تحرير الفتاوىكتابُ القضاء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

5887 - قول " المنهاج " [ص 557]: (هو فرض كفاية) أي: قبول التولية، أما إيقاع التولية للقاضي .. فهو فرض عين على الإمام وعلى قاضي الإقليم في المعجوز عنه، فإن لم يبلغ الإمام الخبر؛ لبعده عنه .. تعين فرض التولية على القاضي، وإن بلغه .. فالفرض عليهما، فأيهما ولى .. سقط الفرض، ذكره الماوردي (1). وأما إيقاع القضاء بين المتنازعين .. ففرض عين على الإمام بنفسه أو نائبه، وإذا ارتفعا إلى النائب .. فإيقاع القضاء بينهما فرض عين عليه، ولا يحل له الدفع إذا كان فيه تعطيل وتطويل نزاع، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقول " التنبيه " [ص 251]: (ولاية القضاء فرض على الكفاية) يخرج هذا الأخير، لكنه ظاهر في إيقاع التولية؛ فيؤول على أن المراد: قبول ولاية القضاء.
5888 - قول " المنهاج " [ص 557]: (فإن تعين - أي: إنسان - .. لزمه طلبه) فحذفه؛ للعلم به، ولو أفصح به .. لكان أولى، كما قال " التنبيه " [ص 251]: (فإن لم يكن من يصلح إلا واحد .. تعين عليه، ويلزمه طلبه) و" الحاوي " [ص 658]: (ولزم متعين البلد طلبه).
5889 - قول " التنبيه " [ص 251]: (فإن امتنع .. أجبر عليه) استشكل: بأنه بامتناعه من هذا الفرض الذي هو مناط المصالح العامة بعد تعينه فاسق.

وأجاب عنه الرافعي: بأنه يمكن أن يكون المراد أنه يؤمر بالتوبة أولًا، فإذا تاب .. ولي (2)، وهو مشكل؛ لأنه لا بد بعد توبته من مضي مدة الاستبراء، ولم يشترطوه؛ فالصواب ما أجاب به النووي: أنه لا ينبغي أن يفسق؛ لأن امتناعه غال

بًا ب

تأويل، فلا يعصي وإن كان مخطئًا في تأويله 3. 5890 - قوله: (وإن كان هناك غيره .. كره أن يتعرض له، إلا أن يكون محتاجًا .. فلا يكره لطلب الكفاية، أو خاملًا .. فلا يكره لنشر العلم) 4 فيه أمور: أحدها: أن محل ذلك: فيما إذا كان ذلك الغير مساويًا له، فإن كان دونه .. استحب القبول،12

الحديث: 5887 - الجزء: 3 - الصفحة: 537

وكذا الطلب إذا وثق بنفسه، جزم به في " الروضة " وأصلها 5، وذكره شيخنا الإسنوي في " تصحيحه " بلفظ الصواب 6، وذكره " الحاوي " بقوله [ص 658]: (وندب للأصلح)، وهو مأخوذ من مفهوم " المنهاج " في ذكره ما إذا كان غيره أصلح، وما إذا كان مثله، وإن كان أصلح منه .. جاز القبول بناء على جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، ولكن يكره الطلب، وقيل: يحرم 7، وعلى الكراهة مشى " الحاوي " و" المنهاج "، لكنه قيد ذلك بما إذا كان ذلك الأصلح يتولاه 8، ولا بد منه، فإن كان لا يتولى .. فهو كالمعدوم.
ولم تدرج هذه الصورة في عبارة " التنبيه " لاستثنائه من الكراهة الحاجة والخمول، وإنما استثنوها في صورة المساواة وأطلقوا الكراهة فيما إذا كان غيره أصلح، وظاهر عبارة الرافعي والنووي عدم كراهة القبول فيما إذا كان غيره أصلح؛ لأنهما إنما ذكرا الكراهة في الطلب 9، لكن ذكر القاضي حسين: أنه يكره له القبول، ويكره للإمام أن يبتدأه بالتولية، ومحل الخلاف في ولاية المفضول مع الفاضل إذا لم يكن عذر، فإن كان؛ بأن كان أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب .. انعقدت قطعًا، قاله الماوردي.
ثانيها: ما ذكره من الكراهة في هذه الحالة هو الذي في " شرحي الرافعي " 10، ومشى عليه " الحاوي " 11، وفي " المنهاج " من زيادته 12، لكن الذي في " المحرر " أن الأولى تركه 13، وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن تصحيح الكراهة ممنوع؛ لأنه ليس هناك متعين، والداخل من الذين يصلحون للقضاء مع التساوي في طلب القضاء داخل في طلب فرض كفاية، وذلك إن لم ينته إلى الإيجاب ولا إلى الندب .. فلا أقل من انتفاء الكراهة.
ثالثها: أنه اقتصر في الحاجة والخمول على انتفاء الكراهة؛ والذي في " المنهاج " و" الحاوي " ندب الطلب 14، وهنا تنبيهات: أحدها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يزاد على الخامل والمحتاج آخرين:

الجزء: 3 - الصفحة: 538

أحدهما: أن يكون ذاك الذي هو مثله في الاجتهاد أو التقليد يرتكب أمورًا يضعف مدركها .. فهنا يندب الطلب، وقد يقوى الإيجاب ولا سيما إذا كانت تلك الأمور ينقض القضاء فيها.
ثانيهما: إذا كان الذي مثله لا يقوم بكفاية الناس في خصوماتهم وأحوالهم إلا بجهد وتعب وتكلف وربما تأخر بعض القضايا للكثرة .. فيندب الطلب لمن يقوم بالمصالح بحيث يزول ما ذكر.
ثانيها: قال شيخنا أيضًا: محل ولاية المفضول مع الفاضل في المجتهدين أو المقلدين العارفين بمدارك مقلدهما، فإن كان الفاضل مجتهدًا أو مقلدًا عارفا بمدارك إمامه والمفضول ليس كذلك .. لم يجز توليته ولا قبوله؛ ويدل لذلك توجيه الأصحاب الجواز: بأن تلك الزيادة خارجة عن الحد المطلوب.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: المثلية والأصلحية يتناولان القوة في القيام في الحق، فإذا كان أحدهما أقوى من الآخر في القيام في الحق .. فقد يقتضي الحال هنا تعين الأقوى، ولا يتخرج على الخلاف في جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الزائد هنا محتاج إليه، بخلاف ما يتعلق بالعلم.
رابعها: قال شيخنا أيضًا: في قول " المنهاج " [ص 557]: (وإن كان مثله .. فله القبول) اقتصر عليه مع أنه يندب له القبول؛ لأن في الوجوب وجهين، ومن عينه الإمام لفرض من فروض الكفايات .. يطلب منه موافقة الإمام إما وجوبًا وإما ندبًا.
خامسها: محل هذا التفصيل: فيما إذا لم يكن هناك قاض متول أو كان وهو غير صالح، فإن كان وهو صالح ولو كان مفضولًا؛ إن صححنا ولايته .. حرم الطلب والطالب مجروح، حكاه في " أصل الروضة " عن الماوردي، وأقره 15، وذكره " الحاوي " بقوله [ص 659]: (وحرم قبول غير المتعين بعزل غيرٍ) وليس مطابقًا لكلام الماوردي؛ فإن الماوردي إنما ذكر تحريم الطلب لا تحريم القبول.
سادسها: جميع ما تقدم في الطلب بغير بذل فأما مع البذل .. فأطلق جماعة تحريمه، والصحيح: تفصيل ذكره الروياني، وهو: أنه إن تعين عليه أو ندب له .. جاز، وإلا .. فلا، لكن لهذا إذا كان متوليًا لبذل؛ لئلا يعزل، والبذل لعزل متول حرام إن كان صالحًا، وإلا .. فمندوب، والأخذ حرام مطلقًا.
5891 - قول " المنهاج " [ص 557]: (والاعتبار في التعين وعدمه بالناحية) و" الحاوي " [ص 658]: (ولزم متعين البلد طلبه) ذكر الرافعي أن طرق الأصحاب متفقة عليه، قال: وقضيته أن

الحديث: 5891 - الجزء: 3 - الصفحة: 539

لا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها ولا قبوله إذا وُلِّي، ويجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلم العلم ونحوهما؛ بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له؛ فالانتقال إليه هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب 16. قال في " المهمات ": ولم يتفقوا على ذلك؛ ففيه خلاف حكاه في " الكفاية " عن ابن الصباغ وغيره.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هو عندنا متعقب نقلًا ودليلًا، أما النقل: فليس ما ذكره مصرحًا به في كتاب من كتب الأصحاب، لا العراقيين ولا المراوزة، وأما الدليل: فلأنه يلزم تعطل البلدة التي ليس فيها من يصلح للقضاء عن قاض، ولا يؤدي ذلك إلى هجر الوطن بلا غاية، بل الإمام ينظر فى المصالح العامة والخاصة، ويبعث قاضيًا بعد قاض، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًا إلى اليمن قاضيًا، وكذلك بعث أبا موسى ومعاذًا رضي الله عنهم، واستمر الخلفاء بعده على ذلك من غير أن يقول أحد من المبعوثين: إنه لا يتعلق بي أمر البلد التي تريد أن تبعثني إليها؛ لأنها ليست بلدي.
5892 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وينبغي أن يكون القاضي ذكرًا، حرًا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بالأحكام) فيه أمور: أحدها: أن قوله: (ينبغي) بمعنى: يشترط كما عبر به " المنهاج " 17. ثانيها: أنه أهمل من الأوصاف المشترطة فيه الإسلام، وقد ذكره " المنهاج " 18، وحذفه في " الروضة " استغناء عنه بالعدالة.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": اشتراط الإسلام إنما هو في قاضي المسلمين أو المطلق، فأما قاضي الكفار .. فلا يشترط إسلامه، وللإمام أن ينصب بينهم قاضيًا كافرًا، ثم ذكر قول " أصل الروضة ": إنه لا يصح تولية الكافر ولو على كافر، وقول الماوردي: إن ما جرت به عادة الولاة من نصب رجل بين أهل الذمة .. فهو تقليد رياسة وزعامة، لا تقليد حكم وقضاء، ولا يلزمهم حكم بإلزامه 19، ثم قال شيخنا: إنه ممنوع؛ لمخالفة نصوص الشافعي رضي الله عنه، وما اشتهر بين الأصحاب، وأهمل أيضًا: كونه سميعًا بصيرًا ناطقًا، وقد ذكرها " المنهاج " 20، وجمع ذلك

الحديث: 5892 - الجزء: 3 - الصفحة: 540

" الحاوي " بقوله [ص 658]: (أهل القضاء والنيابة العامة أهل للشهادات)، ويستثنى من اشتراط البصر: القاضي الذي ينزل أهل القلعة على حكمه؛ فيجوز كونه أعمى كما هو مذكور في موضعه، وأهمل كونه كافيًا، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 21، وأخرجا به المغفل الذي اختل رأيه بكبر أو مرض ونحوهما، مع أنه خرج بذكر الاجتهاد، فمن هو كذلك .. ليس من أهل الاجتهاد، قاله في " المهمات ". ثالثها: المراد: كونه عالمًا بالأحكام بالاجتهاد كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 22، ويستثنى منه مسألتان: أحدهما: المولّى في واقعة معينة يكفيه أن يعرف الحكم فيها بطريق الاجتهاد المتعلق بتلك الواقعة بناء على أن الاجتهاد يتجزأ، وهو الأرجح، وقد أشار إلى ذلك " الحاوى " بقوله [ص 658]: (والنيابة العامة).
ثانيهما: الحاكم الذي ينزل أهل القلعة على حكمه؛ ففي " أصل الروضة ": أنهم أطلقوا أنه يشترط كونه عالمًا، وربما قالوا: فقيهًا، وربما قالوا: مجتهدًا، قال الإمام: ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي؛ ولعلهم أرادوا: [المهتدي] 23 إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين 24. رابعها: أهمل هو " والمنهاج " أيضًا أن يكون ممن تجوز شهادته، فمن لا تجوز شهادته من أهل البدع .. لا يجوز تقليده القضاء، وقد تناوله قول " الحاوي " [ص 658]: (أهل للشهادات)، قال الماوردي: وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع أو بأخبار الآحاد، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلًا، بل يتبعون النصوص، فإن لم يجدوا .. أخذوا بقول سلفهم كالشيعة، حكاه عنه في " أصل الروضة "، وأقره 25، وفيها أيضًا عن الصيمري: أنه يشترط في الشاهد أن يكون غير محجور عليه بسفه 26. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويشترط ذلك في القاضي قطعًا؛ لأن مقتضى القضاء التصرف على المحجور عليهم، قال: وأما الإكراه .. فإنه مانع من صحة القبول، إلا فيما تعين عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 541

5893 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وقيل: يجوز أن يكون أميًا، وقيل: لا يجوز)، الأصح: جوازه، وهو مفهوم من عدم اشتراط " المنهاج " و" الحاوي " الكتابة.
5894 - قول " المنهاج " [ص 557، 558]: (فإن تعذر جمع هذه الشروط فولَّى سلطان له شوكة فاسقًا أو مقلدًا .. نَفَذَ قضاؤه للضرورة) و" الحاوي " [ص 658]: (فإن تعذر من ولاه ذو شوكة) فيه أمور: أحدها: هذا الكلام قاله الغزالي 27، واستحسنه الرافعي 28، وجزم به في " المحرر " 29، وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم وابن شداد: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة: أن الفاسق لا تنفذ أحكامه، ورد في " المهمات " ما قالوه؛ بأن الرافعي حكى في البغاة عن المعتبرين: أنه إن كان قاضيهم لا يستحل دماء أهل العدل وأموالهم .. نفذ حكمه، وإن استحلها .. لم ينفذ، ومنهم من أطلق نفوذه 30، وبأن في " البحر " .. يحتمل وجهين: أحدهما: لا ينفذ ويتحاكمون إلى من هو أهل القضاء، فإن لم يجدوا أهلًا له .. نفذت أحكامه للضرورة، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": سبق الدارمي الغزالي إلى كلام أعم مما قال، فقال: في " الاستذكار ": إن ولي من ليس بأهل .. فعلى كل واحد عزله وتولية غيره، فإن لم يقدروا .. قضى بهم، قال: فقوله: (قضى بهم) يعني: نفذ قضاؤه للضرورة.
انتهى.
وقال ابن الرفعة: الحق أنه إذا لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء .. نفذ حكمه قطعًا، وإلا .. فتردد.
ثانيها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": السلطان ذو الشوكة إذا ولى فاسقًا .. نفذ قضاؤه للضرورة، وإن لم يتعذر جمع هذه الشروط، هاذا تعذر جمع هذه الشروط .. فتولية المقلد صحيحة، وإن صدرت من غير ذي الشوكة.
قلت: إذا تعذر جمع هذه الشروط .. لم تكن السلطنة إلا بالشوكة؛ فإن من شرطها: الاجتهاد، والفرض تعذره، فلا يوجد مع ذلك خلافة صحيحة، والله أعلم.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: إن قاضي الضرورة لا يستحق جامكية على القضاء من بيت المال؛ لأن ذلك يتعلق به خاصة ولا ضرورة للناس تتعلق بذلك، وإذا زالت شوكة من ولاه .. انعزل؛ لزوال المقتضي لدوام ولايته.

الحديث: 5893 - الجزء: 3 - الصفحة: 542

رابعها: قال في " المهمات ": التقييد بالفاسق والجاهل يشعر بأنه لا ينفذ من المرأة والكافر، وهو ظاهر، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": تنفذ أحكامها للضرورة، وفي " البحر " عن جده رواية وجهين في أن المرأة إذا قلدت القضاء على مذهب أبي حنيفة فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه فحكمت .. هل يحل للحاكم الشافعي نقض حكمها؟ أحدهما: نعم وهو اختيار الإصطخري.
والثاني: لا؛ لأنه مجتهد فيه 31، قال شيخنا: وكذا ينفذ حكم الأعمى للضرورة فيما يعرفه وينضبط له، قال: ومقتضى كلام الخوارزمي في العبد والصبي: المنع جزمًا، قال: والذي عندي في العبد أنه ينفذ أحكامه للضرورة، بخلاف الصبي، لعدم صحة عبارته، وقد دخل جميع هذه الصور في قوله: (من ولاه ذو شوكة) 32. 5895 - قول " المنهاج " [ص 558]: (ويُندب للإمام إذا ولى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف) قيده الشافعي رضي الله عنه في " مختصر المزني " بالأطراف فقال: (وأحب للإمام إذا ولى القضاء رجلاً أن يجعل له أن يولي القضاء في الطرف من أطرافه) 33. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضاه أنه لا يندب له ذلك إلا بهذا القيد، وهو المعتمد.
5896 - قول " التنبيه " [ص 252]: (وإن احتاج إلى أن يستخلف في أعماله لكثرتها .. استخلف) فيه أمران: أحدهما: محله ما إذا لم ينهه عن ذلك، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 558]: (فإن نهاه .. لم يستخلف) فلو كان المفوض إليه مما لا يمكنه القيام به .. ففي " الشامل " عن القاضي أبي الطيب: أن هذا النهي كالعدم، والأقرب أحد أمرين، إما بطلان التولية، وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف، قال النووي: هذا أرجحهما 34، وقال في " الكفاية ": إنه المشهور.
قال شيخنا ابن النقيب: والذي يظهر أن الأقرب من كلام الرافعي أو ابن الصباغ 35، وجزم في " التوشيح " بأنه من كلام الرافعي 36.

الحديث: 5895 - الجزء: 3 - الصفحة: 543

وقال في " المهمات ": إطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في تعاطي الممكن بين أن يكون إمكانه مقارنًا للتولية أو طارئًا عليها.
وقال في " التوشيح ": قوله: (لم يستخلف) 37 يحتمل شيئين: أحدهما: شمول ولايته للممكن وغيره، ولكن لا يجوز له الاستخلاف، وهو أظهر الاحتمالين في عبارة " المنهاج ". والثاني: اقتصار ولايته على الممكن، فلا يكون قاضيًا فيما زاد، وهو أظهر الاحتمالين في قول " الروضة ": (وإما اقتصاره على الممكن وترك الاستخلاف) 38، ويظهر أثر هذا فيما لو كان عاجزًا عن الولاية عن شيء ثم قدر عليه .. فعلى الأظهر من عبارة " المنهاج ": له القضاء فيه، وعلى الأظهر من عبارة " الروضة ": ليس له؛ لأن ولايته لم تشمله.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وما رجحه النووي ممنوع فيما إذا كان ذلك لاتساع العمل؛ كمصرين متباعدين كالبصرة وبغداد؛ فإنه إن قيل: صحت الولاية فيهما .. كان تصحيحًا لها مع عدم إمكان القيام بها، وإن قيل: صحت في مصر منهما غير معين .. صار كأنه قال: وليتك القضاء في إحدى البلدين، وهذا لا يصح، فلم يبق إلا بطلان التولية.
وفي " الحاوي " للماوردي: هو بالخيار في النظر في أيهما شاء، فإذا نظر في أحدهما .. ففي انعزاله من الآخر وجهان محتملان 39. ثانيهما: قد يفهم جواز الاستخلاف في الكل، والأصح: أنه لا يجوز الاستخلاف إلا في القدر المعجوز عنه؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 558]: (استخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الأصح).
قال الرافعي: والقياس فيما إذا أذن له في الاستخلاف: أن يكون في القدر المستخلف فيه هذان الوجهان، إلا أن يصرح بالاستخلاف في الجميع، وقطع ابن كج بالجواز في الكل عند مطلق الإذن 40. وذكر في " التوشيح " أن عبارة " التنبيه " هنا أحسن من عبارة " المنهاج " لأن قوله: (وإن احتاج) 41 ينبي عن كونه لا يمكنه القيام بما تولاه.
قلت: قول " المنهاج ": في القدر المعجوز عنه أشد دلالة على ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 544

5897 - قول " التنبيه " [ص 252]: (وإن لم يحتج .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز إلا أن يؤذن له في ذلك) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " 42. 5898 - قول " التنبيه " [ص 252]: (استخلف من يصلح أن يكون قاضيًا) قيده " المنهاج " فقال [ص 558]: (وشرط المستخلف كالقاضي، إلا أن يستخلف في أمر خاص - كسماع بينة - فيكفي علمه بما يتعلق به)، وظاهره اشتراط الاجتهاد في ذلك الخاص، وهو قياس قاعدة الباب، لكن في " الروضة " وأصلها: أنه لا يشترط رتبة الاجتهاد فيه، وحكاه عن الشيخ أبي محمد وغيره 43، واستحسن في " النهاية " كلام شيخه، ثم قال: ولكن ينبغي أن يكون مستقلًا بما يليق بسماع الدعوى وأحكام البينات، وهذا يحْوِج إلى حظ صالح من الفقه 44. وظاهر كلام " المنهاج " أن الخلاف في الاستخلاف جار في الأمور الخاصة أيضًا، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين، وقطع القفال بجوازه في الخاصة للضرورة، ويوافقه جزم " الروضة " وأصلها بانعزال الخليفة في شيء خاص بموت القاضي وانعزاله، وجعل الخلاف في انعزال الخليفة العام 45. 5899 - قول " المنهاج " [ص 558]: (ويحكم باجتهاده أو اجتهاد مقلده إن كان مقلدًا، ولا يجوز أن يشرط عليه خلافه)، لم يبين فيما إذا شرط عليه خلافه .. هل تصح ولايته أم لا؟ وفي " أصل الروضة ": عن " الوسيط " فيما لو شرط القاضي الحنفي على النائب الشافعي الحكم بمذهب أبي حنيفة .. له الحكم في المسائل التي اتفق عليها الإمامان دون المختلف فيها، قال: وهذا حكم منه بصحة الاستخلاف، لكن قال الماوردي وصاحبا " المهذب " و" التهذيب " وغيرهم: لو شرط الإمام على القاضي مذهبًا عينه .. بطلت الولاية، وهذا يقتضي بطلان الاستخلاف هناك، وفي " فتاوى القاضي حسين ": لو شرط أن لا يقضي بشاهد ويمين ولا على غائب .. صحت التولية ولغا الشرط؛ فيقضي باجتهاده، ومقتضاه: أن لا يراعي الشرط هناك، قال الماوردي: ولو لم يقع صيغة شرط؛ كوليتك فاحكم بمذهب الشافعي، أو لا تحكم به .. قال الماوردي: صح التقليد ولغا الأمر والنهي، وفيه احتمال، قال: ولو قال: لا تحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد .. جاز، وقد قصر عمله على باقي الحوادث، وحكى وجهين فيما لو قال: لا تقض فيهما بقصاص: أنه يلغو، أم يكون منعًا له من الحكم بالقصاص نفيًا وإثباتًا؟ انتهى 46.

الحديث: 5897 - الجزء: 3 - الصفحة: 545

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه يلغو، وإذا كان القاضي ألغا الشرط .. فإلغاء النهي أولى، قال: وتلخص من ذلك أن المعتمد في التولية بشرط أن يقضي بمذهب غيره: أن التقليد باطل، وأنه يلغو ما صدر من أمر ونهي مخالفين لعقيدة الحاكم.
5900 - قول " التنبيه " [ص 251]: (فإن تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء، فحكماه في مال .. ففيه قولان، أحدهما: أنه لا يلزم ذلك الحكم إلا أن يتراضيا به بعد الحكم، والثاني: يلزم بنفس الحكم) الأظهر: الثاني كما في " المنهاج "، فقال [ص 558]: (ولا يُشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) و" الحاوي " فقال [ص 667]: (والحكم على [التراضي] 47 برضاه الأول)، وهل يستثنى من ذلك: ما إذا كان لا يحكم لكل منهما كالأبعاض؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي عن السرخسي 48، وينبغي ترجيح المنع؛ لأنه لا يزيد على الحاكم بالولاية.
واستثنى من ذلك شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الوكيلين؛ فلا يكفي تحكيمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين، والوليين، فلا يكفي تحكيمهما إذا كان مذهب المحكم يضر بأحدهما، والمحجور عليه بالفلس، فلا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه، والمأذون له في التِّجارة وعامل القراض لا يكفي تحكيمهما، بل لا بد من رضا المالك، وإن كان هناك ديون .. فلا بد من رضا الغرماء، والمكاتب إذا كان مذهب المحكم يضر به .. لا بد من رضا السيد، والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك 49. وفي كلام " التنبيه " و" المنهاج " أمور: أحدها: أنه خرج بقول " التنبيه " [ص 251]: (رجلان) " والمنهاج " [ص 558]: (خصمان) التحكيم في التزويج فلا خصومة، وليس هناك إلا رجل واحد، وفي النص الذي حكاه يونس ابن عبد الأعلى ما يقتضي الاكتفاء بتحكيم المرأة من غير نظر إلى إدخال الزوج في التحكيم، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وكذا قال به جمع من الأصحاب، والأرجح: اعتبار إدخال الزوج في التحكيم؛ لأنه الذي يقبل، وهو ركن في النكاح، ولو كان الزوج سفيهًا .. فلابد من إذن وليه له في النكاح، والتحكيم من وليه، فإن صدر من السفيه بعد إذن الولي .. ففي الاكتفاء به تردد، والأرجح: المنع.
ثانيها: مقتضى تعبيرهما برجل: أنهما لو حكما رجلين .. لم يجز، وليس كذلك، بل يجوز كما هو مجزوم به في تحكيم أهل القلعة.

الحديث: 5900 - الجزء: 3 - الصفحة: 546

ثالثها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل الخلاف في غير النازلين من القلعة على حكم المحكم؛ فإنه إذا حكم بأمر .. لم يحتج بعد الحكم قطعًا، قال: ويستثنى منه أيضًا: اللعان، فإذا قلنا بدخول التحكيم فيه وهو الأظهر .. لم يشترط الرضا بعد صدور اللعان من الزوج قطعًا؛ لحصول الفرقة باللعان؛ ولهذا قال الماوردي: إذا قلنا: لابد من الرضا بعد الحكم .. لا يدخل التحكيم في اللعان.
رابعها: قال شيخنا أيضًا: من العراقيين من يحكي هذا الخلاف قولين، ومنهم من يحكيه وجهين، ولم أجد للشافعي ما يقتضي إثبات القولين، وقال الماوردي: إنه نص عليهما في اختلاف العراقيين 50، وليس كذلك؛ فالموجود في اختلاف العراقيين جواز هذا التحكيم وعدمه، لا اعتبار رضا جديد.
5901 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإن رجع فيه أحدهما قبل أن يحكم .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الأول، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 51. 5902 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإن تحاكما إليه في النكاح واللعان والقصاص وحد القذف .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: على القولين) الأصح: طريقة الخلاف، والأصح منه: الجواز في غير عقوبة لله تعالى من حد وتعزير، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 558]: (ولو حكم خصمان رجلًا في غير حد لله تعالى .. جاز مطلقًا) ثم قال: (وقيل: يختص بمال دون قصاص ونكاح ونحوهما)، والتقييد بغير حد الله تعالى ليس في " المحرر " 52، ولا بد منه، وكان ينبغي التعبير بالعقوبة كما عبرت به؛ ليتناول التعزير، ومسألة العقوبة واردة على إطلاق " الحاوي "، وطريقة القطع بالجواز غريبة ليست في الرافعي و" الروضة "، ونسبها في " الكفاية " عن حكاية ابن الصباغ وغيره عن الأكثرين، وأن النووي صححها، ولم يصحح إلا الجواز من حيث هو، وأما القطع به .. فلم يذكره، وظاهر كلامهم أن الخلاف جار في تعاطي ذلك وإثباته، وفرض ذلك في " الكفاية " في الإثبات، ثم قال: ولو كان الترافع في النكاح لأجل العقد .. فالأصح عند الروياني وغيره: الصحة مع القدرة على الحاكم، وصور الجيلي مسألة القصاص وحد القذف بما إذا طلب المستحق .. هل له إثباته بالبينة واستيفاؤه؟ والمصحح في " الروضة " وأصلها: أنه ليس للمحكم الحبس، بل غايته الإثبات والحكم 53، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 667]: (بلا حبس وعقوبة).

الحديث: 5901 - الجزء: 3 - الصفحة: 547

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضاه: أنه ليس له أن يوكل بالمستحق عليه من يلازمه، وصرح في " النهاية " عن والده الشيخ أبي محمد بأنه ليس إليه استيفاء العقوبات، وإنما إليه إثباتها؛ فإن إقامتها استقلالٌ عظيم وخرمٌ لأبهة الولاية، وصحح ما قاله والده 54، وتبعه عليه الغزالي 55، وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " قوله: (في غير حد لله تعالى) على ما إذا كان مستقلًا، فإن كان في ضمن تحكيم في حق آدمي .. تناوله حكم المحكم، قال: وذلك في صورتين: أحدهما: إذا حكم الزوجان في اللعان، فلاعن الزوج بأمر المحكم .. توجب حد الزنا على الزوجة ضمنًا، ولها رفعه باللعان، قال: وإنما قلنا هذا؛ لأنهم وجهوا منع التحكيم في العقوبة المتمحضة لحق الله تعالى بأنه لا طالب لها متعين، فيتعذر التحكيم فيها، وفي هذه الصورة الزوج طالب لنفي حد القذف عنه، والزوجة طالبة لحد القذف، فإذا لاعن .. سقط عنه حد القذف ووجب حد الزنا عليها؛ لصحة التحكيم من الزوجين في اللعان المتضمن لإثبات حد الزنا، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: ولو حكماه في أمر القذف، فأقام الزوج بنية بزناها .. سقط حد القذف عن الزوج، وفي وجوب حد الزنا عليها تردد؛ لتضمن اللعان إيجاب حد الزنا، وقد يسقط حد القذف ولا يجب حد الزنا.
الثانية: حكم السارق والمالك في المال المسروق، فأنكر ونكل وحلف المالك، وقلنا: يثبت القطع باليمين المردودة عند الحاكم .. فكذلك المحكم، ولو أقام بينة .. ففي ثبوت القطع تردد.
5903 - قول " المنهاج " [ص 558]: (وفي قول: لا يجوز) جرى على طريقة القولين، ولم يحك الرافعي غيرها، لكن طريقة العراقيين القطع في المال، وحكاها في " الكفاية " عن الجمهور، وعليها مشى " التنبيه "، فلم يحك خلافًا في التحكيم في المال، وإنما حكى الخلاف في أنه يلزم بنفس الحكم أم لا 56. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل هذا القول فيما إذا لم يكن أحد المحكمين الإمام والآخر منازعه في الإمامة .. فيجوز هنا التحكيم قولًا واحدًا؛ لإجماع الصحابة في قضية على ومعاوية رضي الله عنهم، وكذا لا خلاف في تحكيم الإمام وأهل قلعة من الكفار في نزولهم على حكم فلان، وكذا إذا خلا الزمان عن قيام الإمام بأحكام الإسلام فينفذ حكم المحكم قطعًا، ذكره الإمام في " الغياثي "، قال شيخنا: وينبغي هنا أن يستوفي العقوبات المتعلقة بالآدميين ويحبس في حقوقهم.

الحديث: 5903 - الجزء: 3 - الصفحة: 548

5904 - قوله: (ولا ينفذ حكمه إلا على راض به) 57 و" الحاوي " [ص 667]: (والحكم على الراضي) قال في " أصل الروضة ": قال السرخسي: وإنما يشترط رضا المتحاكمين إذا لم يكن أحدهما القاضي نفسه، فإن كان .. فهل يشترط رضا الآخر؛ فيه اختلاف نص، والمذهب: أنه لا يشترط، وليكن هذا مبنيًا على جواز الاستخلاف إن جاز؛ فالمرجوع إليه نائب القاضي 58. وقال ابن الرفعة: لا يحسن هذا البناء؛ فإن ابن الصباغ وغيره قالوا: إن التحاكم إلى الشخص لا يكون تولية.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج " وقضية هذا البحث: أنا إن لم نجوز الاستخلاف .. اشترط الرضا من الجانبين، وهو ظاهر، قال: وقضية ذلك: أن يشترط الرضا من الجانبين في التنازع مع الإمام في مال إذا جعلناه محكمًا من متنازعين ولم يجعله نائب الإمام، وقال الشيخ أبو حامد في تحاكم عمر وأبَيّ إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهم: فدل على أن حكمه لازم إجماعًا منهم على ذلك، وقال في " الشامل ": لا يصير برضا الإمام بحكمه حاكمًا.
5905 - قول " التنبيه " [ص 251]: (ويجوز أن يكون في البلد قاضيان وأكثر، ينظر كل واحد منهم في موضع) كذا لو اختص أحدهما بزمن أو نوع، ذكره " المنهاج "، قال [ص 558]: (وكذا إن لم يخص في الأصح، إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) وفيه أمور: أحدها: أن عبارة " المنهاج " [ص 558]: (ولو نصب قاضيين) فقد يفهم اختصاص ذلك باثنين، ورفع " التنبيه " هذا الإبهام بقوله: (وأكثر) ولكنه لم يذكر لذلك حدًا، وقد قال الماوردي: إن كثروا - يعني: والصورة إثبات الاستقلال لكل واحد - .. لم يصح جزمًا، ولم يحد الكثرة بشئ، وفي " المطلب " بعد حكايته لجواز أن يناط ذلك بقدر الحاجة .. وعندي أن يرجع في ذلك إلى العرف.
ثانيها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن ظاهره التخصيص بمكان الحكم، وهذا لا يخلص في الجزم بالجواز؛ لأنه إذا خصص مكان الحكم، ولكن عمم مكان الطلب .. فلا يجزم فيه بالجواز؛ لأن المعنى المذكور في توجيه المنع من تنازع الخصمين في اختيارهما وفي إجابة داعيهما موجود هنا، قال: فالصواب أن يقال: وخصص كلًا منهما بمكان حكمًا وطلبًا.
ثالثها: أن محل الخلاف: فيما إذا جعلهما أصلين، فإن جعل أحدهما .. أصلًا والآخر خليفة عنه .. جاز قطعًا؛ لأن المعنى المقتضي للمنع: تنازع الخصمين في اختيارهما وإجابة داعيهما، وهنا يجاب داعي الأصل كالإمام مع القاضي.

