كتابُ النِّكاح
3464 - قول " الحاوي " [ص 451]: (خُصَّ النبي عليه الصلاة والسلام بوجوب الضحى والأضحى والوتر) أراد بالأضحى: الأضحية، وفي إيجاب هذه الأمور الثلاثة على النبي صلى الله عليه وسلم نظر؛ لعدم صحة ذلك وقد روى أحمد والبيهقي من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث هن عليّ فرائض ولكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الضحى" 1 ضعفه البيهقي وعبد الحق الإشبيلي وابن الجوزي وغيرهم، وذكره ابن السكن في " سننه " الصحاح بلفظ: " ركعتا الفجر " بدل " النحر "، ولم يوافق على تصحيحه، وروى البيهقي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا: " ثلاث هن عليّ فريضة ولكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل " وضعفه البيهقي، وقال: لم يثبت في هذا إسناد 2. 3465 - قوله: (والوتر والتهجد) 3 فيه أمران: أحدهما: أن كلامه صريح في أن الوتر غير التهجد، وهو الذي ذكر الرافعي والنووي هنا: أنه الأرجح 4، لكنهما قالا في (صلاة التطوع): إن الأشبه أن الوتر هو التهجد 5. ثانيهما: تبع في وجوب التهجد عليه الرافعي 6، وحكاه النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه كما نسخ في حق غيره، قال: وهذا هو الأصح أو الصحيح؛ ففي " صحيح مسلم ": عن عائشة رضي الله عنها ما يدل عليه 7. 3466 - قوله: (وتخيير نسائه) 8 يفهم أنه ليس من الخصائص تحريم طلاقهن بعد ما اخترنه،
الحديث: 3464 - الجزء: 2 - الصفحة: 505
وكذا صححه في " أصل الروضة " 9 وفي " الشرح الصغير "، وحكى في " الكبير " تصحيحه عن الإمام 10، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه كلام الشافعي في " الأم " تحريمه 11، وبه جزم الماوردي، وصححه أبو الفرج الزاز، وهو أقرب.
3467 - قوله: (والمشاورة) 12 نص الشافعي على أنها غير واجبة عليه، حكاه البيهقي في " المعرفة " عند ذكر استئذان البكر 13.
3468 - قوله: (وتغيير المنكر) 14 قال النووي: قد يقال: هذا ليس من الخصائص، بل كل مكلف تمكن من إزالته .. لزمه تغييره، ويجاب عنه: بأن المراد: أنه لا يسقط عنه للخوف، فإنه معصوم بخلاف غيره 15.
3469 - قوله: (والزكاة على قريبيه) 16 كذا الكفارة.
3470 - قوله: (ونكاح الكتابية) 17 يفهم جواز تَسَرِّيه بالأمة الكتابية، وهو الأصح، وكلام الرافعي في " الشرح الصغير " يفهم خلافه.
3471 - قوله: (ومدخولته لغيره) 18 يفهم أنه يجوز لغيره نكاح زوجته التي فارقها في حياته قبل دخوله بها، وهو الذي حكى الرافعي تصحيحه عن الشيخ أبي حامد، وقال في " الشرح الصغير ": إنه الأظهر، والمحكي في الرافعي عن نص الشافعي في أحكام القرآن: التحريم مطلقًا 19، ورجحه النووي في زيادة " الروضة " 20، وقال ابن الصلاح: إنه ظاهر نص الشافعي وأشبه بظاهر القرآن.
3472 - قوله: (وينكح بالهبة) 21 أي: بلفظ الهبة، وهذا من جهة الراغبة، أما من جهته
الحديث: 3467 - الجزء: 2 - الصفحة: 506
عليه الصلاة والسلام .. فلا بد من لفظ النكاح على الأصح في " أصل الروضة " (1)، ونقل الرافعي ترجيحه عن الشيخ أبي حامد (2). 3473 - قوله: (وبإحرام) (3) أي: ينكح وهو محرم، قال الرافعي: إن كلام النقلة بترجيحه أشبه (4)، وصححه النووي (5)، لكن الماوردي إنما حكاه عن أبي الطيب بن سلمة، ثم نسب إلى سائر الأصحاب أنه في ذلك كغيره، فلا ينعقد نكاحه في الإحرام (6).
فصلٌ [حكم النكاح وسننه وبيان العورات]
3474 - قول " التنبيه " [ص 157]: (من جاز له النكاح من الرجال وهو جائز التصرف؛ فإن كان غير محتاج إليه .. كره له أن يتزوج، وإن كان محتاجًا إليه .. استحب له أن يتزوج) فيه أمور:
أحدها: أنه أخرج بقوله: (من الرجال) النساء، واقتضى أن حكمهن في ذلك ليس كحكم الرجال، لكنه قال بعد ذلك: (فإن كانت لا تحتاج إلى النكاح .. كره لها أن تتزوج، وإن كانت محتاجة إليه .. استحب لها أن تتزوج) 28 فدل على استواء الصنفين في الاستحباب عند الحاجة، والكراهة عند عدم الحاجة.
وقال الشيخ عماد الدين الزنجاني في " شرح الوجيز " المسمى بـ " الموجز ": لم يتعرض الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقًا؛ لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والتستر عن الرجال، ولم يتحقق فيهن الضرر الناشئ من النفقة.
ثانيها: أخرج بقوله: (جائز التصرف) غيره، واقتضى أن حكمه في ذلك يخالف حكم جائز التصرف، قال في " الكفاية ": وهو ظاهر عند عدم الحاجة؛ إذ لا يكره في حقه، بل يجوز له؛ رعاية للحظ، وأما عند الحاجة .. فلا يطرد في كل محجور؛ فإن استحبابه في حق السفيه كما في الرشيد، وكذا العبد إذا خاف العنت ولم تندفع شهوته بالصوم.
قلت: والظاهر أن " التنبيه " إنما فصل بين جائز التصرف وغيره؛ لأن جوازه لغير جائز التصرف222324252627
الحديث: 3473 - الجزء: 2 - الصفحة: 507
له شروط، وفيه تفصيل، وأما جوازه لجائز التصرف .. فلا شرط له ولا تفصيلى فيه، وهذا التفصيل بين الحاجة وعدمها ليس للجواز، بل لقدر زائد عليه من الكراهة أو الاستحباب، فالتقييد بجواز التصرف ليس لأجل هذا التفصيل، بل للجواز المطلق، وهذا التفصيل زيادة على ما اقتضاه المفهوم
ثالثها: أطلق الكراهة لغير المحتاج، ومحله في صورتين:
إحداهما: إذا فقد الأهبة.
الثانية: إذا وجدها لكن كانت به علة؛ كهرم أو مرض دائم أو تعنين، فأما إذا وجد الأهبة ولا علة به .. فلا يكره له النكاح، لكن التخلي للعبادة أفضل، فإن لم يتحبد .. فالنكاح أفضل في الأصح، وقد ذكر ذلك " المنهاج "، لكنه عبر بقوله: (العبادة أفضل) 29 واستصعب السبكي كون الخلاف بيننا وبين الحنفية في أن العبادة أفضل أو النكاح، ورأى أن العبادة أفضل قطعًا، وقال: إنما محل الخلاف: التخلي للعبادة، وهي عبارة الجمهور؛ أي: جحل نفسه بالمرصاد لها، فنحن نقول: هو أفضل، والحنفية يقولون: النكاح أفضل، فالصواب: التعبير: بأن التخلي للعبادة أفضل كما عبرت به، ثم استثنى السبكي من قول أصحابنا: أن النكاح ليس عبادة: نكاح النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فإنه عبادة قطعًا، ومن فوائده: نقل الشريعة المتعلقة بما لا يطلع عليه الرجال، ونقل محاسنه الباطنة؛ فإنه مكمل الظاهر والباطن، وقال السبكي أيضًا: لم يزد الشافعي على أنه يُحِبُّ تركه، ومحبة الترك لا تقتضي الكراهة.
رابعها: أطلق الاستحباب عند الحاجة، وشرطه: أن يجد مع ذلك أهبة النكاح كما صرح به " الحاوي " 30 و " المنهاج " وقال: (فإن فقدها .. استحب تركه) 31، وكذا في " تصحيح التنبيه " 32، وفي " شرح مسلم ": أن النكاح في هذه الحالة مكروه، وهو أبلغ في طلب الترك 33، وعبارة " المحرر " و " الروضة ": (الأولى: ألَّا ينكح) 34، وقال شيخنا ابن النقيب: وهي دون عبارة " المنهاج " و " التصحيح " في الطلب، وفيه نظر؛ فلا يظهر فرق بين قولنا: يستحب ترك النكاح وقولنا: الأولى: ترك النكاح، ثم قال ابن النقيب: وليس في الحديث تعرض للندب ولا للأولوية، إنما اقتضى عدم الطلب لا طلب العدم، فلو قال: (فإن فقدها .. لم
الجزء: 2 - الصفحة: 508
يستحب) .. لكان أخصر وأحسن.
انتهى 35.
ويرد على قول "الحاوي" [ص 453]: (ندب لمحتاج ذي أهبة) أنه يندب أيضًا لغير المحتاج إذا كان ذا أهبة، ولا علة به، وليس مشتغلًا بالعبادة في الأصح، وقد ذكره " المنهاج " [ص 372]، وقال الغزالي في " الإحياء ": من اجتمع له فوائد النكاح من النسل والتحصين وغيرهما، وانتفت عنه آفاته من تخليط في الكسب وتقصير في حقهن .. استحب له، وعكسه العزلة له أفضل، قإن اجتمعا .. اجتهد وعمل بالراجح 36.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يدل له نص الشافعي أنه إن كان تائقًا .. استحب له، وإلا .. فهو مباح.
لم يقل بأنه مستحب ولا مكروه، وهي طريقة أكثر العراقيين.
3475 - قول " التنبيه ": [ص 157] (والمستحب: ألَّا يتزوج إلا من تجمع الدين والعقل) المراد: قدر زائد على مناط التكليف، وهو وفور العقل.
3476 - قول " الحاوي " [ص 453]: (بكر، ولود) يقال: كيف يجتمع هذان الوصفان؟ فإن البكر لا ولد لها.
ويجاب عنه: بأن ذلك يعرف من أقاربها، وقيد الرافعي والنووي ترجيح البكر بما إذا لم يكن عذر 37.
3477 - قول " المنهاج ": [ص 372] (ليست قرابة قريبة) هو معنى قول " الحاوي " [ص 453]: (بعيدة)، وقد توقف فيه السبكي؛ لعدم صحة الحديث الدال عليه؛ فقد قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلًا معتمدًا.
قال السبكي: فلا ينبغي إثباته؛ لعدم الدليل، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة من على رضي الله عنهما وهي قرابة قريبة؛ لأنه ابن عم أبيها صلى الله عليه وسلم.
وعبارة " الكفاية ": (أن تكون غريبة) وهي تقتضي نفي القرابة وإن لم تكن قريبة، وجزم في زيادةأ الروضة ": بأن قرابته غير القريبة أولى من الأجنبية 38، لكن في " البحر " و " البيان " عن النص: الأولى: ألَّا يتزوج من عشيرته؛ لأن الغالب حينئذ على الولد الحمق 39.
3478 - قول " المنهاج " [ص 372]: (وإذا قصد نكاحها .. سن نظره إليها قبل الخطبة) هو
الحديث: 3475 - الجزء: 2 - الصفحة: 509
معنى قول " الحاوي " [ص 453]: (إذا عزم على نكاحها) لكنه لم يصرح بأنه قبل الخطبة، فتصريح " المنهاج " أحسن.
قال في " المهمات ": وهو معارض بالحديث والمعنى، أما الحديث: فروى البيهقي عن جابر مرفوعاً: " إذا خطب أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه ويدعوه إليها .. فليفعل " 40، وأما المعنى: فلأنها قد تعجبه ولا يجاب، فيتضرر، والحديث المذكور رواه أبو داوود، فعزوه إليه أولى، وقال والدي رحمه الله: ما ذكره الرافعي أولى 41، ويدل له: ما رواه ابن ماجه من حديث محمد بن مسلمة مرفوعًا: "إذا ألقى في قلب امرءٍ خطبة امرأة .. فلا بأس أن ينظر إليها " 42، وروى ابن ماجه أيضًا عن أنس: أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اذهب فانظر إليها " 43، ورواه أيضًا من حديث المغيرة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: " اذهب فانظر إليها ... " الحديث 44.
3479 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 453]: (ولا ينظر غير الوجه والكفين) علله الرافعي: بأن ما سواهما عورة 45، ومقتضاه: اختصاص هذا الحكم بالحرة؛ فإن الأصح: أنه ينظر من الأمة ما ينظره الرجل من الرجل، فمع حاجة النكاح أولى، وبه صرح ابن الرفعة، فقال: مفهوم كلامهم في الأمة الجواز إلى ما ليس بعورة منها 46.
3480 - قول " التنبيه " [ص 157]: (والأولى: ألَّا يزيد على امرأة واحدة) قيده النووي في " الروضة " بما إذا لم تكن حاجة ظاهرة 47، ومقتضاه: أنه إذا كان لا يقنع بواحدة، لقوة شهوته .. استحب له الزيادة، وقد ذكره الماوردي كما حكاه عنه الرافعي في (النفقات) 48، وجزم به الغزالي في " الإحياء " 49.
3481 - قول " المنهاج " [ص 372]: (ويحرم نظر فحلٍ بالغٍ إلى عورة حرةٍ كبيرةٍ أجنبيةٍ، وكذا وجهها وكفيها عند خوف الفتنة، وكذا عند الأمن على الصحيح) فيه أمور:
الحديث: 3479 - الجزء: 2 - الصفحة: 510
أحدها: تبع في تصحيح التحريم عند الأمن " المحرر " فإنه قال: (إنه أولى الوجهين) 50، وهو ظاهر إطلاق " الحاوي " تحريم النظر 51، وحكى في " الشرح الصغير " ترجيحه عن جماعة؛ وعلله، ولم ينقل مقابله عن أحد، وذلك يفهم ترجيحه، لكنه في " الكبير " قال: أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون على أنه لا يحرم، بل يكره 52، وتبعه في " الروضة " 53، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات 54، وعن القاضي عياض عكسه 55، وهو أنه حكى عن العلماء مطلقًا: أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها، بل يندب، وعلى الرجال غض البصر.
قال شيخنا ابن النقيب: وإذا كان أكثر الأصحاب عليه .. لزمه في " المحرر " تصحيحه، ثم إنه في الحقيقة ما صحح مقابله، بل جعله أولى؛ فلعله رآه أولى من حيث حسم الباب، لا أنه المصحح في المذهب، فينكر على المصنف التصريح بتصحيحه مع تضعيف مقابله الذي عليه الأكثر؛ لتعبيره بالصحيح 56.
وقال في " المهمات ": الصواب: الجواز؛ لتصريحه في " الشرح " بأن الأكثرين عليه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الترجيح بقوة المدرك والفتوى على ما في " المنهاج ".
ثانيها: فرض الإمام الوجهين فيما إذا لم يظهر خوف فتنة 57، قال السبكي: وهو حسن؛ فالأمن عزيز إلا ممن عصم الله.
قال في " التوشيح ": قد يقال: عدم ظهور الخوف أمن.
ثالثها: ظاهر كلامه: أن وجهها وكفيها غير عورة، وإنما ألحقت بها في تحريم النظر، وهو محتمل، قد يقال ذلك، وقد يقال: هو عورة في النظر دون الصلاة، وقال الماوردي في (كتاب الصلاة): عورتها مع غير الزوج كبرى وصغرى، فالكبرى ما عدا الوجه والكفين، والصغرى ما بين السُّرة والركبة، فيجب ستر الكبرى في الصلاة، وكذا عن الرجال الأجانب والخناثى، والصغرى عن النساء وإن قربن، وكذا عن رجال المحارم والصبيان، وهل عورتها مع الشيخ الهرم والمجبوب الكبرى أو الصغرى؟ وجهان 58.
الجزء: 2 - الصفحة: 511
3482 - قول "الحاوي " [ص 453]: (ومن أمة) أي: يباح النظر إلى الأمة فيما عدا ما بين السرة والركبة، والمراد: عند فقد الشهوة، وتبع فيه الرافعي؛ فإنه قال في " المحرر " و " الشرح الصغير ": إنه الأظهر 59، وحكى في " الكبير " تصحيحه عن البغوي والروياني 60، والمراد: الإباحة مع الكراهة، وخالفه النووي، فقال في " الروضة ": صرح صاحب " البيان " وغيره: بأن الأمة كالحرة، وهو مقتضى إطلاق كثيرين، وهو أرجح دليلًا 61، وفي " المنهاج " [ص 373]: (الأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة) وفي الرافعي: أنه لا يكاد يوجد إلا في " الوسيط " 62.
3483 - قول " المنهاج " [ص 372]: (وإلى صغيرة إلا الفرج) و" الحاوي " [ص 453]: (والصبية لا الفرج) جزم به الرافعي 63، وقال النووي: نقل صاحب " العدة " الاتفاق عليه، وليس كذلك، بل قطع القاضي حسين في " تعليقه " بجواز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تُشتهى والصغير، وقطع به في الصغير إبراهيم المَرُّوذِي، وذكر المتولي فيه وجهين، وقال: الصحيح: الجواز؛ لتسامح الناس بذلك قديمًا وحديثًا، وأن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه سن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس.
انتهى 64.
وقال ابن الصلاح: إن المانع كاد أن يخرق الإجماع، وذكر الماوردي: أنها إذا جاوزت سبعًا .. حرم النظر إلى الفرج، ويبقى غيره إلى عشر في الصبي وتسع في الصبية 65.
3484 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و " الحاوي " [ص 453] عطفًا على الأصح: (وأن نظر العبد إلى سيدته ونظر ممسوحٍ كالنظر إلى مَحْرَمٍ) فيه أمور:
اْحدها: كذا حكى الرافعي تصحيحه عن الأكثرين 66، وقال النووي: هو المنصوص وظاهر الكتاب والسنة، وإن كان فيه نظر من حيث المعنى 67، وصحح في " نكت " له على " المهذب ": التحريم، وكذا صححه ابن الرفعة في " المطلب " والسبكي.
الحديث: 3482 - الجزء: 2 - الصفحة: 512
ثانيها: محل ذلك: ما إذا لم تكاتبه كما حكاه في " الروضة " عن القاضي حسين 68، ويوافقه تصريح الرافعي في عكسه، وهو مكاتبة الرجل أمته: بأنه لا يحل له النظر إليها 69، لكن جوز أبو نصر أبي القاسم القشيري نظره إليها ولو كاتبته، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي، وخرج في " المطلب " فيه وجهين، وقال: لم أر المحكي عن القاضي حسين في " تعليقه "، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يطلقه القاضي، بل قال: إن كان معه وفاء .. فتحتجب منه، وإلا .. فلا.
ثالثها: محله أيضًا: في العبد الثقة دون الفاسق كما ذكره البغوي في " تفسيره "، وفي المرأة الثقة أيضًا كما ذكره المهدوي في " تفسيره "، وهو معدود من الشافعية، وكذا قيد الواحدي والكواشي الآية بأن يكونا عفيفين 70.
رابعها: اقتصر على جواز النظر، والخلوة في معناه، وقد صرح بجوازها صاحبا " المهذب " و" البيان " 71، وكذا السفر بها، وقد صرح به المرعشى في " ترتيب الأقسام " وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقوى جواز النظر دون الخلوة، والمسافرة محل نظر.
انتهى.
والذي في " الروضة " وأصلها: أنه مَحْرَم لها عند الأكثرين 72، ومقتضاه: جواز النظر والخلوة والسفر، بل جواز اللمس، وأنه غير ناقض، وليس كذلك؛ ولهذا قال في " المهمات ": الصواب: التعبير بجواز الخلوة والنظر ونحوهما، لا بالمحرمية.
خامسها: خرج بالعبد: المبعض، فهو كالأجنبي، وقد صرح به الماوردي 73، ويوافقه جزم الرافعي والنووي بتحريم نظر الشريك من المشتركة لما بين سرتها وركبتها 74.
سادسها: قال السبكي: الصحيح عندي: أن نظر الممسوح إلى الأجنبية كنظر الفحل.
انتهى.
وبتقدير جوازه .. فينبغي تقييده بعفته وعفة المنظور إليها كما تقدم في عبد المرأة، وقال المتولي: إن كان له ميل إلى النساء .. حرم، وإلا .. فكالشيخ الهرم.
3485 - قول " المنهاج " [ص 372]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 453]: (وأن المراهق
الحديث: 3485 - الجزء: 2 - الصفحة: 513
كالبالغ) قال الرافعي: معناه: أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعًا، وأما الصبي .. فلا تكليف عليه 75، وقال النووي: إذا جعلناه كالبالغ .. لزم الولي أن يمنعه النظر كالزنا وكل محرم 76، وقال الإمام: إن لم يبلغ أن يحكي ما يراه .. فهو كالعدم، وإن بلغه دون ثوران شهوة .. فهو كالمحرم، وإن كان .. فكالبالغ الأجنبي 77، وحينئذ .. فلا ينبغي التعبير بعبارة تقتضي التحريم، فلو عبر بالمنع .. لكان أحسن.
3486 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ويحرم نظر أمرد بشهوة) فيه أمور:
أحدها: أنه لا معنى لتخصيص تحريم النظر بشهوة بالأمرد؛ فالملتحي يحرم النظر إليه بشهوة أيضًا، وقد قال قبل ذلك: (ويحل نظر رجل إلى رجل) 78 ولما ذكر الشهوة .. قيد بالأمرد، وذلك يقتضي أن الكلام الأول على إطلاقه؛ وكأنه إنما ذكر ذلك توطئة لما بعده من تحريم النظر إليه بغير شهوة أيضًا.
ثانيها: قال السبكي: المراد من الشهوة: أن يكون النظر لقصد قضاء وطر فيها، بمعنى: أن الشخص يحب النظر إلى الوجه الجميل ويلتذ به، قال: فإذا نظر ليلتذ بذلك الجمال .. فهو النظر بشهوة، وهو حرام، قال: وليس المراد: أن يشتهي زيادة على ذلك من الوقاع ومقدماته؛ فإن ذلك ليس بشرط بل زيادة في الفسوق، قال: وكثير من الناس لا يقدمون على فاحشة ويقتصرون على مجرد النظر والمحبة، ويعتقدون أنهم سالمون من الإثم، وليسوا سالمين.
ثالثها: لا يختص التحريم بحالة الشهوة، بل لو انتفت وخيف الفتنة .. حرم النظر أيضًا كما حكاه الرافعي عن الأكثرين 79، ولهذا قال " الحاوي " عطفًا على الجائز [ص 453]: (وأمرد بغير شهوة وأمن) أي: ومع الأمن، وقد تفهم عبارته أنه معطوف على شهوة؛ أي: بغير شهوة وبغير أمن، وليس كذلك؛ فهو إما معطوف على (غير) أو (الواو) فيه بمعنى: (مع).
رابعها: قوله من زيادته: (وكذا بغيرها في الأصح المنصوص) 80 نازعه في " المهمات " في العَزْوِ للنص، وقال: الصادر من الشافعي على ما بينه في " الروضة ": إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة.
الحديث: 3486 - الجزء: 2 - الصفحة: 514
قلت: عبارة " الروضة ": أطلق صاحب " المهذب " وغيره: أنه يحرم النظر إلى الأمرد بغير حاجة، ونقله الداركي عن نص الشافعي 81.
فإن أراد نقل الإطلاق .. صح ما قاله في " المهمات "، وإن أراد نقل النص .. صحت عبارة " المنهاج ".
خامسها: ظاهر إطلاقه: أنه لا فرق في الأمرد بين أن يكون جميلًا أم لا، وقال السبكي: إنه محتمل، لعدم انضباط الحسن، قال: ولكن الظاهر الأول، وعليه يدل كلام الأكثر، وإليه يرشد تبويب النووي في " رياض الصالحين " 82، قال السبكي: وهذا القيد منتف في النساء؛ لأن في الطباع الميل إليهن، فضبط بالأنوثة، وذلك مفقود فيما بين الرجال إلا في الأمرد الحسن.
قلت: وقيده القاضي حسين والمتولي بالجميل الوجه، الناعم البدن، وحرر السبكي موضع الخلاف، وحصره في جميل يمكن الافتتان به، فعند النووي: يحرم وإن انتفت الفتنة والشهوة اعتبارًا بالمنظور إليه 83، وعند الرافعي: يجوز؛ اعتبارًا بالناظر 84، واستشكل إيجاب الغض عن الأمرد مطلقًا، وقال الغزالي في " الإحياء ": من يتأثر قلبه بجمال الأمرد بحيث يدرك الفرق بينه وبين الملتحي - أي: من حيث الشهوة - .. فلا يحل له النظر 85.
3487 - قول " الحاوي " [ص 453]: (كللمرأة) أي: كما لا يحرم نظر المرأة إلى المرأة إلا فيما بين السرة والركبة، يتناول نظر الذمية للمسلمة، وهو الذي صححه الغزالي 86، وصحح البغوي تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وليست الذمية من نسائهن 87، وتبعه النووي 88؛ ولهذا قال في " المنهاج " [ص 373]: (الأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة) وفي " المحرر ": (أنه الأحوط) 89، وفيه أمور:
أحدها: أن التحريم لا يختص بالذمية، بل يحرم على المسلمة كشف وجهها لها، وقد صرح به النووي في " فتاويه " 90، وإذا لم يخاطب الكفار بفروع الشريعة .. اختص التحريم بالمسلمة.
الحديث: 3487 - الجزء: 2 - الصفحة: 515
ثانيها: يستثنى من الذمية: مملوكة المسلمة فيباح لها النظر لها كما ذكره النووي في " فتاويه " 91، وكلام البغوي في " تفسيره " يقتضيه 92.
ثالثها: ويستثنى منها أيضًا: محرمها؛ كبنتها أو أمها .. فيباح لها النظر إليها كما دل عليه كلام القاضي حسين؛ حيث فرض الخلاف في الأجانب، وأما القريبة؛ كبنت العم وبنت الخال ونحوهما .. فهل يجري عليها حكم نساء المحارم أم نساء الأجانب؛ قال شيخنا الإمام البلقيني: الأقرب: الثاني.
رابعها: لا يختص ذلك بالذمية، بل سائر الكافرات كذلك كما حكاه في "الروضة" عن صاحب " البيان " 93، بل ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في " تفسيره ": أن الفاسقة كالذمية في ذلك، ونازعه شيخنا الإمام البلقيني فيه، وقال: هي من المؤمنات، والفسق لا يخرجها عن ذلك.
خامسها: ذكر الرافعي والنووي أن الأشبه: أن الذى يحرم نظر الذمية له من المسلمة هو ما لا يبدو في حال المهنة، ولها النظر إلى ما يبدو في المهنة، بعد أن نقلا عن الإمام: أنها كالرجل الأجنبي 94، وتقدم قول النووي في " فتاويه ": أنه يحرم على المسلمة كشف وجهها للذمية 95، وهو موافق لكلام الإمام 96، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأصح، قال: وبه جزم القاضي حسين وغيره.
سادسها: أما عكسه، وهو نظر المسلمة للذمية .. فمقتضى كلام الأصحاب: جوازه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي فيه وقفة إن قيل: أو نسائهن في الناظرة والمنظورة.
3488 - قول " الحاوي " [ص 453]: (ومن الرجل) أي: لا يحرم نظر المرأة للرجل إلا فيما بين السرة والركبة، تبع فيه الرافعي 97، وصحح النووي تحريم نظرها إليه كنظره إليها 98؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 373]: (قلت: الأصح: التحريم كَهُوَ إليها) ويوافقه قول الرافعي في (شروط الصلاة): إنه يحرم عليها النظر إلى شعره، هاذا قلنا بالإباحة .. فشرطها عدم خوف الفتنة، وقد صرح به " المنهاج " 99.
الحديث: 3488 - الجزء: 2 - الصفحة: 516
3489 - قوله: (ومتى حرم النظر .. حرم المس) 100 قال السبكي: إن تعبير " المحرر " بـ (حيث) 101 أحسن منه؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود هنا: أن المكان الذي يحرم نظره يحرم مسه، و (متى) اسم زمان، وليس مقصودًا هنا.
قال شيخنا ابن النقيب: وقد يقال: إن الزمان أيضًا مقصود؛ فإن الأجنبية يحرم نظرها، فإذا عقد عليها .. جاز، فإذا طلقها .. حرم، وكذلك الطفلة على العكس؛ ولذلك استثنى زمان المداواة والمعالجة.
انتهى 102.
ويستثنى منه: جواز مس الرجل فرج زوجته أو أمته قطعًا، مع تحريم النظر إليه على وجه، ومفهومه: أنه لا يلزم من تحريم المس تحريم النظر، وهو كذلك، فيحرم مس وجه الأجنبية وإن جاز النظر، بل حكى الرافعي عن العبادي، عن القفال: أنه لا يجوز للرجل مس بطن أمه ولا ظهرها، ولا أن يغمز ساقها ولا رجلها، ولا أن يقبل وجهها، ولا أن يأمر ابنته أو أخته بغمز رجله 103، وفصل السبكي في ذلك؛ فجوز ما كان منه لحاجة أو شفقة، وحرم ما كان لشهوة، قال: وبينهما مراتب متفاوتة؛ فما قرب إلى الأول .. ظهر جوازه، أو إلى الثاني .. ظهر تحريمه، وعبارة " الروضة " تقتضي أنه يحرم مس يد الأم، وهو خلاف الإجماع؛ فإنه قال عطفًا على المحرم: ومس كل ما جاز النظر إليه من المحارم 104، وعبارة الرافعي عطفًا على ما لا يجوز: ولا مس كل ما يجوز النظر إليه من المحارم 105، وهي عبارة صحيحة، ومقتضاها: أنه لا يجوز مس الكل، بل البعض؛ كقولنا: لا يجوز أن يتزوج كل امرأة: وهو المسمى بسلب العموم، فعبر النووي بالإثبات، فقال: يحرم، وأسنده إلى كل فرد، وهو المسمى عموم السلب، فوقع في الغلط، ذكره في " المهمات ".
وفي " شرح مسلم " للنووي: أن مس رأس المحرم وغيره مما ليس بعورة مجمع على جوازه 106، وعبارة " الحاوي " [ص 453]: (وحرم للذكر مس شيء من المرأة - شعرها وغيره - وإن أبين، والنظر لا لحاجةٍ ... إلى آخره) ومقتضاها: تسوية المس والنظر إثباتًا ونفيًا، ويرد عليه ما تقدم.
الحديث: 3489 - الجزء: 2 - الصفحة: 517
3490 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ويباحان لفصدٍ وحجامة وعلاج) هي داخلة في الحاجة التي ذكرها " الحاوي " 107، وله شروط:
أحدها: أن يكون ذلك بحضور محرم أو زوج، قال شيخنا الإمام البلقيني: والمراد: أن يكون هناك من يمنع حصول الخلوة كما هو مذكور في العدد.
ثانيها: يشترط في معالجة الرجل للمرأة: فقد امرأة تعالجها، وفي معالجة المرأة للرجل: فقد رجل يعالجه كما صححه النووي 108، وحكاه الرافعي عن أبي عبد الله الزبيري والروياني خلافًا لابن القاصّ 109.
ثالثها: يشترط أيضًا: ألَّا يكون ذميًا مع وجود مسلم كما في زوائد " الروضة " عن القاضي حسين والمتولي 110، وقال شيخنا الإمام البلقيني: اللائق بالترتيب أن يقال: إن كانت العلة في الؤجه .. سومح بذلك كما في المعاملة، وإن كانت في غيره؛ فإن كانت امرأة .. فيعتبر وجود امرأة مسلمة، فإن تعذرت .. فصبي مسلم غير مراهق، فإن تعذر .. فصبي غير مراهق كافر، فإن تعذر .. فامرأة كافرة، فإن تعذرت .. فمحرمها المسلم، فإن تعذر .. فمحرمها الكافر، فإن تعذر .. فأجنبي مسلم، فإن تعذر .. فأجنبي كافر.
رابعها: أصل الحاجة كاف في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في غير ذلك تأكدها وهو مبيح التيمم، قاله الإمام 111، وفي الفرج مزيد تأكيد، وهو ما لا يعد الكشف له هتكًا للمروءة، قاله الغزالي 112، ولهذا قال " الحاوي " [ص 453]: (ومؤكدها في السوأة).
3491 - قول " المنهاج " من زيادته [ص 373]: (ويباح النظر لمعامله وشهادةٍ وتعليمٍ ونحوها بقدر الحاجة) وهو داخل في تعبير " الحاوي " [ص 453] بـ (الحاجة) وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي والنووي اقتصرا في هذه الصورة على النظر إلى الوجه 113، وصحح الماوردي أنه إذا حصلت معرفتها ببعض الوجه .. وجب الاقتصار عليه، ولم يجز رؤية جميعه، وحكاه الروياني عن الجمهور، فإن لم يعرفها إلا بالكل أو بالتكرار .. فعل؛ ولعل قول " المنهاج " [ص 373]: (بقدر الحاجة) و " الحاوي " [ص 453]: (بحاجة) يوافق ذلك.
الحديث: 3490 - الجزء: 2 - الصفحة: 518
وقال في " المهمات ": إن الاقتصار على الوجه غير مستقيم؛ فقد تقدم أنه يجوز النظر إلى الكفين عند الأكثرين لا لحاجة، فكيف مع هذه الحاجة؟ وهو مردود، وكيف ينظر زيادة على الوجه وهو غير محتاج إليه؟ ! فإن المعرفة بالوجه خاصة.
ثانيها: محل ذلك: عند أمن الفتنة، فلو خافها .. قال الرافعي في (الشهادات): يشبه أن يقال: إن لم يتعين .. لم ينظر، وإن تعين .. فينظر ويضبط نفسه.
انتهى 114.
ولم يتعرضوا لما إذا انضم لخوف الفتنة قيام الشهوة، وقال السبكي فيما إذا تعين: هو مشكل، والذي أراه: أنه ينظر؛ فإن عصم، وإلا .. وقع في الإثم، وجعله ذا وجهين: يأثم بالشهوة، ويؤجر بالتحمل، وحكى في " التوشيح ": جواز النظر مع الشهوة عند التعين عن الماوردي والرا فعي وابن الرفعة، والظاهر أنه وهم.
ثالثها: ما ذكره في جواز النظر للتعليم يخالفه ما سيأتي في " المنهاج " في (الصداق): أنه لو أصدقها تعليم قرآن وطلق قبله .. فالأصح: تعذر تعليمه 115، وقال السبكي هناك: لعل الجمع بين الكلامين أن هنا أمورًا أخرى أوجبت التعذر؛ منها: أنه لو أصدق تعليم كل القرآن .. فنصفه وإن عرف من حيث عدد الحروف .. فيختلف سهولة وصعوبة، وحكى الماوردي وجهين في أن القرآن هل يتجزئ في كلماته وحروفه التي جزأه السلف عليها أم لا؟ لتشابهه وصعوبة بعضه، فعلى الأول: يعلمها النصف دون الثاني، وقال السبكي هنا: كشفت كتب المذهب فإنما يظهر جواز النظر للتعليم فيما يجب تعلمه وتعليمه كـ (الفاتحة)، وما يتعين من الصنائع بشرط التعذر من وراء حجاب، وأما غير ذلك .. فإن كلامهم يقتضي المنع، ثم استشهد بالمذكور في (الصداق).
رابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يقيدوا المعاملة والشهادة بألَّا يوجد من محارمها من يعاملها، ويشهد عليها، وألَّا توجد امرأة تعاملها؛ وكأنهم سامحوا في ذلك؛ لتعلقه بالوجه خاصة.
قلت: الشهادة لا تختص بالوجه؛ فإنه يجوز النظر للفرج لتحملها على الزنا والولادة، وللثدي للشهادة على الرضاع على الأصح.
3492 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وللزوج النظر إلى كل بدنها) 116 يستثنى منه: حلقة الدبر، فحكي عن الدارمي: أنه لا يجوز النظر إليها؛ لأنها ليست محل استمتاعه، وعبارة " الحاوي " مصرحة بخلافه؛ حيث قال: (حتى السوءة بكرهٍ) 117، وقال في
الحديث: 3492 - الجزء: 2 - الصفحة: 519
" التوشيح ": لم يذكره الوالد في " شرح المنهاج " فلعله لم يرضه.
3493 - قول " التنبيه " [ص 159]: (وقيل: لا ينظر إلى الفرج) خصه الفارقي بغير حالة الجماع، وقال: يجوز عند الجماع قطعًا، وحكاه صاحب " المعين " اليمنى عن الشيباني، وفيه نظر؛ فإن الحديث الذي استدل به للتحريم مصرح بحالة الجماع، ولفظه: " لا ينظرن أحد منكم إلى فرج زوجته ولا فرج جاريته إذا جامعها؛ فإن ذلك يورث العمى " رواه البيهقي بسند ضعيف 118، ويخرج من كلام السبكي احتمال بعكسه، وهو تخصيص التحريم بحالة الجماع؛ فإنه قال: لفظه مقيد بحالة الجماع، واختلفوا هل يورث عمى الناظر أو الولد؟ فحيث لا وطء ولا ولد .. قد يقال بالتخصيص فيه.
3494 - قول " الحاوي " [ص 454]: (وملكٍ) أي: يجوز النظر إلى بدن المملوكة، والمراد: الملك الذي يجوز الاستمتاع معه؛ لتخرج المرتدة والمجوسية والوثنية والمزوجة والمكاتبة والمشتركة؛ فإنه لا يجوز النظر فيهن إلى ما بين السرة والركبة، ولا يحرم ما زاد على الصحيح، كذا في " الروضة " 119 وأصلها 120.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب في المشتركة والمبعضة: أنه يقضي عليهما بحكم الأجانب، وقد قال الماوردي في عبدها المبعض: إن عليها ستر عورتها الكبرى عنه لا يختلف أصحابنا فيه، وذكر قبل ذلك: أن العورة: الكبرى جميع البدن غير الوجه والكفين 121.
3495 - قوله: (وفي المشكل يحتاط) 122 أي: في نظره والنظر إليه، فيجعل مع النساء رجلًا ومع الرجال امرأة، كذا صححه الرافعي، وتبعه النووي، ثم حكيا عن القفال جواز نظره والنظر إليه مطلقًا؛ استصحابًا لحكم الصغر، وزاد النووي: أنه قطع به الفوراني والمتولي وإبراهيم المروذي، ونقله المروذي عن القاضي.
انتهى 123.
وهذا قد يفهم ترجيحه وإن لم يصرح به، ويوافقه تصحيح النووي في " شرح المهذب ": أنه يغسله بعد موته الرجال والنساء 124، وعليه مشى " الحاوي " في بابه 125، وليس ذلك في " الروضة "
الحديث: 3493 - الجزء: 2 - الصفحة: 520
وأصلها، إنما فيهما وجهان بلا ترجيح في أنه يغسل أو يتيمم، ثم صححا تفريعًا على غسله: أنه يغسله الرجال والنساء (1).
فصلٌ [في استحباب الخطبة وما يتعلق بها]
3496 - قول " المنهاج " [ص 373]: (تحل خطبة خليَّةٍ عن نكاحٍ وعدَّةٍ) فيه أمران:
أحدهما: أنه اقتصر على حلها، وعبارة " الحاوي " تقتضي الاستحباب؛ فإنه قال: (ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح) إلى أن قال: (بخطبة) 127 فجعل الخطبة داخلة في حيز الندب، وصرح به في " الوجيز " 128 و" التعجيز " و" شرحه ".
قال الرافعي والنووي: ويمكن أن يحتج له بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما جرى عليه الناس، لكن لا ذكر للاستحباب في كتب الأصحاب وإنما ذكروا الجواز 129.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: في كلام الشافعي والأصحاب استحبابها؛ لأنهم ذكروا استحباب النكاح، ومن ضرورته عادة تقدم خطبة.
ثانيهما: أنه لم يعتبر في حل الخطبة سوى خلو المخطوبة عن نكاح وعدة، ولا بد من خلوها أيضًا عن الاستبراء المانع من التزويج، ومقتضاه: جواز الخطبة ولو كان في نكاح الخاطب أربع، لكن صرح الماوردي بتحريمه، قال شيخنا ابن النقيب: وقياسه تحريم خطبة من يحرم الجمع بينها وبين زوجته 130.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في من في نكاحه أربع: لم أقف فيه على نقل، والأقرب: الجواز إذا كان القصد أنها إذا أجابت .. أبان واحدة وتزوج بها، قال: وقياسه يجري في زوج يخطب أخت زوجته، وفي هذا بعد.
انتهى.
3497 - قول " المنهاج " [ص 373، و" الحاوي " [ص 454]- والعبارة له -: (وحرم صريح خطبة المعتدة) محله: في غير صاحب العدة، أما صاحبها الذي يحل له نكاحها .. فله التصريح بخطبتها، وقد صرح به " التنبيه " فقال [ص 161]: (وإن خالعها زوجها فاعتدت منه .. لم يحرم على زوجها التصريح بخطبتها) وقد اعترض على قول " التنبيه " [ص 161]: (وإذا طلقت المرأة ثلالًا126
الحديث: 3496 - الجزء: 2 - الصفحة: 521
أو توفى عنها زوجها فاعتدت منه .. حرم التصريح بخطبتها) بأنه لا معنى لذكر العدة في المتوفى عنها؛ فإنها لا تنفك عن العدة.
3498 - قوله في المختلعة: (وفي التعريض قولان، أحدهما: يحرم، والثاني: لا يحرم) 131 الأظهر: أنه لا يحرم، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 454] (والتعريض للرجعية) وداخل في قول " المنهاج " [ص 373]: (وكذا - أي: يحل تعريض - لبائن في الأظهر) ومقتضى كلامه: التسوية بين البائن بالثلاث وما دونها في جريان القولين، وليس كذلك؛ فالأصح: القطع في البائن بالثلاث، وكل من ليس لصاحب العدة نكاحها؛ كاللعان والرضاع بجواز التعريض بخطبتها، والقولان في البائن بدون الثلاث أو بفسخ؛ ولهذا خص " التنبيه " القولين بالمختلعة، وجزم في المطلقة ثلاثًا بجواز التعريض بخطبتها كالمتوفى عنها، فكان ينبغي للمنهاج فصل البائن بالثلاث والتعبير فيها بالمذهب، وفي " البحر " عن " الأم ": لو قال: عندي جماع يرضي من جومعت .. فهو تعريض محرم 132، وهذا يدل على أن بعض التعريض حرام، وقال بعضهم: التعريض بالجماع تصريح بالخطبة.
3499 - قول " التنبيه " [ص 161، 162]: (ويحرم على الرجل أن يخطب على خطبة أخيه إذا صرح له بالإجابة) فيه أمور:
أحدها: تبرك بلفظ الحديث في التعبير بأخيه، لكنه مخرج للذمي، والأصح: أنه في ذلك كالمسلم، فتحرم الخطبة على خطبته خلافًا لابن حربويه؛ ولذلك أطلق " المنهاج " و" الحاوي " تحريم الخطبة على الخطبة 133.
ثانيها: محل ذلك: ما إذا لم يأذن له كما صرح به " المنهاج " 134، ولم يتعرض له " الحاوي "، وكذا إذا ترك الخطبة ورغب عنها كما في " الروضة " وأصلها 135.
ثالثها: أبهم " التنبيه " و" المنهاج " المعتبر تصريحه بالإجابة، وهو الولي المجبر إن كانت مجبرة، والسيد إن كانت رقيقة، والمرأة إن انتفى الإجبار والرق، والسلطان في المجنونة، وقد صرح به " الحاوي " [ص 454] فقال: (أجاب المجبر أو غير المجبرة أو السلطان في المجنونة نطقًا) وأورد في " المهمات " ما إذا كان الخاطب غير كفء .. فالنكاح متوقف على رضا الولي والمرأة معًا، فالمعتبر في تحريم الخطبة إجابتها، وأن اعتبار إجابة المجبر مبني على أنه المجاب فيما إذا عين كفئًا وعينت كيره، وهو الأصح.
الحديث: 3498 - الجزء: 2 - الصفحة: 522
رابعها: أن مقتضى عبارتهما إجابة البكر نطقًا كغيرها، وبه صرح " الحاوي " 136، لكن نص الشافعي على الاكتفاء بسكوتها، فقال: فوجدنا الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كانت المرأة راضية، ورضاها إذا كانت ثيبًا .. أن تأذن بالنكاح بنعم، وإن كانت بكر .. أن تسكت، فيكون ذلك إذنًا، حكاه في " المهمات " 137.
خامسها: يرد على الثلاثة: أنه لا بد مع الإجابة من الإذن للولي في تزويجها له، فإن لم تأذن له في ذلك .. فلا تحرم، نص عليه في " الأم " وفي " الرسالة " كما في " المهمات " 138، والذي في " أصل الروضة " الاكتفاء بأحدهما 139.
سادسها: يرد عليهم أيضًا: أن شرط التحريم: أن تكون الخطبة الأولى جائزة، فإن كانت محرمة؛ كالتي في العدة .. لم تحرم الخطبة عليها، ذكره في " البحر "، وكذا لو خطب خمسًا مرتبًا فأَذِنَّ .. قال الصيمري: تحل الخامسة، واختار النووي تحريم الجميع؛ فإنه قد يرغب في الخامسة 140.
سابعها: شرط تأثير إذنها في التحريم: أن يكون لمعين، فلو أذنت لوليها أن يزوجها بمن شاء .. جاز وحل لكل أحد خطبتها على خطبة غيره، نص عليه كما حكاه في " البحر ".
ثامنها: قال في " المهمات ": نصوا على استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، فيأتي في التحريم ما سبق في المرأة.
قلت: إذا خطبت المرأة الرجل وأجابها إلى التزويج بها .. لم يمتنع على امرأة أخرى خطبته؛ لأن جمعه بين امرأتين لا مانع منه؛ فلعل صورته: أن تكون المجابة يكمل بها العدد الشرعي، أو يكون لا يريد إلا تزوج واحدة وفي خطبة الثانية له إذا أجابها الامتناع من تزوج الأولى التي أجابها قبل ذلك بمقتضى ما يريد فعله، وإن لم يكن ممنوعًا منه شرعًا.
وقد أورد على " الحاوي ": أنه لم يعتبر صريح الإجابة، ومقتضاه: الاكتفاء بالتعريض بها، وأصح القولين خلافه كما صرح به " التنبيه " 141.
وجوابه: أن التعريض ليس إجابة.
3500 - قول " المنهاج " [ص 373]: (فإن لم يجب ولم يُرَدَّ .. لم يحرم في الأظهر) عبارة
الحديث: 3500 - الجزء: 2 - الصفحة: 523
" الروضة " وأصلها: قيل: يجوز قطعًا، وقيل: على القولين 142، أي: في التعريض بالإجابة، قال الرافعي: فأقام ذلك مقيمون طريقين، ويمكن ألَّا يجعل خلافًا فحمل الأول على ما لم يقترن به مايشعر بالرضا 143، وإجراء الخلاف فيما اقترن به مايشعر بالرضا، وأسقط ذلك في " الروضة " 144.
وقال الرافعي في (البيع): إن السكوت العاري عما يشعر بالإنكار كالرضا في الخطبة 145.
3501 - قول " المنهاج " [ص 373]: (ومن استشبر في خاطب .. ذكر مساوئه بصدق) فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يختص بالخاطب، بل لو استشير في مخطوبة .. كان كذلك، قال فى " أصل الروضة ": وكذا من أراد نصيحة غيره، ليحذر مشاركته ونحوها.
انتهى 146.
ومن ذلك: التحذير من مجاورة شخص أو الرواية عنه أو القراءة عليه، وذلك وارد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 454]: (لا ذكر مساوئ الخاطب).
ثانيها: أن مقتضاه: أنه لا يذكرها إلا بعد الاستشارة، وليس كذلك، بل ينصحه ابتداء؛ ولذلك لم يتعرض " الحاوي " للاستشارة 147.
ثالثها: يرد عليهما: أن محله: عند الاحتياج إليه، فلو حصل الغرض بقوله: لا يصلح لك مصاهرته ونحوه .. وجب الاقتصار عليه، ولم يجز ذكر عيوبه، قاله النووي في " الأذكار " 148.
رابعها: أن مقتضى عبارتهما: ذكر جميع مساوئه، قال شيخنا ابن النقيب: والذي يظهر أنه يذكر منها ما يحصل المقصود من إعلام المستشير بما يقتضي النفرة، فإن علم أنه لا ينفر إلا بذكر الكل .. ذكره، قال: ولم أره في هذا المحل 149.
قلت: الكلام المتقدم أنه لا يذكر شيئًا من مساوئه إلا مع الاحتياج إليه يدل عليه.
خامسها: مقتضى عبارة " الحاوي ": أنه لا يجب ذكرها؛ فإنه اقتصر على نفي الحرمة 150، وكذا اقتصر في " الروضة " وأصلها على جواز ذكرها 151، وعبارة " المنهاج " محتملة للوجوب
الحديث: 3501 - الجزء: 2 - الصفحة: 524
والجواز، وصرح النووي في " الأذكار " و" الرياض " بالوجوب 152، وفي " شرح مسلم ": ليس من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة 153، وفي " الروضة " في (البيع) مثله، وسبقه إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، قال السبكي: كأنه إنما أهمله لظهوره؛ فإنه لا تردد فيه، فليحمل كلام " المنهاج " عليه، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر وجوبه.
سادسها: دخل في عبارتهما ما لو كان المستشار هو الخاطب استشير في نفسه، قال في " المهمات ": فهل يجب عليه الإخبار بعيوبه أم يستحب، أم لا يجب ولا يستحب؟ فيه نظر.
سابعها: قال شيخنا الإمام البلقيني: محل جواز ذكر المساوئ: إذا لم تأذن في العقد، فإن أذنت .. فلا، وقد نص عليه الشافعي فقال: ولا يكون لها أن تستشيره وقد أذنت لأحدهما 154.
3502 - قول " المنهاج " [ص 374]: (ولو خطب الولي، فقال الزوج: " الحمد لله والصلاة على رسول الله، قَبِلتُ " .. صح النكاح على الصحيح، بل يستحب ذلك.
قلت الصحيح: لا يستحب) ما صححه من عدم الاستحباب يخالفه قول " أصل الروضة " هنا بعد تصحيحه الصحة: وبه قطع الجماهير، وقالوا: للنكاح خطبتان مسنونتان، إحداهما تتقدم العقد والأخرى تتخلل، وهي: أن يقول الولي: بسم الله والصلاة على رسول الله، أوصيكم بتقوى الله، زوجتك فلانة، ثم يقول الزوج مثل ذلك، ثم يقول: قبلت.
انتهى.
فتبع الرافعي على استحباب تخلل الخطبة بزيادة الوصية بالتقوى 155، ولذلك قال " الحاوي " [ص 454] (وندب تخلل التحميد والصلاة) وصحح السبكي وفاقًا للماوردي: عدم الصحة 156.
3503 - قول " المنهاج " [ص 374]: (فإن طال الذكر الفاصل .. لم يصح) فيه أمران:
أحدهما: قال الرافعي: كان يجوز أن يقال: إذا كان الذكر مقدمة للقبول .. وجب ألَّا تضر إطالته؛ فإنه لا يشعر بالإعراض 157.
وأجاب عنه السبكي: بأن مقدمة القبول التي قام الدليل عليها هي: الحمد له والصلاة، لا ما زاد.
ثانيهما: لو لم يطل الفاصل لكن كان لا يتعلق بالعقد ولا يستحب فيه .. بطل العقد على الأصح
الحديث: 3502 - الجزء: 2 - الصفحة: 525
في " الروضة " هنا (1)، لكن صحح في (الخلع) خلافه (2)، وكذا في الاستثناء في الطلاق عن الإمام، فقال: لا ينقطع الإيجاب والقبول بتخلل كلام يسير في الأصح، وينقطع الاستثناء به في الأصح (3). وقد لا يرد التصحيح الأول على عبارة " المنهاج " لأن المتبادر إلى الفهم منه: أن المراد: الذكر المتعلق بالعقد، ومحل المنع: إذا صدر الكلام من القابل الذي يطلب منه الجواب، فإن كان من المتكلم .. ففيه وجهان، حكاهما الرافعي في (الخلع) (4)، واقتضى إيراده أن المشهور أنه لا يضر.
فصلُ [في قبول النكاح وبقية شروط العقد]
3504 - قول " المنهاج " [ص 374]: (وقبول؛ بأن يقول الزوج: " تزوجت "، أو " نكحت "، أو " قبلت نكاحها "، أو " تزويجها ") فيه أمور:
أحدها: أنه لا ينحصر القبول في الزوج، فقد يكون القابل من يقوم مقامه من ولي أو وكيل.
ثانيها: أن قوله: (تزوجت أو نكحت) ليس قبولًا حقيقة، وإنما هو قائم مقامه، فكان ينبغي تقديم القبول الحقيقي، وهو: (قبلت نكاحها أو تزويجها) كما فعل " الحاوي " 162.
ثالثها: تعبيره وتعبير " الحاوي " (بقبلت نكاحها) 163 قال شيخنا ابن النقيب: أطبقوا عليه، وكان ينبغي أن يقول: (إنكاحها) ليقبل ما أوجبه الولي؛ ولهذا قالوا: لا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح؛ أي: منهما؛ فالإنكاح مصدر أنكح كما أن التزويج مصدر زوج، وأما النكاح فهو اسم لمجموع العقد من إيجاب وقبول؛ كالزواج أو للوطء، وقول الولي: أنكحتك؛ أي: جعلتك ناكحًا، فليقبل منه هذا الجعل، أو يقول: نكحتها، فهانه مطاوع أنكح، ثم حكى عن جماعة أنه يقال: نكح نكاحًا.
انتهى 164.
قلت: وبهذا يحصل الجواب عما أورده، وقد يجاب عنه أيضًا: بأنه لا يقبل نفس الصادر من158159160161
الحديث: 3504 - الجزء: 2 - الصفحة: 526
الولي وهو الإنكاح، وإنما يقبل الأمر الذي أصدره إليه وهو النكاح.
3505 - قوله: (ويصح تقدم لفظ الزوج) 165 يستثنى منه: (قبلت نكاحها أو تزويجها) فإنه لا يصح تقديمه.
3506 - قول " التنبيه " [ص 159]: (وإن عقد بالعجمية وهو يحسن العربية .. لم يصح) الأصح: الصحة؛ ولذلك أطلق " المنهاج " تصحيح صحته بالعجمية 166، وهو معنى قول " الحاوي " [ص 454]: (ومعناها) أي: معنى الألفاظ المذكورة، والمراد بالعجمية: ما عدا العربية من اللغات، وشرطه: أن يفهم كل منهما معناه، وكذا الشهود، فإن لم يفهمه فأخبره بمعناه ثقة .. فوجهان بلا ترجيح في " الروضة " وأصلها 167.
وفي " الكفاية ": إن أخبره فتعلم .. صح، وإن لم يتعلمه وصار بحيث لو سمعه ثانيًا لعرف معناه .. فوجهان.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الراجح: البطلان كما في العجمي الذي ذكر لفظ الطلاق وأراد به معناه وهو لا يعرفه، قال: وصورة المسألة: أنه لا يفهم معناه إلا بعد إتيانه به، فلو قال شخص للقابل: معنى هذا اللفظ كذا، فأتى به بعد علمه بمدلوله .. صح إن لم يطل الفصل وكان الموجب عالمأ بمدلول لفظه.
3507 - قول " المنهاج " [ص 374]: (لا كناية قطعًا) القطع من زيادته على " المحرر "، وهو صحيح، فإن قلت: يقدح فيه وجه في صحة النكاح بالكتابة لغائب .. قلت: قال السبكي: المصحح يجعل الكتابة صريحًا لا كناية.
3508 - قول " التنبيه " [ص 159]: (فإن قال: " زوجتك " أو " أنكحتك "، فقال: " قبلت "، ولم يقل: " نكاحها " ولا " تزويجها " .. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الأصح: أنه لا يصح، وعليه مشى " المنهاج " 168، وهو مفهوم " الحاوي " 169، وفي بعض نسخ " التنبيه ": (وقيل: على قولين)، وليست في " الكفاية " وهي أصح الطرق، وتعبير " المنهاج " بالمذهب 170 لا يدل على ترجيح طريقة قطع ولا خلاف، وفهم من قوله: (ولم يقل: " نكاحها " ولا " تزويجها ") أنه لو قال غير اللفظين؛ كقوله: (قبلت النكاح، أو التزويج، أو قبلتها) ..
الحديث: 3505 - الجزء: 2 - الصفحة: 527
فهو كاقتصاره على: (قبلت)، وهو الذي يقتضيه حصر " المنهاج " في قوله [ص 374]: (وقبول؛ بأن يقول: ... إلى آخره) فإنه لم يذكر ذلك في ألفاظ القبول، وكذا حصر " الحاوي " الألفاظ، ولم يذكره منها 171، والذي في " الروضة " وأصلها: أن الخلاف فيه بالترتيب، وأولى بالصحة 172، لكن نص الشافعي في " الأم " على أنه لا يصح، فقال: ولا يكون نكاحًا؛ بأن يقولط: (قد قبلتها) حتى يصرح بما وصفت؛ أي: من قولى: تزوجتها أو نكحتها 173.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: المعتمد في قبلتها: الإبطال، وحكى الوزير بن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على الصحة فيما إذا قال: رضيت نكاحها.
قال السبكي: ويجب التوقف في هذا النقل، والذي يظهر أنه لا يصح، وقال في البيع: مأخذ ما حكاه إن صح .. أن لفظ النكاح موجود، وهو المتعبد به، لا لفظ (قبلت).
3509 - قول " المنهاج " [ص 374]: (ولو بشر بولد فقال: " إن كان أنثى .. فقد زوجتكها " .. فالمذهب: بطلانه) خرج بذلك ما لو بشر بأنثى فقال: (إن صدق المخبر .. فقد زوجتكها) .. فإنه يصح كما قال البغوي: قال: وليس تعليقًا، بل تحقيق، ومثله: لو أخبر بموت إحدى زوجاته الأربع فقال: (إن صدق المخبر .. تزوجت بنتك) .. قال الرافعي: ويجب أن يفرض في تيقن صدقه وإلا .. فهو تعليق 174.
قال السبكي: هو تعليق سواء تيقن صدقه أم لا لصورة التعليق.
3510 - قول " التنبيه " [ص 161]: (ولا يصح نكاح الشغار؛ وهو: أن يزوج الرجل وليته من رجل على أن يزوجه ذاك وليته ويكون بضع كل واحدة منهما صداقًا للأخرى) مقتضاه: الصحة فيما إذا لم يجعل البضع صداقًا، والبطلان ولو سميا مالًا مع جعل البضع صداقًا، وهو الأصح فيهما كما في " المنهاج " 175، وتعبيرهما بـ (على) مثال، فلو قال: زوجتك وتزوجت بنتك .. كان كذلك، وتعبير " التنبيه " بـ (الولية) أعم من تعبير " المنهاج " بـ (البنت) 176، وهذا واضح، وكلامهما يقتضي حصر الشغار في شرط أن يزوجه الآخر وليته، لكن في " شرح المختصر " لابن داوود: أن من الشغار أن يقول: زوجتك بنتي على أن تزوج ابني بنتك، وقول " المنهاج " [ص 375]: (فيقبل) يقتضي الاكتفاء بقوله: قبلت العقدين جميعًا، وكذا في
الحديث: 3509 - الجزء: 2 - الصفحة: 528
" الروضة " وأصلها 177، وفيه نظر، وعبارة " الكفاية ": فيقبل أو يقول مثله، وقول " الحاوي " [ص 454]: (مطلقًا) يقتضي البطلان بقوله: على أن تزوجني بنتك وإن لم يضم إليه التشريك في البضع؛ لأنه ليس مطلقًا، بل هو مشروط بشرط، والأصح عند الرافعي والنووي الصحة كما تقدم 178، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: نص الشافعي على البطلان.
3511 - قول " التنبيه " [ص 159]: (ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين ذكرين حرين مسلمين عدلين) أهمل " المنهاج " كونهما مسلمين مكلفين 179، وإن ذكره " المحرر " استغناءً عنه بالعدالة 180، وزاد ذكر السمع والبصر، ولا بد منهما، وأهملا معًا: النطق، وفي اشتراطه وجهان بلا ترجيح في " الروضة "، وبناهما الرافعي على قبول شهادته 181، ومقتضاه: اعتباره؛ فإن الأصح: عدم قبول شهادة الأخرس، وصححه هنا الشيخ أبو حامد، وصحح مقابله القاضي أبو الطيب، ويجري الوجهان في ذي الحرفة الدنيئة.
ويشترط أيضًا: التيقظ، وقد تناول هذه الشروط كلها قول " الحاوي " [ص 455]: (سميعين مقبولي شهادة نكاح) وإنما قيد بشهادة النكاح؛ لتخرج المرأة؛ فإنها من أهل الشهادات في الجملة، وقوله: (سميعين) حشو غير محتاج إليه، فإن في قبول الشهادة غنية عنه، وإذ قد ذكره .. فليذكر بقية الشروط المندرجة في قبول الشهادة تفصيلًا، ولو عقد بخنثى ثم بانت ذكورته .. فوجهان كالاقتداء، ومقتضاه: تصحيح البطلان، لكن صحح النووي هنا الصحة 182، وعكس ذلك في " الكفاية "، فأبطل النكاح وصحح الصلاة، وقال: شرط النكاح: تحقق الشرائط حالة العقد، وقد يفرق بأن خطر النكاح في نظر الشرع آكد؛ لتعديه بغير العاقد؛ ولهذا صحت الصلاة بالاجتهاد مع الاشتباه، بخلاف النكاخ.
3512 - قول " المنهاج " [ص 375]: (والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدويهما) المراد: ابنا الزوج أو ابنا الزوجة وعدو الزوج أو عدو الزوجة، أما لو حضر العقد ابناه وابناها أو عدواه وعدواها .. فإنه يصح قطعًا كما قاله في " الروضة " 183 لكن فيه وجه في " التتمة " لأنه لم يوجد شاهدان يقبلان على كل منهما.
الحديث: 3511 - الجزء: 2 - الصفحة: 529
3513 - قول " التنبيه " [ص 159]: (فإن عقد بشهادة مجهولين .. جاز على المنصوص) محمول على مجهول العدالة في الباطن دون الظاهر وهو المعبر عنه بالمستور، أما مجهول الإسلام .. فلا ينعقد به، وكذا مجهول الحرية ومجهول العدالة في الظاهر أيضًا على الصحيح فيهما؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 375]: (وينعقد بمستوري العدالة على الصحيح، لا مستوري الإسلام والحرية) و" الحاوي " [ص 455]: (ولو مستور العدالة، لا الإسلام والحرية) وهنا أمور: أحدها: ما ذكرته من أن المستور من عرف بالعدالة ظاهرًا؛ أي: بالمخالطة، لا باطنًا؛ أي: بالتزكية عند الحاكم، هو الذي ذكره الرافعي أولًا، ثم قال: وربما قبل من يجهل حاله، ثم قال: ويشبه ألَّا يكون بينهما خلاف بحمل الثانية على من يجهل حاله بالنسبة إلى الباطنة، لكنه بعد ذلك اقتضى كلامه الاكتفاء بمجهول الحال في الظاهر أيضًا؛ فإنه بعد أن حكى قول البغوي: لا ينعقد بمن لا تعرف عدالته ظاهرًا .. قال: وهذا كأنه مصور فيمن لا يعرف إسلامه، وإلا .. فالظاهر من حال المسلم الاحتراز من أسباب الفسق 184، وما ذكره الرافعي بحثًا نص عليه الشافعي كما حكاه في " البحر "، وعبارته: ولو حضر رجلان مسلمان العقد ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة .. انعقد النكاح بهما في الظاهر، نص عليه في " الأم " 185 لأن الظاهر من المسلمين العدالة.
انتهى.
وقال في " المهمات ": إنه الصواب، وذلك ينافي قولي فيما سبق: إنه لا ينعقد بمجهول العدالة في الظاهر، وللنووي هنا زيادة غير مفيدة قد بسطت الرد عليها في موضع آخر 186، ويتحصل في تفسير المستور أوجه:
أحدها: أنه من عرفت عدالته ظاهرًا لا باطنًا، وهو الذي يدل عليه كلام الرافعي أولًا 187، وقال النووي: إنه الحق 188.
الثاني: أنه من علم إسلامه ولم يعلم فسقه وهو الذي بحثه الرافعي 189، وحكاه الروياني عن النص، وصوبه في " المهمات "، وقال السبكي: إنه الذي يظهر من كلام الأكثرين ترجيحه.
الثالث: أنه من عرفت عدالته باطنًا في الماضي وشك فيها وقت العقد .. فتستصحب، وصححه السبكي.
ثانيها: قال ابن الصلاح: محل الخلاف في الانعقاد بالمستور: ما إذا كان العاقد غير الحاكم،
الحديث: 3513 - الجزء: 2 - الصفحة: 530
فإن عقد الحاكم .. لم ينعقد بهما جزمًا؛ لأنه لا يشق عليه البحث، وحكى في " التتمة " فيه طريقين، أصحهما: إجراء الخلاف فيه.
قال السبكي: فإما أن يكون ابن الصلاح رجح طريق القطع، أو لم يبلغه غيرها، واختار السبكي: عدم اكتفاء الحاكم بالمستور، لكن السبكي يثبت الخلاف وابن الصلاح ينفيه.
ثالثها: ما جزمنا به من عدم الانعقاد بمجهول الإسلام جزم به الرافعي والنووي 190، لكن جزم القاضي أبو الطيب في القضاء من " تعليقه " بانعقاده به، حكاه في " المهمات " وقال: سلك في " التنبيه " مسلك شيخه، ولم يقف ابن الرفعة على مستنده، فظن أن أحداً لم يقل به، فحمله على غير ما يقتضيه كلامه
قلت: وكذا النووي؛ فإنه عبر في " تصحيحه " عن عدم انعقاده بمجهول الإسلام بالصواب.
3514 - قول " المنهاج " [ص 375]: (ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. فباطل على المذهب، وإنما يتبين ببينة) قال شيخنا ابن النقيب: هو في المستور واضح، وفيمن تثبت عدالته ببينة شرط الجارحة أن تفسر لتقدم على المعدلة 191.
قلت: اشتراط تفسير الجرح لا فرق فيه بين أن يعارض ببينة عدالة أم لا؟ فحيث اكتفينا بالستر .. لا يقدح فيه الجرح الذي ليس مفسرًا عند من يشترط تفسيره، لكنَّ تَرَدُّدَ الإمام في زوال الستر بإخبار عدل بفسقه وزواله بذلك - وهو الذي قال الإمام: إنه الظاهر 192، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني كما علقته عنه - يشهدُ للاكتفاء بزوال الستر بغير المفسر، على أن ابن الصلاح قد ذكر في " علوم الحديث ": أن الجرح غير المفسر وإن لم يقبل؛ فإنه يحدث ريبة توجب التوقف عن قبوله حتى يبحث عنه ويتبين لنا صحته من فساده 193، وما أورده ابن النقيب إن صح .. قد لا يرد على قول " الحاوي " [ص 455]: (أو بأن بحجة) فإنه قد يقال: الجرح غير المفسر عند من يرده ليس بحجة.
3515 - قول " المنهاج " [ص 375]: (أو اتفاق الزوجين) استثنى منه في " الكافى ": ما إذا تعلق به حق الله تعالى؛ بأن طلق ثلاثًا ثم تقارّا على عدم شرط .. فإنه لا يقبل، فلا تحل إلا بمحلل، فلو أقاما عليه بينة .. لم تسمع.
3516 - قول " الحاوي " [ص 455]: (فإن عرف فسقه أحد الزوجين أو بأن بحجةٍ أو تذكُّرٍ .. بطل) فيه أمور:
الحديث: 3514 - الجزء: 2 - الصفحة: 531
أحدها: أنه يتناول ما إذا اعترف الزوج بفسق شاهد العقد وأنكرت المرأة، وقوله فيه: (بطل) قد يفهم تجدد البطلان، وليس كذلك، بل يتبين بطلانه من الأول " ولذلك قال " المنهاج " [ص 375]: (ولو اعترف به الزوج وأنكرت .. فُرق بينهما) وهي فرقة.
فسخ لا تنقص العدد عند العراقيين، ومال إليه الإمام والغزالي، وصححه النووي 194، وقيل: هي طلقة بائنة تنقص العدد، وبنى الرافعي الأول على تصديق مدعي الفساد في البيع، والثاني على تصديق مدعي الصحة 195، ومقتضى البناء: تصحيح الثاني، واستشكلهما السبكي، فإن كلًا من الفسخ والطلاق يقتضي وقوع عقد صحيح، وهو ينكره فليؤول الفسخ على الحكم بالبطلان والطلاق الظاهر لا الباطن.
ثانيها: ويتناول ما إذا اعترفت به المرأة وأنكر الزوج، لكن صحح النووي في هذه الصورة: تصديقه بيمينه، فلا ترثه، ولا مهر إن مات أو طلق قبل الدخول، ولها بالوطء الأقل من المسمى ومهر المثل، فإن نكل وحلفت .. فرق بينهما 196، وقيد في " المهمات " قولنا: لا مهر قبل الدخول بما إذا لم يعطه لها، فإن أعطاها .. فلا استرداد كما في نظيره المذكور في آخر (الرجعة)، وهو ما إذا قال: طلقتها بعد الدخول، وقالت: قبله.
ثالثها: لو اقتصر على معرفة الفسق المذكور أولًا .. أغناه عن التذكر الذي ذكره بعد ذلك؛ فإنه يتناول ما إذا كان عارفًا بفسقه وقت العقد، وما إذا كان يعرفه ثم نسيه ثم تذكره، وما إذا تجددت له معرفته بعد ذلك، وكأنه أراد أولًا: ما إذا كان عارفًا به وقت العقد، أو تجددت له معرفته بعد ذلك، فاحتاج إلى ذكر الصورة الأخرى بقوله: أو تذكر، وهو حشو وموهم.
