستسقاء:
أي لصلاة الاستسقاء يسن الغسل قبل الخروج لصلاة الاستسقاء، قياساً على غسل الكسوفين.
5ـ الغسل من غسل الميت:
ويسن لمن غسل ميتاً أن يغتسل.
ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من غسل ميتاً فليغتسل".
[رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي (993)].
وصرفه عن الوجوب
قوله - صلى الله عليه وسلم -: " وليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه" [رواه الحاكم: 1/ 386].
6ـ الأغسال المتعلقة بالحج:
(أ) الغسل للإحرام بالحج أو العمرة:
ودليله ما رواه الترمذي (830) عن زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - "تجرد لإهلاله واغتسل".
[تجرد لإهلاله: أي نزع ثياب للإحرام، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، ويطلق على الإحرام نفسه].
(ب) الغسل لدخول مكة: ودليله: أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، وكان يذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله.
(رواه البخاري: 1478، ومسلم: 1259، واللفظ له).
(ج) الغسل للوقوف بعرفة بعد الزوال:
والأفضل أن يكون بنمرة قرب عرفات.
ودليله: أن علياً - رضي الله عنه - كان يغتسل يوم العيدين ويوم الجمعة، ويوم عرفة، وإذا أراد أن يحرم 1
وروى مالك في الموطأ (1/ 322) عن نافع: أن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
(د) الغسل لرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال:
لآثار وردت في ذلك كله، ولأنها مواضع اجتماع الناس فأشبه الغسل لها غسل الجمعة.
والجمار: هي الواضع الني يرمى فيها الحصى بمنى، وتطلق أيضاً على الحصيات التي يرمى بهن.
(هـ) الغسل لدخول المدينة المنورة:
إن تيسر له ذلك، قياساً على استحبابه لدخول مكة، لأن كلاً منهما ببلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخول مكة، لأن كلاً منهما بلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخوله مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
كيفيته:
للغسل كيفية واجبة، وكيفية مسنونة:
الكيفية الواجبة:
هي عبارة عن أمرين، يعبر عنهما في الفقه بفرائض الغسل:
الأول: النية عند البدء يغسل الجسم، لحديث: "إنما الإعمال بالنيات".
وكيفيتها: أن يقول بقلبه ـ وإذا تلفظ بلسانه كان أفضل ـ: نويت فرض الغسل أو نويت رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة، أو استباحة مفتقر إلى غسل.
الثاني: غسل جميع ظاهر الجسم بالماء، بشرة وشعراً، مع إيصال الماء إلى باطن الشعر وأصوله.
روى البخاري (253)، عن جابر - رضي الله عنه -، وقد سئل عن
الغسل، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ ثلاثة أكف ويفضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده.
[أكف: أي عرفات بكفيه، كما ورد في رواية عند مسلم (329): "ثلاث حفنات".
[والحفنة: ملء الكفين.
يفيضها: يصبها.
سائر: باقي].
وعند مسلم (330) وغيره، عن على - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ترك موضع شعره من جنابة لم يصيبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار".
قال علي: فمن ثم عاديت شعري.
وكان يجز شعره - رضي الله عنه - أي يحلقه.
الكيفية المسنونة:
ويعبر عنها في الفقه بسنن الغسل، وهي:
1ـ يغسل يده خارج إناء الماء ثم يغسل بيساره فرجه على بدنه من قذر، ثم يدلكها بمنظف.
روى البخاري (254)، ومسلم (317)، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قالت ميمونة: وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يديه بالأرض.
2ـ يتوضأ وضوءاً كاملاً، وأن أخر رجليه حتى نهاية الغسل فلا بأس.
3ـ يخلل شعر رأسه بماء، ثم يغسل رأسه ثلاثاً.
4ـ يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر.
دل على هذه السنن ما رواه البخاري (245)، ومسلم (316)، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه.
وفي رواية عند مسلم: ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه.
وعند البخاري (246) عن ميمونة رضي الله عنها: وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ثم يفيض الماء على جلده كله.
ودل على استحباب البدء بالشق الأيمن ما رواه البخاري (166)، ومسلم (268)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
[ترجله: تسريح شعر رأسه.
طهوره: وضوئه وغسله].
5ـ يدلك جسمه ويولي ـ أي بتتابع ـ بين غسل الأعضاء، خروجاً من خلاف من أوجب ذلك وهم الملكية.
6ـ يتعهد معاطفه بالغسل، وذلك بان يأخذ الماء فيغسل كل موضع من جسمه فيه انعطاف أو التواء، كالأذنين وطيات البطن وداخل السرة والإبط، وإن غلب على ظنه أن الماء لا يصل غليهما إلا بذلك كان واجباً.
7ـ تثليث أعمال الغسل قياساً على الوضوء.
مكروهات الغسل:
1ـ الإسراف في الماء لما مر معك في مكروها الوضوء، ولأنه خلاف فعله - صلى الله عليه وسلم -.
روى البخاري (198)، ومسلم (325)، عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
وروى البخاري (349)، ومسلم (327)، عن جابر - رضي الله عنه - وقد سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاعاً، فقال رجل: ما يكفيني؟ فقال جابر كان نكفي من هو أوفي منك شعراً وخير منك.
[أوفي: أكثر، ويعني النبي - صلى الله عليه وسلم -. والصاع: أربعة أمداد، والمد: يساوي مكعباً طول حرفه 2، 9سم].
2ـ الاغتسال في الماء الراكد: لما رواه مسلم (283)، وغيره، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".
فقالوا: يا أبا هريرة.
كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً.
أي يأخذه بيده، أو بإناء صغير.
وينوي الاغتراف إن كان الماء قليلاً، حتى لا يصير مستعملاً بمباشرته بجزء من بدنه.
