كتاب الزّكاة
باب زكاة الحيوان
1060 - قول "المنهاج" [ص 160]: (إنَّما تجب منه في النَّعَم وهي: الإبل والبقر والغنم) كذا فسّر الفقهاء النَّعَم، ولم يجعله أهل اللُّغة شاملاً للبقر، إمَّا للإبل فقط، أو للإبل والغنم 1، فلو اقتصر على قوله: (إنَّما تجب في إبل وبقر وغنم) .. لكان أحسن وأخصر؛ فإن الأدلة قائمة على هذه الأسماء لا على لفظ النعم.
1061 - قوله: (لا المتولد من الغنم والظباء) 2 خرج به المتولد بين زكويين؛ كالإبل والبقر، أو البقر والغنم، فالظاهر: وجوب الزكاة فيه، لكن يُشكل بأيّ أصليه يلحق في كيفية زكاته، ولم أرَ من تعرض لذلك.
1062 - قولهما: (وفي مئة وإحدى وعشرين: ثلاث بنات لبونٍ، ثم في كل أربعين: بنت لبونٍ، وفي كل خمسين: حِقَّة) 3 يقتضي أن استقامة الحساب بذلك يكون بعد مئة وإحدى وعشرين، وليس كذلك، بل يتغير الواجب بزيادة تسع، ثم بزيادة عشرٍ عشرٍ، ففي مئة وثلاثين: بنتا لبون وحِقَّة، وفي مئة وأربعين: حقتان وبنت لبون، وفي مئة وخمسين: ثلاث حقاق، وهكذا أبداً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 208]: (وبعد تسعٍ، ثم كل عشر يتغير الواجب، في كل أربعين: بنت لبونٍ، وفي كل خمسين: حِقَّة).
1063 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ويجزئ في شاتها: الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني من المعز، وهو الذي له سنة) الأصح: أن جذع الضأن: ما له سنة، وأن ثني المعز: ما له سنتان، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 4، لكن قوله: (كما في الغنم) 5 أي: بالنسبة إلى السن لا بالنسبة إلى الأنوثة، وفي الرافعي في (الأضحية) عن أبي الحسن العبادي: أنَّه لو أجذع قبل تمام السنة .. كان مجزياً، كما لو تمت السنة قبل الجذع، ونزل ذلك منزلة البلوغ بالسن أو الاحتلام، قال: وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وقال: الجذعة:
الحديث: 1060 - الجزء: 1 - الصفحة: 453
هي التي استكملت سنة وطعنت في الثَّانية، أو أجذعت سنها من قبل ذلك.
انتهى 6.
وظاهر كلام "التَّنبيه" و "الحاوي" التخيير بينهما، وبه صرح "المنهاج" فقال [ص 161]: (والأصح: أنَّه غير بينهما، ولا يتعين غالب غنم البلد) وعبر في "الروضة" بالصحيح 7، وإذا قلنا به فاختار نوعاً منهما .. وجب من غنم البلد؛ أي: من صنف هو في البلد من ذلك النوع، وتحقيق هذا أنَّه إن كان النوعان في بلده واختار الضأن مثلًا .. وجب من صنف ضأن البلد، فإن كان بمكة .. وجب ضأنية مكية، أو ببغداد .. فضأنية بغدادية، فإن أخرج بمكة ضأنية بغداديةً أو عكسه .. لم يجزئ على المذهب إلَّا أن يكون مثل صنف البلد في القيمة أو خيراً منه، فعلى هذا ليس التخيير على إطلاقه.
1064 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن أخرج منها بعيراً .. قبل منه) أي: بشرط كونه مجزئاً في الزكاة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 161]: (وكذا بعير الزكاة) والتقييد بذلك من زيادته على "المحرر"، وهو حسن، لكنَّه عطف ذلك على الأصح، وهو يفهم أن مقابله وجه: أن البعير لا يجزئ مطلقًا، وليس كذلك، بل مقابله ثلاثة أوجه، قيل: إنَّه يعتبر أن يكون قيمة البعير المخرج عن خمس قيمة شاة، وعن عشر قيمة شاتين ... وهكذا نظرًا إلى أن الشياة أصل، وقيل: يجزئ ناقص القيمة عن المراض والمعيبة فقط، وقيل: لا يجزئ في عشر إلَّا حيوانان؛ شاتان، أو بعيران، أو بعير وشاة، ولا في خمسة عشر إلَّا ثلاث، ولا في عشرين إلَّا أربع، وعبارة "الحاوي" [ص 207]: (يجب فيما دون خمس وعشرين إبلاً إبلٌ)، وتعبيره في الواجب بقوله: (إبل) فاسد؛ لأنَّه اسم جمع لا ينطلق على الواحد، وأيضًا: ففاته التّقييد بالإجزاء في الزكاة.
1065 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن لم يكن في إبله بنت مخاض .. قبل منه ابن لبون ذكر) فيه أمور:
أحدها: المراد: إذا لم يكن في إبله بصفة الإجزاء، فالمعيبة كالمعدومة كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 8.
ثانيها: يرد عليه: ما لو ملك بنت مخاض مغصوبة أو مرهونة .. فإن له إخراج ابن لبون كما في "شرح المهذب" عن الدَّارميُّ وغيره 9، مع أنَّها في إبله حكمًا، لكن ليست فيها حسًّا، فقد لا ترد لذلك، وكذا قوله "المنهاج" [ص 161]: (فإن عدم بنت المخاض) محتمل؛ لأنَّه عادم حسًّا واجد ملكًا.
الحديث: 1064 - الجزء: 1 - الصفحة: 454
نعم؛ ترد على قول "الحاوي" [ص 207]: (فإن لم تكن له سليمة) لأنَّها له، وقد يقال: المراد بكينونتها له: تمكنه منها، فلا ترد عليه أيضاً.
ثالثها: يرد عليه أيضاً: ما لو أخرج خنثى من أولاد اللبون .. فالأصح: الإجزاء، وهذا وارد على "المنهاج" أيضاً؛ لأنَّه ليس ابن لبون، لكن "التَّنبيه" زاد عليه بالتأكيد بقوله: (ذكر) فكان الإيراد عليه أظهر، وقد تناوله قول "الحاوي" [ص 207، 208]: (فولد لبون)، وقال ابن المسلم: إنْ عدَّه أهل المواشي عيبًا والإبل سليمة .. ينبغي أن لا يجزئ.
رابعها: قد يفهم أنَّه لا يقبل منه الحِقّ، وليس كذلك كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 10.
خامسها: عبارة الثلاثة تفهم أنَّه لا يجزئ ابن المخاض، وبه قال ابن الصباغ، لكن جزم الشَّيخ أبو حامد بالجواز، وقال القاضي حسين: إنَّه الظاهر من المذهب، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1066 - قول "المنهاج" [ص 161]: (لا لبون في الأصح) أي: لا يؤخذ الحِقّ عن بنت اللبون عند فقدها، وعبر في "الروضة" بالمذهب، قال: وبه قطع الجمهور 11.
1067 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن اتفق فرضان في نصاب واحد؛ كالمئتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون .. اختار الساعي أنفعهما للمساكين) محله: إذا وُجدا مسألة بصفة الإجزاء، كما أوضحه "المنهاج" و "الحاوي" 12.
1068 - قوله: (وقيل: فيه قولان، أحدهما: ما ذكرت، والثَّاني: أنَّه يجب الحقاق) 13 هذه الطريقة هي الصحيحة، كما في "الشَّرح الصَّغير" و "شرح المهذب" 14.
وتعبير "المنهاج" بـ (المذهب) 15 قد يقتضي ترجيح طريقة القطع، وقد يقال: لا دلالة له على ذلك، إنَّما يدل على أن في المسألة طريقين، وأن هذا هو المرجح في الجملة؛ إمَّا من طريقة القطع، وإما من طريقة القولين، وعليه مشى في "المهمات" فقال: إنَّه لا يؤخذ منه ترجيح لشيء من الطريقين.
1069 - قول "المنهاج" [ص 161]: (فإن وُجِدَ مسألة أحدهما) أي: تاماً - كما صرح به
الحديث: 1066 - الجزء: 1 - الصفحة: 455
"الحاوي" - مجزئاً لا معيباً، كما دل عليه كلامهما في فقد بنت المخاض، وقولهما: (أخذ) 16 أي: ولا يكلف تحصيل الآخر وإن كان أغبط كما في "الروضة" وغيرها 17، ومقتضاه: أنَّه لو حَصَّل الآخر ودفعه .. أجزأه لا سيما إن كان أغبط، وعليه يدل كلام جماعة منهم الإمام والغزالي، وقاساه على الاكتفاء بابن لبون لفقد بنت مخاض 18، لكن صرح جماعة بخلافه وأن الوجوب متعين فيه.
1070 - قول "المنهاج" [ص 161]: (وإلا - أي: وإن لم يوجد مسألة واحد منهما، أو وُجد معيبًا - .. فله تحصيل ما شاء) بقي عليه: أن له أيضاً أن ينزل عن بنات اللبون إلى خمس بنات مخاض ويدفع خمس جبرانات، أو يصعد عن الحقاق إلى أربع جذعات ويأخذ أربع جبرانات، ويمتنع العكس، وهو أن يصعد عن بنات اللبون إلى الجذاع ويأخذ عشر جبرانات، أو ينزل عن الحقاق إلى بنات مخاض ويعطي ثماني جبرانات، وقد ذكره "الحاوي" 19، فلو جعل الحقاق أصلاً ونزل إلى أربع بنات لبون يحصلها ويدفَع أربع جبرانات، أو جعل بنات اللبون أصلًا، وأراد أن يصعد إلى الحقاق، فيدفع خمس حقاق ويأخذ خمس جبرانات .. لم يتعرضوا له.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الذي فرّعه في الحال: الرابع؛ أي: وهو أن يؤخذ بعض كل صنف، لا يبعُد عليه تجويز هذا، قال: ويحتمل جواز الصورة الأولى؛ لأنَّه لم يتكمل له من بنات اللبون جميع الواجب، دون الثَّانية؛ فإنَّه قد حصل الفرض، فليس له أن يعدل إلى الجبران، كما لو كان عليه بنت مخاض فلم يجدها وعنده ابن لبون .. فإنَّه لا يعدل إلى بنت اللبون ليأخذ الجبران على الأصح؛ لأنَّه بدل بنت المخاض بالنص، فكذلك لا ينبغي هنا بعد تحصيل الحقاق التي هي أحد الواجبين أن يدفعها بزيادة واحد ويأخذ الجبران.
انتهى.
1071 - قول "المنهاج" [ص 161]: (فإن وجدهما) أي: بصفة الإجزاء.
1072 - قوله: (فالصحيح) 20 عبر في "الروضة" بالمذهب المنصوص وقول الجمهور 21.
1073 - قوله: (ولا يجزئ غيره) 22 الظاهر: سحبُ الصَّحيح عليه، فيكون أشار إلى الخلاف.
الحديث: 1070 - الجزء: 1 - الصفحة: 456
1074 - قوله: (إن دلس) 23 أي: المالك.
1075 - قوله: (وإلا .. فيجزى) 24 أي: يحسب من الزكاة، وليس المراد: أنَّه يكتفي بذلك؛ فقد قال بعده: (والأصح: وجوب قدر التفاوت) 25، قال السبكي؛ والتفاوت المشار إليه إنَّما يجب إذا غلط الساعي في الاجتهاد دون ما إذا اقتضى رأيه موافقة ابن سريج في أخذ غير الأغبط، وكان مأذوناً له في ذلك من جهة الإمام، فلا ينبغي أن يجب التفاوت هنا، وفي وجه: إنَّه لا يجزئ بحال؛ لأنَّه غير المأمور به، قال السبكي: وهو القياس.
1076 - قوله: (ويجوز إخراجه دراهم، وقيل: يتعين تحصيل شقص به) 26 فيه أمران:
أحدهما: قال الرافعي: إطلاق الأصحاب الدراهم في هذا الفصل يشبه أن يكون مرادهم: نقد البلد دراهم كان أو دنانير، كما صرح به الشَّيخ إبراهيم المروروذي 27، قال في "الروضة": مرادهم: نقد البلد قطعاً، وصرح به جماعة منهم القاضي حسين وغيره، وعليه يحمل قول صاحب "الحاوي" وإمام الحرمين وغيرهما: دراهم أو دنانير؛ يعنيان: أيهما كان نقد البلد.
انتهى 28.
ثانيهما: أطلق الشقص، والأصح: أنَّه يتعين أن يكون من الأغبط؛ ولذلك عبر "الحاوي" بقوله [ص 209]: (وإن أخطأ .. جبر بالنقد أو بِشقصٍ من الأغبط).
1077 - قول "المنهاج" [ص 161]: (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها وعنده بنت لبون .. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) فيه أمور:
أحدها: قوله: (فعدمها) قد يفهم أن المراد: العلم المطلق، وليس كذلك، وإنَّما المراد: عدمها في ملكه وإن أمكنه تحصيلها، وكذا تعبير "الحاوي" بـ (الفقد) 29، فأحسن منهما قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ولم يكن عنده).
نعم؛ يرد عليهم: ما لو كانت عنده معيبة .. فهي كالمعدومة، أو كريمة .. فلا يمنع وجودها الصعود والنزول وإن كان وجود كريمة يمنع العدول إلى ابن لبون في الأصح.
ثانيها: قوله: (وعنده بنت لبون) ليس ذلك شرطًا، فلو لم تكن عنده .. فله تحصيلها ودفعها، لكنَّه إذا حصّلها .. صدق حينئذ أنَّها عنده، فيدفعها، ولا يرد ذلك على "التَّنبيه" و "الحاوي".
الحديث: 1074 - الجزء: 1 - الصفحة: 457
ثالثها: يرد عليه وعلى "التَّنبيه": ما إذا وجد ابن لبون .. فليس له إخراج بنت اللبون وأخذ الجبران في الأصح، وقد ذكرها "الحاوي" 30.
رابعها: وقع في "الروضة" تبعاً للرافعي في الكلام على اجتماع فرضين في نصاب: أنَّه لو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثمن .. يعدل إلى القيمة.
انتهى 31.
ومقتضاه: أنَّه لا يتعين الانتقال إلى بنت اللبون، بل يجوز دفع قيمة بنت المخاض، ويطرد في سائر الصور، ولعلّه محمول على ما إذا فقد سائر أسنان الزكاة.
خامسها: اقتصر "المنهاج" على فقد بنت المخاض وبنت اللبون، ولم يذكر فقد بقية أسنان الزكاة، فأعم منه قول "التَّنبيه" [ص 56]: (ومن وجب عليه من ولم يكن عنده) لكن أورد عليه: أنَّه إن أراد: من الزكاة وهو الظاهر .. اقتضى منع الجبران إذا أخرج ثنية بدل جذعة، وهو الذي حسنه الرافعي 32، ومشى عليه "الحاوي" 33، وحكاه صاحب "التقريب" عن الأكثرين كما في "المهمات"، لكن الأصح في "الروضة" و "المنهاج": خلافه، وحكاه عن الجمهور 34، وإن أراد: مطلق السنن ورد الفصيل إذا أخرجه مع الجبران .. فلا قائل بقبوله، فأحسن منهما قول "الحاوي" [ص 209]: (إن فقد الواجب).
1078 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (والاختيار في الصعود والنزول إلى المصدق)، قال النووي في "التحرير" عن نسخة المصنف: إنَّه بتخفيف الصاد؛ أي: الساعي 35، قال في "الكفاية": ونسب للإمام، ورجحه البندنيجي والماوردي.
انتهى 36.
لكن الأصح: أن الخيرة في ذلك للمالك، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 37، فيكون المصّدق بتشديد الصاد، وعبارة "المنهاج" [ص 161]: (وفي الصعود والنزول: للمالك في الأصح إلَّا أن تكون إبله معيبة) وفيها أمور:
أحدها: محل الخلاف: إذا دفع غير الأغبط، فإن دفع الأغبط .. أجيب قطعاً.
ثانيها: كلامه يفهم أنَّه إذا كانت الإبل معيبة .. لا خيرة للمالك مطلاً، وليس كذلك، فله الخيرة في النزول وفي الصعود إذا لم يأخذ جبراناً، والممتنع إنَّما هو في الصعود مع طلب الجبران.
الحديث: 1078 - الجزء: 1 - الصفحة: 458
ثالثها: يُضم إلى عيب الإبل:
- ما إذا كانت مريضة، وقد ذكره "الحاوي" 38.
- وما إذا كانت لا أثمان لها لِلُؤْمِهَا، نص عليه في "الأم" كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" 39.
- وما إذا جاوز الجذعة إلى الثنية، كما تقدم عن "الحاوي" خلافًا للجمهور 40.
- وما إذا فقد بنت المخاض وعنده ابن لبون، فأراد إخراج بنت اللبون مع أخذ الجبران، وقد ذكرها "الحاوي" كما تقدم.
فالممتنع في هذه الصور كلها: أخذ الجبران عند إرادة الصعود، وعبارة "الحاوي" [ص 209]: (وأخذ، لا إن مرض إبله، أو تعيَّب، أو جاوز الجذعة، أو إلى بنت لبون وله ابن لبون) فهذه الصور مستثناة من أخذ المالك الجبران، فلو تبرع صاحب الإبل المعيبة وصعد إلى سليمة ليأخذ الجبران .. قال شيخنا ابن النقيب: ففيه للنظر مجال 41. قلت: ينبغي الجزم بجوازه؛ فإن المدرك في الامتناع احتمال زيادة الجبران المأخوذ على المريض والمعيب المدفوع، وهذه العلة منتفية فيما إذا تبرع بالصعود إلى سليمة، والله أعلم.
1079 - قول "المنهاج" [ص 162]: (وله صعود درجتين وأخذ جبرانين، ونزول درجتين مع جبرانين بشرط تعذر درجة في الأصح) يقول "الحاوي" [ص 209]: (فإن فقد أو قنع بجبران .. فدرجتين) وفيه أمران: أحدهما: أن له الصعود والنزول بثلاث درجات أيضاً بشرط تعذر الدرجتين.
ثانيهما: المراد: تعذر درجة في تلك الجهة، فلو لزمه بنت لبون ففقدها وفقد الحقة، فهل له الصعود إلى جذعة مع وجود بنت مخاض عنده؛ فيه وجهان مرتبان على هذين الوجهين، وأولى بالجواز، كذا في "الروضة" 42، وصرح في "شرح المهذب" بتصحيح الجواز 43، وأورد في "الكفاية" على اقتصار "التَّنبيه" على الشاتين والعشرين درهمًا: أنَّه شامل لما لو نزل أو صعد بدرجتين لفقد درجة، وليس كذلك، بل عليه أو له أربع شياه، أو أربعون درهماً، أو شاتان وعشرون درهماً.
الحديث: 1079 - الجزء: 1 - الصفحة: 459
1080 - قوله "المنهاج" [ص 162]: (ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) هو معنى قوله "الحاوي" [ص 210]: (لا بالنوعين)، ويستثنى منه: ما إذا كان الآخذ للجبران هو المالك، ورضي بذلك، وقد ذكره "الحاوي" 44، وقد يفهم ذلك من التعبير بعدم الإجزاء؛ لأنَّ الإجزاء وعدمه إنَّما يضافان إلى المزكي.
1081 - قوله "التَّنبيه" [ص 56] و "الحاوي" [ص 210]: (وفي مئتين وواحدة: ثلاث شياه، ثم في كل مئة شاةٍ شاة) يقتضي أن في ثلاث مئة وواحدة: أربع شياه، وليس كذلك، ومرادهما: وفي مئتين وواحدة إلى ثلاث مئة: شاة، وهذا متَّفقٌ عليه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 162]: (ومئتين وواحدة: ثلاث، وأربع مئة: أربع، ثم في كل مئةٍ: شاةٌ).
1082 - قوله "المنهاج" [ص 162]: (إن اتحد نوع الماشية .. أُخذ الفرض منه، فلو أخذ عن ضأن مَعْز أو عكسه .. جاز في الأصح (تصحيح أخذ الضأن عن المعز وبالعكس كالمستثنى مما تقدم أولاً، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي تصحيح المنع؛ فإنَّه جزم به أولاً، فقال: إن اتحد نوعها .. أخذ منها، ثم حكى الخلاف عن "التهذيب" وأنَّه صحح الجواز 45.
1083 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (وإن كانت المواشي أنواعاً؛ كالبخاتي والعراب والجواميس والبقر والضأن والمعز .. ففيه قولان، أحدهما: يؤخذ من الأكثر، والثَّاني: يجب في الجميع بالقسط) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 46، وكان ينبغي أن يجعل بدل البقر العراب، فهي أحد نوعي البقر، وكيف يكون البقر أحد نوعي البقر؟ !
1084 - قوله "التَّنبيه" [ص 56]: (فإن كانت كلها ذكوراً .. أخذ في فرضها الذكر، إلَّا الإبل؛ فإنَّه لا يؤخذ في فرضها إلَّا الإناث، وقيل: يؤخذ في فرضها الذكور) هذا الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 47، وفي "تصحيح" النووي، وشيخنا الإسنوي عطفاً على الأصح: وجواز أخذ ذَكَرٍ من الإبل والبقر الذُّكُورِ.