الحديث: 5904 - الجزء: 3 - الصفحة: 549

رابعها: أن تعبيره بالأصح يقتضي أنه وجه، وقد نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وقوة مقابله مع أنه ضعيف جدًا.
خامسها: دخل في قوله: (وكذا إن لم يخص) 59 قسمان: أحدهما: أن ينص على التعميم، ويثبت لكل منهما الاستقلال، وفيه الوجهان، والآخر: أن يطلق، فلا يشرط اجتماعًا ولا استقلالًا؛ فقال صاحب " التقريب ": يحمل على إثبات الاستقلال تنزيلًا للمطلق على ما يجوز، وقال غيره: التولية باطلة، قال النووي: الأول أصح، وبه قطع في " المحرر " 60. قال شيخنا ابن النقيب: وليس في " المحرر " إلا هذا الإطلاق الذي في " المنهاج "، فهو ظاهر في التعميم 61. وقال في " المهمات ": ما ذكره من قطع " المحرر " غلط، بل حكى وجهين.
قلت: لم يقل النووي أن " المحرر" قطع بالجواز، بل قال: إنه قطع بما قاله في " التقريب "، وهو إلحاق صورة الإطلاق بصورة إثبات الاستقلال، وتلك فيها وجهان؛ فهذه أيضًا كذلك، فلا إيراد عليه.
قال في " المهمات ": ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا قال الموصي: أوصي 62 إلى من شئت أو إلى فلان، ولم يقل: عني ولا عنك .. فصحح البغوي: أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصح، ولم ينزل المطلق على ما يجوز.
قلت: ويمكن الفرق: بأن الأصل منع وصاية الوصي إلا إن صرح الموصي بأن يوصي عنه، بخلاف تولية القضاء؛ فإنه جائز، والظاهر من اللفظ إرادة الاستقلال.
سادسها: ما ذكره من البطلان عند شرط اجتماعهما على الحكم قاله في " النهاية " 63، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه ليس بمعتمد، والذي نقوله أحد وجهين إما صحة التولية وإلغاء الشرط [وهو الأرجح] 64، وإما صحة الشرط ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه، وهو الذي في زوائد العمراني عن القاضي أبي حامد، وقال: إنهما يجريان مجرى القاضي الواحد؛ ويؤيده صورة النزول من القلعة على حكم اثنين؛ فإنه جائز، ولا يحكمان إلا بما يتفقان عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 550

فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

5906 - قول " المنهاج " [ص 558]: (جن قاضٍ، أو أغمي عليه، أو عَمِيَ، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلةٍ أو نسيان .. لم ينفذ حكمه) قد يُفْهِمُ بقاءه على ولايته وإن لم ينفذ حكمه؛ كمن هو في غير ولايته، وفائدته استمرار ثوابه، وليس كذلك، فلو قال: (انعزل) كما عبر به " الحاوي " 65 .. لكان أولى، وهذا هو مراده؛ لقوله بعده: (فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعد ولايته في الأصح) 66. ويستثنى من العمى: ما لو عمي بعد سماع البينة وتعديلها .. فالأصح: أنه ينفذ قضاؤه في تلك الواقعة إن لم يحتج إلى الإشارة، كما ذكره في " الروضة " في الشهادات 67، ولا يخفى أن تعبير " المنهاج " بذهاب أهلية اجتهاده ... إلى آخره، أعم من تعبير " الحاوي " عن ذلك بالنسيان.
5907 - قول " المنهاج " [ص 558]: (وكذا لو فسق في الأصح) نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في إثبات خلاف ذلك، وقال: لا يعرف في شيء من كتب الطريقين، وإنما حكى الإمام في " النهاية " عدم انعزاله عن بعض الأصوليين 68، قال: والصواب الذي يقتضيه كلام الشافعي رضي الله عنه وأصحابه: القطع بالانعزال بالفسق المنافي لابتداء الولاية.
5908 - قوله: (فإن زالت هذه الأحوال لم تعد ولايته في الأصح) 69 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله في غير المريض الذي حصل له ما يمنعه من الاجتهاد من غير حصول إغماء؛ فإنه وإن لم ينفذ حكمه فيه .. لا ينعزل إذا كان مرجو الزوال، فإذا زال المانع .. فولايته مستمرة قطعًا، ذكره الماوردي 70، وهو الصواب، ولا توقف فيه.
5909 - قوله: (وللإمام عزل قاض ظهر منه خللٌ، أو لم يظهر وهناك أفضل منه أو مثله وفي عزله به مصلحة كتسكين فتنة، وإلا .. فلا) 71 فيه أمور: أحدها: أن ذلك لا يختص بالإمام؛ فالقاضي مع نوابه كذلك؛ ولذلك لم يقيده " الحاوي "

الحديث: 5906 - الجزء: 3 - الصفحة: 551

بالإمام 72، وقال الماوردي: للقاضي عزل خليفته من غير موجب بناء على انعزاله بموته 73، وكذا قال السبكي في تصنيف له: له عزله لمصلحة وغيرها؛ لأنه يستعين به، ولو باشر الأحكام كلها بنفسه .. لجاز، فكيف يحجر عليه إذا استناب أن لا يعزل إلا لمصلحة، لكن الأولى أن لا يفعله إلا لمصلحة؛ لما فيه من كسر القلوب بغير فائدة، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا: خلاف ما ذكر الماوردي.
ثانيها: قد يفهم من قوله: (ظهر منه خلل) ثبوته، وليس كذلك؛ ففي " أصل الروضة " عن " الوسيط ": أنه يكفي فيه غلبة الظن 74، وجزم به في " الشرح الصغير "، وعبارة " الحاوي " [ص 659]: (ويُعزل بخلل).
ثالثها: محل جواز عزله بالخلل ما إذا كان غير متعين، فإن لم يصلح غيره .. لم يعزل بمجرد الخلل الذي لا يقتضي انعزاله، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: وهذا لا توقف فيه وإن لم يصرحوا به، ولكنهم ذكروا ما يقتضيه.
رابعها: قد يفهم أن قوله: (وفي عزله به مصلحة) أن يعود للصورتين قبله، وليس كذلك؛ فإنما يعود للثانية فقط، وهي ما إذا كان هناك مثله، وعبارة " الحاوي " صريحة في ذلك؛ لقوله [ص 659]: (وأصلح، ومصلحة) فعطفها عليها يقتضي أنها غيرها.
خامسها: أن عبارته تقتضي أنه لا يعزل بدونه إذا كان فيه مصلحة، وليس كذلك، بل المثل والدون في هذا سواء، وقد تناول الدون قول " الحاوي " [ص 659]: (ومصلحة).
سادسها: ذكر في " المحرر " في العزل بالمثل قيدًا آخر أسقطه " المنهاج "، وهو: أن لا يكون في عزله به فتنة 75، ولا يستغنى عنه بقوله: (وفي عزله به مصلحة) فقد يكون الشيء مصلحة من وجه ومفسدة من جهة أخرى.
5910 - قول " المنهاج " [ص 559]: (لكن ينفذ العزل في الأصح) و" الحاوي " [ص 659]: (ودونه نفذ) لا يخفى أن محله في غير المتعين، ثم في " النهاية " عن الأصحاب: أنه إن عزله بمن هو دونه .. لم ينفذ على ظاهر المذهب، أو بمن هو مثله .. فعلى قولين، كذا رتبه القاضي، وقال الإمام: الوجه القطع بنفوذه في كل صورة 76.

الحديث: 5910 - الجزء: 3 - الصفحة: 552

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وظهر بذلك أن الذي ذكره في " المنهاج " مخالف للطريقين معًا.
5911 - قول " المنهاج " [ص 559]: (والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله) يفهم انعزاله ببلوغ خبره، وبه صرح " الحاوي " 77، واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " ما إذا لم يبلغ نوابه خبر عزله .. فولايته مستمرة حكمًا، وإن كان لا ينفذ حكمه، ويستحق ما رتب له على الوظيفة لسدها بنائبه، قال: والقياس في عكسه: أن النائب لا ينعزل حتى يبلغ أصله خبر العزل، وينفذ حكمه كما ينفذ حكم أصله، قال: ولم أر من تعرض له.
5912 - قول " المنهاج " [ص 559]: (وإذا كتب الإمام إليه: " إذا قرأت كتابي .. فأنت معزول "، فقرأه .. انعزل) لا يتوقف ذلك على القراءة الحقيقية، فلو تأمله وعرف ما فيه .. انعزل، وفي " النهاية " في الطلاق: لم يختلف علماؤنا أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه .. أنه يقع الطلاق وإن لم تتلفظ بشيء 78. 5913 - قوله: (وكذا إن قُرئ عليه في الأصح) 79 مخالف لنظيره في الطلاق، قال في " المهمات ": والصواب التسوية بين البابين، وعدم الاكتفاء بها.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": العزل بذلك قاله الصيدلاني، وفرق بينه وبين الطلاق: بأن تفاصيل الصفات مرعية في تعليق الطلاق، وأمر العزل يُرعى فيه الإعلام، ولا يرد على دقائق الصفات، ولو راعى الإمام غير الإعلام .. لكان في مقام [العابث] 80، قال الإمام: وهو حسن، ولكن اتفق الأصحاب على التسوية بين هذا وبين الطلاق في الوفاق والخلاف 81. 5914 - قوله: (وينعزل بموت القاضي وانعزاله مَنْ أُذِنَ له في شغلٍ معينٍ كبيع مال [يتيم]) 82 83، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن كان له يتيم .. فهذا قيم يتيم، وقيم اليتيم لا ينعزل بموت القاضي ولا بانعزاله كما سيأتي.
قلت: قيم اليتيم متصرف في جميع أموره، وهذا مأذون له في قضية خاصة، وهي البيع، فلم يجعله القاضي قيمه، وإنما استعان به في أمر مخصوص، والله أعلم.

الحديث: 5911 - الجزء: 3 - الصفحة: 553

5915 - قول " المنهاج " [ص 559]: (والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في الاستخلاف، أو قيل له: " استخلف عن نفسك "، أو أطلق، فإن قيل له: " استخلف عني " .. فلا) و" الحاوي " [ص 659]: (وبنعزل ونائبه، لا العام عن الإمام) ما ذكراه في حالة الإطلاق مخالف ما صححاه في نظيره من الوكالة من أنه يكون نائبًا عن الأول حتى لا ينعزل بعزل الثاني.
قال في " المهمات ": ولعل العكس أقرب، لكن حكيا عن تصحيح البغوي فيما لو قال الموصي للوصي: أوص، وأطلق .. أنه كما لو قال: (عنك) حتى لا يصح، وصححا فيما لو قال: أعتق عبدك على ألف .. أنه كما لو قال: (عن نفسك).
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن التفصيل المذكور هنا لا يعرف في شيء من كتب المذهب، إلا في كلام البغوي والخوارزمي، قال: والأرجح عندنا: ما حكاه الشيخ أبو حامد عن عامة أصحابنا: بأنه لا ينعزل مطلقًا كالإمام إذا مات.
وفي " أصل الروضة " عن السرخسي: أن الإمام لو نصب نائبًا عن القاضي .. لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون له من جهة الإمام، قال الرافعي: ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيدًا بالنيابة ولم يبق الأصل .. لم يبق النائب.
انتهى 84. ويوافق هذا البحث حكاية الماوردي وجهين في أنه هل للقاضي عزل هذا الذي استنابه الإمام عن القاضي؟ فإنه متى كان له عزله .. انعزل بموته 85. 5916 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولا ينعزل قاضٍ بموت الإمام) زاد " الحاوي " [ص 659]: (وانعزاله) واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا أقامه قاضيًا ليحكم بين الإمام وبين خصمائه .. فإنه ينعزل بموت الإمام؛ لزوال المعنى المقتضي لذلك، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح.
قلت: ليس هذا قاضيًا عامًا، وإنما هو مأذون له في شغل معين، فينعزل بموته، ولو لم يتعذر ذلك الشغل، فكيف وقد تعذر بموت أحد الخصمين، والله أعلم.
5917 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولا يقبل قوله بعد انعزاله: " حكمت بكذا ") فيه أمران: أحدهما: يستثنى منه: ما إذا انعزل بالعمى .. فتقدم إن له إنشاء الحكم إذا استوفى الشروط قبله، ولم يحتج لإشارة؛ فالإقرار به أولى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم من أر من تعرض له، وهو فقه دقيق.

الحديث: 5915 - الجزء: 3 - الصفحة: 554

ثانيهما: في معنى قوله: (حكمت بكذا) ثبت عندي كذا، وعقدت نكاح فلانة على فلان، وبعت كذا على محجوري بالحكم، فلو قال: (صرفت مال الوقف لجهته العامة، أو في عمارته التي تقتضيها الحال) .. قبل قوله بلا يمين، ولو قال: المال الذي في يد هذا الأمين سلمته له زمن قضائي، وهو لزيد، وصدقه الأمين على أنه تسلمه منه، وادعى أنه لعمرو .. فالقول قول القاضي بلا يمين، وهل يغرم الأمين لعمرو؟ فيه وجهان، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح: أنه لا يغرم له شيئًا، ولو لم يصدقه الأمين في تسلمه منه فالقول قول الأمين.
5918 - قوله: (فإن شهد مع آخر بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) 86 و" الحاوي " [ص 660]: (ويشهد بشاهدٍ إن قضى به قاضٍ) محله: ما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه؛ فإن للرافعي احتمالين في أن الخلاف فيما إذا لم يعلم القاضي أنه يعني نفسه، فإن علم .. فهو كما لو أضاف إلى نفسه، أو الخلاف فيما إذا علم، وإلا .. قبل قطعًا، وصحح النووي: الأول 87. لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": قد يظهر أن الثاني أرجح؛ لأن القاضي إذا علم .. جاز الوجهان في الرد وعدمه، فإذا لم يعلم .. فالقبول مقطوع به؛ إذ لا خلل في لفظ الشاهد ولا في علم القاضي.
انتهى.
وفي " المهمات ": أن الاحتمال الثاني لا يتصور هنا؛ لأنه علل المنع؛ فإنه قد يريد نفسه، ولو كان محلهما: ما إذا علم .. لم يصح هذا التعليل؛ لأنه تعليل لمحل النزاع، ثم قال: إن كلام الأصحاب يدل على الاحتمال الثاني؛ فإن الإمام علل وجه المنع بأن الظاهر أنه يعني نفسه 88، وعلله الماوردي بجواز أن يكون هو الحاكم به 89، وعلل البغوي القبول بأن الظاهر أنه يريد حكم غيره 90، ويوافقه قوله في " فتاويه " فيما لو باع دارًا، فغصبت من المشتري، فشهد له البائع بالملك .. يقبل، ولا يرد القاضي شهادته بعلمه أنه باعها كما لا ترد شهادة من علم أنه شهد بالملك بظاهر اليد، وإن كان لو صرح لم يقبل، فلو صرح الشاهد الآخر بأن المعزول حكم به .. قبل على الاحتمال الثاني؛ لأنا لا نعتني تفريعًا عليه إلا بتصحيح الصيغة، قاله الرافعي 91. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الشهادة على حاكم واحد لم يتم النصاب

الحديث: 5918 - الجزء: 3 - الصفحة: 555

فيها، ولو علم القاضي أن المعزول يريد نفسه .. فليس قاطعًا بذلك عند أداء الشهادة؛ لجواز أن يريد غيره، فلم تتفق الشاهادتان على حاكم واحد تعين في أداء شهادتهما وَحْدَتُه.
5919 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولو ادعى شخصٌ على معزولٍ أنه أخذ ماله برشوةٍ أو شهادة عبدين مثلًا .. احضر وفُصِلَتْ خصومتهما) و " التنبيه " [ص 253، 254]: (فإن ادعى عليه مالًا غصبه أو رشوة أخذها على حكم .. أحضره) فيه أمران: أحدهما: قد يفهم تعين إحضاره، وليس كذلك، فله إرسال وكيله، ذكره في " المطلب "، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو واضح؛ لأن في إحضاره من [الإهانة] 92 ما لا يستحقه بمجرد الدعوى.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: مقتضاه: أنه يحلفه هنا بلا خلاف، بخلاف الصورة التي ستأتي بعدها، وليس كذلك؛ فقد قال القاضي أبو الطيب: إن فيها الخلاف الآتي بعدها، وبه جزم ابن الصباغ، فقال: كان القول قول المعزول بلا يمين.
5920 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال: " حكم عليّ بشهادة فاسقين أو عبدين " .. فقد قيل: يحضره، وقيل: لا يحضره حتى يقيم المدعي بينة أنه حكم عليه) فيه أمور: أحدها: محل الخلاف: ما إذا لم يذكر مالًا، وقد قيده به " المنهاج " 93، فإن ادعى أنه أخذه منه بشهادتهما ودفعه إلى فلان .. أحضره قطعًا.
ثانيها: الأصح في " المنهاج " و" التصحيح " الأول 94، وكذا صححه في " أصل الروضة " 95، مع أن الرافعي إنما نقل تصحيحه في " الشرح " عن الروياني وغيره، وتصحيح مقابله عن البغوي 96، وكلامه في " الشرح الصغير " يقتضي ترجيح الثاني؛ فإنه اقتصر على حكاية ترجيحه عن البغوي، ولم ينقل ترجيح الأول عن أحد، وكذا قال في " المحرر " عن الثاني: رجحه مرجحون 97. قال في " الدقائق ": وليس ما في " المنهاج " مخالفًا لما في " المحرر " لأنه لا يمنع أن الأول رجحه آخرون أو الأ كثرون، قال: وقد صحح هو الأول في "الشرح " وصححه آخرون.
انتهى 98.

الحديث: 5919 - الجزء: 3 - الصفحة: 556

وقد عرفت أنه لم يصححه في " الشرح "، وإنما حكى تصحيحه عن الروياني وغيره مع نقل تصحيح مقابله عن البغوي، وعادته في " المحرر " إذا اقتصر على حكاية ترجيح أحد الوجهين ولو مبهمًا بقوله: (رجح) .. اعتمد في " المنهاج " ترجيحه، فما باله خالف هنا عادته.
وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": إن اقتضى ما في " المحرر " عكس ما صححه في " المنهاج " .. فالمخالفة واضحة، وإن لم يقتض تصحيحه من غير تنبيه عليه.
وقال في " التوشيح ": هذا الثاني هو الذي ظهر من كلام الوالد رحمه الله تعالى ترجيحه، ذكره في كتاب التعريف.
ثالثها: ليس المراد على الوجه الثاني: أن البينة تقام في غيبته ويحكم بها، بل المراد: أن لا يحضره إلا بعد التثبت؛ بأن يقيم بينة بعلم القاضي بها أن لدعواه حقيقة، فإذا حضر وادعى عليه .. شهدوا في وجهه.
5921 - قول " التنبيه " [ص 254]: (فإن حضر وقال: " حكمت عليه بشهادة حرين عدلين " .. فالقول قوله مع يمينه، وقيل: القول قوله من غير يمين، والأول أصح) كذا صححه في " المنهاج " من زيادته 99، ولم يصرح في " الروضة " بتصحيح، وعبارته: صدق بيمينه على الأصح عند العراقيين والروياني كالمودع وسائر الأمناء، وقيل: يصدق بلا يمين، وبه قال ابن القاص والإصطخري وصاحب " التقريب " والماوردي، وصححه الشيخ أبو عاصم والبغوي 100. وحكى النشائي في " نكته ": أن الرافعي قال: والأحسن ما صححه الشيخ أبو عاصم ... إلى آخره 101، وهو تحريف، وإنما قال: وهذا أحسن وأصح عند الشيخ أبي عاصم ... إلى آخر كلامه 102، فأسقط في " الروضة " لفظة (أحسن)، وفهم في " المهمات " أن قوله: إنه أحسن من عند الرافعي غير منقول عن أبي عاصم؛ ولذلك اقتصر عليه في " الشرح الصغير " و" المحرر " فقال: أحسنهما بلا يمين 103، ولم يذكر فيهما ترجيح غيره عن أحد، ويوافقه كلام " أصل الروضة " في الباب الثالث من الدعوى والبينات 104، وحكى في " التوشيح " عن والده: أنه صححه، وعليه مشى " الحاوي " فقال فيمن لا يحلف [ص 687]: (والقاضي وإن عُزِلَ).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأصح المعتمد؛ فإن منصب القضاء والشهادات شرع

الحديث: 5921 - الجزء: 3 - الصفحة: 557

للمصلحة العامة، فلا يليق بمن يقوم به تحليفه فيما يتعلق به؛ لئلا يؤدي إلى الرغبة عنه؛ ولهذا لا يحلف المتولي كما سيأتي، ثم نازع شيخنا في نسبة تصحيح التحليف للعراقيين؛ بأن صاحب " الشامل " حكى الوجهين بلا ترجيح، وجزم فيما إذا قال المدعي: أخرج عقارًا أو عينًا من يدي دفعها لفلان بغير حق، فقال المعزول: فعلت هذا بحق من بينة أو إقرار .. أن القول قول المعزول بلا يمين.
5922 - قول " المنهاج " [ص 559]: (ولو ادُّعِيَ على قاضٍ جورٌ في حكمٍ .. لم تسمع، وتشترط بينة) علله الرافعي وغيره: بأن هذا الباب لو فتح .. لاشتد الأمر، ورغب القضاة والشهود عن القضاء والشهادة 105. وعلله السبكي: بأن القاضي نائب الشرع، والدعوى على النائب كالدعوى على المستنيب، والدعوى على الشرع لا تسمع، فإن فرض قيام بينة عادلة .. فقد خرج عن نيابة الشرع، فتسمع إذ ذاك، قال: وهذه العلة ترد على الشيخ أبي حامد قوله: إن قياس المذهب: تحليف القاضي كسائر الأمناء، فيقال: الفرق بينه وبينهم أنه أمين الشرع، بخلافهم.
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن محل عدم إحضاره عند فقد البينة: إذا لم يكن المشكو إليه الإمام .. فللإمام إحضاره إن رأى ذلك؛ لأنه ليس نقصًا في حقه، قال: وكذا نائب الإمام العام، فأما قاض مثله .. فليس له ذلك، إلا إذا اشتهر جور ذلك القاضي .. فيستغنى بذلك عن البينة.
5923 - قوله: (وإن لم تتعلق بحكمه .. حَكَمَ بينهما خليفته أو غيره) 106 قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى بما لا يقدح فيه، ولا يخل بمنصبه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح .. فالقطع بأنها لا تسمع، ولا يحلف، ولا طريق للمدعي حينئذ إلا البينة، قال: ولا يعارض قولهم بسماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأمرين: أحدها: أن الإتلاف والغصب قد يكون بغير تعمد للباطل، فليس بقادح.
والثاني: أنه بعد العزل، وكلامنا هنا في حال الولاية، فالمتولي نائب الشرع، والمعزول ليس نائب الشرع الآن، قال: وسواء كانت الدعوى تتعلق بالحكم أم خارجة عنه .. فإن يده يد الشرع، ثم قال: بل أقول: سواء أكان يقدح فيه أم لا يقدح .. ينبغي أن يصان منصبه عن الابتذال بالدعوى والتحليف ما لم يظهر للقاضي عنده صحة دعوى المدعي، ومتى لم يظهر .. يبنى الأمر على الظاهر، ومتى ثبت عنده من أمانته، قال: بل أقول: كل من ثبتت عدالته وادعي عليه بدعوى ..

الحديث: 5922 - الجزء: 3 - الصفحة: 558

ينبغي للقاضي أن ينظر فيها، وفي إنكار ذلك العدل لها، فإن كان يمكن أن تكون عن سهو وغفلة أو اجتهاد وتأويل ونحوه بحيث لا يخل بعدالته .. فيسمعها ويفصلها بيمين أو ببينة كغيرها، إلا أن يظهر له من المدعي تعنت .. فيدفعه، وإن كان إنكاره لا يمكن أن يكون إلا قادحًا فيه .. فينبغي أن لا تسمع دعوى المدعي وطلبه تحليفه إلا أن يأتي ببينة، وذلك لأن ما يدعيه والحالة هذه مخالف لما ثبت من عدالته، وله طريق وهو البينة، ولم يقم لنا دليل من الشرع على أن كل دعوى مسموعة، بل على أن الناس لو أعطوا بدعواهم .. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
ومعنى هذا: دفع أن يعطى الناس بدعواهم، وإنما يعطى المدعي حيث يعطى بالبينة أو بإقرار المدعى عليه، وإن لم يكن كذلك .. فلا يعطى ويحلف المدعى عليه حيث تسمع دعوى المدعي، وأما متى تسمع؛ فليس في اللفظ تعرض لبيان، وهو مفوض إلى رأي القاضي، فإن رآها محتملة .. سمعها، أو مستحيلة .. ردها، وقد تختلف حال احتمالها، وهو مفوض إلى اجتهاده، وقد يستوي الأمران عنده .. فيسمعها بشروطها على من يسوغ سماع الدعوى عليه، وعند قوة كذبه ينبغي ألا يسمعها؛ فليس في الشرع ما يوجب سماع كل دعوى، ألا ترى أن في القسامة لما قوي جانب المدعي في اللوث .. كانت اليمين في جانبه، وترجح على جانب المدعى عليه؛ فلذلك إذا قوي جانب المدعى عليه .. ينبغي أن تندفع عنه اليمين حتى تقوم بينة تكون الحجة فيها أقوى من ظاهر حاله؛ فباب القسامة فتح لنا اعتماد الظنون.
انتهى.

فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

5924 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وإذا ولى الإمام رجلًا .. كتب له العهد) و" المنهاج " [ص 560]: (ليكتب الإمام لمن يوليه) قد يفهم وجوبه، وليس كذلك، بل هو استحباب صرح بذلك جمع من الأصحاب، ولا خلاف فيه، قاله شيخنا في " تصحيح المنهاج "؛ ولهذا لم يذكره " الحاوي "، ولا يختص ذلك بالإمام؛ فقاضي الإقليم إذا ولى نائبًا في عمل من إقليمه .. يستحب أن يكتب له تقليدًا بما فوضه إليه وبما يشترطه عليه.
5925 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وأشهد على التولية شاهدين) أحسن من قول " المنهاج " [ص 560]: (ويُشهد بالكتاب شاهدين) لأن الاعتماد على التولية دون الكتاب، قال الأصحاب: ليس هذا على قواعد الشهادات؛ إذ ليس هناك قاض يؤدي عنده الشهادة، قاله في " أصل الروضة " 107.

الحديث: 5924 - الجزء: 3 - الصفحة: 559

وفي كلام الماوردي: أن الشاهدين يشهدان عند أهل البلد بالولاية، وأقام صاحب " المطلب " هذين الكلامين وجهين.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه إذا كان المدار على الإخبار، وأنه ليس على قواعد الشهادات .. فينبغي أن يكتفى بواحد؛ لأن هذا من باب الخبر، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5926 - قول " التنبيه " [ص 251]: (وقيل: إن كان البلد قريبًا بحيث يتصل به الخبر .. لم يلزمه الإشهاد) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 560]: (وتكفي الاستفاضة في الأصح) وظاهره تبعًا " للمحرر " الاكتفاء بها ولو كان البلد بعيدًا 108، لكن رجح في " الروضة " وأصلها: أن ذلك في البلد القريب، ثم قال: ومن الأصحاب من أطلقهما ولم يفرق بين القريب والبعيد، قال ويشبه أن لا يكون خلاف ويكون التعويل على الاستفاضة 109. ومشى " الحاوي " على الإطلاق كما سنحكي عبارته، وظاهر قول " التنبيه " [ص 251]: الم يلزمه الإشهاد) لزوم الإشهاد في غير هذه الصورة، وليس كذلك، وإنما المراد توقف الثبوت على الإشهاد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 659]: (ويثبت بشاهدين أو شهرةٍ) وظاهره انحصار ثبوته في ذلك، وعليه يدل قول "المنهاج " [ص 560]: (لا مجرد كتاب على المذهب) وأراد به: القطع بذلك؛ فإن عبارة "الروضة": هو المذهب والمفهوم من كلام الجمهور، وذكر الغزالي فيه وجهين 110. وهذه الطريقة هي التي في " المحرر " فقال: (فيه وجهان)، أظهرهما: لا 111. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أن الخلاف في مجرد الكتاب، وليس كذلك، بل الخلاف في الكتاب مع قول المتولي وظهور مخايل الصدق، وهو مقتضى نصوص الشافعي، بل نصه في " الرسالة " في تثبيت خبر الواحد يقتضي الاكتفاء بقول من تولى العمل إذا كان معروفًا بالصدق عند أهل عمله 112. 5927 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) زاد " التنبيه " [ص 251]: (قبل دخوله) وفي " الروضة ": إذا أراد الخروج إلى بلد قضائه .. سأل، فإن لم يتيسر .. ففي الطريق، فإن لم يتيسر .. فحين يدخل 113.

الحديث: 5926 - الجزء: 3 - الصفحة: 560

5928 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويدخل يوم الإثنين) عبارة " التنبيه " [ص 251]: (والمستحب أن يدخل صبيحة يوم الإثنين) فزاد دخوله صبيحته، قال: (وإن فاته .. دخل السبت أو الخميس) 114، وعبارة " الروضة ": قال الأصحاب: فإن تعسر يوم الاثنين .. فالخميس، وإلا .. فالسبت 115. فبيّن تقديم الخميس على السبت.
5929 - قولهم - والعبارة " للتنبيه " -: (وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين) 116 قال الإمام: إنه على وجه الوجوب 117، وفي الرافعي في أواخر الآداب: إنه سنة 118، ولو قال " التنبيه ": (المحبوسين) .. لكان أولى من المحبسين، وأفصح.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومحله: ما إذا لم يكن هناك أمر أهم منه؛ كالنظر في المحاجير الجائعين الذين تحت نظره، وما أشرف على الهلاك من الحيوانات في التركات وغيرها، وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه ونحو ذلك 119، وذكر الماوردي: أنه قبل النظر في المحبسين يتسلم المحاضر والسجلات من القاضي المنصرف، وأموال الأيتام والضوال والوقوف، والذي ذكرناه أهم وأولى.
انتهى 120. 5930 - قول " التنبيه " [ص 253]: (فمن حبس بحق .. رده إلى الحبس) و" المنهاج " [ص 560]: (فمن قال: " حبست بحق " .. أدامه) ليس على إطلاقه، بل إن كان حدًا .. أقامه، وأطلقه، وإن كان مالًا .. أمر بأدائه، فإن ادعى الإعسار .. فعلى ما سبق في التفليس، فإن لم يؤد ولم يثبت إعساره .. رد إلى الحبس، وإن أدى أو ثبت إعساره ... نؤدي عليه؛ لاحتمال خصم آخر، فإن لم يحضر أحد .. أطلق.
ولا إيراد على " المحرر " لأنه عبر بقوله: (أمضي الحكم عليه) 121، وهو صادق بما فصلناه.
ويستثنى من ذلك: ما إذا حبس تعزيرًا ورأى القاضي إطلاقه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 660]: (وللتعزير إن رأى) وفيه تقييد لإطلاق الغزالي إطلاقه؛ فإن الرافعي قال بعد نقله عنه:

الحديث: 5928 - الجزء: 3 - الصفحة: 561

وأن معظم الكتب ساكتة عنه، ولو بانت [خيانته] 122 عند الثاني ورأى إدامة حبسه .. فالقياس: الجواز 123. وفي " الكفاية " عن " الحاوي " و" البحر ": لو قال: حبسني تعزيرًا للرد كان مني .. فقد استوفى حبس التعزير بعزل الأول، وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول؛ لأن الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره 124، وحكاه في " المهمات " عن " المحيط " لمحمد بن يحيى.
5931 - قول " المنهاج " [ص 560]: (أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) أورد عليه: أنها عبارة غير مستقيمة، ولا مطابقة " للمحرر " فإن الذي فيه إنما هو فيما إذا قال: حبست ظلمًا 125، وكذا قال في " الحاوي " [ص 660]: (وعلى خصم زاعم الظلم الحجة) ولما عبر " التنبيه " [ص 253] بقوله: (ومن حبس بغير حق) .. قال: (خلاه)، وكيف يستقيم مع الجزم بأنه محبوس ظلمًا أن يقول لخصمه: أقم حجة بما عرفنا أنه ظلم والقاضي لا يقضي بخلاف علمه؟ وإنما يستقيم هذا الحكم - وهو إلزام خصمه الحجة - إذا كان هو القائل: حبس ظلمًا، وخصمه ينازعه.
كذا أورد.
والحق أنه لا يرد؛ لأن قول " المنهاج ": (ظلمًا) هو معمول قول المحبوس: (حبست) فهو في ذلك " كالمحرر " و" الحاوي ". ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في هذا الحكم، وقال: إنه ممنوع؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي وخصمه هو المدعى عليه؛ فالقول قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وقد اعترف المحبوس بها، وهي أن الحاكم حبسه، وقد جزم الفوراني بأنه لا يقبل قوله، وقال الماوردي فيما إذا ادعى أن الحاكم حبسه بغير حق لغير خصم: إن شهدت بينة بأنه حبس بحق .. عزر في جرحه لحابسه، أو ظلمًا .. نادى ثلاثًا في حضور خصم إن كان له، وأطلق بعد الثلاث إن لم يحضر، وإن لم تقم بينةٌ بأحدهما .. أعاده إلى الحبس حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، وطالبه بكفيل بنفسه ثم أطلقه، ثم قال: فإن قيل: فالكفالة في النفس لا تصح إلا فيمن ثبت عليه حق قبل الحبس من جملة الحقوق، فإن عدم كفيلًا .. استظهر في بقاء حبسه على طلب كفيل، ثم أطلقه عند إعوازه، وهو غاية ما يقدر عليه القاضي من استظهاره 126، قال شيخنا: والذي أوقع الرافعي في جزمه بهذا الحكم المخالف

الحديث: 5931 - الجزء: 3 - الصفحة: 562

للقواعد والشواهد كلام الغزالي تبعًا لإمامه، قال: والذي عندنا في ذلك أنه إن قال: حبست لغير خصم، فحضر رجل وقال: أنا خصمه، فأنكره .. اتجه أن القول قول المحبوس بيمينه، وعلى خصمه الحجة، وبهذا صوره ابن الصباغ وطائفة، وإن قال: حبست لفلان بغير حق .. فلا سبيل هنا إلى تصديق المحبوس بيمينه، وتكليف خصمه الحجة.
انتهى.
وقال الرافعي في قول " الوجيز ": (فيطلق كل من حبس بظلم) فإن المراد منه: إذا اعترف الخصم بأنه ظلمه، أو كان القاضي عالمًا وقلنا: يقضي بعلمه، فأما إذا قال المحبوس: أنا مظلوم .. فهو مذكور من بعد 127. قال في " المهمات ": وتخريجه الإطلاق من الحبس عند علم القاضي بالظلم على القضاء بالعلم باطل؛ فإنه ذكر بعد هذا أن القاضي لا يقضي بخلاف علمه بالإجماع، فلو رده إلى الحبس حتى يؤدي الحق المدعى به .. لكان قاضيًا بخلاف ما يعلمه.
5932 - قول " المنهاج " [ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 660]: (فإن كان غائبًا .. كتب إليه ليحضر) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أطلق إحضار هذا الغائب ولو بمسافة القصر فما فوقها بقضية لم يتوجه عليه فيها طلب وتعطل عليه أحواله وينفق فيها أمواله، وقد اعترف المحبوس أن القاضي حبسه للمذكور وإجابته إلى إحضاره من العجائب أن يصير المطلوب المحبوس طالبًا لمن له الحق عليه بمقتضى الظاهر من حبس القاضي المنصرف، وليس في الشريعة ما يشهد لهذا.
قلت: ليس المراد إلزامه بالحضور، بل إعلامه بذلك؛ ليلحن بحجته في إدامة حبس المحبوس إن كانت له بذلك حجة.
وعبارة " أصل الروضة ": وإن ذكر خصمًا غائبًا .. فقد قيل: يطلق قطعًا، والأصح: أنه على وجهين، فإن قلنا: لا يطلق .. حبس، أو يؤخذ منه كفيل ويكتب إلى خصمه في الحضور، وإن لم يفعل .. أطلق حينئذ.
انتهى 128. وليس فيه تصريح بترجيح، لكن في بعض النسخ: على الوجهين؛ أي: فيما إذا كان خصمه ظاهرًا، ومقتضاه: تصحيح أنه لا يطلق كالحاضر، وعبارة الرافعي: فإن قلنا: يطلق .. فيحبس، أو يؤخذ منه كفيل، فذكر الكفيل تفريعًا على الإطلاق، ولم يخير بينه وبين الحبس تفريعًا على عدمه 129، فعبارة " الروضة " في ذلك غير مطابقة له.

الحديث: 5932 - الجزء: 3 - الصفحة: 563

5933 - قول " الحاوي " [ص 660]: (ونودي إن زعم الجهل، فإن لم يحضر .. أطلق) أي: بعد تحليفه على ما ادعاه؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 253]: (ومن ادعى أنه حبس بغير خصم .. نادى عليه ثم يحلفه ويخليه) وظاهر كلامهما الاكتفاء بالنداء ساعة، وفي " تعليق القاضي الحسين ": نادى عليه ساعة أو ساعتين، وفي " الكفاية " عن " البحر ": ثلاثة أيام 130، وكذا في " الحاوي " للماوردي 131، ولم يتعرض الرافعي لقدر مدة النداء.
قال في " الوسيط " تبعًا للإمام: وفي مدة النداء لا يحبس ولا يخلى بالكلية، بل يرتقب 132. 5934 - قول " المنهاج " [ص 560]: (فمن ادعى وصاية .. سأل عنها وعن حاله وتصرفه، فمن وجده فاسقًا .. أخذ منه المال) يفهم أنه لا يأخذ منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين حكاهما في " الروضة " وأصلها بلا ترجيح 133. وقال في " التوشيح ": الأرجح في النظر، وهو ما كتب لشاهده من صنيع الشيخ الإمام الانتزاع.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح عندنا: أنه ينتزعه منه، قال: ومحل [الوجهين] 134 ما إذا لم تثبت عدالته عند الأول، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا، بخلاف ما إذا عدل الشاهد ثم شهد في واقعة أخرى بحيث طال الزمان .. فرجح في " الروضة " وأصلها: الاحتياج إلى الاستزكاء؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال 135، والفرق: أن الوصاية قضية واحدة، وقد ثبت الحال فيها، فلا يتكرر، ولو كلفنا الوصي ذلك ... لأضررنا المحجور عليه باشتغال الوصي عنه بإثبات عدالته، ولا كذلك الشاهد 136، قال: وبذلك صرح ابن الصباغ، وإن أوهم تعبير " الروضة " وأصلها خلافه.
5935 - قوله: (أو ضعيفًا .. عضده بمعين) 137 كذا لو كان المال كثيرًا لا يمكن الواحد حفظه والتصرف فيه، وهو راجع إلى الضعف؛ فقد يكون سببه عجز الإنسان في نفسه، وقد يكون سببه كثرة المال.