أو يأخذ قليلاً من الماء من الوعاء قبل أن ينوي رفع الجنابة، ثم ينوي ويغسل به يده، ثم يتناول بها الماء.
والحكمة من هذا النهي: أن النفس تتقزز من الانتفاع بالماء المغتسل فيه بأي وجه، إلى جانب إضاعة الماء، بخروجه عن صلاحيته للتطهير، إن كان أقل من قلتين، لأنه يصبح مستعملاً بمجرد الاغتسال فيه، والناس في الغالب يحتاجون إلى الانتفاع بالماء الراكد، فلذلك نهي عن الاغتسال فيه.
التيَمّم
يسر الإسلام:
علمنا أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، والطواف، ومس المصحف وحمله، والوضوء إنما يكون بالماء، إلا أن الإنسان قد يتعذر عليه استعمال الماء: إما لفقده، أو بعده، أو لمرض يمنع من استعماله، فمن يسر الإسلام وسماحته أنه شرع
التيمم
بالتراب الطاهر عوضاً عن الوضوء أو الغسل، حتى لا يحرم المسلم من بركة العبادة.
معنى التيمم:
والتيمم في اللغة: القصد، يقال: تيممت فلاناً أي قصدته.
والتيمم في الشرع: إيصال تراب طهور للوجه واليدين بنية، وعلى وجه مخصوص.
دليل مشروعيته
الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه).
(سورة المائدة: 6).
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء " [رواه مسلم: 522].
أسباب التيمم
1ـ فقد الماء حساً: كأن كان في سفر ولم يجد ماء، أو فقده شرعاً: وذلك كأن كان معه ماء ولكنه يحتاج إليه لشربه، قال تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا).
والمحتاج إليه لشربه ونحوه في حكم المفقود بالنسبة للطهارة.
2 - بعد الماء عنه: فإذا كان بمكان لا ماء فيه، وبينه وبين الماء مسافة فوق نصف فرسخ - أي ما يساوي أكثر من كيلوين متر ونصف الكيلو متر (2. 5كم) - فإنه يتيمم ولا يجب عليه أن يسعى إلى الماء للمشقة.
3 - تعذر استعمال الماء: إما حساً، وذلك كأن الماء قريباً منه لكنه كان بقربه عدو يخاف منه.
وإما شرعاً: وذلك كأن يُخاف من استعمال الماء حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر الشفاء.
ففي هذه الحالات يتيمم ولا يجب عليه استعمال الماء لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الذي شجَّ رأسه ثم اغتسل فمات: "إنّما كانَ يَكْفِيهِ أّن يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ على جُرْحه خرقة ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْها وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ".
[انظر دليل مشروعية المسح على الجبيرة].
4 - البرد الشديد: الذي يخاف معه استعمال الماء، ولم يقدر على تسخينه، لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه تيمم عن جنابة لخوف الهلاك من البرد، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -. [رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان].
لكنه يقضي الصلاة في هذه الحالة عند وجود الماء.
شرائط التيمم:
1 - العلم بدخول الوقت.
2 - طلب الماء بعد دخول الوقت.
3 - التراب الطهور الذي لا غبار ولا دقيق ولا جِصّ فيه.
4 - أن يزيل النجاسة أولاً.
5 - وأن يجتهد في القبلة قبله.
أركانه:
و
أركان التيمم
أربعة وهي:
1 - النية: ومحلها القلب كما علمت، فيقصد في قلبه فعل التيمم، ويسن أن يتلفظ بلسانه فيقول: نويت استباحة الصلاة، أو فرض الصلاة، أو نفلها، ونحو ذلك مما يقصد فعله، فإذا نوى استباحة الفرض جاز له فعل النوافل معه.
2 - مسح وجهه ويديه إلى المرافقين بضربتين وذلك بأن يضرب بكفيه على التراب الطاهر الذي له غبار ويمسح بهما جميع وجهه.
ويضرب بيديه ثانية على التراب، ويمسح بهما يديه إلى المرفقين ويمسح بيده اليسرى يده اليمنى، وبيده اليمنى يده اليسرى.
روى الدارقطني (1/ 256) عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التيمُّم ضَرْبَتانِ: ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين إلى المرفقين".
ويستوعب العضو بالمسح، فإذا كان في يده خاتم وجب نزعه في الضربة الثانية، حتى يصل التراب إلى موضعه.
3 - الترتيب على هذا الشكل الذي ذكرنا: لأن التيمم بدل عن الوضوء، والترتيب ركن في الوضوء كما علمت، فهو ركن في بدله من بابٍ أولى.
سنن التيمم:
1 - يسن فيه ما يسن في الوضوء، من التسمية أوله، وأن يبدأ بأعلى الوجه، ويقدم اليد اليمنى بالمسح على اليسرى، كما علمت، وأن يمسح جزءاً من الرأس وجزءاً من العضد، وأن يوالي بين مسح الوجه واليدين، وأن يتشهد بعده ويدعو بالدعاء المأثور بعد الوضوء.
روى أبو داود (318) عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أكفهم.
[المناكب: جمع منكب، وهو مجتمع العضد مع الكتف،
والآباط: جمع إبط، وهو ما تحت المنكب].
2 - تفريق الأصابع عند الضرب على التراب، إثارة للغبار، واستيعاب الوجه بضربة واحدة، وكذلك اليدين.
3 - تخفيف التراب، بنفض الكفين أو النفع فيهما، لما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: " إنَّما يَكْفيكَ أَنْ تصْنَعَ هَكَذَا" فضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما - وفي رواية أخرى: ونفخ فيهما - ثم مسح بهما.
التيمم بعد دخول الوقت:
من توفرت فيه أسباب التيمم ليس له أن يتيمم لصلاة الفريضة إلا بعد دخول وقتها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصلِّ" [رواه البخاري: 328] وعند أحمد (2/ 222): "أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" أي تيممت وصليت.
