الباب العاشر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الوكَالَة
الوكَالَة تعريفها: الوكالة - في اللغة - بفتح الواو وكسرها، وتطلق على معانٍ، منها:
- الحفظ، ومن ذلك قوله تعالى: "حسبُنا الله ونعم الوكيل" (آل عمران: 173): أي الحافظ.
- التفويض، ومنه قوله تعالى: (وتوكّل على الله) (الأنفال: 61) أي فوِّض أمرك إليه.
وفي اصطلاح الفقهاء: هي تفويض شخص ما له فعله، مما يقبل النيابة، إلى غيره، بصيغ، ليفعله في حياته.
أي ان يفوّض المرء غيره بالقيام بتصرّف يملك هذا المفَوِّض القيام به بنفسه، ليقوم به عنه في حال حياته، أي حياة المفوِّض، على أن يكون هذا الفعل تصحّ النيابة فيه، وسيتضح معنا التعريف على وجهه الكامل من خلال الكلام عن أركان الوكالة وشروطها وأحكامها.
مشروعية الوكالة: الوكالة مشروعة، وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنّة وحصل على ذلك الإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: (وإن خِفْتُم شِقاقَ بينهما فابعثوا حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها) (النساء: 35) أي إذا حصل نزاع بين الزوجين واشتدّ، ولم يتوافقا، فيُعيِّن حَكَمان يكونان وكيلين عنهما ينظران في الأمر، وهذا النص وإن كان خاصاً بشأن الزوجين - فهو عام في مشروعية الوكالة.
ويُستأنس لهذا أيضاً بقوله تعالى: "فأبعثوا أحَدَكُم بِوَرِقِكُم هذه إلى المدينة فلينظر أيُّها أزكى طعاماً فليأتِكُمْ برزقٍ منه" "الكهف: 19": فبعثُ واحد من الجماعة توكيل له منهم.
[بِورِقِكم: هي الفضة المصكوكة.
أزكى: أطيب وأمتع.
برزق: بطعام ونحوه].
وكذلك قوله تعالى: "اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ابي يأت بصيرا" (يوسف: 93) فقد وكلهم بالذهاب بالقميص والقائه على وجه ابيه.
وقلنا: يستأنس بهاتين الآيتين لأنهما واردتان في القرآن حكاية عن شرع من قبلنا، وقد تكرر منا القول: ان شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
وأما السنّة: فأحاديث كثيرة، منها:
ما رواه أصحاب السِّيَر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكّل عمرو بن أُمية الضمري رضى الله عنه في قبول نكاح أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضى الله عنهما.
ما رواه رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالاً، وبنى بها حلالا، وكنت السفير بينهما.
(اخرجه الترمذي في ابواب الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم، رقم: 841).
[حللاً: أي غير محرم بحج أو عمرة، بنى بها: أي دخل.
السفير: هو الذي يقوم بالاصلاح وتحقيق الوفاق بين اثنين ونحوهما].
وما رواه عروة البارقي رضى الله عنه قال: دفع إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً لأشتري له شاة، فاشتريت له شاتين، فبعت إحداهما بدينار، وجئت بالشاة والدينار الى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما كان من أمره، فقال له: "بارك الله لك في صفقة يمينك".
(أخرجه البخاري في المناقب، باب: سؤال المشركين ان يُريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية .. ، رقم: 3443. والترمذي في أبواب البيوع، باب: حدثنا ابو كريب، رقم: 1258).
وسيأي مزيد من الأحاديث خلال البحث.
وهذا الذي دلتّ عليه الآيات والأحاديث هو موضع إجماع علماء الأمة في كل عصر من العصور.
حكمة تشريع الوكالة
:
إن الله تعالى خلق الناس متفاوتين في المواهب والقدرات، وفتح لهم أبوب الرزق، ويسّر لكلٍّ منهم سبيلاً أو أكثر من سبل الكسب والمعاش.
فمن الناس مَن أوتي القدرة والكفاءة التي تجعله على استعداد لأن يباشر جميع أعماله بنفسه، إلا أنه قد تتوالى عليه الشواغل وتتزاحم عليه الأعمال، فيضطر إلى مساعدة الآخرين والاستعانة بهم.
ومن الناس مَن لم يؤتَ من القدرة والكفاءة ما يؤهله للقيام بأعمال قد يكون وبأمسِّ الحاجة إليها.
وقد تكون لديه القدرة والكفاءة، ولكن تنقصه الخبرة في عمل من الأعمال أو مصلحة من المصالح.
ومنهم مَن يكون صاحب حق، ولكنه لم يؤتَ من الحجة واللسن، والفصاحة والبيان، ما يجعله قادراً على أن يظهر حقه ويدافع عن نفسه، وقد يكون خصمه الحن منه في حجته، فيقلب باطله حقاً.
من اجل ذلك كله كانت الحجة ماسة لكثير من الناس ان يعتمد على غيره، ويستفيد من خبراته في بعض اعماله، قليلة كانت ام كثيرة، فكانت المصلحة في تشريع الوكالة، سدا للحاجة وتيسيرا للمعاملة، ورفعا للحرج الذي جاء شرع الله تعالى برفعه اذ قال: "ما جعل عليكم في الدين من حرج" (الحج: 78).
حكمها
:
قلنا: إن الوكالة جائزة ومشروعة، والأصل فيها الإباحة.
وقد تكون مندوبة: إن كانت إعانة على مندوب.
وقد تكون مكروهة: إن كان فيها إعانة على مكروه.
وقد تكون حراما: إن كان فيها إعانة على أمر محرم.
وقد تكون واجبة: إن توقف عليها دفع ضرر عن الموكل، كما إذا وكله بشراء طعام مضطر إليه، وهو عاجز عن شرائه.
أركان الوكالة
للوكالة أركان أربعة، هي: الموكِّل والوكيل وصيغة العقد، والموكِّل فيه.
الركن الأول: الموكِّل:
وهو الذي يستعين بغيره، ليقوم ببعض التصرفات نيابة عنه.
ويُشترط فيه: صحة مباشرته للتصرّف الذي وكل فيه بملك أو ولاية.
أي أن يكون له شرعاً حق التصرّف فيما أذن لغيره أن يقوم به، ويعتبر الشرع تصرّفه صحيحاً ويبني عليه آثاره وأحكامه.
فإذا كان لا تصحّ مباشرته لما أذن بالتصرّف فيه لم يصحّ توكيله، لأنه الأصل، وإذا كان الأصل غير قادر على التصرّف، فنائبه غير قادر عليه من باب أولى.
فلمالك المال أن يوكِّل في التصرّف فيه، إذا كان بالغاً عاقلاً نافذ التصرف، أي غير محجور عليه، لأنه يتصرّف في ملكه.
وكذلك لولىّ المال - كالأب والجدّ والوصي - أن يوكل غيره ليتصرف بمال من تحته ولايته، لأنه يملك هو مباشرة ذلك بسبب الولاية.
وللرجل البالغ العاقل أن يوكل أحداً في تزويجه، لأنه يملك مباشرة ذلك بنفسه.
