كتابُ الطهارة
1 - قول "المنهاج" [ص 67]: (يشترط لرفع الحدث والنجس: ماء مطلق) فيه أمور:
أحدها: أنه عدل عن قول "المحرر": (لا يجوز) 1 وهي عبارة "التنبيه" 2؛ لأنه لا يلزم من عدم الجواز الاشتراط، قاله في "الدقائق" 3، لكنه أجاب عنه في "شرح المهذب": بأن الجواز يصلح للحل وللصحة ولهما، وهو هنا لهما.
انتهى 4.
وهو مبني على استعمال المشترك في معنييه، وحينئذ فعبارة "المحرر" و"التنبيه" أولى؛ لدلالتها عليهما بالمنطوق.
ثانيها: يرد على مفهوم قوله: (لرفع الحدث) طهارة دائم الحدث، والوضوء المجدد، والأغسال المسنونة، والمضمضة، والاستنشاق، والتثليث، وغسل الميت، وغسل الذمية والمجنونة؛ لتحل للزوج؛ فإنها طهارات لا ترفع الحدث، ويشترط لها الماء، فلو قال: (ونحوه) .. لتناول هذه الأمور، لكن يرد عليه: التيمم، وهو أخف إيراداً، وهذا وارد أيضاً على قول "التنبيه" [ص 13]: (ولا يجوز رفع حدث) وعلى قول "الحاوي" [ص 115]: (كالحدث الخبث).
ثالثها: لو قال: (وإزالة النجس) كما فعل في "التنبيه" 5 .. لكان أولى؛ لأن النجس لا يوصف بالرفع في الاصطلاح، لكن سهله تقدم الحدث عليه.
2 - قول "الحاوي" [ص 115]: (رافعه ماء طاهر) يتناول ما إذا أغلى ماء فرشح بخاره، وهو ما نقله في "الروضة" عن اختيار صاحب "البحر" 6، وصححه في "شرح المهذب" 7، لكن نقل الرافعي في "الشرح الصغير" عن عامة الأصحاب: أنه غير طهور.
3 - قول "التنبيه" في تفسير المطلق [ص 13]: (على أي صفة كان من أصل الخلقة)، قال في "شرح المهذب" وغيره: إنه فاسد، وصحح أنه ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد 8، وعليه مشى
الحديث: 1 - الجزء: 1 - الصفحة: 68
"المنهاج" تبعاً "للمحرر" 9، ولا حاجة لتقييد القيد بكونه لازماً، كما في "الروضة" حيث قال: (هو العاري عن الإضافة اللازمة) 10 لأن القيد الذي ليس بلازم؛ كماء البئر مثلاً .. ينطلق اسم الماء بدونه، فلا حاجة للاحتراز عنه، وإنما يحتاج إلى القيد في جانب الإثبات؛ كقولنا: (غير المطلق هو: المقيد بقيد لازم).
4 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإذا تغير الماء بمخالطة طاهر يستغني الماء عنه؛ كالزعفران، والأشنان .. لم تجز الطهارة به) فيه أمران:
أحدهما: دخل فيه التغير اليسير، والأصح: خلافه، فلا بد من تقييده بكونه يمنع إطلاق اسم الماء، كما فعل في "المنهاج" 11.
نعم؛ لو وقع في ماء غير متغير، وتغير به .. ضر، كما قاله ابن أبي الصيف في "نكته" لأنه تغير بما يمكن الاحتراز عنه، وهو الخلط، وفيه نظر.
ثانيهما: يستثنى من كلامه وكلام "المنهاج": المتغير بأوراق الشجر المتناثرة، وبالملح المائي على الأصح فيهما، ولا يرد عليهما المتغير بالتراب؛ لخروجه بقول "التنبيه" [ص 13]: (طاهر) فإنه طهور، وصرح به في "المنهاج" 12.
5 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن تغير بما لا يختلط به .. جازت الطهارة به في أحد القولين) هو الأصح.
6 - قول "المنهاج" [ص 67]: (وطحلب وما في مقره، وممره) أي: من زرنيخ 13 ونحوه، يشترط: اتصاله به، فلو أخرج منه الطحلب والزرنيخ ونحوهما، ودق ناعماً، وألقي فيه، فغيره .. فالأصح في "شرح المهذب" وغيره: أنه يضر 14.
7 - قولهما في المجاور 15: (كعود ودهن) 16 كذا أطلق الرافعي وغيره 17، وقيدهما جماعة
الحديث: 4 - الجزء: 1 - الصفحة: 69
تبعاً "للأم" بالمطيبين 18، وأطلق في "المهذب" العود وقيد الدهن 19، وعكس غيره.
8 - قول "المنهاج" [ص 67] و"الحاوي" [ص 115]: (أو بتراب طرح) لم يقيداه بالقصد، وقيده بذلك في "الروضة" و"شرح المهذب" 20، تبعا للرافعي في "شرحيه" 21، قيل: والأول أولى، حتى لو طرحه شخص بلا قصد، أو قصد طرحه على الشط، فوقع في الماء، أو طرحه من لا تمييز له .. كان كذلك.
9 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 67]: (في الأظهر) فيه أمران:
أحدهما: تبع "المحرر" في جعل الخلاف قولين 22، والمرجح في "الشرح" و"الروضة": كونهما وجهين 23.
ثانيهما: محل الخلاف: في غير النجاسة الكلبية؛ فإنه لا بد فيها من تكرير إحدى الغسلات به، فلو أزال طهوريته .. لم يستعمل فيه لذلك.
10 - قول "الحاوي" [ص 115]: (وتراب وإن طرح، وملح ماء) قد يفهم أن الملح المائي يضر مع الطرح، فلو أخر قوله: (وإن طرح) حتى يعود إليهما .. لكان أحسن، وكأنه إنما صرح به في التراب فقط؛ لاختصاصه بالخلاف، على أن شيخنا الإمام جمال الدين قال في "المهمات": (إن المتجه: ما اقتضته عبارة "الحاوي" لأن حمل التراب بإثارة الريح كثير، بخلاف الملح).
11 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وتكره الطهارة بما قصد إلى تشميسه) فيه أمور:
أحدها: أنه ظاهر في اعتبار القصد، وهو وجه، الأصح: خلافه، ويمكن تأويله على أن المراد: ما يمكن قصد تشميسه عادة -كماء الجرة ونحوها- وإن لم يقصد؛ لتخرج الأنهار والبرك.
ثانيها: أن الكراهة لا تختص بالطهارة، بل تعم ملاقاة البدن في طهارة حدث، وخبث، وتنظف، وتبرد، وشرب، وغير ذلك، صرح به الماوردي والروياني وغيرهما 24.
ثالثها: أنه شامل لإزالة النجاسة ولو في الثوب، مع أن الكراهة مختصة بالبدن.
ويرد على إطلاقهما كراهة المشمس أمور:
أحدها: الأصح: اختصاص الكراهة بالبلاد الحارة، والأواني المنطبعة، وإليه الإشارة بقول
الحديث: 8 - الجزء: 1 - الصفحة: 70
"الحاوي" [ص 116]: (منطبع بقطر حار) لكن يستثنى من المنطبع: إناء الذهب والفضة، فلا يكره المشمس فيه، كما نقله الرافعي عن بعضهم 25، وجزم به في "الروضة" 26، ونقله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" عن الصيدلاني 27، ونقل عن الجويني: أن حكمهما كغيرهما 28.
ثانيها: أن عبارتهما تقتضي أنه لو تشمس بنفسه .. لم يكره؛ لأن التشميس يستدعي شخصاً مشمِّساً، مع أن الكراهة ثابتة سواء تشمس بنفسه أو بتشميس غيره له 29؛ ولذلك عبر في "الحاوي" بقوله [ص 115]: (متشمس) بزيادة تاء.
ثالثها: أن عبارتهما شاملة لباقي الحرارة وزائلها، وهو المصحح في "الشرح الصغير"، لكن صحح في "الروضة": زوال الكراهة عند زوالها 30، وهذا وارد على "الحاوي" أيضاً.
رابعها: اختار النووي من جهة الدليل عدم الكراهة مطلقاً، وقال: (ليس للكراهة دليل يعتمد) 31، ونقله صاحب "الإقليد" عن نص الشافعي.
12 - قول "المنهاج" [ص 67]: (والمستعمل في فرض الطهارة -قيل: ونفلها- غير طهور في الجديد) فيه أمور:
أحدها: في قوله: (فرض الطهارة) نظر؛ فإن الوضوء المجدد، والغسل المسنون طهارتان لكل منهما فرض وسنة، فيصدق على المرة الأولى منهما أنها فرض الطهارة، وليست محل جزم على الجديد، بل هي من محال الوجهين فيما أدى به عبادة غير مفروضة، فالأولى أن يقال: (في رفع الحدث أو النجس) كما في "الروضة" 32، أو (المستعمل في فرض الطهارة المفروضة).
ثانيها: قوله: (قيل: ونفلها) قال الشيخ برهان الدين بن الفركاح في "حواشيه": (هذه عبارة قاصرة؛ فإنه إن أراد حكاية وجه في أن المستعمل في النفل غير طهور كالمستعمل في الفرض .. كان كلامه مشتملاً به على نقل شيئين:
أحدهما: أن المستعمل في الفرض غير طهور، لا غير.
والثاني: أن المستعمل في أيهما كان غير طهور؛ أي: سواء استعمل في فرض أو نفل، ويلزم
الحديث: 12 - الجزء: 1 - الصفحة: 71
منه أن المستعمل في غسل الذمية لتحل للمسلم: غير طهور قطعاً، أما على الراجح: فلكونه مستعملاً في فرض، وأما على الثاني: فلوجود أحد الأمرين وهو: الاستعمال في فرض، وإن أراد معنى آخر .. فلا بد من بيانه.
ولو قال: "وقيل: في عبادتها" .. لحصل الغرض؛ فإنه يحصل منه شيئان:
أحدهما: أن المستعمل في فرض الطهارة غير طهور، لا غير.
والثاني: أن المستعمل في عبادة الطهارة غير طهور، لا غير.
فعلى الأول: المستعمل في غسل الذمية غير طهور؛ لأنه مستعمل في فرض الطهارة.
وعلى الثاني: هو طهور؛ لأنه لم يستعمل في عبادة.
وعبارة "المحرر": "والمستعمل ليس بطهور على الجديد إن كان مستعملاً في فرض الطهارة، وقيل: إن المستعمل في عبادة الطهارة في معناه! ، فذكر العبادة دون النفل، وهي أيضاً قاصرة) انتهى 33.
قلت: المتبادر إلى الفهم من عبارة "المنهاج" في تقرير الوجه الضعيف: أنه لا بد من اجتماع الاستعمال في الفرض والنفل، ولو أراد ما فهمه عنه ابن الفركاح .. لقال: (أو في نفلها) وكلاهما معترض.
ثالثها: مشى على طريقة القولين، وصححها في "شرح المهذب"، لكنه صحح فيه عند الكلام على المستعمل في النجاسة طريقة القطع بالجديد 34، وكذا فعل في "الروضة" حيث قال: (غير طهور على المذهب، وقيل: طهور على القديم) 35 فضعف الطريقة الحاكية للقديم.
وأطلقا الكلام في المستعمل، وهو مقيد بحالة القلة، كما دل عليه قولهما بعد ذلك: (فإن جمع قلتين) 36.
3 ا- قول "التنبيه" [ص 13]: (وما تطهر به من حدث) احترز به عن الخبث، فسيأتي، قاله في "الكفاية".
قال النشائي: (لكن ما أخره هو الخلاف في أنه طاهر أو نجس، فيقتضي أنه ليس بطهور جزماً، والخلاف فيه أيضاً كما نقله في "الكفاية"، بل لم يحك الرافعي إطلاق كونه طاهراً) 37.
قلت: كأن الشيخ أراد هناك بالطاهر: الطهور، كما سيأتي.
الجزء: 1 - الصفحة: 72
14 - قول "الحاوي" [ص 115]: (لغير ذلك الفرض، وله إذا انفصل) يقتضي أن الجنب لو انغمس في ماء قليل، ونوى رفع الجنابة ثم مس ذكره مثلًا، وهو في الماء .. أنه لا يكون له الوضوء بذلك الماء؛ لأنه فرض آخر، وهو موافق لبحث الرافعي حيث قال: (ومقتضي كلام الأصحاب أن الماء لا يصير مستعملًا بالنسبة إلى المنغمس حتى يخرج منه، وهو مشكل، وينبغي أن يصير؛ لارتفاع الحدث به) انتهى 38.
والمعتمد: إطلاق الأصحاب؛ فقد صرح الخوارزمي بمقتضاه، وهو أنه لو أحدث حدثاً آخر في حال انغماسه .. جاز ارتفاعه به.
وجواب إشكال الرافعي: ما ذكره النووي في "شرح الوسيط" أن صورة الاستعمال باقية 39.
15 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (وإن كان الماء قلتين، ولم يتغير .. فهو طاهر) 40 أطلقوا الماء، وهو مقيد بالماء المحض، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في صفاته، وفرضناه مخالفاً، فلم يغيره، فحكمنا بطهوريته، وكان الماء الصرف ينقص عن قلتين بقدر المائع الواقع فيه، فصار به قلتين، ووقعت فيه بعد صيرورته قلتين نجاسة .. فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها، وإنما يدفع النجاسة قلتان من محض الماء.
واستشكل على هذا: تصحيحهم استعمال جميع ذلك الماء وإن كان وحده غير كاف للطهارة، فنزلوا المائع المستهلك فيه منزلة الماء من وجه دون وجه.
16 - قولهما: (وإن تغير .. فهو نجس) 41 فيه أمران:
أحدهما: أورد صاحب "الكفاية"، والنووي والإسنوي في "تصحيحيهما" 42: أنه يُفهم أنه لو لم يتغير؛ لموافقة أوصافه له .. أنه باق على طهوريته.
وليس كذلك، والجواب: أن التغير شامل للحسي والتقديري، كما أوّل الرافعي عليه كلام "الوجيز" 43، فلا إيراد.
ثانيهما: قال في "الكفاية": (إنه يقتضي عدم الفرق بين ما تغير كله أو بعضه، وهو ما صرح به في "المهذب" وغيره، وقال الرافعي: إنه ظاهر المذهب) انتهى 44.
الحديث: 14 - الجزء: 1 - الصفحة: 73
وصحح النووي: أن المتغير نجس، وأما الباقي: فإن كان قلتين .. لم ينجس، وإلا .. فهو نجس؛ فإن هذا المتغير بالنجاسة لا يزيد على عين النجاسة.
انتهى 45.
ويمكن موافقة كلامهما له، فإن قولهما: (تغيَّر) صفة للكثير، وذلك يتناول الكل؛ فإنه يصح عند تغير البعض أن يقال: ما تغير هذا، إنما تغير بعضه، فماطلاق التغير عليه مجاز.
17 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (وإن زال التغير بنفسه، أو بماء .. طهر) 46 أي: بماء زيد عليه أو أخذ منه، كما صرح به في "التهذيب" 47، وقال في "شرح المهذب": (لا خلاف فيه، وصوره بأن يكون مختنقاً لا يدخله الريح، فإذا نقص .. دخلته وقصرته) 48.
18 - قول "المنهاج" [ص 68]: (أو بمسك وزعفران .. فلا) اعترض عليه في هذا التعبير، بأن العلة في عدم عود الطهورية: احتمال أن التغير استتر، ولم يزل، فكيف يعطفه على ما جزم فيه بزوال التغير وذلك تهافت؟ وعبارة "المحرر" سالمة من هذا حيث قال: (إن زال بنفسه أو بماء .. طهر، وإن طرح فيه مسك أو زعفران فلم يوجد التغير .. لم يطهر) انتهى 49.
والجواب عنه: أن المراد: زواله ظاهراً، وإن أمكن استتاره باطناً، والله أعلم.
19 - قوله: (وكذا تراب وجص في الأظهر) 50 فيه أمور:
أحدها: فيه ما سبق من التجوز في التغير في المسك والزعفران.
ثانيها: أنه أطلق القولين، ومحلهما: في حال الكدورة، فإن صفا، ولا تغير به .. طهر قطعاً؛ كما في "شرح المهذب" 51.
ثالثها: نقل الرافعي عن بعضهم: أنه خصص القولين بما إذا كان التغير بالرائحة، فأما اللون والطعم .. فلا يطهر بالتراب قطعاً، قال: والأصول المعتمدة ساكتة عن هذا التفصيل 52.
قال النووي: (بل مصرحة بخلافه، ففرضها المحاملي والفوراني في التغير بأحد الأوصاف الثلاثة، وفرضها المتولي في اللون والرائحة) 53.
رابعها: في الجص ونحوه مما ليس له صفة غالبة ولا طهورية طريقة قاطعة بأنه لا يطهر؛ فكان
الحديث: 17 - الجزء: 1 - الصفحة: 74
ينبغي أن يقول: (وكذا بتراب في الأظهر، وجص على المذهب).
وقول "التنبيه" [ص 13]: (وإن زال بالتراب .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يطهر) خصص القولين بالتراب، فهو اختيار لهذه الطريقة المرجوحة، فيرد عليه هذه الإيرادات الأربعة، لكن الإيراد الرابع من وجه غير الوجه الذي أورد على "المنهاج"، إلا أن يقال: إنه ذكره على سبيل التمثيل، لا لتخصيص الحكم به، ويختص "التنبيه" بإيراد خامس، وهو أن الأظهر: أنه لا يطهر، خلاف ما صححه.
20 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ودونهما ينجس بالملاقاة) 54 فيه أمور:
أحدها: استثنى في "التنبيه" و"المنهاج": ما لا دم له يسيل، وما لا يدركه الطرف، واقتصر في "الحاوي" على الأولى؛ لأن الأظهر في الثانية عند الرافعي: التنجيس 55، خلافاً للنووي 56.
ويستثنى مع هاتين المسالتين مسائل:
الأولى: الشعر النجس اليسير في العرف يعفى عنه من الآدمي قطعا، ومن غيره على الأصح.
الثانبة: الحيوان المتنجس المنفذ على الأصح.
الثالثة: غبار السرجين.
الرابعة: الهرة إذا أكلت نجاسة ثم غابت بحيث يمكن ولوغها في ماء كثير، ثم ولغت في ماء قليل، أو مائع .. فلا تنجسه على الأصح، وفي "فتاوى ابن الصلاح": أن أفواه الصبيان كذلك 57.
وفي استثناء هذه الصورة نظر، وإن كان قد استثناها في "الروضة" 58؛ لأن العفو فيه؛ لاحتمال أن فمها طاهر، ولو تحققت نجاسته .. لم يعف عنه، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن العفو فيه ورد على محقق النجاسة.
الخامسة: قليل دخان النجاسة إذا حكمنا بتنجيسه.
ثانيها: محل ذلك: إذا وردت النجاسة عليه، أما إذا ورد عليها لإرادة غسلها .. ففيه خلاف وتفصيل يأتي في إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى.
الحديث: 20 - الجزء: 1 - الصفحة: 75
ثالثها: يرد على ظاهر عبارتهم: ما إذا صب ماء نجس على مطلق ينقص عن القلتين بقدره فبلغا قلتين .. فإنه لا ينجس المطلق، بل يطهر النجس.
21 - قول "المنهاج" [ص 68]: (فلو كوثر بإيراد طهور فلم يبلغهما .. لم يطهر، وقيل: طاهر لا طهور) هذه القيود -وهي: كون المصبوب وارداً، وكونه طهوراً، وكونه أكثر من المورود- شروط للقول بالطهارة، لا للقول بعدمها، فكان الأحسن أن يقول: (فلو لم يبلغهما .. لم يطهر، وقيل: إن كوثر بإيراد طهور .. فهو طاهر غير طهور).
22 - قولهم: (إن الميتة التي لا دم لها سائل، لا تنجس الماء القليل) 59 محله: إذا لم تغيره، فإن غيرته .. نجسته على الأصح، ويزداد "التنبيه" و" المنهاج لما إيرادين آخرين:
أحدهما: أنهما أطلقا القولين، ومحلهما: فيما ليس نشؤه منه، أما العلق، ودود الخل، والفاكهة، والجبن إذا مات فيما نشأ منه .. لا ينجسه قطعاً، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 13]: (وقع).
ثانيهما: أن محل العفو: ما لم يطرح، فإن طرح قصداً .. لم يعف عنه، كما جزم به في "الشرح" و"الحاوي" الصغيرين، وسنتكلم عليه.