فقد دلت الروايتان على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، ولا يكون إدراك الصلاة إلا بعد دخول وقتها.
التيمم لكل فريضة:
ولا يصلي بالتيمم إلا فرضاً واحداً، ويصلي ما شاء من السنن وكذلك صلاة الجنازة، فإذا أراد أن يصلي فرضاً آخر تيمم، وإن لم يحدث بعدد تيممه الأول، وسواء كانت الصلاة أداءً أم قضاءً.
روى البيهقي (1/ 221) بإسناد صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث ".
التيمم بدل الغسل فريضة:
يكون التيمم - عند توفر أسبابه - بدل الغسل لمن كان في حاجة إليه، كما يكون بدل الوضوء.
قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا وأن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ [المائدة: 6]
[الغائط: مكان قضاء الحاجة.
لامستم: لمستم].
وروى البخاري (341)، ومسلم (682)، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: كنَّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فصلى بالناس،
فإذا هو برجل معتزل، فقال: "ما منعك أن تصلي"؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" والصعيد: ما صعد على وجه الأرض من التراب.
مبطلاته:
يبطل التيمم وينقضه أمور:
1 - كل ما يبطل الوضوء من النواقض التي ذكرت في الوضوء.
2 - وجود الماء بعد فقده: لأن التيمم بدل الماء، فإذا وجد الأصل بطل البدل.
روى أبو داود (332) وغيره، عن أبي ذر رضي الله عنه: أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير".
[فليمسه بشرته: فليتطهر به، وهذا يدل على بطلان تيممه بوجود الماء].
ولوجود الماء بعد انقضاء
الصلاة
فقد صحُت صلاته، وليس عليه قضاؤها.
وكذلك لو وجده بعد شروعه في الصلاة فإنه يتمها وهي صحيحة، ولو قطعها ليتوضأ ويصلي بالوضوء كان أفضل.
3 - القدرة على استعمال الماء: كمن كان مريضاً فبريء.
4 - الردة عن الإسلام والعياذ بالله تعالى: لأن التيمم للاستباحة وهي منتفية مع الردة، بخلاف الوضوء والغسل فإنهما رفع للحدث.
الصَّلاَة
معنى
الصلاة
:
تطلق كلمة الصلاة في اللغة العربية على الدعاء بخير.
قال الله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: 103] أي ادع الله لهم بالمغفرة.
أما في اصطلاح الفقهاء: فتطلق كلمة الصلاة على أقوال وأفعال مخصوصة، تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم.
سميت صلاة لأنها تشتمل على الدعاء ولأنه الجزء الغالب فيها، إطلاقاً لاسم الجزء على الكل.
حكمتها:
للصلاة حِكمٌ وأسرار كثيرة تلخصها فيما يلي:
أولاً: أن ينتبه الإنسان إلى هويته الحقيقة، وعي أنه عبدٌ مملوك لله عز وجل، ثم أن يظل متذكراً لها، بحيث كلما أنسته مشاغل الدنيا وعلاقاته بالآخرين هذه الحقيقة جاءت الصلاة فذكرته من جديد بأنه عبد مملوك لله عز وجل.
ثانياً: أن يستقر في نفس الإنسان أنه لا يوجد معين ومنعم حقيقي إلا الله عز وجل وإن كان يرى في الدنيا وسائط وأسباباً كثيرة يبدو - في الظاهر- أنها هي التي تعين وتنعم، ولكن الحقيقة أن الله سخرها جميعاً
للإنسان.
فكلما غفل الإنسان واسترسل مع الوسائط الدنيوية الظاهرة، جاءت الصلاة تذكرة بأن المسبب هو الله وحده المعين والمنعم، والضار والنافع، والمحيي والمميت.
ثالثاً: أن يتخذ الإنسان منها ساعة توبة يتوب فيها عما يكون قد اقترفه من الآثام، إذ الإنسان معرَّض، في ساعات يومه وليله، لكثير من المعاصي التي قد يشعر بها وقد لا يشعر، فتكون صلاته المتكررة بين الحين والآخر تطهيراً له من تلك المعاصي والأوزار.
وقد أوضح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في الحديث الذي رواه مسلم (668)، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات" قال: قال الحسن: وما يبقى ذلك من الدرن؟.
[غمر: كثير المياه.
الدرن: الوسخ، والمراد هنا الدرن المعنوي وهو الذنوب، ويدل على ذلك رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم أيضاً (667): "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"]
رابعاً: أن تكون غذاءً مستمراً لعقيدة الإيمان بالله تعالى في قلبه.
فإن ملهيات الدنيا ووساوس الشيطان من شأنها أن تنسى الإنسان هذه العقيدة وإن كانت مغروسة في قلبه، فإذا استمر في نسيانه بسبب انصرافه إلى ضجيج الأهواء والشهوات والأصدقاء تحوَّل النسيان إلى جحود وإنكار، كالشجرة التي قطع عنها الماء تذبل حيناً من الزمن ثم يتحول الذبول إلى موت وتتحول الشجرة إلى حطب يابس.
ولكن المسلم إذا ما ثابر على الصلاة، كانت غذاءً لإيمانه، ولم تعد الدنيا وملهياتها قادرة على إضعاف الإيمان في قلبه أو أمانته.
تاريخ مشروعيتها:
الصلاة من العبادات القديمة في مشروعيتها، فقد قال تعالى عن سيدنا إسماعيل عليه السلام: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً﴾ [مريم: 55]، فقد عرفتها الحنيفية التي بعث بها إبراهيم، وعرفها أتباع موسى عليه السلام، وقال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً﴾ [مريم: 31] وعندما بعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين كل صباح ويصلي ركعتين كل مساء، قيل: وهما المقصودتان بقول الله تعالى خطاباً لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [المؤمن: 55]
الصلوات المكتوبة:
وهي الصلوات المفروضة على كل مسلم مكلف وهي: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
شرعت هذه الصلوات ليلة أسريَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات، فقد فرض الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسائر المسلمين خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خففها الله عز وجل إلى خمس صلوات، فهي خمسٌ في الأداء والفعل وخمسون في الأجر.