3517 - قول " المنهاج " [ص 375]: (وعليه نصف المهر إن لم يدخل بها، وإلا .. فَكُلُّهُ) ينبغي فيما إذا دخل بها وكان مهر المثل أزيد من المسمى .. أن تجب لها الزيادة، لكنها منكرة لها، فيتخرج فيه الخلاف فيمن أقر لشخص بشيء وهو ينكره، قلته بحثًا.
3518 - قوله: (ويستحب الإشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها، ولا يشترط) 197 أحسن من قول " الحاوي " [ص 455]: (لا شهادة رضاها) فإنه اقتصر على نفي الاشتراط من غير تصريح بالاستحباب.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو كان المزوج الحاكم أو نائبه .. فالذي أفتيت به: أنه لا بد من ظهور إذنها له؛ إما بمشافهة وإما بشهادة وإما بإخبار حاكم ونحو ذلك، فأما إذا لم يظهر له ذلك
الحديث: 3517 - الجزء: 2 - الصفحة: 532
بطريق شرعي .. فإنه يكون عقده باطلًا؛ لأمورٍ يطول شرحها، وقال في الولي الخاص: لا يجوز له الإقدام عليه تهورًا، بل لا بد من ظنه ذلك ولو بإخبار واحد.
فصلٌ [في اشتراط الولي في النكاح]
3519 - قولهم - وهو في " التنبيه" و" الحاوي " في حد الزنا -: (إن الوطء في نكاح بلا ولي يوجب الحد) 198 قال الماوردي: محله: ما إذا لم يحكم قاض ببطلانه، فإن حكم ببطلانه، وفرق بينهما، فوطئها بعد ذلك .. فعليه الحد، ويمتنع على الحنفي بعد ذلك الحكم بصحته 199، ويرد على قول " التنبيه " [ص 242]: (وإن وطئ في نكاح مختلف في إباحته؛ كالنكاح بلا ولي ولا شهود) أن الحد إنما يسقط بأحدهما خاصة، فلو اجتمعا .. حد قطعًا، فكأن (الواو) في كلامه بمعنى (أو).
3520 - قوله: (وقيل: إن وطئ في نكاح بلا ولي وهو يعتقد تحريمه .. حد) 200 حكى في " الوسيط " عن الصيرفي إيجابه على الحنفي مع اعتقاده الحل بظهور الأخبار فيه؛ كشرب النبيذ 201، لكن المشهور: تقييد هذا الوجه بمعتقد التحريم.
3521 - قول " المنهاج " [ص 375]: (ويُقبل إقرار الولي بالنكاح إن استقل بالإنشاء) قد يتناول ما إذا استقل بالإنشاء وزال ذلك؛ بأن كانت ثيبًا فادعى أنه زوجها وهي بكر، مع أنه لا يقبل في هذه الحالة، فلو عبر كما في " المحرر " بقوله: (إذا كان مستقلًا بالإنشاء) 202 لم ترد على هذه الصورة؛ لأن المراد: وصفه به حين الإقرار.
3522 - قوله - والعبارة له - و" الحاوي ": (ويقبل إقرار البالغة العاقلة بالنكاح على الجديد) 203 قد يفهم أنه يكفي مطلق الإقرار، وهو المذهب في " الروضة " في (الدعاوى) 204، وحكاه الرافعي هناك عن تصحيح " الوسيط " 205، وصححه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه ظاهر نصوص
الحديث: 3519 - الجزء: 2 - الصفحة: 533
الشافعي، لكن صحح الرافعي والنووي هنا: أنه لا بد أن تقول: زوجني ولي بحضرة عدلين ورضاي إن كان شرطًا 206.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والذي ظهر لي حمل ما في الدعاوى على إقرارها في جواب الدعوى، والذي هنا على الإقرار المبتدأ، والأصح: أنه لا يتأثر بتكذيب الولي والشاهدين إذا عينتهما، فلو أقرت لزوج وأقر وليها لآخر؛ فهل يقبل إقراره أم إقرارها؟ وجهان، أم السابق أم يبطلان جميعًا" احتمالان للإمام 207، ولم أر فيها ترجيحًا.
3523 - قولهم: (إن للأب والجد عند عدمه تزويج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها) 208 شرطه: أن يزوجها من كفء بمهر مثلها، وألَّا يكون الزوج معسرًا، كما حكاه الرافعي عن القاضي حسين، وأقره 209، وألَّا يكون بينها وبين الولي عداوة ظاهرة، قاله ابن كج، ونقله الحناطي عن ابن المرزبان، قال: ويحتمل جوازه.
وفي " المهمات ": عن الماوردي والروياني: أنه على ولايته مع العداوة: وفي " الكفاية ": عن الحناطي: وجهان، وغلطه شيخنا الإسنوي، وقال: إنما حكاهما الجيلي.
وينبغي أن يعتبر في الإجبار أيضًا: انتفاء العداوة بينها وبين الزوج، قلته بحثًا، وهو واضح.
واختار السبكي لنفسه أن علة الإجبار: البكارة مع الصغر جميعًا، قال: وهو رأي ابن حزم، لكن مأخذنا غير مأخذه، قال: ولم نر أحدًا من أهل المذهب قال بمقالتنا، وهي خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه اعتبر البكارة خاصة، وأبي حنيفة؛ فإنه اعتبر الصغر خاصة، والله أعلم.
وعبر " الحاوي " [ص 456] بـ (غير الموطوءة) لأنها المراد بالبكر ولو خلقت بلا بكارة كما حكاه في " الروضة " من زيادته عن الصيمري 210.
وقال الماوردي: إنه لا خلاف فيه، وسواء زالت البكارة بوطء حلال أو حرام كما صرح به " المنهاج " 211، وكذا وطء الشبهة، ولم تتناوله عبارته، وقد يرد على " الحاوي " الموطوءة في الدبر؛ فإنها بكر على الصحيح مع صدق اسم الوطء عليه.
3524 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (ويكفي في البكر سكوتها) 212 فيه أمور:
الحديث: 3523 - الجزء: 2 - الصفحة: 534
أحدها: قد يتناول سكوتها مع التزويج بحضورها، وذلك لا يكفي على الأصح، والمراد: السكوت بعد الاستئذان؛ ولذلك قال في " المحرر ": (يكفي السكوت بعد المراجعة) 213.
ثانيها: أنه يتناول ما إذا استؤذنت في التزويج بغير كفء، وكذا حكاه الرافعي في آخر النكاح عن " فتاوى القاضي حسين "، وأقره 214، وقال هنا: لو استأذنها أبوها في غير كفء .. فهل يكفي السكوت؟ فيه الوجهان؛ أي: المذكوران في غير الأب، ومقتضاه: تصحيح الاكتفاء، وفي " زيادة الروضة " في الكفاءة أنه المذهب، وفيها أيضًا عن " البيان " قال أصحابنا المتأخرون: إذا استاذن الولي البكر في أن يزوجها بغير نقد البلد أو بأقل من مهر المثل .. لم يكن سكوتها إذنًا في ذلك 215.
ثالثها: يستثنى منه: ما إذا اقترن بسكوتها بكاءٌ مع الصياح وضرب الخد، فلا يكون رضا، ويختص " المنهاج " بأنه أطلق محل الخلاف في قوله [ص 376]: (في الأصح) وهو في غير الأب والجد، أما فيهما .. فيكفي السكوت قطعًا حيث استأذنا استحبابًا.
3525 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ثم المولى) قيده في " الكفاية " بكونه رجلًا، ولا يحتاج إليه؛ لقوله أولًا: (ولا يصح النكاح إلا بولي ذكر) 216 وفي " المنهاج ": أن المرأة لا تزوج غيرها، ثم ذكر أنه يزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية 217، واحترز عنه " الحاوي " فاستثنى من العصبة: المعتق المشكل أو الأنثى 218، وتعبير "التنبيه " بالمولى أحسن من تعبير "المنهاج " بالمعتق 219، لتناوله من عَتَقَ عليه من أصل وفرع، ومن لم يعتق الزوجةَ، بل أعتق أصلها في ولاء الانجرار، وأيضًا: فإعتاق عبد بيت المال سائغ، والولاء للمسلمين، فالمعتق هنا غير الولي.
3526 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ثم عصبته كالإرث) قال السبكي: يحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: القياس على الإرث، والثاني: أن الترتيب هنا كالترتيب في الإرث، والثالث: أن ترتيب عصبة المعتق في التزويج كترتيب عصبة النسب، فعلى هذا الثالث .. يستثنى منه: أن جد النسب أولى من الأخ، وأصح القولين هنا: أن أخا المعتق أولى من جده، والثاني: يستويان كالقولين في إرثهما، وأن الابن هنا يزوج بخلاف النسب.
الحديث: 3525 - الجزء: 2 - الصفحة: 535
قلت: وأن الشقيق هنا يقدم قطعًا، وقيل: قولان كالنسب، وقيل: يستويان قطعًا، وأن العم مقدم على أبي الجد في الولاء كما نص عليه في " البويطي "، وهو المذهب كما ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وفي النسب ليس كذلك، ولا يرد ذلك على قول " الحاوي " [ص 457]: (بترتيب الإرث) لأنه لم يفصل في التزويج لا عصبة النسب ولا عصبة الولاء، بل أحال الكل على الإرث، وذلك معروف فيه.
3527 - قول " المنهاج " [ص 376]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 457]: (ويزوج عتيقة المرأة من يزوج المعتقة ما دامت حية) قوى السبكي أنه يزوجها ابن المعتقة في حياتها بناء على ما صححه في الولاء من ثبوته للعصبة في حياة المعتقة معها، قال: فيقدم الابن في التزويج؛ لأنه مقدم في الولاء على الأب.
3528 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح) و" الحاوي " [ص 457]: (في حياتها بلا إذن) اختار السبكي مقابله إذا قلنا: يزوجها الأب؛ لأنه لم يزوج بالولاء، بل كما كان قبل العتق، وهو قبله لا يزوج إلا بإذنها، وعلى هذا: إن لم تأذن .. ناب السلطان عنها في الإذن، قال: ولا نعلم من أوجب إذنها إذا قلنا: الابن يزوج.
3529 - قول " المنهاج " [ص 376]: (فإن فُقِدَ المعتق وعصبته .. زوَّج السلطان، وكذا يُزوج إذا عضل القريب والمعتق) اقتصر هنا على هذين الموضعين، وذكر بعد ذلك: أنه يزوج عند غيبة الولي مسافة القصر وإحرامه، وإرادته تزوج موليته والمجنونة البالغة عند فقد الأب والجد، وقد ذكرها " الحاوي " مجموعة خلا الأخيرة، فأفردها 220، وذكر " التنبيه " منها: الغيبة والعضل والمجنونة 221.
وبقي عليهم جميعًا مسائل:
الأولى والثانية: عند تعزز الولي أو تواريه.
الثالثة: عند حبسه ومنع الحابس له الناس من الوصول إليه.
الرابعة: فقده حيث لا يقسم ماله.
الخامسة: المستولدة المسلمة التي لكافر يزوجها الحاكم بإذن سيدها.
السادسة: أنه يزوج أمة محجوره.
السابعة: حالة الإغماء إذا كانت قدر مسافة القصر كما قال الإمام 222، وقال شيخنا الإمام
الحديث: 3527 - الجزء: 2 - الصفحة: 536
البلقيني: إنه المعتمد، وقال البغوي وغيره: ينتظر إفاقته كالنائم 223، وهو المذكور في " المنهاج " بعد ذلك 224.
والمراد بالسلطان: من له سلطنة الحكم بالنسبة لمن هو في محل حكمه كما عبر به " الحاوي " 225 ولذلك عبر " التنبيه " بالحاكم 226، ومراده: ما ذكرته، وحكى الإمام خلافًا في أن تزويجه حالة العضل بالولاية أم بالنيابة عن الولي؛ وأجرى هذا الخلاف حيث زوج مع وجود الولي الخاص وأهليته 227، وذكر له في " الكفاية " فائدتين:
إحداهما: عند الغيبة إن قلنا بالولاية .. زوج الأبعد، أو بالنيابة .. زوج القاضي.
الثانية: عند العضل لو أذنت لحاكم بلد الولي وهى في بلد ليست في حكمه .. زوجها إن قلنا بالنيابة دون الولاية، وفي حاشيتها فائدتين:
الأولى: إذا زوج الحاكم والولي الغائب في وقت واحد بالبينة .. قدم الولي إن قلنا بالنيابة؛ وإن قلنا بالولاية .. بطلا كوليين، أو قدم الحاكم لقوة ولايته وعمومها؛ كما لو قال الولي: كنت زوجتها في الغيبة .. فإن نكاح الحاكم يقدم كما صرحوا به.
الثانية: إذا زوج القاضي في غيبة العاضل لثبوت العضل لديه حيث قلنا به، ثم ثبت ببينة أنه كان رجع عن العضل قبل التزويج؛ فإن قلنا بالنيابة .. خرج على عزل الوكيل، وإن قلنا بالولاية .. خرج على عزل القاضي.
واعلم: أن محل تزويج السلطان بالعضل: إذا لم يتكرر كما في " الروضة " وأصلها في آخر الكلام على الفاسق، فقال: وليس العضل من الكبائر، وإنما يفسق به إذا عضل مرات، أقلها فيما حكى بعضهم: ثلاث، وحينئذ .. فالولاية للأبعد 228، وللرافعي في (الشهادات) في الكلام على الإصرار ما يخالف هذا بعمومه 229، وهل المراد بالثلاث هنا: الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم ولو في نكاح واحد؛ قال في " المهمات ": فيه نظر.
3530 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وإن عضلها وقد دعت إلى كفء) أي: البالغة العاقلة كما قال في " المنهاج " 230، وذلك يرد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 457]: (وعليه الإجابة) وإنما
الحديث: 3530 - الجزء: 2 - الصفحة: 537
يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفء وامتنع، ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم، قال البغوي: بأن تحضر هي والخاطب والولي، ويأمره القاضي بالتزويج، فيمتنع، أو يسكت (1).
قال الرافعي: وكأنه إذا تيسر ذلك، فإن تعذر حضوره بتعزز أو توار .. فليثبته بالبينة كسائر الحقوق، وفي " تعليق أبي حامد " ما يدل عليه.
انتهى (2).
وقد صرح بذلك البغوي نفسه في " فتاويه "، وحكاه عنه الرافعي في آخر (الإيلاء)، فقال: إنه لا تكفي فيه البينة حتى يمتنع بين يديه، فإن تعذر إحضاره بتعزز أو توار .. أثبته بالبينة، قال: ويحتمل أن يقال: يثبت بالبينة وإن تيسر إحضاره، والأول أصح (3).
قال ابن الرفعة: فتحصل وجهان.
3531 - قول " المنهاج " [ص 376]: (ولو عينت كفئًا وأراد الأب غيره .. فله ذلك في الأصح) المراد: المجبر؛ ليدخل الجد ويخرج الأب غير المجبر فيما إذا كانت ثيبًا؛ ولذلك عبر به " الحاوي " في قوله: [ص 458] (أو عضل؛ لا المجبر من معين) واختار السبكي مقابله، وهو تقديم من عينته هي، وحكى لفظ " المنهاج ": (الولي) (4)، ثم بين أن محل الخلاف في المجبر كما ذكرناه، والذي في نسخ " المنهاج " (5): (الأب) كما ذكرته، والله أعلم.
تَنْبِيْهٌ [في التحكيم]
فهم من اعتبارهم في الولي أن يكون عاصب نسب أو ولاء أو حاكمًا: أنه لا يكفي فيه أن يكون مُوَلَّى من جهتها، وروى يونس بن عبد الأعلى: أن الشافعي قال: إذا كان في الرفقة امرأة لا ولي لها فولت أمرها رجلًا حتى زوجها .. جاز، قال العبادي في " طبقاته ": من أصحابنا من أنكره، ومنهم من قبله، وقال: إنه تحكيم، والمحكم قائم مقام الحاكم.
وقال النووي: التحكيم صحيح بناء على الأظهر في جوازه في النكاح، لكن يشترط في المحكم كونه صالحًا للقضاء، وهذا يعسر في مثل هذه الحالة، فالذي نختاره صحة النكاح إذا ولت أمرها عدلًا وإن لم يكن مجتهدًا، وهو ظاهر نصه الذي نقله يونس، وهو ثقة.
انتهى 236.231232233234235
الحديث: 3531 - الجزء: 2 - الصفحة: 538
قال في " المهمات ": فالصحيح: جوازه سفرًا وحضرًا مع وجود القاضي ودونه؛ لأنه الصحيح في التحكيم كما هو مذكور في القضاء، وسواء كان السفر طويلًا أم قصيرًا.
قلت: ومراده: ما إذا كان المحكم صالحًا للقضاء، فأما هذا الذي اختاره النووي فشرطه:
السفر، وفقد القاضي، وصحح السبكي إنكار رواية يونس، وأنها لا تزوج عند فقد الحاكم؛ ويدل له: ما رواه البيهقي في " المبسوط " عن الشافعي: أنه قال: وإن ولت امرأة ثيب نفسها رجلًا .. فليس له أن يزوجها، وإن زوجها فرفع ذلك إلى السلطان .. فعليه أن يفسخه، وسواء طال أو قصر، وجاء الولد أولم يأت.
فصلٌ [في موانع الولاية]
3532 - قول " المنهاج " [ص 377] و" الحاوي " [ص 457]: (لا ولاية لمجنون) و" التنبيه " [ص 158]: (ضعيف) والمراد: ضعف العقل، يتناول بإطلاقه متقطع الجنون، وهو الأصح في " أصل الروضة " 237، وحكى الرافعي تصحيحه عن ابن كج والإمام والغزالي 238، ومقابله عن البغوي 239، وجعله في " الشرح الصغير " الأشبه، وفي " التذنيب " الظاهر 240، وفي " المطلب ": أنه ظاهر نصه في " الأم "، وإذا قلنا به .. فالصحيح انتظار إفاقته، وقيل: يزوج الحاكم، وقال الإمام: هو كالغيبة 241، فتقاس مدته بمدتها وفاقًا وخلافًا، فلو أفاق المجنون وبقيت آثار خبل يُحْمَلُ مثلها ممن لا يعتريه الجنون على حدة في الخلق، ففي 242 عود ولايته وجهان، قال في " الروضة ": لعل الأصح: استدامة حكم الجنون إلى أن يصفو من [الخبل] 243. 3533 - قول " التنبيه " [ص 158]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 457]: (ولا يجوز أن يكون الولي سفيهًا) يتناول غير المحجور عليه، لكن قال الرافعي: ينبغي ألَّا تزول ولايته 244، ويوافقه قول " المنهاج " [ص 377]: (وكذا محجور عليه بسفه) وفي المسألة وجهان حكاهما الماوردي
الحديث: 3532 - الجزء: 2 - الصفحة: 539
والروياني 245، وصحح صاحب " الذخائر " وابن الرفعة أنه لا يلي أيضًا، وهو ظاهر نص " المختصر " 246، واختاره السبكي، قال: وظاهر نصه في " الأم " بقاء ولايته 247، وقول " المنهاج " [ص 377]: (على المذهب) كذا هو في " الروضة " 248، وهو يقتضي أن في المسألة طريقين، والذي في الرافعي: المشهور: لا يلي، وفي " المهذب " وجه 249، وذلك لا يدل على طريقين.
3534 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ومتى كان الأقرب ببعض هذه الصفات .. فالولاية للأبعد) فيه أمران:
أحدهما: كان ينبغي تأخير ذلك عن الفسق واختلاف الدين؛ ليعود إليهما أيضًا؛ فإن الولاية تنتقل فيهما إلى الأبعد؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 457]: (والرق والصبا والجنون والعته والسفه والفسق واختلاف الدين نقل إلى الأبعد) وكذا ذكر في " التنبيه " قوله [ص 158]: (وإن خرج الولي عن أن يكون وليًا .. انتقلت الولاية إلى من بعده) بعد ذكر جميع ما تقدم، ومنه: الفسق واختلاف الدين.
ثانيهما: يرد عليهم: أنه إنما تنتقل الولاية إلى الأبعد بسبب الصغر في النسب، فأما في الولاء إذا كان للمعتقة ابن صغير وجد أو أخ كبير .. ففي " الكفاية " في الولاء: أن الشافعي نص على أن الجد لا يزوج، ولم يتعرض لمن يزوج، قال شيخنا الإمام البلقيني: والظاهر أن الحاكم يزوج.
3534/ 1 - قول " المنهاج " [ص 377]: (والإغماء إن كان لا يدوم غالبًا .. انتظر إفاقته، وإن كان يدوم أيامًا .. انتظر، وقيل: الولاية للأبعد) موافق لإطلاق " الحاوي " أن الإغماء لا ينقل للأبعد 250، وهو الذي حكاه الرافعي عن " التهذيب " وغيره، وحكى عن الإمام أنه ينبغي إن كانت مدة يعتبر فيها إذن الولي الغائب وقطع المسافة ذهابًا ورجوعًا .. انتظرت إفاقته، وإلا .. فيزوج الحاكم، ويرجع في معرفة مدته إلى أهل الخبرة 251، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المعتمد.
3534/ 2 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وهل يجوز أن يكون الولي أعمى؟ قيل: يجوز،
الحديث: 3534 - الجزء: 2 - الصفحة: 540
وقيل: لا يجوز) الأصح: جوازه، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 252، وخص أبو على الفارقي الخلاف بما إذا لم تر المرأة الزوج، فإن رأته ورضيت به .. ولي قطعًا.
واستشكل ابن معن الخلاف، وقال: ينبغي إذا رأته ورضيت به .. أن يصح قطعًا، وإلا .. فلا قطعًا، وفي " الكفاية ": إن قلنا: يلي والصداق عين .. لم يثبت المسمى إن منع بيع الغائب، وتناول إطلاقهم القاضي، لكن لا يحتاج للتنبيه عليه؛ لانعزاله بالعمى، فلو ولى القاضي العقود أعمى .. فلم أر التصريح به، وظاهر إطلاقهم في القضاء منعه، وهو الظاهر، ويجري خلاف الأعمى في الأخرس إن كانت له إشارة مفهمة.
3535 - قولهم: (ولا ولاية لفاسق) 253 فيه أمران:
أحدهما: تبع " المنهاج " و" الحاوي " فيه " المحرر " فإنه قال: إنه الظاهر من أصل المذهب 254، وحكى في " الشرح " عن الروياني وغيره أنه ظاهر المذهب، لكنه قال: أفتى أكثر المتأخرين لا سيما الخراسانيون: بأنه يلي 255، وصححه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وفي زيادة " الروضة " عن الغزالي: أنه قال: إن كان بحيث لو سلبناه الولاية لانتقل إلى حاكم يرتكب ما نفسقه به .. ولي، وإلا .. فلا، وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن، وينبغي العمل به 256، واختاره ابن الصلاح في " فتاويه " 257، وقواه السبكي تفريعًا على انعزال القاضي بالفسق، قال: وأما إن لم نعزله به .. فهو أولى من الفاسق القريب.
ثانيهما: يستثنى من منع ولاية الفاسق: الإمام الأعظم .. فالأصح تفريعًا على أنه لا ينعزل بالفسق - وهو الأصح -: أنه يزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة، وفي " التتمة " عن الأصحاب: أنه يزوج بنات غيره دون بناته، وقال السبكي: إذا قلنا: إن القاضي لا ينعزل بالفسق .. كان كالإمام، واختار تبعًا للقاضي حسين أن يولي الإمام الفاسق قاضيًا ليزوج، ولا يباشر التزويج بنفسه، قال: وكذا أقول إذا ولى قاضيًا لا يصلح، وحيث منعنا ولاية الفاسق .. فقال البغوي: إذا تاب .. زوج في الحال 258، وذكر المتولي نحوه في العضل، وقال الرافعي: القياس وهو المذكور في (الشهادات): اشتراط الاستبراء 259.
الحديث: 3535 - الجزء: 2 - الصفحة: 541
3536 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ولا يجوز أن يكون ولي المسلمة كافرًا، ولا ولي الكافرة مسلمًا، إلا السيد في تزويج الأمة والسلطان في نساء أهل الذمة) فيه أمور:
أحدها: الظاهر أن الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة؛ فإن المسألة الثانية من المستثنى تختص بالأخيرة قطعًا، فكذلك الأولى، وجعله في " الكفاية " منهما، ويوافقه استدراك النووي في " تصحيحه " أن الأصح: أن الكافر لا يزوج أمته المسلمة 260، والحق: أنه لا حاجة لاستدراكها؛ لاختصاص الاستثناء بالأخيرة، وأن الأولى باقية على عمومها.
ثانيها: استشكل استثناء مسألة تزويج السيد المسلم أمته الكافرة؛ فإن تزويجه مفرع على أنه يزوج بالملك، وهو الأصح، والاستثناء من الولاية؛ ولهذا لم يستثنها " الحاوي "، وأطلق أن اختلاف الدين ينقل الولاية للأبعد 261، وقال قبل ذلك: (ويزوج المسلم أمته الكافرة لا الكافر أمته المسلمة) 262 ويرد عليه مسألة السلطان، لكنه ظاهر إطلاقه ولاية السلطان عند فقد عصبة النسب والولاء، إلا أنه محمول على جعله اختلاف الدين مانعًا من الولاية، فهي واردة عليه.
ثالثها: تناول إطلاق " التنبيه " و" الحاوي " تزويج المسلم أمته المجوسية أو الوثنية 263 وهو ما صححه الشيخ أبو على، وصرح به البارزي تبعا لصاحب " التعليقة " في المجوسية، وصحح البغوي المنع فيهما.
رابعها: استثنى في " الروضة " من زيادته صورة ثالثة وهي: تزويج أمة موليته 264، ويستثنى رابعة، وهي: تزويج المسلم الكافرة المملوكة لمحجوره المسلم وكان المزوج أبًا أو جدًا كما هو معروف في موضعه.
خامسها: مفهومه أن الكافر يلي الكافرة، وبه صرح " المنهاج "، وهو محمول على العدل في دينه، وتعبيره بقوله [ص 377]: (ويلي الكافر الكافرة) أعم من قول " المحرر ": (والكافر يلي نكاح ابنته الكافرة) 265 لأنه لا فرق بين البنت وغيرها، لكن يترجح تعبير " المحرر " بتقديمه الاسم؛ لدلالته على الحصر، فكأنه قال: االكفر لا يلي إلا الكافرة، ولفظ " المنهاج " لا يفيد الحصر، فيكون ساكتًا عن تزويج الكافر المسلمة وعكسه، ذكره السبكي.
سادسها: ظاهر كلامهم أنه يجوز أن يكون ولي اليهودية نصرانيًا وبالعكس، وقال الرافعي:
الحديث: 3536 - الجزء: 2 - الصفحة: 542
يمكن أن يلحق بالإرث، ويمكن أن يمنع 266، وقال في " الكفاية ": قطع أصحابنا بأنه لا يؤثر كالإرث، وحكاه في " المهمات " عن الماوردي والروياني والإمام 267، وفي " التتمة ": إن قلنا: الكفر ملة واحدة .. زوج، أو ملل .. فلا، وصحح ابن يونس في " النبيه " المنع، وقال في " المهمات ": يحسن المنع في المجبرة دون غيرها بناء على أن شرط المجبر ألَّا يكون عدوًا للمجبرة.
سابعها: وظاهر كلامهم أيضًا: أنه يجوز أن يكون ولي الحربية ذميًا وبالعكس، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على نقل في ذلك، وقياس ما ذكروه في الإرث: أن يمنع ولاية الحربي على الذمية وبالعكس، قال: وذو العهد كالذمية، على الأصح.
ثامنها: محل تزويج السلطان نساء أهل الذمة: إذا لم يكن لهن ولي خاص، فمن لها منهن ولي خاص .. زوجها وليها إن كان خاطبها ذميًا قطعًا، وكذا إن كان مسلمًا في الأصح.
3537 - قول " المنهاج " [ص 377]: (وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة يمنع صحة النكاح) لو قال: (أو أحد الزوجين) .. لكان أحسن، ليتناول ما إذا كان الزوج محرمًا ووكيله حلالًا، وقد ذكره بعد من زيادته فقال: (ولو أحرم الولي أو الزوج فعقد وكيله الحلال .. لم يصح) 268، واقتصر " الحاوي " على ذكر إحرام الولي سواء باشر العقد أم لا 269، وفي " التنبيه " في (الحج) [ص 72]: (ويحرم عليه أن يتزوج أو يزوج) فلم يتناول الوكيل الحلال والولي محرم.
ويستثنى من إحرام الولي: ما إذا أحرم الإمام الأعظم .. فللقضاة ونوابهم تزويج من هو في ولايته العامة حالة إحرامه على أحد وجهين، حكاهما الماوردي من غير ترجيح.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأصح، فلو كان السيد محرمًا فأذن لعبده الحلال في التزويج، أو كان ولي السفيه محرمًا فأذن له في التزويج وهو حلال .. قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف فيه على نقل، والأقرب: المنع، قال: ولو كان الولي حلالًا فزوج أمة المحجور عليه المحرم وهي حلال والزوج حلال .. فالصواب: الصحة.
انتهى.
ولو وكل حلال حرمًا ليوكل حلالًا بالتزويج .. صح على الأصح؛ لأنه سفير محض ليس إليه من العقد شيء.
3538 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ولا ينقل الولاية في الأصح) الخلاف خاص بنقل
الحديث: 3537 - الجزء: 2 - الصفحة: 543
الولاية، وقد فرع عليه قوله: (فيزوج السلطان عند إحرام الولي) وقوله: (لا الأبعد) 270، لا يحتاج إليه؛ فقد جزم بالأصح المتقدم.
3539 - قول " التنبيه " [ص 158]: (أو غاب عنها زوجها الحاكم ولم تنتقل الولاية إلى من بعده) ثم قال: (وقيل: إن كانت الغيبة إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة .. لم تزوج حتى يُستأذن) هذا هو الأصح، ونص عليه في " الإملاء "، وعليه مشى " الحاوي " و" المنهاج " 271 وتعبيره بقوله: (ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين) 272 أحسن من تعبير " الحاوي " بقوله [ص 458]: (وإن غاب سفر قصر) لأنه قد تكون غيبته معصية، فلا يكون سفر قصر، وهي مرحلتان، ولا يرد ذلك على " التنبيه " لأنه اعتبر القصر من حيث المسافة خاصة، فلا يرد عليه امتناع القصر بسبب آخر، وهو المعصية، ولم يصرح " الحاوي " بأن مراده سفر القصر من حيث المسافة، ثم ما ذكروه في الغيبة هو فيما إذا عرف مكانه وأمكن الوصول فإن كان مفقودًا لا تعرف حياته ولا موته .. زوجها السلطان أيضًا، فإذا انتهى الأمر إلى غاية يحكم فيها بموته وقسم ماله بين ورثته .. انتقلت الولاية إلى الأبعد، وإن عرف مكانه وتعذر الوصول إليه لخوف في الطريق أو فتنة .. ففي الجيلي عن " الحلية ": أنه يجوز له التزويج بدون مراجعة في الأصح.
قال في " الكفاية ": ويعضده ما حكيته عن الأصحاب في الوديعة إن تعذر الوصول إلى مالكها بمثل هذا السبب عند إرادة الموح سفرًا بمنزلة ما إذا كان مالك الوديعة مسافرًا.
3540 - قول " التنبيه " [ص 158]: (ويجوز للولي أن يوكل من يزوج) قد يتناول توكيل غير المجبر قبل إذنها له في التزويج، والأصح: منعه؛ ولذلك قال في " المنهاج " [ص 378]: (ولو وكل قبل استئذانها في النكاح .. لم يصح على الصحيح).
3541 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد إلا بإذنها) أي: في التوكيل، ولا بد من تقييد الأب والجد بكونهما مجبرين، فغير المجبر منهما كغيرهما في مجيء هذا الوجه فيه.
3542 - قوله: (ويجب أن يعين الزوج في التوكيل في أحد القولين) 273 الأظهر: أنه لا يجب، وعليه مشى " المنهاج " 274، ومحلهما: إذا أطلقت الإذن للولي، أو كان مجبرًا، فأما إذا عينته لغير المجبر .. فليعينه الولي للوكيل، فإن لم يفعل وزوج من غيره .. لم يصح، وإن اتفق التزويج
الحديث: 3539 - الجزء: 2 - الصفحة: 544
منه .. فالأظهر: المنع أيضًا، وظاهر كلامهم طرد الخلاف وإن رضيت بترك الكفاءة.
قال الإمام: والقياس: تخصيصهما بمن لم ترض، وإلا .. لم يشترط 275.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: بل القياس الإطلاق؛ لأن المعنى المقتضي للتعيين اختلاف الرغبات بالنسبة إلى الأشخاص، وذلك لا يختلف بالكفء وغيره؛ ولهذا لو وكل الرجل في قبول النكاح .. ففي اشتراط التعيين وجهان مختلف في الترجيح فيهما، وليس من جهة الكفاءة، بل من الجهة التي قدمناها.
3543 - قول " المنهاج " [ص 377]: (ويحتاط الوكيل فلا يزوج غير كفء) يرد عليه أنه لا يزوج كفئًا أيضًا، وقد طلبها أكفاء منه، فلو زوج غير كفء أو كفئًا مع خطبة أكفاء منه .. لم يصح على الأصح.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب؛ القطع به وإن جرى الخلاف في الولي؛ لأن قضية الإطلاق الحمل على المصلحة كما إذا أطلق .. يبيع بثمن المثل.
3544 - قوله: (وغير المجبر إن قالت له: " وَكِّل " .. وَكَّلَ) 276 يتناول ما إذا قالت: (زوج ووكّل) وما إذا قالت: (وكّل) وسكتت عن التزويج، وما إذا قالت: (وكّل ولا تزوج) وقد نقل الإمام هذه الأخيرة عن الأئمة: بطلان الإذن 277.
3545 - قوله: (وإن قالت: " زوجني " .. فله التوكيل في الأصح) 278 مخالف لظاهر النص؛ حيث قال: جاز للولي الذي لا أمر للمرأة معه أن يوكل، وهذا للأب خاصة في البكر، ولم يجز لولي غيره للمرأة معه أمر أن يوكل، أبٌ في ثيب، ولا غير أب إلا بأن تأذن له أن يوكل بتزويجها؛ فيجوز بإذنها، حكاه شيخنا الإمام البلقيني.
3546 - قوله: (وليقل وكيل الولي: " زوجتك بنت فلان ") 279 أي: وإن لم يقل: موكلي؛ هذا إذا كان الزوج يعلم الوكالة، وإلا .. اشترط، قاله في " التتمة ".
3547 - قول " التنبيه " [ص 158]: (وإن كانت مجنونة؛ فإن كانت صغيرة .. جاز للأب والجد تزويجها، وإن كانت كبيرة .. جاز للأب والجد والحاكم تزويجها) اقتصر في الكبيرة على الجواز، وهو واجب عند الحاجة، وقد صرح به " المنهاج " فقال [ص 378]: (ويلزم المجبر تزويج مجنونة بالغة) و" الحاوي " فقال بعد ذكر الأب ثم الجد [ص 456]: (ولزمه تزويج المجنونة التائقة، ثم
الحديث: 3543 - الجزء: 2 - الصفحة: 545
السلطان المجنونة بالحاجة) وعبارته أحسن من عبارة "المنهاج" هنا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قد يفهم من لفظ الإجبار اختصاص ذلك بالبكر؛ فإنها التي تجبر، وليس كذلك، فلا فرق هنا بين البكر والثيب.