انتهى 48.
ولا حاجة لاستدراك البقر؛ لدخوله في كلام "التَّنبيه" فإنَّه لم يستثن سوى الإبل.
1085 - قوله: (فإن كانت الماشية إناثاً، أو ذكوراً وإناثًا .. لم يؤخذ في فرضها إلَّا الأنثى إلَّا في ثلاثين من البقر) 49 فيه أمران:
الحديث: 1080 - الجزء: 1 - الصفحة: 460
أحدهما: قال في "الكفاية": لم يؤخذ في فرضها - أي: المتأَصّل - لتخرج شاة الإبل، وكذا ابن اللبون عن بنت المخاض، وكذا ينبَّه على ذلك في قول "المنهاج" [ص 162]: (ولا ذكرٌ إلَّا إذا وجب، وكذا لو تَمَحَّضَتْ ذكوراً في الأصح)، وفي قول "الحاوي" [ص 210]: (والذكر إن لم يكن له كامل في الأصح) وهو مفهوم من قولهم: (جذع، وثنى) 50، قال في "الكفاية": وتحرَّزَ "التَّنبيه" بقوله: (في فرضها) عن إخراج ذَكَرٍ لما فوق فرضها؟ فإنَّه يجزئ في بعض الصور، وهو التبيعان عن المسنة.
ثانيهما: أفهم قوله: (ذكورًا وإناثاً) أنَّه لو تعدد الواجب والإناث بعضه .. تعينت الأنوثة في كل الواجب، والأصح: أنَّه بقدر ما يجد، وكذلك يرد على قول "المنهاج" [ص 162]: (وكذا لو تَمَحَّضَتْ ذكوراً في الأصح) فإنَّه في هذه الصورة يخرج الذكور وإن لم تتمحّض ذكوراً، وذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 210]: (وإن اختلف .. فالكامل بقدر ما يجد).
1086 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وإن كانت صغاراً: فإن كانت من الغنم .. أخذ منها صغيرة، وإن كانت من الإبل والبقر .. أخذ منها كبيرة) هذا قول ابن سريج والقاضي أبي الطَّيِّب، واختاره السبكي، لكن الأصح: أنَّه يؤخذ صغيرة من صغار الإبل والبقر أيضاً بشرط أن يجتهد الساعي، ويحترز عن التسوية بين القليل والكثير؛ ولذلك أطلق "المنهاج" في قوله [ص 56]: (وفي الصغار: صغيرة في الجديد) و "الحاوي" في قوله [ص 210]: (والذكر إن لم يكن له كامل)، ورجح في "الروضة" وأصلها كون الخلاف وجهين 51.
1087 - قول "المنهاج" [ص 163]: (وحامل) أحسن من قول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا يؤخذ الماخض) لأنَّ المنقول من أهل اللُّغة أن الماخض: هي التي دنت ولادتها وأخذها المخاض وهو ألم الولادة 52، والعامل إن بعدت ولادتها كذلك.
1088 - قول "المنهاج" [ص 163]: (وخيار) وقول "التنبيه" [ص 57]: (ولا حزرات المال) من ذكر العام بعد الخاص.
نعم؛ لو كانت ماشية كلها سماناً .. طولب بسمينة، قاله في "الكفاية" وغيرها.
1089 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وفحل الغنم) هذا حيث يجزئ الذكر.
1090 - قول "المنهاج" [ص 163]: (ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية .. زكريا كرجل، وكذا لو خلطا مجاورةً) أهمل لذلك شروطاً:
الحديث: 1086 - الجزء: 1 - الصفحة: 461
أحدها: دوام الخلطة سنة إن كان المال حولياً، وإلى زهو الثمر، واشتداد الحب في النبات.
ثانيها: كون مجموع المالين نصاباً فأكثر، وقد ذكرهما "التَّنبيه" و "الحاوي" 53، إلَّا أن "التَّنبيه" لم يصرح بحكم زكاة النبات، ويرد على اعتبار النصاب: ما لو خلط خمسة عشر بمثلها غنمًا وانفرد بخمسين .. فمقتضاه: أنَّه لا زكاة على صاحب الخمسة عشر؛ لأنَّ المخلوط كله لا يبلغ نصاباً، وهذا تفريع على أضعف القولين أن الخلطة خلطة عين؛ أي: يقتصر حكمها على المخلوط، فأمَّا إذا فرعنا على الأصح: أن الخلطة خلطة ملك - أي: يثبت حكمها في كل ما في ملكه - .. فالأصح في "الروضة": تأثير الخلطة هنا، فيجب شاة منها على صاحب الخمسين ستة أثمان ونصف ثمن، والباقي على الآخر 54.
ثالثها: كون المالين من جنس واحد لا غنم مع بقر، ذكره "الحاوي"، وتعبير "التَّنبيه" بالمشرب أوضح من تعبير "المنهاج" و "الحاوي" بالمشرع 55، فكان المراد به: موضع الشرب.
1091 - قولهما: (والمسرح) 56 إن أراد به: مكان الرعي - وبه فسره النووي في "التحرير" وغيره 57 - .. وَرَدَ المكان الذي تجتمع فيه ثم تساق منه إلى المرعى، وقد اعتبره في "شرح المهذب" وغيره 58، وإن أراد به: مكان اجتماعها لتساق إلى المرعى - وبه فسره في "الروضة" وأصلها 59 - .. وَرَدَ المرعى، وقد ذكر هما "الحاوي" فقال [ص 217]: (والمسرح، والمرعى) فدل على أنَّه أراد بالمسرح: مكان اجتماعها لتساق إلى المرعى، ويرد عليهم جميعاً شرطان آخران:
أحدهما: اتحاد الطَّريق بين المسرح والمرعى، ذكره في "شرح المهذب" 60، وهو أحد ما قيل في تفسير المسرح.
ثانيهما: اتحاد المكان الذي توقف فيه عند إرادة سقيها، والذي تُنَحَّى إليه ليشرب غيرها، ذكره في "التتمة"، وهو نظير اشتراط اتحاد المسرح.
1092 - قول "التَّنبيه" [ص 57] و "الحاوي" [ص 217]: (والمحلب) - هو بفتح الميم - هو
الحديث: 1091 - الجزء: 1 - الصفحة: 462
موضع الحلب، كما عبر به "المنهاج" 61، وفي الرافعي و "الروضة" الجزم باشتراط اتحاده 62، وفي "التصحيح" والتحرير" التعبير فيه بالأصح 63، وهو يقتضي خلافًا، وأشار في "الكفاية" إلى استدراكه عليه، لكن حكى الروياني في "البحر" الخلاف فيه 64، والعجب من قول النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": إنَّه لا يشترط الاتحاد فيه بلا خلاف، وهو سبق قلم 65، أما المحلب - بكسر الميم - وهو الإناء الذي يحلب فيه .. فلا يشترط اتحاده في الأصح، وكذا الحالب.
1093 - قولهم: (والفحل) 66 محله: إذا اتحد نوع الماشية، فإن اختلف؛ كضأن ومعز .. فلا بد لكل نوع من فحل، ذكره في "شرح المهذب" 67، وتعبير "المنهاج" في الفعل والراعي بالأصح فيه نظر؛ ففي "الروضة" في الفعل: إنَّه المذهب الذي قطع به الجمهور 68، وفي "شرح المهذب" نقل طريقة القطع في اتحاد الراعي عن الأكثرين 69، ويجوز تعدد الرعاة والفحول قطعًا، لكن يشترط ألاَّ تنفرد هذه عن هذه براعٍ ولا فحلٍ مع اتحاد النوع في الفعل كما تقدم.
1094 - قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما .. رجع على خليطه بالحصة) 70 فيه أمران:
أحدهما: أنَّه شامل لما إذا كان ما أخذه من كل واحد واجبه؛ كأن خلط أربعين من البقر بثلاثين، فأخذ الساعي من صاحب الأربعين مسنة، ومن صاحب الثلاثين تبيعاً .. فيرجع صاحب المسنة بقيمة ثلاثة أسباعها، وصاحب التبيع بقيمة أربعة أسباعه، وكذا ذكره الرافعي تبعًا للإمام وغيره 71، قال النووي: وأنكر عليهم بنص الشَّافعي على أنَّه لو استوت غنماهما وواجبها شاتان وأخذ من غنم كل شاة .. فلا تَراجُعَ، قال: وهو الظاهر في الدليل فليعتمد 72، وذكر النسائي أن
الحديث: 1093 - الجزء: 1 - الصفحة: 463
كلام "التَّنبيه" يفهم أنَّه لا تَرَاجُع في هذه الصورة 73، والذي أفهمه ما قدمته.
ثانيهما: هذا في خلطة الجوار، أما خلطة الشيوع: فإن كان المأخوذ من جنس النصاب .. فلا تراجع، كما ذكره الرافعي والنووي 74، قال ابن الرفعة: وليس كذلك، بل يتصور فيما إذا كان بينهما أربعون من الغنم لأحدهما؛ في عشرين منها نصفها، وفي العشرين الأخرى نصفها وربعها.
انتهى.
وإن كان من غير جنسه؛ كالشاة الواجبة في الإبل .. ثبت التراجع.
1095 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وإن كان بينهما نصاب من غير الماشية .. ففيه قولان، أصحهما: أنَّه كالماشية)، قال في "المنهاج" تبعاً لـ "المحرر": (بشرط ألا يتميز: الناطور، والجرين، والدكان، والحارس، ومكان الحفظ ... ونحوها) 75، وذكر "الحاوي" [ص 217]: (الجرين، والحافظ، والدكان، ومكان الحفظ)، قال شيخنا ابن النقيب: ولم أر من صرح باشتراط شيء من ذلك، وإنَّما ذكروه في معرض التعليل، قال الرافعي؛ لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي لخفة المؤنة .. كذلك يرتفقان بها في غيرها باتحاد الجرين ... إلى آخره، وأسقطه من "الروضة" بالجملة، فلم يذكره لا شرطاً ولا تعليلاً، ورأيت كلام كثير من الأصحاب بنحو كلام الرافعي.
انتهى 76.
وزاد في "شرح المهذب": اتحاد الجراب، والميزان، والوزّان، والكيّال، والحمّال، والمتعهد، وجَدَّاد النخل 77، وصرح في "الكفاية" باللقاط، وكذا بالملقح وإن كان الملقح يدخل في المتعهد، وصرح أيضاً في أموال التجارة بالاتحاد في النَقّاد، والمنادي، والمطالب بالأثمان، ونقلة عن البندنيجي، وأشار "المنهاج" لذلك جميعه بقوله: (ونحوها)، ولم يُفَصّل "المنهاج" و "الحاوي" ذلك، والذي ينبغي أن يقال في ذلك: أنَّه يعتبر في المعشّرات: الجرين، والحارس، وفي زكاة التجارة: الحارس، والدكان، ونحوهما، وفي زكاة النقد: الحافظ، ومكان الحفظ؛ من صندوق وخزانة ونحوهما.
1096 - قول "التَّنبيه" [ص 56]: (وفي الأوقاص التي بين النُّصُب قولان، أحدهما: أنَّها عفو) هو الأصح، والأوقاص: ما بين الفريضتين، والشنق بمعناه، كذا في "الروضة"
الحديث: 1095 - الجزء: 1 - الصفحة: 464
وأصلها 78، وفي "البويطي": إن الأوقاص: ما لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة، والشنق: ما بين السنين من العدد.
1097 - قول "المنهاج" [ص 163]: (ولوجوب زكاة الماشية شرطان) فيه أمران: أحدهما: لو قال: (النعم) كما في "الروضة" 79 .. لكان أولى؛ لأنَّها هي الأخص المتكلِّم عليها.
ثانيهما: قال في "الروضة": لها ستة شروط: كونه نعماً متمحضة، والنصاب، والحول، ودوام الملك جميع الحول، وكماله، والسوم.
انتهى 80.
والمختص بالنعم منها: الأول والأخير، وما عداهما فشرط في جميع الأنواع، ما عدا: الحول في المعشرات والمعدن والركاز؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 214]: (بزهو الثمر، واشتداد الحب، وحصول المعدن والركاز، وحول غير)، وذكر "المنهاج" النعم أول الباب كالأساس والأصل لا كالشرط 81، واشتراط دوام الملك في ضمن اشتراط الحول 82، واشتراط كماله في (باب من تلزمه الزكاة) 83، والله أعلم.
1098 - قولهم - والعبارة لي "المنهاج" -: (مضي الحول) 84 قيده في "الكفاية" بالتوالي، وتركوا التصريح بذلك؛ لوضوحه، ويستثنى من هذا الشرط: مسألة تتعلق بالنقدين، وهي: ما لو ملك نصاباً من نقد ستة أشهر مثلًا، ثم أقرضه إنساناً .. فإن الحول لا ينقطع، فإذا كان مليًا أو عاد إليه .. أخرج الزكاة عند تمام الأشهر الباقية، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن الشَّيخ أبي حامد في "تعليقه".
1099 - قول "التَّنبيه" [ص 55]: (ولا تجب في الآخر حتَّى يتمكن من الأداء) ظاهره: أن الوجوب حال التمكن، وليس كذلك، وإنَّما المراد: أنَّه يتبين الوجوب عند تمام الحول، كما ذكره المتولي؛ ولهذا يحسب ابتداء الحول الثَّاني من انقضاء الأوَّل قبل الإمكان، قال في "شرح المهذب": بلا خلاف 85، لكن في "الكفاية" وجه: أنَّه من التمكن؛ كمذهب مالك 86.
الحديث: 1097 - الجزء: 1 - الصفحة: 465
1100 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (لكن ما نُتجَ من نصابٍ يُزَكَّى بحوله) 87 يشترط كون النتاج ملكًا لمالك النصاب بالسبب الذي ملك به النصاب، فلو أوصى بحمل لشخص .. لم يضم النتاج لحول الوارث، وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات، نقله في "الكفاية" عن صاحب "التتمة".
ولا بد من كون النتاج في أثناء الحول، كما صرح به "التَّنبيه" 88، وهو مفهوم من قوله "المنهاج" [ص 163]: (يُزَكَّى بحوله)، وقوله "الحاوي" [ص 215]: (وللنتاج حول الأصل) لأنَّ ذلك الحول قد انقضى.
1101 - قوله "المنهاج" [ص 163]: (فلو ادعى النِّتَاج بعد الحول .. صُدِّقَ، فإن إنّهم .. حُلِّفَ) أي: ندباً، فلو نكل .. ترك.
1102 - قوله "التَّنبيه" [ص 55]: (وإن باع النصاب في أثناء الحول .. انقطع الحول) أي: سواء قصد الفرار من الزكاة أم لا، لكنَّه مع قصد الفرار يكره، وقد ذكره "التَّنبيه" في آخر (زكاة النبات) و "الحاوي" 89، وهي كراهة تنزيه على المشهور، واختار الغزالي في "الوجيز": أنَّها كراهة تحريم 90، وقال في "الإحياء": إنَّه لا تبرأ الذمة في الباطن 91، وقال ابن الصلاح: يأثم بقصده لا بفعله 92، وتعبير "المنهاج" بـ (زوال الملك) 93، و "الحاوي" بقوله [ص 215]: (وبالنصاب بعينه كل الحول)، أعم من تعبير "التَّنبيه" بـ (البيع) فالبيع مثال، وجميع مزيلات الملك كذلك.
وتناول كلامهم: ما إذا باع النقد بعضه ببعض للتجارة كالصيارفة، وهو الأصح، ولا يختص ذلك بالنقد، بل لو كانت عنده سائمة نصاباً للتجارة، فبادل بها نصاباً من جنسها للتجارة .. كان كالمبادلة بالنقود، نقله شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن مقتضى كلام الماوردي فيما إذا باع بشرط الخيار، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 94.
1103 - قوله "التَّنبيه" [ص 55]: (فإذا ملك نصاباً من السائمة حولاً كاملاً .. وجبت فيه الزكاة) فيه أمور:
الحديث: 1100 - الجزء: 1 - الصفحة: 466
أحدها: أن السائمة تخرج المعلوفة، والسوم والعلف هنا متقابلان، وأمَّا في (النفقات): فقد أطلقوا العلف على أعم من السوم، ومنه قول "التَّنبيه" فيمن ملك دابة [ص 210]: (وجب عليه القيام بعلفها)، ومراده: ما يغدوها من سوم أو علف.
ثانيها: تناول كلامه: المستامة بنفسها، والتي أسامها الغاصب والمشتري شراءً فاسدًا، والأصح: أنَّه لا زكاة فيها، وعن ذلك احترز "الحاوي" بقوله [ص 218]: (وإسامة المالك الماشية؛ فلا تجب في سائمة ورثها وتم حولها ولم يعلم، ولا في دين الحيوان) واعترض الرافعي على مسألة الدين: بجواز كون الماشية المستقرة في الذمة موصوفة بكونها سائمة، كما قالوا في السلم في اللحم: يتعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة 95، وضعفه القونوي: بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمة أمر تقديري، وذكر "المنهاج": المستامة بنفسها 96.
ثالثها: تناول كلامه أيضاً: ما لو أسامها في كلأ مملوك له، وفيها وجهان، في زوائد "الروضة" عن "البيان" بلا ترجيح 97، ورجح السبكي وجوبها إن لم تكن له قيمة، أو كانت يسيرة، وسقوطها إن كانت له قيمة يُعَدّ مثلها كُلفةً في مقابلة نمائها، وفي "فتاوى القفال": إن اشترى كلأ فَرَعَتْه في مكانها .. فسائمة، فلو جزَّه وأطعمها إياه في المرعى أو البلد .. فمعلوفة، ولو رعاها ورقاً تناثر .. فسائمة، فلو جُمع وقدم لها .. فمعلوفة، واستحسنه في "المهمات"، وقال: ينبغي الأخذ به، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً.
رابعها: تناول كلامه أيضاً: السائمة العاملة في حرثٍ ونضح ونحوه، ولا زكاة فيها على الراجح، وقد ذكرها "الحاوي" و "المنهاج" 98، لكن تعبيره فيها بالأصح يخالف قوله في "شرح المهذب": قطع الأكثرون بعدم الوجوب 99، ورجح البغوي الوجوب فيها 100، فلو كانت تعمل في بعض السنة .. ففي "تعليق" البندنيجي عن الشَّيخ أبي حامد أنَّه إذا استعملها القدر الذي لو علفها فيه سقطت الزكاة .. فإنَّه تسقط الزكاة هنا، قال: والصحيح عندي: أنَّه إنَّما تسقط الزكاة بالاستعمال والنية، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه"، ولو كانت معدة لاستعمال محرم؛ كإغارة ونحوها .. فلا تجب الزكاة فيها أيضاً، كما صرح به الماوردي في (باب زكاة
الجزء: 1 - الصفحة: 467
النقدين) بخلاف نظيره من الحلي 101، وهو داخل في إطلاق "الحاوي" [ص 218]: (العاملة) لكن أخرجه قول "المنهاج" [ص 163]: (في حرثٍ ونضحٍ ونحوه)، فإن صح ذلك .. فعبارة "الحاوي" أحسن، وإلا .. فعبارة "المنهاج".
خامسها: قد يفهم كلامه اعتبار السوم كل الحول، والأصح في "المنهاج" [ص 163]: (أنَّها إن علفت قدراً تعيش بدونه بلا ضرر بيَّن .. وجبت، وإلا .. فلا) وعليه مشى "الحاوي" بقوله فيما لا زكاة فيه [ص 218]: (والمعتلفة قدراً لولاه لتضررت)، وقوله: (بلا ضرر بيّن .. وجبت، وإلا .. فلا) من كلام الإمام، قال: ولا يبعد أن يلحق الضرر البيّن بالهلاك في هذه الطريقة.
انتهى 102.
ورجح في "الشَّرح الصَّغير" وجهًا ثانياً: أنَّه إن عُلفت قدراً يُعَدُّ مؤنة بالإضافة إلى رفق السائمة .. فلا زكاة، وإلا .. وجبت، قال تبعاً للغزالي: إنَّه الأفقه 103، وقال السبكي: إنَّه قوي في المعنى، قال الرافعي: وفسّر الرفق بالدر والنسل والصوف، قال: ويجوز أن يراد به: رفقها في المرعى؛ فإن مؤنته أخف، وإن كان العلف حقيراً بالإضافة إليه .. فلا عبرة به، ووراء ذلك وجهان آخران، ثم هذا الخلاف مطلق في "المنهاج" وأكثر الكتب، وقيده صاحب "العدَّة" وغيره بما إذا لم يقصد قطع السوم، فإن قصد .. انقطع لا محالة، وقال الرافعي: لعله الأقرب.
قال السبكي: وكذا حكاه الروياني عن النَّصُّ، لكنَّه استغربه، وزعم أن البندنيجي قال: إنَّه المذهب، وذلك يقتضي إثبات خلاف فيه.
انتهى 104.
قلت: وبه صرح الجرجاني في "الشافي"، فقال: وإن علفها الحول أو بعضه، ولم ينو نقلها إلى العلف .. فلا حكم له، وإن نواه .. انقطع حولها في أصح الوجهين، حكاه في "المهمات".