جاء في حديث الإسراء والمعراج الذي رواه البخاري (342)، ومسلم (163)، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل .. ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ... ففرض الله
على أمتي خمسين صلاة ... فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي".
والصحيح أن حادثة الإسراء كانت قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بثمانية عشر شهراً، وإذا فإن الصلوات الخمس المكتوبة نسخت الركعتين اللتين كانتا في الصباح والمساء.
دليل مشروعيتها:
ثبتت مشروعية الصلاة بآيات كثيرة من كتاب الله، وبأحاديث كثيرة من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون*وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ [الروم: 17و18]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أراد بقوله: ﴿حين تمسون﴾: صلاة المغرب والعشاء، ﴿وحين تصبحون﴾: صلاة الصبح، ﴿وعشياً﴾: صلاة العصر، ﴿وحين تظهرون﴾ صلاة الظهر.
وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: 103]. أي محتمة وموقتة بأوقات مخصوصة.
ومن السنة: حديث الإسراء السابق: وما رواه البخاري (1331)، ومسلم (19)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً - رضي الله عنه - إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمداً رسول الله، فإن هم
أطاعوا لذلك فأعلمهم أن لله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .. " وقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه من الصلاة: "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال "لا إلا أن تطوع"" (رواه البخاري: 46، ومسلم: 11).
مكانتها في الدين:
الصلاة أفضل العبادات البدنية على الإطلاق، فقد جاء رجل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال فقال له: "الصلاة" قال: ثم مه؟ قال: "ثم الصلاة" قال: ثم مه؟ قال: "الصلاة" قال: ثلاث مرات.
(رواه ابن حبان: 258).
وقد ثبت في الصحيحين أن الصلاتين يؤديهما المسلم أداء سليماً تكونان كفارة لما بينهما من الذنوب، فعند البخاري (505)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا".
وعند مسلم (231)، عن عثمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن".
كما أن التهاون في الصلاة تأخيراً أو تركاً، من شأنه أن يؤدي بصاحبه ـ إن هو استمر على ذلك ـ إلى الكفر.
إذا الصلاة هي الغذاء الأول للإيمان كما قد علمت.
دوى الإمام أحمد (6/ 421)، عن أم أيمن رضي الله عنها أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تتركي الصلاة متعمداً، فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمه الله ورسوله".
وروي مثله عن معاذ - رضي الله عنه - (5/ 238)
حكم تارك الصلاة:
تارك الصلاة إما أن يكون قد تركها كسلاً وتهاوناً، أو تركها جحوداً لها، أو استخفاً بها:
فأما من تركها جاحداً لوجوبها، أو مستهزئاً بها، فإنه يكفر بذلك ويرتد عن الإسلام، فيجب على الحاكم أن يأمره بالتوبة، فإن تاب وأقام الصلاة فذاك، وإلا قبل على أنه مرتد، ولا يجوز غسله ولا تكفينه ولا الصلاة عليه، كما لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، لأنه ليس منهم.
وأما إن تركها كسلاً، وهو يعتقد وجوبها، فإنه يكلف من قبل الحاكم بقضائها والتوبة عن معصية الترك.
فإن لم ينهض إلى قضائها وجب قتله حداً، أي يعتبر قتله حداً من الحدود المشروعة لعصاة المسلمين، وعقوبة على تركه فريضة يقاتل عليها.
ولكنه يعتبر مسلماً بعد قبله ويعامل في تجهيزه ودفنه وميراثه معاملة المسلمين لأنه منهم.
روى البخاري (25)، ومسلم (22)، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
دليل الحديث على أن من أقر بالشهادتين بقاتل إن لم يقم الصلاة،
ولكنه لا يكفر، بدليل ما رواه أبو داود (1420) وغيره، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: سمعت - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضع منهن، شئ استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة".
فقد دل على أن تارك الصلاة لا يكفر، لأنه لو كفر لم يدخل في قوله: "وإن شاء أدخله الجنة"، إذ الكافر لا يدخل الجنة قطعاً، فحمل على من تركها كسلاً، جمعاً بين الأدلة.
روى مسلم (82) وغيره، عن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
وهو محمول على الترك جحوداً وإنكاراً لفريضتها، أو استهزاء بها واستخفافاً بشأنها.
أوقات الصلوات المفروضة:
الصلوات الخمس، كل منها لها وقت معين، ذو بداية لا تصح إذا قدمت عليها، وذو نهاية لا يجوز تخيرها عنها.
قال لله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ًموقوتاً﴾ [النساء: 103].
أي كانت فريضة محددة بأوقات مخصوصة.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فرضت الصلوات الخمس، يعرفه أوقاتها، ويضبط له وقت كل منها ابتداءً وانتهاءً.
[أنظر سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب ما جاء في المواقيت رقم (393)، والترمذي أول كتاب الصلاة رقم (149)].
كما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك للمسلمين بالقول والفعل.
والحديث الذي يجمع مواقيت الصلوات الخمس ما رواه (مسلم: 614) وغيره، عن أبي موسى الأِشعري - رضي الله عنه -، عن الني - صلى الله عليه وسلم -: إنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً.
وفي رواية أخرى قال: "اشهد معنى الصلاة.
قال: فأقام الفجر حين أنشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منه، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق.
ثم أخّر الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى أنصرف منها والقائل يقول: قد أحمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح، فدعا السائل فقال: "الوقت بين هاذين".