ثانيها: أنه لم يعتبر الحاجة مع ذكره لها في المجنون ولا بد منها في المجنونة أيضاً بالنسبة للوجوب.
ثالثها: أنه لم يذكر تزويج الحاكم للمجنونة، لكن ذكر "المنهاج" المسألة بعد ذلك في فصل آخر، وعبر بعبارة سالمة من الأمور الثلاثة فقال: (ويزوج المجنونة أب أو جد إن ظهرت مصلحة، ولا تشترط الحاجة، وسواء صغيرة وكبيرة، ثيب وبكر، فإن لم يكن أب وجد .. لم تزوج في صغرها، فإن بلغت .. زوجها السلطان في الأصح للحاجة، لا لمصلحة في الأصح) 280 وقد تفهم عبارة "التنبيه" مساواة الحاكم للأب والجد في تزويج المجنونة الكبيرة، وليس كذلك؛ فإنهما يزوجانها بالمصلحة، والحاكم لا يزوجها إلا بالحاجة كما أفصح به "الحاوي" 281، وقول "الحاوي" [ص 456]: (وشاور الأقارب) ظاهره الوجوب، وبه صرح البغوي والخوارزمي، وقال الإمام بالاستحباب 282، وصححه الروياني، وقال: إنه ظاهر النص، ويوافقه قولهم في الخطبة على الخطبة: إن المعتبر رد السلطان وإجابته، ثم هذا كله في المطبقة، فلو كان جنونها متقطعاً .. فلا تزوج حتى تفيق فتأذن، ويشترط وقوع العقد حال الإفاقة، وصرح "المنهاج" و"الحاوي" بأنه لا يلزم تزويج الصغيرة المجنونة 283، لكن لو ظهرت الغبطة فيه .. ففيه احتمالان للإمام، ومال إلى الوجوب.
3548 - قول "المنهاج" [ص 378]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 456]: (ومجنون ظهرت حاجته) يرد عليه أن محله: في المطبق، وأن الحاكم يزوجه أيضاً عند فقد الأب والجد، وقد ذكرهما "التنبيه" فقال [ص 157]: (وإن كان مجنونًا؛ فإن كان يفيق في وقت .. لم يزوج إلا بإذنه، وإن كان لا يفيق وهو محتاج .. زوجه الأب أو الجد أو الحاكم) وفي احتياج الحاكم إلى مشاورة الأقارب ما تقدم في المجنونة، وهو في "الروضة" وأصلها 284، وزعم في "المهمات" أن الرافعي أغفله، وليس كذلك، والمراد بحاجته إلى النكاح: إما ظهور رغبته فيهن بدورانه حولهن
الحديث: 3548 - الجزء: 2 - الصفحة: 546
وتعلقه بهن، أو يتوقع شفاؤه بالوطء، أو بأن يحتاج لخدمته ولا يوجد في محارمه من يحصل ذلك، وتكون مؤنة النكاح أخف من ثمن جارية.
واستشكل الرافعي هذا: بأن الزوجة لا يلزمها خدمته، فربما تمتنع، أو لا تفي إن وعدت 285.
وأجاب بعضهم: بأن طبعها يدعوها إلى خدمته.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر كلامهم أن الوصي لا يزوج المجنون، ويعضده نص الإمام، لكن في "الشامل" في الوصايا ما يقتضي أنه يزوجه، وهو الأقرب في الفقه؛ لأنه ولي المال، وإنما أراد الشافعي وأصحابه إخراج العصبات لا الوصي؛ فإنه قائم مقام الأب.
3549 - قول "المنهاج" [ص 378]: (ويلزم المجبر وغيره إن تعين إجابة ملتمسة التزويج) شرطه: أن تكون بالغة، وقد ذكره في العضل، فقال: (إذا دعت بالغة عاقلة) وأوردناه هناك على عبارتي "التنبيه" و"الحاوي" 286.
3550 - قول "المنهاج" [ص 378]: (وإذا اجتمع أولياء في درجة .. استحب أن يزوجها أفقههم وأسنهم برضاهم) فيه أمور:
أحدها: عبارة "التنبيه" [ص 158]: (وإن استوى اثنان في الدرجة والإدلاء .. فالأولى: أن يقدم أسنهما وأعلمهما وأفضلهما) فزاد الاستواء في الإدلاء؛ ليحترز به عن نحو أخوين أحدهما شقيق والآخر لأب؛ فإنهما مستويان في الدرجة مع أن الولاية للشقيق؛ لتميزه بالإدلاء بالأم، فكان ينبغي لـ"المنهاج" الاحتراز عن ذلك أيضاً، وقد يقال: ليسا في درجة واحدة ولا حاجة للاحتراز.
ثانيها: ليس في عبارته إفصاح عن تقديم الأفقه على الأسن؛ فإن الواو لا تدل على الترتيب، وقد صرح بذلك "الحاوي" فقال [ص 459]: (وقدم الأفقه ثم الأسن) ويرد عليه الأورع، وقد ذكره الرافعي بينهما فقال: الأفقه ثم الأورع ثم الأسن 287، وحمل في "الكفاية" عبارة "التنبيه" المتقدمة على الترتيب؛ أي: يقدم الأسن ثم الأعلم ثم الأفضل، وليس في عبارته ما يدل عليه، وهو مخالف لكلام الرافعي والنووي 288.
ثالثها: صورة ذلك: أن تأذن المرأة لكل من الأولياء منفرداً، أو تقول: أذنت في تزويجي من فلان، فمن شاء منكم .. فليزوجني به، وكذا لو قالت: رضيت بفلان زوجاً على الأصح، وقيل:
الحديث: 3549 - الجزء: 2 - الصفحة: 547
لا تزوج في هذه الصورة، أما لو أذنت لأحدهم .. لم يزوج غيره، ولو قالت: زوجوني .. اشترط اجتماعهم في الأصح.
3551 - قولهم: (فإن تشاحوا .. أُقرع) 289 شرطه: أن تأذن لجميعهم كما تقدم، وأن يتحد الخاطب، فإن تعدد ورغب كل ولي في خاطب .. فالتزويج ممن رضيت به، فإن رضيتهما .. أمر الحاكم بالتزويج من أصلحهما، قاله البغوي 290 والرافعي في "الشرح الصغير"، وقال المارودي والروياني والمتولي: يزوجها السلطان بأصلحهما وهما عاضلان؛ لامتناع كل من التزويج ممن رضيه الآخر، وعليه حمل قوله عليه الصلاة والسلام: " فإن اشتجروا .. فالسلطان ولي من لا ولي له" 291، ولا يقرع؛ لئلا يصير قارعاً بين الزوجين.
3552 - قول "التنبيه" [ص 158]: (فإن خرجت القرعة لأحدهما فزوج الآخر .. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الأصح: الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 292، ولا يخفى أن الصورة عند إذنها لكل منهم، وقد قيده به "المنهاج" 293 و"الكفاية"، قال الرافعي: وهل يختص البطلان بقرعة السلطان أم يعم؟ فيه تردد للإمام 294، وعلى الصحة: يكره في قرعة السلطان دون غيره، قاله الإمام بحثاً 295، وخرج بقيد خروج القرعة لأحدهما ما لو بدر واحد وزوج مع التنازع قبل القرعة .. فإنه يصح قطعاً بلا كراهة، قاله القاضي مجلي.
3553 - قول "المنهاج" [ص 378]: (ولو زوجها أحدهم زيداً والآخر عمراً) المسألة بأحوالها الخمسة محلها كما قال المارودي: ما إذا كانا كفئين، فإن كانا غير كفئين .. فنكاحهما باطل، أو أحدهما كفء .. فنكاحه هو الصحيح ولو تأخر 296.
3554 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو سبق معين ثم اشتبه .. وجب التوقف حتى يتبين) 297 قال شيخنا الإمام البلقيني: المختار عندي في هذه الصورة عند اليأس من التبين: عدم التوقف، والمصير إلى إنشاء الفسخ.
الحديث: 3551 - الجزء: 2 - الصفحة: 548
3555 - قول "الحاوي" فيما إذا التبس السابق في إنكاح وليين [ص 459]: (ولا نفقة) تبع فيه الإمام؛ فإنه صححه 298، وكلام "الوسيط" 299 يقتضى ترجيحه أيضاً، والذي في "الوجيز" أنهما يتفقان 300، وبه أجاب ابن كج، وليس في "الروضة" وأصلها إفصاح بترجيح 301.
3556 - قول "المنهاج" [ص 378]: (فإن ادعى كل زوج علمها بسبقه .. سُمعت دعواهما بناءً على الجديد - وهو قبول إقرارها بالنكاح -) فيه أمور:
أحدها: كذلك لو ادعى ذلك إحداهما فقط .. كانت دعواه مسموعة، وهو مفهوم من ذكر المبني عليه وهو قبول إقرارها بالنكاح.
ثانيها: لو عبر بقوله: (علمها بأنه السابق، أو بسبق نكاحه) .. لكان أحسن؛ لاحتمال عود الضمير في قوله: (بسبقه) 302 على مطلق النكاح، فيتناول دعوى كل علمها بسبق أحدهما من غير تعيين، ومن المعلوم أن هذه دعوى لا تسمع لعدم الفائدة فيها، لكن المراد: علمها بسبق نكاحه كما في "المحرر" 303، وقال شيخنا ابن النقيب: لو قال: (علمها السابق) .. لكان أحسن 304، وهذه عبارة مدخولة؛ فإنه لا تسمع دعوى كل علمها بالسابق حتى يقرن به، وأنه هو السابق، فما ذكرناه أولاً أولى.
ثالثها: خرج بذلك دعوى أحدهما على الآخر، فلا تسمع خلافا للصيدلاني وغيره، والدعوى على الولي مع أنها مسموعة إذا كان مجبراً على الأصح؛ لما تقدم من قبول إقرار المجبر دون غيره.
3557 - قوله: (فإن أنكرت .. حلفت) 305 يحتمل أن تحلف لكل واحد منهما يميناً، وأن تحلف لهما يميناً واحدة، وبالأول قال البغوي 306، وصححه السبكي، وبالثاني قال القفال والإمام والغزالي وغيرهم إن حضرا، لكن اعتبر الإمام رضاهما بها 307، وإن حضر أحدهما وحلفها ثم جاء الآخر .. ففي تحليفها له وجهان جاريان في كل اثنين ادعيا شيئاً واحداً كما قال الرافعي هنا 308،
الحديث: 3555 - الجزء: 2 - الصفحة: 549
وجزم في (اللعان) فيما إذا ادعيا عليه مالاً فأنكر .. بأنه يحلف لكل منهما يميناً 309، وكذا في (الدعاوى) 310، فإن رضوا بيمين واحدة .. فالأصح عند النووي: المنع 311، وينبغي أن يقال: إن حلفت أنها لا تعلم أنه السابق .. فللآخر تحليفها قطعاً، وإن حلفت أنها لا تعلم السابق .. فهو موضع الخلاف في أنه هل يحتاج إلى يمين للآخر أم لا؟
3558 - قول "الحاوي" [ص 460]: (فإن حلفت بجهل السابق .. فالنكاح لمن حلف) تبع فيه الإمام والغزالي؛ فإنهما قالا: إن التداعي بين الزوجين والتحالف إنما ينكر ابتداء، فأما بعد الدعوى عليها وحلفها .. فيتداعيان، فإن حلفا أو نكلا .. استمر الإشكال، وإن حلف أحدهما فقط .. قضي له بالنكاح 312، لكن الذي نص عليه في "الأم" وقال به العراقيون والماوردي كما حكاه ابن الرفعة: أنه لا تحالف بينهما مطلقاً، ويبقى الإشكال 313، وصرح ابن الرفعة تفريعاً عليه بأنه يبطل النكاحان.
3559 - قول "المنهاج" [ص 378]: (وإن أقرت لأحدهما .. ثبت نكاحه.
وسماع دعوى الآخر وتحليفها له يبنى على القولين فيمن قال: "هذا لزيد بل لعمرو" هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا: نعم .. فنعم) هو الأصح فيهما.
3560 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا يجوز لأحد أن يتولى الإيجاب والقبول في نكاح واحد، وقيل: يجوز للجد أن يوجب ويقبل في تزويج بنت ابنه بابن ابنه) هذا الوجه هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" 314، و"الحاوي" ذكره في (البيع) لكنه عبر بالوالد 315، ومراده: الجد، وشرطه: كون الابن صغيراً أو مجنوناً، وكون بنت الابن بكراً أو مجنونة، وكون أبويهما ميتين أو مسلوبي الولاية لفسق ونحوه.
وأفهم كلامهم أنه لا يجوز في غير هذه الصورة، فلو وكل الولي والخاطب واحداً أو وكله في تزويج بنته من نفسه فتولى الطرفين .. لم يصح على الصحيح، ولو تولى الطرفين في تزويج عبده بأمته .. صح إن قيل: له إجباره، والأصح: خلافه.
وفى "البحر": لو أراد الحاكم تزويج مجنون بمجنونة .. لا نص فيه، والقياس: أن لا يتولى الطرفين ولا يحتمل على المذهب غيره.
الحديث: 3558 - الجزء: 2 - الصفحة: 550
3561 - قول "المنهاج" [ص 379]: (فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها .. زوَّجه من فوقه من الولاة أو خليفته) كذا من هو مثله في بلده أو غيرها وفى معناه: الإمام الأعظم، فيزوجه خليفته القاضي، وفي الإمام وجه أنه يزوج نفسه، حكاه في "التنبيه" (1)، وفى معنى إرادتهما التزويج: ما لو أراد أحدهما تزويج من لا ولي لها لابنه الصغير.
فَصْلٌ [في اعتبار الكفاءة]
3562 - قول "التنبيه" [ص 159]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 459]: (ولا يزوج أحد من الأولياء المرأة من غير كفء إلا برضاها ورضا سائر الأولياء) المراد: الذين لهم ولاية حال العقد؛ ولهذا عبر "المنهاج" [ص 379] ب (الأولياء المستوين)، لكن كلام الأصحاب يقتضي أن الأبعد لا يكون وليًا مع الأقرب، وحينئذ .. فقوله: (المستوين) زيادة بيان، لا احتراز، وقد يقال: إن الأبعد ولي أيضاً، لكن الأقرب مقدم عليه فيحتاج إلى الاحتراز عنه، فإن قيل: لم لا يجب رضا الأبعد للقرابة وإن لم يكن له الاَن حق لما يلحقه من العار؟ قلت: لأن القرابة تنتشر كثيراً فيشق اعتبارها، ولا ضابط نقف عنده، فقصر على الأقرب.
3563 - قول "التنبيه" [ص 159]: (فإن زوجها من غير كفء بغير رضاها أو بغير رضا بقية الأولياء .. فالنكاح باطل، وقيل: فيه قولان، أحدهما: أن النكاح باطل، والثاني: أنه صحيح ولها الخيار) فيه أمور:
أحدها: أن الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: بطلان النكاح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 317.
ثانيها: صورة المسألة: إذا كان الولي مجبراً، أو كان غير مجبر أذنت له من غير تعيين زوج وجوزناه وهو الأصح، وقد ذكر "المنهاج" التصويرين، إلا أنه في تصوير غير المجبر قال: (برضاها دون رضاهم) 318، وقد عرفت أنه يتصور مع رضاها في إذنها من غير تعيين، وقال في تفريع الضعيف فيما إذا كان بغير رضا بقية الأولياء: (ولهم الفسخ) 319، وفيما إذا كان بغير رضاها: (وللبالغة الخيار، وللصغيرة إذا بلغت) 320.316
الحديث: 3561 - الجزء: 2 - الصفحة: 551
ثالثها: قد ظهر بذلك أن قوله في تفريع الضعيف: (ولها الخيار) ناقص؛ لاختصاصه بصورة ما إذا كان ذاك بغير رضاها، أما إذا كان بغير رضا بقية الأولياء .. فالخيار لهم كما ذكره "المنهاج" 321، وتناولت عبارة "التنبيه" القاضي، فمقتضاها: أن له تزويج من لا ولىّ لها من غير كفء برضاها، والأصح في "المنهاج": بطلانه 322، وعليه مشى "الحاوي" 323، وقال بالصحة الشيخ أبو محمد والإمام والغزالي 324، ومال إليه السبكي إلا أنه توقف آخراً بعد الكلام على حديث فاطمة بنت قيس، وقال بالصحة شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وقال: إن ما صححه الرافعي والنووي من البطلان ليس بالمعتمد، وليس للشافعي نص شاهد به، ولا وجه له، وهو مخالف لمذهب أكثر العلماء.
انتهى 325.
ثم اعلم: أن محل الخلاف: عند تزويج القاضي لفقد الولي، فلو زوج لغيبة الولي أو عضله أو إحرامه .. لم يكن له ذلك قطعاً، وذلك شاهد للوجه الآخر، ولو كان في الولي مانع من فسق ونحوه وليس بعده إلا القاضي فزوج من غير كفء برضاها .. فظاهر إطلاقهم طرد الوجهين.
قال السبكي: ولو قيل: إنه كالعضل .. لم يبعد.
3564 - قول "التنبيه" [ص 159]: (والكفاءة في الدين والنسب والصنعة والحرية) أهمل السلامة من العيوب المثبتة للخيار، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 326 ثم هو على عمومه فيما إذا كانت الكفاءة لحق المرأة كالمجبرة أو غيرها إذا أطلقت الإذن وصححناه، لكن استثنى منه البغوي: التعنين؛ لعدم تحققه، وإطلاق الجمهور - وبه صرح الشيخ أبو حامد -: أنه لا فرق، وصوب في "المهمات" استثناء البغوي، لما رجحوه من أن الرجل قد يعن عن امرأة دون أخرى وفي نكاح دون آخر مع اتحاد المرأة، حتى يثبت للمرأة الفسخ بالعنة في النكاح مع علمها بعنيته؛ إما عن غيرها أو عنها نفسها في نكاح آخر.
قال: وما قاله أبو حامد هو على القول الآخر، وهو الاكتفاء بما ثبت من العنة، وأما الكفاءة التي هي حق للولي .. ففي الجنون وكذا الجذام والبرص في الأصح، لا في الجب والعنة، وسيأتي بيانه في (الخيار)، وقول "الحاوي": (وليست النسيبة) إلى قوله: (كفء غيرٍ) 327 كان ينبغي أن يقول: (وليست غير النسيبة ... ) إلى آخره
الحديث: 3564 - الجزء: 2 - الصفحة: 552
(كفؤاً لها)، فإن المتبادر إلى الفهم عرفاً من قولنا: ليس زيد كفئاً لعمرو: أن عمراً أشرف، وهذا عكس المراد هنا.
3565 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا حرة بعبد) و"الحاوي" [ص 459]: (وليست الحرة كفء غيرٍ) كذا الحرة الأصلية مع العتيق، وقد ذكرها "المنهاج" 328، وكذا من مس الرق أحد آبائه وولد حراً .. ليس كفئاً لمن لم يمس الرق أحد آبائها على المذهب، وعلى هذا من مس الرق أباه أو جداً له قريباً .. ليس كفئاً لمن مس جداً بعيداً لها، واستشكله السبكي، وكذا من مسه الرق وعتق .. ليس كفئاً لمن عتق أبوها كما ذكره أبو محمد بن الحسين، وانفرد به، قال ابن الصلاح: وأظنه ابن القاضي حسين، ومن مس الرق أما له أو جدة .. قال الرافعي: يشبه أنه كذلك 329، ووافقه ابن الرفعة، وفي كلام الماوردي ما يؤيده 330، وفي "الروضة": المفهوم من كلامهم أنه لا يؤثر، وصرح به في "البيان" 331، والمدبر والمكاتب والمبعض كالقن، وهل العبد كفء للمبعضة؟ فيه وجهان، حكاهما الماوردي 332، وصحح في "الذخائر": أنه ليس كفئاً لها.
3566 - قول "التنبيه" [ص 159]: (ولا هاشمية بغير هاشمي) دخل في غير الهاشمي المطلبي، مع أنه كفء للهاشمية، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 333، ومقتضى كلامهم: أن غير قريش من العرب أكفاء، وحكاه الرافعي عن جماعة 334، وقال النووي: إنه مقتضى كلام الأكثرين 335؛ لكن قال الرافعي: يقتضي اعتبار النسب في العجم اعتباره فيمن سوى قريش من العرب 336، قال النووي: وذكر الشيخ إبراهيم المروذي: أن غير كنانة ليسوا أكفاء لكنانة 337، واستدل له السبكي بقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله اصطفى من العرب كنانة "، قال: وهو حديث صحيح 338، وقال الماوردي والروياني: قال البصريون من أصحابنا: غير قريش
الحديث: 3565 - الجزء: 2 - الصفحة: 553
متكافئون، وقال البغداديون: بالتفاضل؛ فيفضل مضر على ربيعة، وعدنان على قحطان؛ اعتباراً بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم 339.
وقال في "المهمات": اعتبار النسب في الكفاءة أضيق منه في الإمامة العظمى؛ ولهذا قال: سووا بين قريش في الإمامة، ولم يسووا بينها في الكفاءة، وقد جزم الرافعي في الإمامة: بأنه إذا لم يوجد قرشي مستجمع الشروط .. نصب كناني، فإن لم يكن .. فمن ولد إسماعيل؛ فإن تعذر .. انتقلنا إلى العجم 340، فتقديم الكناني في النكاح أولى، ومقتضى كلام "التنبيه" و"الحاوي": عدم اعتبار النسب في العجم، والأصح: خلافه، وقد صرح به "المنهاج" 341.
3567 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فليس فاسق كفء عفيفة) 342 قد يفهم أنه لا يعتبر ذلك في آبائهما، وبه صرح ابن الرفعة، وقال: فمن أبوه كافر .. كفء لمن أبوها مسلم، ولكن في "أصل الروضة": أن من أسلم بنفسه ليس كفئاً لمن لها أبوان فأكثر في الإسلام في الأصح، وفي معنى الفسق والعفة: أن المبتدع ليس كفئاً للسُّنِّية 343، وقال في "المهمات": الذي يتوجه عند زيادة الفسق أو اختلاف نوعه عدم الكفاءة، قيل: ولا يشك أن الفسق بالقتل والسكر ليس في تعدي المفسدة والنفرة؛ كالعقوق وترك الصلاة ونحوهما.
3568 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فصاحب حرفة دنيئة ليس كفء أرفع منه) 344 قد يفهم منه أنه لا يضره حرفة أبيه الدنيئة، لكن قال الرافعي: الحرفة الدنية في الآباء والاشتهار بالفسق مما يُعيَّر به الولد؛ فيشبه أن من حرفة أبيه دنية أو مشهور بفسق مع بنت من ليس كذلك؛ كمن أسلم بنفسه مع بنت المسلم، ثم قال: والحق: بأن يجعل النظر في حق الآباء ديناً وسيرة وحرفة من حيز النسب 345، وفي "المهمات" عن " الإشراف" للهروي: الجزم بخلافه، وأن ذلك لا أثر له، وجعل مثله: ولد 346 المعيب كابن الأبرص ونحوه؛ قال الإمام والغزالي: لا عبرة بالانتساب لعظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب وإن تفاخر الناس بهم 347، قال الرافعي: ولا يساعد
الحديث: 3567 - الجزء: 2 - الصفحة: 554
عليه كلام النقلة في العظماء، قال في "التتمة" في الكفاءة: وللعجم عرف في الكفاءة؛ فيعتبر عرفهم (1).
قلت: تتمة كلام "التتمة": وهو أنهم يقدمون الأمراء والرؤساء والقضاة والعلماء على السوقة، فيعتبر عرفهم، ولا لجعل السوقة أكفاء لهؤلاء الأصناف، وقال في "المهمات": عدم اعتبار الانتساب للظلمة واضح وللعظماء ممنوع، وأقل مراتب الإمرة: أن تكون كالحرفة، وصاحب الحرفة الخسيسة لا يكافئ النفيسة.
3569 - قول "المنهاج" [ص 380]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 456]: (وليس له تزويج ابنه الصغير أمة، وكذا معيبة) المراد: العيب المثبت للخيار في النكاح، فلو زوجه عمياء أو عجوزاً أو مفقودة بعض الأطراف .. ففيه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها (2)، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح: أنه لا يجوز؛ فقد نص عليه في "الأم" (3).
فَصْلٌ [في نكاح المحجور عليه بالسفه ونحوه]
3570 - قول "المنهاج" [ص 380]: (وله تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة) لم يتقدم ما يعود عليه هذا الضمير، والمراد: الأب، ثم الجد كما صرح به "المحرر" و"التنبيه" و"الحاوي" 351، وأطلق "التنبيه" تزويجه 352، وصرح "الحاوي" بأنه يزوجه أربعًا 353. 3571 - قول "التنبيه" [ص 158]: (وإن كان سفيهًا وهو محتاج إلى النكاح .. زوجه الأب أو الجد أو الحاكم) فيه أمور: أحدها: أنه أطلق السفيه، وكذا فعل "الحاوي" 354، والمراد: المحجور عليه بالسفه؛ كما عبر به "المنهاج" 355، فخرج سفيه لا حجر عليه؛ بأن بلغ رشيداً ثم سفه، ولم يعد الحجر عليه، وشرطناه وهو الأصح .. فتصرفه نافذ، وجوز ابن الرفعة مجيء خلاف فيه من خلاف في أن دخول348349350
الحديث: 3569 - الجزء: 2 - الصفحة: 555
وقت الشيء هل يقوم مقامه؛ كرمي الجمار؟ وكذلك: من بلغ سفيهاً ولم يتصل به حكم، وهو المهمل .. فيزوجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لأنه ذكره في أقسام غير جائز التصرف، وغير المحجور عليه جائز التصرف.
ثانيها: قد يفهم من عبارته ومن قول "الحاوي" [ص 458]: (بالحاجة): الاكتفاء بدعواه الاحتياج للنكاح، وليس كذلك في الأصح، بل لا بد من ظهور الحاجة بغلبة الشهوة بأمارات تدل عليها، أو باحتياجه إلى من يخدمه بالشرط المتقدم في المجنون، وفيه ما تقدم.
والحق: أن عبارتهما لا تفهم ذلك، بل تقتضي ثبوت الاحتياج، ولم يتعرض "المنهاج" لاعتبار الحاجة في تزويج السفيه، وهو وارد عليه.
ثالثها: قد يفهم تزويجه بغير إذنه، وهو محكي عن العراقيين، والأصح: خلافه؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 381]: (وإن قَبِلَ له وليّه .. اشترط إذنه في الأصح) وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 458]: (وعكسه) أي: عكس تزويجه بإذن الولي، وهو تزويج الولي له بإذنه.
رابعها: مقتضى كلامه: أن الحاكم إنما يزوجه عند فقد الأب والجد؛ ومحل هذا: ما إذا بلغ سفيهاً، فإن بلغ رشيداً ثم أعيد الحجر عليه .. فالأصح: أن الذي يليه هو الحاكم كما ذكروه في (الحجر)، وأحالوا الأمر هنا عليه، وحكى الرافعي هنا: التصريح به عن أبي الفرج الزاز 356.
خامسها: مقتضى كلامه: أنه لا يزوجه الوصي، وهو الذي ذكره النووي في "الروضة" من زيادته، فقال: الأصح: أنه إن كان له أبٌ أو جدٌ .. فالتزويج إليه، وإلا .. فلا يجوز أن يزوجه إلا القاضي أو من فوض القاضي إليه تزويجه، وممن جزم بذلك الشيخ أبو محمد.
انتهى 357.
لكن كلام الرافعي هنا يدل على تزويج الوصي؛ فإنه قال: والكلام فيمن يلي أمر السفيه سبق في الحجر 358، وصرح بذلك في الوصايا، وحذفه من "الروضة" هناك، وحكي عن نص الشافعي في "الأم" و"المختصر" 359، ونقله شيخنا الإمام البلقيني عن الشيخ أبي حامد والماوردي وصاحب "الذخائر"، ومال إليه، وصنف فيه تصنيفاً سماه "الجواب الوجيز عن تزويج الوصي للسفيه"، وهو ظاهر إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" الولي.
3572 - قول "المنهاج" [ص 381]: (فإن زاد .. فالمشهور: صحة النكاح بمهر المثل من المسمى) وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 458]: (ولغا الزائد) ويوافقه قول "التنبيه" في
الحديث: 3572 - الجزء: 2 - الصفحة: 556
(الصداق) [ص 166]: (ولا يتزوج السفيه بأكثر من مهر المثل، فإن زاد .. بطلت الزيادة)، ومقتضاه: ثبوت قدر مهر المثل من عين المسمى، وقال ابن الصباغ: القياس بطلان المسمى والرجوع إلى مهر المثل، ويوافقه قول "المنهاج" في الصداق [ص 397]: (ولو نكح لطفل بفوق مهر المثل .. فسد المسمى، والأظهر: صحة النكاح بمهر المثل)، وقول "الحاوي" هناك فيما يوجب فساد الصداق [ص 478]: (ولابنه بأكثر)، وأما قول "التنبيه" هناك أيضاً [ص 165، 166]: (ولا يزوج ابنته الصغيرة ولا ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل، فإن نقص ذلك وزاد هنا .. وجب مهر المثل وبطلت الزيادة) .. فإنه يقتضي صدره - وهو قوله: (وجب مهر المثل) 360 - إلغاء المسمى، وآخره - وهو قوله: (وبطلت الزيادة) 361 - وجوب قدر مهر المثل من المسمى كما تقدم في السفيه، وهذا الثاني هو الذي فهمه في "المهمات"، وقال: إن صاحب "التنبيه" سوى بينهما، وحكم ببطلان الزائد فقط، وأقره النووي في "تصحيحه".
وقال السبكي: في تصوير المسألة بين الأصحاب وابن الصباغ نظر؛ فإن الولي إن لم يتعرض لمهر .. فالعقد إنما يكون على الذمة، ولا يصح إلا بمهر المثل لا بمسمى غيره؛ فلا يتحقق الخلاف، وإن أذن في عين هي أكثر من مهر المثل .. فينبغي أن يبطل في الزائد، وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة، أو هو كبيعه بالإذن عيناً من ماله، قال: ويمكن أن يصور بقوله: (أنكح فلانة وأصدقها من هذا المال) فأصدق منه أكثر من مهر مثلها، لكن يأتي فيه الخلاف في إذنه في البيع، قال: وقد يصور بما إذا لم ينص على المهر، وعقد على زائد من غير نقد البلد .. فعند ابن الصباغ: يرجع إلى مهر المثل من نقد البلد، وعند غيره: يصح في قدر مهر المثل مما سمى.
3573 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ولو قال: انكح بألف ولم يعين امرأة .. نكح بالأقل من ألفٍ ومهر مثلها) و"الحاوي" [ص 458]: (بأقل مهر اللائقة والمعين) أورد عليه: أن مقتضاه: عدم الصحة فيما إذا نكح بما عينه الولي، وهو مهر مثلها؛ لاشتراطهما الأقلية، والحق: أن هذا لا يرد؛ لأن المراد: الأقلية إن كان أحد الأمرين أقل من الآخر، فأما إذا استويا .. فلا أقلية، وفى قول "الحاوي" [ص 458]: (اللائقة) إشارة إلى أنه لو نكح شريفة يستغرق مهرها ماله .. لم يصح، وقد ذكره "المنهاج" [ص 381] بعد ذلك بقوله: (وينكح بمهر المثل من تليق به) وظاهره: أنه لو فعل غير ذلك .. لم يصح جزماً، وفيه وجهان: اختيار الإمام والغزالي بطلان النكاح 362، ولو أراد "المنهاج" عود الخلاف إلى هذه .. لعطفه على ما قبله، فقال: (وأنه ينكح) وقد يفهم
الحديث: 3573 - الجزء: 2 - الصفحة: 557
من قوله: (وينكح) 363 أنه لا يوكل، وكذا قاله ابن كج، وفيه احتمال لابن الرفعة.
3574 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ولو نكح السفيه بلا إذن .. فباطل، فإن وطئ .. لم يلزمه شيء) يشمل المهر، وصرح به "الحاوي" 364، واستشكله الرافعي؛ لأنه حق للزوجة، وقد تزوَّج جاهلة بحاله 365.
وأجاب عنه بعضهم: بأن حقها بطل بتمكينها، ونقل الماوردي: أن محل الخلاف عند البصريين: عند جهلها، وإلا .. فلا مهر قطعاً، وعند البغداديين: أنه في الحالين 366.
وصورة سقوط المهر: أن تكون المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة .. وجب لها مهر المثل كما ذكره النووي في "فتاويه".
قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": وينبغي أيضاً استثناء من زوجت بالإجبار؛ فإنه لا تقصير من جهتها؛ فإنها لم تأذن والتمكين واجب عليها، وهذه صورة لا مهر في الوطء فيها مع انتفاء الحد، وقد ذكر "الحاوي" معها صورتين أخرتين:
الأولى: أن يزوج عبده أمته.
والثانية: أن يعتقها مريض وهي ثلث ماله وينكحها ويموت .. فلا مهر فيهما 367.
وبقيت صورة رابعة، وهي: ما إذا نكح كافر كافرة بالتفويض واعتقد أن لا مهر ثم أسلما، وهي مذكورة في نكاح المشركات.
وخامسة، وهى: وطء النبي صلى الله عليه وسلم، فمن خصائصه: أنه لا يجب عليه مهر وإن لم يكن العقد بلفظ الهبة.
وسادسة بحثها الرافعي فيما لو أصدق الحربي امرأته مسلمًا استرقوة وأقبضها إياه ثم أسلما وانتزع من يدها .. أنه لا يجب مهر كما لو أصدقها خمراً وأقبضها ثم أسلما 368.
قال في "التوشيح": وبقيت صور لا عقر فيها ولا حد، ولكن فيها التعزير؛ منها: وطء الميتة على خلاف في الحد، ومنها: وطء جاريته المرتدة، ومنها: وطء أخته المملوكة على خلاف فيه، ومنها: وطء الموقوفة على خلاف فيه، ومنها: وطء البائع الجارية المبيعة؛ ففي كل من وجوب الحد والمهر خلاف، ثم قال: ومما ينبغي النظر فيه أيضاً أنه هل المراد بالعقر: المهر
الحديث: 3574 - الجزء: 2 - الصفحة: 558
فيرد أيضاً وطء المملوكة، أو المال مطلقاً فلا يرد؟ لأن وطئه صادر بعد ملكه بعوض من شراء أو ميراث أو غيرهما.
انتهى.
