المقدمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أما عند النساء الأجنبيات فما عدا الوجه والكفين على المعتمد 1.
أي لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إلى ماعدا وجه الرجل الأجنبي وكفيه، فإن كان النظر بشهوة حرم بالنسبة للوجه أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ [النور: 31].
*وحدود عورة المرأة: عند النساء المسلمات ما بين سرتها وركبتها.
أما عند النساء الكافرات، فما عدا الذي يظهر منها لضرورة القيام إلى عمل ما كخدمة البيت ونحوه.
وأما عند الرجال المحارم لها: فما بين السرة والركبة، أي فيجوز لها أن تبدي سائر أطراف جسمها أمامهم بشرط أمن الفتنة وإلا فلا يجوز ذلك أيضاً.
قال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو بني أخواتهن أو نسائهن﴾ [النور: 31].
وفسرت الزينة بمواضعها فوق السرة أو تحت الركبة.
(بعولتهن: أزواجهن.
نسائهن: النساء المسلمات).
وأما عند الرجال الأجانب فجميعها عورة، فلا يجوز لها أن تكشف شيئاً من بدنها أمامهم إلا لعذر، كما لا يجوز لهم أن ينظروا إليها أن كشفت شيئاً من ذلك.
قال تعالى: ﴿قل للمؤمنات يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم﴾ [النور: 30]
وروى البخاري (365)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات، ملتفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيتهن، ما يعرفهن أحد".
(ملتفعات في مروطهن: متلففات بأكسيتهن، واللفاع: ثوب يجلل به الجسد كله).
أما
حالات جواز كشف العورة والنظر إليها لعذر:
1 - عند الخطبة لأجل النكاح، فيجوز النظر إلى الوجه والكفين، وسيأتي في باب النكاح.
2 - النظر للشهادة أو المعاملة، فيجوز النظر إلى الوجه خاصة، إذا كانت هناك حاجة لمعرفة تلك المرأة، ولم تعرف دون النظر إليها.
3 - من أجل التطيب والمداواة، فيجوز كشف العورة والنظر إليها بقدر الحاجة.
روى مسلم (2206)، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "أن أم سلمة رضي الله عنها استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا طيبة أن يحجمها".
ويشترط أن يكون ذلك بوجود محرم أو زوج، وأن لا توجد امرأة تعالجها، وإذا وجد المسلم أو المسلمة لا يعدل إلى غيرهما.
4 -
استقبال القبلة:
وهذا هو الشرط الرابع من شروط صحة الصلاة.
دليل وجوب استقبالها:
دليل هذا الشرط صريح قول الله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: 150].
وروى البخاري (5897)، ومسلم (397) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للذي علمه كيف يصلي: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر".
والمراد بالمسجد الحرام بالآية، وبالقبلة في الحديث: الكعبة.
تاريخ مشروعية استقبال القبلة:
روى البخاري (390)، ومسلم (525) عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾.
فتوجه نحو الكعبة.
وإذا فإن تاريخ مشروعية استقبال الكعبة يبدأ في أوائل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
كيفية الاستدلال على القبلة:
إما أن يكون المصلي قريباً من الكعبة بحيث يمكنه رؤيتها إذا شاء، أو أن يكون بعيداً عنها بحيث لا يمكن رؤيتها:
أما القريب منها: فيجب أن يستقبل عين الكعبة يقيناً.
وأما البعيد عنها: فيجب عليه أن يستقبل عين الكعبة معتمداً على الأدلة الظنية، إن لم يمكنه الدليل القطعي.
كيفية الصلاة
عدد ركعاتها:
عندما فرض الله على المسلمين الصلوات المكتوبة، جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ كما مر معك ـ يضبط للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقت كل منها ابتداء وانتهاء، ويوضح له عدد ركعات كل منها، وهي كما يلي:
صلاة الفجر:
ركعتان، بقيامين وتشهد أخير.
صلاة الظهر:
أربع ركعات بتشهدين، أولهما على رأس ركعتين والثاني في آخر الصلاة.
صلاة العصر:
أربع ركعات كصلاة الظهر.
صلاة المغرب:
ثلاث ركعات بتشهدين، أولهما على رأس ركعتين والثاني في آخر الصلاة.
صلاة العشاء:
أربع ركعات مثل الظهر والعصر.
أركَان الصَّلاَة
معني الركن:
ركن الشيء ما كان جزءاً أساسياً منه، كالجدار من الغرفة، فأجزاء الصلاة إذا أركانها كالركوع والسجود ونحوهما.
ولا يتكامل وجود الصلاة ولا تتوفر صحتها إلا بأن يتكامل فيها جميع أجزائها بالشكل والترتيب الواردين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن جبريل عليه السلام.
ويتلخص عدد
أركان الصلاة
في ثلاثة عشر ركناً.
نشرح كل واحد منها على حدة:
1ـ النية:
وهي قصد الشيء مقترناً بأول أجزاء فعله، ومحلها القلب.
ودليلها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" (رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907).
ولا بد لصحتها أن تقترن ب
تكبيرة الإحرام،
بحيث يكون قلبه متنبهاً أثناء التلفظ بالتكبير إلى قصد الصلاة، متذكراً نوعها وفرضيتها، ولا يشترط تحريك اللسان بها.