وعلى "التنبيه" إيراد رابع، وهو: أنه لم يبين الأظهر من القولين، وهو: العفو.
وعلى "المنهاج" إيرادان آخران:
أحدهما: أن قوله: (فلا تنجس مائعاً) 60 أعم من قول "المحرر" [ص 8]: (فلا ينجس الماء)، ومن قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن وقع فيما دون القلتين منه) أي: من الماء المطلق، وهو أحسن؛ فإن الحكم غير مختص بالماء، بل يعم الدهن، والمرق وغيرهما.
ومع حسنها أورد بعضهم عليها: أن المائع في عرف الفقهاء قسيم للماء الطهور، فقد يُفهم أن الخلاف مختص بغير الماء، وأن الماء يجزم فيه بالطهارة؛ لقوته على الدفع.
لكن جواب هذا الإيراد: أن هذا الاستثناء عائد إلى قوله: (ودونهما ينجس بالملاقاة) أي: دون القلتين من الماء، فانتفى أن يكون المراد: المائع الذي هو قسيم الماء الطهور، بل المراد: المائع الذي هو أعم منه.
نعم؛ قال بعضهم 61: لو قال: (رطباً) .. لكان أشمل؛ ليعم الإناء، والثوب الرطبين، وكذا الفاكهة الرطبة، وهو حسن.
الحديث: 21 - الجزء: 1 - الصفحة: 76
ثانيهما: أنه عبر بقوله: (على المشهور) وعبر في "الروضة" و"التحقيق" بـ (الأظهر) 62 وبينهما في اصطلاحه تنافٍ.
ويختص "الحاوي" بإيراد، وهو: أنه قال: (ما لم يطرح) 63 وتبع في ذلك " الشرح الصغير" كما تقدم، لكن قال في "الكبير": (فيما نشؤه منه، فلو طرح فيه من خارج .. عاد القولان) 64.
ومقتضاه ترجيح العفو، لكن مال شيخنا جمال الدين في "المهمات" إلى أنهما مسألتان: التي في "الصغير" إذا لم يكن منه، والتي في "الكبير" إذا كان منه، واختار السبكي والإسنوي في أصل المسألة وجهاً ثالثاً، وهو: التفرقة بين ما يعم؛ كالذباب ونحوه فيعفى عنه، ولا يعفى عن غيره.
23 - قول "التنبيه" [ص 13]: (وإن وقع فيما دون القلتين منه نجاسة لا يدركها الطرف .. لم تنجسه، وقيل: تنجسه، وقيل: فيه قولان) فيه أمران:
أحدهما: ظاهره: ترجيح طريقة القطع بعدم التنجيس، وهي التي صححها النووي في "شرح الوسيط" 65، لكنه صحح في "التحقيق": طريقة القولين 66، وكذا صححها الرافعي في "الشرح الصغير"، ومشى عليها في "المنهاج" 67.
ثانيهما: قال في "الكفاية": (أفهم بقوله: "منه" -أي: من الماء-: أن ما عداه من المائعات ينجس بما لا يدركه الطرف قولاً واحداً، قال: وقد قاله بعض الشارحين، واعتقادي عدم صحته؛ لأن القاضي حسين حكى نفي التنجيس بوقوع الحيوان النجس المنفذ في الدهن، وقد سوى الأصحاب بينهما في الميت الذي لا يسيل دمه) انتهى.
وهو ظاهر عبارة "المنهاج" 68، حيث عطفه على عدم تنجيس المائع به.
الحديث: 23 - الجزء: 1 - الصفحة: 77
بابُ الاجتهاد
24 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (ولو اشتبه ماء طاهر بنجس .. اجتهد وتطهر بما ظن طهارته) 69 فيه أمور:
أحدها: أن الثياب والأطعمة والتراب وغيرها .. كالماء، فلذلك عبر "الحاوي" بعبارة شاملة، فلو أسقط "المنهاج" لفظة (ماء) .. لكان أشمل، وكان العذر له عن ذلك: أن كلامه في المياه، وكذا: لو اشتبه طهور بمستعمل في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 70.
ثانيها: اعترض الشيخ برهان الدين بن الفركاح على قوله: (اجتهد): بأنه إن أراد:
وجوب الاجتهاد .. شمل ما إذا قدر على طاهر بيقين، ولا يجب إذ ذاك، بل قيل: لا يجوز.
أو الاستحباب .. اقتضى فيما إذا لم يقدر على المتيقن .. أنه يستحب، وهو إذ ذاك واجب.
أو الجواز .. لم يفهم منه الوجوب عند عدم المتيقن، وهو أهم ما يُنَبَّه عليه.
انتهى 71.
وقال بعضهم: المراد: أنه يجب أن يجتهد إن لم يجد غيرهما، ويجوز إن وجد 72.
قلت: لا حاجة لذلك، بل هو محمول على الوجوب مطلقاً، ووجود متيقن لا يمنع وجوب الاجتهاد في هذين، لأن كلًا من خصال المخيَّر يصدق عليه أنه واجب، والله أعلم 73.
ثالثها: كان ينبغي "للمنهاج" أن يقول من زيادته: (ما داما باقيين) فإنه صحح فيما إذا تلف أحدهما .. أنه لا يجتهد في الباقي، كما سيأتي.
الحديث: 24 - الجزء: 1 - الصفحة: 78
رابعها: قول "المنهاج": (وتطهر) أعم من قول "التنبيه": (وتوضأ).
25 - قول "المنهاج" [ص 68]: (وقيل: إن قدر على طاهر بيقين .. فلا) أحسن من قول "التنبيه" [ص 14]: (وقيل: إن كان معه ماء بتيقن طهارته .. لم يتحر) لأنه قد لا يكون معه ماء يتيقن طهارته لكنه قادر على تحصيله بشراء، أو بأن يكون في كل إناء قُلّة غير متغيرة وأمكن خلطهما، ومثله: قول "الحاوي" [ص 120]: (ووجد متيقنا) لأنه غير واجد حقيقة، وقد يقال: القادر على التحصيل واجد.
26 - قول "المنهاج" [ص 68]: (والأعمى كبصير في الأظهر) ليس مثله من كل وجه؛ فإنه لو تحيّر .. قلد في الأصح، بخلاف البصير، فلو قال: (والأعمى يجتهد في الأظهر) .. لكان أحسن، كما فعل في "التنبيه" [ص 14] حيث صرح بأن الخلاف في التحري، لكنه لم يبين الأصح من القولين، وقد عرفْتَه.
27 - قول "الحاوي" [ص 120]: (ومحرم) أي: بأجنبية أو بأجنبيات؛ حيث يحرم النكاح لفقد العلامة، وإنما يحرم .. إذا كن محصورات، وإلا .. فيجوز نكاح واحدة من غير اجتهاد، كما سيأتي في بابه.
28 - قوله: (وإن تلف غيره) 74 كذا جزم به الرافعي 75، وصحح النووي فيما إذا تلف أحدهما .. أنه لا يجتهد، بل يتيمم ويصلي ولا يعيد وإن لم يرقه 76.
29 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وإن اشتبه عليه ماء وبول .. أراقهما وتيمم) وفي "المنهاج" [ص 68]: (بل يخلطان ثم يتيمم) وهو أحسن؛ لتصريحه بتقديم الخلط على التيمم، ولم يتعرض في "الشرح" و"الروضة" لخلط ولا إراقة.
وقال السبكي: (إن ذلك مستحب على قول الجمهور).
وقوى شيخنا الإمام جمال الدين: عدم الاحتياج إلى ذلك، ثم تنزل وقال: (ينبغي أن يُكتفى بإراقة أحدهما) وهو ظاهر.
واختار شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني: جواز الاجتهاد بين الماء والبول، وقال: (إنه مقتضى كلام المتولي).
وقال الإمام: (إنه القياس) 77.
الحديث: 25 - الجزء: 1 - الصفحة: 79
30 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو وماء ورد .. توضأ بكلٍّ مرة) استشكل بعدم جزم النية في كل منهما؛ لشكه في طهوريته.
وأجيب عنه: بأنه يمكنه أن يضع في كف من هذا وفي كف من هذا، ويغسل خده الأيمن بيمناه والأيسر بيسراه دفعة من غير خلط مقترناً بالنية، ثم يعيد غسل وجهه، ويكمل وضوءه بأحدهما، ثم يتوضأ بالآخر .. فيصح وضوءه وجزمه بالنية، فهذا تصوير المسألة، وهو تصوير صحيح، فلا يفهم كلام "المنهاج" على الإطلاق، لكن مال شيخنا جمال الدين في "المهمات": إلى أنه لا يكلف الوضوء بماء الورد؛ لما فيه من إضاعة المال، بل يتيمم.
انتهى.
ويمكن أن يقال: إن كان ثمن ماء الورد المنقطع الرائحة كثمن الماء المطلق لو وجده .. كلف استعماله.
31 - قوله: (وإذا استعمل ما ظنه .. أراق الآخر) 78 أي: ندبًا، كما صرح به في "الحاوي" 79، ومحله: إذا لم يحتج إليه لعطش ونحوه، ومقتضاه: تقديم الاستعمال على الإراقة، ونقله في "الكفاية" عن النص 80، لكن في "شرح المهذب" و"التحقيق" تقديم الإراقة، ونقله عن الماوردي وغيره 81، وهو ظاهر نص " المختصر" 82، وهو موافق لتعليلهم ذلك باحتمال أن يغلط فيتطهر بالنجس، أو يلتبس ثانياً قبل الاستعمال.
32 - قوله: (فإن تركه وتغير ظنه .. لم يعمل بالثاني على النص، بل يتيمم بلا إعادة في الأصح) 83 أي: إن لم يبق من الأول شيء؛ كما هو صورة مسألة الكتاب، وذلك مأخوذ من قوله: (وإذا استعمل ما ظنه) فإن حقيقته: أن يستعمل جميعه، أما لو بقي شيء من الأول .. فإن الإعادة تجب في الأصح.
33 - قوله: (وبَيَّنَ السبب، أو كان فقيهاً موافقاً .. اعتمده) 84 هو مراد "الحاوي" بقوله [ص 120]: (لا يجازف) وعبارة "المنهاج" أحسن؛ لأن تلك مبهمة لا يفهم المراد منها إلا بتوقيف، ويحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الشهادة على الردة؛ حيث صححوا قبولها مطلقة من الموافق وغيره مع الاختلاف في أسبابها.
الحديث: 30 - الجزء: 1 - الصفحة: 80
34 - قول "الحاوي" [ص 120]: (ولو بخبر عدل .. لا يجازف، ومستعمل) قد يفهم من هذه العبارة: أن خبر عدل بالاستعمال ليس كخبره بالنجاسة، بل لا تأثير له، وليس كذلك، فكان ينبغي تأخير قوله: (ولو بخبر عدل) عن قوله: (ومستعمل) ليرجع إلى النجاسة والاستعمال.
35 - قوله: (لا ما بال فيه ظبي، فشك في سبب تَغَيُّره) 85 يدخل فيه: ما إذا وجده عقب البول غير متغير ثم تغير بعد ذلك، والذي في "شرح المهذب" عن الأصحاب: عدم الحكم بالنجاسة، خلافا للدارمي؛ فحكم بالنجاسة مطلقاً، وفيه نظر، كما قال في "شرح المهذب" 86.
الحديث: 34 - الجزء: 1 - الصفحة: 81
بابُ الآنية
36 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (يحل استعمال كل إناء طاهر) 87 أورد على منطوقه: المغصوب، وجلد الآدمي المحترم؛ فإنهما طاهران حرامان.
وأجيب: بندور الثاني، وأن تحريم المغصوب لأمر خارج، وهو: تحريم ملك الغير.
واعتُرض على الجواب: بأنه حينئذ لا يحتاج إلى التقييد بالطهارة، فإن تحريم النجس؛ لتنجس المظروف لا لذاته.
وأورد على مفهومه: الإناء النجس إذا كان فيه قلتان فأكثر، ولم نوجب التباعد .. فإنه نجس، ويحل استعماله.
وأجيب عنه: بأن في استعمال النجس تفصيلاً، وهو:
الكراهة في الجاف.
والتحريم في الرطب، والمائع وإن كثر، والماء القليل.
والجواز في الماء الكثير، فقد خالف حكمه حكم الإناء الطاهر، وهو إطلاق الحل.
وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بالاستعمال أعم من تعبير "التنبيه" بالطهارة.
37 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وهل يجوز اتخاذه؟ فيه وجهان) الأصح: التحريم، ويوافقه في حكاية الخلاف وجهين تعبير "المنهاج": بالأصح 88.
وقال في "الكفاية": حكاهما جماعة قولين، والمراد بالاتخاذ: الاقتناء من غير استعمال، وجوز بعضهم أن يراد به: الاصطناع، وابتداء العمل، ثم قال: الأولى أن يقال: إن قصد عند صنعته استعماله .. حرم قطعاً، أو اقتناؤه .. فالوجهان 89.
38 - قول "المنهاج" [ص 69]: (ويحل المموه في الأصح) وهو مفهوم "الحاوي" حيث خص التحريم بما إذا كان الإناء كله، أو بعضه، أو ضبته ذهباً أو فضة 90، وفيه أمران:
أحدهما: أن محل الوجهين: إذا لم يحصل منه شيء بالنار، فإن حصل .. حرم قطعًا.
ثانيهما: تبعا في الحل "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة"، وكذا في " شرح المهذب" هنا 91.
الحديث: 36 - الجزء: 1 - الصفحة: 82
لكن صحح في (الزكاة) و (باب ما يكره لبسه): التحريم 92.
وكذا صححه السبكي في "تنزل السكينة على قناديل المدينة" وهو الذي جزم به في "التنبيه" في (باب ما يكره لبسه) 93 فإما أن يكون موافقاً لهذا التصحيح، وإما أن يحمل على ما إذا حصل منه شيء بالنار، ثم إنه خصه بالمموه بالذهب، فقد يُتَخيل أنه يفرق بينه وبين المموه بالفضة، والذي في كتب الرافعي والنووي: عدم الفرق 94، وأيضاً: قيده 95 بما إذا لم يصدأ 96.
وصحح الرافعي والنووي: أنه يحرم تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة 97، وخالفهما السبكي، فصحح: الحل، وفاقاً للقاضي حسين، وقال: (المنع -لا سيما في الكعبة- بعيد شاذ غريب في المذاهب كلها، قلَّ من ذكره، ولا وجه له، ولا دليل يعضده، قال: وهذا في التحلية بصفائح الذهب والفضة ونحوهما، أما التمويه: فلا أمنع من جريان الخلاف فيه؛ لأن فيه إفساداً للمالية) انتهى.
فالتمويه عنده أشد من التحلية، وقال في "شرح المهذب" في (الزكاة): (إن تمويه سقف البيت أو الجدار حرام بالاتفاق، حصل منه شيء أم لا، وكذا استدامة تمويهه إن حصل منه شيء) 98.
39 - قول "المنهاج" [ص 69]: (والنفيس -كياقوت- في الأظهر) أي: النفيس في ذاته؛ كما مثله، أما النفيس بالصنعة: فلم يطرد فيه الجمهور الخلاف، ومثل في "التنبيه" مع الياقوت بالبلور 99، وامتنع بعضهم من إجراء الخلاف فيه، لكن الجمهور طردوا فيه الخلاف 100.
40 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وما ضبب بالفضة) خرج به ضبة الذهب، فتحرم مطلقاً، كما صححه النووي 101، وصحح الرافعي: التسوية 102، وعليه مشى في "الحاوي" 103، ومحل
الحديث: 39 - الجزء: 1 - الصفحة: 83
التفصيل: إذا لم يعم التضبيب الإناء، فإن عم .. حرم قطعاً، ذكره الماوردي 104، ومراده: على الجديد في تحريم الأواني.
41 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ضبة كبيرة لزينة .. حرم) 105 عبارة "المحرر": (فوق قدر الحاجة) 106 فيؤخذ منه: تحريم كبيرةٍ بعضها لحاجة وبعضها لزينة، ولا يؤخذ ذلك من عبارتهما.
42 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو صغيرة بقدر الحاجة .. فلا) أي: فلا يحرم، وكان ينبغي أن يقول: (أبيح) فإنه كما لا يحرم لا يكره أيضاً، وقد صرح بذلك في "التنبيه" 107.
43 - قول "المنهاج" [ص 69]: (أو صغيرة لزينة، أو كبيرة لحاجة .. جاز في الأصح) أي: مع الكراهة، كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 108، فكان ينبغي أن يقول: (يكره، وقيل: يحرم).
44 - قول "التنبيه" [ص 14]: (وقيل: إن كان في موضع الشرب .. حرم، وإن كان في غيره .. لم يحرم) كذا حكى هذا الوجه في "الروضة" و"شرح المهذب" 109، وعبر في "المنهاج" بقوله [ص 69]: (وضبة موضع الاستعمال كغيره في الأصح).
ومقتضى هذه العبارة: أن هذا الوجه الضعيف قائل بأنها إن كانت في موضع الاستعمال .. حرم، وإن كانت في غيره .. ففيها التفصيل؛ لأنه إنما حكاه في ضبة موضع الاستعمال، فدل على أنه لا يغاير الأصح في ضبة غير موضع الاستعمال، وهو مقتضى عبارة "المحرر" و"الشرح" 110.
الحديث: 41 - الجزء: 1 - الصفحة: 84
باب أسباب الحَدَث
45 - هذه عبارة "المنهاج" 111، وهي أولى من قول "التنبيه" [ص 17]: (ما ينقض الوضوء) لأن الأصح: أن الحدث لا يبطل الوضوء، بل ينتهي الوضوء بوجوده؛ كانتهاء الصوم بالغروب، لكن سيأتي التعبير بالنقض في قوله: (فخرج المعتاد .. نقض) 112.
46 - قولهما: (هي أربعة) 113 ضم إليها المحاملي: شفاء دائم الحدث 114، ويؤيده قول النووي في "شرح المهذب": (مرادهم بلزوم الوضوء: ما إذا خرج منه شيء في أثناء الوضوء أو بعده، وإلا .. فلا يلزمه وضوء، بل يصلي بوضوئه الأول بلا خلاف، صرح به الغزالي في "البسيط" وغيره) انتهى 115.
فقد صرح بأن الخارج بعد الوضوء وفي أثنائه إنما يبطل بحصول الشفاء.
وأجيب عنه: بأن حدثه مستمر، فلم يطرأ له سبب، وأيضاً: فإن وضوء دائم الحدث لا يرفع الحدث، فكيف يصح عدّ الشفاء سبباً للحدث مع أنه لم يزل؟ ذكره السبكي.
وألحق شيخنا في "التدريب" بشفاء دائم الحدث: انقطاع حدثه انقطاعاً طويلاً بحيث يسع الوضوء والصلاة، إلا إذا كان الانقطاع في الصلاة.
ويرد على الحصر أيضاً: الردة -في وجه-، وظهور رجل الماسح، أو انقضاء مدته -في قول-، ومس بدن الميت -في قول قديم-، وأكل لحم الإبل -في قديم-، اختاره النووي -تبعاً لابن المنذر وغيره- دليلاً 116، وإن كان المذهب خلاف ذلك في جميعها.
47 - قول "المنهاج" [ص 70] و"الحاوي" [ص 130]: (خروج) كذا عبر في "المحرر" و"الشرح" 117، وعبر في "التنبيه" [ص 17] بـ (الخارج)، وكذا في "الروضة" 118، وهو ظاهر كلام "المختصر" 119، وكل من الخروج والخارج يسمى حدثاً، فكلا التعبيرين صحيح.
الحديث: 45 - الجزء: 1 - الصفحة: 85
48 - قول "التنبيه" [ص 17]: (أحدها: الخارج من السبيلين) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: الخروج منهما على سبيل البدل، وليس المراد: أن النقض لا يحصل إلا بالخروج منهما، فعبارة "المنهاج" و"الحاوي" 120 أوضح.
ثانيهما: مقتضاه النقض بخروج المني، وهو الذي صححه في "الكفاية" -وفاقاً للقاضي أبي الطيب- مستدلاً بالاتفاق في الحيض، وأوّل كلام غيره: بأنه أراد: الاندراج في الغسل، ونقل عن الرافعي تصحيحه في كتابه "المحمود"، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه 121، لكن الذي صححه الرافعي والنووي: أنه لا ينقض الوضوء 122؛ ولذلك استثناه في "المنهاج" و"الحاوي"، لكن يرد على قول "المنهاج" [ص 70]: (من قبله أو دبره): قبلا المشكل؛ فإنه لا ينقض إلا الخروج منهما في الأصح.