الجزء: 1 - الصفحة: 468
بابُ زكاة النّبات
المراد به: الزروع والثمار، وإن كان استعمال النبات في الثمار غير مألوف.
1104 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا تجب الزكاة في شيء من الزروع إلَّا فيما يقتات منه مما ينبته الآدميون) أي: يزرعون جنسه وإن نبت بنفسه؛ بأن تناثر حبٌّ مملوك أو حمله ماءٌ أو هواءٌ.
وقول "المنهاج" [ص 164]: (المقتات اختياراً) مثل قول "الحاوي" [ص 212]: (قوت الاختيار)، فإن قلت: قد أهملا إنبات الآدميين كما أهمل "التَّنبيه" تقييد الاقتيات بحالة الاختيار .. قلت: لا إيراد على العبارتين؛ فذكر أحدهما يُغني عن الآخر.
قال الرافعي: ضبطه الأئمة بوصفين: أن يكون مقتاتاً، وأن يكون من جنس ما ينبته الآدميون، فإن فقدا أو أحدهما .. فلا زكاة، قال: وإنَّما يحتاج إلى الثَّاني من أطلق الاقتيات، أما من قيده بحالة الاختيار .. فلا؛ إذ ليس فيما لا يُستنبت ما يقتات اختيارًا.
انتهى 105.
فـ "المنهاج" و "الحاوي" لما قيدا الاقتيات بالاختيار .. استغنيا عن ذكر الاستنبات، و "التَّنبيه" لما لم يقيده به .. احتاج إلى ذكر الاستنبات، والله أعلم.
1105 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (والدخن والذرة) يقتضي أنَّه غيرُه، وقال ابن الصلاح: الدخن نوع من الذرة 106.
1106 - قوله: (وما أشبه ذلك) 107 كأنه أشار به للسُّلت بناء على أنَّه جنس آخر، وهو الأصح 108.
1107 - قوله في القِطْنيّة 109: (وهي ... إلى آخره) 110، قال في "الكفاية": تبع في حصره القاضي أبا الطَّيِّب، وقال النووي في "تحريره": إن الدخن والأرز منها.
انتهى 111.
وقوله: (والأرز) 112 وهمٌ من صاحب "الكفاية"، وإنَّما ذكر النووي بدله الذرة 113، وقال
الحديث: 1104 - الجزء: 1 - الصفحة: 469
الماوردي والقاضي حسين والإمام: إنَّها الحبوب المقتاتة ما عدا البر والشعير 114.
1108 - قول "التَّنبيه" [ص 57]: (وقال في القديم: تجب في الزيتون، والورس، والقرطم) 115، زاد "المنهاج" [ص 164]: (الزعفران، والعسل)، لكن تعبيره يقتضي اعتبار النصاب في هذه الأشياء، والأصح: اعتباره في الزيتون، والعسل، والقرطم دون الورس، والزعفران، وقول "التَّنبيه" [ص 57]: (ولا يجب ذلك إلَّا على من انعقد في ملكه نصاب من الحبوب، أو بدا الصلاح في ملكه في نصاب من الثمار) يخرج: الورس، والزعفران، لكنَّه يخرج العسل أيضاً، وهو خلاف الأصح، وقال في "الكفاية": إن هذا تفريع على الجديد، وفيه نظر؛ لأنَّ لفظ الحبوب يعم ما نسبه للقديم غير الورس، وفي "الرونق" لأبي حامد العراقي قولان في وجوب الزكاة في اللوز والبلوط.
1109 - قولهما: (وهو ألف وست مئة رطل بالبغدادي) 116 هو معنى قول "الحاوي" [ص 212]: (ثمان مئة مَنّ) لأنَّ المَنّ رطلان، وهو تحديد على الأصح، خلافاً لما في "شرح مسلم" و (الطهارة) من "شرح المهذب" من أنَّه تقريب 117، والأصح: اعتبار الكيل لا الوزن إذا اختلفا، وهو بالكيل المصري: ستة أرادب وربع.
قول "المنهاج" [ص 164]: (وبالدمشقي: ثلاث مئةٍ وستةٌ وأربعون رطلاً وثلثان) لم يذكره الرافعي في "المحرر"، ولا في "الشَّرح"، وإنَّما ذكره النووي من عنده بناء على ما يختاره الرافعي من كون رطل بغداد مئة وثلاثين درهماً، فقوله: (قلت: الأصح: ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل) 118 استدراك على ما لم يصرح الرافعي بخلافه، وعبارة "الروضة" من زوائده: (ونصف رطل وثلث رطل وسبعا أوقية) 119، وعبارة "المنهاج" أخصر، وهما بمعنىً.
1110 - قول "المنهاج" [ص 164]: (ويعتبر تمرًا أو زبيباً إن تَتَمَّرَ أو تَزَبَّبَ، وإلا .. فرطباً وعنباً) أي: يعتبر بلوغه النصاب جافاً، فإن كان لا يجف .. اعتبر بلوغه رطباً، وكذا إن كان يجف، إلَّا أن جافه رديء، وكذا إن احتيج إلى قطعه للخوف من العطش، وهذه غير مسألة "التَّنبيه" حيث قال [ص 58]: (فإن احتيج إلى قطعه للخوف من العطش، أو كان رطباً لا يجيء منه تمرًا، أو عنباً لا يجيء منه زبيب .. أخذ الزكاة من رطبه)، فكلام "المنهاج" في الحالة التي يعتبر
الحديث: 1108 - الجزء: 1 - الصفحة: 470
بلوغه فيها نصاباً، وكلام "التَّنبيه" في الحالة التي يخرج منه فيها الزكاة، ويلحق بما ذكره: ما إذا كان يجيء منه رطب أو زبيب، إلَّا أنه رديء، وقد ذكر "الحاوي" المسألتين فقال في الأولى: (وما لم يجف .. فرطباً)، وقال في الثَّانية: (وإن تضرر الشجر بالثمر، أو لم يجف .. قُطع وسلَّم العُشر) 120، وفي كيفية الأخذ من الرطب طريقان:
أحدهما: يأخذ عشر قيمة الرطب المقطوع.
والثَّاني: يسلم عشر الرطب مشاعاً إلى الساعي ليتعين حق الأصناف؛ وذلك بتسليم الجميع، وحينئذ .. فيبيع الساعي نصيب الأصناف للمالك أو غيره، أو يبيع هو والمالك ويقتسمان الثمن، ومقتضى عبارة "الحاوي": استقلال المالك بالقطع، وكذا صحَّحه الرافعي في "الشَّرح الصَّغير"، وصحح النووي: وجوب استئذان الإمام والساعي في ذلك 121.
1111 - قولهما: (إنَّه يجب إخراج الواجب من الحب مصفى) 122 يستثنى منه الْعَلَس 123، فإن الشَّافعي قال: أُخيّره بين أن يعطي من كل عشرة أوسق وسقاً؛ لأنَّه في هذه العشرة أبقى له، وبين أن يصفيه منها، ويعطي من كل خمسة أوسق العشر 124.
قال في "الكفاية": وينبغي أن يستثنى الأرز أيضاً حيث اعتبرنا في نصابه ما يعتبر في العلس.
انتهى.
وبه صرح الرافعي 125، كذا استدرك، وعندي: أنَّه لا يحتاج إلى استدراكه؛ لأنهما قد ذكراً حكم الأرز والعلس، وأن نصابه عشرة أوسق، لا سيما وقد صرح "المنهاج" بأن المراد: التصفية من تِبْنِهِ، والمغتفر هنا بقاؤه في قشره، فلم يتوارد الاستثناء مع إطلاقهما، والله أعلم.
1112 - قول "المنهاج" [ص 164]: (وما ادُّخِرَ في قشره - كأرز وعلس - فعشرة أوسقٍ) يقتضي أنَّهما ذكراً مثالاً، وأنَّه بقي شيء من الحبوب غيرهما يدخر في قشره، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "التَّنبيه" بقوله [ص 58]: (إلَّا الأرز والعلس)، وهو صنف من الحنطة يدخر في قشره، فنصابه عشرة أوسق، قال ابن الرفعة: ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسة أوسق .. كان ذلك نصاباً.
انتهى.
وقال الشَّيخ أبو حامد في الأرز: إنَّه ينقُصُ الثلثَ، على خلاف في النقل عنه.
الحديث: 1111 - الجزء: 1 - الصفحة: 471
1113 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ويُضَمُّ ثمر العام بعضُهُ إلى بعضٍ وإن اختلف إدراكه) 126 فيه أمران:
أحدهما: أنَّه يتناول ما إذا أطلع الثَّاني بعد جَدَادِ الأوَّل، وهو الأصح في "المحرر" و "المنهاج" تبعًا للعراقيين، وإليه يميل كلام "الشَّرح الكبير" وإن لم يكن فيه تصريح 127، وصحح في "الشَّرح الصَّغير" تبعاً للمراوزة: عدم الضم، فلو أطلع بعد صلاح الأول وقبل جداده .. رُتّبَ على القسم قبله، وأولى بالضم، وعبارة "المنهاج" تقتضي الجزم به.
ثانيهما: يستثنى من ذلك: ما لو كانت نخلة تثمر في العام مرتين .. فلا ضم، بل هما كثير عامين.
1114 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وفي الزروع أربعة أقوال) الأصح: قول خامس: أنَّه يضم ما اتفق حصاده في عام واحد، كذا نقله الرافعي والنووي عن الأكثرين، وصححه "المحرر" و "المنهاج"، ومشى عليه "الحاوي" 128، وقال شيخنا في "المهمات": لم أر من صحَّحه بعد التتبع فضلاً عن عزوه إلى الأكثرين، بل رجح كثيرون: اعتبار وقوع الزرعين في السنة، منهم البندنيجي وابن الصباغ، وصحح في "البحر": اعتبار الحَصَادَين، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.
انتهى 129.
وكذا قال شيخنا ابن النقيب: لم أر من صحَّحه في شيء مما وقفت عليه من الكتب وهي أكثر من خمسة عشر مصنفاً من المبسوطات، فليت شعري من الأكثرون غيرهم؟ ! انتهى 130.
1115 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وما سُقِيَ بغير مؤنة؛ كماء السماء والسيح وما يشرب بالعروق .. يجب فيه: العشر) أحسن من قول "المنهاج" [ص 165]: (وواجب ما شرب بمطر أو عروقه لقربه من الماء من ثمر وزرع: العشر) لأمرين:
أحدهما: زيادة السيح، وهو: الماء الجاري على الأرض بسبب سد النهر العظيم، حتَّى يصعد الماء على وجه الأرض فيسقيها.
ثانيهما: كونه ذكر ضابطاً يشمل الصور كلها، وهو: سقيه بغير مؤنة، ودخل فيه أيضاً: الشرب بالقنوات، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك فقال [ص 165]: (إنَّه كمطر على الصَّحيح) وتناول هذه الصور كلها تعبير "الحاوي" لإطلاقه وجوب العشر، ثم ذكر صوراً يجب فيها نصفُ العشر 131.
الحديث: 1113 - الجزء: 1 - الصفحة: 472
1116 - قول "المنهاج" [ص 165]: (وما سُقِيَ بنضحٍ أو دولابٍ أو بماءٍ اشتراه: نصفه) فيه أمور:
أحدها: بقي عليه: ما سقي بناعور، وهو: ما يديره الماء بنفسه؛ ففيه: نصف العشر أيضاً، وقد ذكره "الحاوي" 132، وما سقي بدالية، وهي: المَنْجَنُون تديرها البقرة، وقد ذكرها "التَّنبيه" 133.
ثانيها: مسألة السقي بماء اشتراه، محكية في "الروضة" عن ابن كج فقط 134، وعبارة "المحرر": (فقد ذُكِرَ أن الواجب: نصف العشر) 135 ففي جزم "المنهاج" بذلك نظر.
ثالثها: في معناه: السقي بماء غصبه، كما حكاه الرافعي عن ابن كج، وعلله: بأنه مضمون، واستحسنه الرافعي 136، وخرجه شيخنا الإمام جمال الدين على وجهين، حكاهما القاضي حسين في "أسرار الفقه" فيما لو علفها بعلف مغصوب، هل ينقطع السوم؟ ، وقول "الحاوي" [ص 212]: (وإن سُقِيَ بنضحٍ وناعورٍ ودولابٍ .. فنصفه) يرد عليه: السقي بماء مشترى أو مغصوب إن صح ذلك، وبالدالية، ولا يرد شيء من ذلك على قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وما سقي بمؤنة؛ كالنواضح والدوالي .. يجب فيه: نصف العشر) لأنه ذكر ضابطاً يتناول جميع الصور، وذكر له مثالين، والله أعلم.
1117 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن سقي نصفه بهذا ونصفه بذاك .. وجب فيه ثلاثة أرباع العشر)، قال في "الكفاية": ظاهره: أنَّه سُقِيَ نصف النابت بماء السماء، ونصفه الآخر بالنضح، ولم أره لغيره، والمنقول: أن في المسقي بماء السماء: العشر، وغيره: نصفه، وقد يزيد المجموع على ثلاثة أرباعه لزيادة ثمرة أحدهما، والمراد: ما لو سُقِيَ الكل بالماءين سواء.
انتهى.
ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 165]: (وما سُقِيَ بهما سواء: ثلاثة أرباعه)، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 212]: (وإن سُقِيَ بهما .. قُسِّط) ويمكن ردّ كلام "التَّنبيه" إليهما؛ بأن يكون معناه: وإن سقي نصف السقي بهذا ونصفه بذاك، مسعود الضمير على السقي لا على الزرع، ويكون قوله: (نصفه) في الموضعين منصوباً نصب المصدر.
1118 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن سقي بأحدهما أكثر .. ففيه قولان، أحدهما: يعتبر فيه حكم الأكثر، والثَّاني: يجب في الجميع بالقسط) الثَّاني هو الأصح، وقد يفهم كلامه أن النظر لعدد
الحديث: 1116 - الجزء: 1 - الصفحة: 473
السقيات، والأصح: أن العبرة بعيش الزرع أو الثمرة ونمائه، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" (1).
1119 - قولهم والعبارة لـ "المنهاج": (ويجب بِبُدُوِّ صلاح ثَمرٍ، واشتداد حبٍّ) (2) بدو الصلاح في بعض الثمر، واشتداد بعض الحب كالكل، والمراد: بدو اشتداده، ولا يشترط نهايته، ولا يجب الإخراج وقت البُدُو، بل ولا يجزئ، وإنَّما المراد بوجوبه: انعقاده سبباً لوجوب الإخراج إذا صار تمرًا أو زبيباً أو حباً يصفَّى، ولو اشترى أو ورث نخلاً مثمرة، وبدا الصلاح عنده .. فالزكاة عليه لا على من انتقل إليه منه.
1120 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وإن أراد صاحب المال أن يتصرف في الثمرة قبل الجفاف .. خرص عليه) يوهم أن الإرادة المذكورة شرط للخرص، وليس كذلك، بل هو مستحب مطلقاً، وقيل: واجب؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 165]: (ويسن خَرْصُ ثمر بدا صلاحه على مالكه)، و "الحاوي" [ص 212]: (ونُدِبَ خرص ... إلى آخره)، لكن لم يقيده بحالة بدو الصلاح، واستثنى الماوردي من الخرص: نخيل البصرة، فقال: لا تخرص؛ لكثرتها، ولإباحة أهلها الأكل منها للمجتاز (3).
1121 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن كان أجناساً .. خُرصَ نخلةً نخلة) المراد: الأنواع؛ كالمعقلي والبرني (4).
1122 - قول "المنهاج" [ص 165]: (وشرطه: عدالة، وكذا حرية وذكورة في الأصح) هو معنى قول "الحاوي" [ص 212]: (أهل للشهادات)، وبقي عليهما: أن يكون عالماً بالخرص.
تنبيه [لا يختص التضمين بالمالك]
ظاهر عبارتهم: اختصاص التضمين بالمالك، وليس كذلك، فلو خرص الساعي ثمرة بين مسلم ويهودي وضمن الزكاة الواجبة على المسلم من اليهودي .. جاز، كما ضمّن عبد الله بن رواحة اليهود الزكاة الواجبة على الغانمين، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" عن "تعليق" الشَّيخ أبي حامد، قال شيخنا: وإذا كان المالك صبيًا أو مجنونًا .. فالتضمين يقع للولي، فيتعلق به كما يتعلق به ثمن ما اشتراه له، والخطاب في الأصل متعلق بمال الصبي.
انتهى.137138139140
الحديث: 1119 - الجزء: 1 - الصفحة: 474
1123 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (فإن باع قبل أن يضمن نصيب الفقراء .. بطل البيع في أحد القولين، ولم يبطل في الآخر) فيه أمران:
أحدهما: الأصح: قول ثالث، وهو: البطلان في قدر الزكاة دون ما عداه، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 141.
ثانيهما: لا تختص المسألة بالثمار، وضابطه: بيع المال الزكوي بعد الوجوب وقبل الإخراج، والمسألة في "المنهاج" في آخر (الزكاة) 142، ويستثنى منه: التصرف في مال التجارة بالبيع بعد وجوب الزكاة .. فالأصح: جوازه؛ لأنَّ متعلقها المالية، وهي لا تفوت بالبيع، وهذا مستثنى من عبارة "المنهاج" و "الحاوي".
1124 - قول "الحاوي" [ص 213]: (وإن ادعاه - أي: تلف المخروص - بسبب خفي .. صُدّق) أي: بيمينه، وكذا لو ادعاه بسبب ظاهر عرف، وقد ذكره "المنهاج" 143، والمراد: عرف وقوعُه فقط، فلو عُرِف وقوعه وعمومه .. صُدّق بلا يمين.
وبقي عليهما: ما إذا لم يذكر له سببًا أصلًا .. فإنَّه يصدق بيمينه أيضاً، وحيث حلفناه .. فاليمين مستحبة في الأصح.
1125 - قول "المنهاج" [ص 166]: (ولو ادعى غلط الخارص بما يَبْعُدُ .. لم يُقبَل) أي: فيما يبعد، والأصح: حَط القدر المحتمل.
1126 - قوله: (أو بمحتملٍ .. قبل) 144، مثل قول "الحاوي" [ص 213]: (غلطاً ممكنًا) والمراد: الاحتمال القريب والإمكان القريب، وقد ذكره "المنهاج" في مقابلة قوله: (بما يَبْعُد)، وقوله: (في الأصح) لمحل الخلاف شرطان:
أحدهما: أنَّه فيما إذا كان المدعى به نقصاً يقع بين الكيلين، أما إذا ادعى شيئًا محتملاً، وهو فوق ذلك .. قبل جزمًا، ومثلوه: بخمسة أوسق في مئة، وفي "المهمات" عن البندنيجي: أن نقصان عشر الثمرة وسُدُسِها مما يحتمل أيضاً.
ثانيهما: محلهما أيضًا: ما إذا كان المخروص تالفًا، فإن كان موجودًا .. أعيد كيله وعمل به، وهذا الثَّاني وارد على عبارة "الحاوي" أيضاً.
الحديث: 1123 - الجزء: 1 - الصفحة: 475
باب زكاة النّقد
1127 - كذا في "المنهاج" 145، وعبر "التَّنبيه" بالناض 146 وكلاهما يختص بالمضروب، فالأحسن: التعبير بالذهب والفضة، كما في "الروضة" 147 ليشمل التبر والحلي، وقد يقال: النقد والناض ضد العَرض، فيشمل الكل.
1128 - قول "التَّنبيه" [ص 58]: (وهو من أهل الزكاة) معلوم مما أورده أول الكتاب، ولا اختصاص له بهذا الباب.
1129 - قول "المنهاج" [ص 167]: (نصاب الفضة مئتا درهم) أحسن من تعبير "التَّنبيه" بـ (الورق) 148 لاختصاصه بالمضروب عند أكثر اللغويين، كما قاله النووي 149، وعبر "الحاوي" بالنقرة 150.
1130 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ولو اختلط إناءٌ منهما وجُهِلَ أكثرهما .. زُكِّيَ الأكثر ذهباً وفضةً، أو مُيِّزَ) أي: بينهما بالنار، قال في "البسيط": ويحصل المقصود بسبك جزء يسير منه إن استوت أجزاؤه، وأشار إليه الإمام، وبقي طريق ثالث ذكره "الحاوي"، وهو: الامتحان بالماء 151، بأن يوضع في الماء - فيما إذا كان من أحدهما ست مئة، ومن الآخر أربع مئة، واشتبه - ألف من الذَّهب، ويُعلّم على الموضع الذي ارتفع إليه الماء، ثم يخرج، ويوضع ألف من الفضة، ويُعلّم على موضع الارتفاع، ثم يخرج ويوضع المخلوط، وينظر إلى ارتفاع الماء به، فإن كان أقرب إلى علامة الذَّهب .. فهو الأكثر، أو إلى علامة الفضة .. فهي الأكثر.
