الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعيصفحات 212-225
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البَاب الخامس

صفحات 212-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
مجموعة من المؤلفين
الكتاب
الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
الناشر
دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
الطبعة
الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
عدد الأجزاء
8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ينافي غرض الإسلام وحرصه على أن يصل كل إنسان إلي حقه، من غير نزاع ولا صراع، فكان تشريع الشهادة تلبية إذاً لحاجة مقصودة، ومصلحة أكيدة.

اختلاف الشهادات من حيث عدد الشهود

: الحقوق المشهود بها نوعان: حق الله، وحق العباد.

النوع الأول: حق الله تعالي

: وهذا النوع من الحقوق لا يقبل فيه شهادة النساء، بل لا بد فيه من شهادة الرجال، لأن شهادة النساء لا تخلو من شبهة النسيان والخطأ، وهذه حقوق يؤخذ فيها بالاحتياط.
وحقوق الله هذه ثلاثة أضرب: الضرب الأول: لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود، وهو الزنى.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (سورة النور: 4) فقد رتب سبحانه وتعالى الجلد على عدم الإتيان بأربعة شهداء، فدل بذلك على أن الزني لا يثبت بأقل منهم.
وقال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾ (سورة النساء: 15).
وقال عز من قائل، في حادثة الإفك: ﴿َوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (سورة النور: 13).
دل ذلك على أن نصاب الشهادة في الزني أربعة من الذكور.
وبيّن هذا حديث مسلم [1498] في كتاب اللعان، أن سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " نعم "، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجلنه بالسيف قبل ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اسمعوا إلي ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني ". وقال ذلك عندما نزل: ﴿والذين يرمون المحصنات .... ﴾ ثم نزلت آيات اللعان فسحة للأزواج.

الحكمة من وجود أربعة شهداء في الزنى

: الحكمة من طلب أربعة شهداء على ثبوت حد الزني، أن الزني لما كان يقوم بين اثنين: الرجل والمرأة، صار كالشهادة على فعلين، فاحتاج إلي أربعة من الشهود.
وكذلك فإن الزني من أغلظ الفواحش، فغلظت الشهادة فيه ليكون أستر على الناس.
وإنما تقبل شهادة الشهود في الزني، إذا قالوا: حانت منا التفاته فرأينا ذلك كاملاً، أو قالوا: إنا تعمدنا النظر لأداء الشهادة.
الضرب الثاني: وهذا يقبل فيه رجلان اثنان، وهو ما سوى الزني من حقوق الله عز وجل، مثل الردة، وقطع الطريق، وقتل النفس، والسرقة، وشرب الخمر.
ودليل ذلك عموم قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (سورة البقرة: 282). وقوله عز وجل: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (سورة الطلاق: 2).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " شاهداك أو يمينه ". (رواه مسلم: [138]).
وقول الزهري: (مضت السنة بأنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود).
الضرب الثالث: وهذا يقبل فيه شهادة رجل واحد، وهو هلال رمضان بالنسبة للصوم، وذلك احتياطاً له.
إذ الخطأ في فعل العبادة أقل مفسدة من الخطأ في تركها، ولذلك لا يقبل في هلال شوال أقل من شاهدين رجلين.
روي أبو داود [2342] في الصوم، باب: شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، عن أبي عمر رضي الله عنهما، قال: تراءي الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رايته فصامه وأمر الناس بصيامه.

النوع الثاني: حق العباد

: وهذا النوع أيضاً على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، وهو مالا يقصد منه المال، ويكون مما يطلع عليه الرجال: كالطلاق، والرجعة، والإسلام والردة، والجرح، والتعديل، والوقف والوصية، ونحو ذلك.