الحديث: 5933 - الجزء: 3 - الصفحة: 564

5936 - قوله: (ويتخذ مزكيًا) 138 لو قال: (مزكيين) كما في " الحاوي " 139 .. لكان أولى؛ فإنه لا يكتفى بواحد إلا إن نصب حاكمًا في الجرح والتعديل، وعبارة " التنبيه " [ص 252]: (ويتخذ قومًا من أصحاب المسائل ... إلى أخر كلامه)، وعبارة " الروضة ": ينبغي أن يكون للقاضي مزكون وأصحاب مسائل، فالمزكون المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود، وأصحاب المسائل هم الذين يبعثهم إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا، وربما فسر أصحاب المسائل في لفظ الشافعي بالمزكين 140. 5937 - قول " المنهاج " [ص 560] و" الحاوي " [ص 660]: (وكاتبًا) قيده " التنبيه " بالاحتياج لذلك 141، ومحل استحبابه: إذا لم يطلب الكاتب أجرة أو كان رزقه من بيت المال، فإن طلبها ولا رزق له عليه .. لا يعين كاتبًا.
5938 - قول " التنبيه " [ص 252]: (استحب أن يكون مسلمًا، عاقلًا، عدلًا، فقيهًا) الإسلام والعدالة شرطان، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 560]: (ويشترط كونه مسلمًا، عدلًا) و" الحاوي " فقال [ص 660]: (مسلمًا عدلًا شرطًا) مع أن ذكر العدالة يغني عن الإسلام؛ فلا عدالة مع الكفر.
وقولهم: (إن الكافر قد يكون عدلًا في دينه) تجوّز، وعلامة المجاز فيه لزوم التقييد، والمراد بالعقل: وفوره، لا مطلقه، كما صرح به " المنهاج ". ويشترط أيضًا كونه عارفًا بكتابة محاضر وسجلات، ذكره " المنهاج " 142، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مخالف لظاهر النص، ولكلام جمع من الأصحاب، وللمعنى؛ فإنه يكتب ما يمليه القاضي، فلا يشترط فيه ذلك؛ لإمكان أن يكون بإملاء الحاكم أو غيره أو نقل من نسخه، والقاضي لا بد له من الإطلاع عليه.
انتهى.
ولذلك لم يذكره " الحاوي " أيضًا، وحمل عليه البارزي قوله: فقيهًا، ففسره بمعرفة ما يكتب، ولا يطابق مع ذلك كلام الرافعي؛ لأن ذلك شرط عنده، وإنما ذكره " الحاوي " في المستحبات، وقال بعضهم: إن اشتراط ذلك مأخوذ من تسميته كاتبًا، وفيه نظر، واشترط الماوردي والروياني الحرية، وقد يفهم ذلك من اشتراط العدالة 143، ويوافقه قول الشافعي رضي الله

الحديث: 5936 - الجزء: 3 - الصفحة: 565

عنه في " الأم ": (ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ كاتبًا لأمور الناس حتى يَجْمَعَ أن يكون عدلًا جائز الشهادة) ثم قال: (فإن كتب له عنده في حاجة نفسه وضيعته دون أمر المسلمين .. فلا بأس) 144. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعد حكاية ذلك.
ولكن المعنى القوي يقتضي جواز اتخاذ العبد كاتبًا إذا كان مسلما عدلًا؛ لأنه لا يؤدي شهادة، فاعتبار الحرية فيه بعيد.
قلت: المعتاد في المسجل على القاضي أن يشهد عليه بما تضمنه الإسجال؛ ليؤدي ذلك عند قاض آخر إذا احتاج إليه، فمن هنا اعتبرت الحرية؛ لأن شهادة العبد غير مقبولة، والله أعلم.
5939 - قول " الحاوي " [ص 661]: (ومترجمين) أحسن من قول " المنهاج " [ص 560]: (ومترجمًا) مع أنه صرح بعده بأن شرطه: العدد، وظاهر كلامهما اعتبار كونهما رجلين وإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، لكن في " أصل الروضة " عن الأصحاب: الاكتفاء برجل وامرأتين فيما يثبت برجل وامرأتين، قال: وانفرد الإمام باشتراط رجلين، واختاره البغوي لنفسه 145. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لم ينفرد الإمام بذلك، بل هو منصوص " مختصر المزني "، وقال به الأصحاب فيما إذا كانت الترجمة من جانب المدعي أو المدعى عليه بالإنكار أو بالإقرار في غير المال وحقه تفريعًا على اعتبار التعدد، فإن كانت من جانب المدعى عليه بالإقرار بالمال أو بحقه، ولا يختلف المذهب في أنه يكفي في ذلك رجل وامرأتان.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة؛ فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن يحيط الشخص بجميعها، ويبعد أن يقال: يتخذ من كل لغة اثنين؛ فإن ذلك كثير مشق.
فالأقرب أن يتخذ من اللغات التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا، والله أعلم 146. 5940 - قول " التنبيه " [ص 257]: (ولا يقبل فيه إلا قول من تقبل شهادته) يستثنى منه: الأعمى؛ فإنه يقبل في الترجمة على الأصح، مع أنه لا تقبل شهادته، وقد ذكره " المنهاج " 147. ومحله: فيما إذا كان أهل المجلس سكوتًا، فإن تكلم بعضهم .. لم تقبل شهادته بالترجمة قطعًا إذا احتمل الالتباس بذلك، ذكره في " المطلب "، والمراد: إذا تكلم غير المترجم عنه بتلك اللغة التي تكلم بها المترجم عنه، والله أعلم.
5941 - قول " التنبيه " [ص 257]: (فإن كان الدعوى في زنا .. ففيه قولان، أحدهما: يقبل في

الحديث: 5939 - الجزء: 3 - الصفحة: 566

الترجمة اثنان، والثاني: لا يقبل إلا أربعة) الأول هو الأصح.
5942 - قول " المنهاج " [ص 560]: (واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) لا يخفى أنه مع ذلك يسمع رفع الصوت، وإلا .. استحالت المسألة، ولم تصح ولايته.
5943 - قول " التنبيه " [ص 249]: (ولا يتخذ حاجبًا ولا بوابًا) يستثنى: وقت الخلوة، قال الإمام: فلو جلس للقضاء وهناك زحمة؛ فإن رأى المصلحة في اتخاذه .. اتخذه، أو في الترك .. فلا 148، وعبارة " الحاوي " [ص 662]: (وكره نصب بواب وحاجب إن جلس له ولا زحمة).
5944 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ويأمره أن لا يقدم أخيرًا على أول) لا يمنع التسوية بينهما، فلو قال كمختصره " النبيه ": (ولا يقدم خصمًا إلا بسبق) .. لكان أولى؛ لأن تقديم السابق واجب.
5945 - قول " المنهاج " [ص 560]: (ويتخذ درة للتأديب) قد يفهم أنه لا يؤدب بالسياط، وهو ما في " أصل الروضة " عن " تتمة التتمة " في مشى الأدب بين يدي القاضي؛ وعلله بأن الضرب بالسياط من شأن الحدود، لكن رده الرافعي بقول الشافعي في تأديب شاهد الزور: لا يبلغ أربعين سوطًا 149، وقال الماوردي: لا يجوز للزوج أن يعزر زوجته بالسياط؛ معللًا بمثل ذلك.
قال في " التوشيح ": وقد يقال: يعزر بالسياط في الكبيرة التي لا حد فيها بخلاف الصغيرة، ولكن ليس ذلك بشيء، والحق الذي لا مرية فيه أن للقاضي أن يؤدب بالسوط وغيره، وما عدا ذلك غلط فاحش، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به، أو محمول على صغائر المعاصي، ثم هو مع ذلك ضعيف.
5946 - قوله: (ويستحب أن يكون مجلسه فسيحًا، لا مسجدًا) 150 أي: يستحب أن لا يكون مسجدًا، والمراد: اتخاذه لذلك كما صرح به في " المحرر " و" الروضة " وأصلها 151، ولذلك قال في " التنبيه " [ص 253]: (ولا يجلس للقضاء في المسجد، فإن اتفق جلوسه فيه وحضره الخصمان .. لم يكره أن يحكم بينهما) وهذا يدل على كراهة اتخاذه مجلسًا للحكم، وبه صرح " الحاوي " فقال [ص 662]: (وكره المسجد لا لمتفرقةٍ) أي: قضايا متفرقة اتفق حضورها وقت حضوره المسجد، وفي تأدية هذا اللفظ لهذا الغرض نظر.
5947 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يقضي وهو غضبان) و" المنهاج " [ص 560]: (ويكره

الحديث: 5942 - الجزء: 3 - الصفحة: 567

أن يقضي في حال غضب) وهو داخل في قول " الحاوي " [ص 662]: (وكره الحكم بما يدهش عن الفكر) استثنى منه صورتان: إحداهما: أن يكون الغضب لله تعالى كما حكاه الرافعي عن الإمام والبغوي وغيرهما، ثم قال: وظاهر كلام آخرين أنه لا فرق 152. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والمعتمد الاستثناء، والفرق أن الغضب لله تعالى يؤمن معه التعدي، بخلاف الغضب لحظ النفس؛ فإنه لا يؤمن معه مجاوزة الحد.
قال في " المطلب ": ولو فرق بين أن يكون ما حكم به في هذه الأحوال لا مجال للاجتهاد فيه، فلا يكره؛ لأن المحذور مأمون فيه، أو الاجتهاد فيه مجال، فيكره .. لم يبعد.
ثانيهما: إذا كان الغضب يخرجه عن طريق الاستقامة .. فإنه يحرم عليه القضاء في هذه الحالة، وفي نص " الأم " ما يشهد له 153، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ". 5948 - قول " المنهاج " [ص 560]: (وكل حال يسيء خُلُقُهُ) كذا في بعض النسخ، وفي نسخة المصنف: (يسوء خلقه) أي: فيها، وهذا لا يتناول عروض النوم، ولا كونه حاقنًا أو حاقبًا؛ لأن ذلك لا يسيء الخلق، فلو عبر " كالحاوي " بقوله [ص 662]: (والحكم بما يدهش عن الفكر) .. لكان أحسن، وعبارة " التنبيه " [ص 252، 253]: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا جائع، ولا عطشان، ولا مهموم، ولا فرحان، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يحكم والمرض يقلقله، ولا وهو حاقن أو حاقب، ولا في حر مزعج ولا برد مؤلم، فإن حكم في هذه الأحوال .. نفذ حكمه).
5949 - قول " المنهاج " [ص 560]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 661]: (ويندب أن يشاور الفقهاء) محله عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلة، فأما الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي .. فلا؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص 253]: (فإن اتفق أمر مشكل .. شاورهم فيه).
5950 - قول " الحاوي " [ص 661]: (وخرج إن اجتمع الفقهاء) تبع فيه " الوجيز " 154، قال الرافعي: وهو كالصريح في أنه يحضرهم قبل خروجه، وهذا وإن لم يتعرض له المعظم .. فيجوز أن يُوَجَّه بأنهم بانتظاره أولى كما في الصلاة 155. 5951 - قول " المنهاج " [ص 560]: (وألا يشتري ويبيع بنفسه، ولا يكون له وكيل معروف)

الحديث: 5948 - الجزء: 3 - الصفحة: 568

أي: يندب ذلك، وكذا في " المحرر " 156، لكن في " الحاوي ": (وكره أن يعامل بنفسه ووكيل يعرف) والكراهة هي التي في " الروضة " و" الشرحين "، ولا يختص ذلك بالبيع والشراء، بل الإجارة وسائر المعاملات كذلك، بل نص في " الأم " على أنه لا ينظر في نفقة عياله، ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره؛ ليتفرغ قلبه 157. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله فيما إذا احتمل وجود محاباة، فلو تحقق عدم المحاباة .. لم يكن مخالفًا للندب؛ لكي لا يتعاطاه في مجلس الحكم.
5952 - قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن أهدى إليه من له خصومة .. حرم قبولها) 158 لا يفهم منه أنه لا يملكها، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 662]: (ولا يملك) قال البندنيجي: وكذا لو أحس أنها لحكومة، ووقع في " الروضة ": أن محل تحريم هدية ذي الخصومة ما إذا كان في محل ولايته، قال: وهديته في غير محل ولايته كهدية من عادته أن يهدي له قبل الولاية .. فلا يحرم قبولها على الصحيح 159. وهذا غلط بلا شك، وليس مقصودًا، وإنما حصل الخلاف فيه من شيء سقط عليه من كلام الرافعي، وهذا التفصيل بين العادة وغيرها إنما هو في غير صاحب الخصومة.
5953 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يقبل هدية ممن لم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية) هو مفهوم من قول " الحاوي " [ص 662]: (عُهِدَ منه) وهو حرام كما صرح به " المنهاج " 160، ثم لا يخفى أن محل التحريم: ما إذا كان المهدي في عمله سواء كان من أهله أم لا، فلو أرسل بها إليه في عمله من ليس من أهل عمله، ولم يدخل معها ولا حكومة له .. ففي جواز قبولها وجهان في " الكفاية " عن الماوردي.
5954 - قول " التنبيه " [ص 252]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 662]: (فإن لم يكن له خصومة - أي: من له عادة - .. جاز أن يقبل) قيده في " المنهاج " بقوله [ص 560]: (بقدر العادة)، وهو من زيادته على " المحرر " بلا تمييز، ومقتضاه: اختصاص التحريم فيما إذا زاد بالقدر الزائد، لكن قول " أصل الروضة ": (فإن زاد المهدي على قدر المعهود .. صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية) 161 يقتضي تحريم الكل.

الحديث: 5952 - الجزء: 3 - الصفحة: 569

وقال في " المهمات ": القياس تخصيص ذلك بما زاد ويخرج الباقي على تفريق الصفقة، وحينئذ .. فتصير الهدية مشتركة على الصحيح، فإن زاد في المعنى؛ كإهداء الحرير بعد أن كان يهدي الكتان .. فهل يبطل في الجميع أم يصح فيها بقدر قيمة العادة؛ فيه نظر، والاْوجه: الأول.
انتهى.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل.
وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال " المنهاج ": (كالعادة) .. لكان أشمل ليعم القدر والصفة 162. 5955 - قول " التنبيه " [ص 252]: (والأفضل أن لا يفعل) ينافي قول " المنهاج " في هذه الحالة [ص] 560: (والأولى أن يثيب عليها) فإنه جعل الأولوية في الإثابة لا في عدم القبول، وجمع " الحاوي " بين الأمرين فقال [ص 662]: (ندب أن لا يأخذ أو يثيب) فدل على حصول الاستحباب بأحد الأمرين، والله أعلم.
تنبيهات: أحدها: قال في " التوشيح ": ما ينعم به الملوك على القضاة من الخلع وغيرها لا يظهر أن حكمه حكم الهدية، بل إنه حلال؛ لأنه لا يفعل لاستمالة قلب القاضي في محاكمة، لكن بشرطين: أحدهما: أن يجد القاضي من نفسه أن حاله لم يتغير في التصميم على الحق، وأنه قبل الهدية وبعدها سواء.
الثاني: أن تجري عادة ذلك الملك الفعل هذا مع من هو في منصب هذا القاضي سواء تقدم له فعله مع هذا القاضي أم لا؛ لأنه إنما يهدي لصاحب المنصب من حيث هو، وخصوص هذا القاضي عنده غير معتبر.
الثاني: قال السبكي في " الحلبيات ": يجوز للقاضي قبول الصدقة ممن لم يكن له عادة 163، وقال في " تفسيره ": إن لم يكن المتصدق عارفًا بأنه القاضي ولا القاضي عارفًا بعينه .. فلا شك في الجواز، وإلا .. فيحتمل أن يكون كالهدية، ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما يبتغي ثواب الآخرة.
قال في " التوشيح ": وهذا التفصيل حق.
قلت: وينبغي أن يجوز له أخذ الزكاة قطعًا.
الثالث: تردد السبكي في " تفسيره " فيما لو شرط واقف تدريس مدرسة للقاضي، وكان

الحديث: 5955 - الجزء: 3 - الصفحة: 570

للتدريس معلومٌ 164، فقال: يحتمل بطلان الشرط، ويحتمل أن يقال: إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم .. أجيب إليه، ويصح الشرط، ويحتمل أن يجاب ويأخذ المعلوم؛ لأنه ليس معينًا، قال: وهذا في حياة الواقف، أما بعد موته، أو إذا كان من غير أهل ولايته .. فلا يتخيل فيه منع، قال: وإن وقف عليه واحد من أهل ولايته وشرطنا القبول في الوقف .. فهو كالهدية، وإلا .. فينبغي الحكم بالصحة كما لو كان عليه دين فأبرأه منه، قال: فإنه يبعد أن يقال: لا يصح، قال: بل يصح، وعلى القاضي الاجتهاد في عدم الميل.
قلت: ولو وفَّى عنه دينه بغير إذنه .. ينبغي أن يجوز قطعًا؛ فإن كان بإذنه بشرط عدم الرجوع .. لم يجز قطعًا، قلته بحثًا.
5956 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يحكم لنفسه) و" الحاوي " [ص 667]: (وقضى حيث شهد) لا يفهم منه أنه لو حكم .. لم ينفذ، وقد صرح بذلك " المنهاج " فقال [ص 561]: " ولا ينفذ حكمه لنفسه " واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا يتضمن حكمه فيها الحكم لنفسه، وهو نافذ: الأولى: أنه يحكم لمحجوره بالحكم، وإن تضمن استيلاءه على المال المحكوم به، وتصرفه فيه، وفي معناه: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق الحكم.
الثانية: أنه يحكم لمحجوره بالوصية على الأصح في " أصل الروضة "، لكن رجح ابن الرفعة في " المطلب " وشيخنا في " تصحيح المنهاج " مقابله، وفرق في " المطلب " بين هذه والتي قبلها: بأن ولاية القاضي الذي ليس بوصي تنقطع عن المال الذي حكم فيه بانقطاع ولاية القضاء، ولا كذلك الوصي إذا تولى القضاء؛ فإن ما حكم فيه لليتيم الذي هو تحت وصيته تبقى ولايته عليه بعد العزل؛ فقويت التهمة في حقه، وضعفت في حق غيره.
وفرق شيخنا في " تصحيح المنهاج " بينهما بأن الحاكم في الصورة الأولى لو شهد بالمال للمحجور عليه قبل ولايته .. لقبلنا شهادته، بخلاف الوصي يشهد قبل الولاية بالمال لمن هو موصى عليه؛ فإنه لا تقبل شهادته، وفي معنى هذه الصورة: حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق خاص غير الحكم.
الثالثة: الأوقاف التي شرط فيها النظر للحاكم أو صادفها النظر له بطريق العموم لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها وموجبها، وإن تضمن الحكم لنفسه في الاستيلاء والتصرف.
الرابعة: للإمام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه بجهة الإمامة،

الحديث: 5956 - الجزء: 3 - الصفحة: 571

وللقاضي الحكم به أيضًا، وإن كان يصرف إليه في جامكيته ونحوها، وهو قريب مما إذا شهد على شخص لا وارث له سوى بيت المال بما يقتضي قتله .. فهل يجوز أن يصرف له شيء من ماله؛ صحح النووي: المنع، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس الأمر كما قال، وينبغي أن يعد حكمه فيما هو ناظر فيه بخصوص أو عموم صورتين مستقلتين، فتكون الصور ستة، وكذا ذكرها شيخنا في " تصحيح المنهاج ". واعلم: أن كلامهم يفهم نفوذ حكمه على نفسه، وقد قال الماوردي: إنه مقبول، وحكى وجهين في أنه إقرار أو حكم يظهر أثرهما فيما لو حكم على نفسه بشفعة، الجواز؛ فإنه يلزم على الحكم دون الإقرار، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد أنه لا ينفذ حكمه على نفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه؛ ولأن الحاكم يستوفي من المحكوم عليه، والإنسان لا يستوفي من نفسه لغيره.
5957 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (ورقيقه) 165 استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورًا: الأولى: حكمه لرقيقه بجناية عليه قبل رقه؛ بأن يجني ملتزم على ذمي ثم ينقض المجني عليه العهد، ويلتحق بدار الحرب، فيسترق، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: ويوقف المال إلى عتقه، فإن مات رقيقًا .. فالأظهر: كونه فيئًا.
الثانية: العبد الموصى بإعتاقه الخارج عن الثلث، إذا قلنا: إن كسبه له دون الوارث، وكان الوارث حاكمًا .. فله الحكم له بطريقه.
الثالثة: العبد المنذور إعتاقه.
الرابعة: العبد الموصى بمنفعته للذي ورثه الحكم له بكسبه.
الخامسة: إذا كان عبد الحاكم وكيلًا في دعوى، فطلب الحكم عند توجهه .. حكم له مالكه؛ لأن الحكم إنما هو للموكل، والأرجح: أنه يحكم بتسليم المال له أيضًا؛ لأن يده نائبة عن يد الموكل، فليست كيد المالك.
5958 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وشريكه في المشترك) يستثنى منه: ما إذا حكم له بشاهد ويمين الشريك .. فإنه يجوز؛ لأن المنصوص أنه لا يشاركه في هذه الصورة، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له.
5959 - قوله: (وكذا أصله وفرعه على الصحيح) 166 يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في

الحديث: 5957 - الجزء: 3 - الصفحة: 572

" المحرر " و" الشرح " 167، ثم قال في " الشرح ": إن صاحب " التلخيص " عبر عن الخلاف بقولين مخرجين 168، وليس في كلام " التلخيص " أنهما مخرجان، والمنع قد نص عليه في " المختصر " 169، ومحل الخلاف في القضاء بغير العلم، ولا ينفذ بالعلم قطعًا كما في " أصل الروضة " 170. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وإنما أوقع الرافعي في ذلك كلام الإمام، ولكن الإمام إنما منع حيث منعت شهادته لهم 171، وشهادته لهم ليست ممنوعة قطعًا، بل فيها القولان: الجديد، والقديم، وهنا أمران: أحدهما: يستثنى من الحكم لأصله أو فرعه: ما إذا كان وكيلًا عن غيره كما سبق، فيما إذا كان عبد الحاكم وكيلًا.
ثانيهما: مقتضاه: امتناع الحكم فقط دون الدعوى والبينة، وكذا قال القاضي حسين في " تعليقه ": إن ظاهر ما ذكره في " المختصر " أنه تسمع منه الدعوى والبينة، ولا يقضي له؛ لأنه قال: يرد حكمه 172، فخص الحكم بالرد، فدل على أن ما عداه غير مردود، وحكى مع ذلك احتمالًا للقفال بالمنع، وحكى في " النهاية " في ذلك وجهين، وقال: الوجه عندنا: أنه لا ينفذ تعديله البينة، وكذلك إذا كان هو الناقل .. فلا مساغ له، ولينقل الشهادة شاهدان عن الشاهدين الأصليين 173. 5960 - قوله: (ويحكم لهؤلاء) 174 أعم من قول " المحرر ": (له ولأبعاضه) 175. 5961 - قوله: (أو قاض آخر) 176 أعم من قول " المحرر " و" الروضة " وأصلها: (أو قاضي بلدة أخرى) 177 لشموله ما لو كان معه في بلدة قاض آخر مستقل.
5962 - قوله: (وإذا أقر المدعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على

الحديث: 5960 - الجزء: 3 - الصفحة: 573

إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) 178 هو أنص على الوجوب من قول " المحرر ": (أجابه إليه) 179 وقد يتوهم من عبارتهما: أنه لو أقام المدعي بينة بما ادعاه وسأله الإشهاد به .. لم يلزمه، والأصح: اللزوم.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أن محل الخلاف فيما إذا لم يطلب منه الحكم بذلك، فإن طلب منه .. لزمه قطعًا؛ لأن فيه زيادة تعلق بها حقه ليست في مجرد قيام البينة، قال: وأما إذا علم القاضي أن الحق على المدعي به، وطلب المدعي منه الحكم على المدعى عليه حيث يجوز القضاء بالعلم، أو طلب منه الإشهاد منه على حكمه .. فإنه يلزمه ذلك، ولا يجيء فيه خلاف البينة؛ لانتفاء المعنى الذي علل به الوجه المرجوح.
انتهى.
وقد يفهم كلامهما أنه ليس للمدعى عليه طلب الإشهاد بما جرى، ومحله: فيما إذا لم يكن له فيه مصلحة، فإن كان له فيه مصلحة؛ كخشية تحليف المدعي إياه .. لزم الإشهاد بذلك إذا طلبه؛ لئلا يطالبه بالحلف مرة أخرى.
5963 - قول " التنبيه " [ص 257]: (وإذا ثبت عند الحاكم حق، فسأل صاحب الحق أن يكتب له محضرًا بما جرى .. كتبه، ووقع فيه، ودفعه إليه) ثم قال: (فإن أراد أن يسجل له .. كتب له سجلًا، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ، وسلمه إليه) لم يبين هل ذلك على طريق الوجوب، أو الاستحباب؛ وفي " المنهاج " [ص 561]: (استحب إجابته، وقيل: يجب)، ومحل الخلاف: إذا كان له من بيت المال قرطاس، أو جاءَهُ به الطالب، وإلا .. لم يجب جزمًا.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فإن تبرع متبرع بالقرطاس .. جاء وجه الإيجاب.
5964 - قولا التنبيه " [ص 254]: (وإن كان يسوغ فيه الاجتهاد ووافق رأيه .. لم ينقضه، وإن خالفه .. ففيه قولان، أحدهما: ينقضه، والثاني: لا ينقضه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فأطلق أنه لا ينقض ما خالف قياسًا خفيًا 180، و" الحاوي " فقيد النقض بمخالفة القياس بالجلي 181، وذكر بعضهم: أن الأول لا يعرف في كلام غير " التنبيه ". وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " على قول " المنهاج " [ص 561]: (وإذا حكم باجتهاد ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس جلي .. نقضه هو وغيره، لا خفي) أمورًا: أحدها: أن قوله: (باجتهاد) يرد عليه: ما لو حكم بنص ثم بان أنه منسوخ، أو بعموم نص ثم بان خروج تلك الصورة بدليل مخصص .. فإنه ينقض أيضًا.

الحديث: 5963 - الجزء: 3 - الصفحة: 574

ثانيها: أنه يخرج بنص الكتاب أو السنة دلالة العموم؛ فإنها ليست نصًا عند الشافعية مع أنه ينقض أيضًا.
ثالثها: أن تعبيره يقتضي توقف الحال على نقضه، وليس كذلك، بل الحكم المذكور وقع في نفسه غير معتبر؛ فهو منقوض من غير احتياج إلى نقض، وقول الشافعي وأصحابه في ذلك نقضه محمول على إرادة أظهر نقضه، لا أنه ينعقد حتى ينقضه القاضي.
رابعها: أن قوله: (نقضه هو وغيره) يقتضي التسوية بينهما، وليس كذلك، بل يفترقان في أنه لا يتتبع قضاء غيره، وإنما ينقضه إذا رفع إليه، وله تتبع قضاء نفسه لينقضه، كذا في " أصل الروضة " 182. ويرد على قول " التنبيه " [ص 257]: (وإن حكم الحاكم فوجد النص أو الإجماع أو القياس الجلي بخلافه .. نقض حكمه) الإيرادان المتوسطان دون الأول والأخير، ولا يرد على قول " الحاوي " [ص 662]: (ونقض الخطأ قطعًا وظنًا بخبر واحد وقياس جلي) سوى الثالث.
ثم ظاهر كلامهم نقضه من غير ترافع إليه، وهو كذلك في حقوق الله تعالى، أما حقوق الآدميين .. فالذي في " أصل الروضة " عن ابن سريج: أنه لا يلزم القاضي تعريف الخصمين صورة الحال ليترافعا إليه إن علما أنه بان له الخطأ، بل إن ترافعا إليه .. نقض، وعن سائر أصحابنا: أنه يلزمه وإن علما 183، ومقتضى ذلك: أنه لا ينقضه إلا بعد الترافع، لكن في " الوسيط ": أنه ينقضه وإن لم يرفع إليه 184، وذكر الماوردي وغيره نحوه.
قال في " المهمات ": والذي ذكروه أوجه مما توهمه عبارة الرافعي، وتأويلها به متعين.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يلزمه المبادرة إلى التفريق بين الزوجين، ولا يأتي هنا خلاف ابن سريج؛ للاحتياط في الإبضاع 185. 5965 - قوله: (كنفي خيار المجلس، والعرايا، وذكاة الجنين، والقصاص بالمثقل) 186 تبع في نقض الحكم بذلك الإمام والغزالي 187، فإن الرافعي حكاه عنهما في الصورتين الأوليين والرابعة، ثم قال: وبمثله أجاب محققون في الحكم بصحة النكاح بلا ولي، فذكر تمام عشر نظائر، ثم قال: ومن الأصحاب من منع النقض وقال: هي مسائل اجتهادية، والأدلة فيها

الحديث: 5965 - الجزء: 3 - الصفحة: 575

متقاربة، قال الروياني: وهو الصحيح، وكذا ذكره ابن كج في الحكم ببطلان خيار المجلس 188، واقتصر في " الروضة " على ذكر تصحيح الروياني في جميع الصور 189، فاقتضى كلامه موافقته، ويوافقه تصحيح الرافعي في النكاح عدم النقض في النكاح بلا ولي.
5966 - قول " التنبيه " [ص 253]: (وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء .. نقض أحكامه كلها أصاب فيها أو أخطأ)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يكن هناك تولية من ذي شوكة بحيث ينفذ الحكم بالجهل، فإن كان .. لم ينقض ما أصاب فيه.
5967 - قول " المنهاج " [ص 561]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 667]: (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) محل الجزم به ما ليس بإنشاء؛ بل هو تنفيذ لما قامت به الحجة؛ مثل إن حكم بشهادة زور سواء كان مالًا أو نكاحًا أو غيرهما، أما الإنشاء؛ كفسخ النكاح بالعيب وتسليط الشفيع - ووهم في " الروضة " وأصلها في تمثيله بتفريق المتلاعنين 190؛ لأنه حاصل بلعان الزوج من غير تفريق القاضي - فإن ترتبت على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا أيضًا، وهذه قد لا ترد على إطلاقهما؛ لأنه ليس للقضية باطن، بخلاف ظاهرها عند أحد؛ لعدم الاختلاف فيه كما تقرر، وإن كان مختلفًا فيه .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن أوجه: صحح جماعة منهم البغوي وأبو عاصم: النفوذ مطلقًا، وذهب الأستاذ أبو إسحاق والغزالي إلى المنع؛ وهو مقتضى إطلاق " المنهاج " و" الحاوي "، والثالث: إن اعتقده الخصم أيضًا .. نفذ باطنًا، وإلا .. فلا.
وفي " المهمات ": إن الصحيح الأول؛ فقد حكاه الرافعي في كتاب الدعاوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين، وفي دعوى الدم عن ميل كلام الأئمة، قال في " المهمات ": وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنا بين ما ينقض وما لا ينقض، وفيه نظر، لكنه مستقيم؛ فإنه لا منافاة.
5968 - قول " المنهاج " [ص 561]: (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) فيه أمور: أحدها: عبارة " المحرر " و" الروضة " و" الشرحين ": (بلا خلاف) 191، ولا يصح؛ فلنا وجه: أنه يقضي بالبينة إذا شهدت بما يعلم خلافه، حكاه الماوردي والروياني والشاشي وابن يونس وابن الرفعة 192، وقال في " التوشيح ": كنت أسمع الوالد رحمه الله يتوقف في إثبات هذا الخلاف.

الحديث: 5966 - الجزء: 3 - الصفحة: 576

ثانيها: قد يفهم أنه يقضي في هذه الصورة بعلمه، وليس كذلك كما صرح به الشاشي في " الحلية "، قال في " المهمات ": وفي كلام الرافعي إشارة إليه؛ فإنه أطلق منعه عن القضاء 193، وكأن معناه: قوة التهمة.
قلت: وكذا أطلق في " المحرر " منع القضاء 194، ففات " المنهاج " منه هذه الإشارة، وصرح به أيضًا الماوردي، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الماوردي إنما بناه على منع القضاء بالعلم، وإن الشاشي أخذه منه 195، ووهم في إطلاقه المنع من غير تفريعه على ذلك القول.
وقال في " التوشيح ": قد يتوقف في منع قضائه بعلمه هنا؛ فإنه إذا تحقق كذبهم في المشهود به .. كان أولى بدفع قولهم من تحقق جرحهم، ولو تحقق جرحهم .. لرد شهادتهم وكان فيه الحكم بعلمه المعارض لشهادتهم فليحكم هنا بطريق أولى.
ثالثها: قال في " المهمات ": في هذا التعبير تجوز، فإن من يقضي بشهادة شاهدين لا يعلم كذبهما ولا صدقهما قاض بخلاف علمه مع أن قضاءه نافذ بالاتفاق؛ فالصواب: بما يعلم خلافه، وبه عبر الماوردي وغيره 196. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن الذي يقضي به القاضي هو الذي شهد به الشاهدان لا صدقهما، فلم يقض حينئذ على خلاف علمه ولا بما يعلم خلافه؛ فالعبارتان مستويتان على ما قررناه.
رابعها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن أراد العلم القطعي الذي لا يحتمل النقيض .. لم يطابق تمثيل " المحرر " له بما إذا علم أن المدعي أبرأه مما يدعيه، أو أن مدعي النكاح طلق ثلاثًا 197، وإن أراد الظن .. فقد قامت عنده البينة بخلاف ظنه؛ فإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فقد تعارض عنده ظنان؛ فكان ينبغي أن يخرج على الأقوال في تعارض البينتين، ولم نر من قال به، وإن قلنا: لا يقضي بعلمه .. فينبغي أن يقضي بما قامت به البينة؛ لأنه لم يعارضه ما يقضي به، وسيأتي من نقل الماوردي ما يشهد له.
قلت: قد يريد العلم القطعي، ومثالا " المحرر " لا ينافيان ذلك، وقد يريد الظن، ولا تعارض؛ لأن علمه بالإبراء مثلًا ناقل، فلو قامت به بينة .. لكانت مقدمة؛ [فلذلك علمه] 198

الجزء: 3 - الصفحة: 577

به مقدم بناءً على القضاء بالعلم؛ لما فيه من زيادة العلم، هاذا قلنا: لا يقضي بعلمه .. فعلمه وإن لم يصلح لإثبات الحكم يصلح لدفعه؛ لأن دفع الشيء أسهل من الحكم به، والله أعلم.
خامسها: قال شيخنا أيضًا: يستثنى منه: ما لو علم القاضي الإبراء فذكره للمقر؛ فقال: أعرف صدور الإبراء منه، ومع ذلك فدينه باق عليّ، فإن القاضي يقضي على المقر بما أقر به، وإن كان على خلاف ما علمه القاضي؛ لأن الخصم قد أقر بما يدفع علم القاضي، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفقهه واضح.
قلتُ: ليس هذا قضاء على خلاف العلم؛ لأن إقرار الخصم المتأخر عن الإبراء قد رفع حكم الإبراء، فصار العمل به، لا بالبينة ولا بالإقرار المتقدم.
سادسها: قال شيخنا أيضًا: لو علم القاضي زنا المقذوف بالمشاهدة، ولم يقم القاذف بينة على زناه، وطلب المقذوف من القاضي أن يحده .. فالذي أجبت به: أن الحاكم يجيبه لذلك؛ لأن القاذف إذا لم يأت بالشهداء كاذب في علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وإذا كان كاذبًا .. أقام عليه حد القذف، وإنما لا يقضي على خلاف علمه في الموضع الذي يقضي فيه بعلمه، وحدود الله تعالى لا يقضي فيها بعلمه، فيقضي فيها على خلاف علمه.
سابعها: قد يندرج في قوله: (بخلاف علمه) حكمه بخلاف عقيدته، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا يمكن أن يدعي فيه اتفاق العلماء؛ لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده.
5969 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن علم الحاكم وجوب الحق .. فهل له أن يحكم بعلمه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يحكم، والثاني: لا يحكم، والثالث: يحكم في غير حدود الله، ولا يحكم في حدوده)، الأظهر: الثالث كما في " المنهاج "، وعليه مشى " الحاوي " 199، وفي كلامهم أمور: أحدها: أن محل ذلك في غير الجرح والتعديل، فلو شهد عنده من يعرف عدالته أو جرحه .. اعتمد علمه، ولا يتخرج فيه هذه الأقوال، وقد ذكره " المنهاج " في الفصل الذي يليه، فقال: (وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا .. عمل به) 200 و" الحاوي " فقال [ص 667]: (كالتعديل)، وقد حكى غير واحد الاتفاق عليه، لكن فيه وجه ضعيف محكى فى " الروضة " وأصلها 201، فظاهر كلامهم العمل بذلك، ولو كان في حدود الله تعالى.