قال في "المهمات": وأسهل من هذه وأضبط أن يوضع في الماء ست مئة ذهباً، وأربع مئة فضة، ويُعلّم ارتفاعه، ثم يعكس ويُعلّم أيضاً عليه، ثم يوضع المشتبه، ويلحق بالذي وصل إليه، ونقل في "الكفاية" طريقاً آخر عن الإمام وغيره، يأتي أيضاً مع الجهل بمقدار منوع، وهو: أن يطرح المختلط - وهو ألف مثلًا في ماء - ويُعلّم موضع ارتفاعه، ثم يرفع ويطرح من خالص الذَّهب شيء بعد شيء حتَّى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم يرفع، ويعتبر وزنه، فإذا كان ألفًا ومئتين
الحديث: 1127 - الجزء: 1 - الصفحة: 476
مثلًا .. وضع في الماء من الفضة الخالصة شيء بعد شيء حتَّى يرتفع الماء إلى تلك العلامة، ثم ترفع ويعتبر وزنها، فإذا كانت ثمان مئة مثلًا .. علمنا أن نصف المختلط ذهب ونصفه فضة، وقس على ذلك 152.
ويمكن إدراج الامتحان بالماء في قول "المنهاج" [ص 167]: (أو ميّز)، وهل له اعتماد ظنّه فيما إذا غلب على ظنه أن الأكثر ذهب أو فضة؟ قال العراقيون: إن كان يفرق بنفسه .. فله ذلك، وإن دفع إلى الساعي .. فليس إلَّا الاحتياط والتمييز، وقال الإمام: الذي قطع به أئمتنا أنَّه لا يجوز اعتماد ظنه، وصححه في "الشَّرح الصَّغير"، قال الإمام: ويحتمل أن يجوز له الأخذ بما شاء من التقديرين؛ لأنَّ اشتغال ذمته بغير ذلك مشكوك فيه 153.
قال السبكي: ويقوي هذا الاحتمال فيما إذا تعذر التَّمييز، كما لو تلف الإناء بعد التمكن واستقرار الزكاة، ويعضده التخيير في مسألة المني والمذي، وفي "القواعد" لابن عبد السَّلام: أن من عليه زكاة، ولا يدري أهي بقرة، أم بعير، أم درهم، أم دينار؟ يأتي بالكل، ثم قال: وفيه نظر 154.
وجزم الإمام بأن من عليه دين يشك في قدره .. يجب عليه إخراج المتيقن بغير زيادة، وكلام الإمام مع اتحاد الجنس، كما لو شك هل عليه خمسة دراهم أو عشرة مثلًا؟ فالواجب: خمسة؛ لأنَّ الأصل عدم الزائد، والله أعلم.
1131 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ويُزكي المحرَّمَ) كذا المكروه عند الجمهور؛ كضبة صغيرة للزينة أو كبيرة للحاجة، وقد ذكره "التَّنبيه" 155، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي": إيجاب الزكاة في غير الحلي المباح 156.
1132 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (فإن ملك حلياً مُعَدّاً لاستعمال مباح .. لم تجب الزكاة فيه في أحد القولين) هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 157، وقد اسْتُثْني منه: ما لو مات عن حلي مباح، فمضى عليه حول قبل علم وارثه به .. قال في "البحر": لزمه زكاته؛ لأنَّه لم ينو إمساكه لقصد استعمال مباح، وذكر عن والده احتمال وجه فيه إقامةً لنية مورثه مقام نيته 158،
الحديث: 1131 - الجزء: 1 - الصفحة: 477
ويوافقه ما صحَّحه "المنهاج" فيما لو اتخذ سواراً بلا قصد .. أنَّه لا زكاة فيه 159.
1133 - قوله: (فمن المُحَرَّم إناء) 160 أي: لرجل وامرأة.
1134 - قوله: (وسوار وخلخال لِلُبْسِ رجل) 161 وكذا خنثى على المذهب.
1135 - قول "المنهاج" [ص 167]: (فلو اتخذ سواراً بلا قصد .. فلا زكاة في الأصح) أحسن من قول "المحرر": (ولم يقصد استعمالاً مباحًا ولا محظورًا) 162 فإن مفهوم "المنهاج": وجوب الزكاة فيما إذا قصد القنية، وبه صرح "التَّنبيه" 163، بخلاف "المحرر" فإن مفهومه في قصد الاستعمال خاصة لا في مطلق القصد، وأمَّا قول "الحاوي" [ص 211]: (ولو لم يقصد شيئًا)، فقد يقال: إنَّه مثل "المنهاج"، وقد يقال: بل عبارته تدل على أنَّه لا زكاة فيه؛ لأنَّه أطلق وجوب الزكاة في غير الحلي المباح، وهذا من الحلي المباح، وقد أوردت مسألة الخُلُوّ عن القصد على عبارة "التَّنبيه" لفرضه الكلام في المعد لاستعمال أو قنية، والحقُّ: أنَّها لا ترد، بل قد يقال: إن مفهومه عند انتفاء الإعداد انتفاء الزكاة، وهو المطلوب، وقد يقال: هو مسكوت عنه، أما أن يقال؛ إن مفهومه إيجاب الزكاة في هذه الصورة .. فبعيد، والله أعلم.
1136 - قول "الحاوي" [ص 211]: (أو قصد الإجارة) أي: لمن له استعماله، كما صرح به "المنهاج" 164.
1137 - قوله: (وكذا لو انكسر حلي وقصد إصلاحه) 165 أي: فلا زكاة في الأصح، والمراد: حلي مباح الاستعمال تفريعًا على أنَّه لا زكاة فيه، وقد ذكره "الحاوي" في فروع الحلي المباح 166، ومفهومهما: وجوب الزكاة إذا لم يقصد شيئًا، وهو المصحح في "الشَّرح الصَّغير" و "أصل الروضة" 167، لكن في "الشَّرح الكبير" في أول كلامه: تصحيح عدم الوجوب 168، وقال في "المهمات": إنَّه الصواب، وقال 169 الماوردي: إنَّه المنصوص 170، وفي "البيان": إنَّه
الحديث: 1133 - الجزء: 1 - الصفحة: 478
الجديد 171، وقال البندنيجي: إنَّه: مقتضى نصه في "الأم" 172.
1138 - قول "المنهاج" [ص 167]: (ويحرم على الرجل حلي الذَّهب) يتناول المموّه به؛ أي: المطلي به، وقد صرح به "التَّنبيه"، قال [ص 43]: (إلَّا أن يكون قد صدئ)، وهذا فيما إذا حصل منه شيء بالعرض على النَّار، فإن لم يحصل .. فوجهان، أصحهما: الحل، وقد ذكره "المنهاج" في الآتية 173، و "الحاوي" هنا 174، لكنهما أطلقا الإباحة، وقد عرفت محلها، فيحرم عند حصول شيء منه بالعرض على النَّار قطعاً، كما تقدم، فإطلاق كلٍ من الكتب الثلاثة في المموّه مدخول، والله أعلم.
1139 - قول "التَّنبيه" [ص 43]: (ويجوز شد السن بالذهب)، أورد في "الكفاية" أن نص الشَّافعي يدل على منع الشدّ؛ حيث قال: لو اضطربت سنّهُ فأثبتها بذهبٍ أو فضةٍ .. لم تصح صلاته؛ لأنَّها ميتة 175، ثم أجاب: بحمله على ما إذا لم يبق لها ثبات بدونه، وحمل كلام "التَّنبيه" على ضعيفة يبقى ثباتها، قال النسائي: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ الصَّحيح: طهارة الجزء المنفصل، وكان التأويل بأن النَّصُّ أحد القولين، والصحيح: خلافه أولى.
انتهى 176.
وقد يفهم من اقتصاره على شد السن منعُ جعل سن كاملة من ذهب، وليس كذلك، وقد صرح بتجويزها "المنهاج" و "الحاوي" 177.
1140 - قول "المنهاج" [ص 167]: (لا إصبع) استثناءٌ من الإباحة المستثناة من التحريم، فتحرم، وكما يحرم الإصبع من الذَّهب .. يحرم من الفضة، وعبارة "المنهاج" لا تعطيه.
1141 - قوله: (ويحرم سِنُّ خاتم على الصَّحيح) 178 عبارة "الروضة": قطع الأكثرون بتحريمه 179.
1142 - قوله: (ويحل له من الفضة خاتم) 180 قد يفهم أن المراد: التَّوحيد، فلا تجوز الزيادة
الحديث: 1138 - الجزء: 1 - الصفحة: 479
على خاتم واحد، وهو مقتضى قول الرافعي: لو اتخذ الرجل خواتم كثيرة ليلبس واحدًا بعد واحد .. فلا منع 181.
وقال المحب الطبري: المتجه: أنَّه لا يجوز للرجل لبس الخاتمين سواء كانا في يدين أم في يد واحدة؛ لأنَّ الرخصة لم ترد بذلك، قال: ولم أقف فيه على نقل.
قال في "المهمات": وقد صرح الدَّارميُّ في "الاستذكار" بما توقف فيه، وقال الخوارزمي في "الكافي": يجوز أن يلبس زوجاً في يدٍ وفرداً في الأخرى، فإن ليس في هذه زوجاً وفي الأخرى زوجاً .. فقال الصَّيدلانيُّ في "الفتاوى": لا يجوز.
انتهى.
وقول "الحاوي" [ص 195]: (والورق لتختم) لا يفهم التَّوحيد.
1143 - قول "المنهاج" [ص 167]: (لا ما لا يلبسه كسرج ولجام في الأصح) محله: في المقاتل، أما غيره: فلا يجوز له ذلك بلا خلاف، كما في "البحر"، وعبارته: حرام بلا إشكال 182، ويستثنى أيضاً: البغلة والحمار، فلا يجوز ذلك فيهما بلا خلاف، كما في "الذخائر" لأنهما لا يصلحان للحرب، حكاهما في "المهمات".
1144 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (وليس لامرأة تحلية آلة حرب) 183 كذا في "الشَّرح" عن الجمهور 184، واعترض الشافعي صاحب "المعتمد" بأن المحاربة جائزة لهن في الجملة، وفي تجويزها استعمال آلاتها، وإذا جاز استعمالها، وهي غير محلاة .. جاز استعمالها محلاة؛ لأنَّ التحلي لهن أجوز منه للرجال، قال الرافعي: وهذا هو الحق 185، ورده النووي بأن التشبه بالرجال حرام كما صح به الحديث 186.
1145 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (ولها لبس أنواع حُليِّ الذَّهب والفضة) 187 واستثنى "الحاوي": الافتراش، تبعًا للرافعي 188، وصحح النووي: جوازه 189، ويستثنى مع ذلك أيضاً مسألتان:
إحداهما: التاج؛ حيث لم تجر عادة النساء بلبسه فيحرم عليهن؛ لأنَّه لباس عظماء الفُرْسِ،
الحديث: 1143 - الجزء: 1 - الصفحة: 480
كذا في "الروضة" وأصلها 190، وقال في "شرح المهذب": الصواب: الجواز مطلقاً من غير ترديد؛ لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلي 191.
الثانية: الدراهم والدنانير التي تثقب وتجعل قلادة فيها وجهان، أصحهما: التحريم، كذا في "الروضة" 192، وهو غلط، فلا خلاف في جوازها بلا كراهة، وإنَّما الخلاف في أنَّها هل تلتحق بالحلي المباح؟ فلا تجب الزكاة فيها، أو تجب؛ لبقاء النقدية فيها، وإنَّما يخرجها عن ذلك الصياغة.
1146 - قول "المنهاج" [ص 168]: (والأصح: تحريم المبالغة في السرف) في "الروضة": (الصَّحيح: الذي قطع به معظم العراقيين) 193، وذلك يقتضي ضعف مقابله، وتقييد السرف بالمبالغة، تبع فيه "المحرر" 194 وفي "شرح المهذب": سرف ظاهر 195، وعبارة "الحاوي" [ص 195]: (مَّا لم تسرف)، فلم يقيده بشيء، وكذا في "الروضة" وأصلها 196، قال السبكي: وهو الأولى.
انتهى.
ويؤيده قول "المنهاج" عقبه [ص 168]: (وكذا إسرافه في آلة حرب) واقتصر "الحاوي" على ذكر ذلك في المرأة 197، وفي معناه: إسراف الرجل في تحلية آلة الحرب، وقد ذكره "المنهاج".
1147 - قول "المنهاج" [ص 168] و "الحاوي" [ص 195]: (إنَّه يجوز تحلية المصحف بفضة) كذا غلافه المنفصل عنه.
الحديث: 1146 - الجزء: 1 - الصفحة: 481
بابُ زكاة المعدن والرّكاز
1148 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (إذا استخرج من معدن) إلى قوله: (في أصح القولين) فيه أمور:
أحدها: قوله: (في أرض مباحة أو مملوكه له) 198 لا حاجة إليه، مع قوله أولاً: (تام الملك على ما تجب فيه) 199، ومع ما ذكره في (إحياء الموات) من قوله: (ويملك المُحْيَا وما فيه من المعادن) 200 ولذلك لم يذكره "المنهاج" و "الحاوي".
ثانيها: أنَّه قطع باعتبار النصاب، وحكى الخلاف في الحول، وهي طريقة رجحها في "شرح المهذب" 201، والأصح: القطع فيهما؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 169]: (ويشترط نصاب لا حول على المذهب فيهما)، وعبارة "الروضة": المذهب: اشتراط النصاب دون الحول، وقيل: قولان فيهما 202، وهو غير مطابق لما في الرافعي؛ فإن لفظه: إن أوجبنا ربع العشر .. فلا بد من النصاب، وفي الحول قولان، وإن أوجبنا الخمس .. فلا يعتبر الحول، وفي النصاب قولان 203.
ثالثها: يرد على اشتراط كون المستخرج نصاباً: ما لو نال منه بعضه في آخر حول ما عنده، أو بعد تمامه من جنسه .. فإنَّه يضمه إليه ويخرج واجبه، وكذا في أثناء حول ما عنده في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 169]: (كما يضمه إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب)، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 211]: (ولو من معدن).
رابعها: قوله: (وهو من أهل الزكاة) 204 أخرج به المكاتب، والذمي، ونحوهما، ولو حذفه .. لكان أولى، كما تقدم في زكاة الناض؛ ولذلك لم يذكره "المنهاج" و "الحاوي".
خامسها: قوله: (أو في أوقات متتابعة) 205 ظاهر في اعتبار التوالي في الاستخراج، وليس كذلك؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 169]: (ولا يشترط اتصال النَّيلِ على الجديد) لكنَّه أطلق القولين، ومحلهما: إذا طال زمن الانقطاع، فإن قصر .. ضُمَّ قطعاً.
الحديث: 1148 - الجزء: 1 - الصفحة: 482
سادسها: قوله: (في الحال في أصح القولين) 206 ظاهر في حكايتهما سواء أوجبنا ربع العشر أو الخمس، وحُكي عن العراقيين، لكن الذي ذكره الرافعي تبعًا للخراسانيين: أنا إن أوجبنا الخمس .. لم نعتبر الحول قطعاً 207.
نعم؛ مقتضى كلام "شرح المهذب" موافقة الأكثرين لكلام "التَّنبيه" في ذلك 208.
1149 - قوله: (وفي زكاته ثلاثة أقوال، أحدها: ربع العشر) 209 هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 210.
1150 - قول "المنهاج" [ص 169]: (وفي الركاز الخمس يصرف مصرف الزكاة على المشهور) عبارة "الروضة": المذهب 211، وحكى في "شرح المهذب" عن الجمهور القطع به 212.
1151 - قوله: (وشرطه النصاب والنقد) 213 مثل قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وهو نصاب من الأثمان) وفيه أمران:
أحدهما: لو عبرا بـ (الذَّهب والفضة) كما في "الروضة" 214 .. لكان أولى؛ ليتناول المضروب وغيره، بخلاف النقد والأثمان؛ فإنهما مختصان بالمضروب.
ثانيهما: لو كان الموجود دون نصاب، لكنَّه يملك من جنسه ما يكمله .. ضم إليه، كما تقدم في المعدن، ولم يتعرض "الحاوي" لاعتبار كونه نصاباً أو ذهباً أو فضة، وكأنه اكتفى بذكره في زكاة النقد.
1152 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن كان دون النصاب، أو قدر النصاب من غير الأثمان .. ففيه قولان) الأصح: أنَّه لا زكاة، وعبر في "المنهاج" بـ (المذهب) 215، فيحتمل أن يكون من قولين، كما في "التَّنبيه"، وهو الذي رجحه الرافعي 216، وأن يكون ترجيحًا لطريقة القطع، كما في "الروضة" 217.
الحديث: 1149 - الجزء: 1 - الصفحة: 483
1153 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن وجد ركازاً من دفن الجاهلية) أحسن من قول "الحاوي" [ص 211]: (بضرب الجاهلية) ففي "الروضة" وأصلها: لا يلزم من كونه على ضرب الجاهلية .. كونه دفن في الجاهلية؛ لاحتمال أنَّه وجده مسلم بكنز جاهلي، فكنزه ثانياً، والحكم مُدار على كونه من دفن الجاهلية، لا على كونه ضَرْب الجاهلية 218.
وفي "شرح المهذب": إن هذا مفرع على الأصح، وهو أن ما لا علامة عليه يكون لقطة، أما إذا قلنا: إنه ركاز .. فالحكم منوط بضربهم 219.
وقال السبكي: الحق: أنَّه لا يشترط العلم بكونه من دفنهم؛ فإنَّه لا سبيل إليه، وإنَّما يكتفى بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره.
انتهى.
وعبارة "المنهاج" [ص 169]: (وهو موجود جاهلي)، وإضافته إلى الجاهلية قد تكون بحسب الدفن، وقد تكون بحسب الضرب، ويدل على إرادته الثَّاني قوله بعد ذلك: (وكذا إن لم يُعْلَم مِنْ أيِّ الضربين هو) 220.
1154 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (في موات) كذا إذا وجده في ملك أحياه، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 221، أو في أرض موقوفة واليد له، قاله البغوي 222: أو في قبر جاهلي، أو قلعة عاديّة جاهلية.
1155 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن كان في أرض مملوكة .. فهو لصاحب الأرض)، قال في "المنهاج" [ص 169]: (إن ادعاه) كذا في كتب الرافعي والنووي 223، ولم يشترطه ابن الرفعة والسبكي، بل شرطاً ألَّا ينفيه كسائر ما في يده، وصوبه في "المهمات"، وحينئذ .. فقول "المنهاج" [ص 169]: (وإلا) أي: وإن لم يدّعه، بل نفاه، والحاصل: أنَّه له في حالة السكوت أيضاً.
1156 - قوله: (حتَّى ينتهي إلى المحيي) 224 أي: فيكون له وإن لم يدّعه، كما في "الروضة" وأصلها 225، وقاله السبكي، لكن قياس ما تقدم عنه: أن يكون له وإن نفاه.
الحديث: 1153 - الجزء: 1 - الصفحة: 484
1157 - قوله: (ولو تنازعه بائعٌ ومشترٍ، أو مُكْرٍ ومُكْترٍ، أو مُعِيرٌ ومُسْتعيرٌ .. صُدّق ذو اليد بيمينه) 226، هذا إذا احتمل ما يدّعيه ولو على بُعد، فإن لم يحتمل لكون مثله لا يمكن دفنه في مدة يده .. فلا يصدق، ولو تنازعا بعد عود العين إلى المكري، أو المعير: فإن قال: دفنته بعد العود إليّ .. صُدّق إن أمكن، وإن قال: دفنته قبل خروجها من يدي .. فالأصح: تصديق المكتري والمستعير.
الحديث: 1157 - الجزء: 1 - الصفحة: 485
بابُ زكاة التجارة
كذا في "المنهاج" 227، وهو أولى من تعبير "التَّنبيه" بالعروض 228، لشموله التجارة في النقود.
1158 - قول "المنهاجِ" [ص 170]: (شرط زكاة التجارة الحول، والنصاب معتبراً بآخر الحول، وفي قول: بِطَرَفيْهِ، وفي قول: بجميعه)، تبع "المحرر" في أنَّها أقوال 229، لكن في "الروضة" تصحيح أنها أوجه 230، وحكاه الرافعي عن عبارة الأكثرين 231، ومنشأ هذا الخلاف أن الأخيرين مخرجان، والمخرج يعبر عنه بالوجه تارة وبالقول أخرى، لكن الأوَّل منصوص في "الأم" 232، فالتعبير بالأقوال أولى؛ لأنَّ المنصوص لا يعبر عنه بالوجه، والمخرج يصح التعبير عنه بالقول.
1159 - قوله: (فعلى الأظهر: لو ردَّ إلى النقد في خلال الحول، وهو دون النصاب، واشترى به سلعةَ .. فالأصح: أنَّه ينقطع الحول، ويبتدئ حولها من شرائها) 233 فيه أمور:
أحدها: أفهم كلامه تخصيص ذلك بالتفريع على الأظهر، وكذا عبر الغزالي 234، قال الرافعي: وهو جارٍ وإن قلنا بغيره 235، وجوابه: أن ذلك يؤخذ من طريق الأولى.