ولوليّ البكر العدل أن يوكِّل في نكاح ابنته أو غيرها ممّن تحت ولايته، لأنه يصحّ منه مباشرة ذلك بنفسه.
وعليه:
فلا يصحّ توكيل الصبي أو المجنون أو المغمى عليه مطلقاً، لأنهم لا تصحّ منهم مباشرة التصرفات شرعاً.
ولا يصحّ توكيل المحجور عليه لسفه في تصرّف مالي، لأنه لا يملك مباشرته.
ولا يصحّ للأب الفاسق أن يوكل في تزويج ابنته، لأنه لا يملك مباشرة ذلك بنفسه، وكذلك غيره من الأولياء.
والمرأة لا يصحّ منها أن تباشر عقد زواجها بنفسها، فكذلك لا يصحّ توكيلها فيه.
والمحرم بحج أو عمرة لا يجوز له أن يعقد زواج لنفسه، فكذلك لا يصحّ أن يوكِّل مَن يعقد له ذلك حال إحرامه، فلو وكّله ليعقد له بعد الإحرام صحّ.
ويستثنى من هذا الشرط:
الأعمى، فإنه لا يصحّ أن يباشر البيع والشراء ونحوهما مما يتوقف على الرؤية كما علمت، ويصح أن يوكّل في ذلك للضرورة، لأنه لو لم يصحّ توكيله فيها - والحال أنه لا تصحّ مباشرته لها - لكان في ذلك حرج عليه شديد.
الركن الثاني: الوكيل:
وهو الذي يقوم بالتصرّف نيابة عن غيره، بإذن منه وتوكيل.
ويشترط فيه ايضاً: أن تصحّ مباشره للتصرّف المأذون فيه لنفسه: فإذا كان التصرّف الموكِّل فيه لا يصحّ أن يباشره لنفسه لم يصحّ توكيله فيه، لأن تصرّف الإنسان لنفسه أقوى من تصرفه لغيره، لأنه يتصرّف لنفسه بطريق الأصالة، ويتصرف لغيره بطريق النيابة، والأصالة أقوى من النيابة، فإذا كان غير قادر على التصرّف بالأقوى، فهو غير قادر عليه بالأضعف من باب أولى.
وبناءاً عليه:
فلا تصحّ الوكالة للصبي والمجنون والمغمى عليه، لعدم صحة مباشرتهم التصرفات كما علمت، ويصحّ توكيل الصبي المميِّز في حج تطوع وذبح أُضحية
وتفرقة زكاة، لأن هذه التصرفات تصحّ منه لنفسه.
والسفيه، لا يكون وكيلاً في التصرفات المالية.
والأعمى، لا يصحّ أن يكون وكيلاً في تصرّف تتوقف صحته على الرؤية.
والمحرم بحج أو عمرة لا يصح أن يوكِّل في عقد نكاح، وكذلك المرأة، لأنهما لا تصحّ منهما مباشرة ذلك لأنفسهما.
ويستثنى من هذا: توكيل الصبي المميز المأمون في الإذن بدخول الدار وإيصال هدية ونحوها على الصحيح، لتسامح السلف في ذلك، فيعتمد قوله فيها.
وكذلك يعتمد قوله في إخباره بدعوة صاحب الوليمة، والفاسق وغير المسلم في هذا كالصبي، قال النووي رحمه الله تعالى: لا أعلم في جواز اعتمادهما خلافاً.
ويُشترط في الوكيل أيضاً: أن يكون معيّناً، فلو قال لاثنين: وكّلت أحدكما ببيع داري، لم يصح، وكذلك لو قال: وكّلت ببيع داري كلّ من أراد بيعها.
ويشترط في الوكيل أيضاً أن يكون عدلاً، إذا كان وكيلاً عن القاضي، أو كان وكيلاً عن الولىَّ في بيع مال مَن كان تحت ولايته.
الركن الثالث: صيغة عقد الوكالة:
وهي الإيجاب والقبول، ويشترط فيها شرطان، وهما:
1 - أن يكون من الموكِّل لفظ يدل على رضاه بالتوكيل، صراحة أو كناية، لأن المكلَّف ممنوع من التصرّف في حق غيره الا برضاه.
فالصريح: كقوله: وكّلتك ببيع داري، أو فوّضت إليك أمر بيعه.
والكناية: كقوله: أقمتك مقامي في ببيعه، أو أنبتك.
وينوب في الوكالة الكتابة والرسالة مناب النطق.
ويكفي من الوكيل ما يدل على القبول، ولا يشترط فيه اللفظ، بل يكفي الفعل، لأن التوكل إباحة للتصرّف ورفع للحجر الذي كان قبلها، فأشبه إباحة الطعام للضيف، فلا يشترط فيها القبول لفظاً.
2 - عدم تعليقها بشرط على الأصح، كأن يقول: إن جاء زيد من سفره فأنت وكيلي بكذا، أو: إذا جاء شهر رمضان فقد وكّلتك بكذا، وذلك لأن في التعليق جهالة فاحشة، فلا تصحّ الوكالة معه.
فإذا تصرّف الوكيل في هذه الحالة عند وجود الشرط صحّ تصرّفه، لوجود الإذن في التصرّف.
ولا مانع من تعليق التصرّف إذا كانت الوكالة منجزة، كما إذا قال له: وكّلتك في بيع داري، على أن تبيعه عند قدوم فلان، أو إذا جاء شهر كذا.
وكذلك لا مانع من تقييدها بوقت، كأن يقول له: أنت وكيلي لمدة شهر، فتصحّ الوكالة، وتنتهي بانتهاء الشهر، وليس للوكيل أن يتصرف بعده.
الركن الرابع: الموكَّل فيه:
وهو التصرف الذي يقوم به الوكيل نيابة عن الموكِّل.
ويشترط فيه شروط هي:
1 - أن يكون حق التصرف فيه ثابتاً للموكل عند التوكيل، كما لو وكّله ببيع ما يملكه عند التوكيل، أو وكّله بما لا ولاية عليه كتأجير دار الصبي الذي تحت ولايته، والتي يملكها الصبي عند عقد الوكالة، فإن الولي يملك التصرّف في ذلك.
وعليه: فلا يصحّ أن يوكّل بالتصرّف فيما لا يملكه، أو فيما سيملكه، كما لو وكّل ببيع دار صديقه - مثلاً - وهو لا يملكها، أو وكّل ببيع دار زيد التي سيشتريها منه، أو وكّل بطلاق فلانة التي سيتزوجها، فإن الوكالة غير صحيحة في ذلك كله، لأنه لا يحقّ له ان يباشر ذلك بنفسه حين التوكيل، فكيف يستنيب غيره فيه.
أما لو وكّله في التصرّف فيما سيملكه بعد التوكيل تبعاً لما يملكه حال التوكيل: فإن الوكالة صحيحة، كما لو وكّله ببيع ما ستثمره أشجاره، فيصحّ ذلك، لأنه يملك الأصل وهي الأشجار، وكذلك لو وكّله ببيع ما عنده من أثواب وما سيشتريه أيضاً منها، صحّ توكيله في بيع ما لم يملكه عند التوكيل
تبعاً لما كان يملكه.