2ـ القيام مع القدرة في الصلاة المفروضة:
دليل هذا الركن ما رواه البخاري (1066) عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: كانت بي بواسير، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
الصلاة؟ فقال: "صل قائماً، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب".
[بواسير: مرض في مخرج الدبر].
وإنما يعتبر الرجل قائماً إذا كان منتصب القامة، فإذا انحنى دون عذر بحيث أمكن أن تلامس راحة يده ركبته، بطلت صلاته، لأن ركن القيام فقد في جزء من صلاته.
وإذا قدر المصلي على الوقوف في بعض صلاته وعجز في بعضها الآخر، وقف حيث يمكنه ذلك، وجلس في سائرها.
وخرج بقيد الصلاة المفروضة، الصلوات النافلة، فإن القيام بها مندوب مطلقاً، فله أن يجلس فيها سواء كان قادراً أم لا.
روى البخاري (1065) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد "والمارد بالنائم: المضطجع.
3ـ تكبيرة الإحرام:
دليل ذلك ما رواه الترمذي (3) وأبو داود (61) وغيرهم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
كيفيتها:
لا بد من لفظة "الله أكبر"، ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم: كـ الله الأكبر، أو الله الجليل أكبر.
فلو زاد كلمة ليست من صفات الله تعالى: كقوله: الله هو الأكبر أو غير الصيغة كأن قال: أكبر الله لم يصح التكبير.
دليل ذلك ضرورة الاتباع لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ملازماً في تكبيرة الإحرام لهذه الصيغة.
شروطها:
يشترط الصحة تكبيرة الإحرام مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يتلفظ بها وهو قائم، فلو نطق بها أثناء القيام إلى الصلاة لم تصح.
(ب) أن ينطق بها حال استقبال القبلة.
(ج) أن تكون باللغة العربية، لكن من عجز عنها بالعربية، ولم يمكنه التعلم في الوقت ترجم وأتى بمدلول التكبير بأي لغة شاء، ووجب عليه التعلم إن قدر على ذلك.
(د) أن يسمع نفسه جمع حروفها إن كان صحيح السمع.
(هـ) مصاحبتها للنية كما مر ذكره.
4ـ قراءة الفاتحة:
وهي ركن في كل ركعة من الصلاة، أيا كان نوعها.
دليل ذلك:
ما رواه البخاري (723)، ومسلم (394): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
والبسملة آية منها، فلا تصح الفاتحة التي لم يبدأها المصلي ببسم الله الرحمن الرحيم، لما روى ابن خزيمة بإسناد صحيح، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عد بسم الله الرحمن الرحيم آية.
شروط صحتها:
ولا بد في قراءة الفاتحة من مراعاة الشروط التالية:
(أ) أن يسمع القارئ نفسه، إذا كان معتدل السمع.
(ب) أن يرتب القراءة حسب ترتيبها الوارد، مراعياً مخارج الحروف، وإبراز الشدّات فيها.
(ج) أن لا يلحن فيها لحناً يغير المعنى، فإن لحن لحنا لا يؤثر على سلامة المعنى لم تبطل.
(د) أن يقرأها بالعربية، فلا تصح ترجمتها، لأن ترجمتها ليست قرآنا.
(هـ) أن يقرأها المصلي وهو قائم، فلو ركع وهو لا يزال يتممها، بطلت القراءة ووجبت الإعادة.
هذا وإن عجز المصلي لعجمة ونحوها عن قراءة الفاتحة، قرأ بدلها سبع آيات مما يحفظ من القرآن، فإن لم يحفظ منه شيئاً ذكر الله تعالى بمقدار طول الفاتحة ثم ركع.
5ـ الركوع:
وهو شرعاً: أن ينحني المصلي قدر ما يمكنه من بلوغ راحتيه لركبتيه، هذا أقله، وأما أكمله: فهو أن ينحني بحيث يستوي ظهره أفقيا.
دليله:
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77].
وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن علمه الصلاة: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" (رواه البخاري: 724، ومسلم: 397].
وفعله - صلى الله عليه وسلم - الثابت بأحاديث صحيحة أكثر من أن تحصى.
شروطه:
لا بد لصحة الركوع من التزام المصلي لما يلي:
(أ) الانحناء بالقدر المذكور، وهو بلوغ كفه إلى ركبته.
روى البخاري (794) عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه -، في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا ركع يديه من ركبته".
(ب) أن لا يقصد بانحنائه شيئاً آخر غير الركوع، فلو انحنى خوفاً من شيء، ثم استمر منحنياً قاصداً أن يجعله ركوعاً لم يصح ركوعه، بل يجب أن يعود قائما ثم ينحني بقصد الركوع.
(ج) الطمأنينة، أي أن يستقر في انحنائه قدر تسبيحة، وهذا أقلها، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما سبق: "حتى تطمئن راكعاً".
روى أحمد والطبراني وغيرهما بسند صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته" قالوا يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها".
وروى البخاري (758) عن حذيفة - رضي الله عنه -: رأى رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - عليها.