الحديث: 5969 - الجزء: 3 - الصفحة: 578

ثانيها: ومما يقضي فيه بعلمه قطعًا التواتر، كما ذكره ابن عبد السلام في " القواعد " 202، والمسألة فيها وجهان في " النهاية " 203، واختار شيخنا في " تصحيح المنهاج " التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد؛ كوجود بغداد .. فيقضي به قطعًا، وبين التواتر المختص .. فيتخرج على خلاف القضاء بالعلم، بل ينقص عنه؛ لأن المشاهدة أقوى من الخبر وإن تواتر 204. ثالثها: ومنه ما في " أصل الروضة " في قسم الصدقات عن الأصحاب: أن الإمام لو علم استحقاق من طلب الزكاة .. جاز الدفع له، قال: ولم يخرجوه على القضاء بالعلم 205. رابعها: وفي " أصل الروضة " أيضًا في (القسامة) عن الإمام: أن القاضي لو عاين اللوث .. فله اعتماده، ولا يخرج على خلاف القضاء بالعلم؛ لأنه يقضي بالأيمان، وأقره على ذلك 206، وتعقبه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": بأن نقل اليمين من جانب المدعى عليه إلى جانب المدعي مستنده علم القاضي؛ ففيه خلاف القضاء بالعلم.
خامسها: وفي المستثنى أيضًا: ما لو أقر بالمدعى في مجلس القضاء .. ففي " أصل الروضة " هنا: أنه قضاء بإقراره لا بعلم القاضي 207، لكنه قال قبل ذلك: إن على القاضي إجابة من طلب منه الإشهاد بإقرار خصمه له في مجلس حكمه؛ لئلا ينكر بعد، فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا: لا يقضي بعلمه، ويوافقه قول الشافعي رضي الله عنه في تصوير محل الخلاف: (فأقر في مجلس القاضي أو غير مجلسه) 208، ذكره في " المهمات ". وحمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " المذكور هنا على المستمر على إقراره، وفي غيره على الجاحد بعد ذلك، قال: ومن توهم المخالفة بينهما .. فقد أخطأ.
سادسها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هلال رمضان، فلو رآه القاضي وحده .. حكم بالصيام تفريعًا على ثبوته بشهادة وأحد وهو الأظهر، ولا يتخرج فيه مع ذلك قولان، والقيافة للقاضي للحكم بعلمه فيها إذا كان قائفًا تفريعًا على الاكتفاء بواحد وهو الأصح، ولا يتخرج فيه مع ذلك خلاف، ذكرهما تخريجًا مع أن المنقول في الثانية في " أصل الروضة " تخريجه على خلاف

الجزء: 3 - الصفحة: 579

القضاء بالعلم، لكن نازع فيه شيخنا، وقال: الصواب خلافه؛ لأن العدد ليس شرطًا في القيافة حتى ينظر إلى التقيد بالعدد.
سابعها: في " أصل الروضة " عن الأصحاب: أنهم مثلوا القضاء بالعلم بما إذا ادعى عليه مالًا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد ثبوت اليقين بثبوت المحكوم به وقت القضاء؛ فدل على أنهم أرادوا بالعلم: الظن المؤكد، لا اليقين 209، ويوافق ذلك قوله في القيافة: لو كان القاضي قائفًا .. فهل يقضي بعلمه؟ فيه الخلاف في القضاء بالعلم 210، وترجيحه في القسمة تخريج قضائه في التقويم بمعرفته على خلاف القضاء بالعلم، ويخالفه قول الإمام: إذا جوزنا القضاء بالعلم .. فذلك فيما يستيقنه، لا ما يظنه، وإن غلب الظن 211، وتبعه الغزالى، فقال: لا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة 212، وعكسه الماوردي فقال: إذا رأى الحاكم رجلًا يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة .. جاز أن يحكم له بالملك، وفي جواز الشهادة في هذه الحالة قولان، والفرق أن الحاكم له أن يجتهد وليس للشهود أن يجتهدوا.
ثامنها: أهملوا شرط القضاء بالعلم، وهو التصريح بالمستند، فيقول: علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي؛ فإن اقتصر على أحدهما .. لم ينفذ الحكم، قاله الماوردي والروياني 213، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وله وجه من النظر، ويحتمل عدم الاحتياج إليه.
تاسعها: أن عبارة " التنبيه " صريحة في جريان الخلاف في حدود الله تعالى، وهو مقتضى قول " المنهاج " [ص 561]: (والأظهر: أنه يقضي بعلمه إلا في حدود الله تعالى)، وعبارة " المحرر ": لا تعطي ذلك؛ فإنه قال: (أصح القولين: أن القاضي يقضي بعلمه إلا في حدود الله) 214، ويوافقه ترجيح " الروضة " القطع بأنه لا يقضي في حدود الله بعلمه، وقيل: قولان 215، وفي " المهمات ": أن الذي في " الروضة " سهو، وأن المرجح في " الشرحين " طريقة القولين 216.

الجزء: 3 - الصفحة: 580

عاشرها: يستثنى مع حدود الله: التعزيرات المتعلقة بحقه تعالى، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج "، ثم قال: ولكن من ظهر له منه في مجلس الحكم ما يقضي تعزيرًا .. عزره، وهذا من القضاء بالعلم، وليس كما لو أقر؛ لأن الإقرار مستند الحكم وقاطع للعذر.
حادي عشر: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى من قوله: (إلا في حدود الله) ما إذا صدر منه ذلك في مجلس الحكم على رؤوس الأشهاد؛ كالردة وشرب الخمر والزنا، قال: ولم يتعرضوا له، قال: وكذا إذا اعترف في مجلس الحكم بما يوجب الحدود، ولم يرجع عن إقراره .. فإنه يقضي فيه بعلمه، ولو اعترف سرًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: " فإن اعترفت .. فارجمها " 217، ولم يقيده بأن يكون بحضور الناس.
ثاني عشر: قال شيخنا أيضًا: ويستثنى منه أيضًا: ما إذا علم القاضي من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة .. فقد أفتيت فيه: بأن القاضي يقضي بعلمه بالإسلام، ويرتب عليه أحكامه.
5970 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مورثه إذا وثق بخطه وأمانته) قد يفهم أنه لو وجد بخط نفسه: لي على فلان كذا .. لم يجز أن يحلف حتى يتذكر، وكذا في " أصل الروضة " عن " الشامل " من غير مخالفة 218، لكن يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في الدعاوى: (أنه يجوز البت - أي: في اليمين - بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) 219، وكذا هو في " الروضة " وأصلها 220، وقال في " المهمات ": اشتراط الثقة والأمانة لا يظهر في مسائل ذكرها الرافعي؛ فينبغي استحضارها: الأولى: لو بيع الشقص بصبرة فضة، وادعى الشفيع أنها كذا، ونكل المشتري .. جاز للشفيع الحلف اعتمادًا على نكوله.
الثانية: للمشتري الحلف على عدم التسليم عند المنازعة اعتمادًا على قول البائع.
الثالثة: إذا أنكر المودع التلف وتأكد ظنه بنكول المودع .. جاز أن يحلف اليمين المردودة في الأصح، وكذا نازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في اشتراط وثوقه بخطه وأمانته وقال: الشرط أن يحصل عنده ظن مؤكد كما ذكره في الدعاوى، قال: فإن ظن الحاصل من نكول الخصم أو شهادة الشاهد الواحد كاف في ذلك من غير احتياج إلى الخط، قال: وقد يحلف الإنسان في البيع والحوالة ونحوهما على الملك واستحقاق الدين، بناء على ما قاله البائع والمحيل؛ فالعبرة حينئذ بالظن المؤكد.

الحديث: 5970 - الجزء: 3 - الصفحة: 581

5971 - قوله: (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) 221 يقتضي المنع إذا لم يكن محفوظًا عنده، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وليس كذلك، بل المعتمد عند العلماء قديمًا وحديثًا لعمل بما يوجد في السماع والإجازة تفريعًا على جوازها مكتوبًا في الطباق التي تغلب على الظن صحتها، وإن لم يتذكر السماع ولا الإجازة ولم تكن الطبقة محفوظة عنده.
انتهى.
ولهذا قال " الحاوي " [ص 668]: (ويروي بخطه المحفوظ) ولم يقيده بكونه عنده.
5972 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ومن لم يتعين عليه - أي: القضاء - .. جاز أن يأخذ ما يحتاج إليه) قال في " الكفاية ": محله: ما إذا لم يوجد متبرع بالقضاء، فإن وجد وهو صالح .. فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب " البيان " 222، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ.
5973 - قوله: (ويجوز أن يحضر الولائم) 223 محله في وليمة من لا حكومة له إذا لم يعملها له بخصوصه، أما وليمة من له حكومة أو عملت له بخصوصه .. فكالهدية.
5974 - قوله: (ويشهد مقدم الغائب، ويسوي بين الناس في ذلك، فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم .. امتنع في الكل) 224 الذي جزم به الرافعي والنووي في شهود مقدم الغائب أنه كعيادة المرضى يأتي منه ما لا يقطعه عن الحكم 225، قال في " التوشيح ": والذي يظهر ما فعله الشيخ؛ فإن كلًا من الولائم وشهود مقدم الغائب من حقوق الداعي والقادم، وأما الجنائز والعيادة .. فمن حقوق فاعلها، وقد ذكر الماوردي هذا الفرق.
انتهى 226. وفي " أصل الروضة ": أنه لو كان يخص بعض الناس قبل الولاية بإجابة وليمته .. فنقل ابن كج عن نص الشافعي: أنه لا بأس بالاستمرار 227. 5975 - قوله: (ولا يحتجب إلا لعذر) 228 يقتضي صرف جميع أوقاته للقضاء إلا في حالة العذر، وكذا قال القاضي حسين، قاله في " الكفاية "، قال: وذكر الماوردي أنه يجعل زمان نظره معينًا من الأيام؛ ليتأهب الناس له، فإن كثرت المحاكمات .. لزمه النظر كل يوم، ويكون وقت

الحديث: 5971 - الجزء: 3 - الصفحة: 582

نظره في اليوم معروفًا، وإن قلت .. جعل يوم نظره معروفًا من الأسبوع، فإن تجدد في غير يوم النظر ما لا يمكن تأخيره فيه .. نظر (1)، وفي " التهذيب ": لا يجوز أن يؤخر النظر إذا وقعت لإنسان خصومة إلا لعذر.
انتهى (2). وفي " أدب القضاء " لشريح الروياني: إن كان يقضي برزق من بيت المال .. لزمه أن يقضي في كل نهاره، إلا في وقت قضاء الحاجة والطهارة والصلاة المفروضة والنافلة المؤكدة وتناول الطعام على الوجه الذي للأجير أن يشتغل عن العمل، وقيل: يلزم ذلك على حسب العادة والعرف بين القضاة، وإذا كان متبرعًا بالقضاء .. فقد قيل: يجلس أي وقت أراد، والصحيح: أنه يعقد على عادة الحكام، ثم هل تعتبر عادة سائر حكام البلاد أو عادة حاكم تلك البلد؟ وجهان.

فصلٌ [في التسوية بين الخصمين وما يتبعها]

5976 - قول " المنهاج " [ص 561] و" الحاوي " [ص 661]: (ليسوِّ بين الخصمين) و" التنبيه " [ص 253]: (ويسوي بين الخصمين) يحتمل الوجوب والاستحباب، والأول هو الصحيح الذي قطع به الأكثرون، كما في " أصل الروضة "، قال: واقتصر ابن الصباغ على الاستحباب 231. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الإيجاب هو ظاهر نص " الأم "، لكن نسبته لقطع الأكثرين ليس بمسلّم؛ فإنه قل من يصرح بالإيجاب، وقال بالاستحباب أيضًا القاضي أبو الطيب، وفي قصة زيد بن ثابت لما تحاكم إليه عمر وأبي بن كعب ما يشهد للاستحباب؛ فإنه وسع لعمر صدر فراشه، وقال: هاهنا يا أمير المؤمنين؛ ولم يفعل ذلك مع أبيّ، فقال له عمر: لقد جُرت 232، يعني: خالفت المستحب؛ ولذلك لم يصرح بإثمه، ولا أمره بالاستغفار، ويمكن أن يقال: إن أبيًّا يعلم من زيد أنه لا يحمله ذلك على أنه يقضي بغير الحق، وكان إكرام أمير المؤمنين مطلوبًا، فلم يؤثر ذلك عند أبي، فلو علم الخصم من القاضي ما علمه أبيّ من زيد .. فلا يمتنع على القاضي تعاطي إكرام أحد الخصمين على الوجه اللائق به، ولكن التسوية مطلقًا تطلب سد الباب ما يفضي إلى انكسار قلب الآخر.
انتهى.
5977 - قولهما: (في الدخول عليه) 233 وهو داخل في إطلاق " الحاوي " التسوية في229230

الحديث: 5976 - الجزء: 3 - الصفحة: 583

الإكرام 234، قال شيخنا أيضًا: محله فيما إذا جاءا معًا، ولم يكن للمدعي إلا خصم واحد، ولم يكن من أهل بيت القاضي، ودخل في حاجته، فإن حضر بطلب إحضار خصمه .. أدخله وإن كان وحده؛ لأنه ليس مقام دعوى، وإن كان للمدعي خصوم فدخل مع أحدهم وتأخر الباقون .. لم يمتنع ذلك، وفي " الأم ": (وإذا قدم الذي جاء أولًا وخصمه، وكان له خصوم فأرادوا أن يتقدموا معه .. لم ينبغ له أن يستمع إلا منه ومن خصم واحد، فإذا فرغا .. أقامه ودعا الذي جاء بعده، إلا أن لا يكون عنده كبير أحد) 235، قال: وفي هذا النص الإشارة إلى ما قررناه، وإن كان من أهل بيت القاضي ممن يدخل عليه لمصلحته، فعرضت له به حاجة، فطلبه لها .. لم يحرم، لكن الأولى للقاضي إذا ظهر له أنه مع خصم له أن يمتنع عن طلبه ذلك الوقت حتى تنفصل الخصومة، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5978 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وقيام لهما) وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام 236، أي: إما أن يقوم لهما أو يتركه لهما، وقال ابن أبي الدم: عندي أنه يكره؛ فإنه قد يكون أحدهما شريفًا والآخر وضيعًا، فإذا قام .. علما أنه إنما قام للشريف، فترك القيام لهما أقرب إلى العدل وأنفى للتهمة، وعلى هذا جرى سنن الحكام الماضين، فإن دخل ذو هيئة فقام له ظنًا أنه لم يأت في خصومة .. فإما أن يقوم لخصمه كقيامه له، وإما أن يعتذر بأنه لم يشعر بمجيئه مخاصمًا، حكاه عنه في " المطلب "، وقال: وهو يؤخذ من منعه من ضيافة الخصمين.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إذا كان أحدهما ممن يعتاد القيام له دون الآخر .. فينبغي ترك القيام؛ لأنه إذا قام عند دخولهما .. ظهر للحاضرين وللخصم أن القيام إنما هو للكبير، فلا تحصل التسوية، قال: وهذا أخص بما قاله ابن أبي الدم، ولا بد منه 237. 5979 - قول " المنهاج " [ص 561]: (وجواب سلام) هذا إذا سلّما معًا، فإن سلّم أحدهما دون الآخر .. فمقتضاه: أنه لا يجيبه، وكذا في " أصل الروضة " عن الأصحاب أنهم قالوا: يصبر حتى يسلّم الآخر، قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا إذا طال الفصل، وقالوا: لا بأس بأن يقول للآخر: سلّم، فإذا سلّم .. أجابهما، وكأنهم احتملوا هذا الفصل للتسوية، وقيل: يجوز ترك الجواب مطلقًا واستبعده الإمام 238. وفي " المهمات ": أن ما حكاه عن الأصحاب لم يقل به سوى القاضي والبغوي، وقال

الحديث: 5978 - الجزء: 3 - الصفحة: 584

الإمام: إنه إفراط وسرف 239، واستبعده الغزالي، وقال: إنه إفراط، قال في " المهمات ": ثم إن المذكور هنا يخالف قولهم في السير إن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا حضر جماعة وسلم أحدهم .. كفى ذلك عن سلام الباقين، وكذا قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما حكاه عن الأصحاب وجه ضعيف، والأصح: أنه يرد السلام، ويوجهه إليهما؛ لأن ابتداء السلام سنة كفاية، فإذا سلم أحدهما .. فقد قام بالسنة عن الآخر؛ فجواب الحاكم رد على المسلّم حقيقة وعلى الآخر حكمًا، وفي " المطلب ": قد يظهر بردّ سلام أحدهما ميل من حيث أن المسلّم إنما يتجرأ على ابتداء السلام مع هيبة الحاكم، وعدم مشروعية الابتداء به؛ لاشتغال القاضي لدالة بينه وبين القاضي، فردّه عليه يؤكد ذلك، ولو فرضنا أن الابتداء مشروع .. لم يبعد من الجاهل توهم ذلك.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو مردود؛ فإن الجرأة بذلك ليس مما يظهر الدالة، بل يظهر إقدام المسلّم على السلام، وإذا وجه القاضي السلام عليهما .. خرج ما ذكر من التوهم.
5980 - قولهما: (ومجلس) 240 وهو داخل في إطلاق " الحاوي " الإكرام 241، أي: يسوي بينهما في المجلس، فيجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره إن كانا شريفين، أو بين يديه، وهو الأولى على الإطلاق، ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في أن الأول تسوية؛ لأن الجالس على اليمين له مزية، وفي " سنن أبي داوود " ساكتا عليه من حديث ابن الزبير: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحَكَمِ) 242. 5981 - قول " التنبيه " [ص 253]: (وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا .. قدم المسلم على الكافر في الدخول، ورفعه عليه في المجلس) اقتصر " المنهاج " و" الحاوي " رفعه عليه في المجلس، ولم يذكرا تقديمه عليه في الدخول 243، وكذا في " أصل الروضة "، ثم قال: ويشبه أن يجري الوجهان في سائر وجوه الإكرام 244. قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": فكلام الشيخ لا يوافق بحث الرافعي؛ إذ مقتضاه العموم، ولا نقله؛ لأنه لم يستثن تقديمه عليه في الدخول.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": في " الإبانة " للفوراني نقل الوجهين في الجميع؛ إذ

الحديث: 5980 - الجزء: 3 - الصفحة: 585

قال: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في المجلس والنظر والسلام وغير ذلك، فلو كان كافرًا .. فهل يسوي بينهما؛ فيه وجهان، قال: وهذا ظاهر أو صريح في أن الخلاف في الجميع.
انتهى.
وسبقه إلى نقل ذلك عن الفوراني ابن الرفعة، وكذا في " المهمات "، وقد عرفت أنه لم يصرح في عبارته بالدخول.
قال في " التوشيح ": وقد يقال: لا ينبغي جريانهما في الدخول، بخلاف سائر وجوه الإكرام؛ فإن في تقديم أحد الخصمين في الدخول ريبة ليست في غيره، فإن الخصم يتهم السابق إلى الدخول بالاختلاء بالحاكم في شأنه.
قلت: لا يلزم من دخوله قبله الاختلاء بالحاكم، فإذا أذن لهما جميعًا .. تقدم المسلم في الدخول إكرامًا مع دخول الآخر وراءه على أثره من غير مضي زمن يأتي فيه خلوه، وأما تقدمه عليه بزمن يحتمل الخلوة .. فذاك في الحقيقة إذن لأحد الخصمين وحجب للآخر، وهذا لم يقل به أحد.
وعبارة الماوردي: أحدهما: يسوي بينهما فيه؛ أي: في المجلس كما يسوي بينهما في المدخل والكلام 245، وذلك يقتضي أن المدخل والكلام محل اتفاق، وكذا في " الاستقصاء " وغيره.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح: تقديم المسلم في جميع وجوه الإكرام، قال: ولا خلاف أن القاضي لو جابَرَ 246 المسلم بالسلام دون الكافر، والكافر قاطع بأن القاضي يعظم المسلم ويذل الكافر .. فلا يحصل له في خصومته كسر قلب، ومن اقتصر على ذكر الرفع في المجلس .. فلاعتقاده أن الأثر إنما جاء فيه؛ أو لأن الرفع في المجلس مستمر حال المحاكمة، بخلاف الدخول وغيره مما لا يكون حال المحاكمة.
انتهى.
قال في " المهمات ": ولو كان أحدهما مرتدًا والآخر ذميًا .. فيتجه تخريجه على التكافؤ في القصاص، والصحيح: أن المرتد يقتل بالذمي دون عكسه، وتعجب شيخنا في " تصحيح المنهاج " من هذا التخريج؛ فإن التكافؤ في القصاص ليس مما نحن فيه بسبيل، ولو اعتبرناه لرفع الحر على العبد والوالد على الولد 247. 5982 - قول " التنبيه " [ص 253]: (ولا يعلّمه كيف يدعي) أقره عليه النووي في

الحديث: 5982 - الجزء: 3 - الصفحة: 586

" تصحيحه "، وفي " أصل الروضة " عن الإصطخري: إذا ادعى دعوى غير محررة .. بين له الدعوى الصحيحة، وعن غيره المنع، قال: وتعريف الشاهد كيفية أداء الشهادة على هذين الوجهين، قال في " العدة ": والأصح: الجواز 248. 5983 - قوله: (إذا جلس بين يدي القاضي خصمان .. فله أن يقول لهما: تكلما، وله أن يسكت حتى يبتدئا) 249 في قوله: (تكلما) تجوّز، والمراد: ليتكلم المدعي منكما، كما عبر به " المنهاج " و" الحاوي " 250، قال في " أصل الروضة ": وله أن يقول للمدعي إذا عرفه: تكلم 251. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لكن في " الشامل ": أنه لا يقول لأحدهما بعينه تكلم؛ لأنه كسر للآخر، قال شيخنا: وهذا يعم ما إذا علم القاضي المدعي فقال له: تكلم، أو قال لواحد: تكلم ولم يعلم أنه المدعي، وهذه لا يوقف في المنع منها، وأما مع العلم .. فله وجه من الرجحان، ويوافقه إطلاق الشافعي وغيره: ليتكلم المدعي منكما، أو ما خطبكما وهنا أمران: أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل هذا: ما إذا لم يكن كل منهما مدعيًا ومدعى عليه في قضية واحدة أو قضيتين، فإن كان .. فيقول تكلما؛ ولهذا عبر به في " الأم " و" المختصر " 252، وحمله بعضهم على أنه يقول ليتكلم المدعي منكما، قال شيخنا: وعندى كلام الشافعي محمول على الأعم؛ فإنه قد يكون كل منهما مدعيًا ومدعى عليه في قضية واحدة؛ كما لو اختلف المتعاقدان، فإن كانا كذلك في قضيتين ولا سابق منهما .. فيقول: ليتكلم واحد منكما برضا الآخر بتقديمه، فإن لم يتفقا .. أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته .. قال له: تكلم، قال شيخنا: ولم نر من تعرض لذلك.
ثانيهما: محل ذلك: ما إذا لم يكن سكوتهما لتعب ونحوه، قال الماوردي: إن كان السكوت للمَاهب في الكلام .. أمسك عنهما حتى يتحرر للمتكلم ما يذكر، وكذا إن كان سكوتهما لهيبة حضرتهما عن الكلام .. توقف حتى تسكن نفوسهما فيتكلما.
انتهى 253. قال في " أصل الروضة ": ولو خاطبهما بذلك الأمين الواقف على رأسه .. كان أولى 254.

الحديث: 5983 - الجزء: 3 - الصفحة: 587

5984 - قولهما - والعبارة " للمنهاج " -: (فإذا ادعى .. طالب خصمه بالجواب) 255 زاد " التنبيه " [ص 254]: (وقيل: لا يقول حتى يطالبه المدعى، وليس بشيء) وكذا في " أصل الروضة " في التسوية بين الخصمين: أنه ضعيف 256، لكن في باب الدعاوى من " الشرح الصغير ": أنه أشبه، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 665، 666]: (ولزم التسليم، أو مُرهُ بالخروج عن حقي أو سله جواب دعواي .. طالب بالجواب) فعلى هذا: طلب الجواب من شروط صحة الدعوى، وهذا الخلاف في الجواز كما صرح به الماوردي وصاحب " المهذب " وغيرهما؛ وعلل المنع بأنه حق المدعي، فلا يستوفى إلا بإذنه؛ والجواز بقرينة الدعوى 257. وقال الرافعي بعد نقل الخلاف فيه: وسواء شرطنا هذا الاقتراح أو لم نشترطه، لكنه اقترح، فيمكن أن يقال: يغني ذلك عن قوله: ويلزمه التسليم إليَّ، قال: والذي شرط ذلك إنما شرطه جوابأ على أنه لا يشترط الاقتراح المذكور 258. وأشار " الحاوي " لذلك بلفظة (أو)، لكن مقتضاه: جواز الاستغناء بالمعطوف عليه عن المعطوف، وهو خلاف القول باشتراط الطلب في صحة الدعوى.
5985 - قول " المنهاج " [ص 562]: (فإن أقر .. فذاك) عبارة مجملة، وكأنه أراد بها: ثبوت الحق المدعى به كما صرح به " الحاوي " فقال [ص 667]: (فإن أقر .. ثبت) وهو الأصح في " أصل الروضة "، ومقابله: أنه لا يثبت بمجرد الإقرار، ولا بد من قضاء القاضي كالثبوت بالبينة 259. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا عندي مقيد بأن يكون الإقرار على صورة متفق عليها، فإن كان على صورة مختلف فيها .. فلا بد من القضاء بالإقرار من أجل الخلاف، وعبارة " التنبيه " [ص 254]: (وإن أقر .. لم يحكم حتى يطالبه المدعي) وهي عبارة حسنة.
وفسر بها شيخنا ابن النقيب قول " المنهاج ": (فذاك) فقال؛ فللمدعي أن يطلب من القاضي الحكم عليه؛ فحينئذ .. يحكم فيقول: أخرج من حقه، أو كلفتك الخروج منه، أو ألزمتك، وما أشبه ذلك 260. والذي حمله على ذلك؛ كون هذا الكلام بعينه موضوعًا في " أصل الروضة " موضع قوله:

الحديث: 5984 - الجزء: 3 - الصفحة: 588

(فذاك)، واستشكل الرافعي الخلاف المتقدم في الثبوت؛ لأنه إن كان الكلام في ثبوت الحق المدعى في نفسه .. فمعلوم أنه لا يتوقف على الإقرار؛ فكيف على الحكم بعد الإقرار؟ وإن كان المراد المطالبة والإلزام .. فلا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار، وللقاضي الإلزام 261. وأجاب عنه شيخنا في " تصحيح المنهاج " باْن الكلام في ثبوت الحق المدعى به ظاهرًا عند القاضي الذي وقعت عنده الدعوى والإقرار من غير أن يقول قضيت عليه، ولا ثبت عندي الحق عليه.
واعترض في " المهمات " على قوله: (لا خلاف أن للمدعي الطلب بعد الإقرار) بأن الماوردي قال: له ملازمته بعد الحكم لا قبله 262. 5986 - قولهما: (وإن أنكر .. فله أن يقول: " ألك بينة؟ " وله أن يسكت) 263 فيه أمور: أحدها: أن محل قوله: (ألك بينة؟ " في غير ما يثبت بالشاهد واليمين، فإن ثبت بشاهد ويمين .. فيقول: (ألك بينة أو شاهد مع يمينك) فإن علم جهله به .. وجب أن يقول له، وإلا .. ندب، ومحله أيضًا فيما إذا لم يكن في جانب المدعي للوث .. فيقول له: أتحلف خمسين يمينًا، وكذا الزوج المدعي على زوجته الزنا يقول له: أتلاعنها، ذكر ذلك كله شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: لم أر من تعرض له.
قلت: وقد تناوله قول " الحاوي " [ص 668]: (وإلا .. سكت أو سأل الحجة)، وتناول أيضًا كل أمين تقبل دعواه، فيقول له: أتحلف؛ لأن المذكورين حجتهم ما ذكرناه من غير توقف على البينة؛ فهي عبارة حسنة شاملة.
ثانيها: استثني أيضًا منه: القاذف، فيندب للقاضي أن يبين له الحال من أول الأمر تغليظًا عليه، فيقول: ألك أربعة من الشهداء يشهدون بالمعاينة؛ لعله أن يرجع عما ادعاه.
ثالثها: محل السكوت: ما إذا كان المدعي يعلم ذلك الحكم، فإن جهله .. وجب إعلامه به، قال في " المطلب ": أفهم كلام " المهذب " قول ذلك للجاهل على وجه الوجوب 264. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هو الذي يقتضيه القواعد.

الحديث: 5986 - الجزء: 3 - الصفحة: 589

قال في " المهمات ": ومقتضى كلام " النهاية ": أن الأصح: أنه يقول للمدعي: ألك بينة مطلقًا سواء كان عالمًا أو جاهلًا 265، وكلام الماوردي يقتضي أنه مخير بين أن يقول: قد أنكرك فلك بينة، أو فما عندك، والأول أولى مع الجهل، والثاني أولى مع العلم 266. رابعها: ظاهره التخيير بينهما، وليس كذلك، بل إن علم علمه بذلك .. فالسكوت أولى، وإن شك .. فالقول أولى، وإن علم جهله به .. وجب إعلامه كما سبق.
5987 - قول " المنهاج " [ص 562]: (فإن قال: " لي بينة وأريد تحليفه " .. فله ذلك) وهو المراد بقول " التنبيه " [ص 254]: (وإن حضرت البينة لم يطالب بإقامتها) أي: وله طلب يمين الخصم، ثم قال بعد ذلك: (فإن قال المدعي: " لي بينة غائبة " .. فهو بالخيار، فإن شاء أحلف المدعى عليه، وإن شاء صبر حتى تحضر البينة) 267 وقد عرفت أن هذا التخيير لا يختص بما إذا كانت البينة غائبة.
واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا ادعى لغيره بطريق الولاية أو النظر أو الوكالة، أو لنفسه ولكن كان محجورًا عليه بسفه أو فلس، أو مأذونًا له في التجارة، أو مكاتبًا .. فليس له ذلك في شيء من هذه الصور؛ لئلا يحلف ثم يرفعه لحاكم يرى منع البينة بعد الحلف، فيضيع الحق، إلا أن يكون غير وكيل بيت المال، ويأذن له موكله في ذلك، أو يأذن السيد للمأذون له في ذلك، وكذا الغرماء إن ركبه دين، أو يأذن السيد للمكاتب، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
قلت: قد يقال: المطالبة متعلقة بالمدعي، فلا يرفع غريمه إلا لمن يسمع البينة بعد الحلف بتقدير أن لا يفصل أمره عند القاضي الأول، إلا أن يقال: قد يضطر عند تيسير البينة إلى قاضي بهذه الصفة؛ لعدم وجود غيره، والله أعلم.
ولا يرد شيء من ذلك على قول " الحاوي " [ص 690]: (وتقام البينة عنده).
5988 - قول " المنهاج " [ص 562]: (أو " لا بينة لي "، ثم أحضرها .. قبلت في الأصح) مقتضاه: جريان الوجهين في اقتصاره على قوله: (لا بينة لي) كما لو زاد عليه: (لا حاضرة ولا غائبة)، وهو الذي رجحه في " الشرح الصغير "، لكن جزم البغوي بأنه كما لو قال: (لا بينة لي حاضرة) 268 حتى يجزم فيها بالقبول كما هو مجزوم به في " الروضة " و" الشرحين " في التقييد

الحديث: 5987 - الجزء: 3 - الصفحة: 590

بالحضور 269، فلو قال " المنهاج ": (لا حاضرة ولا غائبة) كما فعل " الحاوي " .. لطابق " الروضة "وأصلها في جعلها محل الوجهين، وفهمت منه بقية الصور من طريق الأولى.
ثم اعلم: أن شرط الوجه الآخر: أن لا يذكر لكلامه تأويلًا من جهل أو نسيان، فإن ذكر .. قبل قطعا، وشرط شيخنا في " تصحيح المنهاج " لجريان الخلاف أيضًا: أن يكون قائل ذلك مقبول الإقرار، فلو كان محجورًا .. قبلت البينة بعد ذلك بلا خلاف، وكذا لو قال ذلك وليٌّ أو وكيل؛ لأن إقرارهما لا يبطل حق غيرهما.
5989 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال المدعى عليه بعد النكول: " أنا أحلف " .. لم يسمع) الأصح: تمكينه من الحلف إذا لم يحكم القاضي به، أو يقل للمدعي: احلف؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 690]: (وقضى بالنكول، أو قال للمدعي: احلف .. فالمدعي) فلم ينقل اليمين للمدعي إلا عند وجود أحد الأمرين، ولو رضي المدعي بتحليفه بعد الحكم بالنكول .. فالأصح: أن له أن يعود ويحلف.
5990 - قول " التنبيه " [ص 254]: (وإن قال المدعي بعد النكول: أنا أحلف .. لم يسمع، إلا أن يعود في مجلس آخر ويدعي وينكل المدعى عليه) قال الرافعي: هو ما أورده العراقيون والروياني والهروي، والمنع أحسن وأقوى 270، وفي " الشرح الصغير ": إنه الأظهر، وفي " أصل الروضة ": إنه الأصح 271، وعليه يدل قول " الحاوي " [ص 691]: (ونكول المدعي كحلف الخصم).
5991 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (وإذا ازدحم خصوم .. قُدِّم الأسبق) 272 فيه أمور: أحدها: قال في " أصل الروضة ": الاعتبار بسبق المدعي دون المدعى عليه، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس كذلك، بل لا بد أن يسبق المدعي وخصمه، فلو سبق المدعي وتأخر خصمه ثم جاء مدع آخر مع خصمه ثم حضر خصم الآخر .. فإنه يقدم المدعي الذي حضر خصمه قبل حضور خصم الآخر.
ثانيها: تقديم الأسبق واجب كما هو مقتضى نص " الأم " و" المختصر "، ولفظه: (لا يقدم رجلًا جاء قبله غيره) 273، وصرح الماوردي بعدم جوازه 274، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ":