ولو وكّله ببيع متاع، وأن يشتري له بثمنه شيئاً، صحّ التوكيل بالشراء على الأشْهَرِ.
2 - أن يكون الموكِّل فيه معلوماً ولو من بعض الوجوه، فإن الضرر بذلك يقلّ والجهالة ترتفع نوعاً ما.
ولا يشترط العلم به من كل الوجوه، لصعوبة ذلك، ولأن الوكالة شرعت للحاجة، وذلك يقتضي المسامحة فيها.
فلو قال: وكّلتك في بيع أموالي، واستيفاء ديوني، واسترداد ودائعي - مثلاً - صحّ ذلك، وإن جهل الأموال، والديون ومَن هي عليه، والودائع ومَن هي عنده، لأن الضرر فيها قليل، والموكِّل فيه صار معلوماً من بعض الوجوه.
وأما لو قال: وكّلتك في كل قليل وكثير من أُموري، أو فوّضت إليك كل شئ، أو أنت وكيلي فتصرف كيف شئت، لم يصحّ التوكيل، لكثرة الضرر، وجهالة الموكِّل فيه من كل وجه.
وعليه فلا يصحّ ما يسمى اليوم بالوكالة العامة، وإن أضرارها ظاهرة، حيث يتصرف الوكيل احياناً في أشياء لا يرغب الموكّل تصرفه فيها.
وكذلك لو قال: وكّلتك ببيع بعض مالي، دون أن يعيّن هذا البعض، لكثرة الجهالة وفحش الغرر.
3 - أن يكون الموكِّل فيه قابلاً للنيابة، فلا يصحّ التوكيل فيما لا يقبل النيابة، ولذا لا تصح الوكالة في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم، لأن حكمة تشريعها الابتلاء والاختبار بمجاهدة النفس، وذلك لا يحصل بفعل غير المكلف بها.
ويصح التوكيل في العبادات التي تشترط القدرة البدنية لأدائها لا لوجوبها كالحج والعمرة، عند العجز عن القيام بها.
وكذلك يصحّ التوكيل فيما هو من تمام العبادات المالية والإعانة عليها، كتوزيع الزكاة على مستحقّيها، وتفرقة مال منذور أو كفّارة وكذلك ذبح الأضحية والهَدْى وشاة الوليمة ونحو ذلك.
ونفصّل القول هنا فيما يصحّ التوكيل فيه وما لا يصحّ فنقول: الوكالة يمكن أن تكون في حق من حقوق العباد، ويمكن أن تكون في حق من حقوق الله تعالى.
الوكالة في حقوق الله تعالى
:
وحقّ الله تعالى: هو ما شرع حكمه للمصلحة العامة لا لمصلحة فرد معين، فهو من النظام العام الذي يتعلق به حقّ كل فرد من الناس، ولذلك نسب لرب الناس جمعيهم، لعظم خطره وشموله نفعه، وسمى حق الله تعالى لأنه هو المستحق له وحده، فلا يملك أحد من الناس إسقاطه.
ومن حقوق الله تعالى العبادات المحضة، وقد علمنا انه لا يصحّ التوكيل فيها.
ومنها العقوبات الكاملة وهي الحدود، والوكالة فيها:
إما في إثباتها وإما في استيفائها.
فإذا كانت الوكالة في إثباتها فلا تصحّ، لأن مبنى الحدود على الدرء، أي إن الشارع يرجّح فيه جانب الدفع والإسقاط، فيسقطها لأقل شبهةٍ، والتوكيل في إثباتها يخالف ذلك لأنه يوصل إلى إيجابها وتنفيذها.
وإذا كانت في استيفاء الحدود فهي جائزة وصحيحة، لما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم وكّل في رجم مَن ثبت زناه، وجلد مَن ثبت شربه المسكر.
(انظر البخاري: الوكالة، باب: الوكالة في الحدود).
الوكالة في حقوق العباد
:
حقوق العباد هي كل ما يتعلق بأفرادهم على أنهم أفراد لا جماعة، كالبيع والشراء والزواج والطلاق والشركة والصلح ونحو ذلك.
فمثل هذه الحقوق تصحّ الوكالة فيها باتفاق العلماء، وقد مرّ معنا عند الكلام عن مشروعية الوكالة أدلة ذلك.
ومن هذه الحقوق الخصومة في إثبات هذه الحقوق، والوكالة فيها جائزة أيضاً.
ودليل ذلك:
أن علياً رضى الله عنه وكّل عقيلاً عند أبي بكر - رضى الله عنهما - وقال: ما قضى له فلي، وما قضى عليه فعليّ، ووكّل عند عثمان رضى الله عنه عبدالله بن جعفر رضى الله عنهما، وقال: إن للخصومة قُحَماً وإن الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها.
(البيهقي: الوكالة، باب: التوكيل في الخصومات .. : 6/ 81)
[قحماً: جمع قُحْمة، وهي الأمر الشاقّ الذي لا يكاد يحتمل، وقحم الخصومات ما يحمل الإنسان على ما يكرهه].
الوكالة في القصاص
: تصحّ الوكالة في إثبات القصاص واستيفائه، لأن الغالب فيه حق العبد، وهم أولياء المقتول، ولذا يملكون إسقاطه، كما يملكون استبداله بالدية.
الوكالة في الشهادة والأيْمان والنذور:
لا تصحّ الوكالة في الشهادة، كأن يقول له: وكّلتك أن تشهد عنّي بكذا، لأن حكمها متعلّق بعلم الشاهد، لأنها إخبار عما رآه أو سمعه، وهذا غير حاصل للوكيل، فتعلقت الشهادة بعين الشاهد، فلا تقبل التوكيل، فإن وكّل فيها كان الوكيل شاهداً على الشهادة.
وكذلك لا تصحّ الوكالة في النذور والأيمان، كأن يقول: وكّلتك أن تحلف عنّي أو تنذر عنّي، لأن فيها تعظيم الله تعالى، فأشبهت العبادة المحضة، وتعلقت بعين الحالف والناذر.
الوكالة في الإيلاء واللعان والقسامة والظهار
: وكذلك لا تصحّ الوكالة في الإيلاء واللعان والقسامة، لأنها أيمان، وقيل: إن اللعان شهادة، وكلٌّ من الشهادة والأيمان لا تصحّ فيه الوكالة.
والأصح أن الوكالة لا تصحّ في الظهار، لأن الغالب فيه معنى اليمين، لتعلّقه بألفاظ وخصائص كاليمين.
وقيل: تصحّ الوكالة فيه، لأنه ملحق بالطلاق، لأن الغاية فيه تحريم الاستمتاع بزوجته، وهذا ما يثبت بالطلاق، وصورته أن يقول: أنتِ على موكِّلي كظهر أُمه، أو جعلتُ موكِّلي مظاهراً منك.
الوكالة في الإقرار
:
وذلك بأن يقول له: وكّلتك لتقرّ عنّي لفلان بألف دينار له علىَّ، ونحو ذلك.
فالأصح أن الوكالة في ذلك غير صحيحة، ولو أقرّ عنه لا يلزمه ما أقرّ به عليه، لأن الإقرار إخبار عن إثبات حق - كالشهادة - فل يقبل التوكيل.