وقد يرد على قول "التنبيه" [ص 17]: (من السبيلين) لأن المراد: أحدهما، كما تقدم.
وقد يجاب عنه: بأنه لا يُتَحقق كون الخارج من السبيل إلا بالخروج منهما؛ لأن كل واحد منهما لا ندري هل هو سبيل أم لا؟ فلا يرد على "التنبيه"، وقد يُدعى مثل ذلك في عبارة "المنهاج" أيضاً.
فان قلت: يستثنى من كلامهم دائم الحدث؛ فإنه لا يترتب على خروج حدثه حكم في بعض الأحوال.
قلت: ينتقض وضوءه على كل حال، ولكن يعفى عنه للضرورة.
فإن قلت: محل النقض في الحي، أما الميت: فإنه إذا خرج من فرجه نجاسة .. غسل ذلك المحل فقط في الأصح.
قلت: لا تكليف على ميت، والكلام في الأحياء.
49 - قولهم: (ولو انسد مخرجه ... إلى آخره) 123 محل هذا التفصيل والخلاف: في الانسداد العارض، أما الخلقي: فينتقض بالخروج منه جزماً فوق المعدة وتحتها مطلقاً، صرح به الماوردي 124.
وفي "شرح المهذب": (لم أر لغيره تصريحاً بموافقته ولا مخالفته) انتهى 125.
الحديث: 48 - الجزء: 1 - الصفحة: 86
وهو مفهوم من تعبيرهم بالانسداد، كما أشار إليه النووي في "نكت التنبيه".
50 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (المخرج المعتاد) 126 هل المراد: القبل والدبر معاً حتى إذا بقي أحدهما منفتحاً .. لا تكون مسألة الانسداد؟ أم يكفي انسداد أحدهما إذا كان الخارج من التي انفتحت يناسبه؛ كما إذا انسد القبل فخرج من الثقبة المنفتحة بول، أو انسد الدبر فخرج منها غائط .. تكون مسألة الانسداد؟ فيه نظر.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (الثاني عندي أقوى، لكن يشكل بما إذا كان الخارج ليس معتاداً لواحد منهما؟ كالقيح مثلاً) 127.
قلت: يعتبر بما خرج منه من قبل أو دبر.
51 - قول "المنهاج" [ص 70]: (فخرج المعتاد .. نقض) قد عرفت ما فيه من التجوز الذي احترز عنه في التبويب.
52 - قوله: (أو فوقها) 128 كذا في نسخة المصنف وأكثر النسخ؛ أي: فوق المعدة، وفي بعض النسخ: (أو فوقه) أي: فوق تحت المعدة ليشمل الانفتاح في نفس المعدة؛ فإنه كفوقها، وهذا هو الذي حمل النووي على أن قال في "الروضة": (مرادهم بتحت المعدة: ما تحت السرة، وبفوقها: السرة ومحاذيها وما فوقها) انتهى 129.
فلما كان حكم نفس المعدة حكم ما فوقها .. سماه باسم ما فوقها مجازاً لأن المقصود: بيان الأمر الشرعي لا الطبي، وبهذا يندفع قول من قال: إنه يقتضي أن لا معدة ألبتة.
وقال في "الكفاية": (المعدة: ما بين فوق السرة والموضع المنخفض تحت الصدر).
وقريب منه قول صحاب "الإقليد": (المعدة: من السرة إلى ما تحت الصدر، فتحت السرة: تحتها وما يلاقي الصدر، وفوقه: فوقها).
وعبارة "المنهاج" أولاً تدل على أن المعدة هي: السرة، ويوافقه قول "شرح المهذب": (مرادهم بتحتها: ما تحت السرة، وبفوقها: ما فوق السرة) 130.
53 - قول "التنبيه" [ص 17]: (وإن انفتح فوق المعدة .. ففيه قولان)، وقوله [ص 17] فيما إذا لم ينسد ... : (وفيما تحتها قولان) 131.
الحديث: 50 - الجزء: 1 - الصفحة: 87
الأصح في كلا الصورتين: عدم الانتقاض؛ فالانتقاض مختص بما إذا انسد المعتاد وكان المنفتح تحت المعدة.
54 - قولهم: (الثاني: زوال العقل، إلا النوم) 132 فيه أمران:
أحدهما: أنه يقتضي أن النوم يزيل العقل، وفي "الكفاية" ما يقتضي ذلك، وقال بعضهم: إنه لا يزيله؛ فعلى هذا كان الأحسن: التعبير بالغلبة على العقل؛ ليصح استثناء النوم منه 133.
ثانيهما: أن مقتضى تعبير "التنبيه" بالإفضاء بمحل الحدث إلى الأرض، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بتمكين المقعدة: أنه لا فرق في ذلك بين السمين والهزيل، وقال الروياني: (ينتقض وضوء مفرط الهزال) 134 نقله عنه في "الشرح الصغير" وأقره، وادعى بعضهم أن عبارة هذه الكتب توافقه، وعدَّه في "الكفاية" وجهاً مرجوحاً، والأصح في "الروضة" في المحتبي يقتضي خلافه 135.
ويستثنى من انتقاض الوضوء بالنوم: النبي صلى الله عليه وسلم.
55 - قول "التنبيه" [ص 17] و"الحاوي" [ص 130]: (إلى الأرض) قد يخرج التمكن من السفينة وظهر الدابة؛ ولذلك أطلق في "المنهاج" تمكين المقعدة، ولم يقيده بتمكينها بالأرض، وقد نص الشافعي على أنهما كالأرض، فقال في "الأم" ومنه نفلت: (وسواء الراكب للسفينة والبعير والدابة والمستوي على الأرض) 136.
56 - قول "المنهاج" [ص 70]: (التقاء بشرتي الرجل والمرأة) ويوافقه قول "التنبيه" [ص 17]: (على بشرة امرأة) وعبر في "المحرر" و"الحاوي" بالذكورة والأنوثة 137، وهو أولى؛ فإن الصبي والصبية إذا بلغا حد الشهوة عرفاً .. نقضا وانتقضا، ولعل عدول "المنهاج" عن ذلك؛ لأنه يشمل لمس الرجل أنثى غير آدمية، ولمس المرأة ذكراً غير آدمي، والرجل يطلق لغة: على الصبى أيضاً، نحو: قولهم: الرجل خير من المرأة، فهو شامل للصبي، فإن أطلق في مقابلة الصبي .. اختص بالبالغ، والاستعمالان معروفان في اللغة.
57 - قول "التنبيه" [ص 17]: (فإن وقع على بشرة ذات رحم محرم .. ففيه قولان) فيه أمران: أحدهما: الأصح: عدم النقض.
الحديث: 54 - الجزء: 1 - الصفحة: 88
ثانيهما: تقييد محل القولين بذات الرحم المحرم يقتضي أنهما لا يجريان عند انفراد أحد الوصفين، وهو كذلك في الرحم غير المحرم، وكذا في المحرم غير الرحم على طريقة مرجوحة، والأصح: طرد القولين فيها أيضًا؟ فلذلك قال في "المنهاج" [ص 70]: (إلا مَحْرَماً في الأظهر).
58 - قوله: (وفي الملموس قولان) 138 الأصح: الانتقاض.
59 - قول "المنهاج" [ص 70]: (كلامس) اعتُرض عليه: بأنه لم يتقدم له حكم ليحيل عليه؛ فإن الالتقاء يشمل اللامس والملموس، فإن فرض الالتقاء منهما دفعة بفعلهما -فإنهما حينئذ لامسان- .. صح، ولكنها صورة نادرة لا شعور للفظه بها، فتبعد الإحالة عليها.
60 - قوله: (ولا تنقض صغيرة) 139 أي: لم تبلغ حد الشهوة.
61 - قوله: (وشعر وسن وظفر) 140 أي: متصل.
62 - قوله: (في الأصح) 141 كذا في "الروضة" حكاية الوجهين في الجميع 142، لكنه صحح في "شرح المهذب": القطع بعدم النقض في الشعر والسن والظفر 143.
63 - قول "الحاوي" [ص 130]: (حي وميت) هذا هو المعروف، ووقع في "رؤوس المسائل" للنووي: تصحيح عدم النقض بلمس الميت والميتة.
64 - قولهم: (مس فرج الآدمي ببطن الكف) 144 فيه أمران:
أحدهما: المراد: مس جزء من الفرج بجزء من بطن الكف.
ثانيهما: المراد ببطن الكف: الراحة وبطون الأصابع، لكن قول "التنبيه" في (الديات) [ص 226]: (وفي الكفين مع الأصابع الدية) يقتضي أن باطن الكف لا يتناول بطون الأصابع؛ فلذلك أورده في "الكفاية".
65 - قول "المنهاج " [ص 70]: (وكذا -في الجديد- حلقة دبره) أي: دبر الآدمي.
يفهم: أن حلقة دبر البهيمة لا ينقض في القديم، لكن قوله: (لا فرج بهيمة) 145 يشمل دبرها.
الحديث: 58 - الجزء: 1 - الصفحة: 89
قال في "شرح المهذب": (ظاهر إطلاقهم: شمول الخلاف قبلها ودبرها، وخصه الرافعي بقبلها، وقال: "لا ينقض دبرها قطعاً؛ لأن دبر الآدمي لا ينقض في القديم، فالبهيمة أولى"، قال: وكأنه بناه على أن النقض بقبلها قديم، تبعاً للغزالي، وليس بقديم؛ فإنه حُكِي عن حكاية ابن عبد الحكم وابن عبد الأعلى، وهما صحبا الشافعي بمصر دون العراق) انتهى 146.
وعبارة "المنهاج" هنا تقتضي أنه قديم؛ فإنه جعل فيه القولين في الدبر مع اختلافهما في التصحيح، والله أعلم.
66 - قوله: (ومحل الجب) 147 أي: إذا قطع من أصله، فإن بقى شاخصاً .. نقض قطعاً.
67 - قوله: (والذكر الأشل) 148 لو قال: (وقبل أشل) ليشمل فرج المرأة .. لكان أولى؛ لأن الظاهر أنه لا فرق.
68 - قوله: (والذكر الأشل، وباليد الشلاء في الأصح) 149 فيه أمران:
أحدهما: أن فيهما طريقة قاطعة بالنقض، صححها في "شرح المهذب" 150.
ثانيهما: تعبيره بالأصح يقتضي قوة مقابله، وفي "الروضة" في فرج الصغير والميت: وجه ضعيف، وعبر في باقيها بالصحيح 151، فيقتضي ضعف المقابل.
69 - قول "الحاوي" [ص 130]: (وعاملة كفين) كذا في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 152، وفي "التحقيق" تصحيح النقض مطلقاً وإن لم تكن عاملة 153، وعزاه في "شرح المهذب" لإطلاق الجمهور 154.
70 - قوله: (كذكرين) 155 أي: يأتي فيهما التفصيل في الكفين، ويستثنى من ذلك: إذا كان الذكران على سنن واحد؛ فإن الزائد كالإصبع الزائدة إذا كانت على سنن الباقي في النقض بها، كما نقله شيخنا في "المهمات" عن "العمد" للفوراني.
الحديث: 66 - الجزء: 1 - الصفحة: 90
71 - قوله: (وبطن أصبع زائدة باستواء الأُخر) 156 أي: على سننها، كذا في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 157، وحكى في "شرح المهذب" إطلاق النقض بها عن الجمهور، وقال: إنه المشهور 158.
72 - قوله: (وإن مس أحدهما وصلى الصبح، ثم الآخر وصلى الظهر، إن توضأ بينهما .. لا يعيد) 159 كذا أطلق الرافعي والنووي المسألة 160، وصورتها: ما إذا توضأ لحدث آخر، أما لو توضأ لمس الفرج احتياطاً .. فلا يفيده شيئاً؛ إذ لا يرتفع حدثه على تقدير كون الأول فرجاً، وقد صورها بذلك القاضي حسين في "شرح التلخيص" والمحب الطبري، كما نقله في "المهمات".
73 - قول "التنبيه" [ص 17]: (ومس المصحف) يخرج: الخريطة والصندوق، والأصح: تحريم مسهما إذا كان المصحف فيهما، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 161، إلا أنه لم يقيده بكون المصحف فيه، وفي كلام الرافعي اشتراط كونه معداً له، حتى لو كان المصحف في جراب مثلاً .. لم يحرم مسه 162.
ويخرج تقليب أوراقه بعود، وهو ما صححه النووي تبعا للعراقيين 163، وصحح الرافعي: التحريم 164، وعليه مشى في "الحاوي" 165.
74 - قوله: (وحمله) 166 أي: مقصوداً، فالأصح: جواز حمله في أمتعة، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 167، لكن شرطه: ألا يكون مقصوداً بالحمل، كما صرح به الرافعي وغيره 168، وحذفه في "الروضة" 169، وعبارة سليم في "المجرد": شرطه: أن يُقصد نقل المتاع لا غير.
انتهى.
الحديث: 71 - الجزء: 1 - الصفحة: 91
ومقتضاها: أنه إذا قصد المصحف وغيره .. حرم.
وهل يشترط كون الأمتعة ثلاثة أشياء فأكثر -محافظة على صيغة الجمع- أم يكفي أقل من ذلك؟ لم أر من تعرض لذلك، والظاهر: الثاني 170.
وخرج بالمصحف: اللوح، والأصح: حرمته، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 171، لكن تعبير "المنهاج" فيه بالأصح يخالف تعبيره في "الروضة" بالصحيح 172، ومقتضى إطلاق "التنبيه": تحريم المس، والحمل على الصبي أيضاً، والأصح: تمكينه منه، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 173.
وقال في "المهمات": (إن المفهوم من كلام الأصحاب: أن المنع في الحمل؛ لأجل الدراسة، فإن حمل لغير غرض أو لغرض آخر .. منع منه 174، وهو ظاهر) انتهى.
ويستثنى من تحريم حمله: ما إذا خاف عليه من غرق، أو حريق، أو نجاسة، أو كافر، ولم يتمكن من الطهارة .. فيجوز أخذه مع الحدث للضرورة.
75 - قول "المنهاج" [ص 71، و"الحاوي" [ص 131]: (وتفسير) يقتضي الحل وإن كان القرآن أكثر، وهو مقتضى كلام الرافعي 175.
قال النووي: (وهو منكر) 176.
بل الصواب: القطع بالتحريم، قاله الماوردي وآخرون 177، ونقله صاحب "البحر" عن الأصحاب 178، وقال في "شرح المهذب": (إنه لا خلاف فيه) 179.
واعترضه في "المهمات" بموافقة الشاشي في "الحلية" للرافعي في ذلك 180، ومقتضى عبارة "الروضة" و"شرح المهذب": الحل عند الاستواء، وهو نظير تصحيحهم في الجديد 181،
الحديث: 75 - الجزء: 1 - الصفحة: 92
ومقتضى عبارة "التحقيق": الجزم بتحريمه؛ فإنه فرض الخلاف فيما إذا كان القرآن أقل 182، وفي عبارة "المنهاج" في قوله: [ص 71] (وتفسير) العطف على الضمير المجرور في قوله: (وحمله) بدون إعادة الجار، وكذا في قول "الحاوي" [ص 131]: (وجلده) عطفًا على الضمير في قوله: (ومسه)، وهو جائز عند بعضهم؛ لقوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر 183، ومنعه الجمهور.
76 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ودنانير)، وقول "الحاوي" [ص 131]: (لا الدرهم) شرط الماوردي في ذلك: أن يكون مما يتداول كثيراً في المعاملة، وإلا .. فيحرم 184، والجمهور أطلقوا الوجهين، وتعبير "المنهاج" فيها بالأصح، بخلاف تعبيره في "الروضة" بالصحيح 185.
77 - قول "الحاوي" [ص 131]: (وكتبته) أي: بشرط انتفاء الحمل والمس؛ بأن يكون موضوعاً بين يديه، وهذا واضح بذكره تحريم المس والحمل أولاً.
78 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ومن تيقن طهراً أو حدثاً وشك في ضده .. عمل بيقينه) 186 ووافقهما "الحاوي" على ذلك في يقين الطهر، وخالف في يقين الحدث، فقال: (إنه يرفع بالظن لا بالشك) 187 وتبع في ذلك الرافعي 188، وهو غلط معدود من أفراده.
قال ابن الرفعة: (لم أره لغيره).
وقال في "المهمات" عن "الشامل": (إنما قلنا بنقض الوضوء بالنوم مضطجعاً؛ لأن الظاهر خروج الحدث، فَصَدَقَ أن يقال: رفعنا يقين الطهارة بظن الحدث، بخلاف عكسه) انتهى.
فكأن الرافعي أراد: ما ذكره ابن الصباغ، فانعكس عليه، ولمجلي احتمال: فيما إذا ظن الحدث بأسباب عارضة في تخريجه على قولي الأصل والغالب.
قال في "الدقائق": (المراد بالشك هنا وفي معظم أبواب الفقه: مطلق التردد، سواء أكان على السواء أو أحد طرفيه أرجح) 189.
79 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (فلو تيقنهما، وجهل السابق .. فَضِدُّ ما قبلهما في
الحديث: 76 - الجزء: 1 - الصفحة: 93
الأصح) 190 كذا أطلقه الجمهور، وقال المتولي والرافعي: (إنما يأخذ بالضد مطلقاً إذا كان قبلهما محدثاً، فإن كان قبلهما متطهراً .. فإنما يأخذ بالضد إذا كان ممن يعتاد تجديد الوضوء، وإلا .. فيأخذ بالمثل، فيكون الآن متطهراً) 191.
وتبعهما في "الروضة" و"التحقيق" 192، وعليه مشى في "الحاوي" حيث قال: (لا بضد الطهر من لا يعتاد تجديده) 193 لكن مقتضى عبارته: أن من ليست له عادة محققة .. يأخذ بالمثل، وذكر السبكي أنه يأخذ بالضد، فعلى هذا كان ينبغي أن يقول: (لا بضد الطهر من اعتاد عدم تجديده).
وقال في "شرح المهذب": (الصحيح المختار: لزوم الوضوء بكل حال) 194 ونقله في "الروضة" عن تصحيح جماعات من محققي أصحابنا 195.
الجزء: 1 - الصفحة: 94
بابُ الاسْتِنْجاء
80 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (يقدم داخل الخلاء يساره، والخارج يمينه) 196 قد يفهم من لفظ الدخول والخروج: اختصاصه بالبنيان، وهو وجه، والأصح: اطراده في الصحراء، فيقدم يسراه إذا بلغ موضع جلوسه، وإذا فرغ .. قدم يمناه في انصرافه.
ويجاب: بأن الدخول والخروج جرياً على الغالب، فلا مفهوم له.
واستشكل ابن الرفعة تقديم يسراه إلى موضع جلوسه؛ لمساواته قبل قضاء الحاجة فيه غيره، بخلاف تقديم يمناه في انصرافه.
وأجيب عنه: بأنه لما عينه للبول فيه .. انحطت رتبته، فهو كالخلاء الجديد قبل أن يقضي فيه أحد حاجته.
81 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولا يحمل ذكر الله تعالى) 197 قال في "شرح المهذب": (لم يتعرض الجمهور لغيره) 198، وفي " الحاوي" [ص 128]: (نحى اسم الله ورسوله والقرآن)، وفي "الروضة" مثله 199، وأَلْحق به الإمام: كل اسم معظم، نقله عنه في "الكفاية" 200.
لكن لو نقش على خاتمه محمداً مثلاً مريداً به نفسه، أو اسماً من أسماء الله تعالى التي تطلق على غيره مريداً به غير الله .. لم يكره استصحابه، كما في "شرح الوسيط" للنووي 201، ولو نسيه حتى قعد على الخلاء .. غيبه بضم كفه عليه، أو وضعه في عمامته، أو غير ذلك.
وقال صاحب "الكفاية" في قول "التنبيه" [ص 17]: (إذا أراد قضاء الحاجة؛ فإن كان معه شيء فيه ذكر الله تعالى .. نحاه) أي: في البناء، بدليل قوله بعد: (وإن كان في صحراء)، وهو وجه، وهذا صريح في أن جميع الأحكام المتقدمة خاصة في كلام الشيخ بالأبنية، وليس كذلك، بل الأحكام المتقدمة شاملة لهما، والأحكام المذكورة بعد قوله: (وإن كان في صحراء) خاصة بالصحراء، وزعم بعضهم: أن تصدير "المنهاج" الباب بتقديم اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً يفهم اختصاصه وما عطف عليه بالبنيان 202.