[انشق الفجر: طلع ضوءه.
زالت: مالت عن وسط السماء.
الشفق: الحمرة التي تظهر بعض غروب الشمس.
سقوط الشفق: غيابه".
وهناك أحاديث بينت بعض ما أجمل فيه، أو زادت عليه، كما سترى في تفصيل وقت كل صلاة، واليك بيانها:
" الفجر":
يدخل وقته ظهور الفجر الصادق ويمتد إلى طلوع الشمس، قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" (رواه مسلم: 612).
" الظهر":
يبدأ وقته بانحراف الشمس عن منتصف السماء نحو الغروب ـ ويسمونه الزوال ـ حيث يظهر للشاخص عندئذ ظل يسير يبدأ بالامتداد نحو جهة الشرق- ويسمونه ظل الزوال-.
ويمتد وقته إلى أن يصير طوال ظل الشئ مثله، علاوة على ظل الزوال الذي كان علامة على أول وقت الظهر.
روى مسلم (612) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "وقت الظهر إذ زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر".
" العصر":
يبدئ وقته بنهاية وقت الظهر ويستمر حتى تغرب الشمس، دل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (رواه البخاري: 554، ومسلم 618).
ولكن الاختيار أن لا يؤخرها المصلي عن مصير ظل الشئ مثليه علاوة على ظل الزوال، لما مر معك في حديث المواقيت، ولقول - صلى الله عليه وسلم -: "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" (رواه مسلم: 612). وهو محمول على الوقت المختار.
"المغرب": يبتدئ وقته بغروب الشمس، ويمتد حتى يغيب الشفق الأحمر ولا يبقى له أثر في جهة الغرب.
والشفق الأحمر: وهو بقايا من آثار ضوء الشمس، يظهر في الأفق الشرقي عند وقت الغروب، ثم أن الظلام يطارده نحو الغروب شيئاَ فشيئاً.
فإذا أطبق الظلام وامتد إلى الأفق الغربي، وزوال أثر الشفق الأحمر، فذلك يعني انتهاء وقت المغرب ودخول وقت العشاء.
دل على ذلك حديث المواقيت، مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (رواه مسلم 612).
"العشاء":
يدخل وقته بانتهاء وقت المغرب ويستمر إلى ظهور الفجر الصادق.
والاختيار ألا تؤخر عن الثلث الأول من الليل.
والمقصود بالفجر الصادق ضياء ينتشر ممتداً مع الأفق الشرقي، وهو انعكاس لضوء الشمس تقبل من بعيد.
ثم إن هذا الضياء يعلو نحو السماء شيئاً فشيئاً إلى أن يتكامل بطلوع الشمس.
ودل على وقت العشاء ابتداءً وانتهاءً واختياراً: ما جاء في حديث المواقيت مع ما رواه مسلم (681) وغيره، عن أبي قتادة - رضي الله عنه - إنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أما أنه ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى".
فدل على أن وقت الصلاة لا يخرج إلا بدخول غيرها وخروج الصبح من هذا العموم.
هذه هي أوقات الصلاة الخمس، ولكن ينبغي أن لا يتعمد المسلم تأخيرها إلى أواخر أوقاتها، محتجاً باتساعها، إذ ربما تسبب عن ذلك
إخراجها عن وقتها، بل ربما تسبب عن هذا التهاون تركها، وإنما يسن تعجيل الصلوات لأول الوقت، وقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الأعمال؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، أي عند أول وقتها.
" (رواه البخاري: 504، ومسلم: 85)
وأعلم أن من وقع بعض صلاته في الوقت، وبعضها خارجه: فإنه إن وقع ركعة في الوقت كانت الصلاة أداء، وإلا كانت قضاءً، ودليل ذلك ما روه (البخاري: 554، ومسلم: 608)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك أن الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (رواه البخاري: 555، ومسلم: 607).
الأوقات التي تكره فيها الصلاة:
تكره الصلاة كراهة التحريم:
1 - عند الاستواء إلاّ يوم الجمعة، وبعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح في النظر.
2 - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
ودليل ذلك ما رواه مسلم (831) عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.
[بازغة: المراد أول ظهور قرصها.
وقائم الظهيرة: أصله أن البعير
يكون باركاً فيقوم من شدة حر الأرض، فصار يكني به عند شدة الحر.
تميل: عن وسط السماء.
تضيف: تميل مصفرة وتقرب من الغروب].
وهذه الكراهة إلا لم يكن للصلاة سبب متقدم، أو تعمد الدفن فيها.
وأما إذا لم يتعمد فيها الدفن وجاء اتفاقاً، أو كان للصلاة سبب متقدم كسنة الوضوء وتحية المسجد وقضاء الفائتة، فأنه لا كراهة في ذلك.
ويدل على عدم الكراهة: ما رواه (البخاري: 572، ومسلم: 684)، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من نسى صلاة فليصلِّ إذا ذكرها لا كفارة لها إلا إذا: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: 14].
فقوله: "إذا ذكرها": يدل على أن وقتها المشروع، والمطالب بصلاتها فيه، هو وقت الذكر، وقت يذكرها في أحد الأوقات المنهي عنها، فدل على استثناء ذلك من النهي.
وما رواه (البخاري: 1176، ومسلم: 834)، وعن أم سلمة رضي الله عنها: إنه - صلى الله عليه وسلم -: صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عن ذلك فقال: "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه آتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان".
وقيس على القضاء غيره مما له سبب متقدم من الصلوات.
ويستثنى من هذا النهي مطلقاً حرم مكة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " يا بني
عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار" (رواه الترمذي: 868، وأبو داود: 1894).
إعادة الصلاة المكتوبة وقضاءها:
أما الإعادة:
فهي أن يؤدي صلاة من الصلوات المكتوبة، ثم يرى فيها نقصاً أو خللً في الآداب أو المكملات، فيعيدها على وجه لا يكون فيها ذلك النقص أو الخلل.