ودليل ذلك أن الشريعة نصت علي شهادة الرجلين في النكاح والطلاق والوصية، وقيس عليها ما لم يذكر فيها نص، مما هو مثلها من كل حق لآدمي لا يقصد به المال.
قال تعالى، في الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة الطلاق: 2) وقال عز وجل في الوصية: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة المائدة: 106). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزواج: " لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل ". (رواه الشافعي في مسنده، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إنه اصح شيء في الباب ـ انظر: مغني المحتاج 3/ 155 ـ ورواه ابن حبان [1247] وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غيره).
وقال الزهري رحمه الله: مضت السنّة بأن لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق.
الضرب الثاني: يقبل فيه شاهدان رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين المدعى، وهو كل حق كان القصد منه المال، من عين أو دين أو منفعة، كالبيع، والإقالة، والحوالة، والضمان، والإجارة، والرهن، والشفعة، ونحوهما.
ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (سورة البقرة: 282). وروي مسلم [1712] في الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد.
وفي مسند الشافعي: قال عمرو ـ أي ابن دينار راويه عن ابن عباس ـ: في الأموال.
[الأم: 6/ 156 هامش].
وقيس ما ذكر غيرها من كل حق فيه مال.
الضرب الثالث: يقبل فيه شهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، أو أربع نسوة، وذلك في كل حق للآدمي لا يطلع عليه الرجال غالباً، وذلك مثل الولادة، والرضاعة، والبكارة، وعيوب النساء.

ودليل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري رحمه الله تعالى، قال: مضت السنة بأنه يجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادة النساء وعيوبهن.
[الإقناع: 2/ 297]. ومثل هذا القول من التابعي حجة، لأنه في حكم الحديث المرفوع، إذ لا يقال مثله من قبيل الرأي والاجتهاد.
وقيس بما ذكر غيره مما يشاركه في معناه وضابطه، واشترط العدد لأن الشارع جعل شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد، وإذا قبلت شهادة النساء منفردات في شؤونهن، فقبولها مع اشتراك رجل، وامرأتين أولي، لأن الأصل في الشهادة الرجال، وكذلك إذا انفرد الرجال بالشهادة.
تنبيه: قال العلماء: لا تقبل شهادة على فعل من الأفعال، كالزنى وشرب الخمر ونحوهما، إلا بالإبصار والمعاينة لذلك الفعل مع فاعله، لأنه بذلك يصل به إلي العلم اليقين، فلا يكفي فيه السماع من الغير، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (سورة الإسراء: 36).
إلا أنه في الحقوق اكتفي فيها بالنظر المؤكد، لتعذر اليقين فيها، والحاجة تدعو إلي إثباتها، كالعدالة والإعسار، فلا سبيل لمعرفة ذلك يقيناً، فاكتفي فيه بغلبة الظن.

شروط الشهادة

: الشهادة قسمان: شهادة تحمل، وشهادة أداء.

أولاً: شروط تحمل الشهادة:

لا يشترط عند تحمل الشهادة إلا شرط واحد، ألا وهو التمييز، لأنه به يعي الإنسان ما شاهده، ويحفظ ما يراه.

ثانياً: شروط أداء الشهادة:

يشترط في الشاهد عند أداء الشهادة الشروط التالية: 1 - الإسلام، فلا تقبل شهادة كافر على مسلم، ولا على كافر.
ودليل ذلك قول الله

تعالي: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ (سورة البقرة: 282) والكافر ليس من رجالنا.
وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (سورة الطلاق: 2) والكافر ليس بعدل، كما أنه ليس منا أيضاً، لأنه لا يؤمن كذبه، وأيضا فالشهادة ولاية، ولا ولاية للكافر.
2 - البلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي، ولو مميزاً، لأن الله عز وجل قال: ﴿من رجالكم﴾ والصبي لم يبلغ مبلغ الرجال، ولأنه لا يؤمن كذبه، لأنه غير مكلف.
3 - العقل، فلا تقبل الشهادة من مجنون، لعدم معرفته بما يقول، وللإجماع أيضاً على عدم جواز شهادته.
4 - الحرية، فلا تقبل شهادة العبد، لأن الشهادة فيها معنى الولاية، والعبد مسلوب الولاية.
5 - العدالة، فلا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (سورة الحجرات: 6)، ولقوله عز وجل: ﴿واستشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (سورة الطلاق: 2)، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (سورة البقرة: 282) وغير العدل ممن لا يرضي ولا يؤمن كذبه.
6 - أن يكون غير متهم في شهادته، لقول الله عز وجل: ﴿ذلكم اقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدني أن لا ترتابوا﴾ (سورة البقرة: 282) والريبة حاصلة بالمتهم.
وبناء على ذلك لا تقبل شهادة عدو على عدوه، ولا شهادة والد لولده، ولا والد لوالده، لتهمة التحامل على العدو، والمحاباة للوالد، أو الولد.
روي أبو داود [3600] في الأقضية، باب: من ترد شهادته، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه ". وفي رواية عند الترمذي [2299] في الشهادات، باب: ما جاء فيمن لا تجوز عن عائشة رضي الله عنها: " ولا