الحديث: 80 - الجزء: 1 - الصفحة: 95
والحق: أن هذا الإفهام إنما هو في المسألة الأولي فقط، كما قدمنا إيراده والجواب عنه.
82 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ويعتمد جالساً يساره)، وفي "المحرر": (يسراه) 203، وهو أحسن.
83 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها) زاد "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (تحريمه بالصحراء)، وقيده في "الروضة": بألاَّ يستتر بشيء 204.
والمعتبر في الساتر: أن يكون ارتفاعه ثلثي ذراع فأكثر، وأن يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل، ولو جلس في بنيان ولم يستتر على الوجه المذكور .. حرم، إلا في الأبنية المعدة لذلك، ذكره في "شرحي مسلم والمهذب" 205.
فالتحريم على هذا دائر مع الستر وعدمه، لا مع البناء وعدمه.
قال صاحبا "التهذيب" و"الكافي": (والمراد بالبنيان: ما أسقف، أو أمكن سقفه) 206 وحيث لا يحرم .. يكره، كما قاله الرفعي في "التذنيب" تبعاً للمتولي 207، واختار النووي عدم كراهته 208.
84 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا يستقبل الشمس والقمر) زاد "الحاوي" [ص 128]: ترك الاستدبار أيضاً؛ فإنه عبر بالمحاذاة، وهي شاملة للاستقبال والاستدبار، كما فعل في القبلة، وقد جزم به الرافعي في الاستقبال، وحكاه في الاستدبار عن الغزالي والصيمري والجرجاني، وقال: هو صحيح، وسكت عنه الجمهور، وجزم به في "التذنيب"، بل زاد الكراهة فيهما 209.
وفي "شرح المهذب": الصحيح: عدم الكراهة 210، وفي "التحقيق": لا أصل لها 211، وفي "شرح الوسيط": لم يذكره الشافعي والأكثرون، والمختار: الإباحة 212.
85 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ويبعد، ويستتر) أي: في الصحراء، كما قيده في "التنبيه" فيهما 213.
الحديث: 82 - الجزء: 1 - الصفحة: 96
86 - قول "المنهاج" [ص 71]: (ولا يبول في ماء راكد)، وفي "الحاوي" [ص 128]: (ولا يقضي في الماء الراكد) وهو أحسن؛ لشموله الغائط، إلا أنه مفهوم من عبارة "المنهاج" من طريق الأولى.
وهو في الكثير: مكروه قطعاً، وقال النووي في "شرح مسلم": (لو قيل: يحرم .. لم يكن بعيداً) 214.
وفي القليل: حرام على الصواب المختار في "شرح مسلم"، ومفهومه: أنه لا يتجنب ذلك في الجاري، وهو في الكثير المستبحر: مجمع عليه، وفي القلتين: متفق عليه عندنا، والأولي: اجتنابه، كما قال النووي 215.
قلت: إلا إذا كان بالليل .. فإنه يكره ولو كان كثيراً جارياً، كما جزم به ابن الرفعة؛ لما يقال: أن الماء بالليل للجن.
وفيما دون القلتين: حرام على المختار في "شرح مسلم" 216.
87 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ولا يبول في الجحر) وهو: الخرق النازل المستدير، ويقال له: الثقب أيضاً، ومثله: السرب -بفتح السين والراء المهملتين- وهو: الشق المستطيل، وصرح بهما في "التنبيه"، فقال [ص 17، 18]: (ولا يبول في ثقب ولا سرب).
88 - قول "المنهاج" [ص 71] و"الحاوي" [ص 128]: (ومهب ريح) يشمل: استقبالها واستدبارها، ومقتضى تعليل الرافعي ذلك باحتمال عود الرشاش عليه: اختصاصه بالاستقبال 217، لكن الاستدبار أيضاً فيه عود الرائحة الكريهة عليه، وهو الذي علل به الخطابي في "غريب الحديث" قوله عليه الصلاة والسلام: "استمخروا الريح" 218.
فنأخذ بعموم لفظ الرافعي لا بخصوص علته، وظهر بذلك أن حمل كلام "المنهاج" على الاستقبال فقط ليس بجيد.
89 - قول "التنبيه" [ص 18]: (ولا في ظل) أي: في الصيف، وفي معناه: الشمس في الشتاء؛ فلهذا كان تعبير "المنهاج" [ص 72] بـ (المُتَحدَّث)، و"الحاوي" [ص 128] ب (النادي) أحسن؛ لعمومه.
الحديث: 86 - الجزء: 1 - الصفحة: 97
90 - قول "المنهاج" [ص 72] و"الحاوي" [ص 128]: (وطريق) أعم من تعبير "التنبيه" و"الروضة" بـ (قارعة الطريق) 219 وعبارة "الحاوي" شاملة للغائط والبول، بخلاف عبارة "التنبيه" و"المنهاج" فإنها خاصة بالبول.
وحكى الرافعي في (الشهادات) عن صاحب "العدة": أن التغوط في الطريق صغيرة 220، ولم يعترضه هو ولا النووي، فمال شيخنا في "المهمات" على أن مقتضى هذا كراهة البول، وتحريم الغائط، قال: لكن في شرحي "المهذب" و"مسلم" ظاهر كلام الأصحاب أنه نهي تنزيه، وينبغي تحريمه، وإليه أشار الخطابي 221.
91 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتحت مثمرة) 222 أي: سواء كان عليها ذلك الوقت ثمرة أم لا، لكن الكراهة عند عدم الثمرة أخف، وأشار في "الشرح الصغير" إلى أنها في الغائط أخف؛ لأنها تُرَى فَتُجْتَنَبْ، أو تغسل.
92 - قولهم -والعبارة لهما-: (ولا يتكلم) 223 أي: يكره حتى رد السلام، وهذا في غير موضع الضرورة، فإن رأى أعمى يقع في بئر، أو حية تقصد إنساناً .. لم يكره إنذاره، بل يجب.
وهذه المسألة من زيادة "المنهاج" على "المحرر" من غير تمييز، وقد نبه على زيادتها في "الدقائق" 224.
93 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولا يسننجي بالماء في مجلسه) 225 قال في "الروضة": (إلا في الأخلية المتخذة لذلك، فلا ينتقل فيها؛ للمشقة، ولبعد الهواء) انتهى 226.
وهذا لا يرد على "التنبيه" لما بيناه من أن الأحكام التي ذكرها آخراً مختصة بالصحراء.
94 - قول "الحاوي" [ص 128]: (ويستبرئ) أي: من البول، كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 227.
95 - قول "المنهاج" [ص 72]: (ويقول عند دخوله ... ثم قال: وعند خروجه) قد يوهم
الحديث: 90 - الجزء: 1 - الصفحة: 98
اختصاص ذلك بالبنيان، وليس كذلك، ولم يحكوا فيه الخلاف السابق في تقديم اليسرى، وتنحية ذكر الله.
96 - قول "التنبيه" [ص 17]: (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) الأحسن: أن يقال: (يرفع ثوبه شيئاً فشيئاً) كما عبر به في "الحاوي" 228، وقد تحمل عبارة "التنبيه" عليه، بمعنى: أنه لا يستكمل الرفع حتى يدنو، لا أن المراد: أنه لا يبتدئ الرفع حتى يدنو، فلو رفعه دفعة واحدة .. لم يحرم بلا خلاف، كما صرح به في "شرح المهذب" 229، لكنه في "نكت التنبيه" خرجه على كشف العورة في الخلوة، وكذا في "الكفاية" و" شرح المحب الطبري"، ومقتضاه: تصحيح تحريمه، وهو مردود؛ لأن الخلاف إنما هو في كشفها لغير حاجة؛ فإنهم أطبقوا على جواز الاغتسال عارياً مع إمكان الستر، ومراعاة رفع الثوب شيئاً فشيئاً أشق من التستر عند الاغتسال.
97 - قول "التنبيه" [ص 18]: (والاستنجاء واجب من البول والغائط) اعترض عليه: بأن التقييد بهما يخرج غيرهما من الرطوبات؛ ولهذا أطلق "المنهاج" وجوب الاستنجاء 230، وقيده في "الحاوي" بالملوث 231.
وأجاب عنه في "الكفاية": بأنها مفهومة من قوله: (وإن كان الخارج حصاة لا رطوبة معها .. لم يجب الاستنجاء في أحد القولين) 232 وهو أظهرهما، كما صرح به في "المنهاج" 233، ومثّل في "المحرر" بـ (الحصاة) 234 كما فعل في "التنبيه"، فعدل عنه في "المنهاج" إلى البعرة؛ ليبين أن المعتاد إذا خرج بلا رطوبة .. لا استنجاء منه، وحكاية "التنبيه" و"المنهاج" للخلاف قولين، هو المشهور، ونقله الرافعي عن الأكثرين 235، لكنه في "المحرر" و"الوجيز" -تبعاً للصيدلاني والجويني- وجهان 236.
98 - قولهما- والعبارة لـ"المنهاج"-: (أو حجر) 237 محله: في المخرج المعتاد، فلا
الحديث: 96 - الجزء: 1 - الصفحة: 99
يجزئ الحجر في الثقبة المنفتحة في الأصح، وكذلك قُبُلا المشكل، وقد استثناهما في "الحاوي" بقوله [ص 129]: (عن المعتاد، لا قُبُل المشكل)، لكن يرد عليهم جميعاً: الثيب إذا تحققت نزول البول إلى مدخل الذكر؛ كما هو الغالب .. فإنه لا يجزئ الحجر، فإن لم ينزل، أو شكت .. كفى الحجر في الأصح كالبكر.
ولم يذكر في "التنبيه" شروط الاستنجاء بالحجر، وهي:
ألاَّ تجف النجاسة، ولا تنتقل عن موضعها، ولا تطرأ نجاسة أجنبية.
وقد ذكر هذه الثلاثة في "المنهاج" و"الحاوي" 238، وأهملا شرطاً رابعاً، وهو: ألاَّ يكون الحجر مبلولاً.
ويجاب: بأن هذا مفهوم من الشرط الثالث؛ فإنه إذا كان الحجر مبلولاً .. تنجس بملاقاة المحل ونجس المحل.
99 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج": (وجمعهما أفضل) 239 مقتضاه: اطراد ذلك في الغائط والبول، وبه صرح سليم الرازي والغزالي وابن سراقة 240، لكن قال القفال في "محاسن الشريعة": (إن هذا مختص بالغائط) 241، وهو مقتضى تعليلهم استحباب الجمع: بأنه يستعمل الحجر أولاً لإزالة العين، ثم الماء لإزالة الأثر.
100 - قول "التنبيه" [ص 18]: (فإن اقتصر على الحجر .. أجزأه) زيادة إيضاح، فقد علم ذلك من قوله أولاً: (فإن أراد: الاقتصار على أحدهما .. فالماء أفضل) 242، وظاهر عبارته: تَعَيُّن الحجر، وليس كذلك، بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، كما صرح به في "المنهاج"، وهو مفهوم من كلام "الحاوي" 243، ونَفْيُ "التنبيه" بعد ذلك الاستنجاء بالمطعوم والمحترم دال عليه.
والتصريح بالجامد من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وأشار "الحاوي" إلى اشتراط كونه قالعاً بقوله [ص 129]: (لا قصب) لكنه لا يحتاج إلى ذكره؛ لفهمه من قوله أولاً: (قلع) مع ما في الاقتصار على القصب من إيهام عدم إلحاق الزجاج والحديد الأملس ونحوهما به.
101 - قول "الحاوي" [ص 129]: (وما كتِبَ عليه عِلمٌ) المراد: العلم المحترم،
الحديث: 99 - الجزء: 1 - الصفحة: 100
لا كالطب والفلسفة، كما نبه عليه في "المهمات".
ومفهومه: جوازه بجلد كتاب، ولا شك في منعه مع الاتصال، وأما بعد الفصل .. ففي "عنقود المختصر" للغزالي: منعه في جلد المصحف 244.
102 - قوله: (وجزئه المتصل به) 245 أي: فالمنفصل يصح الاستنجاء به إذا كان طاهراً، كذا قالوا، ومقتضاه صحته بيد الآدمي المنفصلة.
قال في "المهمات": (والقياس: المنع).
103 - قول "المنهاج" [ص 72]: (وجلد دُبغ دون غيره في الأظهر) اعترض عليه: بأنه كان ينبغي تقديم المنع الذي هو من أمثلة المحترم، فيقول: (فيمتنع بجلد طاهر غير مدبوغ دون كل مدبوغ في الأظهر) فإنَّ كلامه الآن كالمفلت؛ لأنه إن كان ابتداء كلامه .. فلا خبر له، وإن كان معطوفاً على (كل) وقرئ بالرفع .. فيكون الجلد المدبوغ قسيماً لكل جامد طاهر قالع غير محترم، فيكون غيره، والفرض أنه بعض منه، وكذا إذا قرئ بالجر عطفاً على مجرور (كلٍّ)؛ وإذ قَدَّم الجواز .. فكان ينبغي أن يقول: (ومنه جلد دُبغ) أي: من أمثلة هذا الجامد: جلدٌ دُبغ دون جلد غير مدبوغ طاهر في الأظهر.
104 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن كان الخارج دماً، أو قيحاً .. ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه إلا الماء، والثاني: يجزئه الحجر) الدم والقيح مثالان، فالقولان جاريان في كل نادر، كما صرح به في "المنهاج" 246، وأظهرهما: إجزاء الحجر، وقد صرح به في "المنهاج"، وهو مفهوم من "الحاوي" 247 حيث اعتبر كونه خارجاً غير معتاد، لا كونه معتاداً، لكن صحح في "شرح مسلم": تعين الماء 248.
ويستثنى من الدم: دم الحيض، فقال الرافعي: (إنه لا يمكن الاقتصار فيه على الحجر؛ فإن عليها غَسْلُ جميع بدنها) 249.
فلا فائدة في الحجر، وإليه أشار في "الحاوي" بقوله [ص 129]: (أو يوجب الغسل)، لكن قال في "الروضة": (صرح الماوردي وغيره بجواز الاقتصار على الحجر في دم الحيض) 250.
الحديث: 102 - الجزء: 1 - الصفحة: 101
وفائدته: فيمن انقطع حيضها، واستنجت، ثم تيممت لسفر أو مرض .. فإنها تصلي بلا إعادة، وجزم به في "التحقيق" 251، وفي "الكفاية" عن الروياني، عن الشافعي: جوازه للبكر دون الثيب 252، ووجَّهَهُ في "الكفاية": بأن الثيب يجب عليها الاستنجاء عما يبدو منها حال القعود، وإزالته بالحجر لا يمكن، بخلاف البكر لا يجب عليها الاستنجاء عما وراء العذرة، وإزالة النجاسة عن الظاهر بالحجر ممكنة.
وبحث شيخنا في "المهمات": أن الثيب يمكنها الاستنجاء بالحجر عن البعض، وهو ما ظهر منها، فينبغي تخريجه على ما إذا قدر على إزالة بعض النجاسة، والأصح: وجوبه.
105 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن انتشر الخارج إلى باطن الألية .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يجزئه الحجر) محل القولين: في الانتشار الزائد على العادة، كما صرح به في "المنهاج" 253، والمراد: عادة الناس، وقيل: عادته، ونقل المزني قولًا في مطلق الانتشار وإن لم يجاوز العادة 254، فغلَّطَه فيه الجمهور.
ومحل إجزاء الحجر: إذا لم يَتَقَطَّع، فإن تقطع .. تعين في المنفصل الماء وإن كان في باطن الألية، كما قيده في "الكفاية"، ونقله في "شرح المهذب" عن الصيدلاني 255، ومقتضى كلامهم: أنه إذا (تجاوز) 256 الألية .. تعين الماء في الجميع، وكذا هو في "الشرح" و"الروضة" وغيرهما 257، وفي "شرح المهذب" و"الكفاية" تقييده بغير المتقطع، فإن تقطع فصار بعضه باطن الألية وبعضه خارجها .. فلكل منهما حكمه 258، وهذان واردان على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا.
106 - قول "التنبيه" [ص 18]: (وإن انتشر البول .. لم يجزئه إلا الماء، وقيل: فيه قولان، أحدهما: يجوز فيه الحجر ما لم يجاوز موضع القطع) الأظهر: طريقة القولين، والأظهر منهما: الإجزاء.
107 - قولهما -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولو بأطراف حجر) 259 قال في "الكفاية": (أفهم
الحديث: 105 - الجزء: 1 - الصفحة: 102
نفي الإجزاء بحجر واحد استنجى به، ثم غسله ونشفه، واستعمله بعد ذلك، والأصح: الإجزاء).
ويجاب عنه: بأن هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.
108 - قول "المنهاج" [ص 72]: (وكل حجر لكل محله) لو قال: (كل مسحة لكل محله) كما في "المحرر" 260 .. لكان أحسن.
وظاهر كلام السبكي أن قوله: (وكل حجر) معطوف على قوله: (ثلاث مسحات) أي: يجب ذلك، ومال إليه شيخنا شهاب الدين بن النقيب؛ لئلا يلزم أن التعميم سنة، وهو واجب على الأصح، وجعله شيخنا جمال الدين معطوفًا على قوله: (إيتار)، فقال: تقديره: (ويسن الإيتار، وأن يكون كل حجر ... إلى آخره، قال: فنستفيد منه أن الخلاف في الاستحباب، ولا يستفاد ذلك من "المحرر") 261.
109 - قول "التنبيه" [ص 18]: (فإن استنجى بشيء من ذلك .. لم يجزئه) قد يفهم إجزاء الحجر بعده، وهو صحيح في غير الاستنجاء بالنجس إذا لم يَنْقُل النجاسة.
قال الماوردي: (وماء زمزم له حرمة، تمنع الاستنجاء به، ثم لو استنجى به .. أجزأه بالإجماع) 262.
110 - قوله: (ولا يستنجي بيمينه) 263 عطفًا على قوله: (ولا بما له حرمة) 264 يوهم التحريم، ويؤيده قوله في "المهذب" وفاقًا لجماعة: إنه لا يجوز 265.
والمشهور: الحل مع الكراهة.
قال في "شرح المهذب": (ويمكن تأويله: بأنه ليس مباحًا مستوي الطرفين) 266 ولا يستفاد من عبارة "المنهاج" و"الحاوي" كراهته باليمين؛ فإنهما إنما ذكرا سنيَّتَه باليسار، وقول "الحاوي" [ص 129]: (باليسرى) أحسن من قول "المنهاج" [ص 72]: (باليسار).
الحديث: 108 - الجزء: 1 - الصفحة: 103
بابُ الوضوء
111 - قول "التنبيه" [ص 15]: (نوى رفع الحدث) أُورِد عليه أمور:
أحدها: أن الأصح: أن دائم الحدث لا يكفيه الاقتصار على نية رفع الحدث، أورده في "التصحيح" 267، وقد يقال: هذا مفهوم من قوله في المتيمم: (وينوي استباحة الصلاة) 268، وهذا لا يرد على "المنهاج" و"الحاوي" لتصريحهما بالمسألة بعد ذلك 269.
ثانيها: قال في "الكفاية": (شمل كلامه ما لو اجتمع الحدثان أكبر والأصغر وقلنا بعدم الاندراج، والذي أورده الماوردي أنه لا يجزئ عن واحد منهما) 270.
قال النشائي في "نكته": (وصححه النووي في "التحقيق"، فكان حقه استدراكه) 271.
قلت: هذا استدراك على وجه ضعيف، وليس موضوع التصحيح ذلك.
ثالثها: أنه يقتضي أنه لو نوى رفع الحدث أكبر .. لا يجزئه، والأصح: الإجزاء، كذا صححه في "الكفاية" تبعًا للماوردي 272، لكن صحح صاحب "البيان": عدم الصحة 273، والمتجه: الفرق بين العامد والغالط، كما قاله المحب الطبري، وهو الموافق لقولهم: إن نوى غير ما عليه .. صح مع الغلط لا مع العمد، وقد تورد هذه على "الحاوي"، وقد يُدّعى دخولها في قوله: (أو غيرها غلطًا) 274، وقد يقال: تصحيح "الكفاية" لا ينافي كلام الشيخ؛ فإن تقييد الحدث بالأكبر لا ينافي إطلاقه.