وحكمها: الاستحباب.
ومثال ذلك أن يكون قد صلى الظهر منفرداً، ثم يدرك من يؤدي هذه الصلاة جماعة، فيسن أن يعيدها معه.
والفرض بالنسبة له هو الصلاة الأولى، وتقع الثانية نافلة.
روى الترمذي (219)، إنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح فرأى رجلين لم يصليا معه فقال: " ما منعكم أن تصليا معنا؟ ) فقال: " يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا.
قال: " فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة".
[رحالنا: منازلنا ومساكننا].
أما إذا لم يكن في الأولى خلل أو نقص، ولم تكن الصلاة أتم من الأولى، فلا تسن الإعادة.
وأما القضاء:
فهو تدارك الصلاة بعد خروج وقتها، أو بعد أن لا يبقى من وقتها ما يسع ركعة فأكثر وإلا فهي أداء كما قدمنا سابقاً.
وقد اتفق جمهور العلماء من مختلف المذاهب على أن تارك
الصلاة يكلف بقضائها، سواء تركها نسياناً أم عمداً، مع الفارق التالي: وهو أن التارك لها بعذر كنسيان أو نوم لا يأثم، ولا يجب عليه المبادرة إلى قضائها فوراً، أما التارك لها بغير عذر- أي عمداً - فيجب عليه - مع حصول الإثم - المبادرة إلى قضائها في أول فرصة تسنح له.
ودليل وجوب القضاء للصلاة المتروكة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (رواه البخاري: 572، ومسلم: 684، وغيرهما).
فقوله: " لا كفارة لها إلا ذلك": يدل على أنه لا بد من قضاء الفرائض الفائتة، مهما كثر عددها أو بعد زمانها.
من تجب عليه الصلاة؟
تجب الصلاة على كل مسلم ذكراً أو أنثى، بالغ عاقل طاهر.
فلا تجب على كافر، وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين* حتى أتانا اليقين﴾ (المدثر: 42 - 47).
[سلككم: أدخلكم وحبسكم.
سقر: جهنم، يقال: سقرته الشمس لوحت جلده وغيرت لونه.
نخوض: نتكلم الباطل ونفعله.
اليقين: الموت، أو الإطلاع على الحقيقة بيوم القيامة].
ولا تجب على صبي صغير لعدم تكليفه، ولا على مجنون لعدم
إدراكه، ولا على حائض أو نفساء لعدم صحتها منهما، لقيام المانع منها وهو الحدث فيهما.
وإذا أسلم الكافر فإنه لا يكلف قضاء ما فاته ترغيباً له في الدين، ولقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (الأنفال: 38).
إلا المرتد فيلزمه قضاء ما فاته أيام ردته بعد إسلامه تغليظاً عليه.
ولا يجب قضاء ما فات الحائض والنفساء من الصلاة أيام الحيض والنفاس، أن في وجوب القضاء مشقة عليهما.
وكذلك لا يجب القضاء على المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من الجنون والإغماء، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل" (رواه أبو داود: 4403، وغيره).
[يحتلم: يبلغ].
فالحديث ورد في المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسبب عذر فيه، وإنما وجب القضاء على النائم بالحديث الذي مر سابقاً: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها".
هذا ويجب أن يؤمر الصبي بالصلاة بعد استكماله سن السابعة، ويضرب على تركها إذا بلغ عشر سنين تعويداً له على الصلاة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشراً فاضربوه عليها" (رواه أبو داود: 494، والترمذي: 407، ولفظه: "علموا الصبي".
وقال: حديث حسن صحيح).
الأذَانُ وَالإِقامَة
الأذان:
أما الأذان فذِكرٌ مخصوص، شرعه الإسلام للإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، ولدعوة المسلمين إلى الاجتماع إليها.
حكم الأذان:
والأذان سنة للصلاة الحاضرة والفائتة، سنة مؤكدة على الكفاية في حق الجماعة، أما بالنسبة للمنفرد فهو سنة عينية.
وللأذان أهمية كبرى في إظهار شعيرة من شعائر الإسلام.
دليل تشريعه:
ودليل تشريع الأذان القرآن والسنّة:
فأما القرآن: فقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (الجمعة: 99).
وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم".
... (رواه البخاري: 602، ومسلم: 674).
بدء تشريعه:
كان تشريع الأذان في السنة الأولى للهجرة، روى البخاري (579)، ومسلم (377)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان
المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادي لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر - رضي الله عنه -: أولاً تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا بلال قم فناد بالصلاة".
[فيتحينون: من الحين وهو الوقت والزمن، أي يقدرون حينها ليأتوا إليها.
قرن: هو البوق الذي له عنق يشبه القرن].
وصيغة الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداَ رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ونضيف في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، بعد قوله: على الفلاح الثانية.
وقد ثبتت هذه الصيغة بالأحاديث الصحيحة، عند البخاري ومسلم وغيرهما.
شروط صحة الأذان:
ويشترط لصحة الأذان الأمور التالية:
1 - الإسلام: فلا يصح الأذان من كافر لعدم أهليته للعبادة.
2 - التمييز: فلا يصح من صبي غير مميز لعدم أهليته للعبادة أيضاً، وعدم ضبطه للوقت.
3 - الذكورة: فلا يصح أذان المرأة للرجال، كما لا تصح إمامتها لهم.
4 - وترتيب كلمات الأذان للإتباع في ذلك، ولأن ترك الترتيب يوهم اللعب ويخل بالإعلام.
5 - والولاء بين كلماته، بحيث لا يقوم فاصل كبير بين الكلمة والأخرى.