ظنين في ولاء ولا قرابة".
وعند مالك [2/ 720] في الأقضية، باب: ما جاء في الشهادات، عن أنس رضي الله عنه بلاغاً: " لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ". [الغمر: الحقد والغل والشحناء.
الظنين: المتهم] 7 - أن يكون ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس، وإن كانت إشارته مفهمة، احتياطياً في إثبات الحقوق.
8 - أن يكون الشاهد يقظاً، فلا تقبل شهادة المغفل لاحتمال الخطأ والغلط في شهادته

شروط العدالة في الشهادة

: للعدالة في الشاهد خمسة شروط: 1 - أن يكون مجتنباً للكبائر.
2 - غير مصر على القليل من الصغائر.
3 - سليم السريرة.
4 - مأموناً عند الغضب.
5 - محافظاً على مروءة مثله.
فالكبائر من الذنوب: هي كل ما ورد فيه وعيد شديد في كتاب أو سنة، ودل ارتكابه على تهاون في الدين: كشرب الخمر، والتعامل بالربا، وقذف المؤمنات بالزنى: قال الله تعالي: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: 4).
والصغائر: هي ما لم ينطبق عليه تعريف الكبيرة، كالنظر المحرم، وهجر المسلم فوق ثلاثة أيام، ونحو ذلك.
ومعني سليم السريرة: أي سليم العقيدة، فلا تقبل شهادة من يعتقد جواز سب الصحابة رضي الله عنهم.
ومعنى مأموناً عند الغضب، أي لا يتجاوز الحد في تصرفه إذا غضب، ولا

يقع في الباطل والزور، إذا ما استثير.
ومعني مروءة مثله: أي متخلقاً بأخلاق أمثاله من أبناء عصره، ممن يراعون آداب الشرع ومناهجه في الزمان والمكان، ويرجع في هذا غالباً إلي العرف.
فإذا قلت مروءة الشخص، قل حياؤه، ومن قل حياؤه قال ما شاء.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (أخرجه البخاري).
[3296] في الأنبياء.
وكذلك لا تقبل شهادة من يجر لنفسه نفعاً بشهادته، أو يدفع عنها ضرراً: مثال الأول: أن يشهد الوارث أن مورثه مثلاً قد مات قبل أن يندمل جرحه، وغرضه من هذه الشهادة أخذ الدية، فلا تقبل.
ومثال الثاني: أن تشهد العاقلة مثلاً في قتل الخطأ أن الشهود الذين شهدوا على القتل كانوا فسقة، حتى لا يتحملوا الدية.
والأصل في رد هذه الشهادات وجود التهمة.

شهادة الأعمى

: الأصل في شهادة الأعمى أنها لا تجوز، لأنه لا يستطيع أن يميز بين الخصوم، ولكن العلماء جوزوا شهادته في خمسة مواضع: 1 - الموت.
2 - النسب.
3 - الملك المطلق: وذلك كأن يدعي شخص ملك شيء، ولا منازع له فيه، فيشهد الأعمى،: أن هذا الشيء مملوك، دون أن ينسبه لمالك معين.
وإنما قبلت شهادة الأعمى في هذه الأمور، لأنها مما يثبت بتسامع الناس لها وتناقلها بينهم، واستفاضتها فيهم، ولا تفتقر إلي مشاهدة وسماع خاص، لأنها تدوم مدة طويلة، يعسر فيها إقامة البينة على ابتدائها لذهاب من حضرها في غالب الأحيان.
4 - الترجمة: أي بيان كلام الخصوم والشهود وتوضيحها، لأن ذلك يعتمد على

اللفظ لا على الرؤية.
5 - على المضبوط: أي على الممسوك، وذلك: كأن يقول أحد في أذن الأعمى قولاً من إقرار، أو طلاق، ونحوه، فيمسكه ويذهب به إلي القاضي ويشهد عليه بما قاله في أذنه.

حكم الرجوع عن الشهادة وما يترتب على ذلك

:

أولاً: حكم الرجوع عن الشهادة:

الرجوع عن الشهادة حرام، إن كان الشهود صادقين في شهادتهم، لأن في رجوعهم تضييعاً للحقوق، ويعتبر رجوعهم كتماناً للشهادة.
والله عز وجل يقول: ﴿َلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (سورة البقرة: 283) أما إذا كان الشهود كاذبين فرجوعهم عن الشهادة واجب، لأنها شهادة زور، وهي كبيرة من الكبائر.

ثانياً: ما يترتب على رجوعهم عن الشهادة:

وإذا رجع الشهود عن الشهادة التي كانوا قد شهدوا بها، فإما أن يكون رجوعهم عنها قبل الحكم، أو بعده.
وإذا كان رجوعهم عنها بعد الحكم، فإما أن يكون ذلك الرجوع قبل استيفاء الحقوق من مال أو عقوبة، أو بعد استيفائها، فهذه حالات ثلاث نذكرها فيما يلي:

أ) رجوعهم عن الشهادة قبل الحكم

: فإن كان رجوعهم عن الشهادة قبل حكم الحاكم به امتنع الحكم بشهادتهم، سواء شهدوا شهادة غيرها، أم لم يشهدوا، وسواء كانت شهادتهم مال، أو بعقوبة، لأن الحاكم لا يدري: اصدقوا في الأولي، أو في الثانية، أم صدقوا في الشهادة أو في الرجوع، فينتفي ظن الصدق بشهادتهم، وأيضاً فإن كذبهم ثابت لا محالة، إما في الشهادة الأولي، أو في الشهادة الثانية، وفي الشهادة أو في الرجوع عنها ولا يجوز الحكم بشهادة الكاذب.
وإن رجعوا عن شهادة في زني حدوا حد القذف، لأن شهادتهم قذف للمقذوف.

ب) رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم وقبل استيفاء الحق

: وإن كان رجوع الشهود عن الشهادة بعد حكم القاضي بها، ولكن ذلك الرجوع كان قبل استيفاء الحق ممن هو عليه: ـ فإن كان المشهود به مالاً نفذ الحكم به، واستوفي المال ممن هو عليه، لأن القضاء قد تم، وليس الحكم بالمال مما يسقط بالشبهة، حتى يتأثر بالرجوع، فينفذ الحكم، ويستوفي المال، مادام الحكم قد صدر قبل رجوعهم.
ـ وإن كان الحق المشهود به عقوبة، سواء كانت لله تعالي: كالزني، أم كانت لآدمي: كالقذف، فلا تستوفي العقوبة، مادام الشهود قد رجعوا عن شهادتهم قبل استيفائها، لأنها تسقط بالشبهة، والرجوع عن الشهادة شبهة.
روي الترمذي [1424] في الحدود، باب: ما جاء في درء الحدود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الأمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ".

ج) رجوعهم عن الشهادة بعد الحكم وبعد استيفاء الحق

: وإن كان رجوع الشهود عن الشهادة بعد الحكم بها، وبعد الاستيفاء للمحكوم به، لم ينقض الحكم، لتأكد الأمر، ولجواز صدقهم في الشهادة، وكذبهم في الرجوع، أو العكس ذلك.
وليس أحدهما بأولي من الآخر، فلا ينقض الحكم بأمر مختلف ومشكوك فيه يترتب على رجوعهم هذا: ـ أنه إن كان الحق المستوفي من المشهود عليه عقوبة: كأن كان قصاصاً في نفس أو طرف، أو قتلاً في ردة أو رجماً في زني، ومات المشهود عليه، ثم رجعوا عن الشهادة، وقالوا: تعمدنا الشهادة، ولا نعلم حال المشهود عليه، أو قالوا: تعمدنا الكذب في الشهادة، فعليهم القصاص، أو دية مغلظة في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم، لتسببهم إلي إهلاك المشهود عليه.
ـ ولو شهدوا بطلاق بائن، أو لعان، وفرق القاضي بين الزوجين، فرجعا عن

الشهادة دام الفراق، لأن قولهما في الرجوع محتمل الكذب والصدق، فلا يرد الحكم بقول محتمل، وعلي هؤلاء الشهود الراجعين عن الشهادة مهر مثل للزوج، لأنه بدل ما فوتوه عليه.
ـ ولو رجع شهود شهدوا على مال بعد الحكم واستيفاء المال غرموا المال الذي استوفي من المحكوم عليه، لأنه بدل ما فوتوه عليه.

اليمين

، وآدابه، وكيفيته، وحكم النكول

تعريف اليمين

: اليمين في اللغة، تطلق على اليد اليمنى، وإنما أطلقت اليمين على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالوا، يأخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه.
وسميت اليد اليمنى بهذا الاسم لوفور قوتها.
قال الله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (سورة الحاقة: 45) أي بالقوة.
واليمين شرعاً: توثيق أمر غير ثابت المضمون ـ ماضياً أو مستقبلاً، نفياً أو إثباتاً ـ بذكر اسم من أسماء الله عز وجل، أو صفة من صفاته.

ما يصح به اليمين

: واليمين لا تصح ولا تنعقد إلا بذات الله عز وجل، أو صفة من صفاته.
روي البخاري [6270] في الإيمان والنذور، باب: النهى عن الحلف بغير الله تعالى عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه: فقال: " ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت.
فاليمين إذاً لا يصح ولا ينعقد إلا بما ذكر، وهو بغير ذلك معصية يأثم الحالف بها.
روي الترمذي [1535] في الأيمان والنذور، باب: ما جاء في كراهية

الحلف بغير الله، عن سعد بن عبيدة، أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال له: لا تحلف بغير الله، فإن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال: هذا على التغليظ.

آداب اليمين

: لليمين آداب ينبغي مراعاتها، منها ما هو واجب، ومنها ما هو دون ذلك، ومن هذه الآداب: 1 - تعظيم القاضي لأمر اليمين، حيث يستحب له أن يعظ الحالف قبل الحلف، ويعظم له حرمة اليمين، ويخوفه من اليمين الفاجرة، أي الكاذبة، ويقرأ عليه من الآيات والأخبار ما فيه عظة ومزدجر.
2 - الحلف حال الصدق، فإذا توجهت اليمين إلي المدعى عليه، وهو يعلم من نفسه، أنه لو حلف كان صادقاً، فإنه يباح له أن يحلف، ولا شيء عليه من إثم ولا غيره، لأن الله عز وجل شرع اليمين، ولا يشرع ما فيه إثم، بل إن حلفه ربما كأن أولي من تركه، وذلك لأمرين: الأمر الأول: حفظ حقه من الضياع، وقد نهى الشرع عن إضاعته.
الأمر الثاني: تخليص أخيه الظالم من ظلمه، وأكله مال غيره بغير حق، وهذا من باب النصح النصر له، وذلك بكفه عن ظلمه.
وهذا من باب النصح والنصر له، وذلك بكفه عن ظلمه.
ويؤيد هذا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أشار على رجل أن يحلف، ويأخذ حقه، وقد حلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي رضي الله عنه على نخل، ثم وهبه له.
3 - التورع عن الحلف حال الكذب، إذ الحلف الكاذب الذي يقتطع به حق الغير، ويؤكل به مال الناس بالباطل جريمة نكراء، وإثم كبير، فإذا كان المدعي عليه يعلم من نفسه الكذب، فينبغي له ن ويجب عليه أن يترك اليمين، ويتورع عنه، ويعترف بالحق على نفسه، ويرده إلي صاحبه، ولا يوقع نفسه في الإثم، ومعصية الله تعالي، والحرمان من رحمته.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة آل عمران: 77).
[لا خلاق لهم: لا نصيب لهم من الثوب في الآخرة، ولا يزكيهم: ولا يطهرهم من رجس الذنوب].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان ". (رواه البخاري [6299] في الإيمان، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ومسلم [138] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه) [يمين صبر: أصل الصبر: الحبس، وقتل فلان صبراً: أي حبساً على القتل، ويمين الصبر: أن يلزم الحاكم الخصم اليمين حتى يحلف.
يقتطع: يأخذ بغير حق].
وروي البخاري [6298] في الأيمان والنذور: باب: اليمين الغموس، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
[اليمين الغموس: اليمين التي يتعمد صاحبها فيها الكذب، سميت غموساً، لأن صاحبها يستحق أن يغمس في النار].

كيفية اليمين

: وكيفية الحلف، أن الحالف إما أن يحلف على فعل نفسه، أو على فعل غيره:

  • فإن أراد أن يحلف على فعل نفسه، فليحلف على البت والقطع، إثباتاً كان أو نفياً، لأنه يعلم حال نفسه، ويطلع عليها، فيقول في البيع والشراء مثلاً: ولله لقعد بعت بكذا، أو يقول في النفي: والله ما بعت بكذا.
  • وإن أراد أن يحلف على فعل غيره: فإن كان في الإثبات: كالبيع والشراء

والغصب ونحوها، فليحلف أيضاً على البت والقطع، لأنه يسهل معرفة ذلك والوقوف عليه فيقول: والله لقد باع بكذا، أو اشتري بكذا، أو والله لقد اغتصب كذا.
وإن كان يحلف على النفي، فليحلف على نفي العلم، لأن النفي المطلق يعسر الوقوف عليه، فيقول مثلاً: والله ما علمت أن فلاناً سدد ما عليه.

حكم النكول عن اليمين

: مر معنا بيان النكول، وقلنا: هو أن يمتنع المدعى عليه من الحلف بعد أن يعرضها عليه القاضي، وهنا نبين حكم النكول في اليمين.
قال الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى: إذا كان المدعى كاذباً في دعواه، وكان المدعى به ـ أي الذي يدعيه المدعى ـ مما لا يباح بالإباحة: كالدماء والأبضاع: فإن علم المدعى عليه أن خصمه لا يحلف على ما يدعيه، إن هو نكل عن اليمين، فإنه يتخير إن شاء حلف، وإن شاء نكل.
وإن علم أو غلب على ظنه أنه يحلف، وجب عليه أن يحلف حتى لا تستحل الدماء والأبضاع باليمين الكاذبة.
فإن كان المدعى به مما يباح بالإباحة كالأموال، وعلم المدعى عليه أو ظن أن المدعي لا يحلف إذا نكل فيتخير أيضاً، وإن علم أو غلب على ظنه أنه يحلف فالذي أراه وجوب الحلف دفعاً لمفسدة كذب الخصم.
أما ما يترتب علي امتناع المدعى عليه عن الحلف وحلف المدعى فقد مر في بحث البينة: البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وهو أنه يرد اليمين على المدعى، فإن أبي سقطت الدعوى.
والله أعلم.

فصول الكتاب · 36 فصل · 278 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي · 278 صفحة
ـ[الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى]ـ
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
المقدمة
البَاب الأوَّل
الباب الثانيالباب الثالثالبَاب الخَامسالباب السادسالبَاب السابعالبَاب الثَامنالبَاب التَاسِعالباب العاشرالباب الأولالباب الثانيالباب الثالثالباب الرابعالباب الخامسالباب السادسالباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرالباب الحادي عشرالباب الثاني عشر
مقدمة
الباب الثالثالباب الرابع
البَاب الخامس
الباب السابعالباب الثامنالباب التاسعالباب العاشرمقدمة في بيان أهمية الإمامة، وقيام الحكم والمجتمع الإسلامي على سلامتها
جارٍ التحميل