3575 - قول "التنبيه" في كثير من نسخه [ص 157]: (وإن كان يكثر الطلاق .. سُرِّي بجارية) و"الحاوي" [ص 458]: (وإن كان مطلاقاً .. سُرِّي بأمة) صوابه: حذف الباء، وكذا هو في نسخة الشيخ من "التنبيه"، نبه عليه النووي في "تحريره" 369، لكنه عبر به في "الروضة" أيضاً 370، ومقتضى هذا الكلام: أنه لا يسري ابتداءً، والظاهر جوازه، وأنه إنما أريد بالتقييد بكثرة الطلاق: تعين التسري.
3576 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ومن حجر عليه بفلس .. يصح نكاحه، ومؤن النكاح في كسبه) أي: فإن لم يكن له كسب .. ففي ذمته إلى فك الحجر عنه.
3577 - قول "المنهاج" [ص 381]: (ونكاح العبد بلا إذن سيده باطل، وبإذنه صحيح)، وقول "التنبيه" [ص 157]: (وإن كان كبيراً .. تزوج بإذن المولى) لا فرق فيه بين أن يكون السيد ذكراً أو أنثى، وفي تناول اللفظ للأنثى نظر، وقد صرح بذلك "الحاوي" بقوله [ص 455]: (ونُطق السيدة) وأشار إلى أنه لا يكفي سكوتها ولو كانت بكراً.
3578 - قول "التنبيه" [ص 157]: (وإن كان عبداً صغيراً .. زوجه المولى) ثم قال في العبد الكبير: (وهل للمولى أن يجبره على النكاح؟ فيه قولان، أصحهما: أنه ليس له إجباره) 371 الأصح عند الرافعي والنووي: أنه يجري في الصغير القولان في الكبير 372، والأظهر: المنع، والمجنون في معنى الصغير؛ ولهذا أطلق "المنهاج" قوله [ص 382]: (والأظهر: أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح) وعليه مشى "الحاوي" 373، بل حكى الدزماري طريقة ثالثة، وهي: القطع بمنع تزويج الصغير؛ لأن في الكبير غرضاً ظاهراً، وهو الصيانة، بخلافه، لكن ذكر الرافعي في (الرضاع): أنه لو زوج مستولدته من عبده الصغير، فأرضعته بلبن السيد .. حرمت على السيد والصغير معاً 374، وفي التحليل عن الأئمة - إن أَسْلَمَ - طريق في الباب، وأدفعه للعار والغيرة: أن تزوج بعبد طفل للزوج أو غيره، وتستدخل حشفته، ثم تملكه ببيع أو هبة .. فينفسخ النكاح،
الحديث: 3575 - الجزء: 2 - الصفحة: 559
ويحصل التحليل إذا اكتفينا بوطء الصغير، لكنه قال عقبه: ويتعلق بأصل آخر، وهو إجبار العبد الصغير.
قال في "المهمات": وهو تصرف منه مناف لكلامهم، ورجح في "المهمات" تزويج العبد الصغير، وقال: إنه نص الشافعي والأصحاب والقياس الجلي.
3579 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وله إجبار أمته بأيّ صفة كانت) 375 يستثنى منه: أنه ليس له تزويجها لمن به عيب يثبت الخيار، وقد صرح به "التنبيه" بعد ذلك في (باب الخيار في النكاح) و (الرد بالعيب) 376، والمراد أيضاً: الكاملة الرق، أما المبعضة .. فلا تجبر.
3580 - قولهما: (وقيل: إن كانت محرمة عليه .. لزمه تزويجها) 377 المراد: التحريم المؤبد كما ذكره ابن الرفعة وغيره، وقيد ابن يونس في "النبيه" الوجوب بالبلوغ؛ لانتفاء الحاجة مع الصغر، وهو واضح.
3581 - قول "التنبيه" في المكاتبة [ص 158]: (وإن دعت إلى تزويجها .. فقد قيل: يجب، وقيل: لا يجب) صحح ابن الرفعة الأول، والنووي الثاني 378.
3582 - قول "المنهاج" [ص 382]: (ولا يُزَوِّج وليٌ عَبْدَ صبيٍّ) كذلك المجنون والسفيه، فلو عبر بـ (المحجور) .. لكان أولى، والصبية والمجنونة والسفيهة كذلك.
3583 - قول "التنبيه" في أمة المرأة [ص 158]: (فإن كانت المرأة غير رشيدة .. فقيل: لا تزوج، وقيل: يزوجها أب المرأة أو جدها) الأصح الثاني، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 382]: (ويزوج أمته في الأصح) أي: أمة الصبي، والصبية في معناه، وتعبير "التنبيه" بغير الرشيدة أعم 379، لكنه خاص بالأنثى، فلو عبر بـ (المحجور): لكان أعم، وإنما يجوز ذلك بشرط الغبطة؛ ولهذا قال الحاوي [ص 455]: (ووليه بالمصلحة).
وفي وجه ثالث: يزوج أمة الصبية دون أمة الصبي، وحكي عن النص، قال الإمام: ويجوز تزويج أمة الثيب الصغيرة وإن لم تزوج السيدة، وليس للأب تزويج أمة بنته البكر البالغة قهراً وإن زوج السيدة 380.
قال الرافعي: وهذا يوافق وجهاً للأصحاب في أن ولي المال يزوج أمة الصغير والمجنون،
الحديث: 3579 - الجزء: 2 - الصفحة: 560
والأظهر: أن الذي يزوجها هو ولي النكاح الذي يلي المال، وعلى هذا لا يزوج الأب أمة الثيب الصغيرة، انتهى 381. 3584 - قول "التنبيه" [ص 159]: (وإن كانت حرة .. لم يجز - أي العزل عنها - إلا بإذنها، وقيل: يجوز من غير إذنها) الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" [473] وقال الإمام: وحيث حرمنا .. فذاك إذا نزع بقصد أن يقع الإنزال خارجاً تحرزاً عن الولد، فأما إذا عنَّ له أن ينزع لا على هذا القصد .. فيجب القطع بأن لا يحرم 382.
الحديث: 3584 - الجزء: 2 - الصفحة: 561
باب ما يَحْرُم من النّكاح
3585 - قال ابن الرفعة: المراد بالتحريم هنا: عدم الصحة، قال السبكي: لا ضرورة إلى هذا، بل التحريم هنا على حقيقته ومعه عدم الصحة.
3586 - قول "التنبيه" [ص 160]: (ويحرم على الرجل نكاح الأم والجدات ... إلى آخره) ولا معنى لتخصيص ذلك بالرجل .. فإن التحريم شامل للنوعين؛ ولهذا أطلق "المنهاج" فقال [ص 383]: (تحرم الأمهات ... إلى آخره) واكتفيا بتفصيل المحرمات عن ذكر ضابطهن، وذكر لهن "الحاوي" ضابطين فقال [ص 460]: (وحرم من النسب والرضاع غير ولد الخؤولة والعمومة) ثم قال [ص 461]: (أو على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل) ويرد على الضابط الثاني ما ورد على "التنبيه" في التقييد بالرجل، وأنه لا بد من تقييد قوله [ص 461]: (وأول فصل من كل أصل) بقوله: (بعده) أي: بعد أول الأصول؛ للاحتراز عن التكرار بدخول الأخوات.
3587 - قول "الحاوي" [ص 460]: (لا ولد الزنا على الأب) احترز به عن الأم؛ فإنه يحرم عليها نكاح ولدها من الزنا، لكن أورد عليه: أن انتفاء الحرمة لا يختص بالأب؛ فإن أقاربه كذلك، لكن يعرف حكمهم من حكمه؛ لإدلائهم به، وعبر "المنهاج" عن ذلك بقوله [ص 383]: (والمخلوقة من زناه تحل له، ويحرم على المرأة ولدها من زنا) وقد يفهم منه الحل المستوي الطرفين، وليس كذلك، بل هو مكروه.
3588 - قول "المنهاج" [ص 383]: (وكل من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك، أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها .. فأم رضاع) يرد على هذا الضابط: من أرضعت ذا اللبن.
3589 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وما حرم من ذلك بالنسب حرم بالرضاع) استثنى "المنهاج" و"الحاوي" من ذلك أربع صور، فقال المنهاج [ص 383]: (ولا يحرم عليك من أرضعت أخاك ونافلتك، ولا أم مرضعة ولدك وبنتها) وعبر "الحاوي" عن الأخيرة بأخت الولد 383، وهو الذي عبر به الرافعي 384، وحذف في "التعجيز" أم الحافد، وزاد ثلاث مسائل، وهي: أم العم، وأم الخال، وأخو الابن، وصورة هذه الأخيرة في امرأة لها ابن، ثم إن ابنها
الحديث: 3585 - الجزء: 2 - الصفحة: 562
ارتضع من امرأة أجنبية لها ابن .. فذلك الابن أخو ابن المرأة المذكورة أولاً، ولا يحرم عليها أن تتزوج بهذا الذي هو أخو ابنها.
وقال النووي في "الروضة": كذا قال جماعة من أصحابنا تستثنى الصور الأربع، وقال المحققون: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط؛ ولهذا لم يستثنها الشافعي وجمهور الأصحاب ولا اسْتُثْنِيَتْ في الحديث الصحيح: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 385 لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ، وإنما حرمت لكونها أماً أو حليلة أب، ولم يوجد ذلك في الصورة الأولى، وكذا القول في باقيهن 386، وسبقه إليه الرافعي فقال في (الرضاع): قد يقال: المراد: ما يحرم من النسب، والتحريم في تلك الصور ليس من جهة النسب، وإنما هو من جهة المصاهرة 387.
3590 - قول "المنهاج" [ص 383]: (وعكسه) أي: لا تحرم عليك أخت أخيك لأمك لأبيه، وهو من زيادته على "المحرر" و" الشرحين".
3591 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وكذا بناتها - أي: الزوجة - إن دخلت بها) 388 قد يفهم حل المنفية باللعان إذا لم يدخل بالملاعنة؛ لأنها بنت زوجة لم يدخل بها، ولم يثبت كونها بنتاً، والأصح: تحريمها، وقد ذكرها "الحاوي" قبل ذلك فقال [ص 460]: (كالمنفية) أي: باللعان.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأقرب عندي: أن المحرمية لا تثبت لها، وإن ثبتت الحرمة .. قال: ولم أقف فيه على نقل صريح، وظاهر كلامهم إن الربيبة لا تحرم باستدخال أمها ماء الزوج، لكن في "الروضة" وأصلها 389 الجزم بأن استدخال الماء يثبت المصاهرة، ومقتضاه: تحريم الربيبة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الموضع مما أخالف فيه، وأجزم بعدم تحريم الربيبة بذلك؛ فإنه لم يوجد دخول.
واعلم: أن الثلاثة لما ذكروا محرمات المصاهرة .. لم يقيدوا ذلك بالنكاح الصحيح، وقيده به في "المحرر" فقال: (ويحرم بالنكاح الصحيح أمهات الزوجة ... إلى آخره) 390، وقال في
الحديث: 3590 - الجزء: 2 - الصفحة: 563
"الدقائق": الصواب: حذف لفظ (الصحيح) كما حذفها "المنهاج" فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد.
انتهى 391.
قال في "المهمات": وهو غلط، وتقييد "المحرر" هنا صحيح، لكنه قال بعده: (ويحرم بالدخول في النكاح الصحيح بنات الزوجة ... إلى آخره) 392، والتقييد هنا غير صحيح، فلا فرق في التحريم بالدخول بين الصحيح والفاسد، فأراد النووي التنبيه على الثاني .. فانتقل نظره إلى الأول فغلط.
انتهى بمعناه.
3592 - قول "التنبيه" [ص 160]: (ومن دخل بها الأب بملك أو شبهة) المراد: الشبهة القائمة به لا بالمرأة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 383]: (بشبهة في حقه - قيل: أو حقها -) و"الحاوي" [ص 461]: (بشبهته) فأضاف الشبهة إليه.
3593 - وقوله: (كما في العدة والنسب) 393 أورد عليه: أن ملك اليمين لا عدة فيه.
وجوابه: أن مراده: أن الاعتبار في الشبهة به كما أن الاعتبار بحاله فى العدة والنسب، وليس المراد: أنها كالزوجة في العدة والنسب.
وأورد على قوله [ص 461]: (كالزوجة) أنه يقتضي ثبوت المحرمية في وطء الشبهة حتى يجوز النظر والخلوة والمسافرة، وكذا صححه الإمام 394، والأصح عند الجمهور وحكوه عن النص: خلافه؛ ولهذا اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على الحرمة 395.
3594 - قوله: (وفي المهر بشبهتها) 396 استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما لو وطئها في النكاح بلا ولي .. فإنه يجب لها المهر وإن اعتقدت التحريم؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: " فإن أصابها .. فلها المهر بما استحل من فرجها" وهو حديث صحيح 397.
3595 - قول "التنبيه" [ص 160]: (فإن لمسها بشهوة أو وطئها فيما دون الفرج .. ففيه قولان) فيه أمور:
أحدها: أن الأظهر: عدم التحريم بذلك، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 461]: (لا الملموسة) و"المنهاج" فقال [ص 384]: (وليست مباشرة بشهوة كوطء في الأظهر) والتقييد
الحديث: 3592 - الجزء: 2 - الصفحة: 564
بالشهوة ليس في "المحرر"، قال في "الدقائق": ولا بد منه 398.
قلت: قال الإمام: منهم من أرسل ذكر الملامسة ولم يقيده بالشهوة، فيجوز الاكتفاء بها كما في نقض الطهارة 399.
قال السبكي: وإطلاق نص الشافعي يقتضيه، وذكر الرافعي في الكلام على الإتيان في الدبر: أن القول بأن المباشرة بشهوة كالوطء قوي 400.
ثانيها: ما حكيته من عبارته هو الذي وقفت عليه وأورده غير واحد بلفظ: (فإن لمسها بشهوة فيما دون الفرج) ليس فيه: (أو وطئها)، وأوردوا عليه: أنه لا فرق في اللمس بين الفرج وغيره، وبتقدير أن تكون عبارته كما حكوه .. فما احترز بقوله: (فيما دون الفرج) إلا عن الوطء.
ثالثها: ظاهر كلامه التحريم بالوطء في الدبر؛ لأنه فرج، وكذا هو مقتضى عبارة "المنهاج" و"الحاوي" 401، وهو الأصح.
3595/ 1 - قول "المنهاج" [ص 384]: (ولو اختلطت مَحْرَمٌ بنسوة قرية كبيرة .. نكح منهن، لا بمحصورات) عبارة "الحاوي" [ص 461]: (معدودات) والمراد بهن: ما لا يعسر عدهن بمجرد النظر، ومثل الغزالي ما لا يعسر عدُّهُ بالعشرة والعشرين، وعكسه بالألف، قال: وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك .. استفت فيه القلب 402.
3596 - قولهما: (ويحرم جمع المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها) 403 لا يختص تحريم الجمع بهذه الصور، فيحرم أيضاً .. الجمع بين المرأة وخالة أحد أبويها أو عمة أحد أبويها، وضابطه: كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع لو كانت إحداهما ذكراً .. لحرمت المناكحة بينهما، واحترز بالقرابة والرضاع عن المصاهرة؛ فإنه يجوز الجمع بين المرأة وأم زوجها أو زوجة ولدها، وذكر في "الروضة" بدل المثال الثاني بنت زوجها، وكلاهما صحيح 404.
قال الرافعي 405: وقد يستغنى عن قيد القرابة والرضاع بأن يقال: يحرم الجمع بين كل امرأتين
الحديث: 3595 - الجزء: 2 - الصفحة: 565
أيتهما قدرت ذكراً .. حرمت عليها الأخرى؛ فإن أم الزوج وإن حرمت عليها إذا قدرت ذكراً زوجة الابن .. لا تحرم على زوجة الابن لو قدرت ذكراً أم الزوج؛ لأنها حينئذ أجنبية، وأسقط ذلك في "الروضة" 406، واعتمده "الحاوي" فقال [ص 462]: (وثنتين أيةٌ فرضت ذكراً بينهما مُحَرِّمٌ).
ونقضه بعضهم بالمرأة وأمتها، فيجوز جمعهما، وأيتهما قدرت ذكراً .. لم تنكح الأخرى.
3597 - قول "المنهاج" [ص 384]: (فإن جمع بعقد .. بطل، أو مرتباً .. فالثاني) محله: ما إذا عُلمت السابقة، فلو جهلت .. بطلا أيضاً، ولو علمت الأولى ثم نسيت .. اجتنبهما.
3598 - قوله في ملك الأختين: (فإن وطئ واحدة .. حرمت الأخرى حتى يُحَرِّم الأولى ببيعٍ) 407 لو عبر بـ (زوال الملك) كما فعل "الحاوي" 408 .. لكان أولى؛ ليتناول الهبة مع الإقباض والعتق والوقف.
3599 - قول "المنهاج" عطفاً على المنفي [ص 384]: (وكذا رهن في الأصح) أي: مع الإقباض؛ فإنه محل الخلاف، فإن لم يقع إقباض .. لم تحل الثانية قطعاً.
3600 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وإن وطئ أمة بملك اليمين ثم تزوج أختها أو عمتها أو خالتها .. حلت المنكوحة وحرمت المملوكة) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا يتقيد ذلك بأن يطأها.
ثانيهما: لا يختص هذا الحكم بأن يكون التزوج متأخراً، فلو تقدم .. كان الحكم كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 384]: (ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس .. حلت المنكوحة دونها) وكأن "التنبيه" إنما عبر بذلك لفهم غير المذكور من طريق الأولى.
3601 - قول "المنهاج" [ص 384]: (فإن نكح خمساً معاً .. بطلن) محله: ما إذا لم يكن فيهن أختان، فإن كان .. بطل فيهما، وفي الباقيات قولا تفريق الصفقة، وأصحهما: الصحة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 462]: (ولو فيه أختان .. فيهما).
3602 - قول "التنبيه" هنا [ص 161]: (وتحرم المطلقة ثلاثاً على من طلقها) أي: حتى تنكح زوجاً غيره ويطأها؛ وذلك في الحر، أما العبد: فيحصل التحريم بطلاقه ثنتين، وقد بين ذلك في (باب الرجعة) فقال: (وإن طلق الحر امرأته ثلاثاً، أو طلق العبد امرأته طلقتين .. حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها في الفرج، وأدناه: أن يغيب الحشفة في الفرج) 409 وفيه أمور:
الحديث: 3597 - الجزء: 2 - الصفحة: 566
أحدها: أن المراد بالفرج: القبل دون الدبر، وقد صرح بذلك "المنهاج" 410، وهو من زيادته على "المحرر" من غير تمييز، ولم يفصح "الحاوي" بذلك، بل اقتصر على قوله [ص 462]: (حتى يولج قدر الحشفة).
ثانيها: لا بد مع ذلك من الانتشار كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 411، وسواء قوي الانتشار وضعيفه، فيستعين بأصبع، قال في "الروضة": فإن لم يكن انتشار أصلاً؛ لتعنين أو شلل أو غيرهما .. لم يحلل على الصحيح، وبه قطع الجمهور 412.
وقال السبكي: المراد: سلامة العضو من العنة والشلل، وأن يكون له قوة الانتشار، وأما الانتشار بالفعل .. فلم يشترطه أحد.
ثالثها: المراد: تغييب الحشفة إن كانت موجودة، فإن كانت مقطوعة .. اكتفي بإيلاج قدرها من بقية الذكر على الصحيح، وقد ذكره "التنبيه" بعده، وكذلك قال "المنهاج" [ص 384]: (حشفته أو قدرها) وهو أحسن من قول "الحاوي" [ص 462]: (حتى يولج قدر الحشفة) لأن القدر إنما هو عند الفقد كما تقدم.
ويرد عليهم معاً أمور:
أحدها: أن الاكتفاء بتغييب الحشفة أو قدرها محله: في الثيب، أما البكر: فأدناه: أن يفتضها بآلته كما حكاه الرافعي عن البغوي وأقره 413، وحكاه المحاملي عن نصه في "الأم" 414، ولم يتعرض له الجمهور، وأوّل بعضهم النص على أن الغالب إزالتها بتغييب الحشفة، وعن الماوردي: أن إصابة البكر الافتضاض، وليس بشرط في الإباحة، بل شرط في التقاء الختانين الذي هو شرط الإباحة 415.
ثانيها: يستثنى من كلامهم: ما إذا وطئها في حال ردته ثم عاد إلى الإسلام .. فالأصح: أنها لا تحل؛ لاضطراب النكاح، ولو طلقها رجعياً باستدخال الماء قبل الدخول بناء على ثبوت الرجعة باستدخال الماء - وفيه اختلاف ترجيح - ثم وطئها في العدة .. لم تحل للأول وإن راجعها فيها على الأصح المنصوص، وعن ابن المنذر: أن حديث رفاعة دال على أنه إذا واقعها وهي مغمى عليها لا تحس باللذة .. لا تحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 567
ثالثها: لا بد مع ذلك من فراق الثاني وانقضاء عدته، وإنما أغفلوا ذكره؛ لوضوحه، أو لأن تحريم الطلاق الثلاث قد ارتفع وخلفه تحريم زوجية الغير أو عدته.
3603 - قول "التنبيه" [ص 183]: (وإن طلقها ثلاثاً وغاب عنها، فادعت أنها تزوجت بزوج أحلها له ولم يقع في قلبه صدقها .. كره له أن يتزوجها) أي: ولو كذبها الزوج الثاني، وصدق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، أما لو كذبها الزوج الثاني والولي والشهود .. ففي "الروضة" من زيادته عن إبراهيم المروذي: أنها لا تحل على الأصح 416، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندنا: الحل، وشاهده نص الشافعي، وهو قوله: ولو ذكرت أنها نكحت نكاحاً صحيحاً وأصيبت ولا يعلم .. حلت له 417، قال شيخنا: ويشهد له أيضًا تفريعهم على الجديد في إقرارها، قال: وجزم بما صححناه أبو الفرج الزاز، وفي "تهذيب البغوي" في صورة تكذيب الزوج والشهود: الحل من غير ذكر خلاف.
انتهى.
وقال في "المطلب": لا فرق بين أن يصدقها الولي والشهود أو يكذبوها.
نعم؛ إذا كذبها الولي .. فيظهر أنه لا يحل له الإقدام على تزويجها من الأول، ويزوجها الحاكم.
انتهى.
وهو موافق لما تقدم عن شيخنا من الجواز مع تكذيب الكل.
قال في "المطلب": ولا خلاف في أنها إذا ادعت نكاح زوج معين وأنه طلقها، فكذبها في الطلاق فقط .. أن القول قوله، فلا تحل للأول في الظاهر.
نعم؛ لو علم طلاقها .. حلت له في الباطن.
انتهى.
ولا يخفى أن محل حلها: إذا مضى زمن يمكن فيه ذلك، ومحله أيضاً: بالنسبة إلى الزوج المطلق أو إلى الحاكم أيضاً، ولكن أقامت بينه على الطلاق من الثاني، فأما إذا اعترفت بذلك بين يدي الحاكم ولم تقم عليه بينة .. فإنه لا يزوجها كما حكاه الرافعي قبل (باب دعوى النسب) عن "فتاوى البغوي"، وأقره 418، وقد حكاه البغوي عن القاضي حسين، لكن في "فتاوى القاضي حسين": أنها إذا ادعت علم الولي بوفاة زوجها أو طلاقه إياها، فأنكر .. حلفت، وزوجها الحاكم أو أمره بتزويجها.
3604 - قوله: (وإن تزوجها على أنه إذا أحلها طلقها .. ففيه قولان، أحدهما: أنه يبطل، والثاني: لا يبطل) 419 الأصح: البطلان، وقد ذكره "المنهاج"، وعبر عنه بقوله: (ولو نكح
الحديث: 3603 - الجزء: 2 - الصفحة: 568
بشرط أنه إذا وطئ طلق) (1) وهو أحسن من تعبير "التنبيه"، فالمعتبر في البطلان شرط الطلاق إذا وطئ وإن لم يكن فيه إحلالها لغيره.
فَصْلٌ [في نكاح الأمة]
3605 - قول "التنبيه" [ص 161]: (يحرم على الرجل نكاح جاريته) كذا لو ملك بعضها فقط، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" 421.
3606 - قول "التنبيه" [ص 161]: (ويحرم على العبد نكاح مولاته) كذا لو كانت تملك بعضه فقط، وقد صرح بذلك "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً 422.
3607 - قول "التنبيه" [ص 161]: (فإن تزوجت الحرة بعبد ثم اشترته .. انفسخ النكاح) كذا لو اشترت بعضه، ثم محل الانفساخ: أن يتم البيع، فإن فسخ في زمن الخيار .. فالنكاح بحاله، إلا إذا قلنا: إن الملك للمشتري .. ففيه خلاف، وهذا أيضاً إذا اشترته بغير (الصداق)، فإن اشترته بعين الصداق قبل الدخول .. فالأصح: أنه لا يصح الشراء ولا ينفسخ النكاح بل يستمر، وسيأتي ذلك في الصداق، ولا يختص هذا أيضاً بالشراء، فحصول الملك في الزوج أو الزوجة بأي سبب كان؛ كالشراء في انفساخ النكاح، وإنما ذكر الشراء؛ لأنه الغالب، وهو ظاهر إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" أنه لا ينكح من يملكه أو بعضه، فإنه شامل للابتداء والدوام وللملك بأي سبب كان.
3608 - قول "التنبيه" [ص 160، 161]: (ويحرم على الحر نكاح الأمة المسلمة إلا أن يخاف العنت ولا يجد صداق حرة) لو حذف وصف الأمة أولاً بالإسلام وذكره في شروط الجواز كما فعل غيره .. لكان أولى؛ فإن تقييد التحريم بالمسلمة يفهم حل الكافرة، وليس كذلك، لكنه قال قبل ذلك: (ويحرم على المسلم نكاح الأمة الكتابية) 423 ويفهم من كونه لا يجد صداق حرة: ألاَّ يكون تحته حرة، وظاهر إطلاق "الحاوي" أنه لا فرق في الحرة التي تحته بين أن تصلح للاستمتاع أم لا 424، وسبقه إليه "المحرر" فقال: (والأحوط المنع وإن كانت لا تصلح للاستمتاع) 425، لكن خالفه "المنهاج" من غير تنبيه على أنه من زيادته فقال في شروط الجواز: (ألا تكون تحته حرة420
الحديث: 3605 - الجزء: 2 - الصفحة: 569
تصلح للاستمتاع، قيل: ولا غير صالحة) 426 وكأنه فهم من جعل "المحرر" مقابله أحوط أنه أصح، وفيه نظر؛ فالظاهر أن "المحرر" إنما أشار بكونه أحوط إلى ترجيحه، وكيف يقتصر في كتاب التزم فيه التنصيص على ما صححه المعظم على ضعيف من غير ذكر مقابله؟ ! وليس في "الروضة" و"الشرحين" تصريح بترجيح، وإنما نقلا ترجيح التقييد بصلاحية الاستمتاع عن صاحب "المهذب" والقاضي حسين، والقطع به عن ابن الصباغ وجماعة من العراقيين، ومقابله عن قطع الإمام والغزالي والبغوي 427.
أما الحرة التي يقدر على نكاحها وليست تحته .. فالأصح: اشتراط صلاحيتها للاستمتاع بها كما صححه في "أصل الروضة" 428، وعليه مشى "المنهاج" 429، وكذا "الحاوي" فقال عطفاً على المنفي: (ورتقاء) 430 وقد يقال: إنه مستثنى من الأمرين معاً: أن يكون تحته حرة، أو يقدر عليها، لكن الصورة التي قبلها والتي بعدها إنما هي في الحرة المقدور عليها، لا التي تحته، وذلك ينفي استثناءها منهما معاً، وتعبير "المنهاج" بالعجز عن حرة 431، و"الحاوي" في محل المنع بالقدرة عليها 432 أحسن من قول "التنبيه" [ص 161]: (ولا يجد صداق حرة) فإنه قد يجد صداق حرة ولا يجد في البلد خلية عن زوج، أو يجدها لكن لا ترضى بنكاحه؛ لنقصه أو لغير ذلك، فيجوز له نكاح الأمة قطعاً.
ودخل في عبارتهم: الحرة الكتابية، وهي في ذلك كالمسلمة على الأصح، لكن قال ابن حزم في " المحلى": إن للشافعي في ذلك قولين، وإن آخر قوليه: الجواز، وابن حزم ثقة فيما ينقل؛ فلعله اطلع على نص للشافعي لم يطلع عليه أصحابه.
3609 - قول "الحاوي" [ص 463]: (وبعيدة الغيبة) لا يختص الجواز ببعد غيبتها، بل لو قربت وخشي الزنا في مدة قصدها .. جاز له نكاح الأمة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 385]: (فلو قدر على غائبة .. حلت أمة إن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زناً مدته) وضبط الإمام المشقة: بأن ينسب متحملها في طلب زوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد 433.
الحديث: 3609 - الجزء: 2 - الصفحة: 570
3610 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ولو وجد حرة بمؤجل .. فالأصح: حل أمة) محل الخلاف: أن يتوقع القدرة على ذلك المؤجل عند المحل، وإلا .. فتحل الأمة قطعاً، ومراد "التنبيه" و"الحاوي" بالعنت: الزنا 434، كما صرح به "المنهاج" 435، والمراد بخوفه كما قال الإمام: أن يتوقعه لا على سبيل الندور، فإن غلبت الشهوة وضَعُف التقوى .. فخائف، وإن ضعفت وله دين أو مروءة أو حياء يمنعه .. فلا، وإن غلبت وقوي التقوى .. فكذا في أصح احتماليه 436، وقطع به في "الوجيز" 437، والثاني: إن ضره الصبر أو أمرضه .. حلت الأمة، وجزم به في "الوسيط" مذهباً، قال: هالا .. فالصبر أحسن ولا يبعد أن يترخص 438، ويخرج بخوف الزنا المجبوب؛ فإنه لا يتصور منه، فلا ينكح الأمة عند الإمام والمتولي 439، وصحح الروياني الجواز له وللخصي إن خافا الإثم، وفي "فتاوى القاضي حسين": أنه ليس للعنين نكاح الأمة، لكن في "القواعد" للشيخ عز الدين بن عبد السلام: أن الممسوح له نكاح الأمة بناء على الأصح أنه لا يلحقه الولد 440، وفي "أصل الروضة": من استجمع شروط نكاح الأمة ليس له نكاح أمة 441 صغيرة لا توطأ على الأصح؛ لأنه لا يأمن بها العنت 442، وطرد الجيلي ذلك في الرتقاء والقرناء، وهو واضح.
3611 - قول "المنهاج" [ص 385]: (فلو أمكنه تَسَرَّ .. فلا خوف في الأصح) عبر في "الروضة" بالمذهب 443، ولو قال كما في "المحرر": (لم ينكح الأمة) 444 .. لكان أحسن؛ فإنه لا يحسن جعل الوجهين في الخوف؛ فإن التسري المقدور عليه يمنع منه قطعاً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 463]: (أو أمن العنت ولو بسرية).
3612 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ويحل لحر وعبد كتابيين أمة كتابية على الصحيح) وهو
الحديث: 3610 - الجزء: 2 - الصفحة: 571
مفهوم "التنبيه" و"الحاوي" 445 يفهم أنه يشترط في جواز نكاح الحر الكتابي الأمة خوف العنت وفقد طول الحرة؛ لأنهم جعلوا الكتابي في ذلك كالمسلم إلا في نكاح الأمة الكتابية، وهذا هو الذي فهمه السبكي، وقال: لم يصرح الرافعي والنووي وغيرهما باعتبار هذين الشرطين في الحر الكتابي، وهما خوف العنت وفقد طول الحرة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر القرآن يدل على أن الشروط إنما تعتبر في حق المؤمن؛ بدليل قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ... ﴾ إلى آخره، قال: والذي أعتقده أن الشروط إنما تعتبر في حق المؤمنين الأحرار.
3613 - قول "التنبيه" [ص 161]: (وإن جمع بين حرة وأمة .. ففيه قولان، أحدهما: أنه يبطل النكاح فيهما، والثاني: أنه يصح في الحرة ويبطل في الأمة) الأصح: الثاني كما في "المنهاج"، وعليه مشى "الحاوي" 446، وهو تكرير؛ لدخول المسألة في عبارته في البيع، وصورة المسألة في الحر، أما العبد: فله الجمع بينهما قطعاً، وصورة "المنهاج" فيمن لا تحل له الأمة، ومقتضاه: الحل قطعاً في الحر الذي تحل له الأمة؛ كمن وجد حرة تسمح بمؤجل أو بدون مهر المثل أو بلا مهر، أو وجد طول حرة كتابية وقلنا: إن ذلك لا يمنع الأمة، وليس كذلك، فتبطل الأمة والحرة، قيل: على القولين، وهو الأظهر عند الإمام والرافعي في "الشرح الصغير" 447، وقال جماعة: يبطل قطعا بجمعه من له أفراد كل منهما، فبطلتا كالأختين، وجزم الجرجاني في "المعاياة" بصحتهما كما اقتضاه مفهوم "المنهاج"! .
وقال ابن الصلاح: إنه لا يعرف لغيره، وقال ابن الرفعة: ولم أره في غيره.
قال السبكي: وهو في "الشافي" له أيضاً.
قال شيخنا ابن النقيب: وحكاه في "البحر" عن القاضي الطبري 448، وحكى في "الذخائر" طريقة رابعة، وهي: القطع بصحة نكاح الحرة وبطلان نكاح الأمة، والمراد: جمعهما في عقد، فلو فصّل؛ بأن قال: زوجتك بنتي بألف، وزوجتك أمتي بمائة، فقبل نكاح البنت فقط، أو قبل البنت ثم الأمة .. صح نكاح البنت قطعاً، ولو قدمت الأمة في تفصيلهما إيجاباً وقبولاً .. صحتا حيث جازت الأمة كقبول الحرة بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل الإيجاب فجمع القبول أو عكسه .. فكتفصيلهما، وقيل: كجمعهما.
الحديث: 3613 - الجزء: 2 - الصفحة: 572
فَصْلٌ [نكاح الكتابية والمشركة]
3614 - قول "المنهاج" [ص 385]: (يحرم نكاح من لا كتاب لها كوثنية) ظاهر إطلاقه تحريمها على الكتابي أيضاً، وكذا يقتضيه إطلاق "الحاوي" و"الروضة" وأصلها 449، وقيد "التنبيه" ذلك بالمسلم فقال [ص 160]: (ويحرم على المسلم نكاح المجوسية والوثنية) ومقتضاه: حلها للكتابي، وفي ذلك وجهان في "الكفاية".
وهل تحرم الوثنية على الوثني؟ قال السبكي: ينبغي إن قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع .. حرمت، وإلا .. فلا حل ولا حرمة، فعلى التحريم يأثم بوطئها.
3615 - قول "المنهاج" [ص 385]: (ومجوسية) يقتضي أن المجوس لا كتاب لهم، وفيه قولان، رجح في "الروضة" وأصلها 450 أنه كان لهم كتاب فرفع، قال السبكي: وهو المختار، وقد رأيته، ورأيته في كتاب "اختلاف الحديث" صريحاً.
انتهى 451.