أي ما صليت الصلاة المطلوبة، ولو أدركك الموت على هذه الحالة كنت على غير الطريقة التي جاء بها يسوي ظهره مع عنقه بشكل أفقي مستقيم غير مقوس، وأن ينصب ساقيه، وأن يمسك ركبته بيديه مفرقاً بين أصابعهما، ويستقر قائلاً: "سبحان ربي العظيم" ثلاث مرات.
وروى مسلم (772) وغيره، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ... وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم"، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى".
وروى الترمذي (261)، وأبو داود (886) وغيرهما، عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، تم ركوعه وذلك أدناه".
أي أقل الكمال والتمام.
جاء في حديث أبي حميد السابق: " ثم هصر ظهره ". أي أماله وثناه إلى الأرض.
6ـ الاعتدال بعد الركوع:
وهو وقوف يفصل الركوع عن السجود:
دليله:
ما رواه مسلم (498) عن عائشة رضي الله عنها، أنها وصفت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً.
وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل أساء صلاته، فكان يعلمه كيفيتها: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً (رواه البخاري: 724، ومسلم: 397).
شروطه:
(أ) أن يقصد بالاعتدال من الركوع شيئاً آخر عير العبادة.
(ب) أن يطمئن في اعتداله قدر تسبيحة.
(ج) أن لا يطيل الوقوف فيه تطويلاً فاحشاً، بأن يزيد على مدة قراءة الفاتحة، لأنه ركن قصير، لا يجوز تطويله.
7ـ السجود مرتين كل ركعة:
وتعريفه شرعاً: مباشرة جبهة المصلي موضع سجوده.
دليله:
قول الله عز وجل: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: 77].
وقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي أساء صلاته فأخذ بعلمه كيفيتها:: " .... ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ... ".
(انظر دليل الركوع والاعتدال).
شروطه:
يشترط لصحة السجود مراعاة الأمور التالية:
(أ) كشف الجبهة عند ملامستها الأرض.
(ب) أن يكون السجود على سبعة أعضاء، وهي التي عدها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ واليدين والركبتين وأطراف القدمين"
(رواه البخاري: 779، ومسلم: 490). ولكن لا يجب أن يكشف من هذه الأعضاء إلا الجبهة.
(ج) أن ترتفع أسافله على أعاليه، ما أمكن ذلك، اتباعاً لفعله - صلى الله عليه وسلم -.
(د) أن لا يسجد على ثوب متصل به بحيث يتحرك بحركته.
(هـ) أن لا يقصد بالسجود شيئاً آخر غيره كخوف ونحوه.
(ز) أن يطمئن في السجود على هذه الحال بمقدار تسبيحة على الأقل.
وأكمل السجود أن يكبر لهويِّه، ويضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويضع يديه حذو منكبيه وينشر أصابعه مضمومة للقبلة، ويفرق بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن الأرض وعن جنبيه، ويقول "سبحان ربي الأعلى"، ثلاثاً.
روى البخاري (770)، ومسلم (292)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صفحة صلاته - صلى الله عليه وسلم -: "ثم يقول: الله أكبر، حين يهوي ساجداً".
وعند مسلم (494) عن البراء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك".
روى البخاري (383)، ومسلم (495)، عن عبد الله بن مالك بن بُحَينة - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى - صلى الله عليه وسلم - فرج بين يديه، حتى يبدو بياض إبطيه.
وعند أبي داود (734)، والترمذي (270)، عن أبي حميد - رضي الله عنه -، ونحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه.
روى أبو داود (735)، عن أبي حميد - رضي الله عنه -، في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا سجد فرج بين فخذيه، غير حامل بطنه
على شيء من فخذيه.
وعند أبي داود (886)، والترمذي (261)، وغيرهما: "وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه" أي أقل الكمال في السجود.
وتخالف المرأة الرجل في بعض ما سبق، فتضم بعضها إلى بعض أثناء السجود.
وروى البيهقي (2/ 223): أنه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على امرأتين تصليان فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل".
8 ـ الجلوس بين السجدتين:
ويحب أن يكون ذلك في كل ركعة.
دليل ذلك:
قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق ذكره: " ..... ثم ارفع حتى تطمئن جالساً"
(انظر دليل السجود).
شروطه:
يشترط لصحته مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يقصد بجلوسه العبادة، ولا يحمله عليه شيء آخر كخوف ونحوه.
(ب) أن لا يطوله تطوله يطوله تطويلاً فاحشاً بحيث يزيد عن مدة أقل التشهد.
(ج) الطمأنينة بمقدار تسبيحة على الأقل.
9ـ الجلوس الأخير:
ويقصد به الجلوس الذي يكون في آخر ركعة من ركعات الصلاة بحيث يعقبه السلام.
10ـ التشهد في الجلوس الأخير:
لما رواه البخاري (5806)، ومسلم (402) وغيرهما، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا إذا صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا ـ وعند البيهقي (2/ 138)، والدارقطني (1/ 350) كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد ـ: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل علينا بوجهه فقال: "إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات .. "
(هو السلام: أي هو اسم من أسماء الله تعالى، قيل: معناه سلامته مما يلحق الخلق من العيب والفناء.
"النهاية").
وأقله: " التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله".
وورد في صيغته روايات عدة كلها صحيحة، وصيغته الكاملة المفضلة لدى الشافعي رحمه الله تعالى ما رواه مسلم (403) وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".
