البَاب الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
القًضَاء
القضاء
تعريف القضاء
:
القضاء في اللغة له معانٍ عدة، منها:
1 - الحكم، يقال: قضى قضاء: أي حكم حكماً.
ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ (الإسراء: 32) أي: حكم.
2 - الفراغ والانتهاء من الشيء، يقال: قضى حاجته إذا فرغ منها.
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فوكزه موسى فقضي عليه﴾ (القصص: 15) أي: قتله وفرغ منه.
[وكزه: ضربه بجمع كفه].
3 - الأداء والانتهاء، يقال: قضى دينه إذا أداه، وأنهي ما عليه قال تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ (الحجر: 66).
[أي أدينا إليه، وأنهينا إلي عمله.
دابر هؤلاء: آخرهم.
مقطوع مصبحين: مستأصل في الصباح].
4 - الصنع والتقدير، يقال: هذا شيء قضاه: أي صنعه.
وعليه قول الله تبارك وتعالي: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: 12)
[أي صنعهن وقدرهن وسواهن].
والقضاء شرعاً: فصل الخصومة بين اثنين فأكثر بحكم الله عز وجل.
فالقضاء إذاً هو الحكم بين الناس، وتسوية الخلاف بينهم.
بإعادة الحقوق إلي أصحابها.
وسمي القضاء حكماً لما فيه من الحكمة التي هي وضع الشيء في محله فهو يكف الظالم عن ظلمه وينصف المظلوم من ظالمه.
مشروعية القضاء
:
القضاء مشروع في الإسلام ومطلوب، ويدل على مشروعيته الكتاب، والسنة والإجماع، والعقل.
أما الكتاب الكريم فآيات، منها:
قول الله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ (المائدة: 49).
وقوله تبارك وتعالي: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)
وقوله سبحانه وتعالي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ (النساء: 105).
[خصيماً: مخاصماً ومدافعاً عنهم].
وأما السنة المطهرة فأحاديث كثيرة منها:
ما رواه أبو داود [3582] في الأقضية، باب: كيف القضاء، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي اليمن قاضياً، فقلت يا رسول الله، ترسلني وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: " إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء " قال: فما زلت قاضياً، أو ما شككت في قضاء بعد.
[حديث السن: صغير السن.
أحرى: أجدر وأعون]
ومنها أيضاً: ما رواه البخاري [6919] في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ومسلم [1716] في الأقضية، باب:
بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ".
[اجتهد: بذل وسعه للتعرف على القضية، ومعرفة الحق فيها.
أصاب: وافق الواقع في حكمه.
أخطأ: لم يصب الحق في حكمه].
أما الإجماع، فهو منعقد على مشروعية القضاء، وعلى فعله، سلفاً وخلفاً لم يخالف في ذلك أحد، وقد استقضي النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده من الخلفاء إلي يومنا هذا من غير نكير من أحد.
وأما العقل، فهو قاض بمشروعية القضاء وضرورته، فطبائع البشر مختلفة، والتظالم ومنع الحقوق واقع منهم، وقل من ينصف من نفسه، ولا يقدر الإمام أن يتولي فصل الخصومة بين كل الناس بنفسه، فلذلك كانت الحاجة ماسة إلي تشريع القضاء، ونصب القضاة، ليحكموا بين الناس، ويفصلوا في الخصومات.
حكمة تشريع القضاء
:
وحكمة تشريع القضاء، وجود الحاجة إليه، وقيام المصالح به، فالإنسان اجتماعي بطبعه، وليس قادراً أن يعيش وحده، بل لا بد أن يعيش مع الناس لينال حاجاته الضرورية، بالتعاون معهم، وإذا كان التعامل مع الناس، والتعاون معهم أمراً ضرورياً، كان لاجرم أنه ستقوم بين الناس خصومات ومنازعات بسبب تعارض مصالحهم، وتضارب أهوائهم، وطغيان بعضهم على بعض، ومن هنا نشأت الحاجة إلي القضاء، وكان لابد من قاض يرجع إليه الناس عند الاختلاف والنزاع، والإسلام دين الفطرة السوية يدعو إلي رعايتها، والمحافظة على نظافتها وحسن سيرها.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
[أقم وجهك للدين: ألزمه ولا تحد عنه.
حنيفاً: مائلاً إليه.
فطرة الله خلقته.
القيم: المستقيم].
أهمية منصب القضاء
:
القضاء منصب عظيم تدعو إليه الحاجة، وله مكانة عظيمة بين شرائع الإسلام، وهو وظيفة الأنبياء والخلفاء والعلماء، قال الله تبارك وتعالى لنبيه داود عليه السلام: ﴿َا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: 26).
فمن ولي هذا المنصب فعدل وبر كان في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
وقد ولي هذا المنصب رجال عظام من سلف هذه الأمة، أمثال عمر وعلى ومعاذ وأبي موسى الأشعري، وشريح وأبي يوسف، رضي الله عنهم جمعياً، وضربوا أروع الأمثلة في العدل والورع والعلم والذكاء.
روي أبو داود [3592] في الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي [1327] في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي، عن معاذاً إلي اليمن، قال له: " كيف تقضي إذا عرض له قضاءٌ؟ " قال " أقضي بكتاب الله.
قال " فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال أقضي بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال " فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيي، ولا آلُوا قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، وقال: " الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول الله ".
[اجتهد رأيي: أبذل طاقتي ووسعي في طلب الحق والتعرف عليه.
ولا آلوا: ولا أقصر في طلب الحق والبحث عنه].
خطورة منصب القضاء
:
مع أهمية منصب القضاء، فإنه منصب خطر في نفسه، وفيه مسالك وعرة، ومزالق صعبة، والناجي فيه قليل، والهالك كثير، والمعصوم من عصمة الله تعالي.
روي أبو داود [3573] في الأقضية، باب: في القاضي يخطيء، عن بريدة بن الخصيب رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " القضاة ثلاثة: واحدٌ في
الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق وقضي به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ". وروي أبو داود [3571] في الأقضية باب: في
طلب القضاء
، والترمذي [1325] في الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القاضي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من جعل قاضياً بين الناس، فقد ذبح بغير سكين "
[ذبح بغير سكين: المراد به: التحرز من طلب القضاء، والإشفاق منه]
وقال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (الجن: 15)
[القاسطون: الجائرون في حكمهم].
لذلك خشي هذا المنصب كثير من الصحابة والعلماء، ,أعرضوا عنه، خشية التقصير فيه.
حكم تولي القضاء
:
وجود قاض في كل ناحية، يقضي ين المتخاصمين ويرفع التظالم بينهم، فرض كفاية في حق الصالحين له.
أما كونه فرضاً، فلوجود الأمر به في كتاب الله عز وجل.
قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (النساء: 135).
[قوامين: دائمي القيام.
بالقسط: بالعدل].
وأما كونه فرض كفاية فلأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما من فروض الكفاية.
وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - علياً رضي الله عنه قاضياً إلي اليمن، كما ولي معاذ بن جبل أيضاً قضاء اليمن، واستخلف عليه الصلاة والسلام عتاب بن أسيد على مكة والياً وقاضياً، وقد بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسي الأشعري إلي البصرة قاضياً.
فلو كان القضاء فرض عين على كل من يصلح له لم يكف قاض واحد في كل ناحية.
فإذا قام بهذا الفرض من يصلح له سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنعوا ولم يقم به أحد أثموا جميعاً، ووجب على الإمام أن يجبر أحد الصالحين للقضاء على تولي هذا المنصب، والقيام بهذا الفرض.
لذلك قال علماء الشافعية: يجب على الإمام أن يولي في كل مسافة عدوي قاضياً، كما يجب عليه أن يجعل في كل مسافة قصر مفتياً.
ومسافة العدوى، هي التي يرجع منها مبكر إلي موضعه ليلاً، أي: إذا خرج من بيته في الصباح الباكر رجع إليه في الليل.
أما إذا تعين للقضاء واحد في ناحية، وذلك بأن لم يصلح غيره، وجب عليه، وكان فرض عيه بالنسبة له، ولزمه طلبه، إن لم يدع إليه لوجود الحاجة إليه، ولا يعذر في رفضه لخوف ميل منه، بل يلزمه، وتحرز من الميل والجور، كسائر فروض الأعيان.
هذا، وإذا عرض القضاء على من يصلح له ليتولاه، وكان في ناحيته من هو أولي منه وأصلح، ورضي أن يتولاه جاز له، وإن كان هناك من هو أولي منه، ما دام قد دعي إليه من غير طلب منه، لأن وجود الأفضل لا يمنع تولي المفضول، ما دام أهلاً له ن وقد ولي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد قضاء مكة، ولم يكن أفضل الصحابة رضي الله عنهم.