وحكى ابن الرفعة أن المنصوص في "الأم" و"المختصر": أنه لا كتاب لهم 452، فيحمل لفظ "المنهاج" على أنه لا كتاب لهم الآن، ومقابله على أنه كان لهم فرفع كما هو صريح لفظه، ولم يتعرض "التنبيه": و"المحرر" و"الحاوي" لذلك، بل اقتصروا على أنه لا يحل نكاحها، وظاهر مفهوم "التنبيه": حل الكتابية مطلقاً 453، وفصل "المنهاج" فقال [ص 386]: (فإن لم تكن الكتابية إسرائلية .. فالأظهر: حلها إن عُلم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه) وفيه أمران:
أحدهما: أن مقتضاه: حل الإسرائلية ولو علم دخول قومها بعد النسخ والتحريف، وليس كذلك، فمتى لم يدخل قومها إلا بعد النسخ .. لم تحل؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 464]: (أو إسرائلية قبل النسخ) وعبارة "الروضة": وأما الدخول بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم .. فلا تفارق فيه الإسرائلية غيرها 454.
ثانيهما: أن مقتضاه: أنه متى علم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه لكن بعد تحريفه ..
الحديث: 3614 - الجزء: 2 - الصفحة: 573
لا تحل مطلقاً، وليس كذلك، بل محله: ما إذا دخلوا في المحرف، فإن تمسكوا بالحق منه وتجنبوا المحرف .. حل نكاحها؛ وهذا وارد أيضاً على قول "الحاوي" [ص 464]: (عُلم آمن أول آبائها قبل التحريف) ومقتضى عبارتهما: التحريم إذا شك هل دخلوا قبل التحريف أو بعده، وهو كذلك، وكذا تحرم ذبائحهم لكن يقرون بالجزية، وقال "السبكي": ينبغي الحل فيمن علم أصل دخولهم وجهل وقته، وإلا .. فما من كتابي اليوم لا يعلم أنه إسرائلي إلا ويحتمل فيه ذلك، فيؤدي إلى ألاَّ تحل ذبائح أحد منهم اليوم ولا مناكحته، بل ولا في زمن الصحابة؛ كبني قريظة والنضير وقينقاع، قال: وطلب مني بالشام منعهم من الذبح فأبيت، ومنعهم قبلي محتسب بفتوى بعضهم، ولا بأس بالمنع إن رآه مصلحة، وأما الفتوى به .. فجهل 455. انتهى.
3616 - قول "المنهاج" [ص 386]: (ويجبر على غسل حيض ونفاس) يفهم اختصاص ذلك بالكتابية، لا سيما وقد قال بعده: (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) مع أن ذلك لا يختص بها، فالمسلمة كذلك؛ ولذلك قال "التنبيه" في مطلق الزوجة [ص 159، 160]: (وله أن يجبرها على ما يقف عليه الاستمتاع، كالغسل من الحيض وترك السكر) بل لا يختص ذلك بالزوجة؛ فإن الأمة كذلك.
نعم؛ تختص الكتابية بنيابة الزوج عنها في النية بخلاف المسلمة العاقلة.
قال القاضي أبو الطيب: ولا أعلم من فرق بين الشافعي والحنفي، فللحنفي إجبارها وإن جاز عنده وطء الحائض قبل الغسل؛ لأنه قد يحتاط للوطء.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وفيه نظر.
قلت: وجهه: أن هذا يتوقف عليه كمال الاستمتاع لا أصله على عقيدته، فهو محل الخلاف، والله أعلم.
3617 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وأما ما يكمل به الاستمتاع؛ كالغسل من الجنابة واجتناب النجاسة وإزالة الوسخ والاستحداد .. ففيه قولان) فيه أمور:
أحدها: الأظهر: إجبارها عليه؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 386]: (وكذا جنابة وترك أكل خنزير في الأظهر) لكن أفهم كلامه اختصاص ذلك بالكتابية كما تقدم، وكذا فرض الرافعي الخلاف في غسل الجنابة في الكتابية، وقال: أما المسلمة: فهي مجبرة على الغسل من الجنابة، كذا أطلقه البغوي 456.
قال النووي: ليس هو على إطلاقه، بل هو فيما إذا طال بحيث حضر وقت صلاة، فأما إذا لم
الحديث: 3616 - الجزء: 2 - الصفحة: 574
تحضر صلاة .. ففي إجبارها القولان، وهما مشهوران، حتى في "التنبيه"، والأظهر من القولين: الإجبار.
انتهى 457.
وقد عرفت أن "التنبيه" لم يخص المسألة بالمسلمة، بل أطلق القولين، فتناول المسلمة والذمية، لكن عرفنا بذلك أن محل القولين في المسلمة: إذا لم تحضر صلاة، فإن حضرت .. وجب قطعاً، وليس ذلك لحقه، بل لحق الله تعالى.
ثانيها: أطلق الخلاف في اجتناب النجاسة، وقد قال "المنهاج" [ص 386]: (وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) فلم يجعل ذلك موضع خلاف، وصرح في "الروضة" وأصلها بنفي الخلاف في ذلك، وعبارة "الروضة": ومتى تنجس فمها أو عضو آخر .. فله إجبارها على غسله بلا خلاف، ليمكنه الاستمتاع به؛ وله منعها من لبس جلد الميتة قبل دباغه ولبس ما له رائحة كريهة.
انتهى 458.
لكن اعترض ذلك في "المهمات" وقال: فيه قولان حكاهما في "التنبيه".
انتهى.
وقد يقال: هما مسألتان، فالخلاف الذي في "التنبيه" في إجبارها على اجتنابه، والجزم الذي في "الروضة" في إجبارها على غسله بعد مخامرته، وهذا مقتضى اللفظ، وفقهه واضح.
ثالثها: محل الخلاف في الأوساخ: إذا لم تفحش، فإذا فحشت بحيث أدت إلى النفرة .. أجبرت على إزالتها قطعاً، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 459، وأجاب عنه في "التوشيح": بأن ذلك يقف عليه الاستمتاع، فقد دخل في عبارة "التنبيه" أولاً، وكلامه هنا فيما يتوقف عليه كمال الاستمتاع.
3618 - قول "التنبيه" [ص 160]: (وهل تحرم المولودة بين الكتابي والمجوسية؟ فيه قولان) الأظهر: التحريم، كما ذكره "المنهاج" وعليه مشى "الحاوي" 460، وسوى في "المحرر" بين هذه الصورة وعكسها في إجراء الخلاف 461، والمعروف في عكسها الجزم بالتحريم كما هو في "التنبيه" و"المنهاج" 462.
3619 - قول "المنهاج" [ص 160]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 464]: (وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم .. حَرُمْنَ، وإلا .. فلا) ليس فيه بيان ما إذا شككنا
الحديث: 3618 - الجزء: 2 - الصفحة: 575
أيخالفونهم في الأصول أم الفروع؟ والمجزوم به في "الروضة" وأصلها أنهم لا يناكحون 463.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ظاهر كلام الشافعي في "المختصر" الحل؛ حيث قال: والصابئون والسامرة من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحلون من الكتاب ويحرمون .. فيحرموا كالمجوس 464.
3620 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن انتقل المشرك من دين إلى دين يقر أهله عليه .. ففيه قولان، أحدهما: يقر عليه، والثاني: لا يقر) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا بد في تصوير المسألة من أن يكون الدين المنتقل عنه يقر أهله عليه، وتعبيره بالمشرك قد ينافي ذلك، لكن يساعده قوله في التفريع عليه: (والثاني: الإسلام أو الدين الذي كان عليه) 465 فدل على أن كلامه في الانتقال عن دين يقر أهله عليه، وقد صرح بهذه الصورة "المنهاج" فقال [ص 386]: (ولو تهود وثني أو تنصر .. لم يُقَرَّ، ويتعين الإسلام كمسلم ارتد).
ثانيهما: الأظهر: أنه لا يقر، كذا في "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي" 466، لكن صحح في "الشرح الصغير" مقابله، وهو أنه يقر بالجزية، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن القاضي أبى حامد والبغوي ونص "المختصر" ولم ينقل فيه تصحيح الآخر عن أحد، وبناهما المتولي وغيره على أن الكفر ملة أو ملل، ورده الرافعي 467.
قال ابن الرفعة: والشافعي في (كتاب الجزية) من "الأم" منع الانتقال مع تصريحه بأن الكفر ملة واحدة، وهو يضعف البناء 468.
3621 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وما الذي يقبل منه؟ فيه قولان، أحدهما: الإسلام، والثانى: الإسلام أو الدين الذي كان عليه) الأظهر: الأول، كذا في "الشرح الصغير" وحكاه في "الكبير" عن الإمام 469، وعليه مشى "المحرر" و"المنهاج" و"الحاوي" 470، وعبارة "الروضة" في أصل المسألة: هل يقر بالجزية أم لا يقبل منه إلا الإسلام أو الدين الذي انتقل منه؟ فيه أقوال:
الحديث: 3620 - الجزء: 2 - الصفحة: 576
أظهرها: الأول، ثم الثاني، ثم قال: قلت: الأصح: لا يقبل منه إلا الإسلام.
انتهى 471.
فقوله: (أظهرها: الأول) هو ما صححه في "الشرح الصغير"، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن القاضي أبي حامد والبغوي كما تقدم 472، وقوله: (ثم الثاني) هو ما صححه في "الصغير" تفريعاً على عدم التقرير، وحكاه في "الكبير" عن الإمام 473، ففي إطلاقه هذا التصحيح عن "الشرح الكبير"، نظر فإن أبى الإسلام على الأول، أو الإسلام وما كان عليه على الثاني .. فالأشبه في "الروضة" وأصلها - وصرح بتصحيحه في "الشرح الصغير" -: أنه يلحق بالمأمن 474، وعليه مشى "الحاوي" في (الجزية) فقال بعد ذكر الاغتيال: (لا إن توثن) 475، وقيل: يقتل في الحال، وصححه في "الوجيز" 476 و"الذخائر"، وجزم به الماوردي في (السرقة)، وعليه مشى "الحاوي" هنا فقال بعد ذكر المنتقلة من التهود إلى التنصر وعكسه: (والصابئة السامرة إن خالفت الأصول، وتهدر) 477، وقوله بعده: (ولا تقرر) 478 غير محتاج إليه، وقواه السبكي، واستشكل الأول: بأنا إن قلنا: يقر .. فَلِمَ نخرجه من بلادنا؟ وإن قلنا: لا يقر .. فَلِمَ يبقى؟ فتبليغه المأمن مع عدم تقريره على ما انتقل إليه وعنه لا أدري كيف هو؟ ! فإنه إذا طلب عقد الذمة إن أجبناه .. لزم التقرير، وإلا .. فهو مقتول لا محالة.
انتهى.
قلت: وهذا الثاني هو الموافق للمصحح فيمن فعل ما ينتقض به عهده: أنه لا يبلغ المأمن، بل يقتل في الحال.
3622 - قول "المنهاج" [ص 386]: (ولا تحل مرتدة لأحد) كذا المرتد، وقد صرح به "التنبيه" [ص 160]، فقال: (لا يصح نكاح المحرم والمرتد والخنثى المشكل).
3623 - قوله: (وهو الذي له فرج الرجل وفرج المرأة، ويبول منهما دفعة واحدة، ويميل إلى الرجال والنساء ميلاً واحداً) 479 فيه أمور:
أحدها: أنه لا ينحصر في ذلك؛ فالذي له مجرد ثقبة مشكل أيضاً.
الحديث: 3622 - الجزء: 2 - الصفحة: 577
ثانيها: لو بال منهما دفعة واحدة، لكن انقطع من أحدهما قبل الآخر .. فالأصح: أن الاعتبار بالمتاخر انقطاعاً، فلو كان أحدهما أسبق خروجاً والآخر أبطأ انقطاعاً .. فالحكم للأسبق خروجاً على الأصح.
ثالثها: كلامه يقتضي الحصر في البول منهما دفعة واحدة، وليس كذلك، فلو بال من هذا مرة ومن الآخر أخرى .. فهو مشكل إن استويا، فإن بال من أحدهما أكثر .. فالعبرة به، وكذا لو كان سبق أحدهما تارة والآخر أخرى .. اعتبر الأكثر، فإن استويا .. فمشكل.
الجزء: 2 - الصفحة: 578
باب نكاح المشرك
3624 - المراد بالمشرك هنا: كل كافر كتابياً كان أو غيره، وسمعت من شيخنا الإمام البلقيني: أن المشرك والكتابي كما يقول أصحابنا في الفقير والمسكين: إن جمع بينهما في اللفظ .. اختلف مدلولهما، وإن اقتصر على أحدهما .. تناول الآخر.
3625 - قول التنبيه [ص 164]: (إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو أسلمت المرأة والزوج يهودي أو نصراني) أخرج به ما لو أسلم الرجل والمرأة يهودية أو نصرانية والحكم في هذه استمرار النكاح، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 480، لكن شرطه فيما إذا كان حراً: أن تكون حرة، فلو كانت أمة .. اشترط كونها ممن يحل له نكاحها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الإسلام استقلالاً أو بالتبعية، لكن لو أسلمت المرأة مع أبي الطفل أو عقبه .. بطل النكاح كما قال البغوي 481، لتقدمها في الأولى؛ لأن إسلام الابن عقب الأب.
واستشكله الرافعي: بأن ترتب الولد على الأب لا يقتضي تقدماً زمانياً 482.
قال السبكي: وهو مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: ما قاله البغوي في ذلك هو الفقه؛ فإن الحكم للتابع متأخر عن الحكم للمتبوع، فلا يحكم للولد بالإسلام حتى يصير الأب مسلماً، وأما في الثانية: فلأن إسلامها متأخر؛ فإنه قوليٌّ، فيتأخر عن إسلام الابن الذي هو حكمي.
3626 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فيقر على نكاح في عدة هي منقضية عند الإسلام) 483 أما إذا كانت العدة باقية .. فلا تقرير؛ لبقاء المفسد، وخص العبادي في "الرقم" ذلك بعدة النكاح، وقال في عدة الشبهة بالتقرير وإن بقيت؛ لأن الإسلام لا يمنع الدوام مع عدة الشبهة.
قال الرافعي: ولم يتعرض الجمهور لهذا الفرق 484، قال بعضهم: ويوافقه إطلاق "المنهاج" بعد ذلك قوله [المنهاج 387]: (وكذا لو قارن الإسلام عدة شبهة على المذهب) فإنه يتناول الشبهة المقارنة للعقد والطارئة بعده.
قلت: لم يرد إلا الطارئة بعده، ولولا ذلك .. لم يصح التعبير فيه بالمذهب، وقد قرر قبل ذلك
الحديث: 3624 - الجزء: 2 - الصفحة: 579
في المفسد المقارن للعقد أنه لا بد أن يكون زائلاً عند الإسلام، وعبارة "الحاوي" صريحة في إرادة الشبهة الطارئة؛ حيث قال [ص 465]: (وقرر لا إن قارن المفسد لا الطارئ إسلام أحدٍ) فاستثنى المفسد الطارئ من بين المفسدات.
وصور الرافعي المسألة بما إذا وطئت بشبهة بين الإسلامين، واستشكل القفال عروض هذه الشبهة؛ فإن أحدهما إذا أسلم .. جرت في عدة النكاح، وهي متقدمة على عدة الشبهة، فإسلام الآخر يكون في عدة النكاح لا في عدة الشبهة.
نعم؛ لو حبلت بالشبهة .. تقدمت عدة الشبهة وأمكن اقترانها بإسلام الآخر، وحينئذ .. يندفع النكاح اعتباراً بالابتداء.
وأجيب عن الإشكال: بأن التصوير لا يختص بترتيب إسلامها، بل لو وطئت بالشبهة ثم أسلما معاً في عدتها .. كان من صُوَرِها، وأيضاً: لو أسلم أحدهما .. لم يتيقن جريانها في عدة النكاح إلا بالإصرار إلى انقضائها، أما لو أسلم المتخلف في العدة .. فإنه يتبين أن الماضي ليس عدة النكاح، بل عدة الشبهة 485.
وإنما قلنا: أسلما معاً؛ لأنهما لو أسلما مرتباً في عدة الشبهة .. كانت عدة النكاح مقدمة على الصحيح، فيعود الإشكال، فإذا أسلما معاً .. دام النكاح، ولم يبق إلا تأثير عدة الشبهة على رأي.
ويرد على إطلاق "الحاوي" 486 أنه لا يضر مقارنة المفسد الطارئ ما لا يجوز تقرير النكاح معه؛ كالرضاع ونحوه، ويكفي في الإفساد مقارنة العدة لإسلام أحدهما ولو لم يقع إسلام الآخر إلا بعد انقضائها، أما المفسد الطارئ؛ كاليسار وأمن العنت في الأمة .. فإنه يجب اقترانه بإسلامهما على المذهب، وكذا لو قارن اليسار أو أمن العنت نكاح المشرك .. لم يمنع من التقرير، إلا إن استمر حتى قارن إسلامهما، كما صرح به الإمام، وحكاه عن الأصحاب 487، وعليه مشى "الحاوي" حيث قال بعد ما تقدم [ص 465، 466]: (واليسار أو أمن العنت في الأمة وإن طرأ إسلامهما) فسوى في اليسار وأمن العنت بين القديم والطارئ.
ويرد عليهم: أنه لو كان المفسد زائلاً عند الإسلام لكن اعتقدوا مع ذلك فساده .. فلا يقرون عليه.
3627 - قول "المنهاج" [ص 387]: (ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت وهو مُحْرِمٌ .. أُقِرَّ على
الحديث: 3627 - الجزء: 2 - الصفحة: 580
المذهب) لا يفهم منه ترجيح طريقة القطع بالتقرير، فإن الاصح فيه: طريقة القولين، والطريقة الأخرى: القطع بعدم التقرير، وتعبيره بقوله: (ثم أحرم) أحسن من تعبير "الروضة" وأصلها بالواو 488، للتنصيص على أن إحرامه بعد الإسلام، لكن سهل الأمر في ذلك أن إحرام الكافر لا يصح.
وخرج بهذا التصوير ما لو أسلما معاً ثم أحرم .. فإنه يقر جزماً، فلو قارن إحرامه إسلامها .. فهل يقر جزماً أو من خلاف؟ قال السبكي: لم أر فيه نقلاً، والأقرب: الثاني.
3628 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن أسلم الزوجان وبينهما نكاح متعة .. لم يقرّا عليه) محله: ما إذا لم يعتقدوا تأبيده، وإلا .. فيقر قطعاً، وهو داخل في قول "المنهاج" [ص 387] و"الحاوي" [ص 465]: (ومؤقت إن اعتقدوه مؤبداً).
3629 - قول "التنبيه" [ص 165]: (وإن قهر حربي حربية على الوطء أو طاوعته؛ فإن اعتقدا ذلك نكاحاً .. أقرا عليه، وإلا .. فلا) خرج به ما إذا كانا ذميين .. فلا يفيد قهر بعضهم لبعض شيئاً؛ لأنا مأمورون بكفهم عن ذلك، وقد ذكر ذلك "الحاوي" إلا أنه ذكره في صحة أنكحة الكفار، ولو ذكره في تقريرهم على أنكحتهم .. لكان أحسن، وعبارته: (ونكاح الكفر صحيح ولو غصباً لا في الذميين) 489، فلو قهر ذمي حربية .. كان كقهر الحربي حربية، ولو قهر الحربي ذمية .. فهو كقهر الذمي ذمية؛ لأن على الإمام دفع أهل الحرب عن أهل الذمة، وقد ذكر هاتين الصورتين الأخيرتين شيخنا الإمام البلقيني.
والأولى منهما واردة على عبارة "التنبيه" لأن مفهومه فيها عدم التقرير، والثانية واردة على عبارة "الحاوي" لأنه لم يستثن من التقرير على الغصب إلا الذميين، وقد عرفت أنه يستثنى غصب الحربي الذمية .. فإنه لا يقر عليه أيضاً.
3630 - قول "المنهاج" [ص 387] و"الحاوي" [ص 465]: (ونكاح الكفار صحيح)، عبارة "الروضة" وأصلها: (محكوم له بالصحة) 490.
قال السبكي: ونِعِمَّا هي، ثم اختار أنها إن وقعت على وفق الشرع .. فصحيحة قطعاً، مع علمه بتصريح بعض الأصحاب بالخلاف فيه، وإلا .. فمحكوم لها بالصحة، ولا نقول: إنها صحيحة؛ لأن الصحة حكم شرعي، ثم حكى الرافعي عن مقتضى كلام المتولي وغيره تخصيص
الحديث: 3628 - الجزء: 2 - الصفحة: 581
الخلاف في ذلك بما يُفْسِدُ مثلَه الإسلامُ، وصوبه النووي، وفهم الرافعي من كلام الإمام طرده في الجميع 491.
قال النووي: لم يصرح أحد بطرده ولا الإمام، ولكنه ألزم القائل بالفساد بأنه يلزمه طرده فيما يوافق الشرع أيضاً، ولهم الانفصال عنه بأن الظاهر إخلالهم بالشروط، فإن تصور علمنا بوجودها .. حكمنا بالصحة قطعاً 492.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وصواب العبارة: (وإن حصل علمنا باجتماعها) فالتصور لا يلزم منه الحصول.
انتهى.
وسيأتي من كلام الماوردي والروياني التصريح بوجود الخلاف مع وجود شروط الصحة، وقال الأصحاب تفريعاً على قول الفساد: لا نفرق بينهم لو ترافعوا إلينا، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
قال السبكي: هذا إذا ترافعوا في شيء من لوازم النكاح، أما إذا ترافعوا إلينا في صحته وفساده ورضوا بحكمنا .. حكمنا بمقتضى شرعنا، وفرقنا بينهم إن اقتضاه الشرع كالمجوس فى المحارم، ونأمر من تحته أكثر من أربع باختيار أربع، أو أختان باختيار أحدهما، قال: وإن لم يسلموا ولا ترافعوا ولكن تجاهروا به .. ففي فسخه وجهان، وإن لم يتجاهروا .. لم يتعرض لهم، قال: وما أظن أحداً يقول بالفساد مطلقاً وإن جمعت الشرائط، كما أن صحتهما مطلقاً وإن فقدت الشرائط بعيد، لكن هذا محتمل إن لم نكلفهم بالفروع، بخلاف عكسه؛ لاحتمال فيه.
انتهى.
وفي المسألة طريقة أخرى برفع الأقوال وجعل المسألة على أحوال؛ إن وجدت الشرائط وانتفت الموانع .. فصحيحة، وعكسه فاسد، وإن فقدا .. لم نقل بالصحة، ولكن نقرهم عليها، صححها الروياني، وحكاها الماوردي عن الجمهور 493، وغلط من جعلها أقوالاً.
3631 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام .. فلا شيء لها، وإلاَّ .. فمهر مثل) 494 يستثنى من ذلك: ما لو أصدقها حراً مسلماً استرقوه ثم أسلما قبل قبضه أو بعده .. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
قال الرافعي: وقياس ما سبق أن يخرج من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة 495، وأورده شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بلفظ: الصواب، ثم ذكر استشكال
الحديث: 3631 - الجزء: 2 - الصفحة: 582
الرافعي 496، وقال في "التنقيح": والذي قاله إشكال قوي، فليطلب الفرق.
قلت: الفرق أنا نقر الخمر في أيديهم ولا نقرهم على استرقاق الحر؛ فلهذا وجب فيه المهر دون ذاك، وأشار في "المهمات" لهذا الفرق، وقد نص الشافعي في (سير الواقدي) من "الأم" على ما ذكره الأصحاب في مسألتي الخمر والحر، وأَلْحَقَ بالحُرِّ في ذلك عبد المسلم ومكاتبه وأم ولده 497، وقد يخرج الحر بقول "الحاوي" [ص 465]: (في نحو خمر) لأن الحر ليس نحو الخمر في ذلك كما بيناه، والمسألة في "التنبيه" في (الصداق) وعبارته [ص 167]: (وإن كانا ذميين وعقدا على مهر فاسد) ولا معنى لتقييد ذلك بالذميين؛ فالحربيان كذلك.
3632 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر المثل) 498 لم يبينا كيفية التقسيط، هل هو باعتبار القيمة أو غيرها؟ وذكر "الحاوي" أنه باعتبار القيمة فقال [ص 465]: (ومهر المثل قسط ما لم يقبض قيمة) وهو خلاف المنقول عند اتحاد الجنس، وعبارة "أصل الروضة": وطريق التقسيط: أن ينظر، فإن سميا جنساً واحداً وليس فيه تعدد؛ كزق خمر قبضت نصفه ثم أسلما .. وجب نصف مهر المثل، وإن تعدد المسمى؛ كزقي خمر قبضت أحدهما؛ فإن تساويا في القدر .. فكذلك، وإلا .. فهل يعتبر الكيل أو الوزن أو العدد؟ أوجه، أصحها: الأول، فإن أصدقها خنزيرين .. فهل يعتبر عددهما أو قيمتهما بتقدير ماليتهما؟ وجهان، أصحهما: الثاني، وإن سميا جنسين فأكثر؛ كزقي خمر وكلبين، وثلاث خنازير، وقبضت أحد الأجناس .. فهل ينظر إلى الأجناس وكل جنس ثلث، أم إلى الأعداد فكل فرد سبع، أم إلى القيمة بتقدير المالية؟ أوجه، أصحها: الثالث، وحيث اعتبرنا تقويمها .. فهل طريقه أن يقدر الخمر خلاً والكلب شاة والخنزير بقرة أم الكلب فهداً؛ لاشتراكهما في الاصطياد، والخنزير حيواناً يقاربه في الصورة والفائدة، أم تعتبر قيمتها عند من يجعل لها قيمة؛ كتقدير الحر عبداً في الحكومة؟ فيه أوجه، أصحها: الثالث.
انتهى 499.
3633 - قول "التنبيه" - وهو في عقد الذمة - و"المنهاج" - والعبارة له -: (ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم .. وجب الحكم) 500 كذا معاهد ومسلم.
3634 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن تحاكم بعضهم مع بعض .. ففيه قولان، أحدهما:
الحديث: 3632 - الجزء: 2 - الصفحة: 583
يجب الحكم بينهم، والثاني: لا يجب) الأظهر كما في "المنهاج": وجوب الحكم، وعليه مشى "الحاوي" (1).
ويجري القولان في ترافع الذمي والمعاهد، وقيل: يجب قطعاً، ومحل القولين: ما إذا اتحدت مِلَّتُهُمَا، فإن اختلفت .. فالأصح: القطع بالوجوب؛ لأنهما قد لا يجتمعان على حاكم، فيدوم النزاع، وقد يفهم من مقابل الأصح - وهو: عدم الوجوب - تركهما على النزاع، وليس كذلك، بل إما أن يحكم أو يردهما إلى حاكمهم.
3635 - قول "التنبيه" في عقد الذمة فيما لو تبايعوا بيوعاً فاسدة [ص 239]: (وإن ترافعوا إلى حاكم لهم، فألزمهم التقابض، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين .. أمضى ذلك الحكم في أحد القولين) هو الأصح.
فصلٌ [فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة]
3636 - قول "التنبيه" [ص 164]: (وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه .. اختار منهن أربعاً) المراد بإسلامهن معه: المقارنة إن كان قبل الدخول، وفى العدة إن كان بعد الدخول، واشتراط الإسلام محله: إذا كن غير كتابيات، فإن كن كتابيات يحل نكاحهن .. فلا يضر بقاؤهن على الكفر.
وقد أوضح ذلك "المنهاج" فقال [ص 388]: (أسلم وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو في العدة أو كن كتابيات .. لزمه اختيار أربع، ومندفع من زاد) ودخل في إسلامهن في العدة ما إذا سبق إسلامه، وهو المتبادر إلى الفهم، وما إذا سبق إسلامهن ثم أسلم هو في العدة، ولا يخفى أن مراد "المنهاج": الحر؛ فالعبد لا يختار غير اثنتين، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 502.
3637 - قول "التنبيه" فيما إذا أسلم وتحته أم وبنت، وأسلمتا معه [ص 164]: (وإن لم يدخل بواحدة منهما .. ففيه قولان، أحدهما: يثبت نكاح البنت ويبطل نكاح الأم، والثاني - وهو الأصح -: أنه يختار أيتهما شاء وينفسخ نكاح الأخرى) تبع في ترجيح التخيير بينهما الشيخ أبا حامد ومن تابعه، لكن المرجح في "المحرر" و"المنهاج": تعين البنت، وعليه مشى "الحاوي" 503،501
الحديث: 3635 - الجزء: 2 - الصفحة: 584
وفى "أصل الروضة": إنه الأظهر عند الأكثرين 504، والذي في "الشرحين" أن الأئمة بنوهما على صحة أنكحتهم؛ إن صححناها .. تعينت البنت، وإلا .. تخير 505.
قال الرافعي: قضية هذا البناء ترجيح تعين البنت، وإليه ذهب أبو على والصيدلاني والإمام والغزالي والبغوي وغيرهم، ورجح الشيخ أبو حامد ومن تابعه التخيير، ووافقهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي 506.
وفي معنى إسلامهما: ما إذا كانتا كتابيتين.
3638 - قول "التنبيه" [ص 164]: (وإن دخل بالأم دون البنت .. ففيه قولان أحدهما: ينفسخ نكاحهما وحرمتا على التأبيد، والثاني: يثبت نكاح الأم وينفسخ نكاح البنت) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" 507، وهو مبني على صحة أنكحتهم، ووقع في حكاية "الكفاية" كلام "التنبيه" تصحيح الثاني، وليس ذلك في أكثر النسخ.
3639 - قول "التنبيه" [ص 164]: (فإن أسلم وتحته أربع إماء فأسلمن معه) أي: إما مقارناً أو في العدة إن كان بعد الدخول ولو سبق إسلامهن إسلامه، وقد أوضح ذلك "المنهاج" بقوله [ص 389]: (أو إماء وأسلمن معه أو في العدة .. اختار أمة إن حلت له عند اجتماع إسلامه وإسلامهن) أي: فلو أسلم وتحته ثلاث إماء فأسلمت واحدة وهو معسر يخاف العنت، ثم أسلمت الثانية في عدتها وهو موسر أو آمن، ثم أسلمت الثالثة وهو معسر خائف .. اندفعت الثانية ويتخير بين الأولى والثالثة.
3640 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي" فيما لو أسلم وتحته حرة وإماء: (وإن أصرت - أي: الحرة - فانقضت عدتها .. اختار أمة) 508، أي: إن كان ممن يحل له نكاح الأمة، وقد صرح به مع وضوحه "التنبيه" 509.
3641 - قول "المنهاج" [ص 389]: (ولو أسلمت وعتقن ثم أسلمن في العدة .. فكحرائر؛ فيختار أربعاً) لا يختص بهذا التصوير، وضابطه: أن يطرأ العتق قبل اجتماع إسلامهن وإسلام الزوج؛ فيشمل هذه الصورة، وما إذا أسلمن ثم عتقن ثم أسلم، وما إذا عتقن ثم أسلمن ثم
الحديث: 3638 - الجزء: 2 - الصفحة: 585
أسلم، وما إذا عتقن ثم أسلم ثم أسلمن، فلو تأخر عتقهن عن الإسلامين؛ بأن أسلم ثم أسلمن، أو عكسه ثم عتقن .. استمر حكم الإماء عليهن، فتتعين الحرة إن كانت، وإلا .. اختار واحدة من الإماء فقط بشرطه.
3642 - قول "التنبيه" فيما لو أسلم عبد وتحته أربع نسوة [ص 165]: (فإن أسلم وأعتق ثم أسلمن، أو أسلمن فأعتق ثم أسلم .. ثبت نكاح الأربع) لا يخفى أن محله: إذا كن حرائر، ومن باب أولى ما إذا عتق أولاً، وكذا لو أسلم معه واحدة ثم عتق ثم أسلم الباقيات، أما لو أسلم معه اثنتان ثم عتق .. تعينتا للنكاح؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 467]: (وكالحر إن عتق ولم يسلم أو ثنتان، وإلا .. تعينتا).
3643 - قول "الحاوي" [ص 467]: (وبعدهما تدفع المتأخرة عن عتقها) أي: والأمة التي عتقت بعد إسلامها وإسلام الزوج تدفع نكاح المتأخرة عن عتقها لا غير، حتى لو أسلم على أربع إماء فأسلمت معه اثنتان وتخلفت اثنتان فعتقت واحدة من المتقدمتين وأسلمت المتخلفتان على الرق .. اندفع نكاحهما؛ لأن تحت زوجهما حرة عند إسلامهما وإسلام الزوج، ولا تندفع الرقيقة المتقدمة؛ لأن عتق صاحبتها كان بعد إسلامها وإسلام الزوج، فلا يؤثر في حقها، بل يختار واحدة منهما، كذا ذكره الغزالي، وتبعه الرافعي والنووي 510.
وقال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": استقر الرأي بعد البحث والتنقير على الحكم على الغزالي بأنه ساهٍ في هذه المسألة على المذهب، وصوابه: أنه لا يندفع نكاح المتخلفتين، بل يتخير بين الأربع؛ لأن عتق إحدى المتقدمتين كان بعد اجتماعهما على الإسلام، والقاعدة: أن مثل هذا العتق لا يجعلها كالحرائر، بل يبقى حكمها حكم الإماء في حقها وحق غيرها، وكان منشأ السهو أنه سبق وهمه إلى أنه لما كان عتق المتقدمة واقعاً قبل اجتماع الزوج والمتخلفتين في الإسلام .. التحقت بالحرائر في حق المتخلفتين، وهذا خطأ؛ لأن الاعتبار في ذلك باجتماع العتيقة نفسها والزوج في الإسلام لا باجتماع غيرها والزوج، وهذه العتيقة كانت رقيقة عند اجتماعها هي والزوج في الإسلام، فكان حكمها حكم الإماء في حقها وحق غيرها.
انتهى 511.
ويوافق ما ذكره ابن الصلاح قول الفوراني: لو أسلم وتحته إماء وأسلمت معه واحدة ثم عتقت ثم أسلم البواقي .. تخير بين الكل؛ لأنها في حالة الاجتماع في الإسلام كانت أمة.
انتهى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الصواب.
3644 - قول "المنهاج " [ص 389]: (والاختيار: "اخترتك"، أو "قررت نكاحك"، أو
الحديث: 3642 - الجزء: 2 - الصفحة: 586
"أمسكتك"، أو "ثبتك")، قال الرافعي بعد ذكر هذه الألفاظ وغيرها: وكلام الأئمة يقتضي أن الكل صريح، لكن الأقرب: أن (اخترتك)، و (أمسكتك) من غير تعرض للنكاح كناية.
انتهى 512.
فعلى ما رجحه الرافعي قد خلط "المنهاج" ألفاظ الصريح بالكناية، ومقتضى هذا الكلام: صحة الاختيار بالكناية، وقد منعه الروياني؛ لأنه كالابتداء، وينبغي إن جعل كالدوام مجيء خلاف كالرجعة بها.
وفي بعض نسخ "المحرر": (اخترتك) 513 كما في "المنهاج"، وفي بعضها: (اخترت) بغير كاف؛ أي: اخترت أو قررت نكاحك، فيكون حذف مفعول الأول لدلالة الثاني، والتقدير: اخترت نكاحك، فزاد "المنهاج" الكاف؛ فصار كناية.
3645 - قول "التنبيه" [ص 164]: (وإن وطئها .. فقد قيل: هو اختيار، وقيل: ليس باختيار) الأصح: أنه ليس باختيار، وعليه مشى "الحاوي" 514.
3646 - قول "المنهاج" [ص 389]: (ولا يصح تعليق اختيارٍ ولا فسخٍ) محله: ما إذا أراد بالفسخ الحل بلا طلاق، فإن أراد به الطلاق .. جاز تعليقه، وهو داخل في قوله قبل ذلك: (والطلاق اختيار) 515 فإنه يتناول الصريح والكناية والمنجز والمعلق، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 467]: (والطلاق وإن علق) ثم قال: (لا الاختيار) أي: لا يصح تعليقه، ثم قال: (والفسخ بتفسيره) 516 والظاهر أنه معطوف على الطلاق؛ أي: أن الفسخ إذا كان بتفسير الطلاق .. فهو تعيين، ويصح تعليقه، ويجوز أن يكون معطوفاً على الاختيار؛ أي: أن الفسخ بتفسير الاختيار؛ أي: اختيار الفراق لمجرد الحل لا يصح تعليقه.
3647 - قول "المنهاج" [ص 389]: (ولو حصر الاختيار في خمس .. اندفع من زاد) مثال؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 468]: (وجاز الحصر في بعض).
3648 - قول "المنهاج" [ص 389]: (وعليه التعيين) يحتمل أنه من تمام ما قبله؛ أي: تعيين أربع من الخمس، ويوافقه قول "المحرر": (فيندفع غيرهن ويؤمر بالتعيين فيهن) 517، وأيضاً: فإن وجوب التعيين قد تقدم أول الفصل في قوله: (لزمه اختيار أربع) 518، ويحتمل أنه كلام مبتدأ
الحديث: 3645 - الجزء: 2 - الصفحة: 587
يشمل هذه وغيرها، ويؤيده أن النووي عمل بخطهِ فاصلة قبله، وأنه عطف عليه 519.
3649 - قوله: (ونفقتهن حتى يختار) 520 وهذا لم يتقدم ذكره؛ فجعله مستأنفاً شاملاً لهذه المسألة، وغيرها أولى.
3650 - قول "التنبيه" [ص 164]: (فإن لم يفعل - أي: الاختيار - أجبر عليه) لم يبين كيفية الإجبار، وفي "المنهاج" [ص 389]: (فإن ترك الاختيار .. حبس) وفي "الحاوي" [ص 468]: (وحبس له، وعزر إن أصر)، قال الأصحاب: ويعزر ثانياً وثالثاً ... وهكذا حتى يختار بشرط تخلل مدة يبرأ بها عن ألم الأول، وهذا الذي ذكره الأصحاب من وجوب الاختيار تمسكوا فيه؛ لورود الأمر في حديث غيلان.
وقال السبكي: الذي أفهمه منه: أن "أمسك" للإباحة و"فارق" للوجوب 521، لحقهن في رفع الحبس عنهن، ولمنع الجمع بين العشرة؛ فإنه الحرام، والواجب ضده، فالسكوت مع الكف عن الكل لا محذور فيه، إلا إذا طلبن إزالة الحبس .. فيجب كسائر الديون، وإلا .. لم يجب، فينبغي حمل كلامهم عليه.
انتهى.
3651 - قول "الحاوي" [ص 468]: (فإن مات قبله .. اعتدت كل الأقصى) أي: اعتدت كل واحدة الأقصى من عدتي الفراق والوفاة، محله: في غير الحامل إذا كانت مدخولاً بها ذات أقراء، فأما الحامل .. فتعتد بوضع الحمل، وأما غير المدخول بها وذات الأشهر .. فتعتد عدة الوفاة، وقد ذكر ذلك "المنهاج" فقال [ص 389]: (اعتدت حامل به، وذات أشهر وغير مدخول بها بأربعة أشهر وعشر، وذات أقراء بالأكثر من الأقراء وأربعة أشهر وعشر) واعلم: أن الأشهر معتبرة من موته، والأصح: اعتبار الأقراء من وقت إسلامهما إن أسلما معاً، والا .. فمن إسلام السابق.
قال شيخنا الإمام البلقيني: والمراد: الأكثر من أربعة أشهر وعشر وما بقي من الأقراء، صرح به البغوي 522، وهو ظاهر.
3652 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويوقف نصيب زوجات حتى يصطلحن) 523 محله: إذا كن مسلمات، فإن كن كوافر .. فلا وقف، فلو أسلم معه أربع وتخلف أربم كتابيات .. فالأصح: لا وقف أيضاً، بل تقسم التركة بين غيرهن من الورثة؛ لأن استحقاق الزوجات غير
الحديث: 3649 - الجزء: 2 - الصفحة: 588
معلوم، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 468]: (أو تخلف أربع كتابيات) ووجه مقابله: أن استحقاق غيرهن من الزائد غير معلوم، وارتضاه ابن الصباغ.
قال الرافعي: وهو قريب من القياس (1)، وقال النووي: المختار المقيس هو الأول (2). وادعى في "التوشيح" أن عبارة "التنبيه" أحسن من عبارة "المنهاج" لإفصاحه بأن موته قبل الاختيار، وليس كذلك؛ فـ "المنهاج" أيضاً إنما ذكر كلامه هذا بعد قوله: (فإن مات قبله) أي: قبل الاختيار، وإن عبارة "المنهاج" أحسن؛ لدلالتها على أن شرط الوقف: أن يكن وارثات، وليس كذلك، بل عبارتهما في ذلك سواء، والله أعلم.
3653 - قول "الحاوي" [ص 468]: (وجاز بالتفاوت) يستثنى منه: ما إذا كان فيهن طفلة أو مجنونة وصالح عنها وليها .. فلا يجوز مع التفاوت، والأصح: أن له النقص في الصلح عن ربع الموقوف، لكن لا ينقص عن ثمنه.
فَصْلٌ [في إسلام أحد الزوجين]
3654 - قول "المنهاج" [ص 389]: (ولو أسلمت أولًا فأسلم في العدة أو أصر .. فلها نفقة العدة على الصحيح)، عبر في "الروضة": بالمشهور، وقيل: الصحيح 526، فرجح كون الخلاف قولين، فإن قيل: لو أسلمت قبل الدخول .. سقط المهر مع إحسانها.
قلت: قال المتولي: المهر عوض العقد فسقط بتفويت العاقد معوضه وإن كان معذوراً؛ كأكل البائع المبيع مضطراً، والنفقة للتمكين، وإنما يسقط للتعدي، ولا تعدي هنا.
3655 - قول "التنبيه" في (النفقات) [ص 208]: (وإن ارتدت .. سقطت نفقتها، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة .. فقد قيل: لا تستحق، وقيل: على قولين) الأصح: القطع بأنها لا تستحق، وبه جزم "المنهاج" 527، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 468]: (وردتها).
وقال الرافعي: إنه لا يجيء هنا القول المتقدم 528، واعترضه النووي بأن في "المهذب" وغيره طريقين، أحدهما: طرد القولين 529، وهو الذي نقلناه عن "التنبيه".524525
الحديث: 3653 - الجزء: 2 - الصفحة: 589
باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد
3656 - قولهم: (إذا وجد أحد الزوجين بالآخر جنوناً) 530 يتناول المتقطع، وهو كذلك، قال الإمام: ولم يتعرضوا لاستحكامه ولم يراجعوا الأطباء في إمكان زواله، ولو قيل به .. لم يبعد 531.
3657 - قولهم: (أو جذاماً أو برصاً) 532 يتناول المستحكم وغيره، لكن قال الشيخ أبو محمد: إن أوائل البرص والجذام لا يثبت الخيار، وإنما يثبت إذا استحكما، وتبعه ابن الرفعة، قالا: والاستحكام في الجذام يكون بالتقطع، وتردد الإمام في ذلك، وجوز الاكتفاء باسوداده، وحكم أهل المعرفة باستحكامه 533.
3658 - قولهم: (وإن وجدت المرأة زوجها عنيناً) 534 محله: في البالغ العاقل، فلا تسمع دعوى العنة من امرأة صبي أو مجنون؛ لأمور: منها: أن الفسخ يعتمد إقرار الزوج، وقولهما لغو، وقد صرح بذلك غير واحد، وهو واضح.
3659 - قولهم: (أو مجبوباً) 535 أي: مقطوع جميع الذكر أو بعضه، وبقي منه دون الحشفة، فإن بقي قدرها فأكثر .. فلا خيار على المذهب، كما في "الروضة" وأصلها 536، وقال بعضهم: صواب العبارة: أن يبقى منه ما يمكن أن يولج منه قدر الحشفة، صرح به جماعة، وصحح الماوردي عدم الخيار فيما إذا بقي ما يقدر على إيلاجه، ولم يقيده بقدر الحشفة 537.
3660 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن جب بعض ذكره وبقي ما يمكن الجماع به فادعى أنه يمكنه الجماع به .. فقد قيل: القول قولها، وقيل: قوله) هذا الثاني هو الأصح، ويرد على حصرهم العيب المختص بالمرأة في الرتق والقرن ثالثٌ ذكره الرافعي في (الديات)، فحكى عن الغزالي: أنه إذا كانت المرأة لا تحتمل الوطء إلا بالإفضاء؛ لضيق المنفذ بحيث يخالف العادة .. فله الخيار كما في الجب، قال: والمشهور من كلام الأصحاب - وقد تقدم في (الصداق) -: أنه لا فسخ بمثل ذلك، ثم قال: ويشبه أن يقال: إن احتملت وطء نحيف مثلها .. فلا فسخ، وإن
الحديث: 3656 - الجزء: 2 - الصفحة: 590
كان ضيق المنفذ، بحيث يحصل به الإفضاء من كل واطئ .. فهذا كالرتق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولى، وما ذكره الغزالي على الثانية 538.
قال في "المهمات": وهذا التوسط الذي ذكره في المرأة لا شك في جريانه في الرجل أيضاً.
انتهى.
وفهم من قولهما: (وجد) 539 أن محل الخيار: إذا جهل أحدهما عيب الآخر، فإن علم به .. فلا خيار له، وصرح بذلك "الحاوي" 540، ولو زاد العيب الذي رضىِ به في الأصح؛ فإن رضاه به رضاً بما يتولد منه.
واستثنى في "الكفاية" عن "التتمة": ما إذا حدث ذلك العيب بمكان آخر، وقد يقال: لا استثناء؛ فإنه عيب آخر، ولا يثبت الخيار أيضاً فيما إذا لم يعلم بالعيب إلا بعد موت المعيب في الأصح؛ لانتهاء النكاح بالموت، ولا فيما إذا علم بالعيب بعد زواله؛ لانتفاء الضرر، وقد ذكرهما "الحاوي" 541.
3661 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وإن وجد أحدهما بالآخر عيباً من هذه العيوب وبه مثله .. فقد قيل: يفسخ، وقيل: لا يفسخ) الأصح: الفسخ، وعليه مشى "المنهاج"، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" 542، والمراد: مماثلته له في الجنس والقدر والمحل والفحش.
قال الرافعي: فإن كان أحدهما أكثر أو أفحش .. وجب أن يثبت الخيار من غير خلاف، وقد ذكر ذلك بحثاً 543، وقد حكاه ابن الرفعة عن القاضي حسين نقلاً، وعليه يدل تعبير "التنبيه" و"المنهاج"، بالمثل 544.
قال الرافعي والنووي: وهذا في غير الجنون، أما إذا كانا مجنونين .. فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما 545، واعترضه ابن الرفعة: بأنه يمكن في المنقطع حال الإفاقة.
قال في "المهمات": لا شك أن الرافعي ذهل عن ثبوت الخيار بالمنقطع.
قلت: المنقطع لا يوصف حال الإفاقة بالجنون، فما أراد الرافعي فيما يظهر إلا المطبق.
الحديث: 3661 - الجزء: 2 - الصفحة: 591
وقال شيخنا ابن النقيب: يمكن أيضاً في المطبق للولي 546، ويجري مثل هذا الخلاف فيما لو كان مجبوباً وهي رتقاء، وقطع بعضهم بالمنع؛ لعدم الطريق إلى الوطء.
والله أعلم
3662 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وإن وجد أحدهما الآخر خنثى .. ففيه قولان) الأظهر كما في "المنهاج": أنه لا خيار، وقيده بأن يكون واضحاً 547، وهو من زيادته على "المحرر"، ولا بد منه؛ فإن المشكل لا يصح نكاحه، وقد صرح به "التنبيه" في (باب ما يحرم من النكاح) 548، فلم يحتج إلى تقييده هنا، والأصح: أن محلهما: إذا اختار الذكورة بغير علامة فيزوج امرأة، أو عكسه؛ لأنه قد يخرج بخلافه، فإن اتضح بعلامة .. فلا خيار.
3663 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وإن حدث العيب بالزوج .. كان لها أن تفسخ) يتناول الجب ولو كانت الزوجة هي الجابة لذكر زوجها، وهو الأصح يستثنى منه: العنة بعد الدخول .. فلا خيار بها، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 549.
3664 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وإن أرادت أن تتزوج بمجذوم أو أبرص .. فقد قيل: له منعها، وقيل: ليس له منعها) الأصح: الأول، وهو موافق لتصحيح "المنهاج": أن الولي يتخير بمقارن جذام وبرص 550، فمسألة "التنبيه" في المنع من ابتداء النكاح، ومسألة "المنهاج" في فسخه بعد عقده، وقد ذكر "الحاوي" المسألتين فقال [ص 469]: (وللولي بالعام المقارن؛ كمنع النكاح).
3665 - قول "التنبيه" [ص 162]: (ولا يصح الفسخ بهذه العيوب إلا على الفور)، و"المنهاج" [ص 390]: (والخيار على الفور) المراد به إن صح: المطالبة والرفع إلى الحاكم على الفور.
3666 - قولهم: (والفسخ قبل دخولٍ يُسقط المهر) 551 يتناول فسخه بعيبها وفسخها بعيبه: واستشكل السبكي الأول، وقال: هلاَّ تشطر كتطليقه، وكونه بسببها معارض بفسخها بعيبه، فإما أن يحال على المباشرة .. فيتشطر إذا فسخ، ويسقط إذا فسخت، أو على السبب .. فبالعكس.
وأجاب: بأن المهر منه في مقابلة منفعتها، ولا عوض منها مقابلاً لمنفعته، وهذا يقتضي عدم فسخها، لكن أثبته الشرع على خلاف القاعدة دفعاً لضررها مع سلامة ما عقدت عليه، وهو
الحديث: 3662 - الجزء: 2 - الصفحة: 592
العوض، فترده كما عاد بضعها سالماً، وأما فسخه: فعلى القاعدة المقتضية رد العوضين.
3667 - قول "المنهاج" [ص 390]: (وبعده .. الأصح: أنه يجب مهر مثل إن فسخ بمقارن) عبارة "الروضة": (الصحيح المنصوص) 552، ولم يبين "المنهاج" مقابله - وهو قول مخرج -: أنه المسمى، ووجه: أنه إن فسخ بعيبها .. فمهر المثل، أو فسخت بعيبه .. فالمسمى.
قال شيخنا ابن النقيب: وهذا الذي لا يتجه غيره؛ لأنه بذل المسمى في التمتع بسليمة، وقد استوفاه، فلم يعدل عنه إلى مهر المثل؛ اللهم إلا أن يقال: إنما رضيت بهذا المسمى لظنها سلامته، ومهر مثلها أكثر منه، وحيئنذ .. فينبغي وجوب الأكثر منهما 553.
3668 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وإن كان بعيب حدث قبل الوطء .. سقط المسمى ووجب مهر المثل) يقال: كيف يتمكن من الفسخ بعد الوطء واشتغاله بالوطء مفوت للفور؟
وجوابه: أن صورة المسألة أنه وطء غير عالم بحدوث العيب؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 390]: (أو بحادث بين العقد والوطء جهله الواطئ) ثم إن هذا مفرع على الجديد: في أن له الفسخ بعيبها الحادث، فإن قيل: الفسخ إن رفع العقد من أصله .. فليجب مهر المثل بكل حال، أو من حينه .. فالمسمى كذلك، فما وجه التفصيل؟
قلت: أجاب عنه السبكي بأن اختيارنا هنا وفى (الإجارة) أنه يرفعه من حين حدوث سببه لا من أصل العقد ولا من حين الفسخ؛ فيستقيم التفصيل المذكور؛ ولأن المعقود عليه فيهما المنافع، وهي لا تقبض حقيقة إلا بالاستيفاء، بخلاف البيع، فإن القبض فيه مقرر وفسخه بالردة والرضاع والإعسار من حينه.
3669 - قول "التنبيه" [ص 162]: (وهل يرجع به على من غره؟ فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: أن الجديد: أنه لا رجوع كما ذكره "المنهاج"، ومشى عليه "الحاوي" 554.
ثانيها: الظاهر أن الضمير في قوله: (به) يعود على مهر المثل؛ لأنه أقرب مذكور قبله، وكذا في "التتمة"، وقال: إن غرم المسمى .. فلا رجوع جزماً؛ لأنه سلم له بدل ما ملكه بالعقد وهي الوطأة الأولى، وسوى البغوي بينهما 555، وهو الأصح في "أصل الروضة" 556 ولذلك أطلق "المنهاج" المهر 557، فتناول المسمى ومهر المثل.
الحديث: 3667 - الجزء: 2 - الصفحة: 593
ثالثها: محل الخلاف: في العيب المقارن، أما الحادث: فلا رجوع به جزماً؛ لعدم التغرير.
رابعها: دخل في قوله: (من غره) الولي والزوجة دون غيرهما؛ فانه غير عاقد ولا معقود عليه، وصوّر في "التتمة" التغرير منها: بأن تسكت عن ذكر عيبها، ويظهر للولي معرفة الخاطب به، وصوّره أبو الفرج الزاز: بأن تعقد بنفسها ويحكم به حاكم، ثم لفظ الرجوع الذي استعمله الأصحاب يشعر بالدفع إليها ثم الاسترداد منها، لكن ذكر الشيخ أبو حامد والإمام: أنه لا معنى لذلك 558، ومعنى الرجوع: عدم الغرم لها، لكن هل يجب لها أقل ما يصلح أن يكون مهراً؟ وجهان، أصحهما في زيادة "الروضة": لا 559.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر مقابله، وحكاه عن صاحب "البيان" 560، فلو كان الولي جاهلاً بالعيب .. ففي الرجوع عليه وجهان.
محلهما: في غير المحرم؛ كابن العم والمعتق والقاضي.
3670 - قول "التنبيه" [ص 162]: (ولا يجوز إلا بالحاكم) قد يفهم تعينه للفسخ، وهو وجه حكاه في "الذخائر"، والمشهور خلافه، والمراد: تعين الرفع إلى الحاكم؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 391]: (ويشترط في العنة رفعٌ إلى حاكم وكذا سائر العيوب في الأصح)، وكذا عبر "الحاوي" بالرفع إلى حاكم 561.
قال الرافعي: وعلى الوجهين يجوز التأخير إلى أن يفسخ عند القاضي 562.
3671 - قول "المنهاج" [ص 391]: (وتثبت العنة بإقراره أو ببينة على إقراره) قد يقال: العمل بالبينة على إقراره عمل بإقراره؛ فهو داخل في الإقرار المذكور أولاً؛ ولذلك اقتصر "التنبيه" و"الحاوي" على الإقرار بالعنة 563.
وجوابه: أن المراد: إقراره عند الحاكم حين الدعوى، فلم يتناول البينة على إقراره، ولم يذكر "التنبيه" ثبوته باليمين المردودة بعد نكوله، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 564 ولعله سكت عنه؛ لأنه في معنى الإقرار.
الحديث: 3670 - الجزء: 2 - الصفحة: 594
قال أصحابنا: ولها أن تحلف إذا بانت لها عنته بالقرائن والممارسة.
3672 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإذا أقر بالتعنين .. أجل سنة من يوم المرافعة) إنما يكون ابتداؤها من ضرب القاضي المدة بعد ثبوته؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 391]: (وإذا ثبتت .. ضرب له القاضي سنة) وإنما يكون ضرب المدة بعد طلبها، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 565، ويكفى فيه قولها: (أنا طالبة حقي على موجب الشرع) وإن جهلت تفصيل الحكم، فلو سكتت .. لم يضرب، إلا إن يحمل القاضي سكوتها على دهش أو جهل .. فلا بأس بتنبيهها.
3673 - قول "المنهاج" [ص 391]: (فإذا تمت - أي: من غير وطء - رفعته إليه)، وقال الماوردى: لو سكتت بعد مضي السنة مدة لم ترفعه إلى الحاكم .. لم يبطل حقها من الفسخ، فلها بعد ذلك رفعه 566.
3674 - قول "التنبيه" [ص 163]: (فإن جامعها - وأدناه: أن يغيب الحشفة في الفرج - .. سقطت المدة) المراد: القبل، قال في "التهذيب": وهذا في الثيب، أما البكر: فلا بد من الافتضاض 567، قال الرافعي: وهذا يدل على أن الافتضاض لا يحصل بتغييبها، وتغييب قدر الحشفة من مقطوعها كتغييب الحشفة على الأصح، كنظائره 568.
3675 - قول "المنهاج" [ص 391]: (فإن قال: "وطئت" .. حُلف) يستثنى منه: ما إذا شهد أربع من القوابل بأنها باقية على بكارتها .. فالقول قولها مع يمينها، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 569.
وإيجاب يمينها هو المرجح في "الشرح الصغير"، وليس في "الروضة" وأصلها تصريح بترجيح، وفيهما: أن ظاهر النص عدم التحليف 570، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن ظاهر النص: تحليفها.
3676 - قول "المنهاج" [ص 391]: (فإن نكل .. حُلفت) قال الرافعي - وتبعه في "الروضة" -: وفيه الخلاف الذي سبق 571، يعني: في قول "المنهاج" [ص 391]: (وكذا بيمينها
الحديث: 3672 - الجزء: 2 - الصفحة: 595
بعد نكوله في الأصح) وفي مجيئه نظر؛ فإنها تحلف هناك على العنة التي مستندها فيها قرائن الأحوال وقد تتخلف، وهنا على ترك الوطء وهو محسوس، فكيف يأتي الخلاف؟ ذكره السبكي، وتعجب من الرافعي كيف وقع منه هذا؟
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أر من ذكر هذا الخلاف، ولكن إذا نظر إلى احتمال أن يطأها نائمة .. أمكن أن يأتي خلاف ضعيف، لكنه لا ينظر إلى إنكاره في الشريعة .. فسقط.
قلت: لعل أصل الخلاف في الموضعين أن اليمين المردودة كالإقرار .. فيحلف، أو كالبينة .. فلا يحلف؛ لأن كلأ من العنة وعدم الوطء لا يمكن إقامة البينة عليه.
3677 قول "الحاوي" [ص 472]: (والقول لنافي الوطء لا إن أتت بولد ولم يلاعن وفي العنة والإيلاء) كذا حكاه الرافعي والنووي عن الأئمة 572، ويرد عليه مسائل:
الأولى: إذا تزوجها بشرط البكارة فقالت: زالت بوطئك .. فالقول قولها بيمينها؛ لدفع الفسخ، وقوله بيمينه؛ لدفع كمال المهر، حكاه الرافعي عن البغوي، وأقره 573.
الثانية: إذا قال لطاهر: أنت طالق للسُّنَّةِ، ثم قال: لم يقع؛ لأني جامعتك فيه، وأنكرت .. قال إسماعيل البوشنجي: مقتضى المذهب: قبول قوله؛ لبقاء النكاح، حكاه عنه الرافعي 574، وأجاب بمثله القاضي في "فتاويه" فيما إذا قال: (إن لم أنفق عليك اليوم .. فأنت طالق) ثم ادعى الإنفاق .. فيقبل؛ لعدم الطلاق لا لسقوط النفقة، لكن في "فتاوى ابن الصلاح": أن الظاهر الوقوع في هذه المسألة 575.
الثالثة: إذا ادعت المطلقة ثلاثاً أن الزوج الجديد أصابها .. قُبل؛ لتحل للمطلق، لا لاستقرار المهر، ذكره الرافعي في التحليل 576.
الرابعة: إذا عتقت تحت عبد وقلنا بالخيار إلى الوطء فادعاه وأنكرت .. ففي المصدق وجهان في الرافعي بلا ترجيح؛ لتعارض الأصلين: بقاء النكاح، وعدم الوطء 577.
3678 قول "المنهاج" [ص 391]: (فإن حلفت أو أقر .. استقلت بالفسخ) يشترط على الأصح بعد حلفها أو إقراره: أن يقول القاضي: ثبتت العنة أو حق الفسخ، فاختاري، ولم يتعرض لذلك "الحاوي" أيضاً 578.
الحديث: 3677 - الجزء: 2 - الصفحة: 596
3679 - قول "المنهاج" [ص 391]: (ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة .. لم تحسب) يتناول ما إذا استغرق ذلك المدة، وما إذا وجد في بعضها وزال، وقد قال الرافعي في الصورة الثانية: القياس استئنافها، أو مضي ذلك الفصل من قابل 579.
قال ابن الرفعة: وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه الاستئناف أيضاً؛ فلعل المراد: أنه لا يمتنع انعزالها عنه في غيره من السنة الأخرى بخلاف الاستئناف.
3680 - قول "الحاوي" [ص 472]: (لا إن رضيت) أي: بالمقام معه، فإنه يسقط خيارها.
محله: إذا كان الرضا بعد انقضاء المدة، أما لو رضيت قبل ضربها، أو في أثنائها .. فإنه لا يسقط حقها من الفسخ بعد المدة في الأصح؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 163]: (وإن اختارت المقام معه قبل انقضاء الأجل .. لم يسقط خيارها على المنصوص) و"المنهاج" [ص 391]: (ولو رضيت بعدها به .. بطل حقها) فذكر كل منهما إحدى الحالتين بالمنطوق والأخرى بالمفهوم، وقوله: (بعدها) 580 من زيادته على "المحرر".
3681 - قول "الحاوي" [ص 469]: (وعنة قبل الوطء) أي: في ذلك النكاح، فلو وجد الوطء في نكاح سابق .. لم يمنع الفسخ، وقد ذكره بعد ذلك بقوله: (أو وطئ في نكاح سابق) 581.
3682 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن تزوج امرأة وشرط أنه حر فخرج عبداً .. فهل يصح النكاح؟ فيه قولان) ثم قال: (وإن شرط أنها حرة فخرجت أمة .. ففيه قولان) 582 فيه أمور:
أحدها: الأظهر: صحة النكاح في الصورتين كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 583.
ثانيها: قد يفهم منه اختصاص ذلك بشرط الحرية، وليس كذلك، وقد قال "الحاوي" [ص 470]: (وخلف شرط الإسلام والنسب والحرية)، فزاد: الإسلام والنسب، وقد يفهم اختصاصه بما ذكر أو بصفة كمال، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 391]: (ولو نكح وشرط فيها إسلامٌ، أو في أحدهما نسب أو حرية، أو غيرهما فأُخلف .. فالأظهر: صحة النكاح) فدخل تحت قوله: (غيرهما) بقية الأوصاف، وقد يتوقف في ذلك؛ لأنه لا عموم فيه، فأحسن منه قول "التصحيح": وأنه إذا شرط في أحدهما وصف فخرج أعلى منه أو أنزل .. صح النكاح 584، ومع
الحديث: 3679 - الجزء: 2 - الصفحة: 597
ذلك فقد يفهم اختصاص الخلاف بشرط صفة كمال أو نقص، وليس كذلك؛ فإنه مطرد في شرط ما لا يتعلق به كمال ولا نقص، ويدل على أن "التنبيه" أراد التمثيل بشرط الحرية دون التقييد: أنه حكى القولين بعد ذلك فيما إذا تزوج امرأة وشرط أنها أمة فخرجت حرة، أو على أنها كتابية فخرجت مسلمة 585.
ثالثها: لا يخفى أن محل الخلاف فيما إذا شرط أنه حر فخرج عبداً: أن يكون السيد أَذِنَ له في النكاح، وإلا .. لم يصح قطعاً، وقال الفارقي: المسألة مفروضة فيما إذا عينت الزوج وشرطت صفته، وكذا قال صاحب "الوافي": إن محل الخلاف فيما إذا أذنت في التزويج من معين، فإن أذنت في التزويج من غير معين لكنه متصف بصفة مخصوصة فخرج على خلافها .. بطل العقد قطعاً، وتعليل "المهذب" يرشد لذلك 586.
رابعها: ولا يخفى أن محل الخلاف في الصورة الثانية: فيما إذا كان المزوج السيد والزوج ممن يحل له نكاح الأمة، وأطلق "الحاوي" 587 خلف شرط الإسلام، ولا يخفى أن محله فيما إذا شرط فيه: أن تكون كتابية، فلو كانت مسلمة فأخلف .. لم يصح قطعاً، وفيما إذا شرط فيها: أن يظهر كونها كتابية؛ فلو بانت وثنية .. لم يصح جزماً.
واقتضى كلام "المنهاج" أن اشتراط الإسلام فيه لا يتصور فيه الصحة مع خلف الشرط، وقد عرفت تصويره بأن تكون كتابية، وأطلق "الحاوي" ثبوت الخيار بخلف شرط الإسلام والنسب والحرية 588، وفصّل "المنهاج" فقال [ص 391]: (ثم إن بان خيراً مما شرط .. فلا خيار، وإن بان دونه .. فلها خيار وكذا له في الأصح)، وكلام "التنبيه" يوافقه؛ فإنه جزم بثبوت الخيار لها فيما إذا شرط أنه حر فخرج عبداً تفريعاً على الصحة، وصحح ثبوته له فيما إذا خرجت أمة، لكنه حكى الخلاف في ذلك قولين 589، وهو في "المنهاج" وجهان 590، وجزم بعدم الخيار فيما إذا شرط أنها أمة فخرجت حرة، أو كتابية فخرجت مسلمة، وفي "أصل الروضة" فيما إذا بان دونه .. أن الغزالي أطلق في ثبوت الخيار قولين، وقال سائر الأصحاب: إن شرط فيه نسب شريف فأخلف بدونه وهو دون نسبها .. فلها ولأوليائها الخيار، كان كان مثل نسبها أو فوقه .. فلا خيار لها في
الجزء: 2 - الصفحة: 598
الأظهر، وقيل: قطعاً 591، وهذا التصحيح إنما حكاه الرافعي عن البغوي 592، لكنه أرسله في "الشرح الصغير"، ورجح الشافعي رضي الله عنه ثبوت الخيار فقال: إنه أشبه القولين، وبه أقول، حكاه شيخنا الإمام البلقيني.
وإن أخلف نسب الزوجة .. فالأصح: أنه كعكسه، فيثبت له إن كان دون نسبه، وإلا .. ففيه القولان، وقيل: لا خيار له قطعاً، كان شرطت حريته فخرج عبداً وهي حرة .. فلها ولأوليائها الخيار، أو أمة .. فوجهان، وقيل: يثبت قطعاً، قال الإمام والمتولي: والخيار لسيدها دونها عكس العيوب؛ لأن له إجبارها على نكاح عبد لا معيب 593، وإن شرط حريتها فخرجت أمة .. فله الخيار إن كان حراً دون ما إذا كان عبداً على المذهب.
ويرد ذلك على "التنبيه" فإنه أطلق تصحيح ثبوت الخيار له ثم قال [ص 163]: (وقيل: إن كان الزوج عبداً .. فلا خيار له قولاً واحداً والأول أصح).
انتهى.
وإن شرطت في الزوج صفة أخرى فبان دونها .. فلها الخيار، وإن شرطت فيها .. ففي ثبوت الخيار له قولان؛ لتمكنه من الطلاق، قال في "الروضة" من زيادته: الأظهر: ثبوته 594.
3683 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن تزوج امرأة وبان أنها أمة وهو ممن يحل له نكاح الأمة، أو بأن أنها كتابية .. فقد قيل: فيهما قولان، أحدهما: أن له الخيار، والثاني: أنه لا خيار له، وقيل: في الأمة لا خيار له، وفي الكتابية يثبت له الخيار) الطريقة الثانية هي النص فيهما، لكن الأرجح: الطريقة الأولى، وأظهر القولين: عدم الخيار، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 391]: (ولو ظنها مسلمة أو حرة فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له .. فلا خيار في الأظهر) و"الحاوي" فقال [ص 470]: (لا خلف الظن) وتعبيرهما بالظن لا بد منه، وأهمله "التنبيه"، ودخل في عبارة "الحاوي" ما لو ظنته كفئاً فاذنت في تزويجها منه فبان غير كفء، لفسق أو دناءة نسب أو حرفة أو عيب أو رق.
واقتضى كلامه: أنه لا خيار لها في جميع ذلك، وهو مقتضى إطلاق الغزالي، وفصّل "المنهاج" في ذلك فقال تبعاً لـ "المحرر" فيما إذا بان فسقه أو دناءة نسبه وحرفته: (لا خيار لها) وزاد: (أنه لو بان معيباً أو عبداً .. فلها الخيار) 595، وقد ذكر الرافعي ذلك على طريق البحث،
الحديث: 3683 - الجزء: 2 - الصفحة: 599
لكن قال فيما لو بان عبداً: ليكن الحكم فيه كما لو نكحها ظاناً حريتها فبانت أمة، وقد تقدم أنه لا خيار فيه، قال: لكن جانب المرأة أولى بالخيار 596.
وقال في "الروضة" من زيادته: هذا الذي ذكره الغزالي ضعيف، وفي "فتاوى" صاحب "الشامل": لو تزوجت حرة برجل نكاحاً مطلقاً فبان عبداً .. فلها الخيار، وذكر غيره نحوه، وأنكروا على الغزالي هذه المسألة، وذكر الرافعي قبيل (الصداق) عن "فتاوى القاضي حسين" فيما لو بان فاسقاً .. أنه يصح النكاح؛ لوجود الإشارة إلى عينه، وعن البغوي: أن لها الفسخ كما لو بان معيباً، قال: وعجب من الرافعي كيف قال هنا ما قال مع نقله عن البغوي هذا؟ ! 597
وقال السبكي: عجب كيف وافق في "المنهاج" الرافعي مع نقله هذا! انتهى.
وفي "النهاية": لو بان غير كفء؛ أي: لدناءة نسبه كما أوضحه في أثناء كلامه .. فلا خيار اتفاقا، ولو بان عبداً .. ترددوا فيه 598.
وهذا يوافق بحث الرافعي، وما نقله النووي عن "فتاوى" صاحب "الشامل" هو أيضًا في "الشامل" و"التتمة"، وعن الماوردي: لو اعتقدت فيه كمال الأحوال فبان بخلافه؛ فإن كان غير كفء .. خيرت، أو كفئاً .. فلا، إلا الرق .. فوجهان 599.
قال السبكي: فالمراتب ثلاث:
إحداها: فوات فضيلة لا خيار به اتفاقاً وإن ظن؛ كأنصارية ظنته قرشياً فبان أنصارياً.
الثانية: أحد العيوب الخمسة تثبته كان لم يظن عدمه.