ينبغي في قراءة التشهد مراعاة ما يلي:
(أ) أن يسمع نفسه إذا كان سمعه معتدلاً.
(ب) موالاة القراءة، فلو فصلها بفاصل سكوت طويل أو ذكر آخر، بطلت ووجب أن يعيد.
(ج) أن يقرأ التشهد وهو قاعد، إلا أن يكون معذوراً فيجوز قراءته على الكيفية الممكنة.
(د) أن يكون باللغة العربية، فإن عجز بالعربية ترجم وأتى به بأي لغة شاء ووجب عليه التعلم.
(هـ) مراعاة المخارج والشدَّات، فلو غيّر مخرج حرف، أو تساهل في تشديدة، أو لحن في كلمة واستلزم ذلك تغير المعنى، بطل التشهد ووجبت الإعادة.
(و) ترتيب كلماته حسب النص الوارد.
11ـ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد الأخير:
أي بعد إتمام صيغة التشهد السابق ذكرها، وقبل السلام.
دليلها:
قوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [الأحزاب: 56].
وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعين
وجوبها فيها، وقد أخرج ابن حبان (515)، والحاكم (1/ 268) وصححه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، في السؤال عن كيفية الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: قولوا ...
وهذا يعين أن محل الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة.
والمناسب لها آخر الصلاة فوجبت في الجلوس الأخير بعد التشهد.
وما رواه الترمذي (3475)، وأبو داود (1481)، وغيرهما بسند صحيح، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو بعد بما شاء".
وأقل صيغ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم صل على محمد.
والصيغة الكاملة فيها: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى أل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وقد ثبت هذا بأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وغيرهم، وفي بعض طرقها زيادة على ذلك أو نقص.
[انظر البخاري (1390)، ومسلم (406)].
شروطها:
يشترط فيها مراعاة الأمور التالية:
(أ) أن يسمع بها نفسه إذا كان معتدل السمع.
(ب) أن تكون بلفظ "محمد" أو بلفظ: رسول أو النبي.
فلو قال على أحمد مثلاً لم تجزيء.
(ج) أن تكون بالعربية.
فإن عجز عنها بالعربية ترجم وأتى بمعناها بأي لغة شاء، ووجب عليه أن يبادر إلى التعلم إن أمكنه ذلك.
(د) الترتيب في صيغة الصلاة، والترتيب بينها وبين التشهد، فلا يصح تقديم الصلاة على التشهد.
12ـ التسليمة الأولى:
وهي أن يقول المصلي ملتفتاً إلى يمينه: السلام عليكم ورحمة الله.
دليلها:
قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق ذكره في تكبيرة الإحرام: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
وأقل صيغه: السلام عليكم.
مرة واحدة.
وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله مرتين، الأولى عن يمينه عن يمينه والأخرى عن شماله.
روى مسلم (582)، عن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه والأخرى عن شماله.
روى مسلم (582)، عن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده.
وروى أبو داود (996) وغيره، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى يرى بياض خده: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله" قال الترمذي (295): حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
13ـ ترتيب هذه الأركان حسب ورودها:
وذلك بأن يبدأ بالنية وتكبيرة الإحرام، ثم بالفاتحة، ثم الركوع، فالاعتدال، فالسجود .... وهكذا.
فإن قدم بعض هذه الأركان على محله المشروع فيه، بطلت صلاته إن تعتمد ذلك.
أما إن فعل ذلك غير متعمد: بطلت صلاته بدءاً من أول الركن الذي فعله في غير موضعه، فيجب عليه أن يعيد ذلك كله.
وعلى هذا، فإن استمر في صلاته بعد أن غير الترتيب المطلوب، إلى أن وصل إلى مثل ذلك الموضع من الركعة السابقة، نزل الصحيح من الركعة التالية منزلة الفاسد من الركعة التي قبلها، فوجب عليه حينئذ أن يزيد على صلاته ركعة، بدلاً من الركعة التي فسدت بفساد الترتيب بين أركانها.
سُنَن الصَّلاَة
السَّنة:
هي ما يطلب من الإنسان فعله على غير سبيل الحتم، بحيث يثاب المسلم على فعله ولا يعاقب على تركه.
وللصلاة أركان وشروط لا بد من فعلها على سبيل الإلزام أو الحتم، كي تصح الصلاة، وقد ذكرناها فيما سبق.
وللصلاة أيضاً سنن يطلب من المصلي فعلها، ولكن لا على سبيل الحتم، بحيث يزداد ثواب الصلاة بفعلها ولا عقاب على تركها.
وهذه السنن تؤدى في أثنائها، وسنن تؤدى عقبها.
(أ) السنن التي تؤدي قبل الصلاة:
وهي لا تزيد على الأمور الثلاثة التالية:
الأول ـ الأذان: قد مر تعريفه وبيان دليله وشروطه وما يتعلق بذلك.
الثاني ـ الإقامة: وقد مر أيضاً تعريفها وبيان شروطها والفرق بينها وبين الآذان.
الثالث ـ اتخاذ سترة أمامه: تحول بينه وبين المارين، كجدار، وعموم، وعصا، أو كان يبسط أمامه مصلى كسجادة ونحوها.
فإذ لم يجد خط خطاً.
روى البخاري (472)، ومسلم (501)، عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، كان يفعل ذلك في السفر.
[الحربة: رمح قصير عريض النصل.
بين يديه: قدامه].
والأفضل أن تكون السترة قريبة من موضع سجوده، فقد روى البخاري (474)، ومسلم (508)، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - كان بين مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجذار ممر الشاة.
[مصلى: موضع السجود.
ممر الشاة: سعة ما تمر منه الشاة].
(ب) السنن التي تؤدى أثناء الصلاة:
وهي أيضاً تنقسم إلى قسمين: أبعاض، وهيئات.
(فالأبعاض) كل ما يجبر تركه بسجود السهو في آخر الصلاة.
(و
الهيئات)
كل ما يجبر تركه بسجود السهو.
وسنشرح سجود السهو وما يتعلق به من أبحاث آخر الكلام عن أعمال الصلاة.
ونبدأ بتعداد أبعاض الصلاة أولاً، ثم هيئاتها ثانياُ.
*
الأبعاض:
1ـ التشهد الأول: ويقصد به التشهد في الجلوس الذي لا يعقبه سلام، وهو الجلوس
الذي يكون على رأس ركعتين في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيسن التشهد فيه.
جاء في حديث المسيء صلاته عند أبي داود (1173) ومسلم (570) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين.
(أي تعويضاً عن التشهد الأول الذي تركه بترك الجلوس له، فلو كان ركناً لاضطر إلى الإتيان به، ولم ينجبر تركه بسجود السهو).
2ـ الصلاة على النبي عقب التشهد الأول.
هي أيضا سنة يجبر تركها بالسجود.
3ـ الجلوس للتشهد الأول:
أي فهي إذا ثلاث سنن مستقلة: سنة الجلوس، وسنة التشهد فيه، ثم سنة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
4ـ الصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد الأخير الذي هو ركن:
أي يسن عند أداء ركن التشهد في الجلسة الأخيرة، وركن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، الصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما مر معك من الصيغة الكاملة للصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
5ـ القنوت عند الاعتدال من الركعة الثانية في صلاة الفجر، وفي آخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان، وفي اعتدال الركعة الأخيرة من أي صلاة بالنسبة لقنوت النازلة:
روى أحمد وغيره، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا".
وروى البخاري (956)، ومسلم (677)، عن أنس - رضي الله عنه -، قد سئل: أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً.
[ينظر البيهقي في الصبح وفي قنوات الوتر].
وتؤدي سنة القنوت بأن يثني المصلي على الله تعالى ويدعوه بأي لفظ شاء كأن يقول: "اللهم أغفر لي يا غفور" ولكن الكمال في أدائها يكون بالتزام الدعاء الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
روى أبو داود (1425) عن الحسن بن على - رضي الله عنه - قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضي عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت" ويسن للإمام أن يأتي به بصيغة الجمع.
قال الترمذي (464): هذا حديث حسن وقال: ولا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قي القنوات في الوتر شيئاً أحسن منه.
وعند أبي داود (1428) أن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أمهم ـ يعني في رمضان ـ وكان يقنت في الصنف الأخر من رمضان.
وروى الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه يدعو بهذا الدعاء: " اللهم أهدني فيمن هديت ... ".
واستحب العلماء أن يزاد فيه: فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ربنا ونتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
للأخبار الصحيحة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعاء والذكر.
[مغني المحتاج (1/ 166 - 167)].
ويسنّ أن يرفع يديه أثناء هذا القنوت، ويجعل بطنها لجهة السماء.
*
الهيئات:
وقد ذكرنا أن الهيئات هي: سنن الصلاة التي إن تركها المصلي لم يُسنَّ جبرها بسجود السهو، بخلاف الأبعاض.
والهيئات تتلخص فيما يلي:
1 - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه: وكيفية أداء هذه السنَّة: أن يرفع كفيه مستقبلاً بهما القبلة، منشورتي الأصابع، محاذياً بإبهاميه لشحمتي الأذنين، على أن تكون كفَّاه مكشوفتين.
روي البخاري (705)، ومسلم (390)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود.
2 - وضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى، وذلك في الوقوف:
وكيفية ذلك: أن يضع يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، ويقبض على اليسرى بأصبع يده اليمنى، ويكون محل ذلك تحت صدره وفوق سرَّته.
لخبر مسلم (401)، عن وائل بن حُجْر رضي الله عنه: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ... ثم وضع يده اليمنى على اليسرى.
وعند النسائي (2/ 126): ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
3 - النظر إلى موضع السجود:
فيكره أن يتوزع نظره فيما حوله، أو أن ينظر إلى الأعلى أو إلى شئ أمامه حتى ولو كان الكعبة، بل يُسنُّ أن يجعل نظره الدائم إلى موضع سجوده، إلا عند التشهد، فليجعل نظره إلى سبابته التي يشير بها عند التشهد.
دليل ذلك: اتباع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
4 - افتتاح الصلاة بعد التكبير بقراءة التوجه:
ولفظه، ما رواه مسلم (771)، عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان أذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".
[وجهت وجهي: قصدت بعبادتي.
فطر: ابتدأ خلقها.
حنيفاً: مائلاً إلى الدين الحق.
نسكي: عبادتي وما أتقرب به إلى الله تعالى].
مكان استحباب التوجه:
تستحب قراءة التوجه في افتتاح المفروضة والنافلة، للمنفرد وللإمام والمأموم، بشرط أن لا يبدأ بقراءة الفاتحة بعد، فإن بدأ بها- وقد علمت أن البسملة جزء منها- أو بالتعوذ، فاتت سنية قراءة التوجه، فلا ينبغي أن يعود إليه ولو كان ناسياً.
ولا تستحب قراءة التوجه في صلاة الجنازة، ولا في صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها، بحيث خشي إن اشتغل بقراءة التوجه أن يخرج الوقت.
5 - الاستعاذة بعد التوجه:
وهي أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
يبدأ بها قراءة الفتاحة، فإذا شرع في قراءة الفاتحة قبل أن يستعيذ، فاتت الاستعاذة وكره أن يعود إليها.
لقوله سبحانه: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: 98].
6 - الجهر بالقراءة في موضعه والإسراء في موضعه:
والمواضع التي يسنّ فيها الجهر بالقراءة هي: ركعتا صلاة الفجر، والركعتان الأوليتان من المغرب والعشاء، وصلاة الجمعة، والعيدين، وخسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، والتراويح، ووتر رمضان، كل ذلك بالنسبة للإمام والمنفرد فقط.
ويسنّ الإسرار فيما عدا ذلك.
دلّ على ذلك أحاديث منها:
- ما روى البخاري (735)، ومسلم (463)، عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ المغرب بالطور.
- ما رواه البخاري (733)، ومسلم (464)، عن البراء - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ: "والتين والزيتون" في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة.
- ما رواه البخاري (739)، ومسلم (449)، من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في حضور الجن واستماعهم القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له.
روى البخاري (745)؛ ومسلم (451)، عن أبي قتادة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بأمِّ الكتاب وسورة معها في الركعتين الأُّوْلَيَيْنِ من صلاة الظهر وصلاة العصر.
وفي رواية: وهكذا يفعل في الصبح.
مع ما سبق من أحاديث الجهر بالقراءة.
وروى أبو داود (823و824)؛ والنسائي (2/ 141) وغيرهما، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كنا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله، أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
وفي رواية: "فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن".
وفي حال عدم سماعه الإمام تعتبر الصلاة كأنها سرية في حقه.
فهذه الأحاديث تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بقراءته بحيث يسمعها من حضر.
ودل على السر في غير ما ذُكر، ما رواه البخاري (713)، عن خبّاب - رضي الله عنه -، وقد سأله سائلٌ: أكانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضْطِرابِ لِحْيَتهِ.
روى البخاري (738)؛ ومسلم (396)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم.
ولم ينقل الصحابي رضي الله عنهم الجهر في غير تلك المواضع.
وستأتي أدلة الصلوات الخاصة في مواضعها.
ويتوسط في النفل المطلق في الليل بين السر والجهر، قال تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ [الإسراء: 10].
والمراد صلاة الليل.
7 - التأمين عند انتهاء الفاتحة:
وهو أن يتبع قوله تعالى: ﴿ولا الضالين﴾ بكلمة "أمين".
والتأمين سنّة لكل مصلِّ في كل صلاة، يجهر بها في الجهرية، ويسرّ بها في السرية، ويجهر بها المأموم تبعاً للإمام.
ومعنى آمين: استجب يارب.
وروى البخاري (748)، ومسلم (410)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قال أحدكم - وفي رواية عند مسلم: في الصلاة - آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه".
وروى البخاري (747)، ومسلم (410)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
روى أبو داود (934)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول.
وزاد ابن ماجه (853): فيرتج بها المسجد.
8 - قراءة شئ من القرآن بعد الفاتحة:
وتتحقق السنة بقراءة سورة من القرآن مهما قصرت، أو بقراءة ثلاثة آيات متواليات.
ومكان استحبابها الركعتان الأوليتان فقط من كل صلاة، بالنسبة للإمام، والمنفرد مطلقاً.
وبالنسبة للمقتدي أيضاً في الصلاة السرّية، أو حيث يكون بعيداً لا يسمع قراءة الأمام.
ويسن أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، كالحجرات، والرحمن، وفي العصر والعشاء، من أواسطه، كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وفي المغرب من قصاره، كقل هو الله أحد.
لحديث النسائي (2/ 167)، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأولين من الظهر ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.
ويسنّ أيضاً أن يقرأ في صبح الجمعة: ﴿الم تنزيل﴾ السجدة في الركعة الأولى، و ﴿هل أتى﴾ في الركعة الثانية.
لما روى البخاري (851)، ومسلم (880)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة، في صلاة الفجر: ﴿الم تنزيل﴾ - السجدة - و ﴿هل أتى على الإنسان﴾.
ويسن تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات، لما رواه البخاري (725)، ومسلم (451): كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ... يطول في الأولى ويقصر في الثانية.
9 - التكبير عند الانتقالات:
عرفنا أن تكبيرة الإحرام بالصلاة ركن لا تصح بدونه.
فإذا دَخلتَ في الصلاة وكبرتَ تكبيرة الإحرام، يسنّ لك أن تكبّر مثلها عند كل انتقال من الانتقالات، ما عدا الرفع من الركوع فيسن بدلاً من التكبير قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، لما رواه البخاري (756)، ومسلم (392)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم ويكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يقيم صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد" ثم يكبر حين يهوي للسجود، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
10 - التسبيح عند الركوع والسجود:
وكيفية ذلك أن يقول إذا أستقر راكعاً: سبحان ربي العظيم
وبحمده (ثلاث مرات).
وأن يقول إذا استقر ساجداً: سبحان ربي الأعلى وبحمده (ثلاث مرات).
وهذا أدنى درجات الكمال، فإن زاد على الثلاث كان أفضل.
[أنظر الركوع في الأركان].
11 - وضع اليدين على أول الفخذين في جلستي التشهد:
وكيفية أن يبسط اليسرى، مع ضم الأصابع إلى بعضها، بحيث تكون رؤوس الأصابع مسامتة لأول الركبة، ويقبض يده اليمنى إلا الأصبع المسبِّحة، وهي التي تسمى السبَّابة، فإنه يمدها منخفضة عند أول التشهُّد حتى إذا وصل إلى قوله: إلا الله، أشار بها، إلى التوحيد ورفعها.
ويسن أن تبقى مرفوعة دون أن يحركها إلى آخر الصلاة.
روى مسلم (580) عن ابن عمر رضي الله عنهما- في صفة جلوسه - صلى الله عليه وسلم - قال: كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
12 - التورّك في الجلسة الأخيرة والافتراش في غيرها:
التورُّك: هو أن يجلس المصلي على وركه الأيسر، وأن ينصب رجله اليمنى، ويخرج الرجل اليسرى من تحتها.
والورك: هو الفخذ.
والافتراش هو أن يجلس المصلي على كعب رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى على رؤوس أصابعها.
روى البخاري (794) من حديث أبي حُمَيد الساعدي - رضي الله عنه - قال: أنا كنت أحفَظَكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وفيه: فإذا جَلَسَ
في الرَّكْعَتَيْنِ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرةِ قدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقْعَدَتِهِ.
[قدم رجله اليسرى: أي من تحت رجله اليمنى منصوبة].
وعند مسلم (579)، عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقه، وفرض قدمه اليمنى.
13 - الصلوات الإبراهيمية ثم الدعاء بعد التشهد الأخير:
عرفت فيما مضى أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن في جلسة التشهد الأخيرة، ويتأدى الركن بأي صيغة من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما اختيار الصلوات الإبراهيمية - وقد مضى ذكر نصَّها- فسنَّة.
فإذا أتمها يسن أن يستعيذ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، أو من عذاب النار، أو أن يدعو لنفسه بما شاء؛ على أن لا يطيل ذلك قدر قراءة التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى مسلم (558) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال".
14 - التسليمة الثانية:
ذكرنا أن التسليمة الأولى ركن، وهي التي تكون مع الالتفات إلى جهة اليمين.
فإذا فعلها فقد انتهت أركان الصلاة وواجباتها، إلا أنه يسنَّ أن يضيف إليها تسليمة أخرى، ملتفتاً إلى جهة اليسار.
روى مسلم (582) عن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أري بياض خده.
وروى أبو داود (996) وغيره، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلّم عن يمينه وعن شماله حتى يُرى بياض خده: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
15 - التزام الخشوع في سائر الصلاة:
معنى الخشوع: الخشوع يقظة القلب إلى ما يردّده اللسان من القراءات والأذكار والأدعية، بأن يتدبر كل ذلك ويتفاعل مع معانيه، ويشعر أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى.
والصحيح أن الخشوع- بهذا المعنى- في جزء من أجزاء الصلاة أمرٌ لا بد منه؛ بحيث إذا كانت الغفلة مطبقة على صلاته كلها من أولها إلى آخرها، كانت صلاة باطلة.
أما استمرار الخشوع في سائر أجزاء الصلاة فهو سنَّة مكمّلة.
روى مسلم (228)، عن عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله".
[يؤت: يعمل.
كبيرة: ذنباً كبيراً كالتعامل بالربا وشرب الخمر
ونحو ذلك.
وذلك الدهر كله: أي تكفير الذنوب الصغيرة بسبب الصلاة مستمر طوال العمر لتكرر الصلاة كل يوم].
فهذه السنن كلها تسمى هيئات، فلو ترك المصلي شيئاً منها لم يسنّ جبره بالسجود للسهو، بخلاف القسم الأول وهو ما يسمى أبعاضاَ، فإن المصلي إذا ترك شيئاً منه يسن له أن يعوِّضه بالسجود للسهو.
(ج) السنن التي تؤدي عقب كل صلاة:
ويسنّ عقب الصلاة الأمور التالية:
1 - الاستغفار والذكر والدعاء:
وروى مسلم (591)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام".
ولا مانع من رفع الصوت بذلك للإمام إذا أراد التعليم، فإذا تعلموا خفض، فقد روى البخاري (805)؛ ومسلم (583)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أخبر: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى مسلم (596)، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة".
ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (597) "وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير.
غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
[خطاياه: الذنوب الصغيرة.
زبد البحر: ما يعلو على وجه مائه عند هيجانه وتموجه والمراد: مهما كانت كثيرة].