الحديث: 5989 - الجزء: 3 - الصفحة: 591

وهو مقيد بما إذا تعين على القاضي فصل الخصومات، فإن لم يتعين عليه .. فله أن يقدم من شاء كما صرحوا به في المدرس في العلم الذي لا يجب تعليمه، وفي " أصل الروضة " عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وغيرهما: أن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا، فجعلا له رزقًا .. جاز، قال: وهذا نحو ما نقل الهروي: أن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال، وهو محتاج، ولم يتعين عليه القضاء .. أن له أن يأخذ من الخصم أجرة عمله 275، قال شيخنا: وقضية هذا: أن له تقديم من جعل له الرزق وإن كان مسبوقًا.
ثالثها: استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج " من تقديم السابق: ما إذا كان كافرًا .. فلا يقدم على المسلمين، قال: وهذا لا توقف فيه، ولم أر من تعرض له.
5992 - قولهم - والعبارة " للمنهاج " -: (فإن جُهِل أو جاؤوا معًا .. أُقرع) 276 محله: ما إذا لم يعسر، فإن كثروا وعسر الإقراع .. كتب أسماءهم في رقاع، ووضعت بين يديه؛ ليأخذ واحدة واحدة، فيسمع دعوى من خرج اسمه 277. 5993 - قول " التنبيه " [ص 253]: (فإن كان فيهم مسافرون .. قدمهم، إلا أن يكثروا .. فلا يقدمهم) قيده " المنهاج " و " الحاوي " بأن يكونوا مستوفزين 278، وفسره في " أصل الروضة " بقوله: قد شدوا الرحال ليخرجوا، ولو أخروا .. لتخلفوا عن رفقتهم 279، واستثنى " المنهاج " أيضًا: ما إذا كثروا 280، ولم يبينا حد الكثرة، ومثله بعضهم: بأن يكونوا مثل المقيمين أو أكثر كالحجيج بمكة، وأهمله " الحاوي ". 5994 - قول " الحاوي " [ص 661]: (ثم المرأة) أحسن من قول " المنهاج " [ص 562]: (ونسوة) لإفادته أنه إذا اجتمع مسافر وامرأة .. قدمت المرأة، ولم يتعرض " التنبيه " لتقديم المرأة، وعبارة " أصل الروضة ": لو كان في الحاضرين نسوة ورأى المَاضي تقديمهن لينصرفن .. قدمهن على الصحيح، بشرط أن لا يكثرن، وتقديم المسافر والمرأة رخصة غير واجب على الصحيح، ومنهم من يشعر كلامه بالوجوب، واختار النووي أنه مستحب لا يقتصر به على

الحديث: 5992 - الجزء: 3 - الصفحة: 592

الإباحة، قال في " أصل الروضة ": وينبغي أن لا يفرق بين أن يكون المسافر والمرأة مدعيًا أو مدعى عليه 281. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو ممنوع، بل هو مختص بالمدعي؛ لأن الدعوى له، وظاهر كلامهم أنه لا تقديم بغير ذلك، لكن ذكر الماوردي: أن القاضي يقدم المريض المسبوق الذي يستضر بالصبر إن كان مطلوبًا، ولا يقدمه إن كان طالبًا؛ لأن المطلوب مجبور والطالب مخير 282. 5995 - قول " التنبيه " [ص 253]: (ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة) كذلك من خرجت له القرعة؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 562]: (ولا يقدم سابق ولا قارع إلا بدعوى) وخرج به المقدم بالسفر، فقال الرافعي: يحتمل أن لا يقدم إلا بدعوى، ويحتمل أن يقدم بجميع دعاويه، ويحتمل أن يقال: إذا عرف أن له دعاوى .. فهو كالمقيم؛ لأن البعض لا يفيده والكل يضر غيره 283. وقال النووي: الأرجح: إن كانت قليلة أو خفيفة بحيث لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا .. قدم بجميعها، وإلا .. فيقدم بواحدة؛ لأنها مأذون فيها، وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر 284. قال في " المطلب ": وقياس ما ذكره: أن يقدم بما لا يضر كما له أن يستوفيه، وعبارة " الحاوي " [ص 661]: (وقدم المسافر المستوفز، ثم المرأة، ثم السابق، ثم بالقرعة بخصومةٍ) وظاهره عود التقييد إلى جميع الصور، ولا يصح حمله على الأخيرة فقط؛ لأن السابق كذلك بلا شك.
5996 - قول " التنبيه " [ص 252]: (ولا يتخذ شهودًا مرتين لا يقبل غيرهم) ظاهره الكراهة؛ لعدّه في الآداب وعطفه على قوله: (ولا يتخذ حاجبًا) 285، وهو وجه في " الكفاية "، لكن جزم في " المنهاج " بالتحريم 286، وهو المذكور في " الروضة " وأصلها 287. 5997 - قول " المنهاج " [ص 562]: (وإذا شهد شهودٌ فعرف عدالةً أو فسقًا .. عمل به) و" الحاوي " [ص 675]: (واستزكى إن شك) و" التنبيه " [ص 255]: (وإن جهل عدالتهم .. سأل)

الحديث: 5995 - الجزء: 3 - الصفحة: 593

محل الاكتفاء في التعديل بعلمه: في غير أصله وفرعه، وفيهما وجهان في " أصل الروضة " بلا ترجيح.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا تفريعًا على أنه لا يقبل تزكيته لأصله ولا فرعه كما هو الصحيح في زيادة " الروضة " 288: أنه لا يجوز أن يحكم بشهادة أصله ولا فرعه إذا علم عدالته ولم يقم عنده بينة بها.
5998 - قول " التنبيه " [ص 254]: (فإن شهدوا وكانوا فساقًا .. قال للمدعي: " زدني في الشهود ") قال في " الكفاية ": ظاهره أنه يصغي لسماع شهادتهم وإن علم فسقهم قبل الأداء، وقد توجه: بأنه لو منعهم .. لكان هتكًا، لكن الذي صححه الرافعي والنووي: أنه لا يصغي إليهم 289. 5999 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (أن يكتب ما يتميز به الشاهد والمشهود له وعليه) 290 فيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الواجب طلب بيان عدالة الشاهد؛ ليرتب الحكم على شهادته بالطريق المعتبرة عنده، وسواء طلب البيان بهذا الطريق أم بغيره، وفي " النهاية ": لا يستريب فقيه في أن كتابة ذلك ليس أمرأ مستحقًا، فلو اتفق الهجوم على السؤال لفظًا .. لما امتنع، غير أن الأحسن ما قدمناه، وإن لم يكن في زمن الماضين .. لخبث الزمان 291. ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: كتابة المشهود له وعليه [ليس من الواجب في الاستزكاء] 292 وإن ذكره الشافعي رضي الله عنه والأصحاب، وفي " المطلب ": أن اعتباره لينجز الحكم، ولا يقف على استكشاف عداوة ولا قرابة ولا شركة تمنع من قبول الشهادة، وإلا .. فذاك ليس من أمر الاستزكاء في شيء، حتى لو أغفله وثبتت العدالة .. بقي على القاضي النظر فيما وراء التعديل 293. 6000 - قول " الحاوي " [ص 676]: (وقدر المال) أحسن من قول " التنبيه " [ص 255] و" المنهاج " [ص 562]: (وقدر الدين) لشموله الأعيان، ومع ذلك فلو قال: (وما شهدوا به) .. لكان أعم؛ ليتناول النكاح والقتل وغيرهما، وقول " المنهاج " [ص 562]: (على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، مع أن الأول منصوص " الأم " و" المختصر "، ويقتضي ضعف مقابله مع أنه قوي، وفي " النهاية ": الذي ذهب إليه معظم الأئمة أنه احتياط وليس باشتراط؛ فإن العدل

الحديث: 5998 - الجزء: 3 - الصفحة: 594

في اليسير عدل في الكثير 294، وقال الغزالي: إنه الأشهر 295، وصححه صاحبا " المرشد " و" روضة الحكام ". 6001 - قول " المنهاج " [ص 562]: (ويبعث به مزكيًا) كذا بخط النووي، وصوابه: (إلى مزك) كما في " المحرر " 296، والمبعوث إنما هم أصحاب المسائل؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 255]: (ويدفعها إلى أصحاب المسائل) وقد قال " المنهاج " عقبه [ص 562]: (ثم يشافهه المزكي بما عنده) فإن أراد المبعوث أولًا .. لم يطابق كلام " المحرر " ولا كلام الأصحاب، وإن أراد غيره .. لزم عليه لتسميته الأول مزكيًا اتحاد المبعوث والمبعوث له، وعبارة " أصل الروضة ": ويكتب إلى كل مزك كتابًا، ويدفعه إلى صاحب مسألة، ثم قال: وهل الحكم بقول المزكين أم بقول أصحاب المسائل؟ وجهان، صحح الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وغيرهما الثاني، قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان شهادة على شهادة فتقبل للحاجة؛ أي: مع كون شهود الأصل في البلد؛ لأن المزكي لا يلزمه الحضور فعلى هذا لا بد من اثنين من أصحاب المسائل، وعلى الأول يكفي واحد 297، وحاول الرافعي نفي الخلاف فقال: إن ولي صاحب المسألة الجرح والتعديل .. فالحكم مستند إليه وحده، وإن أمره بالبحث، فبحث وشهد بما عرف .. استند إليه أيضًا، لكن يشترط هنا العدد، وإن أمره بمراجعة مزكين وإعلامه بما قالاه .. استند إليهما لا إليه، فليحضرا وليشهدا، ولا يشهد على شهادتهما؛ لأن الفرع لا يقبل مع حضور الأصل.
انتهى بمعناه 298. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضى كلامه في التنكير والتعريف: أنه يكتفي في البعث والتزكية بواحد، وهو خلاف نص " الأم " و" المختصر " وما عليه الأصحاب، وعبارة الشافعي رضي الله عنه: (ولا يقبل تعديله إلا من اثنين، ولا المسألة عنه إلا من اثنين) 299 ولهذا عبر " التنبيه " بأصحاب المسائل كما تقدم: ثم قال: (واقلهم اثنان) 300. 6502 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن عادوا بالتعديل .. أمر من عدلهم في السر أن يعدَّلهم في العلانية) هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب؛ فيه خلاف في " الكفاية "، وصحح كلًا منهما طائفة، وصحح الماوردي والروياني: الاستحباب إن كان مشهورًا بين الناس بما يتميز به في الاسم

الحديث: 6001 - الجزء: 3 - الصفحة: 595

والنسب، والإيجاب في غيره، وقوله: (كما عدلهم سرًا) 301، قال في " الكفاية ": ظاهره إعادة التزكية، وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم بأن المراد به: جمع المزكي والمعدلين، ويقول للمزكي: هؤلاء هم الذين سئلت عنهم وزكيتهم، فيقول: نعم، أو نحوه، قال القاضي الحسين: ويشترط في التزكية سؤال القاضي عنها، فلو عدل من غير سؤال .. لم يصغ القاضي لقوله؛ لأن التعديل حسبة لا يسمع.
وفي " أصل الروضة " قبيل القضاء على الغائب: تقبل شهادة الحسبة على العدالة والفسق؛ لأن البحث عن حال الشهود ومنع الحكم بشهادة الفاسق حق لله تعالى 302. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي اشتهر عند الأصحاب ترجيح ما ذهب إليه الإصطخري وغيره من أن الحكم إنما هو مستند إلى شهادة أصحاب المسائل عند الحاكم بالتزكية، وقال أبو إسحاق: إنما يحكم الحاكم بتزكية المزكين الذين يسألهم أصحاب المسائل.
6003 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (شرطه خبرة باطن من يعدله) 303 قال في " الكفاية ": أي في وقت الأداء أو قريبًا منه، كما قال الشافعي رضي الله عنه، قال: وهذا في المعدلين، أما أصحاب المسائل إذا اكتفينا بتعديلهم كما هو الصحيح .. فلا يشترط أن يكونوا من أهل الخبرة الباطنة، قال الماوردي: ولا يسألهم الحاكم من أين علمتم الجرح والتعديل 304، وكلام ابن الصباغ قريب منه، وكذا قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن الذي اشتهر عند الأصحاب ترجيح إسناد الحكم إلى شهادة أصحاب المسائل عند الحاكم بالتزكية مع أن أصحاب المسائل لا يخبرون باطن من يعدلونه، وقال: إن الذي في " المنهاج " إنما يجيء على وجه أبي إسحاق أن التزكية من المزكين الذين يسألهم أصحاب المسائل.
قلت: بتقدير ترجيح الأول .. فقد صار أصحاب المسائل يخبرونهم الخبرة الباطنة ببحثهم وتنقيبهم عنه وإن لم يطل الزمان في ذلك، وقد قال الرافعي: إن ظاهر لفظ الشافعي اعتبار التقادم في المعرفة الباطنة، ثم قال: ويشبه أن شدة الفحص كالتقادم، فليس ذكر التقادم للاشتراط، بل لكون الغالب أن الباطن لا يعرف إلا به 305. 6004 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وأنه يكفي: " هو عدل "، وقيل: يزيد: " عليَّ

الحديث: 6003 - الجزء: 3 - الصفحة: 596

ولي ") 306 نص في " الأم " و" المختصر " على الثاني، ولفظه: (ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: عدلٌ عليّ ولي) 307، وقال في " الشامل ": قال أكثر أصحابنا بظاهر لفظه، وفي " أصل الروضة ": أن الأولين تأولوه، وجعلوه تأكيدًا لا شرطًا 308. ورجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن المعنى في هذه الزيادة تعميم تعديله وانتفاء تخصيص عدالته بشيء دون شيء، قال: وعلى هذا: فلو قال: عدل لا تختص عدالته بشيء دون شيء .. كان ذلك كافيًا؛ لتصريحه بالمقصود من: (عليّ ولي)، قال: وقد يكون بينه وبين المعدّل عداوة تمنع من قبول شهادته عليه .. فلا ينبغي أن يلزم المعدّل أن يقول: (على) لوجود العداوة المانعة من قبول قوله عليه، ولو قال المعدل ذلك على قصد التعميم .. لم يكن ذلك مقتضيًا لانتفاء العداوة بينه وبينه.
وقال شيخنا ابن النقيب: ينبغي إن لاحظنا ما بين الشاهد والمزكي .. اتجه اشتراط: (لي) فقط، أو ما بينه وبين المشهود له من قرابة .. اتجه اشتراط: (له) فقط، ويشير إليه أو يسميه، وإن لوحظ الاحتياط .. اشترط: (لي وللمشهود له وعلى المشهود عليه).
انتهى 309. 6005 - قول " التنبيه " [ص 255]: (ولا يقبل الجرح إلا مفسرًا) و" المنهاج " [ص 562]: (ويجب ذكر سبب الجرح) يقتضي أنه لا يجعل بذكر الزنا قاذفًا، وهو كذلك للحاجة كالشاهد، لكن لو لم يوافقه غيره .. فقال الرافعي: ليكن كما لو شهد ثلاثة بالزنا في كونهم قذفة قولان 310، قال النووي.
والمختار بل الصواب: أنه غير قاذف هنا وإن انفرد؛ لأنه مسؤول، فهو في حقه فرض كفاية أو عين، بخلاف شهود الزنا؛ فإنهم مندوبون إلى الستر، فهم مقصرون 311. وفي " المهمات ": أن ما ذكره النووي هو المعروف في المذهب، وكيف يجتمع وجوب ذكر الزنا ووجوب الحد عليه؟ وفرق الماوردي بين أصحاب المسائل، فلم يجعلهم قذفة، والجيران إذا لم يكمل بهم النصاب، فجعلهم قذفة؛ لأن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار بما سمعوه ولم تندب الجيران إليه 312. واستحسنه شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: إنه المعتمد، لكنه ذكر أن محل إيجاب ذكر

الحديث: 6005 - الجزء: 3 - الصفحة: 597

سبب الجرح في غير أصحاب المسائل، فلا يجب على أصحاب المسائل، فيقال عليه إذا ندبوا لذلك ولم يخشوا حد القذف، فهم أولى من غيرهم بوجوب بيان السبب، وهل يشترط ذكر رؤية السبب أو سماعه؛ بأن يقول: رأيته يزني أو سمعته يقذف؛ وجهان، أشهرهما: نعم، وأقيسهما: لا.
واعلم: أن الجرح الذي ليس مفسرًا وإن لم يقبل يفيد التوقف عن الاحتجاج به إلى أن يبحث عن ذلك الجرح، ذكره ابن الصلاح والنووي في الرواية، ولا فرق بين الرواية والشهادة في ذلك فيما يظهر.
6006 - قول " المنهاج " [ص 562]: (وتُعتمد فيه المعاينة أو الاستفاضة) حمله شيخنا في " تصحيح المنهاج " على غير أصحاب المسائل، فأما هم .. فإنما يعتمدون المزكين.
6007 - قول " التنبيه " [ص 255]: (فإن عدله اثنان وجرحه اثنان .. قدم الجرح) قال في " المنهاج " [ص 562]: (فإن قال المعدل: " عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح " .. قدم) وفي " الكفاية " استثناء صورة أخرى، وهي: ما لو جرحه اثنان ببلد ثم انتقل لأخرى فعدله اثنان، ثم قال: كذا أطلقوه، وينبغي أن يخص بما إذا تخللت مدة الاستبراء.
6008 - قول " الحاوي " [ص 675]: (لا إن أقر الخصم بعدالته) أي: فإنه لا يجب الاستزكاء، تبع فيه " الوجيز " 313، لكن قال في " المنهاج " [ص 562]: (والأصح: أنه لا يكفي في التعديل قول المدعى عليه: " هو عدلٌ وقد غَلِط ") وهو يقتضي أن مقابله الاكتفاء بذلك في التعديل، ولم يقم به أحد، وإنما مقابله الاكتفاء به في الحكم على المدعى عليه بذلك.
ثم محل الخلاف: ما إذا كان المدعى عليه أهلًا للإقرار بالحق المدعى به، فإن كان سفيهًا أو عبدًا أو وكيلًا .. لم يكن لكلامه أثر بلا خلاف.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وقوله: (وغلط) لا يحتاج إليه، بل اعترافه بعدالته يقتضي جريان الوجهين وإن لم نقل: غلط.
قلت: ذكر ذلك إنما هو تصوير للمسألة؛ بأن يكون مع اعترافه بعدالة الشاهدين باقيًا على الإنكار، والله أعلم.
6009 - قول " الحاوي " [ص 676]: (فإن ارتاب .. فليستفصل) فيه أمران: أحدهما: أن ظاهره ونجوب ذلك، وكذا قال الإمام والغزالي 314، لكن عامة الأصحاب على أنه

الحديث: 6006 - الجزء: 3 - الصفحة: 598

مستحب 315، وقد صرح به " التنبيه " فقال [ص 254]: (فإن كانوا عدولًا وارتاب بهم .. استحب أن يفرقهم).
ثانيهما: ظاهر كلامهما تقديم التزكية على الاستفصال، وكذا قال الغزالي 316، والمشهور عكسه، وهو الذي حكاه الرافعي عن أصحابنا العراقيين وغيرهم، وقال: إنه الوجه، وظاهر كلام الأصحاب رد شهادتهم إذا اختلف كلامهم، وبه صرح الماوردي، وعليه يدل قول الرافعي: في تعليل تقديم التفريق على الاستزكاء: فإنه إن اطلع على عورة .. استغنى عن الاستزكاء والبحث.
انتهى 317. وقد يقال: يمكن حمل الاختلاف في الكيفية على الغلط في ذلك، فيقضي القاضي بالقدر المشترك الذي وقعت به الشهادة، ولا يضر الاختلاف؛ ويؤيده أن القاضي يقضي مع الريبة، والله أعلم.
6010 - قول " التنبيه " [ص 255]: (وإن عاد أحدهما بالتعديل والآخر بالجرح .. أنفذ آخرين) قال في " الكفاية ": وفي " المهذب " تبعًا للماوردي الاكتفاء بواحد 318، واستحسنه ابن يونس، والذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ الأول.
6011 - قوله: (فإن جهل إسلامهم .. رجع فيه إلى قولهم) 319 كذا في " أصل الروضة " هنا 320، لكن فيها في الردة: أن الكافر إذا قال: أسلمت .. لا يحكم بإسلامه حتى يتلفظ بالشهادتين؛ لأنه قد يسمى دينه الذي عليه إسلامًا 321. قال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": ولا أثر لكونه غير محقق الكفر؛ لأن المطالبة لاحتمال أن يكون كافرًا، وبتقدير هذا الاحتمال لا يفيد قوله: إني مسلم.

الحديث: 6010 - الجزء: 3 - الصفحة: 599

بابُ القضاء على الغائب

6512 - قول " المنهاج " [ص 563]: (هو جائز إن كان عليه بينة) يوهم جواز الدعوى على الغائب وإن لم يكن عليه بينة، وليس كذلك، فكان ينبغي أن يعتبر ذلك في صحة الدعوى؛ ولهذا قال " المحرر ": (وينبغي أن يكون للمدير على الغائب بينة) 322 و" التنبيه " [ص 255، 256]: (وإن ادعى على غائب وله بينة .. سمعها الحاكم) و" الحاوي " [ص 677]: (وعلى غائب - أي: حكم - كسماع الدعوى والبينة) فصرح بالأمور الثلاثة، على أن شيخنا في " تصحيح المنهاج " قد نازع في اشتراط ذلك في صحة الدعوى، وقال: الدعوى صحيحة بدونه، ولكن لا يحكم القاضي إلا أن يستند قضاؤه إلى الحجة المعتبرة من شاهدين أو شاهد ويمين أو علم القاضي، ولو ادعى ولا بينة له في علمه ثم اطلع عليها، أو ولا في الباطن ثم حدثت بشهادة على الغائب .. فقد صدرت صحيحة، فإذا قامت البينة عند القاضي .. حكم بها، ولو سافر القاضي بعد الدعوى إلى بلد الخصم التي هي في علمه والمدعي معه، فأخبره بالدعوى، فأقر أو أنكر .. فصل القاضي بينهما بتلك الدعوى المتقدمة، قال: وقد يتصور في الإرسال والنكول ورد اليمين ما يقتضي أن القاضي يقضي بحلف المدعي يمين الرد مع غيبة المدعى عليه، ولم أر من ذكره، وفيه نظر 323. قلت: هذا كله بعيد، والقاضي إنما يشتغل بالمهمات الناجزة، وليس منها سماع الدعوى على غائب بلا بينة؛ لاحتمال حدوث شيء مما ذُكِرَ، والدعوى ليست مما يفوت، فإذا وجدت الحجة .. أوجد الدعوى، لكن قد يرد على اقتصار " التنبيه " و" المنهاج " على البينة: الشاهد واليمين، وقد ذكره " الحاوي " 324، وقد يقال: هو داخل في مسمى البينة.
نعم؛ يرد عليهم جميعًا: علم القاضي إن سوغنا الحكم به؛ فكان ينبغي التعبير بالحجة.
6013 - قول " المنهاج " [ص 563]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 677]: (فإن قال: هو مقر .. لم تسمع بينته) محله فيما إذا كان مراده إقامة البينة ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب، فأما إذا كان للغائب مال حاضر وأراد إقامة البينة على دينه ليوفيه القاضي .. فإن القاضي يسمع بينته ويوفيه، سواء قال: هو مقر أو جاحد، حكاه في " أصل الروضة " عن " فتاوى القفال " 325. وزاد عليه شيخنا في " تصحيح المنهاج " صورة أخرى، وهي: ما إذا كانت بينته شاهدة

الجزء: 3 - الصفحة: 600

بالإقرار .. فإنه يقول عند إرادة مطابقة دعواه ببينته: أقر لي فلان بكذا ولي بينة بذلك، ثم قال: فإن قيل: لم يقل: هو مقر الآن بخلاف صورة القفال .. قلنا: قوله: (أقر) يقتضي دوام الإقرار؛ لأن الأصل بقاء الإقرار، لكنه ضمني؛ فيغتفر في الضمني ما لا يغتفر في الاستقلالي.
ثم استثنى شيخنا أيضًا: من لا يقبل إقراره لسفه ونحوه .. فلا يمنع قوله: هو مقر من سماع بينة المدعي، وكذا المفلس يقر بدين معاملة بعد الحجر .. فإنه لا يقبل في حق الغرماء، فلا يضر قول المدعى عليه في غيبته أنه مقر؛ لأن إقراره لا يؤثر فيما يقصد له الدعوى، وهو المضاربة، وكذا لو قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو، فادعاها عمرو في غيبته ليقيم بينة .. لا يضره قوله: وهو مقر؛ لأن إقراره غير مؤثر في القصد الذي وقعت به الدعوى، قال: ويتصور نحو ذلك في الرهن والجناية، ولم أر من تعرض لذلك.
ثم قال شيخنا المذكور: لو قال: هو مقر ولست آمن أن يجحد .. سمع بينته وحكم بها على الأرجح، بل ولو لم يقل: ولست آمن أن يجحد على الأشبه؛ لاحتمال الجحود، ولو قال: هو مقر ولكنه ممتنع .. سمع بينته أيضًا، وحكم بها، وهو قريب من منزع القفال في الصورة السابقة.
6014 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإن أطلق .. فالأصح: أنها تسمع) تبع فيه " المحرر " 326، وكذا رجحه في " الشرح الصغير "، ولم يحكه في " الكبير " إلا عن ميل الإمام، وصححه في " أصل الروضة " 327، وذكر ابن الرفعة أن ميل الأكثرين إلى مقابله.
واستثنى الغزالي من الخلاف: ما لو اشترى شيئًا فخرج مستحقًا والبائع غائب .. فتسمع بينته وإدق لم يدع الجحود بلا خلاف؛ لأن تقدم البيع منه كالجحود 328، وقال الإمام: إنه لا مراء فيه 329. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويحتمل أن يطرقه خلاف؛ لأنه قد يكون مبطلًا، فيعترف بالحق، ولا يكون تقدم البيع منه لجحوده، ولكن هذا بعيد.
6015 - قوله: (وأنه لا يلزم القاضي نصب مسخر يُنكر عن الغائب) 330 تبع في ترجيحه " المحرر " 331، وكذا صححه في " الشرح الصغير "، لكنه في " الروضة " وأصلها لم يحك تصحيحه إلا عن البغوي؛ وعلل بأن الغائب قد يكون مقرًا فيكون إنكار المسخر كذبًا، قال

الحديث: 6014 - الجزء: 3 - الصفحة: 601

الرافعي: ومقتضى هذا التوجيه: أنه لا يجوز نصب المسخر، قال: ولكن الذي أورده أبو الحسن العبادي وغيره أنه مخير بين النصب وعدمه 332. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": من ذكر الخلاف في اعتبار دعوى الجحود لا يشترط نصب مسخر ينكر عن الغائب، وإنما يحكي الخلاف في اشتراطه من تحريم باعتبار دعوى جحوده؛ فالجمع بينهما في الخلاف غير موجود في كتب الأصحاب.
6016 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وحكم بها، وحلّف المدعي) قد يوهم تأخر الحلف عن الحكم، وليس كذلك، والواو لا تدل على ترتيب، وقد أفصح " المنهاج " بالمقصود فقال [ص 563]: (ويجب أن يحلفه بعد البينة) أي: بعد إقامتها وتعديلها كما صرح به في " أصل الروضة " 333، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يمكن أن يتخرج جوازه بعد سماعها وقبل تعديلها على الخلاف في جواز الحبس بشهادة الشاهدين قبل تعديلهما، والأصح: الحبس، فينبغي أن يكون الأصح هنا: الجواز، ونظيره سماع بينة الداخل بعد إقامة الخارج البينة وقبل تزكيتها، وعبارة " الحاوي " [ص 677]: (إن حلف) فدل جعله شرطًا على تقدمه، وهي أحسن من تعبير " المنهاج " لكونه ذكر ذلك بعد البينة وشاهد ويمين، وقد لا تتناول عبارة " المنهاج " الشاهد واليمين كما تقدم.
6017 - قول " المنهاج " [ص 563]: (أن الحق ثابت في ذمته) و" التنبيه " [ص 256]: (أنه لم يبرأ إليه منه ولا من شيء منه) هو أقل ما يكفي في اليمين، والأكمل ما ذكره في " أصل الروضة ": أنه ما أبرأه من الدين الذي يدعيه ولا من شيء منه، ولا اعتاض، ولا استوفى، ولا أحال عليه هو ولا واحد من جهته، بل هو ثابت في ذمة المدعى عليه يلزمه أداؤه، ثم قال: ويجوز أن يقتصر، فيحلفه على ثبوت المال في ذمته ووجوب تسليمه 334. ولذلك خير " الحاوي " بينهما فقال [ص 677]: (أنه في ذمته أو بنفي نحو الإبراء) وظاهره الاكتفاء بنفي نحو الإبراء مع أنه لا بد عند إرادة البسط من التصريح بنفي كل مسقط.
ويرد عليهم جميعًا: أنهم لم يذكروا وجوب التسليم، وقد ذكره في " الروضة " 335، ولا بد منه؛ فإنه قد يكون ثابتًا في ذمته ولا يجب تسليمه لتأجيل ونحوه، وفي " المهمات " أنه مشكل من وجهين:

الحديث: 6016 - الجزء: 3 - الصفحة: 602

أحدهما: أن المدعى عليه لو كان حاضرًا فطلب بعد البينة تحليف المدعي على الاستحقاق .. لم يجب إليه؛ لأن فيه قدحًا في البينة، فكيف يحلفه عليه في غيبته وقد حلف على ثبوته في ذمته.
ثانيهما: أن المدعى عليه لو ادعى مسقطًا فأراد المدعي الحلف على استحقاق ما ادعاه .. لم يمكن منه، بل يحلف على ذلك المسقط؛ فكيف اكتفي به في حق الغائب؛ ولذلك أسقطه الماوردي فقال: وأقل ما يجزيه: أن يحلف أن حقه لثابت 336. قال في " المهمات ": وهو واضح؛ فتعين العمل به وأورد شيخنا في " تصحيح المنهاج " أمرين آخرين: أحدهما: أن المدعى به قد يكون عينًا .. فلا يحلف فيها كذلك، وإنما يحلف في كل دعوى على ما يليق بها.
ثانيهما: أن المدعى عليه لو كان حاضرًا وقال: الشهود فسقة أو كذبة وهو يعلم ذلك .. ففي تحليف المدعي على نفي العلم وجهان، طردًا في كل صورة ادعى ما لو أقر به الخصم لنفعه، لكن لم يكن المدعي عين الحق، ورجح في " الروضة " وأصلها: أن له التحليف 337، ويؤيده نص الشافعي في " البويطي " على أنه لو قال: أنه يعلم أن الشهود شهدوا بغير حق .. حلف على أنه لا يعلم ذلك.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويلتحق بذلك ما إذا قال: هو يعلم أن بيني وبين شهوده عداوة مانعة من قبول شهادتهم عليّ، أو أن فيهم رقًا، أو أن بينه وبينهم من النسب ما يمنع قبول شهادتهم، أو أنهم يجرون لأنفسهم بشهادتهم نفعًا، أو يدفعون بها عنهم ضررًا .. قال شيخنا: فعلى القاضي في القضاء على الغائب أن يحلفه على هذه الأمور كلها؛ لأنه لو طلب حلفه على ذلك .. أجيب إليه؟ فيحتاط الحاكم له في غيبته، ولم أر من تعرض لشيء من ذلك، إلا أن القاضي الحسين قال في اليمين: يقول: وأن شهوده شهدوا بالحق، قال شيخنا: وهو متعقب بأن المنصوص في " البويطي ": أنه في دعوى الحاضر ذلك يحلف على نفي العلم، فكذلك في الغائب.
واعلم: أن محل ترجيح وجوب التحليف: إذا لم يكن للغائب وكيل حاضر؛ ففي " أصل الروضة ": لو كان للمتمرد وكيل نصبه بنفسه .. فهل يتوقف التحليف على طلبه؛ فيه جوابان لأبي العباس الروياني؛ لأن الاحتياط والحالة هذه من وظيفة الوكيل، وكذا لو كان للغائب 338

الجزء: 3 - الصفحة: 603

وكيل 339، ولم يرجحا شيئًا، لكنهما ذكرًا قبل ذلك في توجيه أحد الوجهين فيما لو تعلق المدعي برجل وقال: أنت وكيل فلان الغائب ولي عليه كذا، وأدعي عليك، وأقيم البينة في وجهك .. أن للمدعي إقامة البينة على ذلك؛ ليستغني عن ضم اليمين إلى البينة؛ وليكون القضاء مجمعًا عليه 340، وهذا يقتضي ترجيح أحد الجوابين، وهو عدم التحليف، وقال في " المطلب ": إنه المشهور، وجزم شيخنا في " تصحيح المنهاج " بعدم التحليف في حضور الوكيل المطلق، قال: فإن لم يكن وكيلًا في طلب الحلف، بل في رد جواب الدعوى خاصة .. جاء الخلاف في الإيجاب والاستحباب.
وقال في " التوشيح ": لم أفهم هذا الخلاف؛ فإن الغائب إذا كان له وكيل .. فالحكم عليه ليس بحكم على الغائب، ولا يمين فيه جزمًا.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يجوز للقاضي أن يسمع الدعوى على الغائب وإن كان وكيله حاضرًا؛ لأن الغيبة المسموعة للحكم على الغائب موجودة، ولا يمنع من ذلك كون الوكيل حاضرًا؛ لأن القضاء إنما يقع على الغائب، ونظير ذلك: أن الولي إذا غاب الغيبة التي يجوز للقاضي أن يزوج المرأة بسببها .. فإنه يجوز أن يزوجها وإن كان وكيل الغائب حاضرًا، وفي نص الشافعي رضي الله عنه في " الإملاء " ما يشهد له، فقال: زوج السلطان أو وكيل الغائب، ذكره ابن بشري في " المختصر المنبه ". 6018 - قول " المنهاج " بعد ذكر الخلاف في وجوب هذه اليمين واستحبابها [ص 563]: (ويجريان في دعوى على صبي أو مجنون) رجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": القطع بالوجوب في الدعوى عليهما؛ لإمكان الغائب الاستدراك بخلافهما، وتبع في ذلك نقل الإمام له عن الأئمة 341، وحكى في " البسيط " اتفاق الأصحاب عليه.
6019 - قول " التنبيه " [ص 255] و" الحاوي " [ص 677]: (وميت) أي: ليس له وارث خاص، فإن كان .. فالتحليف موقوف على طلبه.
6020 - قول " الحاوي " [ص 677]: (ومتوارٍ ومتعزِّزٍ) حكى الرافعي في حلف المدعي عليهما وجهين، ثم قال: وقطع صاحب " العدة " بأنه لا يحلف؛ لأن الخصم قادر على الحضور 342، وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي 343.

الحديث: 6018 - الجزء: 3 - الصفحة: 604

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح عندنا: أن القاضي يحلف المدعي على المتمرد؛ لأن هذا احتياط للقضاء، فلا يمنع منه تمرد المدعى عليه، وألحق القاضي الحسين بالغائب والمستتر ما إذا أحضر الخصم خصمه إلى مجلس الحكم ثم هرب قبل أن يسمع الحاكم البينة عليه، أو بعد ما سمعها وقبل أن يحكم .. فإنه يحكم عليه، وادعى أن هذا لا خلاف فيه (1).