رابعها: أنه يخرج ما لو نوى من عليه أحداث رفع أحدها، والأصح: صحته؛ ولذلك عدل في "المنهاج" عن عبارة "المحرر" 275، وهي مثل عبارة الشيخ إلى قوله: (رفع حدث) بالتنكير؛ ليتناول هذه الصورة كما نبه عليه في "الدقائق" 276، وهو متناول للصورة قبلها، فلا ترد عليه إن وافق على تصحيح "الكفاية"، وإلا .. وردت عليه، وقد يقال: من نوى حديثًا معينًا .. فقد نوى
الحديث: 111 - الجزء: 1 - الصفحة: 104
رفع الحدث؛ لأن الحدث لا يتجزأ، وصرح بهذا الفرع في "الحاوي" 277.
خامسها: أنه يخرج ما لو نوى غير ما عليه، والأصح: الصحة مع الغلط دون العمد، فترد على عبارة "التنبيه" صورة الغلط، وعلى عبارة "المنهاج" صورة العمد؛ لتناول لفظه لها مع عدم الصحة فيها، وصرح بالمسألة في "الحاوي" 278.
سادسها: أنه يخرج ما لو نوى رفع الحدث والتبرد، والأصح: الصحة، كذا أورده في "الكفاية"، ولو ادعى تناوله .. لم يَبْعُد؛ فإنه لا ينافي المذكور؛ لحصوله مطلقًا.
سابعها: أنه يخرج ما إذا فرق النية على الأعضاء فنوى عند كل عضو رفع الحدث عنه، والأصح: الصحة، كذا أورده في "الكفاية"، وصرح بهذه المسألة والتي قبلها في "المنهاج" و"الحاوي" 279، ويصح أن يقال: (نوى رفع الحدث مطلقًا، ونوى رفع الحدث عن كل عضو عضو).
أورد هذه الإيرادات الستة في "الكفاية".
112 - قول "المنهاج" [ص 73]: (أو استباحة مفتقر إلى طهر) لو قال: (إلى وضوء) كما في "الحاوي" 280 .. لكان أولى؛ لأن القراءة والمكث في المسجد مفتقران إلى طهر، وهو الغسل، مع أنه لا يصح الوضوء بنية استباحتهما, ولا يَرِدُ هذا على قول "التنبيه" [ص 15]: (أو الطهارة لأمر لا يستباح إلا بالطهارة؛ كمس المصحف) لأن تمثيله يخرج القراءة ونحوها، وأيضًا: تعريف الطهارة مشعر بالعهد، وهو الوضوء المعقود له الباب، بخلاف التعبير يطهر مُنَكَّر، ولا تمثيل معه بعينه للوضوء.
113 - قول "المنهاج" [ص 73]: (أو أداء فرض الوضوء) يكفي أيضًا: (أداء الوضوء) بإسقاط لفظة (فرض)، و: (فرض الوضوء) بإسقاط لفظة (أداء)، فلو أسقط أحدهما .. لكان أحسن، ويفهم الصحة مع جمعهما من طريق الأولى، وقد يقال: إسقاطة لفظة (فرض) أولى كما في "الحاوي" حيث قال [ص 124]: (أداء الوضوء) لأن الإتيان بلفظة (فرض) يخص قصد ما هو فرض، فلا يشمل مسنونات الوضوء؛ كالمضمضة والاستنشاق ونحوهما، وهذا الإشكال يتوجه أيضًا على نية رفع الحدث؛ فإنه لا يتوقف على السنن, فلم تشمله النية.
وقد يجاب: بدخولها تبعًا؛ كنية فرض الظهر، على أن النووي صحح في "شرح المهذب"
الحديث: 112 - الجزء: 1 - الصفحة: 105
و"التحقيق": إجزاء نية الوضوء فقط 281، فعلى هذا لو حذف "المنهاج" اللفظتين و"الحاوي" لفظة أداء .. لكان أولى، والله أعلم.
114 - قول "التنبيه" [ص 15]: (أو الطهارة للصلاة) وفي "الحاوي" [ص 124]: (الطهارة عن الحدث) ومقتضاهما: أنه لا يكفي نية الطهارة فقط، وهو ما صححه النووي 282، وكلام الرافعي يقتضي الصحة؛ فإنه قال: (ينوي رفع الحدث أو الطهارة عنه، فإن أطلق .. كفى) انتهى 283.
وأسقط من "الروضة" قوله: (فإن أطلق .. كفى) 284.
115 - قول "التنبيه" [ص 15]: (النية عند غسل الوجه) أي: أول غسل الوجه، فلو عزبت بعد ذلك .. لم يضره، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 73]: (بأول الوجه) وفيه إضمار تقديره: بأول غسل الوجه أو بغسل أول الوجه، والأول هو الموافق لتعبير "الحاوي" بقوله [ص 123]: (بأوله) أي: بأول الغسل، وهو أولى من الثاني، إذ لا أول للوجه، وقال بعضهم في توجيه كونه أولى: لأن الثاني يقتضي تعين النية عند أول الوجه، وهو منابت شعر الرأس أو غيره من أطرافه، ولا شك أنه يكفي اقترانها بأول جزء مغسول منه ولو كان وسطه؛ كالأنف.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ويخدش التعبيرين معًا أنه لو ابتدأ بغسله من أوله ثم نوى عند وصوله إلى وسطه .. فإنه لم ينو عند أول غسله ولا عند غسل أوله مع أن نيته صحيحة قطعًا، غايته: أنه يجب إعادة ما غسله منه قبل النية، فلا مخلص إلا أن يقول: ويجب قرنها بغسل جزء من الوجه، ثم يجب غسل باقيه) 285.
قلت: الموضع الذي نوى عنده هو أول الغسل الشرعي، وما قبله ليس مغسولًا عن وضوء، بل يجب غسله مرة أخرى، فكأنه غير مغسول بالكلية؛ لأن الكلام في الغسل عن الوضوء، والله أعلم.
ثم إن هؤلاء الثلاثة إنما تكلموا على وقتها الواجب، فلو قارنت أول الوجه .. لم يُثَب على ما قبله من السنن في الأصح، ولو اقترنت بسنة من سننه المتقدمة، ثم عزبت قبل الوجه .. لم يصح وضوءه في الأصح.
قال النووي: (إلا أن ينغسل شيء من حمرة الشفة مع المضمضة إن قصد به غسل الوجه، وكذا إن لم يقصد في الأصح، ويحتاج إلى غسل ذلك الجزء في الأصح) 286.
الحديث: 114 - الجزء: 1 - الصفحة: 106
فالأكمل: أن ينوي عند أول السنن ويستصحبها ذكرًا إلى أول غسل الوجه.
116 - قول "التنبيه" [ص 15]: (وهو ما بين منابت شعر الرأس ومنتهى اللحيين والذقن طولًا) فيه أمور:
أحدها: قال في "الكفاية": (أي: المعتادة؛ ليدخل الغمم ويخرج الصلع) ولهذا قال في "المنهاج" [ص 73]: (غالبًا)، وقال في "الإقليد" تبعًا للإمام: (إنما تلزم هذه الزيادة -يعني: قوله: "غالبًا"- لمن قال: من الشعر، أما من قال: من منابت شعر الرأس .. فلا؛ فإن منابت الرأس معلومة، أنبتت أم لم تنبت، جاوزها الشعر أو وقف عندها) انتهى.
وهو الحق، فمنبت موضع النبات، كما أن الأرض منبت بمعنى الصلاحية إن لم يكن فيها نابت، وهذا شأن مَفْعِلْ، فقيد "المنهاج" غير محتاج إليه.
ثانيها: أن مقتضاه: أن منتهى اللحيين ليس من الوجه، وليس كذلك، بل ما أقبل منهما من الوجه، إلا أن يريد بمنتهاهما: ما يليهما من جهة الحنك، كما قال الرافعي 287.
ثالثها: أنه يشعر بمغايرة منتهى اللحيين للذقن مع أنهما شيء واحد، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 73]: (ما بين منابت رأسه غالبًا ومنتهى لحييه)، ويرد عليه الإيراد الثاني على "التنبيه"، وأن قوله: (غالبًا) غير محتاج إليه كما تقدم، بل لا معنى له؛ فإن منابت شعر رأسه شيء موجود لا غالب فيه ولا نادر، وإنما يصح الإتيان بقوله: (غالبًا) لو عبر بالرأس من غير إضافة، كما فعل غيره.
وعبر "الحاوي" بقوله [ص 123]: (ما بين الرأس ومنتهى الذقن واللحيين) فاستغنى عن التقييد بالغالب، بل استحال معه ذلك مع الاختصار، وورد عليه الإيرادان الأخيران على "التنبيه"، وهنا تنبيهات:
أحدها: المراد بالغسل هنا: الانغسال، ولا يشترط أن يغسله المتوضئ، وكذا الحكم في باقي الأعضاء.
ثانيها: المراد: ظاهر هذا المحدود؛ فإنه لا يجب غسل داخل العين والفم والأنف.
ثالثها: لا بد مع ما ذكره من غسل ما يتحقق به استيعاب الوجه، وهو جزء من الرأس والرقبة وما تحت الذقن، كما في "الروضة" عن الأصحاب 288.
117 - قول "المنهاج" [ص 73]: (وكذا التحذيف في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (في الأظهر) كما في "المحرر" 289 لأن الخلاف قولان:
الحديث: 116 - الجزء: 1 - الصفحة: 107
نقل الإِمام عن النص: أنه من الوجه 290، ونقل أبو إسحاق عن "الإملاء": أنه من الرأس 291. وقال في "شرح المهذب": (اتفق الأصحاب على حكايتهما وجهين وهما قولان) 292.
ونقل الرافعي في "شرحيه" عن الأكثرين: أنه من الرأس، خلاف ما صححه في "المحرر" 293 ولذلك مشى عليه في "الحاوي" 294، واستدركه في "المنهاج"، فقال [ص 73]: (قلت: صحح الجمهور: أن موضع التحذيف من الرأس، والله أعلم) 295.
118 - قول "المنهاج" [ص 73]: (لا النزعتان) وفي "المحرر": (لا الصلع والنزعتان) 296 فكان ينبغي ذكره؛ لأن الضابط كما أدخل الغمم أخرج الصلع، فلا وجه لذكر أحدهما دون الآخر، وقد ذكره في "الحاوي"، فقال [ص 123]: (والصلع وجانبيه) وهما النزعتان.
119 - قول "التنبيه" [ص 15]: (إلا الحاجب والشارب والعنفقة والعذارين؛ فإنه يجب غسل ما تحتها وإن كثف الشعر عليها) فيه أمور:
أحدها: هذا الاستثناء من قوله: (وإن كان عليه شعر كثيف .. لم يلزمه غسل ما تحته) 297، وفصل ما بين المستثنى والمستثنى منه بقوله: (ويستحب أن يخلل الشعور كلها) 298، وقال المحب الطبري: الأظهر: أنه من قوله: (ويستحب أن يخلل الشعور) فهو استثناء متصل؛ لقربه، وفي بعض النسخ حذف (الشعور)، فإن أضمرناها .. فهو متصل، وإن أضمرنا اللحية الكثيفة .. فالظاهر: أنه متصل أيضًا؛ لأنها اسم للشَّعر، وقيل: منفصل؛ لأنها اسم لشعر مخصوص، وذكر ابن يونس في "التنويه": (أن الذي في غالب نسخ "التنبيه": "وتخليل اللحية إلا الحاجب ... إلى آخره"، قال: وحذفناه؛ لأنه استثناء منقطع؛ إذ ليس الحاجب وأخواته من اللحية، فهو كقولك: جاءني الناس إلا حمارًا) انتهى.
وما حكاه من لفظ الشيخ لم نره في شيء من النسخ.
ثانيها: أورد عليه في "التصحيح" شعورًا أُخَر بلفظ الصواب، فقال: (والصواب: وجوب غسل ما تحت الشعر الكثيف على الخد، وما تحت لحية المرأة والخنثى، والأهداب،
الحديث: 118 - الجزء: 1 - الصفحة: 108
وما عم الجبهة، وكذا بعضها في الصحيح) انتهى 299.
قال شيخنا جمال الدين في "تصحيحه": (تعبيره بالصواب ممنوع؛ ففي "الروضة": فيهن وجهان) 300.
وقال في "المهمات": (إن الإيجاب مشكل؛ لأنها وإن كانت نادرة لكنها دائمة، وقاعدتنا: أن النادر الدائم كالغالب، قال: وهذا البحث لا يأتي في لحية المرأة؛ لأنه يستحب لها حلقها) انتهى.
وأيضًا: فهذه الأمور مفهومة مما ذكره الشيخ؛ لأنها في معناها في ندرة الكثافة، ذكره في "الكفاية".
وذكر منها في "المنهاج" مع الأربعة المذكورة في "التنبيه": شعر الخد، والأهداب 301، فبقى عليه: الغمم، ولحية المرأة والخنثى.
والتصريح بالخد من زيادته على "المحرر" من غير تمييز، ونقل النشائي في "نكته" الخلاف في الغمم إذا عَمَّ عن "الكفاية" 302، وهو قصور؛ فإنه في "الشرح" و"الروضة" كما تقدم 303.
وقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (كذا صرح بمسألة الغمم في "تصحيح التنبيه"، ولم أره في غيره إلا بالنسبة إلى أصل الغسل، وأما بالنسبة إلى غسل البشرة تحته وإن كثف .. فلم أره، ووجهه ظاهر؛ لأن أصل النبات نادر، فما ظنك بالكثافة؟ ) انتهى 304.
ومراده: التصريح بذكره، وإلا .. فهو داخل في كلامهم؛ لأنهم قسموا الشعور الحاصلة في حد الوجه إلى نادرة الكثافة، وغيرها.
قال في "الروضة": (فالنادرة؛ كالحاجبين والأهداب والشاربين والعذارين، فيجب غسل ظاهر هذه الشعور وباطنها مع البشرة تحتها وإن كثفت، ولنا وجه شاذ: أنه لا يجب غسل منبت كثيفها) 305.
هذه عبارة "الروضة"، وهي شاملة للغمم في الفتوى وفي الوجه الشاذ، وهذه الأمور المذكورة أمثلة، وكان هذا عذر النسائي في نقل الخلاف عن "الكفاية" -أعني: عدم التصريح به
الجزء: 1 - الصفحة: 109
في "الروضة"- وليس بعذر؛ فإنه لم يصرح في "الروضة" بالخد أيضًا.
ثالثها: ذكر الشارب مفردًا، وكذا فعل في "المنهاج" تبعًا للجمهور 306، وفي "الشرح" و"الروضة" تبعًا للغزالي بالتثنية 307، وكلاهما في "الأم" 308، فقيل: أراد: شعر الشفتين، وقيل: ما على جانبي العليا؛ لأن ما على السفلى عنفقة.
120 - قول "المنهاج" [ص 74]: (شعرًا وبشرًا) أُورِد: أنه كان ينبغي إسقاط (شعرًا)، ويقول: (وبشرتها) أي: بشرة جميع ذلك، فقوله: (شعرًا) تكرار؛ فإن ما تقدم اسم لها لا لمنابتها، وقوله: (وبشرًا) غير صالح لتفسير ما تقدم.
وأجيب: بأنه ذكر الخد أيضًا، فنص على شعره كما نص على بشرة ما ذكره من الشعر.
121 - قوله: (وقيل: لا يجب باطن عنفقة كثيفة) 309 أي: ولا بشرتها, ولو قال: (وقيل: عنفقة كلحية) .. لكان أشمل وأخصر، وقيل بطرده في الجميع، وقد تقدم.
122 - قوله: (واللحية إن خَفَّتْ كَهُدْبٍ، وإلا .. فليغسل ظاهرها) 310 فيه أمران:
أحدهما: في معنى اللحية: العارضان، ولم يصرح به في "الحاوي".
ثانيهما: المراد: لحية الرجل؛ لتخرج لحية المرأة والخنثى، كما تقدم بيانه، وعنه احترز في "الحاوي" بقوله [ص 123]: (لحية الرجل).
123 - قول "التنبيه" [ص 15]: (وفيما نزل من اللحية عن الذقن قولان، أحدهما: يجب إفاضة الماء على ظاهره، والثاني: لا يجب) فيه أمور:
أحدها: الخلاف جار في الخارج عن حد الوجه من الشعور الخفيفة؛ كالعذار والعارض والسبال إذا طال، وهذا يرد أيضًا على قول "الحاوي" [ص 123]: (وظاهر اللحية النازلة).
ثانيها: لم يبين أظهر القولين، وهو الوجوب.
ثالثها: قوله: (على ظاهره) تأكيد؛ لأن الإفاضة: إمرار الماء على الظاهر، كما نقله الرافعي عن اصطلاح المتقدمين 311، وقد سلم "المنهاج" من هذه الأمور؛ حيث قال [ص 74]: (وفي قول: لا يجب غسل خارج عن الوجه) لكنه متناول لظاهرها وباطنها، مع أن الخلاف إنما
الحديث: 120 - الجزء: 1 - الصفحة: 110
هو في الظاهر فقط، ولا يجب غسل الباطن قطعًا، كما صرح به الرافعي 312، فكان ينبغي أن يعبر بالإفاضة؛ كما فعل في "التنبيه"، أو بغسل الظاهر.
رابعها: أن الإِمام وغيره ذكروا أن هذا الخلاف خاص بالكثيف، أما الخفيف: فالخلاف في ظاهره وباطنه 313، وصوَّبه في "شرح المهذب"، قال: (وكلام الباقين -يعني من أطلق- محمول عليه) 314، واستبعد قوله في "البسيط": هل تجب الإفاضة على ظاهره خفيفًا كان أو كثيفًا؟ قولان.
وهذا وارد على "الحاوي" أيضًا، وأما "المنهاج": فإنه لم يقيد الخلاف في الخارج عن حد الوجه بظاهره كما تقدم، فتناول كلامه باطنه أيضًا، لكنه لا يستقيم مع الكثافة؛ فإن الخلاف في باطنه إنما هو مع الخفة كما تقرر، فالإيراد لازم له أيضًا.
124 - قول "التنبيه" [ص 15]: (فإن كان أقطع من فوق المرفق .. استُحِب أن يمس الموضع ماء) فيه أمران:
أحدهما: قد يفهم من لفظ الإمساس: المسح، وبه صرح المحاملي في "لبابه" فعد المسحات تسعًا منها هذا 315، لكن المراد به: الغسل، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث التيمم: "فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ" 316.
ثانيهما: قد يفهم من التقييد بالأقطع: أنه لا يستحب لغيره التحجيل، وبه قال المزني 317، لكنه مستحب مطلقًا؛ للأحاديث الصحيحة, والتقييد إنما هو لنفي وجوب الغسل.
125 - قول "المنهاج" [ص 74]: (أو من مرفقيه .. فرأس عظم العضد على المشهور) تبع "المحرر" و"الشرح الصغير" في طريقة القولين 318، ورجح في "الروضة": طريقة قاطعة بالوجوب، أدرج ترجيحها في كلام الرافعي، وليس فيه ترجيحها 319.
126 - قول "الحاوي" [ص 124]: (وما يحاذيها من يد زائدة) قال الرافعي: (صار كثير من المعتبرين إلى أنه لا يجب غسل المحاذي) 320، وقال في "الشرح الصغير": (وهو قوي).
الحديث: 124 - الجزء: 1 - الصفحة: 111
127 - قول "المنهاج" [ص 74]: (الرابع: مسمَّى مسح لبشرة رأسه، أو شعر في حده) قد يفهم من هذه العبارة: وجوب مسح جميع الرأس؛ فإن قوله: (بشرة رأسه) حقيقة في جميعها، ويكون المستفاد من قوله: (مسمَّى مسح): أن المعتبر: أن يكون وصول الماء إلى الرأس بطريق المسح لا بطريق غيره، وهذا ليس المراد بلا توقف، بل المراد: وجوب مسح أقل جزء من بشرة رأسه أو شعره، فلو قال: (مسمَّى مسح لبعض بشرة رأسه) .. لكان أحسن.
128 - قوله -عطفًا على (الأصح) -: (ووضع اليد بلا مَدٍّ) 321 عبر في "الروضة" بالصحيح 322، وبينهما في اصطلاحه تفاوت، والمراد: وضعها مبلولة، فقول "الحاوي" [ص 124]: (أو بله) أحسن منه؛ لإفصاحه بالمراد، وقد ترد هذه المسألة على قول "التنبيه" في فروض الوضوء [ص 16]: (ومسح القليل من الرأس) لأن هذا البل ليس مسحًا، وقد يرد عليه أيضًا: غسل الرأس، وقد صرح بها في "المنهاج" و"الحاوي" 323.