طلب القضاء
:
يكره طلب القضاء، إذا كان في الناحية من هو مثله، أو أفضل منه، لورود النهي فيه، والتحذير منه.
روي أبو داود [3578] في الأقضية، باب: في طلب القضاء والتسرع إليه، والترمذي [1324] في الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القاضي، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من ابتغي القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلي نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده ".
وروي مسلم [1733] في الإمارة، باب [النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها] عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك.
فقال: " إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه ".
هذا ولقد استثني علماء الشافعية من هذه الكراهة ثلاث صور، حكموا باستحباب طلب القضاء فيها:
الأولي: ما إذا كان العالم خاملاً غير مشهور بين الناس، وكان يرجو في طلبه القضاء نشر العلم، لتحصل المنفعة بنشره إذا عرف الناس فضله وعلمه، فيكون لهم به نفع.
الثانية: أن يكون فقيراً محتاجاً إلي الرزق، فإذا ولي القضاء حصل له كفايته من بيت مال المسلمين، بسبب هو طاعة، لما في العدل بين الناس من جزيل الأجر والثواب.
الثالثة: أن تكون الحقوق مضاعة لجور القضاة، أو عجزهم عن إحقاق الحق، فيقصد بطلبه القضاء تدارك ذلك.
وقد أخبر الله تبارك وتعالي عن نبيه يوسف عليه السلام أنه طلب الولاية على الأموال، شفقة على الناس، وإنصافاً لهم، لا لحظ نفسه، ولا لمنفعة تخصه.
قال تعالي عنه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55).
أما إذا كان قصده بطلب القضاء الانتقام من الأعداء، أو التكسب بالارتشاء، أو المباهاة والاستعلاء، فإن طلب القضاء، والحالة هذه حرام، لكونه وسيلة إلي الظلم، وفعل الحرام، وللوسائل حكم المقاصد، كما هو معروف.
روي الترمذي [1336] في الإحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي في الحكم ".
شروط القاضي
:
يشترط فيمن يتولي القضاء حتى تصح توليته الشروط التالية:
1 - الإسلام، فلا يجوز شرعاً تولية الكافر القضاء: قال الله تعالى " ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141) ولا سبيل أعظم من القضاء، لأنه ولاية وحكم وسبيل وسلطان على المسلمين.
وكذلك لا يجوز أن يلي القضاء كافر، ليقضي بين الكفار في ديار المسلمين، لأن الغرض من القضاء فصل الأحكام بين الناس بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام والكافر جاهل بهما، وغير مأمون عليهما
2 - التكليف، أي أن يكون القاضي بالغاً عاقلاً، فلا يجوز تولية صبي ولا مجنون، وإن كان جنونه متقطعاً، لنقص من وجدت فيه هذه الصفات.
ولا يكفي مجرد وجود العقل الذي يتعلق به التكليف، بل يجب أن يكون القاضي صحيح الفكر، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلي وضوح المشكل، وحل المعضل، لأن عمله يتطلب كل هذا.
3 - الحرية، فلا يولي القضاء رقيق، كله أو بعضه، لفقدان ولايته أو نقصها.
4 - الذكورة، فلا يجوز أن تتولي امرأة القضاء مهما كانت كفاءتها.
روي البخاري [4163] في المغازي، باب: كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي كسري وقيصر، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة "
ولأن القضاء يتطلب الاجتماع بالرجال، وفي اجتماع الرجال بالنساء لا تؤمن الفتنة.
وأيضاً في تولي النساء القضاء صرف لهن عن مهمتهن الأصلية، وهي القيام بشؤون البيت والأولاد، وكذلك يشترط للقضاء القوة والسطوة حتى لا يطمع الناس بجانب القاضي، والمرأة قد يعوزها هذا الجانب.
5 - العدالة، فلا يولي فاسق القضاء، لأنه لا يوق بقوله، ولا يؤمن الجور في حكمه.
قال الله عز وجل: ﴿َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6).
والعدالة تعني:
? تجنب الكبائر من الذنوب والكبائر: كل ما ورد فيه وعيد شديد في كتاب الله تعال أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ودل ارتكابه على تهاون في الدين: كشرف الخمر، والتعامل بالربا.
? وان يكون غير مصر على القليل من الصغائر، والصغائر: هي ما لم ينطبق عليه تعريف الكبيرة: كالنظر المحرم، وهجر المسلم فوق ثلاث، ونحوهما.
? وأن يكون سليم السريرة، أي العقيدة محافظاً على مروءة مثله، لأن من لا مروءة له لا حياء له، ومن لا حياء له قال ما شاء.
ومروءة مثله: أن يتخلق بأخلاق أمثاله من أبناء عصره ممن يراعون مناهج الشرع وآدابه في الزمان والمكان، ويرجع في هذا غالباً إلي العرف.
? وأن يكون مأموناً غير متهم من أن يتخذ منصبه لجر منفعة لنفسه أو دفع مصرة عنها من وجه شرعي.
هذا وقد قال علماء الشافعية: إنه لا يولي القضاء مبتدع ترد شهادته، ولا من ينكر حجية الإجماع، ولا من ينكر العمل بخبر الآحاد، ولا من ينكر الاجتهاد المتضمن إنكاره إنكار القياس.
6 - السمع، ولو بصياح في أذنه، فلا يجوز أن يتولي القضاء أصم لا يسمع أصلاً، لأنه لا يمكنه والحالة هذه أن يفرق بين إقرار الخصوم وإنكارهم.
7 - البصر، فلا يولي أعمي قد فقد البصر كلياً، ولا من يري الأشباح، ولا يعرف الصور، لأن الأعمى لا يستطيع أن يميز بين الخصوم، ولا يعرف الطالب من
المطلوب، وهو إن ميز بين الناس فإنما يميز بينهم بالصوت، والصوت قد يشتبه عليه.
أما ما قيل من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولي عبدالله بن أم مكتوم على المدينة، وهو أعمي، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يوله الحكم والقضاء وإنما استخلفه ليؤم الناس في الصلاة.
8 - النطق، فلا يجوز تولية الأخرس، وإن فهمت إشارته، لعجزه عن تنفيذ الأحكام.
9 - الكفاية للقيام بأمور القضاء، فلا يولي مغفل مختل نظر، بسبب كبر أو مرض.
وفسر بعض العلماء الكفاية اللائقة بالقضاء بأن يكون في القاضي قوة على تنفيذ الحق بنفسه، فلا يكون ضعيف النفس جباناً، فإن كثيراً من الناس يكون عالماً ديناً، ونفسه ضعيفة عن التنفيذ والإلزام والسطوة فيطمع بعض الناس في جانبه بسبب ذلك.
قال ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: للولاية شرطان: العلم بأحكامها، والقدرة على تحصيل مصالحها وترك مفاسدها.
فإذا فقد الشرطان حرمت الولاية.
روي مسلم [1826] في الإمارة، باب: كراهة الإمارة بغير ضرورة، عن أبي ذر رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين ما يتيم ".
وروي مسلم أيضاً [1825] في نفس الكتاب والباب السابقين عن أبي ذر رضي الله عنه قال ك قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: " يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدي الذي عليه فيها ".
10 - الاجتهاد، فلا يولي القضاء الجاهل بالأحكام الشرعية، ولا المقلد فيها، وهو من حفظ مذهب إمامه، لكونه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته، ولأن المقلد لا يصلح للفتوي، فعدم صلاحيته للقضاء أولي.
والمجتهد هو من يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام ما يتعلق الأحكام، ولا يشترط حفظ تلك الأدلة عن ظهر قلب، بل يكفي ان يعرف مظانها في أبوابها، فيراجعها وقت الحاجة، ويعرف خاص الأدلة وعامها، ومجملها ومبينها، وناسخها ومنسوخها، ومتواتر السنة وآحادها، والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفاً، ويعرف لسان العرب لغة ونحواً، وما لا بد منه في فهم الكتاب والسنة، لأنه لسان الشرع الذي نزل به الكتاب، ونطقت به السنة.
ويعرف أقوال العلماء من الصحابة ومن بعدهم إجماعاً واختلافاً، ويعرف القياس بأنواعه.
هذا في المجتهد المطلق، أما المجتهد المقيد، فيشترط فيه معرفة مذهب إمامه.
والأصل في هذا الشرط ـ الاجتهاد ـ ما رواه أبو داود [3573] في الأقضية، باب: القاضي يخطيء، عن بريدة بن الخصيب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضي به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم، فهو في النار، ورجل قضي للناس على جهل فهو في النار ".
ويدل على هذا الشرط أيضاً ما رواه البخاري [6919] في الاعتصام بالكتاب والسنة باب: أجر الحاكم إذا الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ومسلم [1716] في الأقضية: باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ، ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ن وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ".