تَنْبِيْهٌ [لو أقام قيم الطفل بينة على قيم طفل آخر]

قال في " أصل الروضة ": بني على هذا الخلاف ما لو أقام قَيِّمُ الطفل بينة على قيّم طفل؛ فإن أوجبنا التحليف .. انتظرنا حتى يبلغ المدعى له، فيحلف، وإن قلنا بالاستحباب .. قضى بها 345، ومقتضاه: تصحيح الانتظار؛ لأن الصحيح: وجوب التحليف.
قال في " المهمات ": وقد يشكل عليه قوله بعد ذلك: لو ادعى ولي الصبي دينًا للصبي فقال المدعى عليه: إنه أتلف عليّ من جنس ما تدعيه قدر دينه .. لم ينفعه، بل عليه الأداء، فإذا بلغ الصبي .. حلفه 346، لكنه فرض تلك فيما إذا كان الصبي هو الذي ادعى له خاصة، وهذه فيما إذا كانا صبيين.
وقد يجاب: بأن اليمين في المسألة الثانية توجهت في دعوى أخرى.
انتهى.
وقال السبكي فيما حكاه في " التوشيح ": من طالع كلام الرافعي هذا .. اعتقد أن المذهب: أنه ينتظر ويؤخر الحكم، وقد يترتب على ذلك ضياع الحق؛ فإن تركة الذي عليه الدين قد تضيع أو يأكلها ورثته، فتعريضها لذلك وتأخير الحكم مع قيام البينة مشكل، ولا سيما، ونحن نعلم أن الصبي لا علم عنده من ذلك، واليمين الواجبة عليه بعد بلوغه إنما هي على عدم العلم بالبراءة، وهو أمر حاصل، فكيف يؤخر الحق لمثل ذلك، قال: وهذه المسألة لم يذكرها إلا القاضي الحسين تخريجًا منه، وتبعه من بعده عليها، والوجه عندي خلاف ما قال، وأنه يحكم الآن بما قامت [به البينة] 347، ويؤخذ الدين للصبي الذي ثبت له، وإن أمكن القاضي أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلف؛ فهو احتياط، وإن لم يمكن ذلك .. فلا يكلف، قال: وينبغي للقاضي أن ينظر نظرًا خاصًا، فإن ظهرت أمارة البراءة .. توقف، وإن ظهر خلافها .. اعتمد الحجة الظاهرة، وإن344

الجزء: 3 - الصفحة: 605

استوى الأمران .. اعتمد الحجة بعد قوة الاجتهاد، وقد صرح الأصحاب بأن الوارث في مثل ذلك إنما يحلف على نفي العلم، فكيف يحسن قياس هذا على غريم الغائب الذي يحلف على البت؟ وينبغي للقاضي إذا حكم .. لا يهمل أن يكتب مكتوبًا بيد المحكوم عليه أن له تحليف المحكوم له إذا بلغ، ثم قال: ولو أن الصبي الذي حكمنا له وألزمناه اليمين بعد بلوغه نكل عنها بعد البلوغ ... فالوجه أن يقال: يحلف الدافع على ما ادعاه من البراءة، ويرجع على الصبي بما قبض له.
انتهى 348. 6021 - قول " التنبيه " [ص 256]: (فإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي .. فهو على حجته) قال في " الكفاية ": ظاهره أنه على حجته وإن لم يشترط الحاكم ذلك في الحكم، وقال الماوردي: إن القاضي يشترط في حكمه على الغائب أنه جعله على حجته إن كانت له حجة؛ لئلا يقتضي إطلاق حكمه عليه إبطال حجته 349. 6022 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو ادعى وكيل - أي: عن غائب - على الغائب .. فلا تحليف) أي: لا يتوقف الحكم بالبينة على يمين الوكيل، بل يعطى المال المدعى به.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه ممنوع وإن إيجاب التحليف هو المعتمد، ثم استشهد بما تقدم قريبًا فيما لو أقام قيم طفل بينة على قيم طفل، وقال: يؤخر مستحق الطفل إلى بلوغه، وتكون المدة طويلة، وتؤدي إلى ضياع حقه، ولا يؤخر حق الغائب الذي يمكن حضوره بعد يوم أو يومين إلى أن يحضر، هذا من العجائب؛ والمعتمد عندنا: أنه لا يقضي هنا على الغائب حتى يحضر المدعى له ويحلف اليمين الواجبة، ثم قال: أطلق قوله: (فلا تحليف)، لكن لو قال الحاضر الذي يدعي عليه الوكيل: أنت تعلم أن موكلك أبرأني فاحلف أنك لا تعلم ذلك .. ففي " أصل الروضة " عن الشيخ أبي حامد: أن له تحليفه على نفي العلم بالإبراء، ومن الأصحاب من خالفه 350، قال الرافعي: ولك أن تقول: مقتضى ما ذكره الشيخ أبو حامد: أن يحلف القاضي وكيل المدعي على الغائب على نفي العلم بالإبراء، وسائر الأسباب المسقطة نيابة عن المدعى عليه فيما يتصور منه لو حضر كما ناب عنه في تحليفه من يدعي لنفسه 351، قال شيخنا: نحن لا نثبت ذلك، ونقطع بأن الوكيل لا يحلفه القاضي التحليف المذكور من جهته؛ لأن المدعى عليه إذا كان حاضرًا .. يستفيد بذلك إسقاط مطالبة الوكيل، وأما يمين الاستظهار .. فمصبّها أن المال ثابت في ذمة الغائب، وهذا لا يتأتى من الوكيل؛ فلم يبق إلا إسقاط يمين الاستظهار على ما ذكره الإمام

الحديث: 6021 - الجزء: 3 - الصفحة: 606

ومن تبعه، أو امتناع القضاء على الغائب على ما قررناه، وهو المعتمد؛ لقيام الدليل عليه.
6023 - قوله: (ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي: " أبرأني موكلك " .. أُمر بالتسليم) 352 فيه أمران: أحدهما: هذه مسألة مبتدأة ليست من تمام التي قبلها ولا هي في الحقيقة من فروع هذا الباب، وصورتها: أن يكون المدعى عليه حاضرًا وموكل المدعي غائبًا، وهل المراد: الغيبة المعتبرة في القضاء عليه وهي الزائدة على مسافة العدوى، أو مطلق الغيبة عن البلد؛ رجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الثاني، وقال: لم أر من تعرض للتصريح به.
ثانيهما: يرد على إطلاق الأمر بالتسليم: ما لو طلب الحاضر من الوكيل الحلف على نفي العلم بأن موكله أبرأه .. فإنه يجاب إليه كما تقدم عن الشيخ أبي حامد، وهو الأصح، وفي معناه: دعواه علمه بأن موكله استوفى أو أنه عزله عن الوكالة، والتحليف فيها هو قياس نظائره في دعواه ما ليس حقًا له، لكن ينفعه في ذلك، والله أعلم.
6024 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإذا ثبت مال على غائب وله مال .. قضاه الحاكم منه) و" الحاوي " [ص 678]: (ووفى من ماله إن حضر) قيده شيخنا في " تصحيح المنهاج " بقيدين: أحدهما: أن محله: ما إذا لم يجبر الحاضر على دفع مقابله للغائب، فإن أجبر؛ كالزوجة تدعي بصداقها الحال قبل الدخول على الغائب .. فلا يوفيها القاضي من ماله الحاضر؛ لأن الزوج والزوجة يجبران، وقضية إجبارهما امتناع قضاء الصداق من مال الغائب، ومثله لو كان البائع حاضرًا وادعى بالثمن على المشتري الغائب .. فلا تسمع هذه الدعوى؛ لأنه لا يلزم الغائب تسليمه؛ لأن البائع يجبر على التسليم أولًا، وحيث قلنا: يجبران .. فالحكم كما في الزوجين.
ثانيهما: ومحله أيضًا: ما إذا لم يتعلق بالمال الحاضر حق، فإن تعلق به؛ كمالٍ وجد للغائب وهناك بائع له .. لم يقبضه الثمن، وطلب من الحاكم الحجر على المشتري الغائب حيث استحق البائع ذلك؛ فإن القاضي لا يوفي مدعي الدين من المال الحاضر، ويجيب طالب الحجر إلى مدعاه، ولو كان للغائب من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب .. قدمت نفقتهما ذلك اليوم على صاحب الدين؛ لأنه إذا قدم ذلك في المحجور عليه بالفلس .. فغير المحجور عليه أولى، فإن كان مرهونًا أو عبدًا جانيًا وهناك فضلة .. فهل للقاضي بطلب صاحب الدين أن يلزم المرتهن والمجني عليه بأخذ مستحقهما بطريقه ليوفي ما بقي من ذلك لمدعي الدين على الغائب، أم ليس له ذلك؟ قال: هذا موضع نظر، والأرجح: إجابة صاحب الدين لذلك، ولم أر من تعرض لشيء من ذلك 353.

الحديث: 6023 - الجزء: 3 - الصفحة: 607

6025 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإلا؛ فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب .. أجابه) يقتضي أنه لا يجيبه إذا كان للغائب مال حاضر، وليس كذلك، وجوابه: أن هذا خرج مخرج الغالب في أن صاحب الدين لا يطلب إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب إلا حيث لا يكون له مال حاضر، فلو لم يتعرض للمال الحاضر وطلب الإنهاء مع وجوده .. فله ذلك.
وقد يفهم من تعبير ومن تغيير " التنبيه " بقوله [ص 256]: (إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم) أنه لا بد أن يكون المكتوب إليه معينًا، وليس كذلك، فيجوز أن يكتب إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين، ولو كان لمعين فشهد الشاهدان عند غيره قبل شهادتهما وأمضاه، وقد صرح به " الحاوي " فقال [ص 679]: (ويشهد عند كلٍّ وإن لم يعمِّم) ويدل عليه.
قول " التنبيه " بعد ذلك [ص 256]: (أنه لو مات المكتوب إليه أو عزل أو ولي غيره .. حمل الكتاب إليه، وعمل به).
6026 - قول " المنهاج " [ص 563]: (فينهي سماع بينة ليحكم بها ثم يستوفي) فيه نقص؛ فقد لا يكون هناك بينة كاملة، بل شاهد ويمين، وفي هذه الصورة لا بد من ثبوت عدالة الشاهد؛ لأنه لا يحلف المدعي إلا بعد تعديله، وقد يكتب بعلم نفسه كما ذكره السرخسي.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأصح المعتمد خلافًا لما في " العدة "، وقد تناول ذلك كله قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن ثبت عنده).
6527 - قوله: (ثم يقول لهما: " اشهدا عليّ أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتما) 354 يفهم أنه لو قال بعد القراءة: (هذا كتابي إلى فلان) ولم يسترعهما .. لم يكف 355، وكذا يفهمه قول " المنهاج " [ص 563]: (والإنهاء: أن يشهد عدلين بذلك) و" الحاوي " [ص 678]: (وأشهد رجلين بتفصيله) وقد حكى ذلك في " الكفاية " وجهًا بناء على منع الشهادة على المقر من غير استرعاء، والذي حكاه الرافعي عن " الشامل " أنه يكفي 356، وحكاه في " الكفاية " عن القاضي أبي الطيب.
6028 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ويستحب كتاب به يذكر فيه ما يتميز به المحكوم عليه) كان ينبغي أن يقول: (والمحكوم له) كما فعل " الحاوي " 357، ولو عبرا بالغائب وصاحب الحق .. لكان أولى؛ ليتناول الثبوت المجرد عن الحكم.
6029 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ويشهدان عليه إن أنكر) كلام غير مستقيم؛ لأن

الحديث: 6025 - الجزء: 3 - الصفحة: 608

الشاهدين لا يشهدان على الخصم المنكر، وإنما يشهدان بما جرى عند القاضي من الثبوت أو الحكم، فإن قيل: فقد يكون القاضي شخصه لهما.
قلت: فتخرج المسألة عن هذا الباب؛ لأنه ليس حينئذ حكما على غائب، ولم يرد " المنهاج " هذه الصورة؛ فإنه قال عقبه: (فإن قال: " لست المسمى في الكتاب " .. صدق بيمينه) 358. 6035 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وعلى المدعي بينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه، فإن أقامها فقال: " لست المحكوم عليه " .. لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات) 359 فيه أمران: أحدهما: محل عدم اللزوم إذا كان له مشارك في الاسم والصفات: ما إذا كان ذلك المشارك حيًا أو ميتًا بعد صدور ما جرى في الكتاب أو قبله وعاصره الحي على الأصح في هذه، فأما إذا لم يعاصره .. فلا إشكال كما جزم به في " أصل الروضة " 360. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي أنه لا اعتبار بعدم المعاصرة؛ لأن الدين قد يكون له على ذلك الميت وإن لم يعاصره من جهة معاملة مع مورثه أو غير ذلك مما يمكن، وإنما المدار على أنه إن ظهر في أمر المدعى به ونحوه مما لا يمكن صدوره مع الميت .. فلا إشكال، وإلا .. وقع الإشكال.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: إلزامه الحكم مع إنكاره أنه المحكوم عليه بمجرد قيام البينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه من معضلات الفقه، وجزم به الأصحاب، ونص عليه الشافعي رضي الله عنه لكنه قال قبل ذلك: (وإن أنكر .. لم يؤخذ به حتى تقوم بينة أنه هو المكتوب عليه بهذا الكتاب) 361، وهو يخالف ما تقدم، قال شيخنا: وعندي أن النصين منزلان على حالين، فمحل كلامه الأول: إذا كان هناك نوع من الالتباس، والثاني: عند عدم الالتباس.
6031 - قول " المنهاج " [ص 563]: (وإلا .. بعث إلى الكاتب ليطلب من الشهود زيادة صفة تميزه ويكتبها ثانيًا) يقتضي الاقتصار على كتابة الصفة المميزة من غير حكم.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو ممنوع، بل لا بد عندنا من حكم مستأنف على الموصوف بالصفة الزائدة المميزة له، ولا يحتاج إلى تحديد دعوى، ولا حلف، وإنما

الحديث: 6035 - الجزء: 3 - الصفحة: 609

يحتاج إلى حكم على ما قررناه، ولم أر من تعرض لذلك.
6032 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن مات القاضي الكاتب أو عزل .. حمل الكتاب إليه، وعمل بما فيه) و" الحاوي " [ص 679]: (أو مات) محله: ما إذا لم يكن المكتوب إليه نائبًا عن الكاتب، فإن كان نائبًا عنه وفرعنا على انعزاله بعزله .. لم يعمل به، وهو الأصح، إلا أن يأذن له الإمام في الاستخلاف ويقول له: استخلف عني، ولا يخفى أن الجنون والعمى والخرس كالموت.
6033 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن فسق الكاتب؛ فإن كان فيما ثبت عنده ولم يحكم به .. بطل كتابه) محله كما قال في " الكفاية ": ما إذا كان فسقه قبل عمل المكتوب إليه بما في الكتاب، فإن كان بعده .. لم ينقض، صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم 362. 6034 - قوله: (فإن حكم عليه فقال: " اكتب إلى الكاتب أنك حكمت عليّ حتى لا يدعى ذلك مرة أخرى " .. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) 363 الأصح: الثاني.
6035 - قوله: (إلا إذا ادعى عليه ذلك مرة أخرى) 364 قال في " الكفاية ": هذه الزيادة لم أرها لغير الشيخ، والفقه يقتضيها.
6036 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه .. ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلاف القضاء بالعلم) أي: إن قلنا به .. جاز هذا، وعليه مشى " الحاوي " 365، وإن قلنا: لا يجوز .. امتنع.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا هو الموجود في التصانيف، وفي " الروضة " تبعا "للشرح " إثبات وجهين في جواز ذلك هنا تفريعًا على منع القضاء بالعلم 366، وتبعًا فيه " الوسيط " 367، وهو غير ممكن، وفي " المطلب ": أنه لا يكاد يوجد في كلام غير " الوسيط "، ثم قرره بأن علة منع القضاء بالعلم التهمة، وإذا كان القاضي منفذًا لحكم غيره .. انتفت التهمة؛ إذ يمكنه أن يقول عند السؤال عن السبب: حكم به قاض من قضاة المسلمين، ولا يشترط تعيينه، ولا إظهار الإشهاد عليه به، كما أنه يحكم بالبينة اتفاقًا، ولا يلزمه أن يذكر السبب، ثم قال: وأيضًا: فالمحكوم به هنا بالعلم الاستيفاء، والاستيفاء لا يعتبر فيه ما يعتبر في الحكم؛ ألا ترى أنه

الحديث: 6036 - الجزء: 3 - الصفحة: 610

يجوز أن يفوض إلى الوالي في محل الولاية وإن لم يصلح للقضاء، قال شيخنا: وما ذكره صاحب " المطلب " من التقرير مردود؛ لأن اتصال ذلك الحكم به إذا كان من جهة علمه .. فلا يمكن أن يقال بجواز القضاء به مع منع القضاء بالعلم، قال: والجواب الثاني مردود؛ فإن الوالي المستوفي الذي لا يصلح للقضاء يجوز للقاضي على ما قضى به، فالصادر منه مجرد استيفاء بمقتضى شوكته، وليس قضاء، بخلاف القاضي الذي يحكم بما صدر من القاضي.
وفي " المهمات ": هذا الخلاف لا وجه له، ولا نعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم الجزم بالمنع، وعبارة " الوسيط ": وإن لم نجوز القضاء بالعلم .. فقد أطلق بعض الأصحاب جوازه، وقال الإمام: لا يجوز 368، ومراده بذلك: أن بعض الأصحاب أطلق جوازه من غير تقييد بجواز القضاء بالعلم، والإمام نزل هذا المطلق على ما إذا جوزنا القضاء بالعلم؛ ويؤيده أن أصول " الوسيط " وهي " تعليقة القاضي حسين " و" النهاية " و" البسيط " ذكروه كذلك، ولم يحك أحد منهم خلافا.
انتهى.
على أن شيخنا في " تصحيح المنهاج " أنكر هذا التخريج من أصله، وقال: إنه ليس بمعتمد وإن جزموا به؛ فإن القاضي في غير محل ولايته كالمعزول، وإذا سمع المعزول أو من لم يل الحكم من حاكم: أني حكمت بكذا .. فهو شاهد على الحاكم، وذاك لا يحصل به العلم المجوز للقضاء، وإنما يسوغ له أن يشهد على حكم الحاكم، وفي " الروضة " تبعًا " للشرح " قبيل القضاء على الغائب: أنه لو سأل القاضي عن الشهود في غير محل ولايته، فعدلوا، ثم عاد إلى محل ولايته .. قال ابن القاص: له الحكم بشهادتهم إن جوزنا القضاء بالعلم، وخالفه أبو عاصم وآخرون، وقالوا: القياس منعه كما لو سمع البينة خارج ولايته 369. 6037 - قول " المنهاج " [ص 563]: (ولو ناداه في طرفي ولايتهما .. أمضاه) أي: يتخرج على القضاء بالعلم.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا عندنا ممنوع، بل هذا أولى بتخريجه على القضاء بالعلم؛ لأنه لم تكمل فيه ولاية كل منهما في الموضعين؛ فالمتكلم ليس حاكمًا في موضع ولاية السامع وسامعه ليس حاكمًا في محل ولاية المتكلم؛ فالحاصل للحاكم السامع مجرد علم، قال: ولنا أن نمنع التخريج في هذه أيضًا؛ لأن المستند لم يسمعه ممن هو في محل ولايته، فأشبه ما لو شهد الشهود وهم في غير ولايته وهو في طرف ولايته سامع لما شهدوا به.
6038 - قول " الحاوي " [ص 679]: (ولسماع شهادةٍ ذَكَرَ الشهود والتعديل) يقتضي أنه

الحديث: 6037 - الجزء: 3 - الصفحة: 611

لا يكفي الاقتصار على ذكر عدالتهم من غير تسميتهم، وبه قال الإمام والغزالي 370، قال الرافعي: والقياس: التجويز؛ كما أنه إذا حكم .. استغنى عن تسمية الشهود، قال: وهذا هو المفهوم من إيراد صاحب " التهذيب " وغيره 371، وفي " المحرر ": إنه الأشبه 372، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 564]: (ويسميها إن لم يعدلها، وإلا .. فالأصح: جواز ترك التسمية).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح: منع ترك التسمية؛ فقد نقله الإمام عن إجماع الأصحاب، وهو مقتضى نص " الأم " حيث قال: (كتاب القاضي كتابان: أحدهما: كتاب يئبت، فهذا يستأنف المكتوب إليه به الحكم) 373 ومقتضى استئناف الحكم: النظر في أمر الشهود؛ ليجري الحال فيهم على عقيدته.
وفي " المهمات " عن " البحر ": أن التجويز ضعيف، قال في " أصل الروضة ": وهل يأخذ المكتوب إليه بتعديل الكاتب أم له البحث وإعادة التعديل؟ لفظ الغزالي يقتضي الثاني، والقياس: الأول، قال النووي: هذا الذي جعله القياس هو الصواب 374. وظاهر كلامه أن ذلك يتعلق بالمسألتين معًا، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضى نص " الأم " في أن المكتوب إليه يستأنف الحكم، وما نقله الإمام عن إجماع الأصحاب يقتضي أنه ليس على المكتوب إليه بالتثبيت الأخذ بتعديل القاضي الكاتب، وهو المعتمد؛ لأنه قد يكون للمكتوب إليه رأي في الشهود يخالف رأي الكاتب، والكاتب لم يحكم؛ فلا ينسد على المكتوب إليه النظر في تخريجهم وتمكين الخصم من ذلك.
6039 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن ثبت عنده ولم يحكم، فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما ثبت عنده ليحكم عليه .. نظر: فإن كان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة .. لم يكتب) الأصح: أنه يكتب إذا كانت فوق مسافة العدوى وإن لم يبلغ مسافة القصر، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 679]: (وقُبل فوق العدوى) و" المنهاج " فقال [ص 564]: (وبسماع البينة لا يقبل على الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة) وقد رجح في قبول الشهادة على الشهادة اعتبار مسافة العدوى.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محل الخلاف: ما إذا سمع البينة وأثبت ما قامت به، فأما لو سمع البينة ولم يثبت ما قامت به .. فلا يقبل إلا في مسافة تقبل فيها شهادة على شهادة بلا

الحديث: 6039 - الجزء: 3 - الصفحة: 612

خلاف، وفي " المطلب " ما يخالف هذا فقال: الخلاف في أن ذلك نقل أو حكم بقيام البينة جاز فيما لو كتب بالسماع دون التعديل، ولا يكاد يعقل عندنا إسناد حكم إلى من لم تثبت عدالته؛ فدل على أن المراد بكونه حكمًا: الحكم بأن البينة تلفظت بالشهادة التلفظ المعتبر بعد تقدم شروط ذلك من الدعوى المحررة، والإنكار، وطلب الشهادة ونحو ذلك، وهذا يقتضي إثبات الخلاف في اعتبار المسافة حينئذ؛ كما لو سمع البينة وأثبت، لكن قال شيخنا: هذا الذي في " المطلب " خطأ لم يقل به أحد من الأصحاب، قال شيخنا: وقول " المنهاج ": (على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل ما قال إنه الصحيح بالقيد الذي قدمناه نص عليه في " الأم " فقال في آخر ترجمة كتاب القاضي إلى القاضي: (وإذا كان بلد به قاضيان كبغداد، فكتب أحدهما إلى الآخر بما قامت عنده من البينة .. لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، إنما يقبل في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه) (1).

فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

6040 - قول " المنهاج " [ص 564]: (ادعى عينًا غائبة عن البلد يؤمن اشتباهها كعقارٍ وعبدٍ وفرسٍ معروفاتٍ .. سمع بينته وحكم بها) قال شيخنا ابن النقيب: في " المحرر " و" الروضة ": (معروفين)، وهو أحسن تغليبًا للعاقل 376. وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أن الذي في " المحرر " و" الروضة ": (معروفين) بالتثنية، قال: فلم يعتبر المعرفة إلا في العبد والفرس، وهو الذي يوجد للأصحاب، وعبارة " المنهاج تقتضي اعتبار كون العقار معروفًا، وليس كذلك.
قلت: ويوافق ذلك قول " الحاوي " [ص 679]: (وفي غائب يُعْرَفَ أو يُعَرَّف بالحد) فلم يطلق المعرفة إلا في غير العقار، وقيدها فيه بالحد، وقد يقال: أراد ثانيًا: العقار الذي لا يعرف إلا بالحد، ودخل في عبارته أولًا: العقار الغائب الذي يعرف بدون حد.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": استثناء المعروف من ذلك ذكره ابن سريج من تخريجه، وجعله الماوردي وجهًا، وفي " تعليق البندنيجي " و " الشامل " ومن وافقهما من العراقيين القطع به، وكلام الشافعي مطلق، وتقييد ابن سريج له قوة، والأخذ بإطلاق الشافعي أحوط.
6041 - قول " المنهاج " [ص 564]: (ويعتمد في العقار حدوده) أي: الأربعة، وهو مراد375

الحديث: 6040 - الجزء: 3 - الصفحة: 613

" الحاوي " بالحد 377، فأتى باسم الجنس المعرف؛ ليتناول كل حد، ولا يجوز الاقتصار على ثلاثة، كذا جزم به في " الشرح الصغير " و" الروضة " هنا 378، وحكاه في " الكبير " عن ابن القاص 379، ونقل في آخر الأقضية عن " فتاوى القفال " وغيره: الاكتفاء بالثلاثة إن عرفت بها، ويعتمد في العقار أيضًا ذكر البقعة والسكة، قاله في " أصل الروضة " 380. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لا بد أن يستقصي فيه الصفات المحصلة للعلم به عند عدم مشاهدته؛ فيذكر في الدار البلد والمحلة والسكة، وهل هي أولها أو وسطها أو آخرها، يمنة أو يسرة أو في الصدر، ويذكر في الجدار من الدار إذا كان هو المستحق فقط سمته وطوله وعرضه، وأنه على يمين الداخل أو يساره، وحدود الدار التي فيها بعد ذكر البلد والمحلة ونحو ذلك، وإن كان المدعى به أشجارًا في بستان .. ذكر حدود البستان، وعدة الأشجار، ومحلها من البستان، وما تتميز به عن غيرها، والدار على التمييز.
انتهى.
6042 - قول " التنبيه " [ص 261]: (وإن كان عينًا يمكن تعيينها كالدار والعين الحاضرة عنها) قال في " الكفاية ": قد يتوهم أن المراد بتعيين الدار: أن يحضر الحاكم عند الدعوى، وليس كذلك، بل المراد: أن يبالغ في وصفها.
6043 - قوله: (وإن لم يمكن تعيينها .. ذكر صفاتها) 381 أي: المعتبرة في السلم، كذا في " أصل الروضة " هنا 382، وفي " الكفاية " عن الماوردي والإمام: أنه يجب في المتقوم استقصاء الأوصاف 383. 6044 - قوله: (وإن ذكر القيمة .. فهو آكد) 384 و" المنهاج " [ص 564]: (ويبالغ المدعي في الوصف ويذكر القيمة) اضطرب فيه كلام الرافعي والنووي، فصححا في الدعاوى: أنه لا يشترط ذكر القيمة، بل يكفي ذكر صفات السلم، وظاهر كلامهما وتمثيلهما استواء المثلي والمتقوم؛ فإنهما مثلا بالحبوب والحيوان 385، وقالا هنا في العين الغائبة عن البلد: أنه بعد ذكر الجنس والنوع

الحديث: 6042 - الجزء: 3 - الصفحة: 614

هل يجب ذكر صفات السلم أو القيمة ويكفي عن ذكر الصفات؛ قولان، وصححوا أن الركن في المثلي الصفات، والقيمة ندب، وفي المتقوم بالعكس 386. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا التفصيل لا نرتضيه، والمعتمد عندنا أنه لا حاجة إلى ذكر القيمة كما هو المصحح في الدعاوى، قال: وهذا الكلام في غير النقد، فأما النقد .. فإنه يعتبر فيه ذكر الجنس والنوع والقدر، وكونه صحاحًا أو مكسرًا.
6045 - قول " الحاوي " [ص 679]: (ويسمع البينة في متميزٍ بعلامةٍ) تبع فيه الإمام والغزالي؛ حيث فصلا فيما يسمع فيه البينة بين ما يتميز وغيره كالكرباس 387، والأصح: السماع مطلقًا؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 564]: (أو لا يؤمن .. فالأظهر: سماع البينة، وأنه لا يحكم بها) وفيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": القول بسماع البينة والتثبيت دون الحكم ضعيف، لم أجد ترجيحه لأحد، والمذهب المعتمد: أنه لا يحكم ولا تسمع البينة.
ثانيهما: قال شيخنا أيضًا: يتقيد عندي محل الخلاف بقيدين: أحدهما: أن محله: ما إذا لم يعلم القاضي العين التي شهد بها الشهود، فإن علم؛ بأن كانت العين الغائبة مما هو تحت نظره من ضالة أو من مال محجوره .. فيحكم بالبينة، ولا يتخرج على جواز القضاء بالعلم؛ لأن البينة قائمة دافعة للتهمة.
القيد الثاني: أن تشهد بملك العين من غير شهادة على إقرار المستولي عليها، فإن شهدت على إقراره بذلك .. حكم جزمًا، فإن أنكر عند المكتوب إليه اشتمال يده على عين بتلك الصفة .. لم يسمع منه، بل لا بد من تسليم العين أو غرم بدلها.
6046 - قول " المنهاج " [ص 564]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 679]: (بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به، فيأخذه ويبعثه إلى الكاتب ليشهدوا على عينه، والأظهر: أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه) فيه أمور: أحدها: فرع هذا الكلام في " المحرر " على قولنا: إنه لا يحكم 388، والذي في " الروضة ": أنه يكتب بما جرى عنده من مجرد قيام البينة أو مع الحكم إن جوزناه 389. ثانيها: محل بعثه: ما إذا لم يبد الخصم دافعًا، فإن أبداه؛ بأن أظهر هناك عينًا أخرى بالاسم

الحديث: 6045 - الجزء: 3 - الصفحة: 615

والصفات المذكورة بيده أو بيد غيره .. صار القضاء مبهمًا، ولا مطالبة في الحال كما سبق في المحكوم عليه.
ثالثها: لا يخفى أن هذا تفريع على أنه لا يحكم، أما إذا حكم وجوزناه .. حلف المدعي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان، وسلم إليه، قاله ابن القاص.
رابعها: محل هذا: في غير الجارية، أما الجارية .. فقيل: كالعبد، وقيل: لا يبعث أصلًا، وقيل: يسلم إلى أمين في الرفقة لا إلى المدعي، قال الرافعي: وهذا حسن 390، وقال النووي: هذا الثالث هو الصحيح أو الصواب 391. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي ذكره ابن أبي ليلى: أنها تسلم للمدعي، ويضم إليه أمين ثقة محتاط به، وهذا هو الأرجح على هذا القول الضعيف.
خامسها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن هذا ليس مذهب الشافعي، وإنما هو مذهب ابن أبي ليلى وقد حكاه الشافعي عن بعض الحكام، ورده، وقال: هذا استحسان، وحكم بأن القياس: أن لا يحكم حتى يشهد الشهود على العين، فكيف يتخرج في مذهبه وقد أبطله، وأعجب من ذلك أن يجعل مذهبه المعتمد في الفتوى.
6047 - قول " المنهاج " [ص 564]: (فإن شهدوا بعينه .. كتب ببراءة الكفيل، وإلا .. فعلى المدعي مؤنة الرد) كذا يجب عليه مؤنة الإحضار أيضًا، وقد صرح بذلك في " أصل الروضة " 392، وتناوله قول " الحاوي " [ص 680]: (وإن أحضره .. غرم مؤنته إن لم يثبت)، وقد ذكره " المنهاج " في آخر الفصل في العين الغائبة في البلد 393، ثم قال العراقيون والبغوي وغيرهم: يلزمه مع مؤنه النقل أجرة المثل للمدة التي نقل فيها إلى بلد الكاتب، ولم يتعرضوا لذلك في مدة تعطيل المنفعة إذا أحضره المدعى عليه وهو في البلد؛ فاقتضى سكوتهم المسامحة، وبها صرح الغزالي، والفرق زيادة الضرر هناك، كذا في " أصل الروضة " 394، وهو يوهم أن الغزالي فصل بين إحضاره من البلد وغيره، وليس كذلك، بل أطلق أن الأجرة لا تجب، فقال الرافعي: ينبغي أن يحمل على الغائب عن المجلس دون البلد؛ حتى يوافق كلام الأصحاب 395. 6048 - قول " الحاوي " [ص 679، 680]: (وطولب بإحضار ما ثم إن سَهُلَ) أحسن من قول

الحديث: 6047 - الجزء: 3 - الصفحة: 616

" المنهاج " [ص 564]: (أو غائبة عن المجلس لا البلد .. أُمر بإحضار ما يمكن إحضاره) لأن الشيء قد يكون ممكن الإحضار لكن فيه عسر، فلا يكلف إحضاره، وذلك كشيء ثقيل أو ثبت في الأرض أو جدار وضر قلعه .. فيبعث القاضي من يسمع البينة على عينه أو يحضر هو بنفسه.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا إذا كان الذي يمكن إحضاره يعرفه المدعي والشهود، ويشخصه المدعي، فإن كانت الدعوى في ثياب مشتبهة؛ كالنصافي والبعلبكي وغير ذلك مما لا يعرفه المدعي .. فلا يؤمر المدعى عليه بإحضاره؛ لأن المدعي لم يشخص شيئًا والمدعى عليه منكر، وقد قال الغزالي في الكرباس نحو ذلك، فقال: إذ المنكر لا يلزمه إحضاره الكرباس؛ لأنه يتماثل وإن أحضر 396. وفي " المطلب ": أن كلام الغزالي يفهم أن الكرباس لو كان حاضرًا بمجلس الحكم .. لم تسمع البينة على عينه؛ لما يطرقه من الاشتباه، وهذا لا يكاد يسمح به؛ ولذلك قال الرافعي: ولا شك في بعد هذا الكلام 397. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنما كلام الغزالي في العين الغائبة؛ فإن التماثل فيها قائم وإن أحضرت الغائبة؛ لأن التي أحضرت لم تقع الدعوى بها مشخصة؛ فالتماثل حاصل وإن حصل الإحضار بعد الغيبة، بخلاف الحاضرة في ابتداء الأمر المشخصة في الدعوى إذا شهد الشهود على عينها .. لا يتأتى فيها التباس 398. 6049 - قول " المنهاج " [ص 564]: (ولا تسمع شهادة بصفة) أي: هنا، واستثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " موضعين: أحدهما: أن يعرفه القاضي بدون إحضاره كما ذكره الإمام والغزالي 399. قال الرافعي: وهو واضح إن كان معروفًا عند الناس أيضًا، وإن اختص هو بمعرفته وعلم صدق المدعي .. فكذلك تفريعًا على القضاء بالعلم، وإلا .. فالبينة قامت بالصفة، فإذا لم تسمع بالصفة .. امتنع الحكم 400. وأجاب عنه في " المطلب ": بأن البينة قد تشير إليه في الغيبة وإن لم يكن مشهورًا؛ بأن علمت أن القاضي رآه في وقت مخصوص رؤية يتميز بها عنده عن غيره، فشهدت على العبد الذي رآه ذلك الوقت، قال: وأيضًا فقد يقال: الممنوع الشهادة على الوصف بحيث لا يحصل للقاضي به معرفة

الحديث: 6049 - الجزء: 3 - الصفحة: 617

الموصوف بعينه، لا ما إذا كان الوصف محصلًا لذلك الموضع.
الثاني: إذا شهدت البينة بإقرار المدعى عليه باستيلائه على كذا، ووصفه الشهود .. سمعت، قال شيخنا: وقد سبق نظير ذلك في القيدين الذين قيدناهما محل الخلاف السابق في العين الغائبة عن البلد.
6050 - قوله: (وإذا وجب إحضارٌ فقال: " ليس بيدي عين بهذه الصفة " .. صدق بيمينه، ثم للمدعي دعوى القيمة) 401 لا بد من حمله على ما إذا كان المدعى به متقومًا، فإن كان مثليًا .. فالواجب المثل؛ فهو الذي يدعي به.
6051 - قوله - والعبارة له - و" الحاوي ": (فإن نكل فحلف المدعي أو أقام بينة .. كلِّف الإحضار وحُبس، ولا يطلق إلا بإحضار أو دعوى تلفٍ) 402 فيه أمران: أحدهما: ما هذه البينة مع قوله: (ولا تسمع بينة بصفة)؟ ! صرح الغزالي بأن المراد: بينة على أن في يده مثله 403، ويحتمل أن المراد: الشهادة على إقراره أو بما يعرفه القاضي من عين تشخصت له في وقت كما تقدم 404 ثانيهما: قوله: (أو دعوى تلف) أي: فتؤخذ منه القيمة، قاله في " أصل الروضة " 405. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس لأخذ القيمة وجه إلا إذا قامت البينة بما يقتضي استحقاق العين المدعى بها.
6052 - قولهما أيضًا: (ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعيها، فقال: " غصب مني كذا "، فإن بقي لزمه رده، وإلا فقيمته؟ ) 406 لا يخفى أنه فيما إذا كان متقومًا، فإن كان مثليًا .. فيطالب بمثله، وشاحح شيخنا في " تصحيح المنهاج " في قوله: (لزمه رده)، وقال: سبيل الدعوى أن يقول: فأطالبه برده، قال: وهذا إنما يقوله حيث يلزم الغاصب رد العين المغصوبة، فأما إذا لم يلزمه ردها في بلد الدعوى .. فلا يطالب إلا بالقيمة؛ للحيلولة كما تقرر في الغصب.
6053 - قول " المنهاج " [ص 565]: (وقيل: لا، بل يدعيها ويُحلِّفه ثم يدعي القيمة) فيه أمران:

الحديث: 6050 - الجزء: 3 - الصفحة: 618

أحدهما: هذا الوجه الضعيف حكاه الإمام عن القيَّاسين، واقتضى كلامه وكلام الغزالي ترجيحه (1). وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه الأرجح، قال: وحكاية الخوارزمي عن أكثر الأصحاب ما يقتضي مقابله أخذه من قول البغوي: إن الحكام عليه.
ثانيهما: استبعد شيخنا المذكور حكاية هذا الوجه هكذا؛ لأن الجزم بالدعوى الأولى يخالفه الجزم بالدعوى الثانية، وقال: الوجه على هذا صرف الدعوى إلى المالية كما ذكره الإمام والغزالي، وفي " المطلب ": إذا لم تسمع الدعوى مردودة .. كانت الدعوى بالقيمة، قال: وكلام " الوسيط " يفهم أنه لو ادعى أولًا بالعين وحلف المدعى عليه .. لم يكن له أن يدعي ثانيًا بالقيمة (2). 6054 - قوله: (ويجريان فيمن دفع ثوبه إلى دلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن، أم أتلفه فقيمته، أم هو باق فيطلبه؟ ) (3) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": قد يكون باعه وتلف الثمن أو الثوب في يده تلفًا لا يقتضى تضمينه، وقد يكون باعه ولم يسلمه ولم يقبض الثمن، والدعوى المذكورة ليست جامعة لذلك، والقاضي إنما يسمع الدعوى المردودة حيث اقتضت الإلزام على كل وجه، فلو أتى ببقية الاحتمالات .. لم يسمعها الحاكم؛ لأن فيها ما لا إلزام فيه، قال: ولم أر من تعرض لذلك (4).

فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

6055 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن ادعى على غائب) يقتضي الاكتفاء بمطلق الغيبة، لكن في " المنهاج " [ص 565]: (الغائب الذي تسمع البينة ويحكم عليه: من بمسافة بعيدة، وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه ليلًا، وقيل: مسافة قصر)، وفي " الحاوي " [ص 677]: (وعلى غائب فوق العدوى)، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": اعتبار البعد على اختلاف الوجهين ليس في نصوص الشافعي رضي الله عنه ما يشهد له، ولم يذكره أحد من العراقيين ولا جماعة من الخراسانيين، وإطلاق نصوص الشافعي وصريح كلام جمهور أصحابه مخالف لذلك، ثم بسط407408409410

الحديث: 6054 - الجزء: 3 - الصفحة: 619

ذلك، وتعجب من إهمال الرافعي طريقة العراقيين، وهي في كتبهم، حتى " التنبيه "، ثم قال: والصواب جواز القضاء على الغائب عن بلد القضاء مطلقًا، وليس في الأدلة الشرعية ما يقتضي اعتبار بعد الغيبة، وما يذكر في التزويج بغيبة الولي والشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي فلا يعتمد القياس عليه؛ لأمور، ثم قال: وخرج من ذلك انفراد البغوي بهذا، ولم أقف على تعليق القاضي حسين في ذلك، ثم ذكر أن تعبير " المنهاج في غير مستقيم؛ لأن قوله: (منها) يعود على المسافة البعيدة، والمسافة البعيدة ليست التي لا يرجع منها، بل التي لا يصل إليها ليلًا من خرج بكرة من موضعه إلى بلد الحكم، فلو قال: (التي لو خرج منها بكرة إلى بلد الحاكم .. لا يرجع إليها ليلًا لو عاد في يومه) .. لكان محصلًا للمقصود.
قلت: لو قال " المنهاج ": (مبكر منها) .. لاستقام، وهو مراده.
قال شيخنا: وقوله: (ليلًا) يريد به: أوائل الليل، وهو القدر الذي ينتهي به سفر الناس غالبا، ثم قال: لم يثبتوا مقدار الإقامة في المحاكمة، وعندي أنه إذا خرج من بلده بكرة واشتغل بالمحاكمة على العادة بحيث لا يتمكن من العود ليلًا على ما فسرناه .. فهو بمسافة بعيدة عند من اعتبر البعد في الغيبة؛ لأن الفور من غير نظر إلى زمن المحاكمة على العادة يؤدي إلى الضرر الذي راعوه، قال: ولم أر من تعرض لذلك 411. 6056 - قول " المنهاج " [ص 565]: (والأظهر: جواز القضاء على غائبٍ في قصاصٍ وحد قذفٍ) عبر في " الروضة " بالمشهور 412، وبينهما في اصطلاحه تناف.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": من له إسقاط حد القذف باللعان لا يجوز القضاء عليه به في غيبته؛ لتمكنه من إسقاطه، والقاضي إنما يقضي بالأمر اللازم، وهذا ليس بلازم، ولم أر من تعرض لذلك.
6057 - قوله: (ولو سمع بينة على غائب فقدم قبل الحكم .. لم يستعدها، بل يخبره ويمكنه من " الجرح ") 413 414 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ليس فيه التصريح بالمقصود، وهو توقف الحكم على إخباره بالشهادة، وفي " المطلب ": أن حكمه يتوقف على إعلامه بالشهادة، وعندي فيما قاله في " المطلب " نزاع؛ فإن هذا من صور الأعذار، وهو غير شرط عندنا لصحة الحكم.
قلت: ذاك في غير هذه الصورة؛ لوقوع الدعوى والبينة في وجه الخصم، فهو متمكن من

الحديث: 6056 - الجزء: 3 - الصفحة: 620

دفعها بالطريق الشرعي، وأما هنا .. فلا بد منه؛ لعدم العلم به، والله أعلم.
وأورد شيخنا أيضًا على " المنهاج " أن محله: إذا لم يتحقق حضوره عند الدعوى، فإن تحققت .. وجبت الاستعادة، ولا يحتاج لذلك؛ فإنه متى تحقق حضوره عند الدعوى .. فليس من هذا الباب ولا عبرة بالظن البين خطاؤه، وقال شيخنا لما ذكر ذلك: لم أر من تعرض له، والدليل يقضيه.
قلت: في " فتاوى البغوي ": أن القاضي إذا زوج من غاب وليها ثم قدم وليها بعد العقد بحيث يعلم أنه كان قريبًا من البلد عند العقد .. لم يصح النكاح، حكاه في " أصل الروضة "، وأقره 415، وهو من مادة ذلك، والله أعلم.
6058 - قوله: (ولو عُزل بعد سماع بينة ثم وُلِّي .. وجبت الاستعادة) 416 قيده في " المطلب " بما إذا لم يشهد على نفسه بالسماع، فإن أشهد على نفسه بذلك وقلنا أنه حكم منه بالسماع .. فينبغي أن يعمل بموجبها من غير استعادة إذا قلنا: أن للقاضي أن يقضي بعلمه.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا مفرع على أن ذلك حكم منه بالسماع، والأرجح خلافه، قال: ولو قيد صاحب " المطلب " ذلك بحالة عدم الحكم بقبول البينة .. لكان أليق؛ فإنه لو حكم بقبول البينة .. لم تجب الاستعادة وإن لم يحكم بالإلزام بالحق، وحكى في " المطلب " عن الماوردي ما يقتضيه.
6059 - قولهم: (وإذا استعدى على حاضر بالبلد .. أحضره) 417 استثنى منه السبكي بحثًا من وقعت الإجارة على عينه وكان يعطل حضوره مجلس الحكم حق المستأجر، ذكره في التفسير من " شرح المهذب "، وأخذه من فتوى الغزالي بعدم حبس من وقعت الإجارة على عينه، وقال: لا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضار البرزة وإن كانت متزوجة وحبسها؛ لأن للإجارة أمدًا ينتظر، وقد تقدم ذلك، وقيده شيخنا في " تصحيح المنهاج بقيدين: أحدهما: أن لا يعلم القاضي كذبه، فإن علم كذبه .. لم يحضره، ولا يتخرج على خلاف القضاء بالعلم، بل هو قريب من القضاء على خلاف العلم.
ثانيهما: أن يلزم الحاكم الحكم بينهما، فلو استعدى معاهدًا على معاهد .. لم يلزم الحاكم إحضاره كما لا يلزم الحكم، ثم حكى عن "المحرر " أنه قيده بأن يكون ظاهرًا؛ ليخرج المتواري 418، قال:

الحديث: 6058 - الجزء: 3 - الصفحة: 621

وينبغي أن يقال: يمكن إحضاره كما في " أصل الروضة " ليخرج المتعزز 419، ثم قال شيخنا: لو كان المستعدى عليه من ذوي الهيئات وأراد أن يوكل من يحضر عنه ويحاكم .. فلا توقف في أن الحاكم لا يلزمه الحضور؛ لما فيه من الضرر، وهو أكثر من ضرر المخدرة.
6060 - قول " المنهاج " [ص 565]: (بدفع ختم طينٍ رطبٍ) أنكره شيخنا في " تصحيح المنهاج " وقال: لا أصل له، ولم يذكره الشافعي.
قلت: والأمر فيه قريب؛ فإن القصد علامة تدل على طلب القاضي حضوره، وقد قال بعده: (أو غيره) 420 ولذلك لم يزد " الحاوي " على إحضاره، ولم يذكر ما يحضر به 421. 6061 - قول " المنهاج " [ص 565]: (أو بمرتب لذلك) كذلك يقتضي التخيير بينهما، والذي في " تعليق الشيخ أبي حامد ": أنه يرسل الختم أولًا، فإن لم يحضر .. بعث إليه العون.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وفيه مصلحة؛ لأن الطالب قد يتضرر بأخذ العون أجرته منه.
6062 - قوله: (فإن امتنع بلا عذر .. أحضره بأعوان السلطان وعزره) 422 أي: إذا اثبت عليه ذلك؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص 256]: (فإن امتنع .. أشهد عليه شاهدين أنه امتنع، ثم يتقدم إلى صاحب الشرطة ليحضره).
6063 - قوله: (وإن ادعى على ظاهر في البلد غائب عن المجلس .. فقد قيل: يسمع البينة عليه ويحكم، وقيل: لا يسمع) 423 الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 424. 6064 - قول " التنبيه " [ص 256]: (وإن استعدى على غائب عن البلد) لا يخفى أن محل الإعداء عليه: إذا كان في محل ولايته، وبه صرح " المنهاج " 425. 6065 - قوله: (أو فيها وله هناك نائب .. لم يحضره، بل يسمع بينته ويكتب إليه) 426 أطلق سماع البينة، ومحله عنده: إذا كان فوق مسافة العدوى، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وما ذكره هنا جار على المعتمد.

الحديث: 6060 - الجزء: 3 - الصفحة: 622

6066 - قوله: (أو لا نائب .. فالأصح: يحضره من مسافة العدوى فقط) 427 و" الحاوي " [ص 677]: (ويحضره دونه إن لم يكن ثمَّ قاض) محل إحضاره: إذا لم يكن هناك من يتوسط بينهما بالصلح، وقد ذكره " التنبيه " فقال [ص 256]: (وإن استعدى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه .. كتب إلى رجل من أهل الستر ليتوسط بينهما)، وفي " شرحي التنبيه " لابن يونس وابن الرفعة: أنه يعتبر فيه الصلاحية للقضاء، والظاهر عدم اشتراطه؛ ولهذا لم يذكره في " الروضة " وأصلها، والمراد بأهل الستر الرؤساء وأصحاب المكارم؛ ولهذا قال: (ليتوسط) وما قال: (ليحكم).
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وينبغي أن يقيد أيضًا بما إذا لم يكن للمدعي بينة يقيمها عند القاضي المطلوب منه إحضاره، فإن كان بحيث يمكن القضاء عليه وفصل القضية .. فلا يجيبه إلى الإحضار؛ إذ لا معنى له، وقد سبق في كلام الشيخ أبي حامد ما يقتضي ذلك الإحضار من مسافة العدوى فقط، صححه الإمام والغزالي 428، والذي قطع به العراقيون: أنه يحضره قربت المسافة أو بعدت، وقال الماوردي: هو ما ذهب إليه الأكثرون، وهو ظاهر النص 429، حكاه في " الكفاية "، ومقتضى كلام " الروضة " وأصلها ترجيحه؛ لنقله إياه عن العراقيين، ونقل الأول عن الإمام فقط 430، لكنه أشار في " المحرر " و" الشرح الصغير " إلى ترجيح الأول 431، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مخالف للدليل؛ فإنا لو لم نحضره له .. لأدى إلى تعطيل حق الطالب، وإطلاق الآية في إجابة الداعي إلى الحكم دال على ذلك، ثم إن الإمام والغزالي لما صححاه .. قيداه بأن يقيم المدعي بينة على ما يدعيه، وحكاه في " أصل الروضة " عنهما وعن " العدة " لأنه قد لا يكون للطالب حجة .. فيتضرر المطلوب بالحضور ثم أورد على ذلك أنه قد لا يكون له حجة ويقصد تحليفه لعله ينزجر، قال: ولم يتعرض الجمهور لذلك، وإنما قالوا: يبحث القاضي عن جهة دعواه؛ فقد يريد مطالبته بما لا يعتقده كذمي أراد مطالبة مسلم بضمان خمر 432. وكذا قال في " التنبيه " [ص 256]: (لم يحضره حتى يحقق دعواه) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فالذي أطلقه " المنهاج " ليس جاريًا على طريقة الإمام ولا طريقة الجمهور.

الحديث: 6066 - الجزء: 3 - الصفحة: 623

6067 - قول " المنهاج " [ص 565]: (وهي التي يرجع منها مبكر ليلًا) اعترضه في " المهمات ": بأن عبارته تتناول أول الليل ووسطه وآخره، وليس كذلك، بل الضابط أن يرجع قبل الليل، كذا ذكره الأصحاب، وكذا هو في " أصل الروضة " في النكاح في سوالب الولاية 433. قلت: وكذا هو في " أصل الروضة ": في أداء الشهادة 434، وتقدم عن شيخنا الإمام البلقيني أنه قال: (ليلًا) يريد به: أوائل الليل، وهو القدر الذي ينتهي به سفر الناس غالبًا، وقال في موضع آخر من تصحيح " المنهاج ": إن طريقة المراوزة في ذلك مضطربة، وإن المعتمد فيها أن العدوى هي التي ترجع إلى أهله في يومه.
6068 - قوله عطفًا على ما عبَّر فيه بالأصح: (وأن المخدرة لا تُحضر) 435 ظاهره عدم إحضارها ولو لليمين، وبه صرح " التنبيه " فقال [ص 256]: (فإذا وجب عليها اليمين .. أنفذ إليها من يحلفها) لكن الأصح في " أصل الروضة " في الباب الثالث في اليمين: أنه يغلظ عليها بالمكان، وتكلف حضور الجامع في الأصح 436، وقد يفهم ذلك قول " المحرر ": (لا تكلف حضورها مجلس الحكم) 437 لأن ذلك لا ينافي حضورها موضع التغليظ؛ لأنه ليس مجلس الحكم.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا في غير اللعان، فأما إذا جاء الزوج وقذفها .. فإن القاضي يحضرها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه هلال بن أمية، وذكر له عن زوجته ما ذكر، ونزلت آية اللعان .. قال: " ادعوها " فدعيت، ولم يسأل أهي مخدرة أم لا؟ وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، وكأنه قال: ادعوها سواء كانت مخدرة أم غير مخدرة، وعلى هذا: تحضر مكان التغليظ قطعًا.
انتهى.
وقد يفهم من اقتصارهما على المخدرة إحضار البرزة ولو من خارج البلد من غير محرم ولا نسوة ثقات، والأصح: أن القاضي يبعث إليها محرمًا أو نسوة ثقات كالحج، ذكره في " أصل الروضة " 438. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي لا يتعين البعث، بل يأمر القاضي بإحضارها مع محرم أو نسوة ثقات، قال: والمرأة الواحدة هنا كافية للإحضار معها، بخلاف إيجاب الحج؛ لتعلق الحق هنا بالآدمي الطالب.
انتهى.

الحديث: 6067 - الجزء: 3 - الصفحة: 624

6069 - قول " المنهاج " [ص 565]: (وهي من لا يكثر خروجها لحاجات) كان ينبغي تقييد الحاجات بالمتكررة كما فعل " المحرر " 439، فمن تكثر الخروج لحاجات نادرة؛ [كعزاء] 440 وحمام ونحوهما .. مخدرة في الأصح، قال في " أصل الروضة ": ثم إنما يتحتم حضور المخدرة على أحد الوجهين للتحليف، وأما ما عداه .. فيقنع فيه بالتوكيل من المخدرة وغيرها 441.

الحديث: 6069 - الجزء: 3 - الصفحة: 625

بابُ القِسْمَة

6070 - قول " التنبيه " [ص 258]: (ويجوز أن يترافعوا إلى الحاكم لينصب من يقسم بينهم) أحسن من قول " المنهاج " [ص 566]: (أو منصوب الأمام) لأن الحاكم أعم منه، وادعى في " التوشيح " أن عبارة " التنبيه " تتناول قسم الإمام بنفسه؛ فهي أحسن؛ لشمولها الإمام ومنصوبه.
وفيه نظر؛ فهي غير متناولة للإمام، وهي في ذلك كعبارة " المنهاج ". نعم؛ إذا جاز للحكام - وأعلاهم الإمام - نصب قاسم .. فتعاطيهم ذلك بأنفسهم آكد، والله أعلم.
6071 - قول " التنبيه " [ص 258]: (ولا يجوز للحاكم أن ينصب للقسمة إلا حرًا، بالغًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بالقسمة) أهمل اشتراط كونه ذكرًا، ولا بد منه، وقد ذكره " المنهاج "، لكنه لم يذكر البلوغ والعقل، وكأنه لاندراجهما عنده في العدالة 442، وهما مذكوران في " المحرر " و" الروضة " وأصلها عبروا عنهما بالتكليف 443، وهو دال على أن الصبي قد يوصف بالعدالة.
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن الذي في " الروضة " أرجح، وقد يقال: فهم من تعبير " التنبيه " بقوله: (حرًا ... إلى آخره) اعتبار الذكورة، والعلم بالقسمة يدخل تحته العلم بالمساحة والحساب، وقد صرح بهما " المنهاج " 444. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": في " الأم " و" مختصر المزني " اعتبار الحساب من غير تعرض للمساحة 445، وأراد به: الحساب الذي يحتاج إليه فيما هو بصدده، ولو اقتصر على المساحة .. لكان كافيًا؛ فإن العلم بالمساحة يستدعي معرفة الحساب المتعلق بها، وليس علم الحساب مقتضيًا لمعرفة المساحة؛ لما في المساحة من القدر الخاص المتعلق بها، وفي " الكافي " للروياني بعد ذكر معرفته بذلك: أو يكون إذا فهمه القاضي عرف، فإن كان فقيها .. جاز أن يوليه الأمر؛ لينفذه باجتهاده، وإن لم يكن فقيهًا.
. فالقاضي يخبره أني حكمت بأن هذه الأرض بينهما على كذا سهمًا، فاقسمه بينهما هكذا، ثم يكون وكيلًا للقاضي، لا متوليًا لنفسه انتهى.
وأهملا معًا شرطين آخرين: أحدهما: كونه نزهًا من الطمع، صرح باشتراطه الماوردي والبغوي والخوارزمي 446، وهو مقتضى قول الشافعي رضي الله عنه في " الأم ": (أقل ما يكون منه أن لا يكون غبيًا يخدع،

الحديث: 6070 - الجزء: 3 - الصفحة: 626

ولا ممن ينسب إلى الطمع) 447، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ولا نسلم أن ذكر العدالة يغني عن ذلك.
ثانيهما: كونه عارفًا بالقيمة؛ ففي " أصل الروضة ": هل يشترط معرفة التقويم؟ وجهان؛ لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه 448. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المعتمد عندنا الجزم بالاحتياج إلى ذلك في قسمة التعديل والرد، ولا يعتبر في قسمة الأجزاء.
وقال في " المهمات ": الراجح: عدم الاشتراط؛ فقد جزم باستحبابه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم، فإن لم يكن عارفًا .. سأل من عدلين عن قيمة ما يقسمه إذا احتاج إليه.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لو فتح هذا .. لقيل: لا يشترط معرفة المساحة ويسأل من عدلين، وهو مخالف لأصل الشافعي في اعتبار علم الحاكم، ومقتضى كلامهما: عدم اشتراط هذه الأوصاف في منصوبهم، ولا يخفى اشتراط التكليف فيه، وأنه لا يشترط فيه الذكورة ولا العدالة، والمنقول: أنه لا يشترط فيه الحرية أيضًا؛ لأنه وكيل.
وقال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون في توكيله في القسمة الخلاف في توكيله في البيع والشراء 449. واعترضه في " المهمات ": بأن ذاك الخلاف محله: فيما إذا كان التوكيل بغير إذن السيد، فليس الخلاف في اشتراط الحرية، بل في الافتقار إلى إذن السيد، وكذا في " التوشيح ". قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا الاعتراض مردود؛ فإن الخلاف موجود فيما إذا أذن السيد أيضًا، قال: والذي يقال في رد هذا البحث أن القسمة إذا قلنا: إنها بيع .. فالقاسم ليس بائعًا قطعًا، وإنما التبايع بين الشريكين اللذين وقعت القسمة بينهما؛ فلذلك صح دخول العبد في ذلك قطعًا.
ثم قال في " المهمات ": علل الرافعي هناك عدم الجواز بتعلق العهدة بالعبد، والظاهر أن ذلك المعنى لا يأتي هنا.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وينبغي أن يشترط في منصوبهم الرشد، فلا يصح صدور القسمة من المحجور عليه بالسفه.
انتهى.

الجزء: 3 - الصفحة: 627

وكل هذا في الوكيل، فلو حكموا رجلًا فيها .. ففيه الخلاف في التحكيم، فإن جوزناه .. فهو كمنصوب القاضي، جزم به في " أصل الروضة " 450، ويفهم منه البطلان إذا لم نجوز التحكيم، وليس كذلك، بل يصح ويكون وكيلًا حتى لا تشترط فيها العدالة، قاله في " الشرح الصغير " ولعل سقوطه في " الكبير " من ناسخ.
6072 - قولهم: (فإن كان فيها تقويم .. وجب قاسمان) 451 محله: ما إذا لم يكن حاكمًا في التقويم بمعرفته، فإن حكم .. فهو كقضائه بعلمه، والأصح: جوازه، وقيل: لا يجوز هنا أن يقضي بعلمه قطعًا؛ لأنه تخمين مجرد، وسنعيد هذا.
6073 - قول " التنبيه " [ص 258]: (فإن لم يكن في القسمة تقويم .. جاز قاسم واحد) وكذا قال في " المنهاج " [ص 566]: (وإلا .. فقاسم، وفي قول: اثنان) فمشى على طريقة القولين في ذلك، وكذا في " المحرر " 452، ورجح في " أصل الروضة " القطع، فقال: كفى قاسم على المذهب، وقيل: قولان، ثانيهما: اثنان 453، وعبارة الرافعي: قولان، أصحهما: يكفي واحد، ولم يجب المعظم إلا به، وقطع به قاطعون 454، وعبارة " الشرح الصغير ": وبه قطع بعضهم.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": نص في " الأم " على أنه لا بد من اثنين، ولم نجد له نصًا صريحًا يخالفه، فهو الأصح، وقال القاضي حسين: إن القول بجواز واحد مخرج، قال شيخنا: والذين أجابوا بجواز واحد لم يقفوا على النص، ومحل ذلك: في منصوب الإمام، فأما منصوب الشركاء .. فيجوز أن يكون واحدًا قطعًا كما في " أصل الروضة " 455. 6074 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وإن كان فيها خرص .. ففيه قولان، أحدهما: يجوز واحد، والثاني: لا يجوز إلا اثنان) الأصح: جواز واحد، وهو مقتضى كلام " المنهاج " و" الحاوي " 456، وهو نظير ما صححه الرافعي في الزكاة.
6075 - قول " المنهاج " [ص 566]: (وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) يقتضي أنه لا يعمل فيه بعلمه، وبه قال بعضهم، والأصح: أن فيه خلاف القضاء بالعلم كما تقدم.

الحديث: 6072 - الجزء: 3 - الصفحة: 628

6076 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وأجرة القاسم في بيت المال) محله: فيما إذا نصبه الحاكم، فأما الذي نصبه الشركاء .. فأجرته عليهم؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 566]: (ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال) وقول " الحاوي " [ص 694]: (وأجره بالحصَصِ) محمول على غير منصوب الإمام، أو على ما إذا لم يكن في بيت المال لذلك شيء، وإذا لم يكن في بيت المال رزق لذلك .. فلا ينصب الإمام قاسمًا معينًا، بل يدع الناس يستأجرون من شاؤا، لئلا يغالي المعين في الأجرة، أو يواطئه بعضهم فيحيف، كذا في " أصل الروضة " 457. فيحتمل أنه حرام، وبه صرح القاضي حسين، وأنه مكروه، وبه قال الفوراني.
واستثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج " من قولهم: (إن الأجرة على الشركاء عند عدم بيت المال) مسألتين لا أجرة فيهما: إحداهما: إذا طلب من منصوب القاضي القسمة، فقسم من غير تسمية أجرة .. فلا أجرة له في الأصح، كما عرف ذلك في الإجارة في دفع ثوب إلى قصار ونحوه، وذكر الماوردي في " الحاوي " فيما إذا لم يجر للأجرة ذكر، إن أمر بها الحاكم .. وجب للقاسم أجرة مثله، وإلا .. ففيه الخلاف في مسألة القضاء 458، وقال شيخنا: والأرجح عندنا: أنه لا أجرة له في هذه الحالة خلافًا للماوردي، وقد أطلق الروياني في " الكافي " الخلاف من غير تقييد بما ذكره الماوردي، قال شيخنا: ولو جرى ذكر الأجرة من بعضهم دون بعض .. لزم الذاكر ما خصه، ويخرج في حق غيره على الخلاف، ولم أر من تعرض لذلك.
الثانية: إذا طلب شريك الطفل القسمة حيث لا غبطة للطفل فيها، وأجيب إليها، وفرعنا على عدم اختصاص الأجرة بالطالب .. فالأصح في " أصل الروضة ": إخراج حصة الطفل من ماله 459، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 694]: (ولا ينفرد شريك، حتى الطفل بلا غبطةٍ إن طولب).
ونازع فيه شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: إن الشافعي توقف في ذلك، فقال في " الأم ": (وإن في نفسي من الجُعْل على الصغير وإن قل شيئًا، إلا أن يكون ما يستدرك له بالقسم أغبط له مما يخرج من الجعل، فإن لم يكن كذلك .. كان في نفسي من أن أجعل عليه شيئًا وهو مما لا رضا له شيء) 460، وصحح الفوراني: أن الأجرة في هذه الصورة على الشريك؛ لأنه هو الذي حمل القيم على القسمة من غير غبطة، وجزم به في " العدة ".

الحديث: 6076 - الجزء: 3 - الصفحة: 629

وقال الروياني في " البحر ": إنه اختيار أكثر أصحابنا بخراسان، قال شيخنا: والمعتمد عندنا الوقف على إيجاب الأجرة في مال الصبي في هذه الحالة، قال: والمحجور عليه بسفه كالصغير، وأما الغائب .. فيجعل الأجرة المختصة بنصيبه في ماله وإن لم يكن له فيه غبطة، قال: ويحتمل أن يقول للطالب: إن قصت بالأجرة .. قسمت لك، وإلا .. فلا.
قلت: ويقسم القاضي على الغائب في قسمة الإجبار، صرح به في " أصل الروضة " في الشفعة.
قال شيخنا: ولو كان الشريك في ذلك بيت المال .. قسم وجعل الأجرة المختصة بنصيبه على بيت المال، قال: وأما قسمة الوقف عن الطلق حيث أجبرنا عليها وكان على الوقف ضرر في ذلك .. فالأرجح: أنه لا يعطي القاسم من الوقف شيئًا كما في الصغير والمجنون، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
6077 - قول " المنهاج " [ص 566]: (فإن استأجروه وسمى كل قدرًا .. لزمه) و" الحاوي " [ص 694]: (وإن استؤجر مسمى كل) محله: ما إذا استأجروه جميعًا؛ بأن قالوا: استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان مثلًا، أو وكلوا وكيلًا عقد لهم كذلك، أما لو استأجروا في عقود مترتبة .. فعقد واحد لإفراز نصيبه، ثم الثاني كذلك، ثم الثالث، فجوزه القاضي حسين، وأنكره الإمام، وقال: لا سبيل إلى استقلال بعضهم بالاستئجار لإفراز نصيبه؛ لأن فيه تصرفًا في نصيب غيره بالتردد والتقدير، قال: فإن انفرد بعضهم برضاهم .. كان أصلًا ووكيلًا، ولا حاجة حينئذ إلى عقد الباقين، فإن فصل ما على كل واحد بالتراضي .. فذاك، وإلا .. جاء الخلاف في كيفية التوزيع 461. ومشى " الحاوي " على كلام الإمام فقال [ص 694]: (ولا ينفرد شريك).
وفي " المهمات ": أن المعروف ما قاله القاضي، وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم، وأنهم نفوا الخلاف فيه عندنا، قال: وعليه نص الشافعي.
قال في " المهمات ": ومحل المنع عند الإمام في غير صورة الإجبار كما صرح به في " النهاية ". وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح عندنا: ما ذكره الإمام، وقد ذكر القاضي أبو الطيب ما صوره الإمام، قال: ولا يخالفه ما في " المطلب " عن الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم من إطلاق الجواز؛ فإنه محمول على ما إذا استاجروه دفعة واحدة، أو انفرد واحد

الحديث: 6077 - الجزء: 3 - الصفحة: 630

بالاستئجار في حصة نفسه بإذن الباقين، أو على صورة الإجبار، قال: وفي " البحر ": لو قال: أجرت نفسي منك لأفرز نصيبك وهو النصف من هذه الدار على كذا .. صح إن رضي الباقون بالقسمة، أو كانت بحيث لا يحتاج إلى رضاهم، فأما حيث يحتاج إلى الرضا ولم يرضوا بعد .. فعقده فاسد.
6078 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وإلا .. فالأجرة موزعة على الحصص) 462 يستثنى منه: قسمة التعديل .. فالأصح في " أصل الروضة ": أنها لا توزع فيها على قدر الحصص في الأصل، بل بحسب المأخوذ قلة وكثرة 463، فإذا كانت الشركة في أرض نصفين وعدل ثلثها بثلثيها .. فالصائر إليه الثلثان يعطى من أجرة القسام ثلثيها، والآخر يعطى ثلثها، لكن رجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن كلًا منهما يعطى النصف.
6079 - قول " المنهاج " [ص 566]: (وفي قول: على الرؤوس) تبع " المحرر " في المشي على طريقة القولين 464، لكن رجح في " أصل الروضة " طريقة القطع، فقال: المذهب: بقدر الحصص، وقيل: قولان 465، ثانيهما: على عدد الرؤوس، ولم يرجح في " الشرحين " واحدة من الطريقين.
وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أن الأمر كما في " الروضة " فإن الشافعي لم يرفض القول بالتوزيع على عدد الرؤوس؛ ولهذا اقتصر المزني في " المختصر " على ذكر التوزيع على قدر الحصص، وعلى ذلك جرى العراقيون والماوردي، وفي " الكفاية ": أن الأصح باتفاق الأصحاب: طريقة القطع، وهو متعقب؛ فإن مقتضى كلام المراوزة ترجيح طريقة القولين.
6080 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وإن كان عليهما ضرر؛ كالجواهر والثياب المرتفعة والرحا والبئر والحمام الصغير .. لم يجبر الممتنع) يقتضي اعتبار مطلق الضرر، وعبارة " المنهاج " [ص 566]: (ما عظم الضرر في قسمته) وهي تقتضي اعتبار زيادة على مطلق الضرر، وكذا عبر به في " الروضة " وأصلها 466. وقول " التنبيه " [ص 258]: (كالجواهر) أحسن من قول " المنهاج " [ص 566]: (كجوهرة وثوب نفيسين) لاقتضائه تخصيص المنع من قسمة الجوهرة بما إذا كانت نفيسة، وليس كذلك، فلو كانت جوهرة غير نفيسة من بلور أو زجاج .. لم يجبر القاضي على قسمتها.