الوكالة في تملّك المباحات
كالاصطياد والاحتطاب: فلو وكّله أن يحتطب له أو أن يصطاد له: فالأصح صحة الوكالة، وأن ما يجمعه الوكيل من الحطب أو يمسك به من الصيد، بنيّة الموكّل، يكون ملكاً للموكّل، لأن تملّك المباحات أحد أسباب الملْك، فأشبه الشراء ونحوه، فصحّت الوكالة به.
الوكالة في المحرّم:
وذلك بأن يوكِّله في غصب شئ أو سرقته، أو فعل جناية، فإن الوكالة غير صحيحة، وإن فعل الوكيل شيئاً من ذلك كان هو الضامن والإثم عليه، لأن حكم المحرّمات مختصٌّ بمرتكبها، ولأن الشارع قصد بالامتناع عنها كل شخص بعينه.
حدود تصرفات الوكيل
إذا وقعت الوكالة مستوفية لأركانها وشروطها ثبت للوكيل حق التصرّف فيما وكّل فيه، ولكن ما هي حدود هذا التصرّف؟ هذا ما سنبيِّنه فيما يلي بحسب موضوع الوكالة التي أسندت إليه.
1 -
الوكالة في الخصومة:
وهي توكيل بالدعوى والمرافعة أمام القضاء وهي المشهور في أيامنا بعمل المحاماة، فإذا وُكِّل المحامي وغيره بالخصومة فهو يملك أن يتصرف بكل ما يتعلق بإثبات الحق لموكِّله أو دفعه عنه إذا كان خصمه يدّعيه.
وهل يملك الإقرار بالحق على موكِّله؟
والجواب: هو أنه لا يملك ذلك، لأنه وكيل في المنازعة والإقرار بخلاف ذلك لأنه مسالمة، فلا يتناوله التوكيل بالخصومة، فلا يملكه الوكيل.
وإذا أثبت الوكيل بالخصومة بالمال الحق لموكِّله وقُضى له به، فهل يملك قبضه؟
والجواب: أنه لا يملك ذلك، لأن الإذن في إثبات الحق ليس إذناً في قبضه، لا من جهة النطق ولا من جهة العُرْف، إذ ليس في العُرْف أن مَن يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه، بل الغالب أن يختار لتثبيت الحق ألدّ الناس خصومة.
وأكثرهم حيلة ودهاءً، وقد يكون أقل الناس دِيناً وحياءً، بينما يختار للقبض مَن هو أوفى الناس أمانة وأكثرهم ورعاً، فمَن يصلح للخصومة قد لا يصلح للقبض، وتوكيله بالخصومة لا يدلّ على الرضا به للقبض.
2 - الوكيل بالقبض: إذا وكّل إنسان آخر بقبض حق له من فلان، فأنكر فلان أن للموكّل عليه حقاً، فهل يملك
الوكيل بالقبض
المخاصمة في إثبات ذلك الحق الذي يدّعيه الموكّل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يملك ذلك لأنه بالمخاصمة يتوصل إلى إثبات الحق وقبضه، فيكون الإذن بالقبض إذناً في المخاصمة.
والثاني: أنه لا يملك المخاصمة في تثبيت الحق، لأن الإذن في القبض ليس إذناً في التثبيت، لا لفظاً ولا عُرْفاً، ومَن يرضاه في قبض حقه قد لا يرضاه في تثبيته، لأنه يختار للقبض مَن كان ذا أمانة ودين وورع، وقد يكون أقل الناس حيلة وأضعفهم حج ومخاصمة، وعليه لو رافع في الأمر إلى القضاء، وقضي على موكِّله، فلا يمضي عليه هذا القضاء، ولعلّ هذا الوجه هو الارجح، والله تعالى أعلم.
3 -
الوكيل بالبيع والشراء:
الوكالة بالبيع: إذا وكّله ببيع شئ له، فلا يخلوا من أن تكون هذه الوكالة مطلقة أو مقيّدة، ولكلٍّ منهما حكم يتعلق بها:
- الوكالة المطلقة بالبيع:
وهي أن يوكّلَه ببيبع شئ دون أيّ تقييد، ففي هذه الحالة يتقيد الوكيل بما يلي:
1 - لا يبيع بغير نقد البلد، لأن العُرْف يقيده به عند الإطلاق، فإن كان فيه نقدان يتعامل بهما أهله باع بالغالب منهما، فإن استويا في التعامل باع بأنفعهما للموكِّل، وإن استويا بالنفع باع بأيّهما شاء.
2 - لا يبيع بالنسيئة أي بتأجيل الثمن إلى زمن معين، وإن كان البيع بأكثر من ثمن مثله حالاًّ، لأن مقتضى الإطلاق الحلول، إذ هو المعتاد في البيع غالباً.
فلو وكّله ليبيع مؤجلاً: فإن قدّر له أجَلاً معيناً جاز أن يبيع إلى ذلك
الأجل ولا يزيد عليه، فإن نقص عنه أو باع حالاًّ صحّ البيع، فإن كان في التعجيل ضرر على الموكِّل- كنقص ثمن أو خوف على الثمن ونحو ذلك - لم يصحّ.
وإن أطلق الأجل صحّ التوكيل على الأصح، وحمل الأجل على المتعارف في مثله، فإن لم يكن فيه عُرْف راعي الأنفع للموكل.
3 - ولا يبيع بغبن فاحش، وهو ما لا يُحتمل غالباً، وضبطوه بما يخرج عن تقدير المقدِّرين، كأن يقدِّره المقدِّرون بما بين السبعة والعشرة مثلاً، فيبيعه بخمسة أو ستة.
فإذا خالف أحد هذه القيود الثلاثة وباع لم يصحّ بيعه على الأصح، وإذا سلم المبيع للمشتري كان ضامناً له، لأنه تعدّى في تصرفه، فإن كان المبيع موجوداً استردّه، وإلا غرَّم الموكِّل قيمته من شاء من الوكل أو المشتري، ويستقر الضمان على المشتري، أي هو الذي يغرم القيمة في النهاية، ويعود على الوكيل بالثمن إن كان قد دفعه إليه.
- الوكالة المقيدة بالبيع:
وذلك بأن يوكِّله ببيع شئ يملكه، ويقيده بشخص أو زمن أو مكان أو ثمن.
? فإن قيّده بشخص، كأن قال: بِعْ هذا لفلان، تعيّن عليه البيع له، لأن تخصيصه قد يكون لغرض يقصده، كأن يكون ماله أبعد عن الشبهة، فإن دلّت قرينة على أن مراده الربح، وأنه لا غرض له في التعيين إلا ذلك، جاز بيعه لغير ذلك الشخص الذي عيّنه.
? وإن قيّده بزمن، كأن قال: بِعْه يوم الجمعة مثلاً، تعيّن هذا، ولم يجز أن يبيع قبله ولا بعده، لأنه قد يُؤثر البيع في زمان لحاجة خاصة فيه، ولا يؤثره في غيره.
? وإن قيّده بمكان، كسوق كذا، يُنظر: ? فإن كان له في التعيين غرض صحيح، كأن يكون الثمن فيه أكثر، أو النقد فيه أجود، لم يجز البيع في غيره، لأنه لا يجوز تفويت غرضه عليه.