فقد دل هذا الحديث على أن القاضي الذي يصح أن يحكم بين الناس، ويمضي حكمه هو الذي لديه أهلية الاجتهاد ولا تتوفر تلك الأهلية إلا إذ تحقق الشرط السابق الذي ذكرناه بكل تفصيلاته.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالي في " شرحه على مسلم " [12/ 13] " (قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر اجتهاده، فأما من ليس بأهل الحكم، فا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له ن بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية ـ أي عن غير قصد ـ وليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك، وقد جاء في السنن: القضاة ثلاثة) ... ثم ساق حديث أبي داود السابق ز
فإن تعذر في رجل جمع تلك الشروط السابقة في القاضي، فولي سلطان له شوكة قاضياً مسلماً فاسقاً أو مقلداً، نفذ قضاؤه للضرورة، لئلا تتعطل مصالح الناس.
وواجب الإمام أن يبحث عن حال القاضي قبل توليته، ويسأله ليعرف أهليته للقضاء، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما ولي معاذ بن جبل رضي الله عنه قضاء اليمن.
فقال له: " كيف تقضي إذا عرض لك قضاءٌ "؟ قال: أقضي بكتاب الله قال " فإن لم تجد في كتاب الله "؟ قال " أقضي بسنة رسول الله.
قال: " فإن لم تجد في سنة رسول الله "؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.
قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، وقال: " الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله ". (رواه ابو داود [3592] في الاقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي [1327] في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي).
فإذا ولي الإمام من لا يصلح للقضاء مع وجود الصالح له والعلم بالحال أثم المولي والمولي، ولا ينفذ قضاؤه وإن أصاب فيه.
ما يستحب أن يكون عليه القاضي من الصفات
:
ويندب أن يكون من يتولي القضاء من قريش، ومراعاة العلم والتقي أولي من مراعاة النسب، وأن يكون ذا حلم وتثبت ولين وفطنة ويقظة، وصحة حواس وأعضاء، وأن يكون عارفاً بلغة البلد الذي يقضي لأهله، قنوعاً سليماً من الشحناء، صدوقاً وافر العقل ذا وقار وسكينة.
قال مزاحم بن زافر: قال لنا عمر بن عبدالعزيز: خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطة كانت فيه وصمة: أن يكون فهماً حليماً عفيفاً صليباً عالماً سؤولاً عن العلم.
(رواه البخاري في الأحكام، باب: متي يستوجب الرجل القضاء) لأن هذه الصفات تزيده بصيرة في القضاء، ومحبة من العامة وثقة في نفوس الناس.
ثبوت تولية القاضي
:
إذا نصب الإمام قاضياً ثبتت توليته بشهادة شاهدين يخرجان معه إلي محل ولايته يخبران بتنصيبه قاضياً، وكذلك تثبت توليته باستفاضة خبر تعينه، واشتهار تنصيبه.
ويسن أن يكتب له الإمام كتاباً بالتولية، إتباعا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كتب لعمرو بن حزم لما بعثه إلي اليمن كتاباً، وهو ابن سبع عشرة سنة، رواه مالك في الموطأ [1545] في كتاب العقول.
وكتب أبو بكر رضي الله عنه كتاباً لأنس لما بعثه إلي البحرين، وختمه بخاتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رواه البخاري [1318] في الزكاة، باب: العرض في الزكاة).
ويستحب أن يكتب إليه في كتاب التولية ما يحتاج إلي القيام به، ويعظه فيه ويوصيه بتقوى الله تعالى، ومشاورة أهل العلم، وتفقد الشهود، وغير ذلك وإنما لم يكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ رضي الله عنه، لما أرسله إلي اليمن، لبيان الجواز وعدم الوجوب.
ولا شك أن ولاية القاضي تثبت اليوم بالطرق المتبعة لدي الحكومات، من إصدار قرار بتوظيفه ونشره في الصحف وتسليمه نسخة منه.
وتبدأ وظيفته ويستحق الأجر على عمله من حين مباشرته مهام عمله ويسن للقاضي أن يدخل بلد قضائه يوم الاثنين، فإن تعذر، فالخميس، فإن تعذر فالسبت للإتباع في ذلك.
كما يسن له أيضا أن يبحث عن علماء البلد الذي عين فيه، وعن عدوله قبل دخوله إليه، ليدخل على بصيرة بحال من فيه من الناس.
وظيفة القاضي
: وظيفة القاضي كبيرة، وكثيرة الجوانب والواجبات، فهو يقضي في فصل الخصومات بين الناس بالحكم، أو بالإصلاح عن تراض، والحبس والتعزيز وإقامة الحدود، وتزويج من لا ولي لها، والولاية على مال الصغار والمجانين والسفهاء، وبيع التركة للدين وحفظ مال الغائب، وبيع مال لا يتعين تاركه وحفظ ثمنه، او صرفه في المصالح، والنظر في الوقف وإيصال غلته إلي مصارفه والنظر في الوصايا، والمنع من التعدي بالأبنية، ونصب المفتين والمحتسبين،
وأخذ الزكاة وقسمة التركات، ونصب الأئمة في المساجد، وغير ذلك مما هو داخل في اختصاصه.
وواجب القاضي أن يحكم في كل ما ذكر وغيره بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبما أجمع عليه المسلمون، ويقيس الأمور بعضها على بعض، فيحكم بأقربها إلي الحق، ويبذل جهده في معرفة حكم الله تعالى في كل قضية ومستند ذلك حديث معاذ رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً إلي اليمن، فقال: كيف تقضي؟ فقال أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، وقال: " الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ". (رواه أبو داود [3592، 3593] في الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي [1327، 1328] في الأحكام باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي).
وروي النسائي [8/ 320] في القضاء، باب: الحكم باتفاق أهل العلم، عن عبد الرحمن بن زيد، قال: أكثروا على عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ذات يوم ن فقال عبدالله: إنه آتي علينا زمان، ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمر ليس في كتاب فليقض بما في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فإن جاء أمراً ليس في كتاب الله ولا قضي به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضي به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضي به نبيه ولا قضي به الصالحون فليجتهد رايه ن ولا يقل: إني أخاف، فالحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات، فدع ما يريبك إلي ما لا يريبك.
وروي النسائي أيضا [8/ 231] في القضاء باب: الحكم باتفاق أهل العلم، عن عبدالرحمن بن زيد قال: أكثروا على عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ذات يوم، فقال عبدالله: إنه قد أتي علينا زمان، ولسنا نقضي، ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب، فليقض بما في سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضي به نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضي به الصالحون فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضي به نبيه، ولا قضي به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أخاف فالحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك إلي ما لا يريبك.
وروي النسائي أيضا [8/ 231] في القضاء باب: الحكم باتفاق أهل العلم عن شُريح أنه كتب إلي عمر رضي الله عنه يسأله، فكتب إليه: (أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن في كتاب الله تعالي ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقض بما قضي به الصالحون فإن لم يكن في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أري التأخر إلا خيراً لك والسلام)
[فتقدم: أي اقض.
باجتهادك.
فتأخر: توقف لتراجعني وتري رأيي]
والأحاديث واضحة في أن القاضي يلتزم في قضائه بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، وما أجمع عليه علماء المسلمين، ثم يعم رأيه بعد ذلك لاستخراج الحكم الصحيح والوصول إلي الحق الواضح.
مكان جلوس القاضي ونزوله
:
ويستحب للقاضي أن ينزل وسط البلد إذا ما وصل إليه، ليتساوي أهله في القرب إليه، ويسهل عليهم الرجوع إليه، إذا كان هناك متسع لذلك، وإلا نزل حيث تيسر له، هذا إذا لم يكن في البلد موضع معين لنزول القاضي، والجلوس فيه.
كما يسن للقاضي أن يدخل البلد نهاراًَ ويقصد الجامع فيصلي فيه ركعتين، ثم يذهب إلي مكان عمله، ويرسل منادياً ينادي: من كانت له حاجة فإن القاضي قد حضر، فينظر بعدئذ ما يرفع إليه من الأمور، وبهذا يكون قد أخذ في العمل واستحق رزقه.
فيم ينظر القاضي أولاً؟
ـ ينظر القاضي أولاً في أمر المسجونين، لأن الحبس والسجن عذاب، فينظر في أمرهم هل يستحقون السجن، أو لا؟
وكيفية النظر في أمر المسجونين أن يعلم الناس أنه ينظر في أمرهم يوم كذا، وقد كان قديماً يرسل منادياً ينادي في البلد: ألا إن القاضي فلاناً ينظر في أمر المسجونين يوم كذا، فمن كان له محبوس فليحضر.