وقد يجاب عن الغسل: بأنه مسح وزيادة.
129 - قول "التنبيه" [ص 15]: (فيبدأ بمقدم رأسه، ويذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه) هذا فيمن له شعر ينقلب، فلو لم يكن له على رأسه شعر، أو كان ولكنه لطوله لا ينقلب .. لم يسن العود، فلو عاد .. لم يحسب ثانية، كما ذكره البغوي 324، وتبرك الشيخ بلفظ الخبر؛ ولأن الغالب وجود شعر ينقلب.
130 - قول "المنهاج" [ص 74]: (أو شعر في حده) هو معنى قول "الحاوي" [ص 124]: (لم يخرج بالمد عنه) والمراد: أنه لا يخرج بالمد عن حد الرأس من جهة النزول إلى الرقبة والمنكبين، لا من جهة العلو؛ فإن الجميع يخرج بذلك.
131 - قولهما: (وغسل الرجلين) 325 أي: لمن ليس لابس خف، كما صرح به في "الحاوي" 326.
132 - قول "التنبيه" [ص 16]: (والترتيب) زاد "الحاوي" [ص 126]: (أو إمكانه في غسل بنية رفع الحدث أو الجنابة)، وتبع في ذلك الرافعي في "شرحيه" و"محرره" 327، وصححه
الحديث: 127 - الجزء: 1 - الصفحة: 112
السبكي، وصحح في "المنهاج": الصحة وإن لم يمكن الترتيب؛ بأن لم يمكث، وكذا فعل في "الروضة" وغيرها من كتبه 328، وهنا أمور:
أحدها: يستثنى من الخلاف: الوجه، فيرتفع الحدث عنه قطعًا أمكن الترتيب أم لم يمكن إذا قارنته النية.
ثانيها: مقتضى كلام "الحاوي": ارتفاع الحدث بنية الجنابة سواء غلط أو تعمد، وهو مقتضى كلام الرافعي والنووي 329، لكنه مخالف لما تقدم من أنه إذا نوى غير ما عليه عمدًا .. لا يصح، وقد صور المسألة بالنسيان القاضي حسين في "شرح فروع ابن الحداد" والبغوي 330، ومقتضاه: عدم الصحة مع العمد، واختاره السبكي، فليحمل كلامهم عليه.
ثالثها: أطلق "التنبيه" وجوب الترتيب، واستثنى منه في "المنهاج": صورة الغسل كما تقدم، وضم إليها "الحاوي": ما إذا انضم إلى الأصغر جنابة .. فيسقط الترتيب، والحق: عدم استثنائه؛ لأن الساقط هنا: الوضوء لا ترتيبه.
وضم غيرهما إليهما صورًا:
الأولى: إذا غسل جنب بدنه إلا رجليه ثم أحدث، وقلنا بالاندراج، وهو الأصح .. وجب غسل الرجلين عن الجنابة، والأعضاء الثلاثة عن الحدث، ويجب ترتيب الثلاثة، وله تقديم الرجلين على الأصح فيهما.
الثانية: إذا شك هل الخارج من ذكره مني أو مذي؟ وقلنا: فرضه الوضوء .. ففي وجوب الترتيب وجهان، صحح الغزالي: وجوبه 331، والجويني: مقابله 332.
الثالثة: إذا أولج مشكل ذكره في دبر آدمي .. انتقض وضوء المولج فيه بالإخراج، وهل يلزمه ترتيب الوضوء؟ فيه وجهان، وكذا يلزم المولج غسل أعضاء الوضوء؛ لأنه إن كان امرأة .. فقد أحدث، أو رجلًا .. فقد أجنب، وفي الترتيب وجهان.
رابعها: قول "المنهاج" [ص 74]: (فالأصح: أنه إن أمكن تقدير ترتيب) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح 333.
خامسها: عبر في "المحرر" بقوله: (وإن لم يمكن؛ بأن خرج في الحال أو غسل
الجزء: 1 - الصفحة: 113
الأسافل قبل الأعالي .. فلا يجزئه) انتهى 334.
وتقديم غسل الأسافل لا يفهم من عبارة "المنهاج" ولما استدركه عليه .. قال: (الأصح: الصحة بلا مكث) 335، وذلك إنما يفهم مسألة الخروج في الحال، وظاهره: الموافقة على تصحيح المنع في الغسل منكوسًا، ونقل تصحيحه في "شرح المهذب" عن اتفاق الأصحاب، وصححه في "التحقيق" 336.
133 - قولهم: (السواك عرضًا) 337 يقتضي ألا تتأدى السنة به طولًا، ونقله الرافعي عن جماعة منهم المتولي، قال الرافعي: وعلى هذا هو متعين لتحصيل هذه السنة، ونقل عن الإِمام الغزالي: أنه يستاك طولًا وعرضًا، فإن اقتصر .. فالعرض أولى 338، وعبارة "التحقيق" توافقه؛ فإنه قال: (وأفضله: بأراك وبيابس نُدّي، وعرضًا) انتهى 339.
فظاهره: تأدي أصل السنة بالطول، ولكن العرض أولى، والمراد: عرض الأسنان في طول الفم.
ويستثنى من ذلك: اللسان، فيستاك فيه طولًا، كما ذكره الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة"، واستشهد له بحديث في سنن أبي داوود 340.
134 - قول "المنهاج" [ص 74]: (بكل خشن، إلا إصبعه في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أن هذه زيادة على "المحرر" من غير تمييز.
ثانيها: أنه فرض الخلاف في إصبعه، ومقتضاه: الإجزاء بإصبع غيره قطعًا، وبه صرح في "الدقائق" و"شرح المهذب" 341، لكنه في "الروضة" و"التحقيق" و"شرح مسلم" وغيرها أطلق الخلاف 342.
ثالثها: مقابل الأصح وجهان:
أحدهما: الجواز مطلقًا، واختاره النووي 343.
الحديث: 133 - الجزء: 1 - الصفحة: 114
والثاني: الجواز إن لم يجد غيرها، وأطلق "الحاوي" السواك بخشن، ولم يستثن هذه الصورة (1).
رابعها: يدخل في الخشن: المبرد، قال الشيخ تاج الدين بن الفركاح في "تعليقه على الوسيط": وقد نصوا على كراهية استعماله، قال: والجواب: أن قوله: (خشن) في الحقيقة احتراز عن المبرد؛ فإنه يزيد على قلع القلح .. قلع جزء من السن, فالمراد: مزيل القلح وحده.
وقال بعضهم: قيد الوَحْدَة غير موجود في اللفظ، فالأولى: الجواب: بأن كراهة استعماله للأذى لا يوجب كون السواك لا يحصل به، بل نقول: المستاك بالمبرد مؤدّ سنة السواك مرتكب مكروها من جهة الأذى.
وقد قالوا: آلَتُه: قضبان الأشجار، ومن جملتها قضبان الرمان والريحان، وقال العراقي في "شرح المهذب": (قيل: إنها مضرة، فإن صح .. كرهت للضرر).
تَنْبيه [يستحب السواك في جميع الحالات]
ذكر في "التنبيه" استحباب السواك للصلاة وتغيير الفم 345، زاد "المنهاج" و"الحاوي": الوضوء 346، وزاد "الحاوي": قراءة القرآن 347، وبقي عليهم جميعًا: اصفرار الأسنان، صرح الأصحاب باستحباب السواك في جميع الحالات، وتأكده في هذه الحالات الخمسة، وزاد النووي: الاستيقاظ من النوم، ودخول المنزل 348، وذكر أبو حامد العراقي في "الرونق": إرادة النوم، وليس في كلام هؤلاء الثلاثة استحبابه مطلقًا.
واعترض في "الكفاية" على "التنبيه": بأن مفهومه أنه ليس سنة في غير الحالين، فكلامه مُنَزَّلٌ على تفسير السنة: بما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكره القاضي حسين والبغوي 349، وقال غيره: إنما أراد: إيضاح مراد الشافعي فيما نقله المزني؛ حيث قال: (قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال يتغير فيه الفم) 350 ففهم القاضي تخصيص344
الجزء: 1 - الصفحة: 115
الاستحباب باجتماع السببين، وقال: أحدهما كافٍ، فصرح الشيخ بإفراد السبب؛ دفعًا لتوهم غيره اجتماعهما في كلام الشافعي، لا لنفي ما عداهما؛ ولهذا قال البغوي في "التهذيب": (السواك مستحب في جميع الأحوال، وهو في حالتين أشد استحبابًا: عند القيام إلى الصلاة وإن لم يكن الفم متغيرًا، وعند تغير الفم وإن لم يرد الصلاة) انتهى 351.
ويمكن إدراج اصفرار الأسنان في قول "التنبيه" [ص 14] و"المنهاج" [ص 74]: (تغير الفم) لأنه أعم من تغير الرائحة واللون، لكن لا يمكن إدراجه في كلام "الحاوي" لتعبيره بتغير النكهة.
135 - قول "التنبيه" [ص 14]: (ويكره للصائم بعد الزوال) لا يستفاد منه نفي الكراهة في غير هذه الحالة، بخلاف قول "المنهاج" [ص 74]: (ولا يكره إلا للصائم بعد الزوال) فإن قلت: فيستفاد من عبارة "المنهاج" استحبابه مطلقًا .. قلت: لا؛ فإنه لا يلزم من نفي الكراهة إثبات الاستحباب، واختار النووي: عدم الكراهة مطلقًا 352، واختاره قبله ابن عبد السلام وأبو شامة، ونقله الترمذي في "جامعه" عن الشافعي 353.
وذكر الماوردي: أن الشافعي لم يحد الكراهة بالزوال، وإنما ذكر العَشِيَّ، فحده الأصحاب بالزوال 354.
قال أبو شامة: (ولو حدوه بالعصر .. لكان أولى؛ لما في "سنن الدارقطني": عن أبي عمر كيسان القصاب، عن يزيد بن بلال مولاه، عن علي قال: (إِذَا صُمْتُمْ .. فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ ... ) الأثر 355، وفي "سنن البيهقي": عن عطاء، عن أبي هريرة: (لَكَ السِّوَاكُ إِلىَ الْعَصْرِ فَإذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ .. فَأَلْقِهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ") 356.
136 - قول "التنبيه" [ص 14]: (ويكتحل وترًا) أي: في كل عين ثلاثًا، وقيل: وترًا في الكل؛ ثلاثًا في اليمين ومرتين في اليسار، وكان الشيخ أحال معرفة العدد على المعهود؛ فإن الوتر أعم من ذلك، ولعله تبرك على عادته بلفظ الحديث، وهو: "مَنِ اكْتَحَلَ .. فَلْيُوتِرْ" 357.
الحديث: 135 - الجزء: 1 - الصفحة: 116
137 - قوله: (ويقلم الظفر، وينتف الإبط، ويحلق العانة) 358 يستثنى من ذلك: مريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة؛ فإن السنة: ألا يزيل شعره ولا ظفره حتى يضحي، كما ذكره في بابه، وحلق العانة إنما هو في حق الرجل، أما المرأة: فالمستحب لها: النتف، قال بعضهم: والظاهر: أن الخنثى مثلها.
138 - قول "المنهاج" [ص 75]: (والتسمية أوله) أي: أول الوضوء، مقتضاه: تقديمها على السواك أو مقارنتها له، وقد صرح جماعة بتقديم السواك عليها.
قال المارودي في "الإقناع": (يبدأ بعد الاستنجاء والسواك، فيقول: بسم الله، ثم يغسل كفيه) 359.
وقال الغزالي في "الإحياء": (إذا فرغ من الاستنجاء .. ابتدأ بالسواك، فإذا فرغ منه .. جلس للوضوء، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم) 360.
وهو المفهوم من تقديم "المنهاج" السواك في الذكر على التسمية، وبه قال القفال الشاشي 361، واختار ابن الصلاح: أن السواك عند المضمضة، وصرح الرافعي بأنه قبلها؛ فإنه قال: (فيما قبل المضمضة -كغسل اليدين والسواك والتسمية- هل هي من السنن أم لا؟ خلاف) 362.
وذكر بعضهم: أن كلام ابن الصلاح لا ينافيه؛ لأن كونه عندها لا ينافي كونه قبلها ملاصقًا لها، قال: وإنما قال "المنهاج": (أوله) لأن المضمضة أول الوضوء، والتسمية عنده، والسواك ليس من الوضوء نفسه وإن كان من سننه، فلا يقتضي أنه يتأخر، فاندفع الإيهام.
139 - قول "الحاوي" [ص 126]: (وإن نسي .. ففي الوسط) فيه أمران:
أحدهما: عبر -تبعًا للرافعي- بالنسيان، وهي عبارة الشافعي والجمهور 363، ومقتضاها: أنه لو تعمد تركها أولًا .. لم يأت بها.
وتردد فيه الرافعي، وقال: (فيه احتمال) 364، وتعجب منه النووي، وقال: (صرح المحاملي والجرجاني وغيرهما بالتدارك مع العمد أيضًا) 365.
الحديث: 137 - الجزء: 1 - الصفحة: 117
فلذلك عبر في "المنهاج" بقوله [ص 75]: (وإن ترك) ليتناول العمد أيضًا.
ثانيهما: قد يفهم من قوله: (ففي الوسط) أنه لو تذكر بعد مضي أكثر الوضوء .. لا يتدارك، فتعبير "المنهاج" بقوله [ص 75]: (ففي أثنائه) أولى.
140 - قول "التنبيه" [ص 15]: (فإن كان قد قام من النوم .. كره له أن يغمس كفيه في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثًا) فيه أمور:
أحدها: قال النووي في "التصحيح": (الصواب: أنه إذا تيقن طهارة يده .. لم يكره غمسها في الإناء) 366.
وقال شيخنا الإِمام جمال الدين: (ليس كما ادعاه من نفي الخلاف؛ ففي "الشرحين" و"الروضة" وغيرهما: حكايته وجهين، ثم إن الخلاف قوي؛ لأنه عبر بالأصح) 367.
وسبقه إلى هذا الاعتراض السبكي، لكن اعتُرِض عليه 368: بأن الأكثرين إنما حكوا الخلاف في الاستحباب، منهم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي وابن الصباغ والإمام والبغوي والجرجاني والغزالي 369، وعليه جرى النووي في "شرحي المهذب والوسيط"، وفي "التحقيق" 370، وذكر المسألة بعدها في "التصحيح"، فقال: (ولا استحباب أيضًا في تقديم [غمسها على الغسل] 371 على الصحيح) 372، وعليه جرى ابن الرفعة، فلعل النووي يرى أن الخلاف في الاستحباب فقط، فتعبيره في نفي الكراهة بالصواب على رأيه صواب.
وقد قال السبكي: (إثبات الكراهة لكل متيقن سواء قام من النوم أم لا، لا وجه له، ولا أظنه يثبت نقله، قال: نعم؛ قد يقال بها في المستيقظ من النوم فقط، تمسكًا بعموم اللفظ) انتهى.
وأجيب عن "التنبيه": بأنه تبرك بلفظ الحديث على عادته، وقد قال العلماء -ومنهم النووي في شرح المهذب-: ذكر النوم ليس على سبيل الاشتراط، وإنما ورد على سبب كما قال الشافعي، وهو: أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار، فلم يأمن النائم منهم أن تطوف يده على محل النجو فتتنجس؛ لأن محل النجو إنما عفي عنه بالنسبة إلى الصلاة حتى لو انغمس المستجمر فيما
الحديث: 140 - الجزء: 1 - الصفحة: 118
دون قلتين .. نجسه، قال: أو يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه به على ما في معناه من المشكوك فيه، فالضبط بالشك لا بالنوم، فمتى شك .. كره الغمس قبل الغسل.
انتهى.
وإذا كان كذلك .. فينبغي تأويل لفظ الشيخ كما أول لفظ الحديث، ولا يقضى عليه بالخطأ، كذا قيل، وهو غفلة؛ إذ ليس مقصود النووي تخطئة الشيخ، بل التنبيه على ما تكون الفتوى فيه مخالفة لظاهر لفظه.
واعترض على "التصحيح" أيضًا: بأنه يشمل من شك فغسل مرة؛ فإنه عندنا يتيقن الطهارة، ولا تزول الكراهة إلا بغسل الثلاث، فالصواب: استثناء هذه الصورة من قوله: (والصواب: أنه إذا تيقن ... إلى آخره)، كذا اعترض، وهو عجيب؛ فإن النووي أقر الشيخ على أن الشاك يكره له الغمس قبل الغسل ثلاثًا، فلا يقال: إذا غسل مرة .. فقد تيقن، فتناولته عبارة "التصحيح" لأنه شاك عند ابتداء الغسل، فتناولته عبارة "التنبيه" التي أقره عليها "التصحيح"، ولو كان كذلك .. لاستدرك النووي عليه في قوله: (ثلاثًا) فإنه لا يبقى له حينئذ معنى؛ إذ كل من غسل مرة .. تيقن، ومن تيقن .. لا كراهة في حقه، فظهر بذلك أن العبرة بابتداء الغسل، وأن المتوضئ إذ ذاك إما شاك أو متيقن، وحكمهما ما تقدم.
ثانيها: لا يختص ذلك بالقيام من النوم، فالمدار على الشك في طهارة يده، وذكر القيام من النوم مثال.
وقد سلم من هذين الإيرادين "المنهاج" حيث قال [ص 75]: (فإن لم يتيقن طهرهما .. كره غمسهما في الإناء قبل غسلهما)، و"الحاوي" حيث قال [ص 126]: (وكره أن يدخل الظرف قبله إن شك طهارتهما)، وصاحب "التنبيه" تبرك بلفظ الحديث كما تقدم.
ثالثها: محل هذه الكراهة: في الماء القليل وهو دون القلتين، وهذا وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا، إلا أنه قد يفهم من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" بـ (الإناء)، و"الحاوي" بـ (الظرف) لأن غالب آنية الوضوء كذلك، ولم يتعرض في "المنهاج" و"الحاوي" للتثليث، وكذا فعل في "الشرح" و"المحرر"، ولكن نقل في "الروضة" عن البويطي والأصحاب: بقاء الكراهة حتى يغسل ثلاثًا 373، والحديث قال له، وعليه جرى في "التنبيه" كما تقدم.
141 - قول "التنبيه" [ص 15]: (يجمع بينهما في أحد القولين ... إلى آخره) الأصح عند الرافعى: تفضيل الفصل، وأنه بغرفتين 374، وعليه مشى في "الحاوي" 375، وعند
الحديث: 141 - الجزء: 1 - الصفحة: 119
النووي: تفضيل الجمع، وأنه بثلاث غرفات 376.
142 - قولهم: (والمضمضة والاستنشاق) 377 لو قالوا: (ثم المضمضة ثم الاستنشاق) .. لكان أحسن؛ لأن الأصح: أن تقديم المضمضة على الاستنشاق، وتقديم غسل الكفين على المضمضة شرط لتحصيل السنة، وقد عبر "التنبيه" بذلك في صفة الوضوء في الأولى، فقال بعد غسل الكفين: (ثم يتمضمض) 378 وعبر "المنهاج" بذلك في الثانية عند ذكر الفصل والجمع 379.
143 - قولهم والعبارة "للمنهاج": (ويبالغ فيهما غير الصائم) 380 يفهم أن المبالغة فيهما للصائم خلاف الأولى؛ فإنهم جعلوا استحباب المبالغة في حق غير الصائم، فالصائم لا يستحب له المبالغة، وبه صرح ابن الصباغ، لكن صرح النووي في "شرح المهذب" بكراهتها له 381، وقال القاضي أبو الطيب: تحرم.
144 - قول "الحاوي" [ص 126]: (وتثليث كل) أي: من فرض وسنة وغسل ومسح، لكنه يتناول القول؛ كالتسمية أوله والتشهد آخره، ولم أر من صرح فيهما بالتكرار إلا الروياني، فإنه صرح بتثليث التشهد عقبه 382، وقد رواه أحمد وابن ماجه 383.
وقد أخرج "المنهاج" ذلك بقوله [ص 75]: (وتثليث الغسل والمسح)، فيحتمل أنه أراد: الاحتراز عن ذلك، ويحتمل أنه أراد: التنصيص على تثليث المسح لا الاحتراز عن شيء.