ثانيها: اعتمد في تصحيحه على قول الإمام: رأيت المتأخرين يميلون إليه 236، وكذا في "المحرر" 237، واقتصر في "الروضة" على نقل كلام الإمام 238، ولم أر في ذلك ترجيحًا لغيره، ومشى عليه "الحاوي" بقوله [ص 215، 216]: (وفي التجارة آخره ما لم ينضّ كما مر ناقصًا) 239
الحديث: 1158 - الجزء: 1 - الصفحة: 486
ثالثها: المراد: الرد إلى النقد الذي يقوّم به، وهو رأس المال إن كان نقدًا، وغالب نقد البلد إن كان رأس المال عرضًا، قال في "الروضة": ولو باعها بالدراهم والحال تقتضي التقويم بالدنانير .. فهو كبيع السلعة بالسلعة.
انتهى (1).
وإلي ذلك أشار "الحاوي" بقوله: (كما مر).
فائدة [تتعلق بنقص السعر أو زيادته عند الحلول]
إذا فرعنا على الأظهر، فكان مال التجارة آخر الحول مغصوباً أو ديناً مؤجلًا، وكان السعر غالياً، ثم عند الحلول المقتضي للأخذ أو القبض في الغصب نقص السعر أو بالعكس .. فالعبرة بأقل القيمتين، فهو الذي دخل في يد المالك، كذا أفتى به شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني، ونقلته من خطه.
1160 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن باع عرضًا للتجارة في أثناء الحول بعرض للتجارة .. لم ينقطع الحول) كذا إذا أطلق في الأصح، أما إذا نوى به القنية .. فإنَّه ينقطع.
1161 - قوله: (وإن باع الأثمان بعضها ببعض للتجارة .. فقد قيل: ينقطع الحول، وقيل: لا ينقطع) 241 الأوَّل هو الأصح، وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 215]: (فإن باع ورُد بعيب أوْ إقَالَةٍ .. يستأنف الحول)، وعن ابن سريج أنَّه كان يقول: بشروا الصيارفة أنَّه لا زكاة عليهم، وعن الإصطخري: أنَّه نسب ابن سريج في ذلك إلى خرق الإجماع؛ ولذلك اختار السبكي الثَّاني، وقال: هذا إذا كان النقد نصاباً، فإن لم يكن .. فلم أر فيه نقلًا، والأرجح: أنَّه كذلك، وكذا اختار في السائمة ببيع بعضها ببعض في أثناء الحول للتجارة: وجوب الزكاة كما اختار في النقد.
1162 - قول "المنهاج" [ص 170]: (ولو تم الحول وقيمة العرض دون نصاب .. فالأصح: أنَّه يبتدئ حول، ويبطل الأول) عبر "التَّنبيه" عن مقابله بقوله [ص 59]: (وقيل: إن زادت قيمته بعد ذلك بيوم أو شهر .. صار ذلك حوله، وتلزمه الزكاة، ويجعل الحول الثَّاني من ذلك الوقت)، قال في "شرح المهذب": كذا فرضه القاضي أبو الطَّيِّب ومن تبعه، وقال في "البيان": متى زادت القيمة قبل تمام الحول الثَّاني .. كان كذلك.
انتهى 242.
فقول "التَّنبيه": (بيوم أو شهر) مثال، وليس في "الروضة" وأصلها لذلك تقدير، بل240
الحديث: 1160 - الجزء: 1 - الصفحة: 487
صرحًا في زكاة المعدن بأن الشهر مثال 243.
1163 - قول "المنهاج" [ص 170]: (ويصير عرض التجارة للقنية بنيّتها) مثل قول "الحاوي" [ص 213]: (مَّا لم ينو للقنية)، هذا إذا نواه لقنية مباحة، فإن نواه لقنية محرمة؛ كسيوف التجارة ينوي قنيتها ليقطع بها الطَّريق، أو ثياب حرير نوى القنية ليلبسها وهي محرمة عليه .. فهل ينقطع الحول بذلك؟ فيه وجهان في "التتمة"، قال: وأصل ذلك إذا عزم الشخص على المعصية .. هل يأثم بمجرد العزم؟ حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1164 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (إذا اشترى عرضًا للتجارة بنصاب من الأثمان .. بنى حوله على حول الثمن) فيه أمور:
أحدها: أنَّه نبه بالشراء في صيرورته مال تجارة على ما في معناه، وهو كل معاوضة محضة؛ كالهبة بشرط الثواب، والصلح عن الدين، لكنَّه قد يخرج المعاوضة غير المحضة؛ كالمهر، وعوض الخلع، وصلح الدم، والأصح: أنَّها كالمحضة، وقد ذكره "المنهاج"، وكذلك أطلق "الحاوي" المعاوضة 244، ويوافق عبارة "التنبيه" قول الشَّافعي في أثناء كلامه: أو أيَّ وجوه المِلْكِ مَلَكَها به إلَّا الشراء فحالت عليه أحوال .. فلا زكاة عليه فيه.
انتهى 245.
ويدخل في المعاوضة القرض، وفي "التتمة": إنَّه لا يصير للتجارة ولو نواها عند القبض؛ لأنَّه لا يملك إلَّا بالتصرف، فكيف ينعقد الحول والملك لم يحصل؟ قال: وعلى القول الآخر يملك بالقبض، ولكنه ليس من التجارة، بل طريقه طريق الإرفاق، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه"، وقول "المنهاج" [ص 170]: (لا بهبة) أي: لا ثواب فيها.
ثانيها: قد يخرج بقوله: (عرضًا) المنفعة بالإجارة للتجارة؛ كأن يستأجر المستغلات، ويؤجرها بقصد التجارة، والأصح: وجوب زكاة التجارة فيه، وهو داخل في إطلاق "المنهاج" و "الحاوي" المعاوضة 246.
ثالثها: قوله: (بنصاب) أي: بعينه، فلو اشترى في الذمة، ونقده فيه .. انقطع حوله، ولا يبني، حكاه الرافعي عن البغوي 247، وابن الرفعة عن القاضي حسين، وجزم به في "الروضة" 248، وقال في "شرح المهذب": لا خلاف فيه 249.
الحديث: 1163 - الجزء: 1 - الصفحة: 488
وقال السبكي: إذا تأملت كلام الأصحاب .. وجدته يدل عليه؛ لأنَّ الثمن الذي ملك به العرض هو المعين في العقد أو المجلس، أما الذي نقده فيه بعد ذلك .. فلا، والذي ملكه به، هو ما في الذمة، ولا حول له.
انتهى.
وقال في "المهمات": في اشتراطه نظر ظاهر؛ ولهذا لم يعتبره صاحب "الحاوي الصَّغير".
قلت: وكذا "المنهاج"، ومع ذلك فعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 250.
رابعها: تعبيره بالأثمان وتعبير "المنهاج" و "الحاوي" بالنقد يخرج غير المضروب من الذَّهب والفضة، فالتعبير بالذهب والفضة أعم، لكنَّه يتناول الحلي المباح، مع أنَّه لابناء فيما إذا اشترى به تفريعاً على أنَّه لا زكاة فيه، بل حوله من الشراء، وهو مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص 59]: (بنى حوله على حول الثمن) لأنَّ الحلي المباح لم ينعقد حوله حتَّى يبني عليه.
ويجاب عن التعبير بالأثمان وبالنقد: بأن المراد: جنسها، وأيضًا: فالغالب الشراء بالأثمان، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له.
خامسها: لم يذكر نيَّة التجارة، وهي شرط، والأصح: اشتراط اقترانها بالكسب، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 170]: (إذا اقترنت نيتها بكسبه)، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 214]: (وإن لم يجدد القصد في كل معاوضةٍ)
1165 - قولهم - والعبارة لـ "التَّنبيه" -: (وإن اشتراه بعرض للقنية أو بما دون النصاب من الأثمان .. انعقد الحول عليه من يوم الشراء) 251 قيد في "الكفاية" مسألة الشراء بما دون النصاب بما إذا لم يملك من جنسه ما يتم به النصاب، وإلا .. بناه على حوله، وتناول عرض القنية ما تجب الزكاة في عينه؛ كنصاب السائمة، وهو الصَّحيح، وقد ذكره "التَّنبيه" و "المنهاج" بعد ذلك 252، ولا يختص الخلاف بالسائمة، بل هو جارٍ في كل ما تجب الزكاة في عينه، غير النقد من ثمر وزرع، فذكر السائمة مثال.
1166 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن اشترى عرضًا بمئتي درهم ونضَّ ثمنه وزاد على قدر رأس المال .. زكى الأصل حوله، وزكى الزيادة لحولها، وفي حول الزيادة وجهان، أحدهما: من حين الظهور، والثَّاني: من حين نض الثمن، وقيل: في المسألة قولان، أحدهما: يزكي الأصل لحوله والزيادة لحولها، والثَّاني: يزكي الجميع لحول الأصل) الأصح: طريقة القولين، والأصح
الحديث: 1165 - الجزء: 1 - الصفحة: 489
منهما: الأوَّل، وأصح الوجهين: أن حول الربح من حين نضَّ، وقد ذكر ذلك "المنهاج" بقوله [ص 170]: (ويضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم ينض، لا إن نض في الأظهر)، والمراد: إذا نض من جنس ما يقوم به، وهو رأس المال إن اشترى بنقد، ونقد البلد إن اشترى بعرض، فلو نض بغير جنس ما يقوم به؛ كعرض بمئتي درهم باعه بعشرين ديناراً .. بنى على حول الأصل، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 215]: (وللنتاج والربح ما لم يصر ما يقوم به حول الأصل).
1167 - قول "المنهاج" [ص 170]: (والأصح: أن ولد العَرْضِ وثمرته مال تجارة) محلهما: إذ لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت به .. جبرنا النقص من قيمة الولد، قاله ابن سريج وغيره، وفيه احتمال للإمام، قال: مقتضى قولنا: إنَّه ليس مال تجارة: أن لا تجبر به الأم كالمستفاد بسبب آخر 253.
1168 - قوله: (وأن حوله حول الأصل) 254، الأصح في "الروضة" وأصلها: طريقة قاطعة به 255، فكان ينبغي التعبير بالمذهب.
1169 - قولهما - والعبارة لـ "التَّنبيه" -: (وقيل: إن كان رأس المال دون النصاب .. قُوِّمَ بنقد البلد) 256 محله: إذا لم يملك من جنس النقد تمام النصاب، فإن اشترى بمئة وعنده مئة .. قوم بما اشترى به بلا خلاف، كما قاله الرافعي 257، ومراده: مع التفريع على التقويم برأس المال فيما إذا كان نصاباً، وهذا ما أجاب به القفال مرَّة، وتردد أخرى، حكاه في "الكفاية".
1170 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن بلغ بهما .. قُوّمَ بالأنفع للفقراء) 258 تبع فيه "المحرر" 259، وصحح في "الروضة": أنَّه يتخير المالك بينهما، وأخذ ذلك من حكاية الرافعي له عن العراقيين والروياني 260، وبه الفتوي كما في "المهمات".
1171 - قول "التَّنبيه" [ص 59]: (وإن اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه ... إلى آخره) فيه أمور:
أحدها: هو مثل قول "الحاوي" [ص 214]: (وفي عين زكوية) وهو أعم وأحسن من قول
الحديث: 1167 - الجزء: 1 - الصفحة: 490
"المنهاج" [ص 171]: (ولو كان العَرْضُ سائمةً) لشموله ما لو كان العرض نباتاً، قال شيخنا ابن النقيب: وكذا فيما يظهر إذا كان نقداً ورأس المال العرض؛ كما إذا اشترى دنانير للتجارة بحنطة مثلاً، أما إذا اشترى نقدًا بنقد، فإن لم يكن للتجارة .. انقطع الحول، وإن كان للتجارة .. فالأصح: انقطاعه أيضاً 261.
ثانيها: صورة المسألة: أن يكمل نصابهما معًا، فإن كمل نصاب أحدهما فقط .. وجبت زكاته، صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 262.
ثالثها: جزم بتقديم ما سبق وقت وجوبه من زكاة العين والتجارة، وعلى ذلك مشى "الحاوي"، فقال [ص 214]: (غُلِّبَ ما تم نصابه أو تقدم حوله)، لكن الأصح: أن القولين في الأحوال كلها، وهي تقدم زكاة العين على التجارة، وعكسه، واتفاقهما، وعلى ذلك مشى "المنهاج" 263، وكان الموجب لجريانهما على هذا المرجوح أنا إذا قدمنا زكاة العين مع تأخرها .. فالأصح: وجوب زكاة التجارة؛ لتمام حولها، ثم يفتتح حولاً لزكاة العين أبداً، وقد ذكره "المنهاج"، فلم نُحْبط ما مضى من حول التجارة.
رابعها: لم يبين الأصح منهما، وهو: تقديم زكاة العين، وفي "المنهاج": إنَّه الجديد، وعليه مشى "الحاوي" 264.
خامسها: إذا قدمنا زكاة العين - وهو الأصح - وتقدم وقت وجوبها، فأخرج زكاة الثمرة مثلًا .. لم تسقط زكاة التجارة عن الشجر والأرض؛ لأنَّه لم يخرج عنهما زكاة عين، وإطلاق تقديم زكاة العين قد يوهم خلافه، وقد ذكره "الحاوي" 265، وهو وارد على "المنهاج" أيضاً؛ فإنَّه لم يذكره، فإن لم تبلغ قيمة الشجر والأرض نصاباً .. لم يضم المعشّر إليهما، كما صححه النووي 266.
1172 - قول "الحاوي" في زكاة مال القراض [ص 214]: (وتُحسَب من الربح) هذا إذا أخرجها من مال القراض، كما أوضحه "المنهاج" 267، فإن أخرجها من غيره .. فلا تحسب من الربح، والله أعلم.
الحديث: 1172 - الجزء: 1 - الصفحة: 491
بابُ زكاة الفطر
1173 - قول "المنهاج" [ص 172]: (تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) مثل قول "الحاوي" [ص 223]: (تجب بغروب ليلة الفطر) وعبارة "التَّنبيه" [ص 60]: (إذا أدرك آخر جزء من رمضان وغربت الشَّمس)، وقال النسائي في "نكته": لم أفهم لاعتبار مجموع اللفظين معنى وإن تعرض في "الكفاية" له 268.
وقال في "المهمات": إنَّه المعروف؛ أي: إدراك الوقتين، قال: كذا جزم به أبو على الطبري في "الإفصاح" والماوردي والقاضي أبو الطَّيِّب وابن الرفعة في "الكفاية"، ونقلوه عن نص الشَّافعي، وجزم به صاحب "التَّنبيه"، فحكى عبارته 269.
قال النووي في "نكته": هذان شرطان للوجوب، وهو أن يدرك جزءًا من شهر رمضان، وجزءاً من أول شوال.
قال في "المهمات"، وذكر في "التتمة" مثله، فقال: فمن أدرك جزءًا من الزمان قبل الغروب، وجزءاً بعد الغروب .. لزمته الفطرة، وحكى في "المهمات" عن ابن عبدان: اعتبار آخر جزء من رمضان، وعن الإمام والغزالي: اعتبار أول جزء من شوال، قال: ويظهر أثرها فيما إذا قال لعبده: أنت حر مع أول جزء من ليلة العيد، أو مع آخر جزء من رمضان، أو قاله لزوجته.
انتهى 270.
1174 - قول "المنهاج" [ص 172]: (فيُخرج عمن مات بعد الغروب دون من وُلِدَ) فيه أمران:
أحدهما: في معنى موت المؤذى عنه بعد الغروب: زوال الملك عن العبد، وطلاق الزوجة بائناً وهي غير حامل، واستغناء القريب، وفي معنى ولادة القريب بعد الغروب: تجدد ملك عبد، ونكاح امرأة.
ثانيهما: محل الجزم: أن يكون موته بعد التمكن من الإخراج عنه، فلو مات بعد الغروب وقبل التمكن .. ففي "شرح المهذب" وجه بسقوط زكاته، لكنَّه صحح خلافه، بخلاف تلف المال المؤدى في الفطرة قبل التمكن من إخراجه؛ فإن الأصح في "شرح المهذب": السقوط؛ كزكاة المال 271.
الحديث: 1173 - الجزء: 1 - الصفحة: 492
1175 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (والأفضل: أن تُخْرَجَ قبل صلاة العيد) مثل قول "الحاوي" [ص 223]: (وقبل الصَّلاة أولى)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 172]: (ويسن ألا تؤخر عن صلاته) إذ ليس فيه تقديمها على الصَّلاة، بل هو صادق بإخراجها مع الصَّلاة، وقال السبكي: لو قيل بوجوب إخراجها قبل الصَّلاة .. لم يبعد.
انتهى.
وقد يوهم كلامهم تسوية ليلة العيد ويومه، وليس كذلك، بل يومه أولى، وهنا بحثان:
أحدهما: الظاهر: أن المراد بإخراجها قبل الصَّلاة: تعجيلها، حتَّى لو آخر الصَّلاة إلى قريب الزَّوال، وأخرج قُبيْلها .. فاتته الفضيلة.
ثانيهما: يمكن أن يقال باستحباب تأخيرها لانتظار قريبٍ أو جابى ما لم يخرج الوقت، على قياس زكاة المال.
1176 - قولهم - وهو في "المنهاج" في (باب من تلزمه الزكاة) -: (ويجوز إخراجها في جميع شهر رمضان) 272 استُثنِيَ منه: المحجور عليه، فلا يخرجها الولي من ماله إلى ليلة العيد، فلو عجلها الولي من مال نفسه .. جاز.
1177 - قول "المنهاج" [ص 172]: (ولا فطرة على كافر)، وقول "التَّنبيه" [ص 60]: (تجب على كل حر مسلم) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: لا مطالبة في الدُّنيا، وأمَّا العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، قاله النووي 273، وقال السبكي: يحتمل أن هذا التكليف الخاص لم يشملهم؛ لقوله في الحديث: "من المسلمين" 274.
ثانيهما: هذا في الكافر الأصلي، أما المرتد: ففي "المهذب" وغيره أنَّها على أقوال ملكه 275، وحكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب، ويرد على "التَّنبيه": وجوبها على الكافر لممونه المسلم بناءً على أن الوجوب يلاقي المؤدى عنه أولاً ثم يتحمله المؤدي، وهو الأصح، وهذا وارد على "التَّنبيه" في موضعين:
أحدهما: اشتراطه الإسلام فيمن تجب عليه.
ثانيهما: قوله: (ومن وجبت عليه فطرته .. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا
الحديث: 1175 - الجزء: 1 - الصفحة: 493
مسلمين) 276، فإن مفهومه: أن من لا تجب عليه فطرة نفسه .. لا تجب عليه فطرة ممونه المسلم، وهذا مفهوم من اشتراط "الحاوي" الإسلام في المؤدى عنه دون المؤدي 277، وصرح به "المنهاج" في قوله [ص 172]: (إلَّا في عبده وقريبه المسلم في الأصح) وفيه أمران:
أحدهما: صواب العبارة: أن يقول: (المسلمَيْن) - بالتثنية -، أو يعطف القريب بـ (أو).
ثانيهما: يرد على الحصر: زوجته التي أسلمت وغربت الشَّمس، وهو متخلّف، وأوجبنا نفقة مدة التخلف، كما هو الأصح .. فإن الأصح: أنَّه يجب عليه فطرتها سواء أسلم أو أصر.
ويرد على "التَّنبيه" أيضاً في اشتراطه الحرية: المبعض؛ فإنه يلزمه بقسط حريته، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 278، فإن كان بينهما مهايأةٌ .. فالأصح: لزوم جميعها لمن غربت الشّمس في نوبته بناء على دخول المؤن النادرة في المهايأة، وهو الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 279.
1178 - قول "المنهاج" [ص 172]: (وفي المكاتب وجه) أي: تلزمه فطرة نفسه وزوجته وعبده في كسبه، وعلى الأصح فهل تلزم سيده؟ المذهب: لا، وفي القديم: تلزمه، وهذا في المكاتب كتابة صحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة .. ففطرته على سيده، كما جزم به الرافعي في (الكتابة) 280.
1179 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ما يؤدي في الفطرة) فيه أمران:
أحدهما: المراد: كونه فضل عن قوته وقوت ممونه ليلة العيد ويومه، وقد صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 281، وكلامهم يقتضي عدم وجوبها عليه بقدرته على كسبها، وبه صرح الرافعي في الكلام على الاستطاعة في الحج 282.
ثانيهما: يشترط أيضاً: كونه فاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليه في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 283، ويعتبر كونهما لائقين به، فلو كانا نفيسين يمكن إبدالهما بلائق به،
الحديث: 1178 - الجزء: 1 - الصفحة: 494
ويخرج التفاوت .. لزمه ذلك، كما ذكره الرافعي في (الحج)، قال: لكن في لزوم بيعهما إذا كانا مألوفين وجهان في الكفارة، أصحهما: لا يجب، ولا بد من جريانهما هنا 284.
قال النووي: الفرق ظاهر؛ فإن للكفارة بدلًا 285، وكذا فرق في "الشَّرح الصَّغير".
ويشترط أيضاً كونه فاضلاً عن دَست ثوب يليق به، وقد ذكره "الحاوي" 286، وفي "تصحيح" شيخنا الإسنوي: أنَّه في "المنهاج" أيضاً 287، وليس كذلك.