وروى الترمذي (3470) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان".
وروى أبو داود (1522)، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وهناك أدعية وأذكار كثيرة وردت عقب الصلوات عامة، وعقب كل صلاة خاصة، تعرف من كتب السنة وكتب الأذكار.
2 - أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، لكثر مواضع السجود، فإنها تشهد له:
والأفضل إن صلى في المسجد أن ينتقل إلى بيته، ودليل ذلك ما رواه البخاري (698)؛ ومسلم (781)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
وروى مسلم (778) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل من صلاته خيراً".
3 - وإذا صلوا في المسجد، وكان وراءهم نساء، فإنه يسن لهم أن يمكثوا في أماكنهم حتى ينصرفن لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد:
روى البخاري (828)، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال.
وفي رواية عنها (832) قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم قال ابن شهاب الزهري أحد الرواة: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال.
مَكروهَات الصَّلاَة
قاعدة:
كل مخالفة لسنة من السنن التي مضى بيانها، يدخل في نطاق المكروه.
والمكروه هو: كل ما يثاب المصلّي على تركه امتثالاً، ولا يعاقب على فعله.
فترك تكبيرات الانتقال مثلاً مكروه، لأن الإِتيان بها سنة، وترك الافتتاح بالتوجه أيضاً مكروه، لأن الافتتاح به سنة.
إلا أن ثمة تصرفات خاصة أخرى يسن اجتنابها، ويكره للمصلي أن يتلبس بها، نذكر منها الأمور التالية:
1 - الالتفات في الصلاة بالعنق إلا لحاجة:
روى أبو داود (909) وغيره، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه".
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الالتفات إنما: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العيد".
روى ذلك البخاري (718). ولأن هذا الالتفات ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة.
أما إذا كان هناك داع إلى الالتفات، كمراقبة عدو مثلاً فإنه لا يكره ودليل ذلك ما رواه أبو داود (916) بإسناد صحيح: عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، قال أبو داود: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس.
[ثوب: من التثويب والمراد به هنا إقامة الصلاة].
وهذا إذا كان الالتفات بالعنق، أما إذا التفت بصدره فحوَّله عن القبلة؛ فإنه يبطل صلاته لتركه ركن الاستقبال.
وأما اللمح بالعين دون الالتفات، فإنه لا بأس به، فقد ذكر ابن حبان في صحيحه (500) من حديث علي بن شيبان - رضي الله عنه - قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه".
أي لا يطمئن في ركوعه.
2 - رفع بصره إلى السماء:
وروى البخاري (717)، عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ ثم قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" وروى مسلم مثله (428)، (429)، عن جابر بن سمرة وأبي هريرة رضي الله عنهما.
3 - كف الشعر وتشمير أطراف الثواب أثناء الصلاة:
روى البخاري (777)؛ ومسلم - واللفظ له - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً".
والسنة إرسال ثيابه على سجيتها.
4 - الصلاة عند حضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ لانشغال نفسه به مما يفوت عليه الخضوع في الصلاة:
روى البخاري (642)؛ ومسلم (559)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه".
5 - الصلاة عند حصر البول أو الغائط:
لأنه - والحالة هذه - لا يمكنه إعطاء الصلاة حقها من الخشوع والحضور.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
أي البول والغائط.
(رواه مسلم: 560)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا نعس أحدكم - وهو يصلي - فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه".
7 - الصلاة في الأماكن التالية:
الحمَّام، الطريق، السوق، المقبرة، الكنيسة، المزبلة، وأعطان الإبل، وهي مباركها، لمظِنَّة وجود النجاسة في بعضها، وانشغال القلب في بعضها الآخر.
وللنهي عن الصلاة في هذه المواضع روى الترمذي (346)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة، وقارعة
الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطن الإِبل، وفوق ظهر البيت.
وقال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بذاك القوي.
[المجزرة: مكان الجزر أي الذبح.
قارعة الطريق: أعلاه ووسطه حيث يمر الناس.
البيت: الكعبة].
وقد صح عند ابن حبان (338) حديث: "الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام".
كما صح عنده أيضاً (336) حديث: "لا تصلوا في أعْطان الإبل".
أي مباركها حول الماء.
(رواه الترمذي: 348، وغيره).
أمورٌ تخالِفُ فيهَا المَرأة الرجَّل
يُسنُّ للمرأة أن تخالف الرجل في خمسة أشياء، وهي:
أولاً:
تضم بعضها إلى بعض في السجود، بأن تضم مرفقيها إلى جنبيها أثناء السجود، وتلصق بطنها بفخذيها، بخلاف الرجل فإنه يُسنُّ أن يباعد مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه.
روى البيهقي (2/ 232): أنه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على امرأتين تصلِّيان، فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل".
ثانياً:
تخفض المرأة صوتها في حضرة الرجال الأجانب، فلا تجهر بالصلاة الجهرية خشية الفتنة، قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ [الأحزاب: 32].
[تخضعن بالقول: تُلَيِّنَّ كلامكنَّ.
مرض: فسوق وقلة ورع].
وهذا يدل على أن صوت المرأة قد يثير الفتنة، فيطلب منها خفض الصوت بحضرة الأجانب.