وأما قول "التنبيه" [ص 16]: (والطهارة ثلاثًا ثلاثًا) فيحتمل دخول التسمية والتشهد فيه؛ لأنهما سنتان للوضوء، فهما من الطهارة، ويحتمل عدم دخولهما؛ لأن المراد: فعل الطهارة.
ويستثنى من عبارتهم: مسح الخفين، فلا تكرار فيه، كما صرح به في "الحاوي" في بابه 384.
145 - قول "التنبيه" [ص 16]: (ومسح جميع الرأس)، و"المنهاج" [ص 75] و"الحاوي" [ص 126]: (كل الرأس) قد يرد على ذلك أحد تصحيحي النووي: أنه لو استوعب الرأس بالمسح .. وقع الكل فرضًا، فليس مسح جميعه سنة 385، لكنا نقول: فعل
الحديث: 142 - الجزء: 1 - الصفحة: 120
الاستيعاب مستحب، فإذا فعله .. وقع واجبًا.
146 - قول "الحاوي" [ص 126]: (ومسح كل الرأس من مُقَدّمِهِ) لو قال: (ومن مقدمه) .. لكان أولى؛ ليفهم أن الابتداء بمقدم الرأس سنة أخرى غير استيعابه.
147 - قول "المنهاج" و"الحاوي" -والعبارة له-: (فإن عَسُرَ .. كمَّل على العمامة) 386 كذا عبر بالعسر في "المحرر" و"الشرحين" 387، وعبر في "الروضة" بقوله: (فلو لم يرد نزع ما على رأسه من عمامة أو غيرها ... ) 388.
ومقتضاه: أنه لا فرق بين أن يعسر عليه تنحية ما على رأسه أم لا، وصرح بذلك في "شرح المهذب"، فقال: (سواء كان معذورًا أو غيره) 389.
148 - قولهم: (وتخليل اللحية الكثة) 390 أي: من الرجل دون المرأة والخنثى؛ فإنه واجب عليهما كما تقدم، والعارض كاللحية كما سبق.
واستثنى صاحب "التتمة" في (كتاب الحج): المحرم، فقال: لا يخلل لحيته؛ لأنه يؤدي إلى تساقط شعرها.
وقال السبكي في "الحلبيات": الذي يقرب عندي: أن الاستحباب باق بحاله، ولكنه أضعف من الاستحباب في غير حالة الإحرام، ثم مال في آخر كلامه إلى أن الأولى للمحرم: ترك التخليل احتياطًا للحج، مع تصريحه ببقاء الاستحباب 391.
وجمع ابنه في "التوشيح" بين ترجيحه بقاء الاستحباب وإن ضعف، وميله إلى أن الأولى له تركه: بأن أولوية الترك لا تنافي بقاءه، غاية الأمر: أنهما محبوبان وأحدهما أولى.
قلت: هذا إنما هو في الشيئين، أما الشيء الواحد: إذا كان الأولى تركه .. كان فعله خلاف الأولى، ولا يجتمع ذلك مع كونه مستحبًا، والله أعلم.
149 - قول "التنبيه" [ص 16]: (وتخليل أصابع الرجلين) كذا قيد بالرجلين تبعًا للجمهور.
قال الرافعي: (سكت المعظم عن أصابع اليدين) 392.
وقال ابن كج: (يستحب فيها)، واختاره النووي في "شرح الوسيط" 393 فلذلك أطلق
الحديث: 146 - الجزء: 1 - الصفحة: 121
"المنهاج" و"الحاوي" الأصابع 394 تبعًا "للمحرر"، وكذا في "التحقيق" 395، وهو متناول لأصابع اليدين والرجلين.
150 - قول "الحاوي" [ص 126]: (وللرجل بخنصر اليسرى) كذا في "الشرح" و"الروضة" 396، وفي "شرح المهذب" الراجح المختار تبعًا للإمام: أن خنصر اليسرى واليمنى سواء 397.
151 - قولهم: (والابتداء باليمين) 398 يستثنى: الكفان أول الوضوء، والخدان، فيغسلان معًا، وكذا الأذنان لغير الأقطع في الأصح.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ورأيت لبعضهم أنه يمسح الخفين معًا، وفيه نظر؛ فإن الأفضل فيهما: مسح الأعلى والأسفل على هيئة تستعمل لها اليدين، فلا يمكن المعية فيهما.
نعم، إن اقتصر على الأقل .. احتمل ما يقوله) 399.
152 - قول "الحاوي" [ص 127]: (وتطويل الغرة) لم يذكر التحجيل؛ إما لأن الغرة اسم جامع لهما، كما أطلقه الغزالي وغيره 400، أو أنه من باب قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ , وقد صرح في "المنهاج" بهما 401، وهو أحسن.
153 - قوله: (وإن سقط الفرض) 402 اعترض عليه: بأن هذا لا يأتي في الغرة؛ لأنها بياض في الوجه، وقد قال الإِمام: (لو تعذر غسل الوجه لعلة .. لم يستحب غسل ما جاوزه من الرأس وصفحة العنق.
نعم؛ يتأتى في التحجيل في سقوط اليد مما فوق المرفق، والرجل مما فوق الكعب، وقياسه: الاستحباب في الغرة أيضًا) 403.
154 - قولهما: (إن الموالاة -وهي التتابع- واجبة في القديم) 404 أي: بشرطين:
الحديث: 150 - الجزء: 1 - الصفحة: 122
أحدهما: طول التفريق، فاليسير لا يضر إجماعًا، بعذر وغيره.
والثاني: عدم العذر، ولا يضر معه جزمًا، وقيل: يضر على القديم.
155 - قولهم: (وترك الاستعانة) 405 أي: بالصب عليه، وهي خلاف الأولى كما هو المفهوم من عبارة هذه الكتب، وقيل: مكروهة.
أما الاستعانة في إحضار الماء .. فمباحة، أو في غسل الأعضاء .. فمكروهة بلا عذر، وتعبيرهم بالاستعانة يقتضي عدم ثبوت هذا إذا أعانه غيره وهو ساكت؛ لأن السين للطلب، ولكن دليلهم وتعليلهم يقتضي التعدي، وأن المراد: الاستقلال بالفعل.
156 - قولهما: (وترك النفض) 406 كذا في "المحرر" و"التحقيق" أن المستحب: ترك النفض 407، ونقله ابن كج عن النص، وعليه الفتوى كما قال في "المهمات"، وجزم الرافعي في "شرحيه" بكراهة النفض 408، ومشى عليه في "الحاوي" 409، وصحح في "الروضة" و"شرح المهذب" إباحته 410، وقال في "شرح الوسيط": (كونه مباحًا أصح دليلًا، وكونه خلاف الأولى أشهر) 411.
واستثنى بعضهم: نفض اليد عند مسح الأذن والرقبة، وقال: إنه يُنْدَبُ إن أمن الترشيش.
وَرُدَّ: بأن المستحب فيه إرسال اليد لا نفضها.
157 - قولهم: (وترك التنشيف) 412 فيه أمران:
أحدهما: كذا في أكثر كتب الرافعي والنووي أنه خلاف المستحب 413، واختار في "شرح المهذب": أنه إن احتاج إليه لحر أو برد أو التصاق نجاسة .. فليس خلاف المستحب 414، وفي "شرح مسلم": أنه مباح مطلقًا 415.
ثانيهما: الصواب: التعبير بالنشف على زنة الضرب؛ لأن فعله نَشِفَ بكسر الشين على
الحديث: 155 - الجزء: 1 - الصفحة: 123
الأشهر، كما ذكره أهل اللغة 416، والتعبير بالتنشيف يقتضي أن المسنون ترك المبالغة فيه، وليس كذلك.
158 - قول "الحاوي" [ص 126]: (وترك التكلم) أي: إلا لضرورة.
159 - قول "التنبيه" [ص 15]: (ويستحب إذا فرغ من الوضوء أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّد عبده ورسوله) زاد في "المنهاج" [ص 76]: (اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).
وقول "الحاوي" [ص 127]: (والذكر المأثور) شامل لهذا وللدعاء المقول عند غسل الأعضاء، وقد ذكره في "المحرر" 417، وحذفه في "المنهاج" وقال [ص 76]: (لا أصل له)، وقال في "الروضة": (لم يذكره الشافعي والجمهور) 418.
واعترض قوله: (لا أصل له): بأنه روى ابن حبان في "تاريخه" في ترجمة عباد بن صهيب من حديث أنس نحوه 419، فلعله أراد: لا أصل له صحيحا.
160 - قول "التنبيه" [ص 15]: (ويستصحب النية إلى آخر الطهارة)، ومثله: قول "الحاوي" [ص 126]: (واستصحاب النية من أوله) والمراد: استصحابها ذكرًا، أما الحكمي، وهو: ألا يأتي بمناف لها .. فهو واجب، وقول "الحاوي": (من أوله) أي: من أول السنن, ولو قال: (ومن أوله) بزيادة واو .. لكان أحسن، كما قدمنا في قوله: (ومسح كل الرأس من مُقَدّمِهِ) 420.
161 - قول "الحاوي" [ص 127]: (والرقبة) كذا جزم الرافعي بأنه مستحب، وحكى وجهين في أنه سنة أو أدب 421، وصحح في "الشرح الصغير" أنه سنة، وصوب النووي عدم استحبابه أصلًا؛ لأنه لم يثبت فيه شيء، قال: ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدموا الأصحاب 422، وفي "شرح المهذب" أنه بدعة 423.
الحديث: 158 - الجزء: 1 - الصفحة: 124
162 - قول "التنبيه" [ص 16]: (وسننه عشر) ظاهره: حصر السنن في عشر، وليس كذلك، فقد ذكر هو في صفة الوضوء سننًا أخرى، وهي:
- استصحاب النية.
- والجمع أو الفصل في المضمضة والاستنشاق.
- والمبالغة فيهما لغير الصائم.
- والتحجيل.
- والكيفية المذكورة في مسح الرأس.
- والقول عند فراغ الوضوء.
- وترك النفض والتنشيف والاستعانة.
وكذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 74]: (وسننه) وذكر جميع السنن المتقدمة إلا: استصحاب النية، والكيفية المذكورة في مسح الرأس، فلم يذكرهما، وزاد: السواك.
وزاد "الحاوي": الدلك، وترك التكلم، والكيفية في تخليل أصابع الرجلين، ومسح الرقبة، وكون الوضوء بمُد 424. وهذا قد ذكراه في صفة الغسل، وبقى عليهم جميعًا: التلفظ بالنية، والانتثار عقب الاستنشاق، واستقبال القبلة، والجلوس بحيث لا يناله رشاش، وجعل الإناء عن يساره، فإن غرف منه .. فعن يمينه، والبداءة بأعالي وجهه وأصابع يديه ورجليه، وترك لطم وجهه بالماء، وترك الإسراف، والشرب من فضل الوضوء بعد الفراغ منه من هيآته، ذكره العبادي في "زيادات الزيادات".
وقد اعتذر في "الكفاية" عن "التنبيه" بأنه لعله قصد بالسنة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت إدامة ما عداه.
وقال غيره: الأحسن: أن يقال: ما ترك عده منهي وغيره، والمناهي كالنفض والاستعانة ونحوهما لا توصف بالسنة، فالمسنونات هي المأمورات، وهذا كما ذكروه في شروط الصلاة أن المبطلات لا يعد تركها شرطًا، كما أوضحه في "شرح المهذب" 425، وأما غيره: فمنه المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وهو مفهوم من ذكرهما، كما في قوله: (وفروض الصلاة: النية) 426 أي: وتفصيلها سبق، وكذلك في جميع الصور، فكأنه قال: المضمضة على ما بيناه، ولعل
الحديث: 162 - الجزء: 1 - الصفحة: 125
استصحاب النية من هذا القبيل، وأما الذكر بعد الفراغ: فقد يعتذر عنه بأنه لا يعد من سننه لتمام الوضوء، كما لا يعد الذكر والدعاء بعد الصلاة من سننها وإن كان مستحبًا، لكن عده التسمية وغسل الكفين دون السواك .. لم أره لغيره، والمذكور في الرافعي وغيره وجهان مطلقان 427، والأصح: عد الكل من سنن الوضوء.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
بابُ المَسْح على الخُفَّيْن
163 - وفي "المنهاج" [ص 77]: (مسح الخف) ولو قال: (الخفين) كما في "التنبيه" 428 ..
لكان أحسن؛ فإنه لا يجوز مسحه من رجل وغسل أخرى، ولكن مراده: الجنس لا التوحيد.
164 - قولهما: (يجوز المسح) 429، وقول "الحاوي" [ص 124]: (إنه مخير بين الغسل والمسح بشرطه) قد يورد عليه: أن ابن الرفعة قال فيما لو كان المحدث لابس خف بشرطه، ودخل الوقت ووجد ما يكفيه لو مسح الخف، ولا يكفيه لو غسل الرجل .. أن الذي يظهر: وجوب المسح؛ لقدرته على الطهارة الكاملة، فلو أرهق المتوضئ الحدث ومعه ما يكفيه إن مسح لا إن غسل .. فلا يجب لبس الخف ليمسح عليه إلا في احتمال، ذكره الإِمام على وجه مرجوح لشيخه، ورده 430.
165 - قولهما: (للمسافر: ثلاثة أيام ولياليهن) 431 أي: سفر القصر، كما صرح به في "الحاوي" 432 ليخرج السفر القصير وسفر المعصية.
166 - قولهم: (إن ابتداء المدة من الحدث) 433 وجَّهُوهُ: بأنها عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها: من حين جواز فعلها, لكن ذكر النووي في "شرح المهذب": أن لابس الخف له تجديد الطهارة والمسح على الخف قبل الحدث 434.
قال السبكي: (فإن صح هذا .. فابتداء المدة من اللبس).
واختار النووي -تبعًا لأبي ثور وابن المنذر- أن ابتداءها من المسح 435، وحكى العلم العراقي في "شرحه" لأوائل "التنبيه" في ابتداء المدة ثلاثة أوجه:
من اللبس، من الحدث، من المسح، وهو غريب 436.
واعلم أن المراد: انقضاء الحدث لا ابتداؤه، كما قال المحب الطبري، ووجهه: أنه إنما يستفتح المسح بعد انقضاء الحدث، فيكون ذلك ابتداء المدة.
الحديث: 163 - الجزء: 1 - الصفحة: 127
167 - قول "التنبيه" [ص 16]: (فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام .. أتم مسح مقيم) صورة الثانية: ما إذا مسح في السفر دون يوم وليلة ثم أقام .. فيتم ما بقى له من مدة المقيم، فلو مسح في السفر يومًا وليلة ثم أقام .. فلا يزيد شيئًا، ولو مسح يومين وليلتين مثلًا ثم أقام .. اقتصر على ما مسحه، وهو زائد على مدة المقيم.
فعبارة "المنهاج" أحسن؛ حيث قال [ص 77]: (فإن مسح حضرًا ثم سافر أو عكس .. لم يستوف مدة سفر) لشموله الأقسام كلها.
وقد ترد هذه الصورة على قول "الحاوي" [ص 125]: (وثلاثة في سفر القصر لا إن مسحهما في الحضر) فإنه اقتصر على استثناء الصورة الأولى، ولم يتعرض للثانية أصلًا.
ومقتضى عبارة "المنهاج": أنه لو مسح في الحضر أحد خفيه ثم سافر ومسح الأخرى في السفر .. أنه يقتصر على مدة مقيم، وهو الذي صححه النووي في "الروضة" 437.
ومقتضى عبارة "الحاوي": أنه يمسح مدة المسافر؛ لأنه إنما استثنى مسحهما، وهو الذي جزم به الرافعي 438.
وعبارة "التنبيه" محتملة، الأظهر: أنها مثل عبارة "المنهاج" لإطلاقه المسح، وعليه مشى شراحه، وقد يدعى أنها مثل عبارة "الحاوي" لقوله أولًا: (يجوز المسح على الخفين) 439، فيكون قوله: (فإن مسح) أي: الخفين.
168 - قول "التنبيه" [ص 16]: (ولا يجوز المسح إلا أن يلبس الخف على طهارة كاملة)، وقول "المنهاج" [ص 77]: (وشرطه: أن يلبس بعد كمال طهر) لو حذفا لفظ (الكمال) كما في "الحاوي" .. لما ضر؛ لأن حقيقة الطهر أن يكون كاملًا، ولكنهما ذكراه تأكيدًا لنفي مذهب المزني فيما إذا غسل رجلًا وأدخلها الخف، ثم الأخرى كذلك؛ لاحتمال توهم إرادة البعض، ولم يحترزا به عن دائم الحدث؛ لأن ضد الكامل الناقص، وطهارته ضعيفة لا ناقصة؛ ولأن حكم المحترز عنه يكون ضد المدعى، والأصح: جواز مسحه أيضًا إذا لم يكن التيمم لفقد الماء، لكن الأصح: أنه إنما يمسح لما يحل له لو بقي طهره، وهو فرض ونوافل.
169 - قول "التنبيه" [ص 16]: (ساتر للقدم) و"المنهاج" [ص 77]: (محل فرضه) أي: من الجوانب والأسفل، ولا يضر عدمه من الأعلى في الأصح؛ ولذلك قال في "الحاوي" [ص 124]: (لا من الأعلى)، وليس المراد هنا: ستر البشرة عن العيون كما في ستر العورة، بل: ستر يمنع
الحديث: 167 - الجزء: 1 - الصفحة: 128
نفوذ الماء، فلو لبس خفًا من زجاج وأمكنه متابعة المشي عليه .. جاز مسحه وإن رُؤِيَت البشرة تحته.
170 - قول "التنبيه" [ص 16]: (صحيح) قال في "الكفاية": (أورد المشقوق المشرّج، لكن الشيخ أخرج به ما لا يمسح مطلقًا، وما لا يمسح في الحال كالمشقوق، فشرطه: الشد؛ لئلا يظهر عند المشي، فلا يرد).
171 - قول "التنبيه" [ص 16]: (يمكن متابعة المشي عليه)، وقول "الحاوي" [ص 124]: (ممكن المشي) أوضحه "المنهاج" بقوله [ص 77]: (لتردد مسافر لحاجاته) أي: عند النزول والرحيل، لكن إن أريد بذلك: في منزلة واحدة .. فأدنى خف يحصل ذلك، وإن أريد: أكثر -وهو ظاهر عبارتهم- .. فلا بد له من ضابط، وقد ضبطه المحاملي وأبو حامد العراقي في "الرونق" بثلاثة أميال فصاعدًا، واقتصر عليه شيخنا الإِمام جمال الدين الإسنوي في "التنقيح"، لكنه في "المهمات" قال: (إن المعتمد: ما ضبطه به الشيخ أبو محمَّد، وهو مسافة القصر تقريبًا).
وقال شيخنا الإِمام شهاب الدين بن النقيب: (لو ضُبطَ بمنازل ثلاثة أيام ولياليهن .. لم يَبْعُد، قال: وهل المراد المشي فيه بمداس أم لا؟ لم أر من ذكر) انتهى 440.
172 - قول "المنهاج" [ص 77] و"الحاوي" [ص 124]: (طاهر) أي: ليس بنجس العين؛ كالمتخذ من جلد كلب أو ميتة قبل الدبغ، ولا متنجس جميعه، كما في "شرح المهذب" 441 و"الذخائر"، فلو تنجس بعضه .. صح المسح عليه، واستفاد به مس المصحف وحمله، صرح به الشيخ أبو محمَّد في "التبصرة"، وهو مقتضى كلام الرافعي حيث قال: (لو كان أسفل الخف متنجسًا .. لا يمسحه) 442 يعني: الأسفل؛ لأن المسح يزيد النجاسة، فمفهومه: أنه يمسح غير الأسفل، وفي "شرح المهذب": (بل يقتصر على مسح أعلاه، وعقبه، وما لا نجاسة عليه) 443.
173 - قول "المنهاج" [ص 77] و"الحاوي" [ص 124]: (يمنع نفوذ الماء) أي: من غير مواضع الخرز، فلا يضر نفوذه منها، كما في "شرح المهذب" عن القاضي حسين وغيره 444.
الحديث: 170 - الجزء: 1 - الصفحة: 129
تَنْبيه [في بقية شروط المسح على الخف]
اعتبروا فيما يُمْسَح عليه: ستر محل الفرض، وإمكان متابعة المشي عليه، وزاد "التنبيه" و"الحاوي": كونه خفًا، وزاد "التنبيه": كونه صحيحًا، وزاد "المنهاج" و"الحاوي": كونه طاهرًا يمنع نفوذ الماء 445.