الحديث: 6078 - الجزء: 3 - الصفحة: 631

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومن صرح بالزجاج الفوراني في العمد، وهو ظاهر؛ لحصول الضرر من الجانبين.
وقول " المنهاج " [ص 566]: (وزوجي خف) نازع فيه شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: ينتفع بفرد الخف؛ بأن يكون عنده فرد آخر أو يستعمل له فردًا آخر، أو يكون أقطع الرجل الواحدة .. فينتفع بما صار إليه في الباقية، قال: ولم أجد للرافعي شاهدًا من نص الشافعي ولا سالفًا في ذلك في الطريقين، ونص " الأم " و" المختصر " شاهد لما قلناه؛ فإنه قال: (فإن كان ما تداعوا إليه يحتمل القسم حتى ينتفع واحد منهم بما يصير إليه مقسومًا .. أجبرتهم على القسمة) 467 وجزم في " أصل الروضة " بصحة بيع أحد زوجي الخف وإن نقصت قيمتهما بتفريقهما، قال شيخنا: ويتخرج في الثوب النفيس مثل ذلك إذا كانت العادة مستمرة بقطعه على وجه يحصل لكل واحد منهما بما صار إليه منفعة، فأجبر على قسمته، وإن لم يصح بيعه للضرر الحاصل للشريك، بخلاف البيع؛ فإنه يمكن صاحبه بيع كله، ثم قال: فإن قيل: لا يجد من يشتري كله، ويحتاج لثمن بعضه لنفقته، أو نفقة من تلزمه نفقته .. قلنا: إذا وصل الحال إلى هذا .. قضيت بصحة البيع.
انتهى.
وقد تفهم عبارة " التنبيه " الجواز عند الرضا، وهو كذلك إذا قسموا بأنفسهم، ولم تبطل منفعته بالكلية، وإنما نقصت، وقد ذكره " المنهاج " فقال [ص 566]: (ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته كسيف يكسر) قال في " المهمات ": وهو مشكل؛ لأنه إن لم يكن حرامًا .. لم يمتنع على القاضي ذلك، وإن كان حرامًا .. فليس له التمكين منه، قال: ويتفرع على ما ذكره فرعان فيهما نظر: أحدهما: لو كان القاضي أحد الشريكين.
والثاني: لو فوضا القسمة إلى ثالث .. فهل يكون كالقاضي أم لا؟ . 6081 - قول " المنهاج " [ص 566]: (فإن أمكن جعله حمامين .. أجيب) أي: وإن احتيج إلى إحداث بئر ومستوقد في الأصح، كما صححه في " أصل الروضة " 468. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأصح عندي: أنه لا إجبار؛ لحصول الضرر الذي يحتاج إلى إحداث بئر ومستوقد إذا كان هو المطلوب، فإن كان هو الطالب للقسمة .. أجبرت الممتنع، فإن تردد الحال بين أن يحصل ذاك للطالب أو المطلوب .. لم أجبر على القسمة؛ لأنه ربما وقع الضرر، فلا أجيب إلى ما يوصل إليه، فلو أمكن جعل نصيب منه وهو الأكثر حمامًا دون

الحديث: 6081 - الجزء: 3 - الصفحة: 632

الآخر؛ فإن طلب صاحب الأكثر القسمة .. أجيب، أو صاحب الأقل .. فلا؛ قال: ولم أر من تعرض لذلك، وما ذكروه في عشر دار لا يصلح للسكنى شاهد له.
انتهى.
وقد يقال: إن عبارة " المنهاج " تقتضي الامتناع عند الاحتياج إلى إحداث بئر ومستوقد؛ لتوفقه على شيءآخر، وهو الذي ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ". 6082 - قول " المنهاج " [ص 566]: (ولو كان له عشر دار لا يصلح للسكنى والباقي لآخر .. فالأصح: إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه دون عكسه) هو مثال لقول " التنبيه " [ص 258]: (وإن كان على أحدهما ضرر، فإن كان على الطالب .. لم يجبر الممتنع؛ وإن كان على الممتنع .. فقد قيل: لا يجبر، وقيل: يجبر وهو الأصح) ومقتضى كلامهما: أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل المصحح منصوص في " الأم " و" المختصر " 469، ومحل عدم الإجبار في عكسه: ما إذا لم يكن لصاحب العشر مكان يضمه إلى عشرة، فإن كان بحيث يصلح المجموع للسكنى .. أجيب إلى القسمة؛ لانتفاء التعنت في طلبه، ذكره البغوي في " التهذيب " 470، على أن شيخنا في " تصحيح المنهاج " نازع في عدم الإجبار في عكسه، وقال: إنه مخالف لمقتضى إطلاق نص " الأم " و" المختصر "، ولفظه: (فإن كان ما تداعوا إليه يحتمل القسم حتى ينتفع واحد منهم بما يصير إليه مقسومًا .. أجبرتهم على القسمة) 471. قال شيخنا: وعلة ذلك أن له مقصدًا في تميز ملكه وإراحته من شريكه، وهذا مقصد حسن، فينبغي أن يجاب إليه.
6583 - قول " المنهاج " [ص 567]: (ثم يخرج من لم يحضرها) كذا هو في النسخ بضمير الإفراد، وفي " الروضة ": من لم يحضر الكتابة والإدراج 472، فكان ينبغي أن يقول هنا: (من لم يحضرهما) وعبارة " المحرر ": (من لم يحضر هنالك) 473، وعبارة " التنبيه " [ص 259]: (لم يحضر ذلك) وعبارة " الحاوي " [ص 696]: (ويخرج غائب) ثم قال: (وطفل أولى).
6084 - قول " المنهاج " [ص 567]: (فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس .. جُزِّئت الأرض على أقل السهام وقُسِّمت كما سبق) يقتضي التخيير بين كتابة أسماء الشركاء وكتابة الأجزاء، ولكن المصحح كتابة أسمائهم دون كتابة الأجزاء؛ ولهذا قال " التنبيه " [ص 259]: (ولا يخرج السهام على الأسماء في هذا القسم) و" الحاوي " [ص 695، 696]: (كُتِبَتْ أو الشركاء والعبيد

الحديث: 6082 - الجزء: 3 - الصفحة: 633

والشركاء إن اختلفت الأنصباء) لكن الأصح: أن ذلك ليس على الوجوب، بل الأولوية؛ لأنه لو كتب الأجزاء وأخرجها على السهام .. فربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس، فيفرق ملك من له النصف أو الثلث.
فيحتمل أن " المنهاج " احترز عن هذا بقوله [ص 567]: (ويحترز عن تفريق حصة واحد) فأراد بذلك: تعين كتابة الأسماء لا الأجزاء، ويحتمل خلافه؛ لأن الاحتراز عن التفريق طريقًا آخر ذكره القائل بجواز كتابة الأجزاء، وهو أن لا يخرج اسم صاحب السدس أولًا؛ فإن التفريق إنما جاء من قبله.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي عندنا أن الخلاف في الجواز لإفضاء ذلك إلى النزاع ثم بسط ذلك، ثم قال: وظهر من ذلك أن المتعين في هذا الباب القطع بكتابه أسماء الشركاء، وأنه لا يجوز العدول إلى كتابة الأجزاء.
6085 - قول " التنبيه " [ص 259]: (وإن كانت الأنصباء مختلفة؛ مثل أن يكون لواحد السدس وللثاني الثلث وللثالث النصف .. قسمها على أقل الأجزاء، وهي ستة أسهم، وكتب أسماء الشركاء في ست رقاع؛ لصاحب السدس رقعة، ولصاحب الثلث رقعتان، ولصاحب النصف ثلاث رقاع) ثم قال: (وقيل: يقتصر على ثلاث رقاع)، قال في " أصل الروضة " بعد حكاية الوجهين: الوجه تجويز كل واحد منهما.
انتهى 474. وقد يفهم الوجه الثاني من قول " المنهاج " [ص 567]: (كما سبق) فإن الذي سبق: أنه يكتب في كل رقعة اسم شريك.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": عندنا أن كتابة الأسماء في ست رقاع لا يجوز؛ لأن اسم زيد يكون أسرع خروجًا، فيؤدى إلى عدم التساوي في القرعة، وقول الرافعي والنووي: (إن سرعة الخروج لا توجب حيفًا؛ لأن السهام متساوية) 475 يقال عليه، فلم يكن حينئذ حاجة إلى القرعة، بل يقول القاسم: هذه الثلاثة لزيد وهذان لعمرو وهذا لبكر؛ لأن السهام متساوية، فلما عدل إلى القرعة للتسوية وطيب النفوس بها .. وجبت التسوية ما أمكن.
انتهى.
واعلم: أن إخراج الرقاع على الوجه المذكور لا يختص بقسمة المتشابهات، بل يأتي في قسمة التعديل إذا عدلت الأجزاء بالقيمة، وكلام " التنبيه " يدل على ذلك فقال [ص 259]: (ومتى أراد القاسم .. أن يقسم عدل السهام؛ إما بالقيمة إن كانت مختلفة، أو بالأجزاء إن كانت غير مختلفة، أو بالرد إن كانت القسمة تقتضي الرد) ثم ذكر كيفية القرعة، وكذا " الحاوي " فقال [ص 694، 695]:

الحديث: 6085 - الجزء: 3 - الصفحة: 634

(بأجزاء متساوية الصفة، ثم القيم) ثم ذكر كيفية القرعة.
6086 - قول " المنهاج " [ص 567]: (الثاني: بالتعديل كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماءٍ) قد يفهم أن اختلاف الجنس كبستان بعضه نخل وبعضه عنب ليس كذلك، فكان التمثيل بهذا أولى من المثال الذي ذكره؛ لكونه يفهم منه بطريق الأولى.
6087 - قوله: (ويجبر عليها في الأظهر) 476 كذا في " الشرح الصغير "، وعبارة " المحرر ": (رجح منهما الإجبار) 477 وعبارة " الروضة " وأصلها: أظهرهما عند العراقيين وغيرهم: نعم 478، وهو مقتضى إطلاق " التنبيه " الإجبار حيث لا يكون على واحد منهما ضرر 479، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 694، 695]: (ويجبر إن قسم بأجزاء متساوية الصفة، ثم القيم) ورجح شيخنا في " تصحيح المنهاج ": القطع بذلك تبعًا للشيخ أبي حامد وغيره، واستثنى في " حواشي الروضة ": ما إذا كانت الشركة في أشجار نابتة في أرض مستأجرة بين الشريكين، أو محتكرة وهما في المنفعة على نسبة حقهما في الملك، وكانت الأشجار لا تقسم إلا بالتعديل، قال: فأفتيت بأنه لا إجبار حينئذ؛ لأنه قد يؤدي إلى أن تقع أشجار أحد الشريكين في الأرض التي بينه وبين الآخر، وذلك محذور.
انتهى.
قال الرافعي: ويشبه أن يخص الخلاف بما إذا لم يمكن قسمة الجيد وحده والرديء وحده، فإن أمكن .. لم يجبر على قسمة التعديل؛ كأرضين يمكن قسمة كل منهما بالأجزاء لا يجري الإجبار فيهما بالتعديل 480، وقال في " المهمات ": ما بحثه جزم به جماعة كثيرة، منهم الماوردي والروياني وصاحبا " المهذب " و" البيان ". 6088 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وإن كان بينهما دور ودكاكين وأراض في بعضها شجر وبعضها بياض، وطلب أحدهما أن يقسم أعيانًا بالقيمة، وطلب الآخر قسمة كل عين .. قسمت كل عين) و" المنهاج " [ص 567]: (ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين فطلب جَعْلَ كلٍّ لواحدٍ .. فلا إجبار) و" الحاوي " [ص 696]: (في عقار) فإنه يشعر بتنكيره با لإفراد، وأن الإجبار إنما يكون في عقار واحد لا في عقارين.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى من الدارين: ما إذا كانت الداران لهما بملك القرية المشتملة عليهما، وشركتهما بالنصف، وملكا قسمة القرية، واقتضت القسمة نصفين جعل كل دار

الحديث: 6086 - الجزء: 3 - الصفحة: 635

نصيبًا .. فإنه يجبر على ذلك، وهذا خارج من كلام الماوردي في صورة القرية، ومن الحانوتين مسألة العضائد المذكورة بعده.
6089 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وإن كان بينهما عضائد صغار متلاصقة، وطلب أحدهما قسمتها أعيانًا وامتنع الآخر .. فقد قيل: يجبر، وقيل: لا يجبر) الأصح: الإجبار، ذكره في " أصل الروضة "، وقال: صور الجمهور المسألة بأن لا يحتمل كل منهما القسمة، وهو الصواب، وصورها صاحب " المهذب " بما إذا احتمل كل منهما القسمة 481. قال الجيلي: ومحلهما إذا لم تنقض القسمة، وإلا .. لم يجبر جزمًا.
6090 - قوله: (وإن كان بينهما عبيد أو ماشية أو ثياب أو أخشاب وطلب أحدهما قسمتها أعيانًا وامتنع الآخر .. فالمذهب: أنه يجبر الممتنع) 482 محله: ما إذا كان ذلك من نوع، فإن كان من نوعين .. فلا إجبار؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 567]: (أو عبيدٍ أو ثيابٍ من نوعٍ .. أجبر) و" الحاوي " [ص 696]: (ومنقولات نوع).
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": جزمه هنا مع حكاية الخلاف في الأرض المختلفة يقتضي القطع، وليس كذلك، بل الخلاف في الأرض المختلفة جار هنا بطريق الأولى، ولكن الحكم الذي في الدارين من عدم الإجبار لا يأتي هنا؛ لشدة اختلاف الأغراض في الدارين، بخلاف العبيد والثياب، واعتقد في " الروضة " أن مسألة العبيد والثياب المذهب فيها من الأصل: القطع بالإجبار 483، وليس كذلك، بل هو مفرع على الإجبار في الأرض المختلفة وعدم الإجبار في الدارين.
انتهى.
ويستثنى من صورتي العبيد والثياب وما معهما: ما تباينت فيها القيم بحيث لا يمكن تعديل إلا ببقية تبقي الشركة فيها؛ كعبدين بين اثنين قيمة أحدهما نصف الآخر، فطلب أحدهما القسمة؛ ليختص من خرجت له قرعة الخسيس به ويبقى له ربع الآخر .. فإنه لا إجبار في ذلك على المذهب، وتناول كلامهما ما إذا لم تمكن التسوية عددًا، كثلاثة أعبد بين اثنين سواء، قيمةُ أحدهم كالآخرين، وهو مقتضى كلام الرافعي والنووي 484، لكن في " الكفاية " عن الأكثرين: المنع.
6091 - قوله: (أو نوعين .. فلا) 485 أي: فأكثر، فلو قال: (أو أكثر) .. لكان أشمل،

الحديث: 6089 - الجزء: 3 - الصفحة: 636

وإذا امتنع ذلك في نوعين؛ كتركي وهندي .. ففي الجنسين كالعبد والثوب أولى، وصرح بهما في " المحرر " 486. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يتناول كلامه إذا كانت العبيد أو الثياب من نوعين ومنها من كل نوع متعدد أو من نوع متعدد، وهذه الصورة يجبر فيها على قسمة المتعدد من النوع بالتعديل الذي لا يبقى معه بقية شركة.
6092 - قوله: (الثالث: بالرد؛ بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا يمكن قسمته، فيرد من يأخذه قسط قيمته) 487 أحسن من قول " المحرر " و" الروضة " وأصلها: تلك القيمة 488، فإنه لا يردها كلها، وإنما يرد قسط الزيادة، فعبارة " المحرر " خطأ إن لم تؤول.
6093 - قولهم: (إن قسمة الرد بيع) 489 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": يستثنى منه: القدر الذي لم يحصل في مقابله رد؛ فإن الذي له منه بطريق الإشاعة لم يقع عليه بيع؛ فإنه لو كان مبيعًا .. لكان كل واحد منهما بائعًا ملكه وملك غيره بملكه وملك غيره، فيكون من تفريق الصفقة، ولم يقله أحد، وقد ذكر ذلك في " أصل الروضة " في قسمة الأجزاء تفريعًا على أنها بيع 490. 6094 - قول " التنبيه " [ص 257]: (وإن لم يكن فيها رد .. ففيه قولان) الأظهر: أن قسمة التعديل بيع، وقسمة الأجزاء إفراز، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 567]: (وكذا التعديل على المذهب، وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر) و" الحاوي " فقال [ص 698]: (وغير الأول بيع) وعبارة " المحرر " في ترجيح أن قسمة الأجزاء إفراز: ذكر أن الفتوى عليه 491، وأشار بذلك إلى قول صاحب " العدة " إن الفتوى عليه، ونقل الرافعي تصحيحه في " الشرحين " عن الغزالي في كتاب الرهن، قال الرافعي: ويوافقه جواب الأصحاب في مسائل متفرقة تتفرع على القولين 492. قال النووي: فالمختار ترجيحه 493، ونقل الرافعي هنا تصحيح مقابله عن البغوي وآخرين 494، وصححه في باب الربا والزكاة، وتبعه النووي فيهما 495، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ":

الحديث: 6092 - الجزء: 3 - الصفحة: 637

[والأرجح] 496: أنها إفراز، قال: ومحله إذا جرت إجبارًا، فإن جرت بالتراضي .. فبيع قطعًا.
6095 - قول " المنهاج " [ص 567]: (ويشترط في الرد الرضا بعد خروج القرعة) يفهم أنه لا خلاف فيه؛ لجزمه به مع حكاية الخلاف في الصورة التي بعده، وليس كذلك، وقد حكى " التنبيه " الخلاف فيه فقال [ص 258]: (وقيل: لا يعتبر التراضي بعد خروج القرعة).
6096 - قوله: (وإن لم يكن فيها رد؛ فإن تقاسموا بأنفسهم .. لزم ذلك بإخراج القرعة) 497 اعترضه شيخنا الإسنوي في " تصحيحه " فقال: الأصح: اشتراط التراضي بعد خروج القرعة إذا تقاسموا بأنفسهم قسمة لا رد فيها، على عكس ما في " التنبيه " 498. وقال في " التنقيح ": إنه مخالف لما في كتب الرافعي والنووي كلها؛ فإن الأصح في " الشرح " و" المحرر " و" الروضة " و" المنهاج ": أنه لا بد من التراضي 499. وقال في " الكفاية ": لم أره هكذا في غير " التنبيه "، وفي " تعليق البندنيجي ": اعتبار التراضي بعدها قولًا واحدًا، وأطلق في موضع حكاية وجهين، والمنع في " النهاية " احتمال 500. قال النشائي في " نكته ": وحاصل ما ذكره أن نقل " التنبيه " وجه مرجوح، والذي في الرافعي اعتباره منسوبًا إلى ما ذكره الشيخ أبو حامد، وجعل في " الكفاية " هذه الحكاية فيما إذا نصبوا من يقسم بينهم بالتحكيم، وليس كذلك.
انتهى 501. 6097 - قوله: (وإن نصبوا من يقسم بينهم .. اعتبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص، وقيل: فيه قول مخرج من التحكيم أنه لا يعتبر التراضي) 502 بمقتضى ترجيح القطع بالأول، وكذا في " الكفاية " عن المراوزة، لكن جزم الرافعي والنووي بإثبات هذا القول 503. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن وقعت القسمة إجبارًا من المحكم الذي فيه صفات الحاكم .. لم يعتبر الرضا بعده على أصح القولين المعروفين في المحكم، وإن لم يحكم في الإجبار ولكن حكم في القسمة .. فالأصح: أنه لا بد من الرضا بعد خروج القرعة سواء كانت مما يجبر عليه أم لا، وما لا إجبار فيه أولى باعتبار الرضا وإن لم يحكم أصلًا، وإنما أقيم وكيلًا، فأولى باعتبار

الحديث: 6095 - الجزء: 3 - الصفحة: 638

الرضا، وذكر في " الكفاية " في الوكيل: أنه لا بد من الرضا بعد القرعة جزمًا.
6098 - قول " المنهاج " [ص 567]: (ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه .. اشترط الرضا بعد القرعة في الأصح) فيه أمران: أحدهما: أن الذي لا إجبار فيه هو قسمة الرد، فهذا عين قوله المتقدم: (ويشترط في الرد الرضا بعد خروج القرعة) 504 فذكره أولًا جزمًا، ثم ذكره ثانيًا بخلاف، ولا فائدة في هذا التكرير، ثم تعبيره فيه بالأصح يخالف تعبير " الروضة " فيه بالصحيح 505. قال في " المهمات ": والذي في " الروضة " هو الصواب؛ فإن مقابله عن الاصطخري فقط.
قلت: وقال المحاملي: إنه غلط.
ثانيهما: أن كلامه هذا عكس ما في " المحرر " فإن عبارته: (والقسمة التي يجبر عليها إذا جرت بالتراضي .. هل يعتبر تكرر الرضا بعد خروج القرعة؟ فيه وجهان، رجح منهما: التكرير) 506 ففرض المسألة فيما يجبر عليه، وسلم من التكرير المتقدم، وكذا في " الروضة " و" الشرحين ": أن قسمة الإجبار لا يعتبر فيها التراضي، لا عند خروج القرعة ولا بعدها، وإذا تراضيا بقاسم يقسم بينهما .. فهل يشترط الرضا بعد خروج القرعة أم يكفي الرضا الأول؟ قولان، أظهرهما: الاشتراط، وإليه مال المعتبرون، وذكروا أنه المنصوص، كذا في " الروضة " 507، وعبارة الرافعي: وذُكر أنه المنصوص 508، وبينهما تفاوت، وهذا مخالف " للمحرر " في جعل الخلاف وجهين.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي في " المنهاج " من ذكر الخلاف في التي لا إجبار فيها وإن لم يكن في " المحرر " في نفسه صحيح، ولكن فيه الخلل من جهة الجزم في قسمة الرد، وذكر الخلاف فيما لا إجبار فيه في غيرها.
وقال في " التوشيح ": الذي يظهر أنه في " المنهاج " أراد أن يكتب: (ما فيه إجبار)، فكتب: (ما لا إجبار فيه) وأنا أرجو أن تكون عبارته: (ما الإجبار فيه) بالألف واللام في الإجبار، ثم تصحفت؛ فينبغي قراءتها كذلك.
6099 - قول " التنبيه " [ص 258]: (وإن ترافعوا إلى حاكم فنصب من يقسم بينهم .. لزم ذلك بإخراج القرعة) المراد: ما إذا كانت القسمة قسمة إجبار، وقد دل على ذلك فول "الحاوي " [ص 697]:

الحديث: 6098 - الجزء: 3 - الصفحة: 639

(وبتكرير تراض في غير) أي: في غير قسمة بالإجبار، وهي عبارة حسنة شاملة، وهو مفهوم من قول " المنهاج " [ص 567]: (ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه) فإن صوابه الموافق " للمحرر ": (ما فيه إجبار) 509 كما تقدم، فدل على أنه لو وقع ذلك بغير تراض، بل بالإجبار .. لم يشترط الرضا بعد القرعة، وهو المجزوم به في " الروضة " وأصلها كما تقدم 510. 6100 - قول " المنهاج " [ص 567]: (كقولهما: " رضينا بهذه القسمة "، أو " بما أخرجته القرعة ") فيه أمران: أحدهما: ظاهره الاكتفاء بذلك بعد خروج القرعة وإن لم يعلم كل واحد ما صار إليه، والمنصوص في " الأم " أنه لا بد من سبق علم ذلك على الرضا.
ثانيهما: ظاهره أنه لا يكتفى بقولهما: (رضينا بهذا) وهو وجه أنه لا بد من التصريح بلفظ القسمة، والأصح: خلافه.
6101 - قول " الحاوي " [ص 697]: (ونقضت بالإجبار بالحجة) أحسن من قول " المنهاج " [ص 567]: (ولو ثبت ببينة غلطٌ أو حيفٌ في قسمة إجبار .. نقضت) لتناوله ما إذا ثبت ذلك بإقرار الخصم أو باليمين المردودة أو بعلم الحاكم، فكل ذلك حجة وليس ببينة، وأما ثبوته بشاهد ويمين .. فيحتمل دخوله في قول " المنهاج ": (ببينة) وعدم دخوله، وهو داخل في تعبير " الحاوي " بالحجة قطعًا، ولو حذف " المنهاج " لفظ (البينة) .. لكان أحسن، فثبوت ذلك بأي طريق كان كاف، ولو أقر القاسم بذلك .. لم يلتفت إليه مع إنكار الخصم، ذكره الرافعي عن البغوي 511، وخالف فيه القاضي حسين.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والأرجح الجاري على القواعد: ما ذكره البغوي، ولكن يرد الأجرة وعليه الغرم.
6102 - قول " التنبيه " [ص 259]: (وإذا تقاسموا ثم ادعى بعضهم على بعض غلطا، فإن كان فيما تقاسموا بأنفسهم .. لم تقبل دعواه) و" الحاوي " [ص 697]: (ولا ينفع دعوى الغلط) محله فيما إذا قلنا: القسمة بيع، فإن قلنا: إفراز .. سمعت؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 567]: (ولو ادعاه في قسمة تراض وقلنا: هي بيع .. فالأصح: أنه لا أثر للغلط، ولا فائدة لهذه الدعوى .. قلت: وإن قلنا: إفراز ... نقضت إن ثبت، وإلا .. فيحلف شريكه) وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج " أن هذا التفريع لا يوجد في كلام غير الغزالي في " الوجيز " أخذه من كلام

الحديث: 6100 - الجزء: 3 - الصفحة: 640

الإمام 512، والذي أطلقه الشافعي والعراقيون وأكثر المراوزة عدم الفرق، وقال الماوردي فيما إذا كانت القسمة بالتراضي لكنها فيما يجبر فيه: تسمع البينة بالغلط، ويحكم بإبطال القسمة 513، وخالف فيه البندنيجي وغيره، قال شيخنا: والأرجح ما قاله الماوردي؛ لأنها لا يتمحض الرضا فيها؛ لأنه يخاف من إجبار يقع فيها، وحمل شراح " الحاوي " كلامه على ما إذا ادعى ذلك على قسام القاضي، وهنا أمور: أحدها: محل قولنا: لا أثر للغلط إذا قلنا: بيع ما إذا جرى لفظ البيع أو ما يقوم مقامه، وإلا .. فالحكم كما لو قلنا: إفراز، قاله في " الوسيط " 514، ولم يتعرض له في " البسيط "، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والتفصيل هو المعتمد.
ثانيها: ومحله أيضًا: ما لم يذكر تأويلًا، فإن قال: إنما رضيت لاعتقادي أن ما خرجت القسمة به هو الذي لي، وقد ظهر لي أنه أكثر منه، وسبب غلطي مجي كتاب وكيلي بقدر فخرج بخلافه، أو كانت لي شركة في مكان آخر فغلطت منه إلى هذا، ونحو ذلك .. فتسمع دعواه وبينته؛ كنظيره من المرابحة فيما إذا قال: اشتريت بمائة، ثم قال بل بمائة وعشرة، قاله شيخنا في " تصحيح المنهاج ". ثالثها: قال شيخنا أيضًا: مقتضاه: أن الشركاء لو اعترفوا بما ادعاه .. لا تنقض القسمة، وهذا خرق عظيم، وليس هذا كالغبن؛ فإنه لما رضي هنا بعد القرعة .. لم يكن نصيبه مكشوفًا له، ولم أجد أحدًا صرح بعدم النقض مع اعتراف الغريم، لكن في " الكفاية ": أن مقتضى التوجيه بأنه ينزل منزلة الغبن في البيع: أن الغرماء ولو اعترفوا بالغلط .. لم يفده اعترافهم شيئًا، وبه صرح في " الوسيط " عن العراقيين، ولم يصرح في " البسيط " 515 بذلك، وإنما قال العراقيون: لا تنقض؛ لأنه رضي به، فصار كما إذا اشترى بغبن، وهذا يتجه على قولنا: إنها بيع 516. فإن قيل: يلزم من تشبيهه بالغبن هذا .. قلنا: الكلام في التصريح بذلك، ثم لا يلزم من تشبيهه بالغبن هذا؛ لأن في الغبن لم يستند إلا إلى مجرد تخمين، وهنا استند إلى قسمة بقرعة ظن أنها على العدل، فلا يكون رضاه مع الإسناد المذكور ناقلًا للزيادة عن ملكه إذا لم يعلمها.
انتهى 517.

الجزء: 3 - الصفحة: 641

رابعها: أورد شيخنا أيضًا على قوله: (وإن قلنا: إفراز .. نقضت إن ثبت) 518 أن محله: إذا لم يعلم الزائد، أو علمه ولم يرض بمصيره لشريكه، أو رضي به ولم يحصل من الشريك رضا لو رضي به، ولم يحصل أمر يلزم به التمليك المذكور، فاما إذا علم به ورضي بمصيره لشريكه ورضي الشريك بذلك وحصل الأمر الملزم وهو القبض بالإذن .. فإنه لا تنقض القسمة ولو ثبت ذلك، وقد نقل الإمام عن الأصحاب فيما إذا اقتسم الشريكان المستويان في النصيب على تفاوت مع العلم بالتفاوت .. أنه يصح ذلك ويلزم، وبحث فيه الإمام 519، ونازعناه فيه.
انتهى.
6103 - قول " التنبيه " [ص 260]: (وإن استحق من الجميع جزء مشاع .. بطلت القسمة، وقيل: تبطل في المستحق، وفي الباقي قولان) صحح الرافعي والنووي الطريق الثاني، ونقلاها عن الأكثرين 520، وعليها مشى " المنهاج " فقال [ص 567]: (ولو استحق بعض المقسوم شائعًا .. بطلت فيه، وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة) ومقتضاه: تصحيح الصحة في الباقي، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 697، 698]: (وإن استحق معين .. بطلت) ولا يقال: مقتضى عموم المفهوم الصحة حتى في الجزء المستحق؛ لأن البطلان في المستحق واضح، ولكن حكى الشيخ أبو حامد - الطريق الأول - وهو البطلان مطلقًا - عن عامة الأصحاب، والماوردي عن جمهورهم، وأوضح في " المهمات " كون الأكثرين عليه، وبسطه، وهو ظاهر إطلاق نص " الأم " و" المختصر " في صورة الاستحقاق على انتقاض القسمة من غير فرق بين المعين والمشاع، واختار شيخنا في " تصحيح المنهاج ": أنه إن كان في الأراضي والدور .. قطع فيه بإبطال القسمة كلها، وإن كان في غيرها من عبيد وثياب .. قطع فيه بتفريق الصفقة، ثم ذكر شيخنا: أن تفريق الصفقة المعهود إنما هو في المبيع خاصة، فأما وقوعه في المبيع والثمن؛ بأن باع عبده وعبد غيره بعبد المشتري وعبد غيره .. فلم يذكره أحد من المصنفين، والحال فيه مركب من خلافين: أحدهما: خلاف تفريق الصفقة.
والثاني: خلاف الحصر والإشاعة، وذلك أنه إذا بطل البيع في عبد غير البائع وفي عبد غير المشتري .. يبقى عبد البائع وعبد المشتري، فإذا قلنا بالانحصار وبتفريق الصفقة وكانت قيم الأعبد الأربعة مستوية .. فانه يصح البيع في عبد البائع بعبد المشترى وإن قلنا بالإشاعة، وهو الأصح في البيع والصداق والخلع وجميع الأبواب، إلا بَابَيْ الفلس الوصية .. فإنما يصح البيع عند استواء قيم الأربعة في نصف عبد البائع بنصف عبد المشتري، ففي القسمة في عبدين متساويي القيمة

الحديث: 6103 - الجزء: 3 - الصفحة: 642

مشتركين في الظاهر بين اثنين، فاقتسماهما لهذا عبد ولهذا عبد، ثم ظهر لثالث الاستحقاق بالثلث في العبدين، فتبطل القسمة في المستحق ويبقى لكل واحد ثلثا عبد، وقد كان يملك ثلثه قبل القسمة، وازداد بالقسمة من نصيب شريكه القاسم معه الثلث، فإذا قلنا بالحصر .. فلكل واحد من المتقاسمين ثلثا العبد الذي صار إليه، وإن قلنا بالإشاعة .. فقد بطلت القسمة في نصف نصيب كل شريك، وصحت في نصف، فلكل منهما نصف العبد الذي صار إليه بمقتضى الملك الأصلي وما صحت فيه القسمة، وبقية الثلثين من جهة إبطال القسمة بمقتضى الإشاعة، فيعود إلى الملك الأصلي، ثم ذكر شيخنا أيضًا: أنه تتعين هنا الإجارة بالقسط، ولا يأتي فيه إثبات الخيار لواحد من المتقاسمين على التعيين؛ لأن كلًا منهما يدلي بما يدلي به الآخر، وفي " أصل الروضة ": ثبوت الخيار هنا من غير تعيين من يثبت له الخيار 521. 6104 - قولهم - والعبارة لـ " التنبيه " -: (وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهم شيء معين لم يستحق مثله من حصة الآخر .. بطلت القسمة) 522 قال في " المهمات ": يستثنى منه: ما إذا وقع في القيمة عين لمسلم استولى عليها الكفار ولم يظهر أمرها إلا بعد القسمة .. فإنها ترد على صاحبها، ويعوض من وقعت في نصيبه من خمس الخمس، ولا تنقض القسمة.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لا يستثنى ذلك؛ لأن تلك القسمة لا تجري على حسب القسمة في المشتركات الشركة الحقيقية، بل التصرف فيها للإمام كما هو مقرر في بابه.
نعم؛ يستثنى منه: ما إذا كانت القسمة بيعًا برد ونحوه .. فلا تبطل القسمة، بل يبطل البيع في ملك المستحق، وفي صحته في ملك الشريك المردود عليه عوض الزائد قولا تفريق الصفقة.
6105 - قول " التنبيه " [ص 258]: (فإن ترافعوا إليه في قسمة ملك من غير بينة .. ففيه قولان: أحدهما: لا يقسم بينهم، والثاني: يقسم إلا أنه يكتب أنه قسم بينهم بدعواهم)، قال الرافعي: أظهرهما عند الإمام وابن الصباغ والغزالي: الثاني، وعن الشيخ أبي حامد وطبقته: الأول؛ ويدل عليه أن الشافعي رحمه الله لما ذكر القول الثاني .. قال: لا يعجبني هذا القول 523، وقال النووي: المذهب: أنه لا يجيبهم، ومشى عليه في " تصحيحه " 524. وقال شيخنا الإمام البلقيني: يخرج من هذا أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع، ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هناك يأتي هنا.
انتهى.

الحديث: 6104 - الجزء: 3 - الصفحة: 643

ومشى " الحاوي " على الثاني على عادته في متابعة الغزالي فقال: (ويجيب طالبيها، وكتب أنه قسم بقولهم) 525. ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن لهم منازع، فإن كان .. لم يجبهم قطعًا، صرح به الماوردي والروياني وابن الرفعة وغيرهم.
قال في " المهمات ": وهذه المسألة مخرجة على أن تصرفات الحاكم حكم أم لا.
انتهى.
والمراد: البينة على الملك، فلو أقاموا بينة على أنه بأيديهم .. فهل يقسم تفريعًا على المنع عند مجرد اليد؟ فيه احتمالان لشيخنا الإمام البلقيني، قال: والمنع أصح؛ لأن البينة لم تفد القاضي شيئًا غير الذي عرفه.
6106 - قول " التنبيه " فيما إذا كان بين ملكيهما عرصة حائط، وهي الأس [ص 259]: (وإن أراد أن يقسمها عرضًا، فيجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول وامتنع الآخر .. فقد قيل: يجبر، وقيل: لا يجبر) الأصح: الأول، وهو الإجبار.
6107 - قوله فيما إذا كان بينهما حائط: (وإن طلب أحدهما أن يقسم طولًا في كمال العرض وامتنع الآخر .. [فقد قيل: لا يجبر، وقيل: يجبر وهو الأصح]) 526 527 الأصح عند الرافعي والنووي: الأول 528، وعليه مشى " الحاوي " فقال مثالًا لما لا يجبر على قسمته [ص 697]: (كالجدار طولًا بقرعة) ثم قال: (وعرضًا خُصَّ كل وجه بصاحبه) 529 أي: لو طلب أحدهما قسمة الجدار عرضًا .. أجيب الطالب وخص كل واحد مما يليه، وهذا قد حكاه الرافعي وجهًا عن صاحب " التقريب " بعد أن قال: إن ظاهر المذهب: أنه لا يجاب إليه، ذكره في الصلح 530، وعليه مشى " التنبيه " فقال [ص 259]: (وإن كان بينهما حائط وطلب أحدهما أن يقسم عرضًا في كمال الطول وامتنع الآخر .. لم يجبر).
والجواب عن " الحاوي ": أنه لم يرد الإجبار على ذلك؛ لأنه ذكره في حيز ما يعتبر فيه تكرير التراضي، وصورة المسألة: أن تكون العرصة لهما أيضًا، فإن كانت محتكرة .. فقال الماوردي: إنه لا إجبار؛ لأن البناء لا يعلم ما فيه؛ ليتساويا في الاقتسام إلا بعد هدمه، وفي هدمه ضرر؛ فلم يدخله إجبار، فإن اصطلحا عليه .. جاز 531.

الحديث: 6106 - الجزء: 3 - الصفحة: 644

6108 - فول " الحاوي " [ص 698]: (ويهايؤ إن امتنعت) أي: القسمة، والمراد: جواز المهاياة، لا الإجبار عليها؛ ويدل له قوله بعده: (وللنزاع يؤجر) 532، وقد أفصح بذلك " التنبيه " فقال [ص 259]: (وإن كان بين رجلين منافع فأرادا قسمتها بالمهاياة .. جاز، وإن أراد أحدهما ذلك وامتنع الآخر .. لم يجبر الممتنع).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا في المنافع المملوكة بإجارة أو وصية؛ فإنه يجبر على قسمتها وإن كانت العين قابلة للقسمة أو غير قابلة؛ إذ لا حق للشركة في العين، قال: ويدل على الإجبار في ذلك ما ذكر في كراء العقب، وفي " أصل الروضة ": لو استأجر اثنان أرضًا وطلب أحدهما المهايأة وامتنع الآخر .. فينبغي أن يعود الخلاف في الإجبار، وإن أراد قسمتها .. ففي " فتاوى القاضي حسين ": أنها جائزة على قول ابن سريج 533، أي: في الإجبار على المهايأة، لكن الأصح خلاف ذلك.
6109 - قول " الحاوي " [ص 698]: (ورجع ما لم يستوف نوبته) يقتضي أنه لا رجوع له بعد استيفائها، وليس كذلك؛ فالأصح: أن له الرجوع أيضًا؛ ويدل لذلك قوله عقبه: (فإن رجع واحد قبل تمام النوبتين .. غرم المستوفي نصف أجر مثل ما استوفى للآخر) 534.

الحديث: 6108 - الجزء: 3 - الصفحة: 645

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل