الباب الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجموعة من المؤلفين
- الكتاب
- الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالىاشترك في تأليف هذه السلسلة: الدكتور مُصطفى الخِنْ، الدكتور مُصطفى البُغا، علي الشّرْبجي
- الناشر
- دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق
- الطبعة
- الرابعة، 1413 هـ - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 8 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الفتوة وأحكامها
المسابقة
تعريف المسابقة
:
المسابقة لغة: مفاعلة من السبق، وهو التقدم على الغير، والمسابقة أيضاً: اختبار يجري لأشخاص للحصول على عمل ينتقي أفضلهم.
والمقصود بالمسابقة هنا أن يتباري اثنان فأكثر في ركض الدواب التي تصلح للكر والفر: كالخيل والإبل، على أن تكون من نوع واحد.
والسبق: اسم للمال الذي يرصد للمسابقة.
حكم المسابقة ودليل مشروعيتها
:
المسابقة سنة موروثة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعمل مشروع، والأصل الأول في مشروعيتها واستحبابها: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون﴾ (سورة الأنفال: 60).
وخبر ابن عمر رضي الله عنه: " وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق الخيل التي قد ضمرت، من الحيفاء إلي ثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلي مسجد بني زريق ". (رواه البخاري [410] في المساجد، باب: هل يقال مسجد بني فلان، ومسلم [1870] في الإمارة، باب: المسابقة بين الخيل وتضميرها، عن ابن عمر رضي الله عنهما).
[أضمرت، وضمرت: سمنت أولاً، ثم قلل علفها وأدخلت مكاناً وجللت حتى يكثر عرقها ويجف فيذهب رهلها ويقوي لحمها ويشتد.
الحيفاء: موضع قرب المدينة.
الثنية: ثنية الوداع في المدينة].
هذا إذا قصد بالمسابقة التأهب للجهاد، وإعداد القوة له، أما إذا قصد بها الفخر والخيلاء كانت حراماً، لأن الأمور بمقاصدها، أما إذا لم يقصد بها هذا ولا ذاك فهي مباحة ولأنها من الرياضيات المفيدة للجسم، والمقوية للشكيمة.
أنواع المسابقة
:
للمسابقة صور مختلفة، بعضها مشروع وبعضها محرم، ونحن نستعرض أولاً هذه الصور كلها، ثم نوضح المحرم والمشروع منها:
الصورة الأولي: أن يتسابق الطرفان، ويقرر مال معين للسابق منهما، على أن يكون الدفع من الحاكم، أو من شخص آخر، خارج عن الاشتراك في عملية السباق، بأن يقول هذا الشخص: من سبق منكما فله مني كذا .. ، ويجوز أن يقوم بالتسابق أكثر من اثنين.
الصورة الثانية: أن يلتزم أحد المتسابقين دفع المال لزميله إن هو سبقه، ولا يلتزم زميله شيئاً عن هو سبق، بأن يقول الأول: أن سبقتني فلك على كذا، أو سبقتك، فلا شيء لي عليك.
الصورة الثالثة: أن يلتزم كل منهما دفع مبلغ من المال لمن سبقه، فأيهما تخلف يلتزم بإعطاء المبلغ المتفق عليه للسابق.
الصورة الرابعة: كالصورة الثالثة، على أن يضاف إليهما محلل، وهو عنصر ثالث مسابق، فرسه كفء لفرسيهما.
فإن سبقهما أخذ المالين من كل منهما، وإن سبقاه، وجاءا معاً، فلا شيء لأحد على الآخر، لأن المتراهنين وصلا معاً، ولأن المحلل لم يلتزم شيئاً عن التخلف، وإن وصل المحلل مع أحدهما أولاً، وتخلف الثاني عنهما، فمال الأول منهما مع المحلل يبقي له، ومال المتأخر منهما يوزع بالتساوي بين المحلل والذي وصل معه.
بيان الجائز والمحرم من هذه الأنواع
: إذا تصورت هذه الأنواع من المسابقة، وأدركت الفرق بينها، فأعلم أن صورة واحدة منها هي المحرمة، لها حكم الميسر، وهو القمار، وهي الصورة الثالثة، أما الصور: الأولي والثانية والرابعة فهي مشروعة لا مانع منها.
وإنما سمي العنصر الثالث في الصورة الرابعة محللاً، لأنه إذا دخل في الصورة الثالثة مشتركاً بالشكل الذي ذكرناه حولها من الحرمة إلي الحل.
فالصورة الرابعة هي عين الثالثة مضافاً إليها هذا المحلل.
شروط المسابقة
:
وأيا كانت صورة المسابقة، فلا بد فيها من توفر شروط معينة، نلخصها فيما يلي:
الشرط الأول: علم المتسابقين بالمنطلق الذي يبدؤون منه الجري، وبالغاية التي يتوقف الجري عندها، ولا بد أن يكون المبدأ والمنتهي للجميع واحداً.
الشرط الثاني: تعيين الأفراس، أو الإبل مثلاً، فإذا تعينت وعرفت، لم يجز استبدال فرس بأخر، فإن استبدل أحدهم بفرسه غيره فسدت المسابقة.
الشرط الثالث: أن تكون الأفراس بحالة يمكن معها السبق والتخلف، فإن كان فيها ضعيف يقطع العقل بتخلفه، أو فاره يجزم العقل بتقدمه لم يجز السباق.
الشرط الرابع: أن يعلم الكل مبلغ المال المشروط للسابق الأول، والثاني، وهكذا.
فلو كان فيهم من لم يعلم بالمال، أو كميته لم يصح السباق.
الشرط الخامس: أن يكون المال من يد أجنبي غير مشتركة بالسباق، بأن يكون من الدولة، أو من أحد الأثرياء مثلاً، فإن كان من أحد المشتركين جاز بشرط أن لا يلزم الآخرون بالدفع عند تخلفهم، فإن ألزموا بذلك كان لابد من أن يشترك معهما أو معهم عنصر محلل، ينسق بينهم المال بالطريقة التي شرحناها.
أثر دخول عنصر المال في السباق
:
مما ذكرنا يتبين لك أن دخول عنصر المال في السباق لا يمنع مشروعيته ولا يؤثر فيه بأي فساد، بل هو مما يرغب فيه، لتحقيق المزيد من التشجيع.
إلا أن عنصر المال يفسد السباق في حكم الشريعة الإسلامية، عندما يكون أخذاً وعطاءً من الطرفين، بأن يقال: السابق منكما يأخذ، والمتخلف منكما يدفع.
وسبب الفساد أن عنصر المال بهذه الصورة يأخذ، والمتخلف منكما يدفع.
وسبب الفساد أن عنصر المال بهذه الصورة يأخذ محور الميسر تماماً، وقد
حرمه الله تعالي بصريح تبيانه قال عز وجل: ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة المائدة: 90).
[الخمر: كل مسكر.
الميسر: القمار.
الأنصاب: الأصنام.
الأزلام: قداح الاستقسام، التي كانوا يطلبون معرفة ما هو مقسوم لهم بواسطتها.
رجس: خبيث مستقذر].
ما تجوز به المسابقة
:
وتجوز المسابقة بكل الدواب التي تصلح للحرب والكر والفر، مثل الخيل والبغال والجمال، وما لا يصلح شيء منها لذلك، فلا تجوز المسابقة به كالبقر، والطيور وغيرها.
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا سبق إلا في خف، او حافر، أو نصل " (رواه أبو داود [2574] في الجهاد، باب: في السبق، والترمذي [700] في الجهاد، باب: ما جاء في الرهان والسبق).
[خف: أي ذي خف، والمراد الإبل.
حافر: أي ذي حافر، والمراد الخيل وما يلحق بها.
نصل: القسم الذي يخرج من السيف والرمح والسهم ونحوها والمراد الرمي بها]
وقد كانت هذه هي آلة الحرب وعدته يومها، فيلحق بها كل ما كان كذلك حسب الزمان والمكان، مما يصلح في الحرب، ويستعمل في نكاية العدو.
المناضلة بالسهام والأسلحة المختلفة
تعريف المناضلة
:
المناضلة: مفاعلة، من النضل، وهو الرمي، وتناضل القوم: تراموا لتظهر مهارة كل منهم في الرمي، وهي والمكافحة والمقاومة بمعني واحد.
والنضال بالسهام أو السلاح، يراد به استعمالها على الوجه الصحيح في نضال الأعداء.
والمناضلة شرعاً: تنافس متشاركين فأكثر على البراعة في استعمال السلاح، ورمي الهدف على مال بشروط معينة.
حكم المناضلة، ودليله
:
المناضلة سنة، كما قلنا في المسابقة، مادام الغرض منها الإعداد للجهاد، ومقارعة الأعداء، فإذا كان الغرض منها المفاخرة، أو العدوان على الأبرياء انقلبت إلي معصية عملاً بالقاعدة: الأمور بمقاصدها.
ويستدل على مشروعية المناضلة، والترغيب فيها، بقول الله عز وجل: ﴿َأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60).
فقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - القوة في الآية بالرمي، فقال: " ألا إن القوة الرمي " (رواه مسلم [1917] في كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه).
وروي البخاري [2743] في الجهاد، باب: التحريض على الرمي، عن سلمة بن الأكوع رض الله عنه قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون،
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان "، قا: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما لكم لا ترمون "؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال " ارموا، فأنا معكم كلكم ".
وروي أبو داود [2574] والترمذي [1700] وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ". وقد سبق تخريج الحديث في المسابقة.
فأما الخف والحافر، فكناية عن البعير والفرس، وأما النصل، فكناية عن السهام، وما يدخل في حكمها من الأسلحة الأخرى المختلفة.
أنواع المناضلة
:
تتنوع المناضلة بالسلاح، كما تنوعت المسابقة على الخيل، إلي الصور الأربعة المذكورة.
وتبطل منها هنا الصورة الثالثة أيضاً، وهي أن يتراهن المتناضلان كل منهما يدفع المال للأول في الإصابة، فهي قمار باطل، وهي من الميسر الذي نهي الله عنه وسماه رجساً.
شروط المناضلة
:
يشترط في المناضلة مراعاة الأمور التالية:
أولاً: إذا كان النضال بالسهام ونحوها، فإنه يشترط أن يبين المتناضلان كون الرمي المطلوب مجرد قرع للهدف، أو خرقاً، فإن أطلقا، ولم يبينا صحت المناضلة على الوجه الصحيح، وحمل الرمي المطلوب على القرع.
ثانياً: يشترط اتحاد جنس السلاح من بندقية وغيرها، فلا تصح المناضلة ببندقيتين مختلفتي الجنس ولو رضي الطرفان بذلك.
ثالثاً: يشترط تعيين الرماة والهدف المطلوب تعييناً دقيقاً، وتعيين الموقف الذي يلتزمونه، وتعيين عدد الرشقات.
رابعاً: العلم بالمال وقدره، ووجود محلل إن كانت المناضلة من النوع الثالث المحرم الذي مر ذكره في المسابقة.
ما لا تجوز المناضلة فيه
:
اعلم أن القاعدة العامة فيما تجوز فيه المناضلة (أي المناضلة على مال) كل أداة نافعة في الحرب، فكل ما لم يكن له فائدة أو شأن في الحرب لا تجوز المناضلة به على مال.
فلا تجوز المناضلة على الكرة بأشكالها وأنواعها المختلفة، ولا علي سباحة ولعب شطرنج، ووقوف على رجل واحدة مثلاً، والسباق الزوارق الصغيرة التي لا شأن لها بالحرب.
ذلك لأن شيئاً من هذه الألعاب لا تفيد بالحرب، فهي وإن كانت جائزة، بل منها ما هو مستحب ومندوب إليه كالسباحة، إلا أنه لا يجوز النضال بها على مال.
عقد المسابقة والمناضلة عقد لازم
:
إذا تم التعاقد على مسابقة أو مناضلة على مال مشروط، بالنحو الذي ذكرناه، فإن العقد يصبح عندئذ لازماً في حق من التزم العوض، فليس له أن يفسخه أو أن يترك العمل.
ومعني العقد اللازم أنه لا يملك طرف واحد فسخه إلا بموافقة الآخر، كالبيع والإجارة.
فإن لم تقم المسابقة والمناضلة على مال مشروط، فهي عقد جائز كل من الطرفين أن يستقل بفسخه.