6 - ورفع الصوت إذا كان يؤذن لجماعة، أما إذا كان يؤذن لمنفرد فيسن رفع الصوت في غير مسجد وقعت فيه جماعة، أما إذا أذن لمنفرد في مسجد وقعت فيه جماعة فيسن خفض الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول الصلاة الأخرى.
روى البخاري (584) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة".
أما جماعة النساء:
فلا يندب لهن الأذان: لأن في رفع صوتهن يخشى الفتنة، ويندب لهن الإقامة، لأنها لاستنهاض الحاضرين وليس فيها رفع صوت كالأذان.
7 - دخول الوقت، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم " (رواه البخاري: 603، ومسلم: 674). ولا تحضر الصلاة إلا بدخول وقتها.
ولأن الأذان للإعلام بدخول الوقت، فلا يصح قبله
بالإجماع، إلا في الصٌّبح، فإنه يجوز من نصف الليل لما سيأتي في سنن الأذان.
سنن الأذان:
ويسنّ للأذان الأمور التالية:
1 - أن يتوجه المؤذن إلى القبلة، لأنها أشرف الجهات وهو المنقول سلفاً وخلفاً.
2 - وأن يكون طاهراً من الحدث الأصغر والأكبر، فيكره الأذان للمحدث، وأذان الجنب أشد كراهة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر" أو قال: "على طهارة" (رواه أبو داود: 17، وغيره).
3 - وأن يؤذن قائماً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " يا بلال قم فناد للصلاة".
4 - أن يلتفت بعنقه - لا بصدره - يميناً في "حيَّ على الصَّلاة"، ويساراً في "حيَّ على الفَلاح".
روى البخاري (608) أن أبا جحيفة - رضي الله عنه - قال: رأيت بلالاً يؤذن، فجعلت أتتبع فاه هنا وهنا بالأذان يميناً وشمالاً: حتى على الصلاة حتى على الفلاح.
5 - أن يرتَّل كلمات الأذان، وهو التأني فيه، لأن الأذان إعلامٌ للغائبين، فكان الترتيل فيه أبلغ في الإعلام.
6 - الترجيع بالأذان، وهو أن يأتي المؤذن بالشهادتين سراً قبل أن يأتي بهما جهراً، لثبوت ذلك في حديث أبي محذورة - رضي الله عنه -
الذي رواه مسلم (379) وفيه: "ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله".
7 - التثويب في أذان الصبح، وهو أن يقول بعد حيَّ على الفلاح: الصلاة خيرٌ من النوم مرتين، لورود ذلك في حديث أبي داود (500).
8 - أن يكون المؤذن صيَتاً حين الصوت، ليرقّ قلب السامع، ويميل إلى الإجابة، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، الذي رأى الأذان في النوم: " فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك" (رواه أبو داود: 499، وغيره).
[قال في المصباح: أندى صوتاً منه كناية عن قوته وحسنه].
9 - أن يكون المؤذن معروفاً بين الناس بالخلق والعدالة، لأن ذلك أدعى لقبول خبره عن الأوقات، ولأن خبر الفاسق لا يقبل.
10 - عدم التمطيط بالأذان، أي تمديده والتغني به، بل يكره ذلك.
11 - ويسن مؤذنان في المسجد لأذان الفجر، يؤذن واحد قبل الفجر، والآخر بعده ودليل ذلك حديث البخاري (592) ومسلم (1092): " إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم".
12 - ويسن لسامع الأذان الإنصات، وأن يقول كما يقول المؤذن، ودليل ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" (رواه البخاري: 586، ومسلم: 383).
لكن يقول في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ودليل ذلك حديث البخاري (588) ومسلم (385) واللفظ له: "وإذا قال حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله" وجاء في آخر الحديث أن: "من قال ذلك من قلبه دخل الجنة".
ويسن أن يقول في التثويب: صدقت وبررت أي صدقت بالدعوة إلى الطاعة، وأنها خير من النوم، وصرت باراً.
13 - الدعاء والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الأذان:
ويسن للمؤذن وللسامع، إذا انتهى المؤذن من أذانه أن يصليا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدعوا له لما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - وحضنا عليه:
روى مسلم (384) وغيره، عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه -: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله بها عليه عشراً.
ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة".
أي استحقها ووجبت له.
وروى البخاري (579) وغيره عن جابر رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ سيِّدنا محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
[الدعوة التامة " دعوة التوحيد التي لا ينالها تغيير ولا تبديل].
الفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق.
مقاماً محموداً: يحمد
القائم فيه.
الذي وعدته: يقول سبحانه: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ (الإسراء: 22)
ويقول المؤذن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء بصوت أخفض من الأذان ومنفصل عنه، حتى لا يتوهم أنها من ألفاظ الأذان.
الإقامة:
وأما الإقامة: فهي نفس الأذان مع ملاحظة الفوارق التالية:
1 - الأذان مثنى، والإقامة فرادى.
ودليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - عند البخاري (580)، ومسلم (378): أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة - أي لفظ قد قامت الصلاة - فإنها تكرر مرتين.
وصيغة الإقامة كاملة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم وغيرهما.
2 - الترسل والتمهُّل في الأذان، والإسراع في الإقامة، لأن الأذان للغائبين، فكان الترتيل فيه أبلغ، والإقامة للحاضرين، فكان الإسراع فيها أنسب.
3 - من كان عليه فوائت وأراد أن يقضيها أذَّن للأولى فقط، وأقام لكل صلاة، ودليل ذلك أن الني - صلى الله عليه وسلم -: "جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين" (رواه مسلم: 1218).
شروطها:
هي نفس شروط الأذان.
سنن الإقامة:
وسنن الإقامة هي أيضاً سنن الأذان، ويزاد استحباب أن يكون المؤذَّن هو المقيم.
ويسنُّ للسامع أن يقول: أقامها الله وأدامها (رواه أبو داود: 528).