الثالثة: ما يعد عيباً للنقص؛ كالدناءة والفسق والرق، فكلام البغوي يقتضي الخيار به، والرافعي مصرح بعدمه في الفسق والدناءة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره الغزالي ليس بضعيف، وقد قال الشافعي في رواية "البويطي": وإذا تزوج العبد امرأة ولم يذكر لها الحرية ولا غيرها فقالت: ظننتك حراً .. فلا خيار لها، وقد قيل: لها الخيار.
انتهى، قال شيخنا: وهذا هو المعتمد والصواب؛ لأنها قصرت بترك البحث، وحينئذ .. يرجح تشبيه الرافعي، وقد جزم "المنهاج" بخلافه، والمعتمد: نص صاحب المذهب.
انتهى.
3684 - قول "التنبيه" في خلف الشرط [ص 163]: (وهل يرجع به على من غيره؟ فيه قولان)
الحديث: 3684 - الجزء: 2 - الصفحة: 600
الأظهر: لا، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 391]: (ومتى فُسخ بخلف .. فحكم المهر والرجوع به على الغار ما سبق في العيب).
3685 - قول "المنهاج" [ص 391]: (والمؤثر تغرير قارن العقد) فيه أمران:
أحدهما: المراد: مقارنته للعقد مشروطاً فيه؛ فلو قارنه لا على سبيل الشرط فيه .. لم يؤثر.
المراد: التأثير في بطلان النكاح على قول وثبوت الخيار على الأظهر؛ أما بالنسبة إلى الرجوع بالمهر على القديم .. فالتغرير السابق فيه كالمقارن، قاله الغزالي 600.
وقال الإمام: لا يشترط وجوده بين الإيجاب والقبول، ولا صدوره من العاقد، وإنما يشترط اتصاله بالعقد، فلو قال: (هي حرة) ترغيباً في نكاحها ثم زوجها بوكالة متصلاً .. فتغرير، فلو لم يقصد الترغيب ثم اتفق العقد بعد أيام .. فلا، فإن قاله لا لترغيب واتصل، أو لترغيب وتراخى .. ففيه تردد 601.
قال الرافعي: ويشبه ألاَّ يعثبر الاتصال كإطلاق الغزالي، والفرق بين بطلان العقد والرجوع: أن باب الضمان أوسع؛ بدليل رجوعه على قول بمجرد السكوت 602.
قال ابن الرفعة: وقوله يحتاج إلى تأمل؛ لأن الرجوع إنما هو إذا قلنا ببطلان العقد، أو بالصحة والخيار .. ففسَخَ، أما لو لم يفسخ .. فالواجب المسمى ولا رجوع على أحد، فيلزم إذا ذكر قبل العقد، وقلنا: لا يؤثر .. أن العقد صحيح ولا خيار، ويجب المسمى بحكم دوام العقد؛ فلا رجوع، فلا وجه للتفرقة بين الرجوع وغيره، وأبلغ منه قول أبي الطيب وغيره: حيث وجب المسمى .. لا رجوع، فيشمل ذلك وغيره؛ لكن تقدم ترجيح التسوية بين الرجوع بالمسمى ومهر المثل.
قال شيخنا ابن النقيب: وحاصله يرجع إلى أنه إنما يرجع إذا كان التغرير مقارناً، والله أعلم 603.
3686 - قول "الحاوي" [ص 470]: (والولد حر) أي: إن انعقد قبل العلم برقها كما صرح به "المنهاج" 604، وكذا قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن أتت بولد .. لزمه قيمته) محمول على ما إذا كان حراً؛ بأن أتت به لأقل من ستة أشهر من حين العلم.
الحديث: 3685 - الجزء: 2 - الصفحة: 601
ويرد عليه وعلى قول "المنهاج" [ص 391]: (وعلى المغرور قيمته لسيدها): أنه قد يفهم إلزامه بدفع القيمة في الحال، ومحله: في الحر، أما العبد: فهي في ذمته إلى العتق في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" 605.
3687 - قولهما: (ويرجع بها على الغار) 606 محله: بعد الغرم، كما صرح به "الحاوي" 607.
3688 - قول "المنهاج" [ص 391]: (والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها، بل من وكيله أو منها) لأنه إذا قال: هي حرة .. عتقت.
قال ابن الرفعة: وهو يفهم أنه صريح في الإنشاء، وفيه نظر إن لم يقصده به؛ لأن هذه صيغة وصف لا إنشاء، وقد يكون الوصف صحيحاً إن سبقته الحرية، وقد لا إن لم تسبقه.
انتهى.
وقال في "المهمات": بل يتصور من السيد فيما لو كان اسمها حرة أو كانت مرهونة أو جانية وهو معسر، فزوجها بإذن المرتهن وشرط حريتها، أو أراد بالحرية العفة عن الزنا .. فإن ذلك صارف عن العتق، فهذه أربع صور.
انتهى.
وزاد في "التنقيح" خامسة، وهي: لو كان مالكها سفيهاً وزوجها بإذن وليه، وصوره الجيلي يقول السيد: هذه أختي، وفيه نظر؛ فإنه لا يدل على الحرية.
وفهم من قول "التنبيه" [ص 163]: (لزمه قيمتة يوم الوضع): أنها لو وضعته ميتاً .. لم يلزمه شيء؛ لأنه لا قيمة له؛ ومحله: فيما إذا كان الوضع بغير جناية، فإن كان بجناية .. لزم عاقلة الجاني غرة الجنين، ويغرم المغرور عشر قيمة الأم للسيد؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 391]: (ولو انفصل الولد ميتاً بلا جناية .. فلا شيء فبه)، وأفصح به "الحاوي" فقال [ص 470]: (وبجنايةِ .. عُشر قيمة الأم).
3689 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن تزوج عبد بأمة ثم أعتقت الأمة .. ثبت لها الخيار) كذا يثبت لها الخيار إذا كان الزوج مبعضاً، وتعبير "المنهاج" عن ذلك بقوله [ص 392]: (أو من فيه رق) أحسن من تعبير "الحاوي" بقوله [ص 471]: (تحت من مسه الرق) فإنه لا يلزم من ذلك وجود رقه حين عتقها.
ويستثنى من ذلك: ما لو أعتقها مريض قبل الدخول، وهي ثلث ماله بالصداق .. فلا خيار لها؛ لأنها لو فسخت .. سقط مهرها، فيضيق الثلث عن الوفاء بها، فلا تعتق كلها؛ فلا يثبت الخيار، وقد استثناه "الحاوي" فقال [ص 471]: (لا عن مريض قبل الوطء وهي ثلث ماله).
الحديث: 3687 - الجزء: 2 - الصفحة: 602
3690 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وفي وقته ثلاثة أقوال، أحدها: أنه على الفور) هو الأظهر كما في "المنهاج "، وعليه مشى "الحاوي" 608، والمراد: الفور المفصل في الرد بالعيب والشفعة.
ويستثنى: خيار الصبية والمجنونة؛ فإنه يتأخر إلى تكليفهما، ولا يختار الولي شيئاً، وقد ذكره "الحاوي" 609.
3691 - قول "التنبيه" [ص 163]: (والثالث: أنه إلى أن يطأها) أي: باختيارها، أو يصرح بما يبطله، فإن وطئها مكرهة؛ بأن أمسك فاها .. لم يبطل خيارها، قال الصيدلاني: وليس الحكم مقصوراً على الوطء؛ بل متى وجد منها ما فيه دلالة الرضا؛ بأن يباشرها أو ينقلها إلى موضع أو يضاجعها وهي طائعة .. فذلك كله رضا منها، وكذا قال في "الذخائر": أنه يكتفي بالتمكين من الوطء، واختار السبكي هذا القول.
3692 - قول "الحاوي": [ص 471] (وجهل العتق عذرٌ) محله: ما إذا لم يكذبها ظاهر الحال؛ بأن تكون مقيمة مع سيدها في موضع واحد ولا غرض له في إخفاء ذلك؛ ولهذا قال " التنبيه" [ص 163]: (ومثله يجوز أن يخفى عليها)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 392]: (إن أمكن) فإن الامكان موجود مع تكذيب ظاهر الحال.
3693 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن ادعت الجهل بالخيار .. ففيه قولان، أحدهما: يقبل، والثاني: لا يقبل) الأظهر كما في "المنهاج": القبول، وعليه مشى "الحاوي" 610، وخص الماوردي الخلاف بمن يحتمل صدقها وكذبها، أما من علم صدقها؛ كالعجمية .. فقولها مقبول قطعاً، ومن علم كذبها بمخالطة الفقهاء .. فقولها غير مقبول قطعاً 611.
3694 - قول "الحاوي" [ص 471]: (لا بالعيب) أي: لا تعذر في الجهل بثبوت الخيار بالعيب، وهذا في عيب المبيع، أما عيب أحد الزوجين .. فالأصح: إلحاقه بادعاء الجهل بثبوت الخيار بالعتق.
3695 - قوله: (وعلى الفور) 612 أي: لا تعذر أيضاً في دعواها الجهل بكون خيار العتق على الفور مع علمها بثبوت أصل الخيار، كذا ذكره الغزالي 613، وقال في "البسيط": إنه مأخوذ من كلام الإمام.
الحديث: 3690 - الجزء: 2 - الصفحة: 603
قال الرافعي: وقد يوجه بأن الغالب أن من علم أصل الخيار علم فوريته، قال: ولم أر لغيره تعرضاً لهذه الصورة.
نعم؛ في "الرقم" للعبادي: إن كانت قديمة العهد بالإسلام وخالطت أهله .. لم تعذر، وإلا .. فقولان 614:
قال في "المهمات": قد ذكرها في "الشامل" في (اللعان)، وحكى فيها قولين كجهل أصل الخيار، ولم يفصل بين أن تكون قريبة العهد بالإسلام أم لا، وفصل الرافعي في دعوى الجهل بخيار العيب بين قرب الإسلام أو الناشئ في بادية بعيدة؛ فيقبل منه، وإلا .. فلا 615، خلاف ما أطلق هنا، وأجاب في دعوى الجهل بالفورية بالقبول مطلقا عكس ما حكاه هنا عن الغزالي؛ وعلله: بأنه يخفى على العوام، وفيه نظر؛ لأن حكم العيب أشهر من حكم العتق، وقد استدركه النووي في العيب، وقال: شرطه أن يكون مثله ممن يخفى عليه، وكذلك الشفعة.
انتهى 616.
وفي "التنبيه" في (لحاق النسب) [ص 191]: (وإن قال: لم أعلم بأن في النفي، أو لم أعلم أن النفي على الفور؛ فإن كان قريب العهد بالإسلام .. قبل منه، وإن كان يجالس العلماء .. لم يقبل، وإن كان من العامة .. فقد قيل: يقبل، وقيل: لا يقبل)، وذكر الرافعي مثله فيما إذا قال: لم أعلم أن في النفي، إلا أنه عبر بكونه فقيهاً، واقتضى كلامه ترجيح القبول في العوام؛ فينه شبهه بالعتق 617، ولم يذكر ما إذا قال: لم أعلم أن النفي على الفور، وأقر النووي في "تصحيحه التنبيه" على ذلك، وقال في "المهمات": ينبغي طرد هذا التفصيل فيما تقدم من النظائر.
3696 - قول "التنبيه" [ص 163]: (وإن أعتقت وهي في عدة من طلاق رجعي فلم تفسخ أو اختارت المقام معه .. لم يسقط خيارها)، قال في "الكفاية": في ذكر المسألة الثانية غنية عن الأولى؛ ولذلك اقتصر عليها "الحاوي" فاستثنى من المطلقة رجعيًّا الإجازة 618.
3697 - قول "التنبيه" [ص 163، 164]: (وإن أعتقت فلم تفسخ حتى أعتق الزوج .. ففيه قولان، أحدهما: ببطل خبارها، والثاني: لا ببطل) الأصح: الأول، وعليه مشى "الحاوي" 619، لكن جعل الماوردي محله: إذا علمت بعتقها وأخرت الفسخ، وقال: إن
الحديث: 3696 - الجزء: 2 - الصفحة: 604
لم تعلم به .. فالخيار باق على الأقاويل كلها (1).
3698 - قول "التنبيه" [ص 164]: (وإن طلقها الزوج قبل أن تختار الفسخ .. ففيه قولان، أحدهما: أنه يقع، والثاني: أنه موقوف) الأصح: الأول، وأطلق العراقيون الخلاف كما حكاه "الذخائر"، وجعل المراوزة محله في الطلاق البائن، وقالوا: إن الرجعي يقع قطعاً، ويجري هذا الخلاف في طلاق المعيب قبل فسخ الزوجة، وقال الشيخ أبو حامد: لا خلاف في نفوذ طلاقه، وتخصيص "التنبيه" ذلك بمسألة العتق يوافقه.
3699 - قولهما: (وإن فسخت بعد الدخول بعتق بعده .. وجب المسمى) (2) في "الروضة" وأصلها فيما لو فسخت بعد الدخول بعتق بعده: وجه أنه يجب مهر المثل (3)، فلم لم يطرده هنا؟ وأيّ فرق بين الصورتين؟ ذكره في "المهمات".
والظاهر: أن المجزوم به في العتق مفرع على المصحح في العيب.
فصلٌ [في إعفاف الأصل]
3700 - قول "المنهاج" [ص 392]: (يلزم الولد إعفاف الأب والأجداد على المشهور) كذا في "الروضة" 623، ولو قال: (على النص) .. لكان أحسن؛ فإنه منصوص، ومقابله مخرج، ومحله: في الحر كما صرح به "الحاوي" 624 فالرقيق لا يجب إعفافه.
3701 - قول "المنهاج" [ص 392]: (بأن يعطيه مهر حرة) أي: ولو كتابية على الأصح، ويستثنى من كلامه: الحرة الشوهاء؛ فلا يحصل الإعفاف بتهيئتها، وقد صرح بها "الحاوي" 625، والعجوز في معناها، فلو تزوج الأب في يساره بمهر في ذمته ثم أعسر قبل دخول وامتنعت الزوجة حتى تقبض .. فقال شيخنا الإمام البلقيني: يجب على الابن دفعه؛ لحصول الإعفاف بذلك، وإن كان إنما وجب على الأب لوجود مقتضى الإعفاف، والصرف للموجودة أولى من السعي في أخرى، قال: وعلى هذا لو تزوج في إعساره ولم يطالب الابن بالإعفاف، ثم طالبه به .. فينبغي أن يلزم الابن القيام به لا سيما إذا جهلت الإعسار وأرادت الفسخ، قال: وحيث تزوج بعلم الابن620621622
الحديث: 3698 - الجزء: 2 - الصفحة: 605
حالة وجوب الإعفاف .. فهل يصح ضمان الابن المهر؟ يحتمل ألاَّ يصح؛ للزومه له، وأن يصح؛ لأنه لا يتعلق بذمته، حتى لو أعسر .. ليس للمرأة أن تطالبه بالمهر، ولم أقف على نقل فيه، ويحتمل تعلقه بالولد ولو أعسر.
انتهى.
فلو لم يقدر الابن إلا على مهر أمة .. فهل يسقط وجوب الإعفاف أو يبذله الابن؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على نقل في ذلك، والأقيس: الثاني.
3702 - قول "المنهاج" [ص 392]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 473، 474]: (أو يُملكه أمة) لا يخفى أنه لا بد أن تحل له؛ بألاَّ تكون موطوءة للابن ولا مجوسية.
3703 - قول "المنهاج" [ص 392]: (ثم عليه مؤنتهما) كذا هو بخط المصنف بالتثنية؛ أي: الأب ومن أعفه بها من زوجة أو أمة، وفي بعض النسخ: (مؤنتها) بالإفراد؛ يعني: التي أعفه بها، وهو موافق لـ"المحرر" 626 وأحسن كما قال السبكي؛ لأن مؤنة الأب تؤخذ من بابها، قال في "التوشيح": بل هو المتعين؛ لأنه لا يلزم من إعفاف الأب وجوب نفقته؛ لإمكان قدرته على النفقة دون النكاح، وأيضاً فقوله: (ثم عليه مؤنتهما) يقتضي أن إيجاب مؤنته ناشئ عن إعفافه طارئ عليه، وليس كذلك؛ فإن وجوب نفقة الأب لا ارتباط له بذلك.
انتهى.
قلت: لا يتعين مع تثنية الضمير عوده على الأب والمعف بها؛ فقد يعود على المنكوحة والأمة وإن كان الأحسن في مثل ذلك إفراد الضمير، لكن وقع له في غير هذا الموضع تثنيته، وهو على حد قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، والمراد بالمؤنة: النفقة والكسوة، قال البغوي؛ ولا يلزمه الأدم ولا نفقة الخادم؛ لأن فقدهما لا يثبت الخيار 627، قال الرافعي: وقياس قولنا: إنه يتحمل ما لزم الأب .. وجوبهما؛ لأنهما يلزمان الأب مع إعساره 628.
3704 - قوله: (وإنما يجب إعفاف فاقد مهرٍ) 629 أي: وعاجز عن تحصيله، فإن قدر عليه بكسب .. قال الشيخ أبو علي: لا يلزم الابن، وجزم به الرافعي في "الشرح الصغير"، وقال في "الكبير": ينبغي أن يكون فيه الخلاف في النفقة، ولو قدر على ثمن سرية لا على مهر حرة .. قال الرافعي: فالوجه أنه لا يجب إعفافه 630، وتوافقه عبارة "الحاوي"حيث قال [ص 473، 474]: (ويهيء مستمتعاً لأصل حر فقده) فجعل المدار على فقد ما يتمكن به من الاستمتاع، لا خصوص المهر.
الحديث: 3702 - الجزء: 2 - الصفحة: 606
3705 - قول "المنهاج" [ص 392]: (محتاج إلى نكاح) المراد بحاجته: أن يكون بحيث يخاف العنت أو يشق عليه الصبر كما صرح به "الحاوي" 631.
قال الإمام: ويحتمل اشتراط خوف العنت كنكاح الأمة، والأول: أظهر 632، حكاه الرافعي 633، وأسقطه في "الروضة" 634، ويدخل في حاجة النكاح ما لو كان تحته صغيرة أو عجوز أو رتقاء ولم تندفع حاجته بها، وقد صرح به "الحاوي"، ولكن لا يلزم الابن إلا مؤنة واحدة، وقد ذكر الرافعي والنووي أن هذا هو القياس، ولم ينقلاه 635، وخرجه ابن الرفعة على الخلاف في أن من هذا حاله .. هل ينكح الأمة؟ فلو احتاج الأب إلى النكاح لا للتمتع بل للخدمة لمرض .. فقال ابن الرفعة: يجب على الولد إعفافه، قال: ويشبه أن لا يجيء فيه الخلاف.
قال السبكي: وهو صحيح إذا تعينت الحاجة إليه، لكنه لا يسمى إعفافاً.
انتهى.
وقد تندرج هذه الصورة في قول "المنهاج" [ص 392]: (محتاج إلى نكاح)، ولا تندرج في تعبير "الحاوي": خوف العنت ومشقة الصبر 636.
3706 - قول "المنهاج" [ص 392]: (ويصدق إذا ظهرت الحاجة بلا يمين) كذا في "الروضة" 637، وعبارة "المحرر" و"الشرحين": (إذا أظهر الحاجة) 638 وبينهما فرق؛ فإن ظهورها لنا يتوقف على قرائن، وإظهارها يكتفى فيه بقوله وإن لم يترجح عندنا؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 474]: (بقوله فقط).
3707 - قول "المنهاج" [ص 392]: (ويحرم عليه وطء أمة ولده) أحسن من تعبير "المحرر" بالابن 639؛ لأنه لا يتناول البنت، والولد متناول لهما، والأمر في ذلك قريب؛ لوضوحه.
3708 - قوله: (والمذهب: وجوب مهرٍ لا حد) 640 سكت عن التعزير، وصرح "الحاوي" بثبوته 641، وقد يفهم من الاقتصار على نفي الحد، ثم محل وجوب المهر: ما إذا تأخر الإنزال عن
الحديث: 3705 - الجزء: 2 - الصفحة: 607
تغييب الحشفة كما هو المعهود غالباً؛ فإن قارنه .. فقد اقترن موجب المهر بالعلوق، قال الإمام: فينبغي أن يجعل المهر كقيمة الولد، أي: فلا يجب في الأصح.
3709 - قول "المنهاج" [ص 393]: (فإن كانت مستولدة للابن .. لم تصر مستولدة للأب، وإلا .. فالأظهر: أنها تصير) محل صيرورتها أم ولد للأب: إذا كان حراً، فإن كان رقيقاً .. لم تصر أم ولد له، وقد صرح به "الحاوي" 642.
3710 - قول "المنهاج" [ص 393]: (ونكاحها) معطوف على (وطء) أي: يحرم وطء أمة ولده ونكاحها، وهو أحسن من قول "التنبيه" [ص 161]: (ويحرم على الرجل نكاح جارية ابنه) لما بينا من أنه لا يتناول البنت، والمراد: ولد النسب دون ولد الرضاع.
3711 - قول "التنبيه" [ص 161]: (وإن اشتراها ابنه .. فقد قيل: ينفسخ، وقيل: لا ينفسخ) الأصح: أنه لا ينفسخ، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 393]: (فلو ملك زوجة والده الذي لا تحل له الأمة .. لم ينفسخ النكاح في الأصح) وتعبيره بالملك أعم من تعبير "التنبيه" بالشراء، والولد أعم من الابن كما تقدم، وتقييد محل الخلاف بكونه لا تحل له الأمة ذكره الرافعي والنووي وابن الرفعة والسبكي.
وقال في "المهمات": إنه تقييد لا فائدة له، وقال في "التوشيح": ويمكن أن يقال: له معنى، وهو تخصيص الخلاف بوالد لا تحل له الأمة؛ ليخرج والداً تحل له الأمة؛ فإن ملك الولد زوجته هذه .. لا يوجب فسخ النكاح قطعاً، ولا يطرقه هذا الخلاف؛ إذ لا معنى لانفساخه؛ فإنه يجوز له ابتداء نكاحها، فما ظنك بدوامه؛ فيستفاد منه مسألتان:
إحداهما: إذا كان الأب عبداً وتحته جارية فاشتراها ابنه .. فلا ينفسخ النكاح قطعاً.
الثانية: إذا كان الابن معسراً والأب ممن تحل له الأمة فاشترى ابنه زوجته .. لم ينفسخ قطعاً، وقال شيخنا ابن النقيب: الذي ظهر لي على ما فهمته من تعليل الرافعي وتصريح غيره وإن كان فيه بعد عن عبارة المنهاج": أن الأب إذا كان ممن تحل له الأمة .. لا ينفسخ جزماً، ويكون المراد بالأمة التي تحل أو لا تحل: هذه الأمة المشتراة التي هي زوجة الأب، فالألف واللام فيه للعهد؛ أي: إن كان الأب بحيث يجوز له ابتداء نكاحها؛ بأن كان عبداً .. فإن للعبد نكاح أمة ولده؛ لعدم وجوب إعفافه، وحاصله: أن الخلاف الذي في "المنهاج" وغيره مفرع على أن الأب لا ينكح أمة ولده كما في "التنبيه" وغيره ممن جزم بأنه لا ينكحها 643، وتردد في الانفساح إذا طرأ ملك الابن لها؛ فإن قلنا: ينكحها وهو المحترز عنه .. لم ينفسخ نكاحها؛ فمسألة "المنهاج" فرد من أفراد
الحديث: 3709 - الجزء: 2 - الصفحة: 608
نكاح أمة الولد، ونكاح أمة الولد أخص من نكاح مطلق الأمة، وعبارة المتولي، في "التتمة" صريحة فيما حملت عليه؛ فإنه قال: إذا تزوج الأب بجارية فاشتراها ابنه، وقلنا: إن الأب لا يتزوج بجارية ابنه .. هل يبطل النكاح؟ فيه وجهان، وأصرح منه عبارة "التهذيب" فإنه قال: إذا ملكَها ابنه؛ فإن كان الأب رقيقاً .. لا ينفسخ النكاح وإن كان حراَّ، وقلنا بظاهر المذهب: أنه لا يجوز أن ينكح جارية الابن .. ففي انفساخه وجهان، أصحهما: لا؛ لأن حكم الدوام أقوى.
انتهى (1).
فصلٌ [في نكاح الرقيق]
3712 - قول "المنهاج" [ص 393] و"الحاوي" [ص 475]: (السيد بإذنه في نكاح عبده لا يضمن مهراً ونفقة)، قال السبكي لو قالوا: (لا يضمن بإذنه في نكاح عبده) .. لكان أحسن؛ لتسلط النفي على الضمان بالإذن، فهو نفي لكون الإذن سببا للضمان، وهو المقصود، وتلك محتملة لهذا، ومحتملة أيضاً لكون الإذن سبباً لنفي الضمان، وليس بمقصود، وقول "المنهاج" [ص 393]: (في الجديد) يقتضي أن القديم أنه ضامن لهما، وهو الذي صححه أبو الفرج الزاز، قال: فيطالبان، ويصح إبراء العبد فيبرأ به السيد؛ لكن قطع البغوي بأنه على السيد ابتداءً، فلا يطالب به سواه 645، ولو أبرأت العبد .. فهو لغو، وأنكر الإمام الأول؛ لأنه ضمان ما لم يجب، فطريقه طريق تعلق العهدة كتعلقها بالسيد في بيع المأذون 646، واستحسنه الرافعي 647، فإن استدرك بأن الأصح: تعلق العهدة، وهنا المصحح الجديد .. فرق بأن بيع المأذون لسيده ونكاحه لنفسه، وضمان ما لم يجب صحيح في القديم.
3713 - قوله: (وهما في كسبه بعد النكاح المعتاد والنادر.
فإن كان مأذوناً له في تجارة .. ففيما بيده من ربح وكذا رأس مال في الأصح) 648 فيه أمران:
أحدهما: قيد الكسب بكونه بعد النكاح، ولم يقيد الربح بذلك، فدل على تعلقه بالربح الحاصل قبل النكاح أيضاً، وهو كذلك على الأصح، ولا بد في الكسب أيضاً من كونه بعد الحلول644
الحديث: 3712 - الجزء: 2 - الصفحة: 609
إن كان مؤجلاً، فينظر في كسب كل يوم فيؤدى منه النفقة، فإن فضل شيء .. صرف إلى المهر، وما فضل للسيد، ولا يدخر للنفقة، كذا رتب الرافعي تبعاً للإمام 649، وفي "الوسيط": يكتسب للمهر أولاً ثم للنفقة 650.
ثانيهما: ظاهر عبارته أنهما في الكسب مطلقاً وفي مال التجارة أيضاً إن كان مأذوناً له، فلو كان مكتسباً مأذوناً .. تعلق بهما، وهو الذي يقتضيه قول "الحاوي" في العبد المأذون [ص 286]: (ويؤدي من كسبه قبل الحجر، ومال التجارة ... ) إلى أن قال: (والمهر والنفقة)، قال السبكي: وهو ظاهر؛ فإذا لم يكف من أحدهما .. كمل من الآخر، وعبارة "التنبيه" [ص 166]: (ومهر امرأته في كسبه إن كان مكتسباً، وفيما في يده إن كان مأذوناً له في التجارة).
3714 - قول "التنبيه" [ص 166]: (وإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له في التجارة .. ففي ذمته إلى أن يعتق في أحد القولين أو يفسخ النكاح، وفي ذمة السيد في الآخر) الأظهر: الأول كما في "المنهاج" 651، وتردد الرافعي في أن هذا الخلاف قولان أو وجهان 652، وذلك يقتضي أنهما غير القولين المتقدمين الجديد والقديم، ويؤيده اختصاص هذين القولين بما إذا لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له، واطراد القولين الأولين.
3715 - قول "المنهاج" [ص 393] و"الحاوي" [ص 475]: (وله المسافرة به)، زاد "المنهاج" [ص 393]: (ويفوت الاستمتاع) ولو عبر عنه بقوله: (ولو فات الاستمتاع) .. لكان أحسن، وهذا هو مراده، ولا يلزم من سفره به فوات الاستمتاع؛ فقد يستصحبها العبد معه؛ فإن له ذلك والكراء في كسبه؛ فإن لم تخرج معه .. فلا نفقة، وإن لم يطالبها بالخروج معه .. فالنفقة بحالها.
3716 - قوله: (وإذا لم يسافر .. لزمه تخليته ليلاً للاستمتاع) 653 يأتي فيه ما سنذكره في قوله: (وسلمها للزوج ليلاً) 654.
3717 - قول "التنبيه" [ص 166]: (وإن تزوج بغير إذنه ووطئ .. ففي المهر ثلاثة أقوال، أحدها: يجب حيث يجب المهر في النكاح الصحيح، والثاني: أنه يتعلق بذمته، والثالث: أنه يتعلق برقبته يباع فيها) فيه أمران:
الحديث: 3714 - الجزء: 2 - الصفحة: 610
أحدهما: أن صورة المسألة: أن يأذن له في النكاح مطلقاً، فينكح فاسداً، فإن لم يأذن له في النكاح أصلاً .. لم يجيء في المهر القول الأول، قال ابن يونس: ولم يحك الأول في ذلك فيما بلغنا غير الشيخ، إلا فيما إذا أذن له الولي في النكاح فنكح نكاحاً فاسداً، قال صاحب "المطلب": قد صرح به الماوردي وغيره.
ثانيهما: الأظهر: القول الثاني، وعليه مشى "المنهاج" [ص 393] و"الحاوي" [ص 475] فقالا: (ولو نكح فاسداً ووطئ .. فمهر مثل في ذمته) وهو يتناول صوراً: منها: ما لو نكح فاسداً بتصريح السيد بالإذن له في الفاسد، وقد قال الرافعي في هذه الصورة: قياس هذه المسائل: تعلقه بالكسب أيضاً كما لو نكح بالإذن نكاحاً صحيحاً بمسمى فاسد 655.
3718 - قول "الحاوي" [ص 475]: (ولا حدَّ) لا يحتاج إلى ذكره هنا لمعرفته من بابه للشبهة.
3719 - قول "المنهاج" [ص 393] و"الحاوي" [ص 474]: (وإذا زوج أمته .. استخدمها نهاراً)، قد يفهم تعين ذلك بنفسه، وليس كذلك، بل له إجارتها، واستشكل في "المهمات" استخدامها: بأنه يحرم عليه النظر لها والخلوة بها، قال: وسبق في (العارية) تحريم إعارة جارية للخدمة على الأصح؛ لأنه مظنة الخلوة، والمدرك في الموضعين واحد.
قلت: لا يلزم من استخدامها النظر والخلوة 656.
ويجوز استئجار أمة غيره وحرة للخدمة، ويحترز عن النظر والخلوة، والله أعلم.
3720 - قوله: (وسلمها للزوج ليلاً) 657 قد يفهم أنه من الغروب، ونص الشافعي في رواية "البويطي" على أن وقته مضي الثلث الأول من الليل، وقال ابن الصباغ: يسلمها إذا فرغت من الخدمة بحكم العادة، ويوافقه قولهم في الإجارة فيما إذا استأجر رجلاً للخدمة: أنه يمكث عنده من الليل ما جرت به العادة، واستحسن السبكي تحكيم العادة في ذلك، وقال: ليحمل عليه الكلامان.
3721 - قوله: (ولو أخلا في داره بيتاً وقال للزوج: "تخلو بها فيه" .. لم يلزمه في الأصح) 658 تبع "المحرر" في حكاية الخلاف وجهين 659، وحكاه في "الروضة" و"الشرحين"
الحديث: 3718 - الجزء: 2 - الصفحة: 611
قولين 660، وعلى الأصح: لو كانت محترفة فقال الزوج: تحترف للسيد في بيتي - أي: وسلموها ليلاً ونهاراً - .. فليس له ذلك في الأصح، كذا فرعه في "الروضة" وأصلها على الأصح في مسألة "المنهاج" 661، ولم يفرعه في "الشرح الصغير" عليه، بل جعلها مسألة مستقلة فيما يظهر من عبارته.
3722 - قوله "التنبيه" [ص 166]: (وإن قتلت نفسها .. فقد قيل: فيه قولان، أحدهما: يسقط مهرها، والثاني: لا يسقط، وقيل: إن كانت حرة .. لم يسقط، وإن كانت أمة .. سقط) الأشهر كما ذكره الرافعي: طريقة القولين 662، ومع ذلك فالأصح في الأمة: السقوط، وفي الحرة: عدم السقوط، وعلى ذلك مشى "الحاوي" [ص 474] و"المنهاج" [ص 394] فقال: (والمذهب: أن السيد لو قتلها أو قتلت نفسها قبل دخول .. سقط مهرها، وأن الحرة لو قتلت نفسها، أو قتل الأمة أجنبي أو ماتت .. فلا) وهذا مما يستشكل؛ لأن التفصيل بين الحرة والأمة هو تقرير النصين بعينه، فكيف يستقيم مع تصحيحه أن يكون الصحيح طريقة الترجيح؟ فإن مقتضى الترجيح: أن يكون الصحيح: السقوط فيهما أو عدمه فيهما؛ وذلك لأنه إن ظهر بين الصورتين فرق .. فلا وجه إلا التقرير، وإن لم يظهر بينهما فرق .. فلا وجه إلا التخريج، ويكون الراجح في الصورتين متحداً.
وصورة ما إذا قتلت الأمة نفسها من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وهل يختص قتل السيد بالعمد أو يعم الخطأ حتى وقوعها في بئر حفرها عدواناً؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أر من تعرض لذلك، والظاهر من كلامهم أنه لا فرق.
3723 - قول "الحاوي" [ص 474]: (كبوطء الأب أمته المزوجة من ابنه قبل الدخول) حكاه الرافعي عن البغوي 663، وأن سقوط المهر في هذه الصورة مفرع على قولنا: إن قتل السيد أمته يسقط المهر، وهو يفهم أن التفريع على القول الآخر يخالفه، وليس كذلك؛ لأن عدم السقوط إنما جاء في قتل السيد أمته؛ لأنها فرقه حصلت بانتهاء العمر .. فقررت المهر، وهذا المعنى مفقود في هذه الصورة، ونظيرها ما لو كان مالك الأمة امرأة وتزوجها ابن المالكة وهو عبد فأرضعت المالكة أمتها .. فإنه يسقط المهر؛ لحصول الفرقة من مستحق المهر، ذكره شيخنا الإمام البلقيني.
3724 - قول "المنهاج" [ص 394]: (ولو باع مزوجة .. فالمهر للبائع) أي: وإن لم يدخل بها
الحديث: 3722 - الجزء: 2 - الصفحة: 612
إلا بعد البيع، وهذا في النكاح الصحيح، أما الفاسد: فإن وطئت بعد البيع .. فمهر المثل للمشتري، أو قبله .. فللبائع، وقد ذكره "الحاوي" 664. 3725 - قول "المنهاج" [ص 394]: (ولو زوج أمته بعبده .. لم يجب مهر) ظاهره أنه لم يجب شيء أصلاً، وهو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" 665، وقيل: وجب ثم سقط، وتقدم ذكر بقية المسائل التي لا مهر فيها ولا حد عند ذكر نكاح السفيه بلا إذن، والله أعلم.
الحديث: 3725 - الجزء: 2 - الصفحة: 613