وعن دين إن كان عليه، كما نقل الإمام الاتفاق عليه، ومشى عليه "الحاوي" 288، وحكاه النووي في "نكته" عن الأصحاب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": أنَّه لا يشترط ذلك، وهو مقتضى كلامه في "الكبير".
ويعتبر أيضاً كونه فاضلاً عن كسوة من تلزمه نفقتهم.
1180 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (ومن وجبت عليه فطرته .. وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم) فيه أمور:
أحدها: يستثنى منه مسائل:
الأولى: زوجة الأب ومستولدته في الأصح، وقد ذكرهما "الحاوي" 289، واقتصر "المنهاج" على زوجة الأب 290، وصحح السبكي تبعًا للغزالي: وجوب فطرتهما على الابن 291، وعلى الأوَّل .. فقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": القياس: أنَّه لا تجب على الحرة فطرة نفسها، ولا على السيد فطرة المستولدة، قال: ولم أر تعرضاً لذلك.
الثَّانية: عبد بيت المال تجب نفقته لا محالة، ولا تجب فطرته في الأصح.
الثَّالثة: الموقوف على جهة أو معين على الأصح أيضاً، وهما واردان على "المنهاج" و "الحاوي".
ثانيها: مفهومه ومفهوم "المنهاج" و "الحاوي": أن من لا تجب نفقته .. لا تجب فطرته، ويستثنى منه مسائل:
الأولى: الموصى بمنفعته إذا قلنا: أن النفقة على مالك المنفعة .. ففي "الشَّرح الصَّغير" تبعاً
الحديث: 1180 - الجزء: 1 - الصفحة: 495
للبغوي وغيره: أن الفطرة على مالك الرقبة 292، لكن رجح النووي: أنَّها على الخلاف في (النفقة) 293.
الثانية: المكاتب كتابة فاسدة تجب فطرته على سيده، كما تقدم عن الرافعي 294، ولا تجب نفقته، كما حكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، وأقرهما عليه 295.
الثَّالثة: لو كان له طفل يملك قوت يومه وليلته فقط .. فلا نفقة له، وفي وجه: إن فطرته على الأب، لكن الأصح في "الشَّرح الصَّغير": المنع؛ كالنفقة.
ثالثها: يرد عليه: وجوبها على الكافر لممونه المسلم، كما تقدم، وفات "المنهاج" أن يقول: (إذا وجد ما يؤدي عنه)، لكنَّه استغنى عنه باشتراطه اليسار فيما تقدم، وأفهم قول "التَّنبيه" [ص 60]: (ووجد ما يؤدي عنهم) أنَّه لا تجب عليه فطرة العبد الذِّي لا مال له غيره، والأصح: أنَّه يجب عليه بيع جزء منه لفطرته إن لم يحتج لخدمته، وقد ذكره "الحاوي" 296.
1181 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (وإن زوج أمته بعبد أو حر معسر، أو تزوجت موسرة بحر معسر .. ففيه قولان، أحدهما: تجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها، والثَّاني: لا تجب، وقيل: تجب على السيد ولا تجب على الحرة، وهو ظاهر المنصوص) صحح الرافعي: طريقة القولين، وصحح منهما: الوجوب عليهما 297، وعليه مشى في "المحرر" و "الحاوي" 298، وصحح النووي: طريقة القطع بالوجوب على سيد الأمة دون الحرة 299، وعليه مشى "المنهاج" 300، ولو عبر بـ (المذهب) .. لكان أولى من تعبيره بالأصح.
1182 - قول "المنهاج" [ص 172]: (ولو انقطع خبر عبد .. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) خرج بمنقطع الخبر: غائب لم ينقطع خبره، والمذهب: وجوب فطرته أيضاً، فلا معنى لهذا التّقييد؛ ولهذا أطلق "الحاوي" في قوله [ص 223]: (وعبد أبَقَ أو فُقِد) ومحل ذلك في منقطع الخبر: ما لم تنته غيبته إلى مدة يحكم فيها بموته، فإن كان كذلك .. لم تجب فطرته، صرح به الرافعي في (الفرائض) 301.
الحديث: 1181 - الجزء: 1 - الصفحة: 496
فإن قلت: الأصح في جنس الفطرة: اعتبار بلد العبد، فإذا لم يعرف موضعه، كيف يخرج من جنس بلده؟
قلت: لعل هذه الصورة مستثناة من القاعدة، أو يخرج من قوت آخر بلد عُلم وصوله إليها، أو تُدفَع فطرته للقاضي ليخرجها؛ لأنَّ له نقل الزكاة.
1183 - قول "المنهاج" [ص 172]: (وفي قولٍ: لا شيء) كان الأحسن: أن يقول: (وقيل: قولان، ثانيهما: لا شيء)، وطريقة القولين هي التي في "المحرر" 302، وصحح في "شرح المهذب": طريقة القطع 303، وهي ظاهر عبارة "المنهاج".
1184 - قوله: (وقيل: إذا عاد) مقابل لقوله: (في الحال) 304، وهو منصوص في "الإملاء"، فلا يحسن التعبير عنه بقيل.
1185 - قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فإن فضل بعض ما يؤدي .. فقد قيل: يلزمه، وقيل: لا يلزمه) الأصح: اللزوم، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 305.
1186 - قول "التَّنبيه" - والعبارة له - و "الحاوي": (فإن وجد ما يؤدي عن البعض .. بدأ بمن يبدأ بنفقته) 306 يقتضي أنَّه يبدأ بعد نفسِهِ بزوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم أمه، ثم أبيه، ثم ولده الكبير، فهذا ترتيبهم في النفقة، لكن في "المنهاج" وأصله: تقديم الأب هنا على الأم 307، وكأنه ذهول عما قدراه في النفقة، ويدل لذلك أن عبارة "الروضة" وأصلها هنا: والمذهب من الخلاف الذي ذكرناه والذي أخرناه إلى (كتاب النفقات): أنَّه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم الولد الكبير.
انتهى 308.
وقد علم أن المذكور في (النفقات) تقديم الأم على الأب، ويوافق ذلك تصريح الشافعي هنا بتقديم الأم على الأب، لكن فرق في "شرح المهذب" بين النفقة والفطرة بمراعاة الحاجة في النفقة، والشرف في الفطرة، والأب أشرف من الأم وهي أحوج منه 309.
وفيه نظر؛ لتقديمهم هنا الولد الصَّغير على الأبوين، وهما أشرف منه، فدل على اعتبارهم
الحديث: 1183 - الجزء: 1 - الصفحة: 497
الحاجة في البابين، لكن قال السبكي: لم أر أحداً صحح تقديم الأم هنا، مع أنَّه يوافق الحديث في البداءة بالأم.
قلت: تقدم عن الشافعي التصريح بذلك، وأورد في "الكفاية" على قول "التَّنبيه" [ص 60]: (فإن وجد ما يؤدي عن البعض) أن ظاهره: أنَّه مع وجدان فطرة نفسه، ولا يلائم قوله: (وقيل: يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه) 310 لاقتضائه أن الموجود صاع واحد؛ ولأن الشرط عنده في فطرة الغير: وجوب فطرة نفسه، وإذا وجب إخراج الصاع الواحد للزوجة .. فلا وجوب عليه لنفسه، وأجاب: بأن المراد: من صلح لوجوبه في حق نفسه في الجملة.
1187 - قول "الحاوي" [ص 224]: (ثم يتخير بغير توزيع) أي: إذا استوى جماعة في درجة؛ كزوجات وأولاد .. بدأ بمن شاء، ولا يوزع الصاع بينهم، كذا صحَّحه النووي 311، ولم يصحح الرافعي شيئًا، بل أشعر كلامه بترجيح التوزيع؛ فإنَّه قال: ويتأيد وجه التقسيط بالنفقة؛ فإنَّها توزع في مثل هذه الحالة، قال: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره 312.
وفي "المهمات" عن منصور التميمي صاحب "الرَّبيع" أنَّه قال في (كتاب المسافر) بعد حكايته عن الشَّافعي تقديم من شاء: قال منصور: بل يقرع بينهم، فيبدأ بمن خرجت قرعته.
1188 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وأمَّا الأقط: فقد قيل: يجوز، وقيل: فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الإجزاء، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 313، وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بجوازه؛ لصحة الحديث فيه من غير معارض 314.
ثانيها: محل الخلاف: ألاَّ يكون مملحاً بملح يفسد جوهره، فإن كان كذلك .. لم يجز قطعاً، وهذا وارد على "المنهاج" و "الحاوي" أيضاً، لكنَّه مفهوم من قول "التَّنبيه" [ص 61]: (ولا يؤخذ في الفطرة حب معيب) و "المنهاج" [ص 173]: (الواجب: الحب السليم)، فإذا اشترطت السلامة في الحب .. ففي غيره أولى، وهذا عيب.
ثالثها: قد يفهم من اقتصاره هو و "المنهاج" على الأقط: عدم إجزاء الجبن الذي لم ينزع زبده واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، وقد ذكرهما "الحاوي"، لكنَّه لم يقيد الجبن بكونه غير منزوع
الحديث: 1187 - الجزء: 1 - الصفحة: 498
الزبد 315، والخلاف جار فيمن قوته الأقط وفيمن قوته اللبن، كما في الرافعي عن البغوي 316، لكن في "شرح المهذب" تخصيص الخلاف بمن قوته الأقط 317، أي: فمن قوته اللبن .. له إخراجه قطعاً، تفريعاً على إجزاء الأقط، وصحح في " تصحيح التَّنبيه" في (الظهار): أنَّه لا يجزئ اللبن 318.
1189 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وتجب الفطرة فيما يقتاته من هذه الأجناس، وقيل: من غالب قوت البلد) الثَّاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" و "المنهاج" 319، لكنَّه لم يذكر الغلبة؛ فقوله بعد ذلك: (ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخيّر، والأفضل أشرفها) 320، إنَّما كان يحسن لو بَيّن أولاً أن الإخراج من الغالب، وفي "الوسيط": المعتبر غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة 321، وفي "الوجيز": غالب قوت البلد يوم الفطر 322، قال الرافعي: وهذا التّقييد لم أظفر به في كلام غيره 323، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصَّواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم أوضحه؛ بأن حكى عن السرخسي فيما إذا اختلف القوت باختلاف الأوقات: أنَّه إن أخرج من الأعلى .. أجزأه، أو من الأدنى .. فأصح القولين: الإجزاء؛ أيضاً 324، قال في "المهمات": وحاصله تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره في "الذخائر"، وهو القياس.
انتهى.
وقال السبكي فيما لو حصل جدب في بلد اقتضى اقتيات أهلها جميع سنتهم الشعير، وغالب قوتهم في غير تلك السنة القمح: إن الفقه ما يقتضيه أصل الغزالي، وأنَّه ينظر إلى الغالب وقت الوجوب؛ أي: فيخرج القمح في هذه الصورة، ومقتضى اعتبار قوت السنة: إخراج الشعير، والله أعلم.
وإذا فرعنا على اعتبار قوته، فكان يليق به الشعير، فأكل القمح تنعماً، أو بالعكس .. فالأصح: وجوب ما يليق به، وعبارة "التَّنبيه" و "المنهاج" قد تفهم خلافه.
الحديث: 1189 - الجزء: 1 - الصفحة: 499
1190 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (فإن عدل عن القوت الواجب إلى قوت أعلى منه .. جاز) الاعتبار في كونه أعلى بزيادة الاقتيات في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 325.
1191 - قوله: (إن عدل إلى ما دونه .. ففيه قولان) 326 مستشكل؛ فإن المقطوع به في الرافعي وغيره: أنَّه لا يجزئ ما دونه 327، وقال النووي في "التصحيح": مراده: أنَّه هل يتخير بين الأقوات، ولا يتعين قوته، ولا قوت البلد؟ قال: ولكن عبارته بعيدة عن المراد.
انتهى 328.
ويؤيد هذا التأويل أن "التنبيه" لم يذكر وجه التخيير بين الأقوات أولاً، فنبه عليه آخراً، و "المنهاج" لما ذكره في الأوَّل .. جزم هنا بعدم إجزاء الأدنى 329، وقال في "الكفاية": كذا روى القولين ابن الصباغ وغيره، وحكاهما البندنيجي كذلك، والواجب قوت البلد، وقال: حاصل القول الآخر: التخيير، قال في "الكفاية": وقد نقول بالإجزاء ولا تخيير، كما لو أخرج رديء النقد عن الجيد على رأي، ويؤيده صحة ظُهر من تلزمه الجمعة على قول.
انتهى.
وفي "الحاوي" في (باب الكفارة بالطعام) تفريعاً على وجوب الإخراج من قوت نفسه: أنَّه لو أخرج ما دونه .. ففي إجزائه وجهان، أصحهما: لا يجزئ، ثم جعل حكم الفطرة كالكفارة 330، وهذا صريح في حكاية الخلاف الذي في "التنبيه"، إلَّا أنَّه حكى الخلاف وجهين، وهو في "التَّنبيه" قولان، وجعله مفرعًا على أن المعتبر قوت نفسه، وفي "التَّنبيه" أطلق.
1192 - قول "المنهاج" [ص 173] و "الحاوي" [ص 224]: (إن الشعير خير من التمر) تبعاً فيه "المحرر" و "الشَّرح الصَّغير"، وحكاه في "الكبير" عن ترجيح البغوي 331، وصححه في "شرح المهذب" أيضاً 332، وقدم الشَّيخ أبو محمَّد التمر على الشعير، وقطع به الروياني في "البحر" 333.
1193 - قول "الحاوي" [ص 224]: (من غالب طعام بلد المؤدَّى عنه) أعم وأحسن من قول "المنهاج" [ص 173]: (ولو كان عبده ببلد آخر .. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد).
1194 - قول "التَّنبيه" [ص 173]: (ولا حب معيب) يقول "المنهاج" [ص 173]: (الواجب الحب السليم)، واستثنى القاضي الحسين: ما إذا لم يكن له سواه، وهو يقتاته، حكاه عنه في
الحديث: 1190 - الجزء: 1 - الصفحة: 500
"الكفاية"، وأقره، ثم قال: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوّس قدراً يتحقق أنَّه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه.
1195 - قول "المنهاج" [ص 173]: (ولو أخرج من ماله فطرة ولده الصَّغير الغني .. جاز) الجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيم: فلا يجوز ذلك لهما إلَّا بإذن القاضي، كما قاله البغوي وغيره 334.
1196 - قوله: (بخلاف الكبير) 335 قيده في "شرح المهذب" بالرشيد؛ لأنَّه لا ولاية له عليه، فلا بد من إذنه 336.
1197 - قول "التَّنبيه" [ص 61]: (وإن كان عبدٌ بين نَفْسَيْن مختلفي القوت .. فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته، وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد) الأصح: الثالث، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 224]: (بلد المؤدَّى عنه) لكن صحح في "المنهاج" و "التصحيح" و "أصل الروضة" الأوَّل 337، قال شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": وهو غير مستقيم؛ فإن المصحح في كتبه كلها أن العبرة ببلد المؤدَّى عنه.
نعم؛ إذا اعتبرنا بلد المؤدي .. ففيه خلاف، والراجح: ما قال، وقد ذكره هو في "شرح المهذب" والرافعي في "الشرحين" على الصواب، ولكن حصل له في "الروضة" ذهول عن تفريع ذكره الرافعي في آخر كلامه، ثم أخذ من "الروضة" إلى "التصحيح" وإلى "المنهاج" من زياداته.
انتهى 338.
وذكر السبكي نحوه، قال: بل أقول: ولو فرعنا على أن المعتبر قوت الشخص في نفسه، وكان السيدان مختلفي القوت .. فالاعتبار بقوت العبد، وبه صرح صاحب "المرشد"، وقال: فإن كان قوت العبد مختلفاً كقوتهما .. أخرج كل واحد نصف صاع مما يقتاته، وهذه صورة حسنة يمكن تصحيح كلام المصنف بالحمل عليها، وفيها نظر؛ لأنَّه إذا اختلف قوته، ولم يكن غالب .. تخيّر، ومقتضاه: أن يتخير السيدان من غير تبعيض.
انتهى.
1198 - قول "الحاوي" [ص 224]: (وللزوجة فطرتها دون إذنه) أي: يجوز لها ذلك ولو كان موسرًا، بناءً على أنَّها وجبت عليها ثم تحملها الزوج، وكذا كل من فطرته على غيره، لو تكلف
الحديث: 1195 - الجزء: 1 - الصفحة: 501
تحصيلها باستقراض ونحوه وإخراجها .. جاز، بناءً على ما ذكرناه، قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": ويخرج من هذا أن الزوجة مستقلة بإخراج فطرة نفسها، وهي التي تنوي حينئذ، وقضية هذا أن الزوج يحتاج في إخراج فطرتها إلى إذنها، ولم نر من قال به، وهو قوي، ولا سيما فيما إذا كان الزوج كافراً أصلياً أو مرتداً، وكان بعد الدخول؛ فإن النفقة تجب لها في مدة العدة على المذهب، فإذا وجبت زكاة الفطر تبعاً للنفقة .. فإنه يقوي استقلالها؛ لأنها من أهل النية، وكذلك إذا كان القريب مسلمًا حيث تجب نفقته على الكافر.
انتهى.
الجزء: 1 - الصفحة: 502
باب من تلزمه الزّكاة، وما تجب فيه
1199 - قولهم: (شرط وجوب الزكاة: إسلام) 339 أي: شرط وجوب إخراجها، كما صرح به القاضي حسين والمتولي والعمراني وآخرون 340، ولذلك قال الرافعي: الكافر الأصلي غير مُلزَم بالإخراج لا في الحال ولا بعد الإسلام.
انتهى 341.
وأما العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، والأصح: نعم، لكن يشكل على ذلك جمعهم الحرية مع الإسلام؛ فإن الحرية شرط في أصل الخطاب، واحترز "المنهاج" بتقييده بزكاة المال عن زكاة الفطر؛ فإنها قد تلزم الكافر إذا كانت عن غيره كما تقدم.
1200 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وإن كان مرتداً .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تجب، والثاني: لا تجب، والثالث: إن رجع إلى الإسلام .. وجبت، وإن لم يرجع .. لم تجب) الأصح: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" 342، وأشار إليه "المنهاج" بقوله [ص 174]: (وتلزم مرتدًا إن أبقينا ملكه) وقد يفهم عدم اللزوم إن أزلنا ملكه أو وقفنا، وليس مراده، وإنما مراده: أنها موقوفة إن قلنا بوقف ملكه، وهو الصحيح فيهما، وأورد على "التنبيه": أنه تردد كلامه في الردة في إثبات قول زوال الملك، وجزم بإثباته هنا.
1201 - قول "التنبيه" [ص 55]: (لا تجب الزكاة إلا على حر) يرد عليه: المبعّض، فإذا ملك ببعضه الحر نصاباً .. وجبت زكاته في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" و"المنهاج"، وعبر بالأصح 343، وهو أولى من تعبير "الروضة" بالصحيح 344.
فإن مقابله قد قطع به أكثر العراقيين، أو كثير منهم، وجماعة من الخراسانيين، كما في "شرح المهذب" 345.
وأجيب عن "التنبيه": بأن الوجوب لم يلاق إلا البعض الحر، فلم تجب إلا على حر، ويؤيده قول "الحاوي" [ص 214]: (حر ولو بعضاً).
الحديث: 1199 - الجزء: 1 - الصفحة: 503
تنبيهٌ [في اشتراط تمام الملك]
اقتصر "المنهاج" على اشتراطه الإسلام والحرية 346، وزاد "التنبيه": تمام الملك، وقال بعد ذلك: (وما لم يتم ملكه عليه؛ كالدين الذي على المكاتب .. لا تجب الزكاة فيه) 347، وقال النشائي: إذا تأملت ما أورده في "الكفاية" .. لم تجد لما أورده مثالاً مشاركاً مثله، وقد قال في أثناء كلامه: المتفق عليه ما مثل به الشيخ فقط.
انتهى 348.
وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة)، وتعبير "التنبيه" بالدين الذي على المكاتب أعم من تعبير "المنهاج" بمال الكتابة، وضم "الحاوي" إلى الإسلام والحرية شرطين:
أحدهما: كونه معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة، وتجب في الموقوف على معين.
ثانيهما: كونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل 349.
وفي "الكفاية": إن "التنبيه" أخرجه بقوله: (تام الملك)، بل صرح "التنبيه" في (الوقف) بأنه لا يملك بقوله: (وإن وقف على من لا يملك الغلة؛ كالعبد والحمل) 350، ويمكن أن يحترز عنه "المنهاج" بقوله [ص 174]: (وتجب في مال صبي).
1202 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وفي المال المغصوب والضال والدين الذي على مماطل قولان، أصحهما: أنه تجب فيه الزكاة) قال صاحب "المذاكرة": لعل المراد بالمماطل: الممتنع من إيفاء الدين ولم تكن عليه بينة ولا القاضي يعلم به.
انتهى.
فيكون المراد بالممطول به: المجحود، ويوافقه أن "المنهاج" ذكره بدله 351، لكن عبارة "الروضة": إذا تعذر الاستيفاء لإعسار من عليه، أو جحوده ولا بينة، أو مطله، أو غيبته .. فهو كالمغصوب تجب الزكاة على المذهب.
انتهى 352.
فجعل المطل غير الجحود، وهو الظاهر المتعين، ويكون مرادهما: الدين المتعذر الاستيفاء،
الحديث: 1202 - الجزء: 1 - الصفحة: 504
فذكر "التنبيه" نوعاً منه، و"المنهاج" نوعا آخر، كل ذلك على سبيل المثال، وفي "نكت" النشائي: إن كلام "التنبيه" ظاهر في أن القولين في المماطل هما القولان في المغصوب، وليس كذلك؛ فإن العراقيين وغيرهم نسبوا الوجوب في المغصوب للجديد، وكذا في "شرح المهذب"، والمنع للقديم، وأما الدين .. فالقديم: منع الزكاة فيه مطلقاً.
نعم؛ إذا قلنا بالجديد .. جاء في الدين على المماطل القولان.
انتهى 353.
وأسقط "المنهاج" مما في "المحرر" المسروق؛ كأنه رآه داخلًا في الضال، وفي معناه: ما إذا وقع في بحر، قال في "المنهاج" [ص 174]: (ولا يجب دفعها حتى يعود)، وصرح به "الحاوي" أيضًا 354.
1203 - قول "المنهاج" [ص 174]: (وتجب في الحال عن غائب إن قدر عليه) أي: إذا كان المال مستقراً في بلد، فإن كان سائراً .. قال في "العدة": لا يخرج زكاته حتى يصل إليه، فإذا وصل .. زكى الماضي بلا خلاف، قال في "شرح المهذب": وهو الصواب، وما وجدته بخلافه .. فَنَزِّله عليه.
انتهى 355.
وفي "الروضة" وأصلها في الكلام على تأخير الزكاة: إن المال الغائب لا نُوجب إخراج زكاته من موضع آخر 356، وهو مخالف للمذكور هنا، وهما وجهان حكاهما القاضي والروياني 357، قال في "المهمات": والقياس: عدم اللزوم إلا أن يمضي زمان يمكنه المضي إليه فيه.
1204 - قول "المنهاج" [ص 174] و"الحاوي" [ص 219]: (إنه لا زكاة في الدين إن كان ماشية) عللوه: بأن السوم شرط، وما في الذمة لا يوصف به، واستشكله الرافعي: بأن المسلِم في اللحم يذكر أنه من راعية أو معلوفة، فكما يثبتُ في الذمة لحمُ راعية .. فلتثبت الراعية نفسُها 358.
وضعفه القونوي بأن المدعى امتناع اتصافه بالسوم المحقق، وثبوتها في الذمة سائمةً أمر تقديري.
ويرد على اقتصارهما على الماشية: المعشّر في الذمة .. فلا زكاة فيه أيضًا؛ لأن شرطها الزهو في ملكه، ولم يوجد.
الحديث: 1203 - الجزء: 1 - الصفحة: 505
1205 - قول "المنهاج" [ص 174]: (أو غير لازم كمال الكتابة) لو عبر بـ (الدين الذي على المكاتب) كما في "التنبيه" 359 .. لكان أعم، وقد تقدم، واقتصر "الحاوي" على اعتبار لزوم الدين، ولم يذكر مثالًا 360، وألحق ابن الرفعة بمال الكتابة في الجزم بالمنع الثمن في الذمة في مدة خيار المجلس لهما أو للمشتري وحده، بسبب إجازة البائع إذا قلنا: الملك فيه للبائع؛ لأنه دين، ويقدر المشتري على إسقاطه، والبائع عاجز عن التصرف التام، قال: ويجوز أن يجب؛ لأنه يؤول إلى اللزوم.
1206 - قول "المنهاج" [ص 174]: (إنه تجب الزكاة في الدين إذا كان عرضاً في الجديد) وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 55]: (كالدين الذي على المكاتب) ومن قول "الحاوي" [ص 218]: (ولا في دين الحيوان) وكذا في بقية كتب الرافعي والنووي، تبعاً للبغوي 361، وسوى في "التتمة" بين العروض والماشية، فقال: إذا كان غير النقد من الثياب والطعام والنعم .. فلا خلاف أنه لا زكاة فيه؛ فإن الثياب تجب فيها الزكاة للتجارة، وما في الذمة لا يتصور فيه التجارة.
1207 - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص 174]: (المذهب: أنه كمغصُوب) أي: فتجب زكاته في الأظهر، لكن لا يجب دفعها حتى يقبضه، كذا في كتب الرافعي والنووي 362، ويوافقه قول "المنهاج" عقبه [ص 174]: (وقيل: يجب دفعها قبل قبضه)، وقال السبكي: ينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان على مليٍّ مقرٍ ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ: متى حل .. وجب الإخراج قبض أو لم يقبض، وتبعه على ذلك شيخنا في "المهمات"، فقال: إن التعبير بالقبض غير مستقيم، والصواب: التعبير بالحلول.
1208 - قول "المنهاج" [ص 174]: (ولا يمنع الدين وجوبها في أظهر الأقوال) محل الخلاف: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان .. لم يمنع قطعاً عند الجمهور، وتردد فيه الشيخ أبو محمد، ولا يدخل فيمن عليه دين الضامن؛ فإنه لم يثبت عليه للمضمون له مال، وإنما له عليه حق المطالبة والإبراء، ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد" ثم قال: ويحتمل ثبوته في ذمته، ولكن لا تثبت له جميع أحكام الديون من وجوب الزكاة فيه وغيره 363.
الحديث: 1205 - الجزء: 1 - الصفحة: 506
1209 - قوله: (والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض) 364 أهمل من المال الباطن: الركاز، وقد ذكره "التنبيه" والجمهور 365، ولم يذكره "المنهاج" هنا؛ لاندراجه في النقد، لكنه منتقض بالمعدن، وأهملا معاً زكاة الفطر، وهي من الباطنة أيضًا على الأصح.
1210 - قوله: (فعلى الأول: لو حجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب) 366 محله: ما إذا لم يعين الحاكم لكل غريم عيناً على ما يقتضيه التقسيط ويمكنه من أخذها، فإن عين لذلك، فحال الحول ولم يأخذوها .. فلا زكاة على المذهب، حكاه الرافعي هنا عن قطع المُعْظَم، وقال في (التفليس): إنه أظهر القولين 367، وهو وارد على إطلاق "الحاوي" أيضاً أن الدين لا يمنع الزكاة 368، لكن قال السبكي: ما نقل عن المعظم ظاهر إذا كان ماله من جنس الدين، وعزل لكل غريم قدر دينه، أما إذا كان من غيره: فكيف تمكنه من أخذه دون بيع أو تعويض؟ قال في "المهمات": وقد صورها بذلك الشيخ أبو محمد في "السلسلة".
1211 - قول "التنبيه" [ص 61]: (وإن كان هناك - أي: مع الزكاة - دين آدمي .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تقدم الزكاة)، هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 369، ثم هنا أمور:
أحدها: أنه يدخل في الزكاة: زكاة الفطر، فحكمها كزكاة المال على الصحيح، بل الأقوال جارية في اجتماع حق الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج وجزاء الصيد والكفارة والنذر، كما صرح به في "شرح المهذب" 370.
ثانيها: أن ظاهر كلامهم: جريان الأقوال وإن كان المال الزكوي باقياً، وهو الذي في "الروضة" وأصلها هنا، لكن في زكاة المعشرات والأيمان ترجيح القطع بتقديم الزكاة عند بقاء المال الزكوي 371، وصوبه في "المهمات".
ثالثها: يستثنى من هذه القاعدة: اجتماع الجزية والدين؛ فإن الأصح: استواؤهما، مع أن الجزية حق الله تعالى.
الحديث: 1209 - الجزء: 1 - الصفحة: 507
رابعها: خرج بدين الآدمي: دين الله تعالى؛ كالكفارة ونحوها، قال السبكي: والوجه فيه أن يقال: إن كان النصاب موجوداً .. قدمت الزكاة، وإلا .. فيستويان.
خامسها: خرج بتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالتركة: ما إذا اجتمعا على حي، وضاق ماله عنهما، وهو مفهوم من "التنبيه" أيضًا؛ فإنه صور المسألة بالموت، وحكمه: أنه إن كان محجوراً عليه .. قدم حق الآدمي قطعاً، ويؤخر حق الله تعالى ما دام حياً، وإن لم يكن محجوراً عليه .. قدمت الزكاة جزمًا، ذكر الرافعي حكم المحجور في (الأيمان)، وحكم غيره هنا؛ فإنه جعله أصلاً، وقاس عليه تقديم الزكاة هنا 372، لكن صرح القاضي أبو الطيب في المحجور في حال الحياة بأقوال، ثالثها: تقديم السابق، وفي "المهمات" عن "شرح المختصر" لابن أبي هريرة تعليق أبي على الطبري عنه: الجزم بجريان الأقوال في الحياة، والتوقف في إجرائها بعد الموت، وهو غريب، وذكر شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه" في (الأيمان): أن المذكور هناك من القطع بتقديم حق الآدمي محله: فيما كان من حق الله على التراخي؛ ككفارة اليمين حيث لا تعدي يقتضي الفورية، وقطع بتقديم الزكاة ونحوها مما هو على الفور، واستشهد على ذلك بكلام الرافعي المذكور هنا، وحمله على المحجور، وتردد في غير المحجور في الحياة؛ هل يتخير أو يقدم الزكاة أو تجري الأقوال؟ والله أعلم.
سادسها: هذه المسألة مفرعة على أن الدين لا يمنع الزكاة، كما في "الروضة" وأصلها 373، لكن قال السبكي: لا يتعين ذلك، بل إذا حدث الدين بعد وجوب الزكاة .. جرت الأقوال.
1212 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وفي الأجرة قبل استيفاء المنفعة قولان، أصحهما: أنه تجب فيها الزكاة) فيه أمران:
أحدهما: كذا حكى الخلاف في نفس الوجوب، وهي طريقة طائفة من العراقيين، وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: الوجوب ثابت قطعًا، وإنما الكلام في كيفية الإخراج، قال الرافعي والنووي: وهذا مقتضى كلام الأكثرين 374.
ثانيهما: لم يتعرض للإخراج والأداء، وذكره "الحاوي" فقال [ص 219]: (وتقرر الأجرة شرط لوجوب الأداء)، و"المنهاج" وأوضح المسألة بمثالها، فقال [ص 175]: (ولو أكرى داراً أربع سنين بثمانين ديناراً وقبضها .. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقر، فيخرج عند تمام السنة الأولى زكاة عشرين ... إلى آخره) وللرافعي على هذا استدراك صحيح نقله عن
الحديث: 1212 - الجزء: 1 - الصفحة: 508
القاطعين بالوجوب، أسقطه من "الروضة"، تقريره: أن الزكاة تتعلق بالمال تعلق شركة على الصحيح، فانتقل للفقراء من العشرين التي لم يخرج زكاتها في السنة الأولى؛ لعدم استقرار الأجرة نصف دينار، فلم يحل الحول الثاني على عشرين كاملة، بل ناقصة نصف دينار، فتسقط حصة ذلك، وكذا قياس السنة الثالثة والرابعة، وقد ظهر بذلك أن هذا الحكم مفرع على ضعيف؛ فإن الأظهر: تعلق الشركة، ومحل ذلك أيضاً: إذا كان الإخراج من غيره، فإن كان من عينه .. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه 375.
الجزء: 1 - الصفحة: 509
بابُ أداء الزّكاة
1213 - كذا ترجم في "الروضة" 376، وهو أحسن من ترجمة "المنهاج" بقوله [ص 175]: (فصل) لأنه لا يظهر اندراج أحكامه في الباب المتقدم، وهو (باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه) 377.
1214 - قول "المنهاج" [ص 175]: (تجب الزكاة على الفور إذا تمكن، وذلك بحضور المال والأصناف) هو معنى قول "التنبيه" في (قَسْم الصدقات) [ص 61]: (ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها .. لم يجز له تأخيرها، فإن أخرها .. أثم وضمن) ويستثنى من كلامهما مسائل:
إحداها: أن له التأخير لانتظار قريب أو جار، لكن يضمن لو تلف المال على الأصح فيهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 219]: (ولو انتظر القريب والجار .. جاز وضمن) وفي معنى ذلك: ما لو انتظر الأحوج، أو الأصلح، أو أخر لطلب الأفضل؛ بأن وجد السلطان .. فأخر ليفرق بنفسه حيث جعلناه أفضل، أو عكسه حيث جعلناه أفضل، لكن قال الإمام: له شرطان:
أحدهما: أن يظهر استحقاق الحاضرين، فإن تردد في استحقاقهم فأخر ليتروى .. جاز بلا خلاف.
الثاني: ألاَّ يشتد ضرر الحاضرين وَفَاقَتُهم، فإن تضرروا بالجوع .. لم يجز التأخير للقريب وشبهه بلا خلاف 378.
قال الرافعي: وفي هذا الشرط الثاني نظر؛ فإن إشباعهم لا يتعين على هذا الشخص، ولا من هذا المال، ولا من مال الزكاة 379.
قال النووي: هذا النظر ضعيف أو باطل 380.
الثانية: زكاة الفطر؛ فإنها تجب بغروب ليلة العيد، وله التأخير إلى غروب يومه.
الثالثة: قد يستثنى المعدن، فتجب زكاته بوجوده في الأصح، وله التأخير إلى الطحن والتصفية.
الرابعة: المعشر، فتجب زكاته بالزهو واشتداد الحب، وله التاخير إلى الجفاف والتصفية، وقد يجاب عن هاتين الصورتين: بأنه قبل التصفية والجفاف غير قادر؛ فإنها لا تجزئ حينئذ، إلا
الحديث: 1213 - الجزء: 1 - الصفحة: 510
إن دفع من غيره جافًا وخالصًا، وتعبير "الحاوي" [ص 219] (بحضور المال والمصروف إليه) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 175] بـ (الأصناف) لتناول المصروف إليه: الإمام، والساعي؛ فهو أعم، وأهملا للتمكن شرطاً آخر، ذكره البغوي وغيره، وهو: ألَّا يكون مشتغلًا بأمر مهم ديني أو دنيوي؛ كالصلاة وأكل ونحوهما 381، وتعبير "التنبيه" أحسن من تعبير "المنهاج" من وجه؛ إذ ليس في عبارة "المنهاج" الإفصاح عن كون اعتبار ذلك إنما هو بعد حولان الحول، وذلك مفهوم من قول "التنبيه" [ص 61]: (ومن وجبت عليه الزكاة) فإنها إنما تجب بعد الحول.
1215 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) 382 أورد بعضهم عليه: السفيه؛ فإنه لا يفرق بنفسه.
وجوابه: أن تفرقة وليه كتفرقته بنفسه.
1216 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وكذا الظاهر على الجديد) 383 محل الخلاف: ما إذا لم يطلبها الإمام، فإن طلب زكاة الظاهر .. وجب دفعها إليه بلا خلاف، قاله في "الروضة" 384، لكن في "الشافي" للجرجاني: في وجوب الدفع إليه قولان، ثم قال: وقيل: إن طلبها .. وجب قطعًا.
انتهى.
ومقتضاه: طرد الخلاف مع الطلب، وبالمنع مع الطلب، قال القاضي أبو الطيب: وفي "البحر" وجهان في أنه هل له مطالبة من يعلم أنه يؤديها بنفسه أم لا؟ 385 قال في "المهمات": فتحصّلنا على ثلاثة أوجه.
1217 - قولهم: (ويجوز أن يدفع إلى الإمام) 386 في معنى الإمام: نائبه، وهو الساعي.
1218 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وفي الأفضل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يفرق بنفسه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام، والثالث: إن كان الإمام عادلاً .. فالأفضل: أن يدفع إليه، وإن كان جائراً .. فالأفضل: أن يفرق بنفسه) فيه أمور:
أحدها: أن الأصح: الثالث، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 387، وصحح في "شرح
الحديث: 1215 - الجزء: 1 - الصفحة: 511
المهذب": أن الدفع إليه أفضل إن كانت ظاهرة مطلقًا، فإن كانت باطنة .. فيفرق بين أن يكون عادلاً أم لا 388.
ثانيها: أنه حكى هذا الخلاف أوجها، وحكاه "المنهاج" أقوالاً، فقال [ص 175]: (والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل، إلا أن يكون جائرًا) وعبارة "الروضة" تقتضي أن الخلاف في الباطنة وجهان، وفي الظاهرة طريقان؛ فإنه قال: إن كانت باطنة .. فأصح الوجهين عند الجمهور، وبه قطع الصيدلاني: أن الدفع إليه أفضل، وإن كانت ظاهرة .. فالمذهب: أن الدفع إليه أفضل، وبه قطع الجمهور، وطرد الغزالي فيه الخلاف، ومحل أفضلية الدفع إليه: هو إذا كان عادلاً، فإن كان جائراً .. فأصح الوجهين: أن التفريق بنفسه أفضل، والثاني: أنه كالعادل 389.
وذكر شيخنا ابن النقيب: أن ظاهر "المنهاج" الجزم بتفضيل التفرقة بنفسه إذا كان الإمام جائرًا 390.
وفيه نظر؛ فالظاهر: أن الاستثناء في قوله: (إلا أن يكون جائراً) داخل تحت الأظهر أيضاً، فيكون من محل الخلاف، كما صرح به غيره.
ثالثها: لم يحك "التنبيه" هذه الأوجه إلا في المال الباطن، وسكت عن المال الظاهر، وظاهر "المنهاج" حكاية الخلاف فيهما معاً، وهو كذلك.
رابعها: قال الماوردي: المراد بالعادل: العدل في الزكاة وإن جار في غيرها، وكذا في الجور، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 391، وظاهره: تفسير كلام الأصحاب في المراد بالعدل والجور هنا، وعلل الماوردي منع الدفع إلى الجائر: بانه لا يصل الحق إلى المستحق 392، ومقتضاه: أنه لو علم أنه يصل .. دفع، وهو ما صرح به في (قسم الصدقات)، وهذا يقتضي أن المراد به: الجائر في إيصال تلك الزكاة بخصوصها لا في مطلق الزكاة، وهذا أخص من الأول، واقتضى كلام السبكي: أن كلام الماوردي المتقدم وجه في المسألة؛ فإنه جمع في الدفع إلى الجائر أربعة أوجه: الجواز، والوجوب، والمنع، والتفصيل بين الجائر في الزكاة وغيرها.
1219 - قول "المنهاج" [ص 175]: (وتجب النية، فينوي: "هذا فرض زكاة مالي"، أو "فرض صدقة مالي"، ونحوهما) يقتضي اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، فلو
الحديث: 1219 - الجزء: 1 - الصفحة: 512
نوى الزكاة دون الفرضية .. أجزأه على المذهب، بخلاف نية الصدقة بدون الفرضية .. فإنه لا يجزئ؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 220]: (وينوي بالقلب الزكاة أو الصدقة الفرض) فقيد الصدقة بالفرض دون الزكاة، وقد استدرك ذلك النووي في "التصحيح" على قول "التنبيه" [ص 62]: (ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة)، فقال: الأصح: أنه إذا نوى الزكاة فقط .. أجزأه، وتبعه على ذلك شيخنا الإسنوي 393، ولا حاجة لاستدراكه؛ فقد ذكره أولًا في قوله: (زكاة ماله)، فدل على أنه مخير في نية الوجوب.
1220 - قول "المنهاج" [ص 175]: (ولو عيَّن .. لم يقع عن غيره) محله: ما إذا لم ينو أنه إن بأن ذلك المنوي عنه تالفاً .. فعن غيره، فإن نوى ذلك فبان تالفًا .. وقع عن الآخر، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 220]: (إلا إذا صرَّح أن يسترد حينئذ، أو أن يقع عن الآخر)، قال الرافعي: وتجويز الإخراج عن الغائب جعله الكرخي جواباً على جواز نقل الصدقة، ويصح تصويره بما أشار إليه في "الشامل"، وهو أن تفرض الغيبة عن المنزل لا عن البلد 394.
قال في "المهمات": وهذا خروج عن ظاهر اللفظ ولا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا كان ماله الغائب في موضع ليس فيه فقراء، وكان الموضع الذي هو فيه أقرب موضع إليه.
1221 - قول "المنهاج" [ص 175]: (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) ضم إليهما في "شرح المهذب" السفيه، وحكى الاتفاق على ذلك 395، وقال السبكي: فيه نظر، وصرح بمسالة السفيه الجرجاني في "الشافي"، وقال ابن الرفعة: قضية تعليل منع نية الصبي بأنه ليس أهلاَ للنية: اعتبار نية السفيه، قال: وفي الاعتداد بنيته نظر، وهذا يقتضي أنه لم يظفر فيه بنقل، وقد عرفت أنه منقول، ولعل إطلاق "الحاوي" نية الولي تشمله 396.
1222 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن دفع إلى وكيله ونوى الوكيل ولم ينو رب المال .. لم يجزه) يستثنى منه: ما إذا فوّض النية إلى الوكيل، فنوى الوكيل عند التفرقة .. فإنه يجزئ، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 220]: (أو الوكيل إن فوض النية إليه).
1223 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن نوى رب المال ولم ينو الوكيل .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الإجزاء، ومحل الخلاف: ما إذا كانت نية المالك عند الدفع للوكيل، فإن كانت نيته عند تفرقة الوكيل .. أجزأ قطعا.
الحديث: 1220 - الجزء: 1 - الصفحة: 513
وقد ذكر "المنهاج" التصحيح ومحل الخلاف، فقال [ص 176]: (وتكفي نية الموكِّل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) ولذلك أطلق "الحاوي" نية الموكل 397، وأصل هذا الخلاف: أنه هل يجب اقتران النية بالدفع للمستحقين أم يجوز قبله؛ والأصح: الثاني، والمسألة في "التنبيه"، قال [ص 62]: (ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، وقيل: لا يجوز)، وكذا قال "الحاوي" [ص 220]: (وإن تقدمت على الأداء)، وقال ابن الرفعة: محل تقديم النية: أن ينوي عند العزل، أما قبله .. فقال الماوردي: لا يجزئه قطعاً؛ لأنها حينئذ قصد لا نية، وفي كلام القفال ما ينازع فيه، وفي "شرح المهذب" أن المتولي وغيره شرطوه، وأشار إليه الماوردي والبغوي، وألحق في "الكفاية" الكفارة المالية بالزكاة في ذلك، ونقله في "شرح المهذب" عن ظاهر النص، وصوبه 398، ولكن في "الروضة" وأصلها في أول كفارة الظهار تصحيح المنع 399.
1224 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ولو دفع إلى السلطان .. كفت النية عنده) كذا حكم النية عند الدفع إلى الساعي.
1225 - قوله: (فإن لم ينو .. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) 400 عبر في "الروضة" بالأصح 401، وهو أولى لقوة مقابله؛ فإن جماعةً جزموا به وآخرين صححوه، وهو ظاهر نصه في "المختصر" 402.
1226 - قوله: (والأصح: أنه تلزم السلطان النية إذا أخذ زكاة الممتنع) 403 محله: إذا لم ينو الممتنع عند الأخذ منه قهرًا، فإن نوى .. كفى وبرئ ظاهراً وباطنًا، ولعل تسمية هذا ممتنعاً إنما هو باعتبار امتناعه السابق، وإلا .. فقد صار بنيته غير ممتنع.
1227 - قوله: (وأن نيته تكفي) 404 محل الخلاف في الاكتفاء بها: في إسقاط الفرض باطناً، أما الاكتفاء بها ظاهراً .. فلا خلاف فيه، أما إذا لم ينو الإمام ولا المأخوذ منه .. لم يبرأ باطناً، وكذا ظاهراً في الأصح.
الحديث: 1224 - الجزء: 1 - الصفحة: 514
باب تعجيل الزّكاة
كذا بوب في "الروضة" 405، وهو أولى من ترجمة "المنهاج" عنه ب (فصل) 406؛ لأنه لا يظهر اندراجه في التبويب المتقدم كما تقدم في الفصل قبله.
1228 - قول "المنهاج" [ص 176]: (لا يصح تعجيل الزكاة على ملك النصاب) محله: في الزكاة العينية، فأما في زكاة التجارة: فإنه إذا اشترى عرضاً للتجارة بمئة مثلاً، وهو لا يملك غيرها، وهو يساوي دون مائتين، فعجل زكاة مئتين، فحال الحول وقيمته مئتان .. أجزأه المعجل على المذهب، بناء (على المذهب) أن النصاب إنما يعتبر آخر الحول، وهذا وارد أيضًا على مفهوم قول "التنبيه" [ص 61، 62]: (وكل مال تجب الزكاة فيه بالحول والنصاب .. جاز تقديمها على الحول) فإن مفهومه منع تقديمها على النصاب، فيستثنى منه هذه المسألة، وقد ذكرها "الحاوي" مع مسألة أخرى فقال [ص 221]: (والمُعجّل يجزئ إن انعقد حوله ولو قبل نصابه؛ كمال التجارة، وشاتين في مئة بنتاجها تم نصابهما).
وصورة الثانية: ما إذا ملك مئة من الغنم، فعجل عنها شاتين، ثم بلغت قبل الحول مئة وإحدى وعشرين بنتاجها، وما ذكره فيها من الإجزاء صححه الغزالي 407، لكن نقل الرافعي والنووي عن الأكثرين عدم الإجزاء 408، فخالف "الحاوي" ما عليه المعظم خلاف شرطه، ثم إن عبارته تقتضى إجزاء التعجيل قبل النصاب مطلقًا، وأن ذلك لا يختص بهاتين الصورتين، وإنما هما مثال، وليس كذلك.
1229 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ويجوز قبل الحول) أي: قبل تمامه، وكذا قول "التنبيه" [ص 62]: (جاز تقديمها على الحول) أي: على تمامه، وقول "الحاوي" [ص 221]: (إن انعقد حوله) أي: بعد الدخول فيه وقبل تمامه.
1230 - قول "المنهاج" [ص 176]: (ولا تعجَّل لعامين في الأصح) الخلاف في العام الثاني، فيجزئ في العام الأول كما صرح به الإمام 409، قال في "المهمات": وهو مسلّم مع تمييز حصة كل سنة، فإن لم يميز .. فينبغي ألا يجزئ؛ لأن المجزئ عن خمسين شاة مثلاً إنما هو: شاة كاملة، لا مشاعة ولا مبهمة، وهنا ليست كذلك.
انتهى.
الحديث: 1228 - الجزء: 1 - الصفحة: 515
ولا يختص الخلاف بعامين، بل يجزئ فيما زاد أيضًا حتى لو ملك خمسين شاة، فعجل عشرة لعشرة أعوام .. جاء الخلاف، ونقل في "المهمات" عن الأكثرين تصحيح الجواز، وقال: إن ما صححه الرافعي والنووي من المنع لم نجد من سبقهما إليه غير البغوي 410.
1231 - قوله عطفاً على الصحيح: (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الحب قبل اشتداده) 411 محل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله: فيمتنع قطعاً.
1232 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن هلك الفقير أو استغنى من غير الزكاة قبل الحول .. لم يجزئه عن الفرض) يتناول ما إذا طرأ له بعد الغنى فقر، وحال عليه الحول، وهو فقير، والأصح في هذه الصورة: الإجزاء؛ ولهذا اعتبر "المنهاج" كون القابض في آخر الحول مستحقًّا، و"الحاوي" وجود شروط الإجزاء وقت وجوبه 412.
1233 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا يضر غناه بالزكاة) 413 فيه أمران: أحدهما: أنه يتناول استغناءه بهذه الزكاة المعجلة وبغيرها من الزكوات، لكن قال السبكي: إن استغناءه بزكاة أخرى كاستغنائه بغير الزكاة، كما يشير إليه كلام الأصحاب، قال: ولم أر من صرح به إلا الفارقي في كلامه على "المهذب"، واستشكله السبكي بما إذا كانتا معجلتين واتفق حولهما؛ إذ ليس استرجاع إحداهما بأولى من الأخرى، ثم قال: والثانية أولى بالاسترجاع، وكلام الفارقي يشعر باسترجاع الأولى، ولو كانت الثانية واجبة .. فالأولى هي المسترجعة، وعكسه بالعكس.
انتهى.
وقد يقال: لم تتناول عبارته زكاة أخرى، واللام في عبارته للعهد، والمراد: الزكاة التي قبضها معجلة.
ثانيهما: قد تفهم عبارته أنه إذا استغنى بها وبغيرها .. أنه يضر، وبه جزم الجرجاني في "الشافي"، لكن الذي جزم به الرافعي والنووي: أنه لا يضر 414، وقد يقال: مراد "المنهاج" باستغنائه بالزكاة: أن يكون لها مدخل في صيرورته غنياً وإن لم يكن غناه بها وحدها.
1234 - قول "المنهاج" [ص 176]: (والأصح: أنه إن قال: " هذه زكاتى المعجلة" فقط .. استرد) محل الخلاف: ما إذا دفعها المالك، فإن دفعها الإمام .. استرد قطعاً؛ إذ لا يمكن جعله تطوعاً، قال الرافعي: لكن لو لم يعلم أنه زكاة غيره، فيجوز أن يقال: لا يسترد على وجه،
الحديث: 1231 - الجزء: 1 - الصفحة: 516
ويضمنه الإمام للمالك لتقصيره، وصرح بذلك في "الشرح الصغير" أيضًا، فقال: إنما يسترد إذا علم القابض أنها زكاة غيره، وإلا .. فيجيء فيه وجه 415.
وتقييد محل الخلاف بما ذكرته مفهوم من قول "المنهاج": (زكاتي) فإن الإمام لا يضيفها إلى نفسه، وإطلاق "التنبيه" و"الحاوي" الاسترجاع عند البيان يتناول المالك والإمام؛ فإنهما لم يحكيا خلافًا 416.
1235 - قول "التنبيه" [ص 62]: (واسترجع إن كان قد بين أنها زكاة معجلة) كذا إذا علمه القابض، وإن لم يكن ببيان من الدافع؛ ولهذا رتب "الحاوي" الحكم على علم المستحق 417، وهو مفهوم من قول "المنهاج" [ص 176]: (إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد).
1236 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 176]: (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل ولم يعلمه القابض .. لم يسترد) مخالف لتعبيره عنه في "الروضة" بالمذهب 418، ووقع في "شرح المهذب" أن الرافعي رجح الرجوع 419، وهو سبق قلم، قال السبكي: وعلم القابض إنما يؤثر إذا اقترن بالقبض، فإن تجدد بعده .. فلم أر فيه تصريحًا، والأقرب: أنه كالمقارن، وفي كلام الشيخ أبي حامد والإمام ما يوهم خلافه.
1237 - قوله: (وأنهما لو اختلفا في مُثْبِتِ الاسترداد .. صُدَّقَ القابض بيمينه) 420 موافق لتصحيح "الروضة"، لكنه صحح في "شرح المهذب": تصديق الدافع 421، ويستثنى من الخلاف: ما إذا ادعى المالك علم القابض بالتعجيل، وأنكر القابض، وما إذا قال المالك: قصدت التعجيل، وفرعنا على إثبات الرجوع عند الدفع ساكتًا، وأنكر القابض .. فالمصدق في الأولى القابض، وفي الثانية المالك بلا خلاف فيهما مع اختلافهما في مثبت الاسترداد.
1238 - قوله: (والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) 422 محله: في المتقوم، أما المثلي .. فيضمن بالمثل؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 222]: (وقيمته يوم القبض إن تلف متقوماً) وصحح
الحديث: 1235 - الجزء: 1 - الصفحة: 517
السبكي: الضمان بالمثل مطلقًا، وعزاه إلى ظاهر النص.
1239 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 177]: (وأنه إن وجده ناقصاً .. فلا أرش) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح 423، فدل على ضعف مقابله، ومحل ذلك: في نقص الصفة؛ كالمرض والهزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين .. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا، وهذا وارد أيضًا على إطلاق قول "الحاوي" عطفاً على المنفي [ص 222]: (وأرش نقصٍ).
1240 - قول "المنهاج" عطفاً على الأصح [ص 177]: (وأنه لا يسترد زيادةً منفصلة) مخالف لتعبير"الروضة" عنه بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعي، ثم قال: وقيل: وجهان 424.
قال البغوي وغيره: وهذا فيما إذا كان القابض حال القبض مستحقاً، أما لو بأن أنه كان حينئذ غنيًا، أو عبداً، أو كافراً .. استرده بزوائده كلها، وبأرش نقصه بلا خلاف 425 وإن كان عند الحول مستحقاً؛ لفساد القبض، قال الإمام: ومحل عدم الرجوع بالزيادة المنفصلة وأرش النقص: ما إذا وُجِدا قبل حدوث سبب الرجوع، فإن وجدا بعده .. رجع بهما 426، وهذان واردان على إطلاق "الحاوي" أيضاً.
1241 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف الإمام الزكاة من غير مسألة الفقراء فهلك في يده .. ضمنها) يدخل في مسألة الفقراء سؤالهم إذا كانوا رشداء، وسؤال أوليائهم إذا لم يكونوا رشداء، فإن كان الإمام ولي غير الرشيد .. فحاجته مغنية عن السؤال، فيقع الموقع، ولا ضمان؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 221]: (وقبضه بلا سؤال المستحق وحاجة الطفل) فجعل حاجة الطفل كسؤال المستحق، وهو محمول على الطفل الذي هو محجوره، فإن كان محجور غيره .. فلا بد من سؤال وليّه، كما قدمته، ويستثنى من كلامهما: ما إذا بقي المالك بصفة الوجوب إلى آخر الحول .. فإنه يجزئ، ويكون كأنه أخرجها عند الحول، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وقال القاضي الحسين: إن القفال أجاب به ثانياً.
1242 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف بمسألة الفقراء .. فهو من ضمانهم) أراد بالفقراء: جميع أصناف الزكاة؛ أي: طائفة من كل صنف؛ ولهذا عبر "الحاوي" بالمستحق كما تقدم 427، وقال بعضهم: يجوز أن يحمل كلام "التنبيه" على حقيقته؛ لأن للإمام دفع زكاة الواحد
الحديث: 1239 - الجزء: 1 - الصفحة: 518
لواحد من الأصناف الثمانية، ذكره في "المهمات".
1243 - قوله: (وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال .. فهو من ضمانهم) 428 محله: ما إذا لم يفرط الإمام، فإن فرط .. فهو من ضمانه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 221]: (وضمن الإمام من ماله إن فرط أو أخذ بلا سؤال).
1244 - قول "التنبيه" [ص 62]: (وإن تسلف بمسألة الجميع .. فقد قيل: إنه من ضمان الفقراء، وقيل: من ضمان أرباب الأموال) الأصح: الأول، وهو مأخوذ من مفهوم قول "الحاوي" [ص 221]: (وقبضه بلا سؤال المستحق) فإن مفهومه الإجزاء إذا كان بسؤال المستحق ولو انضم إليه سؤال المالك.
قال صاحب "المعين": ومحل الخلاف: ما إذا نوى الإمام عند أخذها النيابة عن الجميع، فلو نوى عن أحدهما .. كان من ضمان من عينه بالنية قطعًا، واعلم: أن الساعي في جميع ما ذكرناه كالإمام، والكلام في التلف قبل الحول، أما بعده .. فلا ضمان إلا أن يكون بتفريط الإمام، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 221]: (لا إن تلف قبله) أي: قبل الحول.
1245 - قول "المنهاج" [ص 177]: (وتأخير الزكاة بعد التمكن يوجب الضمان وإن تلف المال) فيه أمر ان:
أحدهما: ليس المراد بالضمان: ما يتبادر إلى الفهم من ضمان القيمة، وإنما المراد: استمرار وجوب ما كان واجباً قبل ذلك.
ثانيهما: في جعل التلف غاية نظر؛ فإن ذلك هو محل الضمان، وأما قبل التلف .. فيقال: وجب الأداء، ولا يحسن فيه القول بالضمان، فكان ينبغي إسقاط الواو، وقد عبر "التنبيه" و"الحاوي" بالضمان، لكنهما لم يجعلا التلف غاية، بل أطلقا الضمان 429، ومحله: عند التلف.
1246 - قول "المنهاج" [ص 177]: (ولو تلف بعضه .. فالأظهر: أنه يَغْرَمُ قسط ما بقِيَ) فيه أمران:
أحدهما: أنه لو احترز عن لفظ الغرم، وعبر باللزوم .. لكان أحسن، وعبارة "المحرر": (يبقى قسط ما بقي) 430، لكنه عبر بالغرم قبل ذلك.
ثانيهما: أنه لم يبين هل المغروم قسط من النصاب أو المال؟ وهو مبني على أصل أسقطه
الحديث: 1243 - الجزء: 1 - الصفحة: 519
"المنهاج"، وذكره "التنبيه" فقال [ص 56]: (وفي الأوقاص التي بين النصب قولان، أحدهما: إنه عفو، والثاني: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع) والأظهر: الأول، فعلى هذا يكون القسط من النصاب، فلو ملك تسعًا من الإبل، فهلك منها أربع بعد الحول وقبل التمكن، وفرعنا على أن التمكن شرط في الضمان، وأن الوقص عفو، وهو الأظهر فيهما .. وجب شاة، وإن لم نجعله عفواً .. وجب القسط من جميع المال، فتجب خمسة أتساع شاة، وقد عبر "الحاوي" بقوله [ص 219]: (وما تلف قبله لا الوقص .. سقط) فسلم من الأمرين.
1247 - قول "التنبيه" [ص 55]: (وهل تجب في أعيانها أو في الذمة؟ قولان) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 177]: (وهي تتعلق بالمال تعلق الشركة) و"الحاوي" فقال [ص 220]: (والمستحق شريك بالواجب من جنسه، وبقدر قيمته من غير جنسه) وهذا كالشرح لتعلق الشركة الذي في "المنهاج".
1248 - قول "المنهاج" [ص 177]: (وفى قولٍ: تَعَلُّقَ الرَّهن) قد يفهم أن جميع المال مرهون، والأصح: أن المرهون قدر الزكاة فقط.
1249 - قول "التنبيه" تفريعاً على الأظهر [ص 55]: (فإن لم يخرج منه شيء .. لم يجب في السنة الثانية زكاة) فيه أمور:
أحدها: أن صورة المسألة: أن يكون المال قدر النصاب فقط من غير زيادة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 220]: (ولو تكرر الحول في نصاب فقط .. لم يتكرر الوجوب).
ثانيها: أن منطوقه تناول مسألتين:
إحداهما: إذ لم يخرج الزكاة أصلاً، وإنما لم تجب في الثانية؛ لأن الفقراء ملكوا قدر الزكاة، فبقي على ملكه دون النصاب، ولا تأثير لخلطتهم.
الثانية: إذا أخرج من غيره، وما اقتضاه كلامه فيها من عدم الوجوب في السنة الثانية هو أظهر القولين عند العراقيين؛ لأن ملكه زال عند الحول عن قدر الزكاة، ثم عاد بالإخراج من غيرها، فانقطع الحول؛ لنقص المال عن النصاب، ومقتضى هذا التعليل: أنه لو عجل الإخراج قبل الوجوب، أو أخرجها حالة الوجوب .. لم ينقطع الحول، ووجبت الزكاة في الثانية.
وما حكيته عن العراقيين هو في "الروضة" وأصلها في الخلطة فيما لو ملك أربعين شاة ستة أشهر، ثم باع نصفها مشاعاً - وفرعنا على المذهب: أن الحول لا ينقطع؛ لاستمرار النصاب بصفة الانفراد ثم بصفة الاشتراك - فأخرج البائع بعد مضي ستة أشهر من يوم الشراء نصف شاة من غير المشترك، وفرعنا على الأظهر، وهو: تعلق الزكاة بالعين، فهل ينقطع حول المشترى؟ قالا هناك: فيه قولان، أظهرهما عند العراقيين: الانقطاع، ومأخذهما: أن إخراج الزكاة من موضع
الحديث: 1247 - الجزء: 1 - الصفحة: 520
آخر يمنع زوال الملك عن قدر الزكاة، أو يفيد عوده بعد الزوال.
انتهى 431.
وكلام "الكفاية" ينازع في الصورة الثانية، وقال: إنه لو أخرج من غير المال .. وجبت في السنة الثانية بلا خلاف، وفي نفي الخلاف نظر؛ لما عرفته، وعبارة "الحاوي" المتقدمة موافقة "للتنبيه" أيضاً؛ لإطلاقه أنه لا يتكرر الوجوب.
ثالثها: الصورة الخارجة بمفهوم "التنبيه" و"الحاوي" - وهي أن يخرج الزكاة منه، فلم يتكرر الحول في نصاب - لا زكاة فيها أيضًا؛ لعدم مقتضى الزكاة فيها، وهو ملك النصاب تاما حولاً كاملاً، فهي أولى بعدم الوجوب؛ لنقص النصاب حساً، وهذه من مفهوم الموافقة، وقد ظهر بذلك أنهما لو حذفا التقييد .. لكان أولى؛ لعدم وجوب الزكاة في جميع الصور، وإن أخذنا بما في "الكفاية" في الصورة الثانية .. فكان ينبغي لـ "التنبيه" أن يقول: (فإن لم يخرج من غيره شيء .. لم تجب في السنة الثانية زكاة)، ولـ"الحاوي" أن يقول: (إلا أن يخرج من غيره).
واعلم: أن الأصحاب لم يفرقوا في الشركة بين الدين والعين، فيترتب على ذلك أمور مهمة ينبغي التفطن لها، منها: أن صاحب الدين بعد حولان الحول لا يدعي ملك جميعه، ولا يحلف عليه، ولا يشهد له الشهود بملك جميعه، بل طريق الدعوى والشهادة أن يقال: إنه باق في ذمته، وإنه يستحق قبضه؛ لأن له ولاية التفرقة في القدر الذي ملكه أصحاب الأصناف، نبّه على ذلك السبكي، وتبعه في "المهمات"، وهو حسن دقيق، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 521