فمن قال من أهل الحبس: حبست بحق، أو ثبت له أنه حبس حق، فعل به ما يقتضي ذلك الحق، فإن كان الحق حداً أقامه عليه، وأطلق سراحه، وإن كان تعزيزاً فعل به ما يري، وإن كان مالاً أمره بأدائه.
ومن قال حُبست ظلماً طلب من خصمه الحجة، فإن لم يقم الحجة صدق
المحبوس بيمينه وأطلق سراحه.
ـ ثم ينظر في حال الأوصياء على الأطفال، والمجانين والسفهاء، لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة ماله، فكان تقديمهم أولي مما بعدهم فمن وجده منهم عدلاً قوياً اقره، ومن وجده فاسقاً أخذ المال منه وجوباً ووضعه عند غيره ومن وجده عدلاً ضعيفاً عضده وقواه بمعين.
ـ ثم يبحث عن أمناء القاضي المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا فيعزل من فسق منهم، وبعين الضعيف بآخر.
ـ ثم يبحث عن الأوقاف العامة وعن متوليها، وعن الأوقاف الخاصة أيضا.
ـ ويرتب بعد هذا أموره، ويقدم من القضايا الأهم فالأهم، والقاضي بعد هذا مؤتمن على مصالح الناس وحقوقهم على أن يبذل جهده، ويقوم بمهام عمله على وجه السرعة، والعدل وليحذر من الإهمال والتسويف والظلم والتساهل في حقوق الناس ومصالحهم.
روي الترمذي [1330] في الأحكام، باب: ما جاء في الإمام العادل، عن عبدالله بن أبي أوفي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلي عنه ولزمه الشيطان ".
وروي البخاري [6731] في الأحكام، باب: من استرعي رعية فلم ينصح، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة ".
اتخاذ القاضي مزكيين
: ويتخذ القاضي ندباً مزكيين، ليعرفاه حال من يجهل من الشهود، لأنه لا يمكنه البحث عنهم بنفسه، فاحتاج إلي من يعاونه في ذلك ويشترط في المزكي:
- أن يكون عارفاً بالجرح والتعديل، لئلا يجرح العدل، ويزكي الفاسق.
- معرفة ماضي من يزكيه بصحبة أو جوار أو معاملة.
- كما يشترط في المزكي أيضاً أن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً عدلاً، حتى يورث قوله طمأنينة، ويوثق بقوله وتزكيته.
اتخاذ كاتب
: ويسن للقاضي أن يتخذ كاتباً، لوجود الحاجة إليه إذ القاضي مشغول بالحكم والاجتهاد، والكتابة تشغله عن ذلك، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاب يكتبون له ن وربما زادوا على الأربعين.
شروط الكاتب
:
ويشترط في الكاتب أن يكون:
أمسلماً عدلاً حراً ذكراً، لتؤمن خيانته، ويوثق بكتابته، إذ قد يغفل القاضي أو يشغل عن قراءة ما يكتبه.
ب عارفاً بكتابة المحاضر: هي ما يكتب فيها ما جري للمتحاكمين في المجلس والسجلات،: وهي ما كتب فيها الحكم وتنفيذه زيادة على ما كتب في المحاضر.
ما يستحب في الكاتب
:
ويستحب أن يكون الكاتب:
أفقيهاً، لئلا يؤتي من قبل جهله.
ب موفور العقل، لئلا يخدع ويدلس عليه.
ت جيد الخط، لئلا يقع في الغلط والالتباس.
قال على رضي الله عنه: الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً.
ث حاسباً، للحاجة لذلك في قسمة المواريث، وتوزيع الوصايا.
ج فصيحاً عالماً بلغات المتخاصمين.
وينبغي للقاضي أن يجعل الكاتب بين يديه ليملي عليه ما يريد، ويري ما يكتبه، فيكون على علم به.
اتخاذ مترجم
:
ويندب للقاضي أن يتخذ مترجماً يفسر له لغة المتخاصمين، لأن القاضي قد لا يعرف لغاتهم، فيحتاج إلي من يطلعه على ذلك.
قال خارجه بن زيد بن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتعلم
كتاب اليهود حتى كتبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا.
وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس رضي الله عنه، وبين الناس.
(رواه البخاري في الأحكام، باب: ترجمة الحكام).
شروط المترجم
: ويشترط في المترجم: الإسلام والحرية، والعدالة، ليحصل الاطمئنان لما يقول.
اتخاذ درة وسجن
:
ويتخذ القاضي درة للتأديب، اقتداء بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان يتخذ درة، وقيل هو أو من اتخذها.
قال الشعبي رحمه الله تعالي: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج.
ويتخذ سجناً أيضاً، لأداء حق الله، أو حق الناس، أو لتعزيز من يستحق ذلك، لأن عمر رضي الله عنه اشترى داراً بمكة بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجناً.
رواه البيهقي.
وفي البخاري: بأربع مائة [2/ 853] في الخصومات، باب: الربط والحبس في الحرم.
مجلس القاضي
: ويستحب أن يكون مجلس القاضي فسيحاً، لأن الضيق يتأذي منه الخصوم، وأن يكون بارزاً ظاهراً ليعرفه من أراده من مستوطن وغريب، مصوناً من أذي حر وبرد، لائقاً بالوقت والقضاء، فيجلس في كل فصل من الصيف والشتاء بما يناسبه، كيلا يتأذي القاضي والخصوم.
كراهة الجلوس للقضاء في المسجد
:
يكره للقاضي أن يجلس للقضاء في المسجد صوناً له عن الصياح واللغط والخصومات، إذ مجلس القاضي لا يخلو غالباً من ذلك، على أنه قد يحتاج أن يحضر مجلس القضاء من ليس لهم أن يمكثوا في المسجد، كالحيض، ومن لا يليق دخولهم بالمسجد: كالصغار والمجانين والكفار.
ومن الأدب أن يجلس القاضي على مكان مرتفع كمنصة ليسهل عليه
النظر إلي الناس، وأن يستقبل القبلة، لأنها اشرف الجهات، وأن يدعو عقب جلوسه بالتوفيق والتسديد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج من بيته قال: " بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي ". (رواه الترمذي [3423] في الدعوات، باب: التعوذ من أن نجهل أو يجهل علينا، وغيره، عن أم سلمه رضي الله عنها).
كراهة اتخاذ الحاجب، وجواز اتخاذ المحضر
:
الحاجب: هو البواب الذي يحجب الناس عن القاضي، ويمنعهم من الدخول إليه في وقت جلوسه للحكم، فيكره للقاضي ان يتخذ هذا الحاجب، بل يترك بابه مفتوحاً للمراجعين، إلا أن يكون هناك ازدحام على بابه، فلا مانع أن يقف هذا البواب لينظم دخول الناس على القاضي.
روي أبو داود [2948] في الخراج والإمارة، باب: فيما يلزم الإمام من أمر الرعية، عن أبي مريم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة ".
وروي الترمذي [1332، 1333] في الأحكام، باب: ما جاء في إمام الرعية، عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبوب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته ".
أما المحضر، فهو الذي يرتب الخصوم، وينادي عليهم، وكان يسمي النقيب، فلا بأس أن يتخذه القاضي لوجود الحاجة إليه.
مشاورة الفقهاء
: ويندب للقاضي عند اختلاف وجهات النظر، وتعارض الأدلة في الحكم أن يشاور أهل الفقه والبصر بالدين، لقول الله عز وجل: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ (سورة آل عمران: 519)
التسوية بين الخصوم
: ويسوي القاضي وجوباً بين الخصمين في أمور ثلاثة:
أفي الدخول عليه، فلا يجوز أن يقوم لأحدهما، ولا يقوم للآخر، لأن ذلك ينافي العدل، ويكسر قلب من لم يقم له، فإما أن يقوم لهما، أو لا يقوم لأحد.
ب في الاستماع لهما، وطلاقة الوجه معهما، ورد السلام عليهما، وذلك لتحقيق العدل معهما، ولئلا ينكسر قلب أحدهما، إذا ما خص أحدهما بلفظ أو لحظ لم يعامل الثاني منهما بمثله.
ت وفي المجلس بين يديه، وذلك بأن يجلسهما أمامه، وبين يديه، أو أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ليطيب بذلك قلبهما، ويعدل بينهما.
والأصل في هذا ما رواه الدارقطني [4/ 205] عن أم سلمه رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من ابتلي بالقضاء بين الناس فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين، مالا يعرفه على الأخر"
وروي أبو داود [3588] في الأقضية: باب كيف يجلس الخصمان بين يدي القاضي، عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الخصمين يقعدان بين يدي الحكم.
هذا ولا يجوز للقاضي أن يسال المدعى عليه، إلا بعد فراغ المدعي من بيان دعواه، ولا يحلف المدعي عليه إلا بعد أن يطلب المدعي من القاضي أن يحلفه لأن استيفاء اليمين من المدعي عليه حق للمدعي فيتوقف على إذنه وطلبه، ولا يلقن خصماً حجة، ولا يفهمه كلاماً يعرف به كيفية الدعوى أو الجواب، أو كيف ينكر أو يقر، لما في ذلك من إظهار الميل له والإضرار بخصمه، وهذا حرام، ولا يتعنت بالشهداء فيشق عليهم، ولا يؤذيهم بالقول ونحوه، كأن يهزأ بهم أو يعارضهم في أقوالهم، لأن مثل هذا ينفر من الشهادة وتحملها وأدائها، والناس في حاجة إليها، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (سورة البقرة: 282). ولا يقبل الشهادة إلا ممن ثبتت عدالته، بمعرفة القاضي له، أو بتزكية عدلين له عنده، ولا يقبل شهادة عدو على عدوه، ولا شهادة والد لولده، ولا ولد لوالده، وذلك لوجود تهمة التحامل على العدو، والمحاباة للوالد، أو الولد، والأصل في رد مثل هذه الشهادة ما رواه الترمذي [2299] في
الشهادات، باب: فيمن لا تجوز شهادته، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلا: " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنه ولا زانٍ ولا زانية ولا ذي عمر على أخيه ". [الغمر: الحقد والغل والشحناء] وروي مالك في الموطأ [2/ 720] في الأقضية، باب: ما جاء في الشهادات، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين) [الظنين: المتهم]
الحالات التي يتجنب فيها القاضي القضاء
:
ويتجنب القاضي القضاء في عشرة مواضع: عند الغضب، والجوع والعطش، وشدة الشهوة، والحزن والفرح المفرط، وعند المرض، ومدافعة الأخبثين ـ البول والغائط وعند النعاس، وشدة البرد والحر.
ويلحق بهذه الأحوال ما كان مثلها من كل ما يورث اضطراباً في النفس وسواء في الخلق، وخللاً في الفكر.
والأصل في هذا ما رواه البخاري [6739] في الأحكام، باب: هل يقضى القاضي أو يفتي وهو غضبان، ومسلم [1717] في الأقضية، باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ولا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان].
والنهي في الحديث محمول على الكراهة فلو قضي في حال منها نفذ حكمه
شراء وبيع القاضي بنفسه
: يندب للقاضي أن لا يشتري، وأن لا يبيع بنفسه، لئلا يشتغل قلبه عما هو بصدده، ولأنه قد يحابي، فيميل قلبه إلي من يحابيه، إذا وقع بينه وبين غيره خصومة.
حكم القاضي لنفسه أو شريكه وأصله وفرعه
:
ألا يجوز للقاضي أن يحكم لنفسه، ولا ينفذ حكمه في ذلك لوجود التهمة في حكمه، وخوف الميل لمصلحته.
ب ولا يحكم أيضاً لشريكه في المال المشترك بينهما، للتهمة أيضاً، وخشية الميل والمحاباة.
ت وكذلك لا يجوز له أن يحكم لأصله، ولا لفرعه، ولا ينفذ حكمه لكل منهما، لاحتمال التهمة والمحاباة.
أما إذا حكم على من ذكرنا سابقاً، فإنه يجوز حكمه، وينفذ، لعدم التهمة في ذلك.
هـ ولا يجوز للقاضي أيضاً أن يحكم على عدون، لوجود التهمة، ويجوز أن يحكم له لانتفائها.
وإذا امتنع حكم القاضي لمن ذكرنا سابقاً، فإنه يحكم لهم الإمام، أو يحكم لهم قاضٍ آخر، لانتفاء التهمة في حكمه.
الهدية إلي القاضي
:
ـ لا يجوز للقاضي أن يقبل الهدية من الذين يرجعون إليه في حل خصوماتهم والفصل في منازعاتهم، مهما قلت تلك الهدية، أو زادت، وسواء كانوا يهدون إليه قبل ولاية القضاء، أو لم يكونوا، وسواء كانوا من محل ولايته، أو كانوا من غيرها، لأن قبول مثل هذه الهدايا من أولئك الذين لهم خصومات عنده يدعو إلي الميل والمحاباة غالباً.
وقد أمر الدين بسد الذرائع التي قد يفضي الولوج منها إلي محرم.
ـ وكذلك لا يجوز له قبول الهدية من كل شخص لم يعتد أن يهدي إليه قبل ولايته القضاء، ولو لم يكن له عنده خصومة، لاحتمال حصول الخصومة في المستقبل، وليس من عادته أن يهدى إليه قبل الولاية، فيحمل عمله ذلك على أن سببه القضاء غالباً.
والأصل في هذا ما رواه البخاري [6260] في الإيمان والنذور، باب: كيف
كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم [1832] في الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال، عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل عاملاً، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله، هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال له: " أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك، فنظرت أيهدي لك أم لا؟! " ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثني على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد فما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أهدى لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر: هل يهدي له أم لا؟! فو الذي نفس محمد بيده، لا يغل أحدكم منا شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه: إن كان بعيراً جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعر، قد بلغت " ثم رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه حتى إنا للنظر إلي عُفرة إبطيه.
وفي رواية عند أحمد [5/ 424] عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " هدايا العمال غُلُولٌ ".
[استعمل: وظفه على جمع الزكاة.
لا يغل: من الغلول، والغلول في الأصل: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وسميت هدية العامل غولاً، بجامع أن كلاً منهما فيه خيانة، وإخلال بالأمانة، لأن الهدية غالباً ما تحمل العامل على ذلك ولذلك هي حرام كالغلول.
رغاء: صوت الإبل.
خوار: صوت البقر تيعر: من اليعار وهو صوت الغنم والمعز عُفرة إبطيه: باطنهما، من شدة رفعه ليديه، والعفرة في الأصل: بياض يخالطه لون كلون التراب، وكذلك لون باطن الإبط]
هذا كله إذا كانت الهدية للقاضي ممن له عنده خصومة، أو قضية ينظر فيها أو ممن لم تسبق له عادة في إهدائه قبل توليته القضاء، فإن كانت ممن له عادة في إهدائه وليس له خصومة عنده، جاز له قبولها، إن لم يزد فيها عن القدر المعتاد، كماً وكيفاً، فإن زاد فيها نظر، فإن كانت الزيادة لها أثر ظاهر لم تقبل، وإلا قبلت ومما ينبغي الانتباه إليه: هو أن الكلام في الهدية إذا لم يكن هناك قصد ظاهر، فإن كانت بقصد أن يحكم بغير الحق، أو ليمتنع من الحكم بالحق، فهي رشوة، وهي من الكبائر، ويأثم القاضي بقبولها، كما يأثم الباذل لها والساعي في شأنها.
روي الترمذي [2336] في الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي
في الحكم، وأبو داود [3580] في الأقضية، باب: في كراهية الرشوة، عن ابي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الراشي والمرتشي في الحكم.
وعند أحمد [5/ 279] عن ثويان رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي، والرائش بينهما.
[الرائش: الذي يمشي بين الراشي والمرتشي].
ملك الهدية
: إذا قبل القاضي الهدية، في الصور المحرمة التي مر ذكرها، فإنه لا يملكها، ويجب عليه ردها إلي صحابها، فإن تعذر ردها إلي صاحبها وضعها في بيت مال المسلمين، لأنها كسب غير مشروع، فلا يملكها.
حضور الولائم
:
- لا يجوز للقاضي حضور وليمة أحد الخصمين، حال الخصومة، ولا يقبل ضيافة أحد منهما ولو كانا في غير محل ولايته، لخوف الميل والمحاباة.
- ويجوز له حضور وليمة غير المتخاصمين، إذا جرت عادته قبل الولاية، لعدم التهمة في ذلك.
- ويندب له إجابة دعوة غير المتخاصمين، ولو من غير عادة، إذا كانت وليمة عامة، كوليمة العرس، والختان، وقد عمم صاحبها الدعوة، لانتفاء التهمة في ذلك، ولأن فيها تطيب قلوب أصحاب الدعوة، شريطة أن لا يشغله ذلك عن أعمال القضاء.
- يجوز للقاضي عيادة المريض، وشهود الجنائز، لأن في ذلك قربة، ولا تهمة فيه.
رجوع القاضي عن الاجتهاد الذي قضى به، وما يترتب عليه
: إذا قضي القاضي في قضية من القضايا، ثم تغير اجتهاده فيها، فهل ينقض الحكم الأول، أم ينفذ حكمه على ما قضاه، ويكون رجوعه سارياً فيما يجد من القضايا والأحكام؟ في الإجابة على ذلك تفصيل نذكره فيما يلي: 1 - إذا حكم القاضي باجتهاده، ثم بان له أن حكمه كان خلاف نص الكتاب أو
خلاف السنة المتواترة أو الآحاد الصحيحة، أو كان خلاف الإجماع، أو القياس الجلي، وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، نقول: إذا كان حكمه خلاف أصل من هذه الأصول، وجب نقضه من قبل القاضي نفسه، أو من قبل غيره.
ويترتب على ذلك رد ما قضى به، وإعادته إلي ما يوافق الكتاب والسنة، أو الإجماع والقياس، وتصحيح الآثار التي ترتبت على ذلك الحكم.
ودليل ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ". (أخرجه البخاري [2550] في البيوع، باب: النجش، تعليقاً ووصله في الصلح باب: إذا اصطلحوا علي صلح جور فالصلح مرود، ومسلم [1718] في الاقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، ورواه غيرهما عن عائشة رضي الله عنها).
والأمثلة على ذلك كثيرة في أقضية الصحابة ومن بعدهم، منها:
أكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفاضل بين الأصابع في الدية، لتفاوت منافعها، حتى روي له الخبر في التسوية بينها، فنقض حكمه، ورجع عنه.
رواه الخطابي في "المعالم ".
ب قضى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه فيمن رد عبداً بعيب، أنه يرد خراجه معه، فأخبره عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الخراج بالضمان، فرجع عن حكمه، وقضى بأخذ الخراج من الذي أخذه.
رواه الشافعي في مسنده.
ت ونقض على رضي الله عنه قضاء شُريح في ابني عم، أحدهما أخ لأم، بأن المال للأخ، متمسكاً بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (سورة الأنفال: 75} قال له على رضي الله عنه: قال اله تعالي: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس﴾.
2 - أما إذا كان حكمه الأول، إنما بناه على اجتهاد، أو على مقتضي قياس خفي، ثم تغير اجتهاده، فإنه لا ينتقض حكمه الأول، بل ينفذ على ما مضى، ويتغير
الحكم بناء على الاجتهاد الجديد بما سيأتي من أقضية، لأن الظنون المتعادلة، ليس بعضها أولي من بعض، ولو جاز أن ينقض بعضها بعضاً، لما استمر حكم، ولما استقر تشريع، ولشق الأمر على الناس، ومن هنا نشأت القاعدة المعروفة: (لا ينقض الاجتهاد بمثله).
ويترتب على ذلك أن الحكم الأول يمضي على حاله ولا يرد، وقد روي عن عمر رضي الله عنه مثل هذا: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم بحرمان الأخ الشقيق من الميراث، في المسألة المعروفة بالمشتركة، وهي أن يموت الميت عن زوج وأم وإخوة لأم وأخ شقيق.
ومقتضي القواعد أن يأخذ الزوج النصف، والأم السدس، والإخوة لأم الثلث، ولا شيء للأخ الشقيق، لأنه عصبة، ولم يبق له شيء بعد أصحاب الفروض، وهكذا قضى عمر رضي الله عنه أولاً.
ثم رجع عن ذلك، وقضي بالتشريك بين الأخ الشقيق والإخوة لأم في الثلث، على أنهم أخوة لأم، وقال رضي الله عنه لما قيل له: قد قضيت بغير هذا: (ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي) ولم ينتقض حكمه الأول.
حكم القاضي نافذٌ قضاءَ لا ديانة:
إذا قضي القاضي في قضية، بناء على بينة صحيحة شرعاً نفذ حكمه قضاءً وظاهراً، واستحق المحكوم له ما حكم له به القاضي ن فإن كان المدعى صادقاً في دعواه استحق المدعي به، وحل له قضاء وديانة، ظاهراً وباطناً.
أما إذا كان المدعى كاذباً، وحكم له القاضي ببينته، فإن هذا الحكم وإن نفذ قضاءٌ وظاهراً وباطناً.
أما إذا كان المدعى كاذباً، وحكم له القاضي ببينته فإن الحكم وإن نفذ قضاءٌ، واستحق المدعي والمحكوم له به، إلا أنه ديانة وعند الله عز وجل حكم باطل لا يحل به الحرام، ولا يستحق هذا المدعى ما حكم له به ن وعليه أن يتوب غلي الله تعالى، ويرد الحق إلي صاحبه.
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار ".
(رواه البخاري [6748] في الأحكام، باب: موعظة الإمام للخصوم، ورواه أيضا ي غر هذا الباب، ومسلم [1713] في الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة عن أم سلمه رضي الله عنها).
[ألحن بحجته: أقوم بها، وأقدر عليها]
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أحكاماً منها:
1 - إثم من خاصم في باطل ن فاستحق به في الظاهر شيئاً، وما استحقه بهذه الطريقة حرام لا يحل له ديانة عند الله تعالى.
2 - أن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقاً له في الظاهر ويحكم له هـ، فإنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم.
3 - أن المجتهد إذا أخطأ في الحكم، لا يلحقه إثم، بل يؤجر عند الله، وإن كان حكمه هذا لا يحل حراماً في حقيقة الأمر، وعند الله تعالى.
جاء في الحديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ" (رواه الترمذي [1326] في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي يصيب ويخطيء، والنسائي [8/ 224] في القضاء، باب: الإصابة في الحكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه البخاري [6919] في الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، ومسلم [1716] في الأقضية، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما).
ما يترتب على هذه القاعدة (حكم القاضي نافذ قضاء لا ديانة) من المسائل:
لقد رتب العلماء على هذه القاعدة أحكاماً كثيرة في أبواب متعددة، نذكر منها بعض المسائل:
1 - إذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته، وأقام البينة، وقضى له القاضي بذلك، وكان المدعى كاذباً، فإنه لا يحل له الاستمتاع بها بذلك الحكم، ويجب على المرأة الامتناع منه، وعدم تمكينه منها.
2 - إذا ادعى رجل مالاً على غيره، وحكم له به القاضي، وكان المدعى كاذباً، فلا يحل له هذا المال، ولا يملكه ديانة، ويجب رده إلي صاحبه.
3 - إذا قضى القاضي لشريك بالشفعة، وكان قد أسقط حقه فيه، ثم أنكر وأقام البينة، فإنه لا يستحق الشفعة ديانة، وإن استحقها قضاءً.
انعزال القاضي وعزله
أولاً: انعزال القاضي:
ينعزل القاضي بنفسه من غير عزل الإمام له إذا اتصف بواحدة من الصفات التالية:
أالردة، لأنه بذلك يخرج من الإسلام، ويصبح كافراً، والكافر لا ولاية له على المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (سورة النساء: 141).
ب زوال الأهلية، وذلك كأن يعتريه جنون أو إغماء أو عمى أو خرس أو صمم، أو ذهبت أهليه اجتهاده وضبطه للأمور، بنحو غفلة أو نسيان.
فإذا انعزل بذلك لم ينفذ حكمه، لفقدان أهليه القضاء في كل ذلك.
ومثل ذلك المرض المعجز عن القيام بواجب القضاء.
ت الفسق وكذلك لو فسق القاضي فإنه ينعزل ولا ينفذ حكمه لوجود المنافي للولاية، وهذا في غير قاضي الضرورة وهو القاضي الفاسق الذي يعينه سلطان ذو شوكة.
وإذا زالت هذه العوارض التي ذكرناها، والأحوال اتي بيناها عن القاضي، لم تعد ولايته، لأنه خرج عن منصبه، ولا يعود إليه إلا بتنصيب جديد، ولأن الشيء إذا بطل لم ينقلب إلي الصحة نفسه.
ثانياً: عزل القاضي من قبل الإمام:
أويجوز للإمام عزل القاضي إذا ظهر منه خلل لا يقتضي انعزاله: كما إذا كثرت
الشكاوي منه، وقد روى أبو داود في باب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزل إماماً يصلى بقوم بصق في القبلة، وقال: " لا يصلي بهم بعدها أبداً ". فإذا جاز هذا في إمام الصلاة، جاز هذا في القاضي، بل هو أولي.
ب ويجوز للإمام عزله أيضاً إذا وجد من هو أفضل منه تحصيلاً لتلك المزية للمسلمين.
ت ويجوز عزله إن كان هناك مثله، أو دونه وكان في عزلة مصلحة للمسلمين: كتسكين فتنة، لما فيه من دفع الضرر عن المسلمين بالقضاء علي الفتنة.
ث فإن لم يكن شيء من ذلك حرم عزله، لأن ذلك عبث منهي عنه، لكنه إن فعل ينفذ عزله إن وجد صالح للقضاء مكانه، مراعاة لطاعة الإمام، فإن لم يوجد مكانه من يصلح للقضاء، فإنه لا ينفذ العزل، لشدة الضرر في ذلك على مصالح المسلمين.
متى يتم عزل القاضي؟
ألا ينعزل القاضي قبل بلوغه خبر عزله، لعدم عمه بذلك، وإنما يتم عزله حين يبلغه خبر العزل.
ب وإذا كتب الإمام إليه: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فقرأه انعزل، وكذلك إذا قرئ عليه، لأنه بكل ذلك قد بلغه خبر العزل، ولا ولاية له بعد العزل.
عزل القاضي نفسه
:
ويجوز للقاضي أن يعزل نفسه، لأنه كالوكيل عن الإمام، والوكيل يصح له أن يعزل نفسه عن الوكالة، وكذلك القاضي.
هذا إذا لم يتعين للقضاء، أما إذا تعين للقضاء، ولم يوجد مكانه قاض آخر صالح للقضاء، فإنه لا يجوز له عزل نفسه، ولا ينعزل في هذه الحال، لأن القضاء في الحالة هذه فرض عليه، ولا يجوز له تركه.
عدم انعزال القاضي بموت الإمام
: وإذا مات الإمام، أو خرج من ولايته، فإن القاضي لا ينعزل، لشدة الضرر، في تعطل القضاء.
الباب السادس
الدّعَاوى والبَيِّنات
والشهَادَات
الدّعَاوى والبَيِّنات
تعريف الدعاوى
:
الدعاوَي بفتح الواو، والدعاوي بكسر الواو، جمع دعوى.
والدعوى لغة: الطلب.
قال الله تعالى: ﴿ولم ما يدعون﴾ (سورة يس: 57) أي: لهم ما يطلبون.
والدعوى شرعاً: إخبار عن وجوب حق على الغير عند الحاكم
تعريف البيِّنات:
البيِّنات: جمع بينة، وهي: الحجة الواضحة، من البيان، وهو الإيضاح والكشف.
والبيئة شرعاً: هم الشهود سُمُّوا بذلك لأن بهم يظهر الحق ويتضح.
دليل مشروعية الدعاوي والبيِّنات:
يستدل على تشريع الدعوى والبينات بالقرآن والسنة.
أما القرآن فقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة النور: 48).
وقوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة آل عمران: 23).
وأما الحديث، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لو يعطي الناس بدعواهم لادعى ناس دماء
رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدعي عليه " (رواه البخاري [4277] في التفسير، باب: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ومسلم [1711] في الأقضية، باب: اليمين على المدى عليه، عن عبدالله ن عباس رضي الله عنهما).
وروي مسلم [138] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه، قال: كان بيني وبين رجل أرض باليمن، فخاصمته إلي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " هل لك بينة؟ " فقلت لا.
قال " فيمينه ". وفي رواية " شاهداك أو يمينه "
وروي الترمذي [1341] في الأحكام، باب: ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته: " البينة على المدعى، واليمين على المدعي عليه ".
تعريف المدعي والمدعي عليه والفرق بينهما
:
المدعى: هو من خالف فوله الظاهر.
والمدعى عليه: هو من وافق قوله الظاهر.
والفرق بينهما أن المدعي يدعى حقاً على المدعى عليه، وقوله هذا مخالف للظاهر، وهو البراءة، والمدعى عيه ينكر ذلك الحق، والأصل ـ وهو البراءة ـ معه.
حكمه كون البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه
:
الحكمة في ذلك: هي أن جانب المدعى ضعيف، لكون دعواه خلاف الأصل، فكلف الحجة القوية، وهي البينة، وأن جانب المدعى عليه قوي، لأنه متمسك بالأصل، وهو البراءة، فاكتفي منه بالحجة الضعيفة، وهي اليمين.
وإنما كانت البينة قوية، واليمين ضعيفة، لأن الحالف متهم في يمينه بالكذب، لأنه يدفع عن نفسه، بخلاف الشاهد، فإنه غير متهم، لأنه يشهد لغيره كما جاء في الحديث الذي تقدم ذكره: " فأقضي له على نحو ما أسمع ".
شروط صحة الدعوى
:
يشترط لصحة كل دعوى أمام القاضي، سواء كانت دعوي دم، أو غيره: كغصب وسرقة وإتلاف ستة شروط:
الشرط الأول: أن تكون الدعوى معلومة، وذلك بأن يفصل المدعى ما يدعيه، كأن يقول المدعى: إن فلاناً قتل قريبي عمداً، أو يقول: قتله خطأ وحده أو اشترك مع فلان، فلو أطلق، وقال: هذا قتل قريبي لا تقبل دعواه، لكن يسن للقاضي أن يطلب منه أن يفصل دعواه.
وإنما وجب عليه أن يفصل دعواه، لأن الأحكام تختلف باختلاف الحالات، فحكم العمد غير حكم الخطأ مثلاً.
الشرط الثاني: أن تكون الدعوى ملزمة، فلا تسمع دعوى هبة مطلقة من غير دعوى الإقباض، كأن يقول المدعى: وهبني فلان مالاً، لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض فلو قال المدعي: وهبني وقبضته بإذن الواهب ـ والهبة تلزم بالقبض ـ فإن الدعوى تسمع عندئذ، ويقبلها القاضي.
الشرط الثالث: أن يعين المدعى في دعواه المدعي عليه، واحداً كان أو جمعاً فلو قال عند القاضي: قتل قريبي أحد هؤلاء الثلاثة، لا يقبل القاضي دعواه حتى يعين المدعى عليه، لوجود الإبهام في دعواه من غير تعيين.
فلو طلب المدعي من القاضي أن يحلفهم لا يحلفهم القاضي لعدم صحة الدعوي.
الشرط الرابع: أن يكون المدعى مكلفاً: أي بالغاً عاقلاً، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون.
الشرط الخامس: أن لا يكون المدعي أو المدعى عليه حربياً، لا أمان له، فإن الحربي لا يستحق قصاصاً ولا غيره، لأن حقوقه مهدورة.
الشرط السادس: أن لا تناقض الدعوى دعوى أخري، فلو ادعى على شخص أنه انفرد وحده بالقتل، ثم ادعى على آخر انه شريكه، أو انفرد وحده أيضاً بالقتل، لم تسمع الدعوى الثانية، لما فيها من تكذيب الدعوى الأولي ومناقضتها، إلا إذا صدقه المدعى عليه الثاني، فإنه يؤخذ بإقراره، وتسمع الدعوى عليه، فإذا
استوفت الدعوى هذه الشروط كلها صحت وسمعها القاضي، ثم سأل المدى البينة بعد ذلك على صحة دعواه، فإن أثبتها حكم له بمدعاه.
ما يتوقف فيه الحكم على الدعوى وما لا يتوقف
:
أفعال المكلفين من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها أربعة أقسام:
القسم الأول: أحكام شرعت والمقصود بها مصلحة المجتمع، فحكمها أنها حق خالص لله تعالى، وليس للمكلف فيها خيار، وتنفيذ هذه الأحكام عائد إلي ولي الأمر، ولا يتوقف الحكم فيها على دعوى عند القاضي.
ومثالها:
1 - العبادات المحضة كالصلاة والصيام والحج وما تستند إليه هذه العبادات، من الإيمان والإسلام، فإن هذه العبادات إنما قصد بتشريعها إقامة الدين، وإقامته ضروري لنظام المجتمع.
2 - العبادات التي فيها معنى المؤونة، كالزكاة وصدقة الفطر، فإنها عبادة من جهة أن المكلف يتقرب بها إلي الله تعالى، وفيها معنى الضريبة على المال أو النفس من جهة أخري.
3 - الضرائب التي فرضت على الأرض الزراعية، سواء كانت عشرية أو خراجية، فإن المقصود من هذه الضرائب صرفها في مصالح المجتمع.
4 - الضرائب التي فرضت فيما يغنم بالجهاد، أو فيما يوجد في باطن الأرض من الكنوز والمعادن.
5 - أنواع من العقوبات الكاملة، وهو حد الزنى، وحد السرقة، وحد البغاة الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً.
6 - نوع من العقوبات القاصرة، وهي حرمان القاتل من الميراث، وسميت قاصرة، لأنها ليست بعقوبات جسدية، ولا مالية، وإنما هي منع له من حق كان يستحقه لو لم يقتل.
7 - عقوبات فيها معنى العبادة: ككفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ، فإن فيها معنى العبادة، لأنها تؤدي بما هو عبادة من صوم وصدقة وتحرير رقبة.
فهذه الأنواع حق خالص لله تعالى، وإنما كان تشريعها لتحقيق مصالح الناس العامة، فلا يملك المكلف أن يسقط منها شيئاً، لان المكلف لا يملك أن يسقط إلا حق نفسه، وهذه ليست له، وإنما هي من حقوق الله تعالى، ولا يتوقف الحكم فيها على دعوى من المكلف أمام القضاء، كما أسلفنا.
القسم الثاني: أحكام شرعت وكان المقصود بها مصلحة المجتمع والمكلف معاً، غير أن مصلحة المجتمع فيها أظهر، فحق الله فيها غالب.
وحكم هذا القسم، كحكم ما هو حق خالص لله تعالى، لا يملك المكلف إسقاطه، ولا يتوقف الحكم فيه على دعوي أمام القضاء.
القسم الثالث: أحكام شرعت، وكان المقصود بها مصلحة المكلف خاصة، فحكمها حق خالص لمكلف، مثال ذلك تضمين من أتلف مالاً بمثله أو قيمته، وهذا حق خالص لصاحب المال.
وحبس العين المرهونة حق خالص للمرتهن.
واقتضاء الدين حق خالص للدائن.
فالشارع الحكيم أثبت هذه الحقوق لأصحابها، وجعل لهم الخيرة في أمرها، فإن شاؤوا استوفوها، وإن شاؤوا أسقطوها ويتوقف الحكم فيها على دعوى عند القاضي، وليس للقاضي أن يتبرع بإقامة الدعوى نيابة عنهم بغير دعواهم.
القسم الرابع: أحكام شرعت وكان المقصود بها مصلحة المكلف والمجتمع غير أن مصلحة المكلف فيها أظهر وأغلب.
وحكم هذا القسم كحكم القسم الثالث، وهو ما كان حقاً خالصاً للمكلف، ومثاله القصاص من القاتل عمداً، وحدٌ القذف من القاذف، فلا بد لاستيفائها والحكم بهما من إقامة دعوى عند القاضي.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى، في متن المنهاج: (تشترط الدعوى عند قاض في عقوبة كقصاص وقذف، فلولي الدم أن يعفو عن القصاص، وله أن يسامح بالدية.
وكذلك للمقذوف أو المقذوفة أن يسقط حقه في الحد ويسامح به).
وبعض العلماء يجعل حد القذف مما غلب فيه حق الله تعالى، فلا يتوقف
فيه الحكم على دعوى، ولا يملك المقذوف أو المقذوفة حق إسقاطه والعفو عن القاذف إذا ثبت القذف عند القاضي لا يشترط لإقامة حده دعوى عنده.
بيان أن البينة علي المدعى واليمين على من أنكر
:
قلنا: إن البينة إنما هي الشهود وسموا بذلك لأن الحق يستبين بشهادتهم ويظهر، وإنما يكلف بإقامة البينة المدعى، الذي يدعي حقاً على غيره ليثبت دعواه، وإنما جعلت البينة عليه لأن جانبه ضعيف، إذ إنه يدعى خلاف الأصل، إذ الأصل في الناس براءة ذممهم حتى تثبت إدانتهم.
لذلك كلف المدعى بالبينة، وهي حجته في ثبوت حقه.
واليمين وهو الحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وقد جعله الدين على المدعى عليه، ينفي به الدعوى عن نفسه، وإنما كلف المدعى عله باليمين، لأن جانبه قوي، إذ هو مؤيد بالبراءة الأصلية: كما قلنا، فاكتفي منه باليمين، وهو حجة ضعيفة.
ودليل هذا التوزيع بين المدعى والمدعى عليه، قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " البينة على المدعى واليمين علي من أنكر ". (رواه البيهقي) [8/ 123] في القسامة.
وقد سبق حديث البخاري [4277] ومسلم [1711] عن ابن عباس رضي الله عنهما: " ... ولكن اليمين على المدعى عليه ".
وحديث مسلم [138] عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: " البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه ". وقد مر تخريج هذه الأحاديث.
فإذا أقام المدعى البينة على دعواه، حكم له القاضي، وليس له أن يطلب من المدعى عليه أن يحلف على نفي الدعوى، وليس للمدعي عليه أن يطلب من القاضي أن يحلف المدعى بعد إقامة البينة، لأن في ذلك تكليف المدعى أن يقيم حجة بعد حجة.
عجز المدعي عن إقامة البينة
: إذا عجز المدعى أن يقيم البينة على ما يدعيه، بأن لم يكن له بينة، أو أن الشهود ماتوا مثلاً، فإن القاضي يطلب من المدعى عليه أن يحلف على نفي ما يدعيه المدعى، فإن حلف حكم القاضي ببراءته.
امتناع المدعى عليه من حلف اليمين
:
إذا لم يكن للمدعى بينة، وامتنع المدعى عليه من اليمين، ردت اليمين على المدعى، فيطلب منه القاضي، أن يحلف على مدعاه، فإذا حلف استوجب ما يدعيه وحكم له به القاضي عملاً بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد رد اليمين إلي المدعى.
روي الحاكم [4/ 100] عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق.
حكم يمين الرد كالإقرار
: ويمين الرد، وهي ـ كما قلنا ـ يمين المدعي بعد نكول خصمه، كإقرار الخصم، لا كالبينة، لأنه قد توصل باليمين بعد نكول المدعى عليه إلي الحق، فأشبه إقراره به، فيجب الحق للمدعى بعد فراغه من اليمين من غير افتقار إلي حكم كالإقرار، ولا تسمع بعدها حجة بمسقط، أو إبراء، لتكذيبه لها بنكوله عن اليمين، لأن نكوله كالإقرار، كما مر.
امتناع المدعي عن اليمين
:
إذا امتنع المدعى عن اليمين بعد إذ ردها إليه القاضي ولا عذر له سقط حقه، لإعراضه عن اليمين.
ويسن للقاضي أن يبين حكم النكول للجاهل له، فيقول له: إن نكلت عن اليمين حلف المدعى وأخذ منك الحق، أو يقول للمدعى إن امتنعت عن يمين الرد سقط حقك، فإن لم يبين لهما وحكم لمجرد النكول نفذ حكمه، وكان المدعى أو المدعى عليه مقصراً بترك البحث عن حكم النكول.
سكوت المدعى عليه
: إذا أصر المدعي عليه على السكوت عن جواب الدعوى لغير عذر، جعل كمنكر للمدعى به، وجعل أيضاً ناكلاً عن اليمين، وترد اليمين على المدعى.
بيان النكول
:
النكول لغة: مأخوذ من نكل عن العدو، وعن اليمين إذا جبن.
والنكول شرعاً: أن يقول المدعى عليه: أنا ناكل، أو يقول له القاضي: احلف فيقول: لا أحلف، أو يصر على السكوت، كما مر.
إذا ادعى اثنان شيئا
ً:
إذا ادعى شخصان شيئاً، كأرض مثلاً، فادعى كل واحد منهما أنها له، ولا بينة لأحدهما، فإن كانت الأرض في يد أحدهما، فالقول قول صاحب اليد بيمينه، فيحلف على أنها له، ويستحقها، عملاً بالأصل، واستصحاب الحال، فإن وجودها بيده يرجح أنها ملكه، حيث لا بينة تخالفه، لأن الأصل أن لا تدخل في يديه إلا بسبب مشروع، وإن كانت في أيديهما، ولا بينة كما قلنا لأحدهما، تحالفا، وجعلت الأرض بينهما.
ومعنى تحالفا: أي حلف كل منهما على نفي أن تكون الأرض ملكاً للآخر، ودليل ذلك ما رواه أبو داود [3613] عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: أن رجلين ادعيا بعيراً أو دابة إلي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، ورواه الحاكم أيضاً [4/ 95] وقال: هذا حديث صحيح.
البينات وأنواعها:
لقد سبق تعريف البينات، ودليل مشروعيتها، في أول بحث الدعاوي والبينات.
والبينات أنواع: فقد تكون البينة شاهدين ذكرين، وقد تكون رجلاً وامرأتين، وقد تكون شاهداً ويميناً، وقد تكون أربع نسوة، وقد تكون أربعة جال، وسنفصل هذا في بحث
الشهادات
.
الشهادات
تعريف الشهادات
:
الشهادات جمع شهادة، من الشهود بمعني الحضور.
والشهادة لغة: الخبر القاطع.
والشهادة شرعاً: إخبار عن شيء بلفظ خاص.
دليل مشروعية الشهادة
:
الشهادة مشروعة بنص القرآن والسنة، وإجماع الأمة.
أما القرآن فقول الله عز وجل: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (سورة البقرة: 282) وقوله تبارك وتعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ (سورة البقرة: 283).
وأما السنة، فما رواه مسلم [138] في الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " شاهداك أو يمينه ".
وأما الإجماع، فهو منعقد علي مشروعية الشهادة، واستحبابها، ولم يخالف بذلك أحد من العلماء.
حكمة تشريع الشهادة
: والحكمة من تشريع الشهادة صيانة الحقوق، وإثباتها، فلو لم تشرع الشهادة لأمكن أن يضيع كثير من الحقوق، ويتعذر إثباتها لأصحابها، وهذا