وإن لم يكن في التعيين غرض صحيح، كأن يكون الثمن فيه وفي غيره واحداً، فالراجح أن له البيع فيه وفي غيره، لأن مقصوده يتحقق في أيّ مكان، فكان الإذن بالبيع بمكان إذناً بالبيع في غيره.
? وإن قيده بثمن، كأن قال له: بِعْ بمائة مثلاً، فليس له أن يبيع بأقل منها، ولو كان ثمن المثل أو كان النقص قليلاً، لأنه مخالف للإذن.
والأصح أنَ له أن يبيع بأكثر منها، لأن المفهوم من ذلك عُرْفاً هو عدم النقص، بل لا يجوز له أن يبيع بالمائة إن وجد مَن يرغب شراءه بأكثر منها، لانه مأمور بالأنفع للموكِّل، حتى لو وجد الراغب بالزيادة زمن الخيار لزمه الفسخ، وإذا لم يفسخه هو انفسخ بنفسه.
فإذا صرّح له بالمنع من البيع بزيادة عمّا قيده به، كأن قال له: بِعْه بمائة، ولا تَبعْ بأكثر من ذلك، لم يصحّ بيعه بزيادة، لأنه لا عبرة للدلالة مع التصريح، فقد أبطل النطق دلالة العُرْف.
- البيع لمن يتهم فيه بالمحاباة:
الوكيل بالبيع لا يصحّ أن يشتري الموكَّل ببيعه لنفسه كما لا يصحّ أن يشتريه لولده الصغير ولا لكل مَن هو في حَجْره وتحت ولايته، لأن العُرْف في مثل هذا أن يبيع الوكيل لغيره، لا لنفسه، وبيعه لولده الصغير ومن في حجره كبيعه لنفسه، فلم يصحّ ذلك كله، حتى ولو أذن له فيه الموكَّل، لتعارض أغراض البائع والمشتري، فالمشتري يرغب السلعة بأرخص الأثمان، ووكيل البائع عليه ان يحصل لموكله اغلاها واعلاها، وهنا المشتري والبائع واحد، فلا تتحقق اغراض البيع.
واما غير هؤلاء - ممّن يتهم في محاباتهم من ذوي قرباه - فلا مانع من بيعهم، فيبيع لزوجته واخوته ونحوهم، لأن العاقد ليس واحدا، فالأغراض غير متنافية.
والاصح انه يبيع لأبيه وسائر أصوله، كما أنه يبيع لابنه البالغ وسائر فروعه المستقلِّين عنه، طالما أنه يبيعهم بالثمن الذي لو باع به لأجنبي لصحّ، فتنتفي التهمة ويصحّ البيع، كما لو باع لصديق له، ليس بينه وبينه قرابة.
- التوكيل ببيع فاسد:
لو وكّله أن يبيع بعقد فاسد - كما لو وكّله ببيع المال الربوي بجنسه متفاضلاً، كصاع حنطة بصاعين، أو أن يبيع المبيع بثمن محرم كآلة لهو مثلا - فلا يجوز أن يعقد هذا العقد، لأن الله تعالى لم يأذن فيه، فلم يملكه الموكِّل أصلاً حتى يملكه الوكيل.
وهل يملك أن يبيعه بعقد صحيح؟ والجواب: لا يملك ذلك، لأن الموكّل لم يأذن فيه.
ب الوكالة بالشراء: ? الوكالة المطلقة بالشراء: وذلك بأن يوكِّله بشراء شئ موصوف أو معين دون أن يقيده بنوع أو ثمن، كأن يقول: وكّلتك أن تشتري لي سيارة، فهنا يتقيد الوكيل بما يلي: 1 - لا يشتري معيباً، لأن الإطلاق يقتضي الوصف بالسلامة من العيب، فإن اشترى ما فيه عيب يُنظر: ? فإن كان الوكيل يعلم العيب: وقع الشراء له ولم يقع للموكل، حتى ولو كان المشتري يساوي الثمن الذي اشترى به مع العيب على الأصح، لأنه لم يأذن له بشراء المعيب، فهو مقصِّر بشرائه، وقد لا يتمكن الموكّل من ردّه لهروب البائع فيتضرر بذلك، ولا سيما حين يكون لا يساوي الثمن.
? وإن كان الوكيل لا يعلم العيب: فإن كان المشتري يساوي الثمن مع العيب وقع الشراء للموكِّل، إذ لا ضرر عليه، لأنه يملك الاختيار بين إمساكه - ولا خسارة عندها لأنه يساوي الثمن - وأن يردّه على البائع، والوكيل غير مقصّر بهذا، لأنه جهل العيب، ولم يشتره بأكثر من ثمن مثله.
وكذلك الحال أن كان المشتري لا يساوي الثمن مع العيب في الأصح، كما لو اشتراه الموكّل بنفسه جاهلاً للعيب.
وفي هذه الحالة:
يكون للموكّل وحده خيار الرد بالعيب إن اشتُرى بعين ماله، لأنه هو المتضرِّر بذلك، فإن رضى به فليس للوكيل حق ردّه، لأن العقد لا يمكن أن يقع له، فلا يتضرر به.
وإن كان الوكيل قد اشتراه بالذمة: ثبت حق الرد له أيضاً، لأنها ظلامة حصلت بعقده فجاز له رفعها، كما لو اشتراه لنفسه، ولأنه لو لم يجز له الردّ.
فربما لا يرضى به المالك، فتنقلب ملكيته للوكيل، ويتعذر ردّه لكون الرد فورياً، فيتضرر الوكيل بذلك.
2 - لا يشتري إلا بثمن المثل، أو بزيادة يسيرة يقبل الناس التغابن فيها عادة، فإن اشترى بزيادة لا يتغابن فيها الناس عادة - على ما سبق - فيا يقع البيع للموكِّل.
? الوكالة المقيَّدة بالشراء:
إذا وكّله أن يشتري له شيئاً، وقيّده بنوع أو ثمن، لزمه مراعاة القيد، فإذا خالف الوكيل في هذا وقع الشراء للوكيل، ولم يقع للموكل إلا إذا خالف إلى خير.
ومثال التقييد بالنوع من المشتري أن يقول له: اشتر لي سيارة من نوع كذا صنع سنة كذا، فإذا اشتراها مع هذا الوصف كان الشراء للموكِّل، وإن خالف في هذا فاشتراها من نوع آخر أو من صنع سنة غير المذكورة في العقد، كان الشراء للوكيل وليس للموكل، لأنه خالف قيداً معتبراً قد يكون للموكل مصلحة فيه.
ومثال التقييد في الثمن، أن يقول: اشتر لي سيارة - مثلاً - أو داراً بمائة ألف، فاشتراها بمائتي ألف، فلا يلزم هذا الشراء الموكِّل، وإنما يلزم الوكيل لمخالفة قيد الثمن.
ومثال المخالفة الى خير: أن يشتري ما وكّله بشرائه بألف - بصفة معينة - بثمانمائة بنفس الصفقة والقيد، فهذا الشراء يلزم الموكِّل - وإن خالف فيه الوكيل - لانها مخالفة إلى خيره وصالحه.