النداء للصلوات غير المفروضة:
الأذان والإقامة سنة مؤكدة للصلوات المفروضة، أما غيرها مما تسنُّ فيه الجماعة كالعيدين والكسوفين والجنازة، فلا يسن فيها الأذان والإقامة، وإنما يقول فيها: الصلاة جامعة.
روى البخاري (1003)، ومسلم (910)، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لما انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نودي: "الصلاة جامعة".
وقيس على صلاة الكسوف ما في معناها من الصلوات المسنونة التي تشرع فيها الجماعة.
شرُوط صِحَّةِ الصَّلاَة
معنى الشرط:
شرط الشيء كل ما يتوقف عليه وجود ذلك الشيء، وهو ليس جزءاً منه.
مثاله: النبات: لا بد لوجوده على وجه الأرض من المطر، مع العلم بأن المطر ليس جزءاً من النبات، فالمطر إذاً شرط لوجود النبات.
والآن، ما هي
شروط صحة الصلاة
؟ تتلخص شروطها عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الأمور الأربعة التالية: 1 - الطهارة: وقد عرفت معنى
الطهارة
في باب الطهارة وهي تنقسم إلى أنواع، لابدَّ من توفر كل واحد منها لصحة الصلاة، وهي:
(أ) طهارة الجسم من الحدث: فالمُحدث لا تصح صلاته، سواءً كان الحدث أصغر - وهو فقد الوضوء- أو أكبر كالجنابة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "لا تقبل صلاة بغير طهور" (رواه مسلم: 224).
(ب) طهارة البدن من النجاسة: وقد عرفت معنى النجاسة وأنواعها في باب الطهارة أيضاً.
ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في اللذين يعذبان
في قبرهما: "أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول" (رواه البخاري: 215، ومسلم: 292). وفي رواية لا يستتر، وأخرى: لا يستنزه، وكلها صحيحة ومعناها: لا يتجنبه ويتحرز منه.
ومثل البول كل النجاسات المختلفة الأخرى، قال - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها: "فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (رواه البخاري: 266، ومسلم: 333).
(ج) طهارة الثياب من النجاسة: فلا يكفي أن يكون الجسم نقياً عن النجاسة، بل لا بد أن تكون الثياب التي يرتديها المصلي نقية أيضاً عن جميع النجاسات، دليل ذلك قول الله جل جلاله: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: 4]
وروى أبو داود (365)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن خولة بنت يسار أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: "إذا طهرت فاغسليه ثم صلى عليه" فقالت فإن لم يخرج الدم؟ قال: " يكفيك غسل الدم، ولا يضرك أثره".
(د) طهارة المكان عن النجاسة: ويقصد بالمكان الحيِّز الذي يشغله المصلي بصلاته فيدخل في المكان ما بين موطئ قدمه إلى مكان سجوده، مما يلامس شيئاً من بدنه أثناء الصلاة، فما لا يلامس البدن لا يضر أن يكون نجساً، مثل المكان الذي يحاذي صدره عند الركوع والسجود، ودليل هذا الشرط أمره - صلى الله عليه وسلم - بصب الماء على المكان الذي بال
فيه الأعرابي في المسجد (رواه البخاري: 217)، وقياساً للمكان على الثوب، لأن المكان كالثوب في ملامسة البدن.
2 -
العلم بدخول الوقت:
وقد عرفت أن لك من الصلوات المكتوبة وقتاً معيناً، يجب أن تقع فيه ... غير أنه لا يكفي أن تقع الصلاة في الوقت، بل لا بد أن يعلم المصلي ذلك قبل المباشرة بالصلاة، فلا تصح صلاة من لم يعلم دخول وقتها، وإن تبيَّن له بعد ذلك أنها صادفت وقتها المشروع.
*
كيفية معرفة دخول الوقت:
ويعرف دخول وقت الصلاة بوسيلة من الوسائل الثلاثة الآتية:
العلم اليقيني: بأن يعتمد على دليل محسوس، كرؤية الشمس وهي تغرب في البحر.
الاجتهاد: بأن يعتمد على أدلة ظنية ذات دلالة غير مباشرة، كالظل، والقياس بالأعمال وطولها.
التقليد: إذا لم يمكن العلم اليقيني أو الاجتهاد، كجاهل بأوقات الصلاة ودلائلها، فيقلد إما العالم المعتمد على دليل محسوس، أو المجتهد المعتمد على الأدلة الظنية.
*
حكم صلاة من صلى خارج الوقت:
إذا تبين للمصلي أن صلاته قد وقعت قبل دخول الوقت تعتبر باطلة وتجب إعادتها، سواء كان معتمداً على علم أو اجتهاد أو تقليد.
3 -
ستر العورة:
هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الصلاة، ولا بد لمعرفة هذا الشرط من بيان الأمور التالية:
(أ) معنى العورة:
يقصد بكلمة العورة شرعاً: كل ما يجب ستره أو يحرم النظر إليه.
(ب) حدود العورة
في الصلاة:
حدودها بالنسبة للرجل: ما بين السرة والركبة، فيجب أن لا يبدوا شئ منه في الصلاة.
وحدودها بالنسبة للمرأة: كل البدن ما عدا الوجه والكفَّين، فيجب أن لا يبدو شئ مما عدا ذلك في الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: 31].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد به الثياب في الصلاة (مغني المحتاج: 1/ 184].
وروى الترمذي (277) وحسَّنه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمارٍ".
(والحائض: البالغ، لأنها بلغت سن الحيض.
والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، وإذا وجب ستر الرأس فستر سائر البدن أولى].
(ج) حدود العورة خارج الصلاة:
*حدود عورة الرجل ما بين السرَّة والركبة بالنسبة للرجال أيَّاً كانوا، وبالنسبة لمحارمه من النساء.