ومن هذا ما لو وكّله بشراء سلعة موصوفة بثمن معين، فاشترى اثنتين منها
بالثمن نفسه، كلٌّ منهما تساوي الثمن المعين، صحّ الشراء للموكل، لأنه مخالفة إلى ما هو أنفع.
ودلّ على ذلك كله حديث عروة رضى الله عنه السابق.
? أشتراط الوكيل الخيار:
ليس للوكيل بالبيع أن يشرط الخيار للمشتري، كما أنه ليس للوكيل بالشراء أن يشرط الخيار للبائع، لأنه - في الحالين - شرط لا مصلحة فيه للموكِّل، فإن أذن به الموكَّل جاز.
وللوكيل أن يشرط الخيار لنفسه او للموكِّل، لأن في ذلك مصلحة للموكّل واحتياطاً له.
حقوق العقد بالوكالة وحكمه
المراد بحقوق العقد: التصرفات التي لا بدّ منها للحصول على الغاية والقصد من العقد، مثل تسليم المبيع وقبض الثمن في البيع، والمطالبة بالمهر في النكاح، ونحو ذلك.
وحكم العقد: هو الغرض منه والمقصود، كثبوت الملكية في المبيع للمشتري، وحل الاستمتاع بالزوجة في عقد النكاح ونحو ذلك.
وبحثنا الآن: لمن تثبت حقوق العقد وحكمه، للوكيل أم للموكل؟ والجواب هو:
أما حكم العقد:
فقد اتفق الفقهاء على أنه يقع ويثبت للموكِّل لا للوكيل، لأن الوكيل واسطة وسفير في هذا، وهو يتكلم باسم الموكّل ويعقد له، فولايته على العقد مستمدَّة منه فكأنّ العاقد في الحقيقة هو الموكَّل، ولذلك يثبت حكم العقد له مباشرة، بمجرد تمام العقد وصحته من قِبَل الوكيل.
وأما حقوق العقد:
فهي نوعان بحسب العقود التي تترتب عليها، فإن العقود التي يمكن ان يقوم بها الوكيل نوعان:
? عقود يضيفها الوكيل إلى نفسه.
? وعقود يضيفها الوكيل إلى موكِّله.
فالعقود التي يضيفها إلى نفسه: هي كالبيع والشراء والإجارة ونحوها، فإن الوكيل يقول عند التعاقد: بعت واشتريت وأجَّرْتُ، دون أن يقول: عن موكِّلي، أو لموكِّلي.
فمثل هذه العقود تتعلق أحكامها بالوكيل لا بالموكِّل، فهو المعتبر في رؤية المبيع قبل العقد، ويلزم العقد بمفارقته المجلس، وهو الذي يطالب بالثمن أو المبيع، وهو الذي يستلم البدل من العاقد الآخر ونحو ذلك.
وإنما رجعت إليه هذه الحقوق لأنه أصل في التعاقد، بدليل استغنائه عن إضافة العقد إلى الموكّل.
وأما العقود التي يضيفها الوكيل للموكّل:
فهي كالزواج والخلع والصلح عن دم ونحو ذلك، فإن الوكيل يقول عندها: قبلت زواج ابنتك لموكِّلي فلان مثلا، ويقول: خالعتك عن زوجتك فلانة، وما الى ذلك.
فمثل هذه العقود تتعلق أحكامها بالموكل لا بالوكيل فلا يطالب الوكيل بالمهر وإنما يطالب به الموكّل، ولا يطالب وكيل الزوجة المخالع عنها ببدل الخلع وإنما تطالب به الزوجة الموكلة، وهكذا.
أحكام تتعلق بالوكالة
1 -
توكيل الوكيل:
إذا كان الوكيل يمكنه القيام بما وُكِّل فيه، وكان مما يليق بأمثاله القيام به، فليس له أن يوكّل غيره بدون إذن الموكِّل، لأن الموكِّل رضى بتصرفه ولم يرضَ بتصرّف غيره، ولا ضرورة لذلك.
فإن كان لا يتأتى منه القيام بما وُكِّل فيه، إما لأنه لا يحسنه وإما لأنه لا يليق به، فله عندئذ أن يوكّل غيره بالقيام بذلك، لأن تفويض مثل ذلك إليه من الموكّل بقصد منه إنابته عنه في توكيل مَن يقوم بما أسنده إليه.
وإذا كان الموكل فيه مما يحسنه ويليق به، ولكنه كثر حتى عجز الوكيل عن الإتيان بكله، جاز له أن يوكّل فيما زاد من قدرته على الأصح، لأن الضرورة دعت إليه.
وحيث جّوزنا للوكيل أن يوكِّل - عن نفسه أو عن الموكّل - اشترط أن يوكِّل اميناً رعاية لمصلحة الموكِّل، إلا إن عين الموكّل أحداً غير أمين، فله توكيله اتباعاً لتعيين الموكّل.
وهل الوكيل الثاني وكيل الموكِّل، أو وكيل الوكيل الاول؟ والجواب:
? إذا قال: وكِّل عن نفسك، فالثاني وكيل الوكيل، فللأول أن يعزله، كما أنه ينعزل بعزل الموكل للوكيل الأول، أو بعزل الوكيل الأول لنفسه، لأنه تبع له.
? وإن قال: وكِّل عنّي، أو أذن له بالتوكيل مطلقاً، فالوكيل الثاني وكيل للموكل، فلا يملك أحد الوكيلين عزل الآخر، وللموكّل عزل أيّهما شاء فلا ينعزل الثاني بانعزاله.
2 -
التوكيل بجُعْل:
الوكالة صحيحة سواء أجعل الموكِّل شيئاً مقابل ذلك أم لم يجعل.
فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم وكَّل ولم يعط شيئاً على العمل، كما أنه كان يوكِّل السُعاة بجمع الزكاة ويعطيهم على ذلك أجراً يجعله لهم مقابل عملهم.
وفي حال كونها بجعل يشترط أن يكون الجعل معلوماً، فلا يصح ما يفعله الناس اليوم من إعطاء المحامين نسبة مئوية من مال القضية التي يربحونها كأتعاب لهم.
كما لا يصح اعطاء جباة الجمعيات ونحوها نسبة مئوية مما يجبونه من اموال، وكذلك إعطاء أصحاب المكاتب العقارية نسبة مئوية من قيمة ما يبيعونه.
والمشروع في ذلك كله تحديد جُعْل يُتّفق عليه قبل بدء العمل وعند التوكيل.
ويستحق هذا الجعل عند الانتهاء من العمل الموكل فيه.
3 -
صفة يد الوكيل:
يد الوكيل على ما وكّل فيه يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدِّي، حتى ولو كانت الوكالة بجُعْل، لأن الوكيل نائب عن الموكِّل في التصرّف فيما تحت يده، فكانت يده كيده، فكما ان المالك لا يضمن ما تلف في يده من ملكه فكذلك وكيله.
وأيضاً فإن الوكالة إرفاق وتعاون من الوكيل، والضمان ينافي ذلك وينفّر عنه، ويجعل الناس يمتنعون عنها، فيكون في ذلك حرج، فإذا تعدَى - كأن استعمل ما وكل ببيعه او شرائه، او ضاع منه ولم يدر كيف ضاع، او وضعه في مكان ثم نسيه، او خالف الموكل - فإنه يضمن في ذلك كله.
4 -
دعوى الوكالة:
إذا جاء إنسان ألى مَن عليه حق لآخر، وادّعى أنه وكيل صاحب الحق، وأنه وكّله في قبض الحق منه، وصدّقه مَن عليه الحق في ذلك، فهل يجب دفع الحق إليه؟
والجواب: إنه لا يجب عليه ذلك، لأن هذا الدفع لا يبرئه من الحق، فلا يؤمر به لا أن أقام بينة على دعواه.
فإذا دفع اليه وقبضه جاز، فإذا حضر صاحب الحق وصدقه بالوكالة فقد ظهر
أنه كان وكيلا له، وان قبضه صحيح، فتبرأ ذمة من كان عليه الحق منه.
وإن أنكر صاحب الحق التوكيل صُدّق بيمينه أنه ما وكّل، لأن الأصل عدم التوكيل، فإذا حلف يُنظر:
فإن كان الحق عيناً: أخذها إن كانت باقية أو أخذ بدلها إن كانت تالفة.
وله أن يطالب أيّهما شاء: مَن كان عليه الحق ودفعه، ومَن أدعى الوكالة وقبض.
لأن الدافع دفع إلى مَن لم يثبت له إذن صاحب الحق له بالقبض، والقابض قبض ما لم يكن له حق في قبضه.
وإذا ضمّن واحدً منهما لم يكن له أن يرجع بما ضمنه على الآخر، لأن كلاًّ منهما يرى أن ما يأخذه صاحب الحق منه ظلم، فليس له أن يرجع على غيره لدفع الظلم عن نفسه.
وإن كان الحق دَيْناً: فله أن يطالب به الذي كان عليه، لأن حقه - على رأيه - لا يزال في ذمته ولم ينتقل الى ذمة غيره.
وليس له أن يطالب القابض على قول الأكثر، لأن ما قبضه لم يتعين حقا له، فليس له أن يطالب به.
5 -
الوكالة في قضاء الدَّيْن:
إذا وكّل رجلاً في قضاء دينه لزم الوكيل أن يشهد على القضاء، لأنه مأمور بما هو الأحوط لمصلحة الموكِّل، ومن مصلحته أن يشهد على قضاء دينه، كي لا يرجع عليه الدائن وينكر القضاء.
فإذا دفع الوكيل الدَّيْن دون إشهاد، وأنكر صاحب الدَّيْن الوفاء، لم يُقبل قول الوكيل عليه، وبقى دينه في ذمة الموكّل.
وهو للموكّل ان يضمِّن الوكيل ما دفعه إليه؟ والجواب: يُنظر:
? فإن كان دفع إليه في غَيْبة الموكِّل ضمن للموكل ما دفعه إليه، لأنه فرّط في ترك الإشهاد على الدفع.
? وإن كان في حضوره لا يضمن، لأن المفرّط هو الْموكَِل، إذ كان عليه أن يشهد على الدفع، لأن الإشهاد لمصلحته ولحقه.
6 -
الوكالة لإثنين:
إذا وكّل وكيلين في تصرّف، فهل للواحد منهما أن يتصرّف فيما وُكِّلا فيه منفرداًَ عن الآخر؟
فإن كان قد نصّ في الوكالة على أن لكِّل منهما أن يتصرّف دون الآخر صحّ له ذلك، وكذلك إذا كان توكيلهما على التعاقب أو على انفراد، ولم يكن بلفظ واحد، جاز لكلٍّ منهما أن يتصرّف دون أن يرجع إلى صاحبه.
وإن كان التوكيل بلفظ واحد ينظر:
فإن كان يتعلق بأمر فيه بدل مالي، كالبيع والشراء وقبض الدَّيْن والنكاح والطلاق على مال، لم ينفرد أحدهما عن الآخر، ولو تصرّف توقف تصرّفه على إجازة الآخر، لأن هذه التصرفات تحتاج الى مزيد من الرأي، والموكِّل رضى برأيهما ولم يرضَ برأي أحدهما، واجتماعهما ممكن، فلا ينفذ تصرّف أحدهما دون الرجوع الى الآخر، لأن الموكّل لم يأذن به.
وإن كان التصرّف لا يتعلق بأمرٍ فيه بدل مالي، كالطلاق على غير مال وتسليم الهبة وقضاء الدَّيْن ونحو ذلك، فلكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرّف، لأن هذه التصرفات لا تحتاج الى مزيد نظر ورأي، فتكون إضافة التوكيل إليهما تفويضاً بالتصرّف إلى كل واحد منهما على انفراده.
وكذلك التوكيل بالخصومة لاثنين، لأن القصد منها إعلام القاضي بحق الموكِّل والمرافعة أمامه، وقد يكون في حضورهما معاً إخلال بذلك.
7 -
اختلاف الموكِّل مع الوكيل:
قد يختلف الموكِّل مع الوكيل في بعض الأمور، فما هو الحكم عند الاختلاف؟ وأبرز هذه الأمور الاحوال التالية:
أ-الاختلاف في تلف ما في يد الوكيل:
علمنا أن الوكيل أمين، وأنه لا يضمن ما تلف في يده إلا إذا فرّط أو تعدّى.
فإذا ادّعى الوكيل أنه تلف في يده ما وكّله ببيعه مثلاً، أو الثمن الذي وكّله بالشراء به، أو الثمن الذي قبضه له ونحو ذلك، فكذّبه الموكِّل بدعواه وقال: لم يتلف
شئ في يدك، فيصدَّق الوكيل بدعواه مع يمينه، لأنه أمين، والأصل عدم تضمينه، والتلف مما يتعذر إقامة البيِّنة عليه فلا يكلّف بها.
إلا إذا ادّعى أن التلف حصل بأمر ظاهر لا يخفى، كحريق أو غرق أو نهب، فيكلّف إقامة البيّنة على هذا الأمر، لأنه ليس مما يتعذّر إقامة البيّنة عليه، فإن لم يقم بيِّنة على ذلك كان ضامناً لما كان في يده.
ب- الاختلاف في التعدِّي أو التفريط:
إذا توافق الموكِّل والوكيل في دعوى التلف، ولكن اختلفا في التعدِّي وعدمه، كأن يدّعى الموكِّل مخالفة الوكيل شروطه، أو التقصير في الحفظ، أو الاستعمال لنفسه ونحو ذلك، مما يُعتبر تعدّياً من الوكيل أو تقصيراً منه، والوكيل ينكر ذلك ويدّعي أنه ما تعدّى ولا قصّر، فالمعتبر قول الوكيل مع يمينه، لأن الموكِّل يدّعى عليه الضمان وهو ينكره، والقول دائماً قول المنكر مع يمينه، فإذا حلف فلا ضمان عليه.
ج- الاختلاف في التصرف:
كأن يدّعي الوكيل أنه باع ما وُكِّل ببيعه وينكر الموكِّل البيع، أو يقول الوكيل: بعتُ وقبضتُ الثمن وتلف، ويقول الموكّل: بعتَ ولم تقبض الثمن.
فالقول - أيضاً - قول الوكيل مع يمينه، لأنه يملك التصرّف بالبيع والقبض بالإذن، ومَن ملك تصرفاً ملك الإقرار به.
د- الاختلاف في الردّ:
أي ادّعى الوكيل أنه ردّ ما في يده من حقوق الموكِّل إليه، كما لو ادّعى ردّ العين التي وكَّله ببيعها، أو ردّ الثمن الذي باع به، وأنكر الموكِّل ذلك:
- فإن كانت الوكالة بغير جُعْل فالقول قول الوكيل بغير جعل فالقول قول الوكيل بيمينه، لأن قبضه للمال كان لصالح مالكه، فيُقبل قوله في ردّه.
- وإن كانت الوكالة بجُعْل: فوجهان: قيل: لا يقبل قوله، لأن قبضه للمال كان لصالح نفسه، وقيل: يُقبل قوله، لأن منفعته كانت بعمله لا بقبضه لمال الموكِّل، وهذا القول هو الأرجح.
هـ- الاختلاف في التوكيل: إذا اختلف الوكيل مع الموكِّل في أصل الوكالة، فقال: وكّلتني بكذا، وقال الأصيل: لم أُوكِّلك:
- فإن كان قبل التصرّف: فلا خصومة، أي يُرَدُّ ترافعهما أمام القضاء، إذ لا فائدة من ذلك، لأن إنكار الموكِّل في هذه الحالة الوكالة عزل للوكيل لو حصل التوكيل.
- وإن كان بعد التصرّف: فالقول قول الموكِّل بيمينه، لأن الأصل عدم الإذن وعدم التوكيل، والوكَّيل يدّعيه والموكِّل ينكره، والمعتبر - كما علمنا - قول المنكِر بيمينه.
وتسمية الطرفين هنا وكيلاً وموكِّلاً مجاز، حسب دعوى مدّعي التوكيل.
والاختلاف في صفة الوكالة: إذا توافق الموكِّل والوكيل على الوكالة، ولكن اختلفا في صفتها، كأن قال الوكيل مثلاً: وكّلتني بالبيع إلى أجل، وقال الموكِّل: بل نقداً، أو قال الوكيل: وكّلتني أن أشتري لك كذا بألف، فقال الموكّل: بل بخمسمائة، أو قال الوكيل: وكّلتني بشراء سيارة، فقال الموكِّل: بل بشراء دار، وهكذا.
فالقول قول الموكِّل مع يمينه، لأنه أعرف بحال الإذن الصادر منه، وأعلم بالعبارة التي نطق بها.
انتهاء عقد الوكالة
ينتهي عقد الوكالة بأُمور، هي:
1 - الفسخ:
عقد الوكالة عقد جائز من الطرفين:
أي إن الموكِّلَ له فسخُ عقد الوكالة وعزل الوكيل عن التصرف متى شاء، لأنه قد يرى أن مصلحته في ترك التوكيل، أو يرى مصلحته في توكيل شخص آخر، والتوكيل إذن منه للتصرّف في ملْكه، فله أن يرجع عنه متى شاء.
وكذلك للوكيل أن يفسخ الوكالة ويعزل نفسه عن التصرّف متى شاء، لأنه قد لا يتفرّغ للقيام بما وُكِّل به، أو قد يكون التوكيل في غير مصلحته، فلو كان ملزَماً بها لكان في ذلك إضرار به.
ولا يختلف الحال سواء أكانت الوكالة بجُعْل أم بغير جٌعْل.
وبناءً عليه:
فلو عزل الموكِّل الوكيل فقد انتهت الوكالة، ويكون ذلك بقوله: رفعت الوكالة، أو أخرجتك منها، أو عزلت وكيلي عن التصرّف، أو أرسل إليه رسولاً يخبره بذلك، أو كتب إليه بعزله، ونحو ذلك.
وإذا وقع العزل من الموكِّل فقد انعزل الوكيل في الحال، وخرج عن الإذن السابق له بالتصرّف، سواء أكان حاضراً أم غائباً، وبلغة خبر العزل أم لم يبلغه، لأن العزل رفع للعقد فلا يُشترط فيه الرضا، ولا يحتاج إلى العلم.
فلو تصرّف بعد العزل وقبل العلم به فتصرّفه باطل.
وكذلك الحال إذا عزل الوكيل نفسه، بأن قال: عزلت نفسي عن الوكالة، أو: رددتٌ الوكالة ونحو ذلك، فإنه ينعزل للحال وتنتهي الوكالة، ولو كان الموكِّل غائباً ولم يبلغه علم العزل.
2 - خروج أحد العاقدين عن أهلية التصرّف:
علمنا أنه يشترط في الموكِّل والوكيل شروط حتى تصحّ الوكالة، فإذا اختلّ شرط من هذه الشروط في الموكِّل أو الوكيل فقد خرج عن أهلية التصرّف، وبالتالي بطلت الوكالة وانتهت، لأن اختلال هذه الشروط وعدم توفرها لو قارن العقد لما صحّت الوكالة، فكذلك إذا طرأ عليها فإنه يبطلها، وذلك مثل الجنون والإغماء والسفه والفلس.
وكذلك تنتهي الوكالة بموت أحدهما: الوكيل أوالموكِّل، سواء أعلم الآخر بموته أم لم يعلم، لأن الموكّل يخرج عن أهلية الإذن بالتصرّف بموته، وكذلك الوكيل يفقد بالموت أهلية التصرّف.
3 - خروج محل التصرّف عن ملك الموكِّل أو ولايته:
ومما تنتهي به الوكالة خروج محل التصرّف - أي محلّ التوكيل - عن ملْك الموكِّل أو ولايته، فينعزل الوكيل.
ومثال خروجه عن ملْكه: ما لو باع العين التي وكَّله ببيعها أو وهبها، ونحو ذلك.
ومثال خروج محل الوكالة عن ولاية الموكِّل: بما لو وكّله ببيع مال للصبي الذي تحت ولايته، ثم بلغ الصبي رشيداً، فيرتفع عنه الحَجْر، وتنتهي ولاية الموكِّل عليه، فيبطل إذنه في التصرف بأمواله بعد بلوغه، فتبطل الوكالة.
ومثل خروج محل الوكالة عن ملْك الموكِّل أو ولايته هلاكه، كما لو وكّله ببيع سيارة فسُرقت، أو دار فهُدمت، أو وكّله بنكاح ابنته فماتت، فينعزل الوكيل في كل هذه الصور وتنتهي الوكالة، لأن محل التصرف لم يبق.
4 - قيام الوكيل بما وُكّل به: من الواضح أنه إذا قام الوكيل بالتصرّف الذي أذن له الموكِّل فيه وفوّض إليه القيام به فقد انتهت الوكالة، كما لو وكّله ببيع داره فباعها، أو بشراء سلعة معيّنة فاشتراها، أو بتزويجها من فلان فقبل زواجها له من وليّها، وهكذا، لأن توكيله بعد ذلك يصبح غير ذي موضوع، ولا محل فيه للتصرّف.