174 - قول "التنبيه" [ص 16]: (وفي المسح على الجرموقين قولان) أظهرهما -كما في "المنهاج"-: أنه لا يجوز 446.
وصورة المسألة: أن يكون كل منهما صالحًا للمسح عليه، فإن لم يصلح واحد منهما للمسح عليه .. لم يصح قطعًا، وإن صلح الأعلى دون الأسفل .. صح المسح عليه والأسفل كلفافة، وإن صلح الأسفل دون الأعلى؛ فإن لم يصل البلل للأسفل .. لم يصح، وإن وصل إليه .. صح إن قصدهما بالمسح أو لم يقصد واحدًا منهما أو قصد الأسفل فقط، فإن قصد الأعلى فقط .. لم يصح، وإلى هذا التفصيل أشار "الحاوي" بقوله -عطفًا على المنفي-: (وجرموقًا فوق قوي، لا أن يصل البلل إليه، لا بقصد الجرموق فقط) 447.
فقوله: (فوق قوي) يشمل كون الأعلى قويًا، وكونه ضعيفًا.
وقوله: (لا أن يصل البلل إليه) أي: إلى الأسفل، فيصح.
وقوله: (لا بقصد الجرموق فقط) فلا يصح، فعلم صحته في ثلاث صور.
وخرج بقوله: (فوق قوي): أن يكونا ضعيفين، وأن يكون الأسفل ضعيفًا والأعلى قويًا، ولا يخفى البطلان في الأولى والصحة في الثانية.
ومقتضى عبارة "الحاوي" فيما إذا كانا صالحين ومسح الأعلى فوصل البلل للأسفل: مجيء التفصيل المتقدم.
وقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (الذي يظهر منعه؛ لأن الفرض أنهما صالحان، وشرط الصالح: منع النفوذ، إلا إذا صورنا منع النفوذ بالمسح .. فيتصور بالصب) 448.
175 - قول "المنهاج" [ص 77]: (ويجزئ مشقوق قدم شُدَّ في الأصح)، وفي "الروضة": (في الصحيح) 449.
الحديث: 174 - الجزء: 1 - الصفحة: 130
176 - قول "التنبيه" [ص 16]: (والسنة: أن يمسح أعلى الخف وأسفله، فيضع يده اليمنى على موضع الأصابع واليسرى تحت عقبه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى موضع الأصابع) فيه أمور:
أحدها: ظاهره: استيعابه بالمسح، وهو الذي أطلقه الجمهور، كما في "شرح المهذب" 450، والأصح: لا، كما صرح به "الحاوي" 451، فيمسحه خطوطًا، كما في "المحرر" و"المنهاج" 452.
ثانيها: خرج باقتصار "التنبيه" و"المنهاج" على الأعلى والأسفل: العقب، والأظهر: استحباب مسحه، وقد صرح به في "الحاوي" 453، وفي "شرح الكفاية" للصيمري: يختار أن يمسح حول العقب، وفي "الحاوي" للماوردي: هل يمسح حول العقب؟ فيه وجهان 454.
ثالثها: ليست اليد ولا اليمنى شرطًا في تأدية ذلك، ولكنه أكمل.
177 - قول "التنبيه" [ص 16]: (فإن اقتصر على مسح القليل من أعلاه .. أجزأه، وإن اقتصر على ذلك من أسفله .. لم يجزئه) فيه أمور:
أحدها: عقبه وحرفه كأسفله، كما صرح به "المنهاج" 455.
ثانيها: المراد: ظاهر الأعلى، فلو مسح باطن الأعلى .. لم يكف، وهذا وارد على "الحاوي" أيضًا.
ثالثها: لو بل أو غسل .. أجزأه، مع كونه ليس مسحًا، كما تقدم في الرأس، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا.
178 - قوله: (وإن شك في وقت المسح أو في انقضاء مدة المسح .. بني الأمر على ما يوجب الغسل) 456 صور في "الكفاية":
الأولى: بما إذا تيقن أنه مسح حضرًا أو سفرًا، وشك أن حدثه وقت الظهر أو العصر مثلًا.
والثانية: بأن يتيقن أن حدثه وقت الظهر، وشك أن مسحه في الحضر أو السفر.
ومنهم من عكس ذلك، قال ابن يونس: وهو الأشهر، وتبعه النووي في "نكته"، وقال ابن الرفعة: (إنه ليس بشيء).
الحديث: 176 - الجزء: 1 - الصفحة: 131
ويلزم من الشك في الابتداء الشك في الانتهاء، ولا عكس؛ ولذلك اقتصر عليه "الحاوي" بقوله [ص 125]: (أو شك في الانقضاء)، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 77]: (ولا مسح لشاك في بقاء المدة) وهو شامل للصورتين.
179 - قول "المنهاج" [ص 77]: (فإن أجنب .. وجب تجديد لبس) فيه أمران:
أحدهما: في معناه: الحيض والنفاس وولادة جاف، فالضابط: وجوب الغسل؛ ولذلك عبر به "الحاوي" 457.
ثانيهما: قوله: (وجب تجديد لبس) أي: إن أراد المسح.
وسلم من ذلك "الحاوي" حيث قال في موانع إتمام المدة: (أو وجب الغسل) 458.
180 - قول "المنهاج" [ص 77]: (ومن نزع وهو يطهر المسح .. غسل قدميه) أحسن منه قول "التنبيه" [ص 16]: (وإن ظهرت الرجل أو انقضت مدة المسح) فزاد مسألة انقضاء المدة، وكان تعبيره بظهور الرجل أحسن من التعبير بالنزع؛ لأنه قد تظهر الرجل من غير نزع؛ بأن ينخرق الخف، وأحسن منهما قول "الحاوي" [ص 125]: (أو بدا بعض رجل) لتصريحه بأن حكم ظهور بعض الرجل كحكم ظهور كلها, لكنه لم يقيده بأن يكون على طهارة المسح، وكأنه تركه لوضوحه، ولم يذكر انقضاء المدة؛ لفهمه من طريق الأولى من ذكر الشك في الانقضاء، وظهور اللفافة أو بعضها كظهور الرجل.
واعلم أن النووي اختار في "شرح المهذب" تبعًا لابن المنذر: أنه لا يجب غسل القدمين ما لم يحدث سواء أخلع الخف أم لا، وصرح الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني بحكايته وجهًا 459.
الحديث: 179 - الجزء: 1 - الصفحة: 132
بابُ الغُسل
181 - قول "المنهاج" [ص 78] و"الحاوي" [ص 133]: (موجبه: موت) أي: في حق غير الشهيد، كما سيأتي في (الجنائز)، ولم يعده في "التنبيه"، وأجاب عنه في "الكفاية": بأن كلامه فيما هو فرض عين على المغتسل، وذاك فرض كفاية على غيره، وعده الرافعي نقلًا، واستشكله؛ لأنه إن أريد: الغسل ولو مع الخُلُوّ عن النية .. فينبغي أن يعد منه نجاسة جميع البدن أو بعضه واشتبه، ولم يعدوه، وإن أريد: الغسل الذي تجب فيه النية، فإن كان المراد: نية من غسل بدنه .. خرج الميت، أو مطلقًا .. فالأصح: أن نية الغاسل لا تجب 460.
182 - قول "التنبيه" [ص 19]: (وقيل: يجب عليها أيضًا من خروج الولد، وقيل: لا يجب) فيه أمران:
أحدهما: كلامه يقتضي أن الخلاف وجهان، ويوافقه تعبير "المنهاج" [ص 78] بـ (الأصح)، لكن قال ابن يونس في "التنويه": (الذي ذكره جمهور النقلة: حكايته الخلاف قولين).
ثانيهما: الأصح: وجوبه، كما صرح به في "المنهاج" و"الحاوي" 461.
183 - قول "التنبيه" [ص 19]: (ومن إيلاج الحشفة في الفرج) وكذا قدرها من مقطوعها، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 462.
قال في "الكفاية": (وقضية "التنبيه" خلافه، ونسب للنص، قال في "الروضة": "ورجحه كثير من العراقيين") انتهى 463.
ويستثنى من هذا الموجب: الخنثى، فلا غسل بإيلاج حشفته، ولا بإيلاج في قبله، لا على المولج ولا على المولج فيه فيهما.
184 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وبخروج مني) 464 أعم منه قول "الحاوي" [ص 133]: (وأصله) أي: أصل الولد؛ لشموله العلقة والمضغة، لكنهما قد يدخلان في مسمى الولد، وفي كلامهم معًا أمور:
أحدها: أن المراد: مَنِيّ الشخص نفسه، فلو استدخل مَنِيّ غيره في ذكره، أو استدخلت مَنِيّ غيرها في فرجها وخرج .. لم يجب، بخلاف البول؛ فإنه يوجب الوضوء؛ لعموم نواقضه.
الحديث: 181 - الجزء: 1 - الصفحة: 133
وبعد هذا التقييد أورد بعضهم: ما إذا جومعت في قبلها، فاغتسلت ثم خرج منها المني .. فإنه يجب إعادة الغسل على المذهب، قال: وليس الخارج منيها، وما يقال: إنما وجب؛ لأن الغالب اختلاط المنيين؛ فلذلك إنما يجب بشرط: أن تكون قضت شهوتها .. لا حاصل له؛ لأن قضاء شهوتها لا يستدعي خروج شيء من منيها، وإن تحقق لها مني .. فهو واجب خرج لها مني أم لم يخرج.
انتهى.
وقد صرح بهذه المسألة في "الحاوي" (1)، وهي مشكلة؛ لأن يقين الطهارة لا يرفع بظن الحدث، كما تقدم.
ثانيها: إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" يقتضي أنه لا فرق بين أن يخرج من طريقه المعتاد أو غيره، وصرح به "المنهاج" (2)، وكذا في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة" (3)، وقال المتولي في الخارج من غير المعتاد؛ كثقبة في الصلب أو الخصية: فيه التفصيل والخلاف في النقض بخارج من منفتح.
وجزم به في "التحقيق"، وصوبه في "شرح المهذب" (4)، والصلب هنا كالمعدة هناك، قاله في "أصل الروضة" جزمًا (5)، وذكره الرافعي بحثًا (6).
ثالثها: ظاهر كلامهم: أن المعتبر في المرأة الخروج الكلي كالرجل، وهذا في البكر، أما الثيب: فيكفي خروجه إلى باطن فرجها؛ لأنه في الغسل كالظاهر، ذكره في "التحقيق" تبعًا للماوردي (7).
تَنْبيه [في حقيقة الموجب للغسل]
ظاهر كلامهم يقتضي أن الموجب للغسل هذه الأسباب، وهو وجه، وقيل: القيام للصلاة، وقيل: هذه الأسباب عند القيام للصلاة، وهو الأصح.
وادعى بعضهم أن عدول صاحب "التنبيه" عن قوله: (يجب بشيئين، وبأربعة أشياء) إلى465466467468469470471
الجزء: 1 - الصفحة: 134
قوله: (من شيئين، ومن أربعة أشياء) 472 يدل عليه.
184/ 1 - قول "الحاوي" [ص 133]: (إن خواص المني ثلاثة) ظاهره: الطرد في حق المرأة أيضًا، وصرح به في "المنهاج" بقوله بعد ذلك [ص 78]: (والمرأة كرجل)، وهو الذي ذكره الأكثرون تصريحًا وتعريضًا، وأنكر ابن الصلاح التدفق في منيها 473، وتبعه النووي في "شرح مسلم"، فاقتصر فيها على الأولى والأخيرة 474.
قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: (وهو الذي يظهر؛ فإنه لا تزريق لمنيها ألبتة) انتهى 475.
لكن نقل الماوردي عن الشافعي - رحمه الله -: تسمية منيها بالماء الدافق 476، وهذا يدل على خروجه منها بتدفق.
185 - قول "التنبيه" [ص 19]: (وإن شك هل الخارج من ذكره مني أو مذي؟ فقد قيل: يلزمه الوضوء دون الغسل، ويحتمل عندي: أنه يلزمه الغسل) فيه أمور:
أحدها: الأصح: وجه ثالث: أنه يخير بين الموجبين، ومهما اختاره .. ترتب عليه سائر أحكامه، وعليه مشى "الحاوي" 477، ولم يتعرض للمسألة في "المنهاج".
ثانيها: ذكر في "الكفاية" أن ظاهر كلام الشيخ في الوجه الذي صدر به كلامه: نفي وجوب غسل ما أصابه الخارج، والأصح: خلافه، وقال غيره 478: لو ادعى العكس .. كان أقوم؛ فإنه قضية كون الخارج موجبًا للوضوء.
ثالثها: ما ذكره الشيخ احتمالًا وجهٌ معروف، ومعناه: أنه يلزمه الوضوء وغسل باقي البدن وما أصابه، ومعنى كلامه: (ويحتمل عندي: أنه يلزمه الغسل) الذي نفاه نقلًا بقوله: (دون الغسل)، ويبقى إيجاب الوضوء بحاله، ويوافقه عبارة "المهذب" 479، وعبر عنه في "التحقيق" بقوله: (وقيل: يجبان) 480، وقواه النووي في "شرح المهذب" 481، وجعل في "الكفاية"
الحديث: 184 - الجزء: 1 - الصفحة: 135
الاحتمال لمجرد الغسل، ولا قائل بلزومه عينًا.
رابعها: ذكر الذكر مثال لا تقييد.
186 - قول "الحاوي" [ص 133]: (وهو في فرج امرأة أو دبرها .. أجنب المشكل) لو قال: (أو دبر) .. كان أعم وأخصر؛ لشموله دبر الرجل والخنثى المشكل، فلا فرق في ذلك بين دبرهما ودبر المرأة.
187 - قول "المنهاج" [ص 78]: (ويحرم بها) أي: بالجنابة الحاصلة من دخول الحشفة أو خروج المني، أما ما قبله: فمحرماته تأتي في (باب الحيض).
188 - قولهما: (واللبث في المسجد) 482 هو خاص بالمسلم، كما صرح به "الحاوي" 483، وذكر "التنبيه" في (باب الجزية) الخلاف فيه 484، وذكر صاحب "التلخيص" من الخصائص: دخول المسجد جنبًا، ومال إليه النووي 485، ولم يذكره "الحاوي" في الخصائص.
ثم تستثنى: الضرورة، فلو خاف من الخروج على نفس أو مال .. جاز له اللبث.
قال الرافعي: (وليتيمم إن وجد غير تراب المسجد) 486، وفهم النووي من لام الأمر: الوجوب، فقال في "أصل الروضة": (فيجب عليه التيمم) 487، وصرح به القفال في "فتاويه" والأستاذ أبو منصور البغدادي في "شرح المفتاح" وصاحب "التتمة"، لكن الرافعي لم يرده، بدليل قوله في "الشرح الصغير": (ويحسن أن يتيمم)، ويوافقه قول القاضي أبي الطيب فيمن أحدث ومعه مصحف ولم يجد الماء وهو قادر على التراب .. أن له حمله من غير تيمم، وصرح القفال في "فتاويه" في هذه الصورة بأنه يتيمم.
189 - قول "المنهاج" [ص 78]: (لا عبوره) أي: فهو جائز لحاجة، وإلا .. فالأصح: الكراهة، وقيل: خلاف الأولى، وصححه في "شرح المهذب" 488، وقيل: حرام، إلا ألاَّ يجد طريقًا سواه.
190 - قول "التنبيه" [ص 19]: (وقراءة القرآن) يستثنى من ذلك: إذا أتى بشيء من أذكاره؛ كقوله: (بسم الله، والحمد لله، وسبحان الذي سخر لنا هذا) بقصد الذكر أو بغير قصد، فإن
الحديث: 186 - الجزء: 1 - الصفحة: 136
قصد القراءة فقط، أو مع الذكر .. حرم، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 131]: (القراءة بقصدها)، و"المنهاج" بقوله [ص 78]: (وتحل أذكاره لا بقصد قرآن).
لكن التعبير بالأذكار يفهم أن قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ليس كذلك؛ فإنها ليست أذكارًا، وهو مقتضى ما في كتاب "الأذكار" للنووي 489، وسوَّى في "شرح المهذب" بين النوعين 490.
ويستثنى من كلامهم: فاقد الطهورين؛ فإنه يقرأ الفاتحة في صلاته وجوبًا، كما صححه النووي 491، وصحح الرافعي: المنع، وينتقل للذكر 492.
ويلتحق بفاقد الطهورين: المتيمم في الحضر، كما في "المهمات" عن تعليق القاضي حسين و"الكافي" للخوارزمي.
191 - قول "الحاوي" [ص 131]: (ويزيد الحيض والنفاس القراءة بقصدها، ومكث المسجد كجنابة المسلم) يفهم: أن جنابة الكافر لا تحرّم شيئًا من ذلك، وهو كذلك في مكث المسجد، أما مس المصحف: فيمنع منه، كما في نواقض الوضوء من "شرح المهذب" 493، وقياسه: عدم تمكينه من قراءته جنبًا إذا قرأ بنفسه أو أقرأه غيره، حيث جاز تعليمه؛ بأن رُجي إسلامه.
192 - قول "التنبيه" [ص 19]: (نوى الغسل من الجنابة أو الحيض) ومثله: قول "الحاوي" [ص 132]: (نية رفع الجنابة أو الحيض) أي: نوى الغسل من الجنابة إن كان جنبًا، أو الحيض إن كانت حائضًا، وليس للتخير، فلو نوى أحدهما غير ما عليه .. صح مع الغلط دون التعمد، قاله النووي في "شرح المهذب" في آخر نية الوضوء 494.
وكذا قول "المنهاج" [ص 78]: (نية رفع الجنابة) محمول على الجنب، ومقتضى كلام "الكفاية": أنه لا يرتفع النفاس بنية الحيض وعكسه مع التعمد، ومقتضى تعليلهم إيجاب الغسل في النفاس بكونه دم حيض مجتمع: الصحة، كما بحثه شيخنا في "المهمات".
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ومن به سلس المني .. ينبغي ألَّا تكفيه نية الرفع على الصحيح، بل ينوي الاستباحة؛ كما في الوضوء) 495.
الحديث: 191 - الجزء: 1 - الصفحة: 137
ومقتضى عبارة "التنبيه" و"المنهاج": أنه لا يكفي نية رفع الحدث؛ لكونهما قيدا نية الرفع بالجنابة، لكن الأصح: أنه يكفي، وذكره "الحاوي" 496.
193 - قول "المنهاج" [ص 78]: (أو أداء فرض الغسل) وكذا نية فرض الغسل؛ كما في الرافعي و"الروضة" 497، وكذا نية أداء الغسل؛ كما في "الحاوي" 498، ولم يصرح به الرافعي هنا، لكن حكم الغسل حكم الوضوء في هذا، وقد صرح به في الوضوء، فظهر أن الاقتصار على أحد اللفظين كاف.
194 - قول "المنهاج" [ص 78]: (مقرونة بأول فرض) أي: بأول ما يغسله من رأسه أو بدنه، وقد قال في (الوضوء): (وقيل: يكفي قرنها بسنة قبله) 499 ويجيء مثله هنا، كذا في "الروضة" 500، وفيه نظر، وينبغي الجزم بالاكتفاء به؛ لأن السنن التي قبله محل للغسل الواجب، فإذا نوى عندها رفع الجنابة .. وقع فرضًا، بخلاف سنن الوضوء التي قبله من غسل كف ومضمضة؛ لأنه ليس محلًا للفرض الآن، فلم يكف؛ لعدم الوقوع عنه؛ ولهذا لو انغسل مع المضمضة التي قارنتها النية شيء من حمرة الشفة .. كفى على الأصح؛ ولذلك عبر "الحاوي" بقوله [ص 132]: (مقرونًا بأوله)، ولم يقيده بالفرض؛ لأنه لا فائدة له كما تقرر.
195 - قولهم -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتعميم شعره وبشره) 501 فيه أمور:
أحدها: يستثنى من الشعر: ما نبت في العين والأنف، وكذا باطن عقده، وقيل: يجب قطعه.
ثانيها: المراد بالبشرة: ما يشمل الأظفار، بخلاف نقض الوضوء.
ثالثها: قال في "الكفاية": (أفهم أنه لا يجب إيصال الماء إلى باطن الفرج، وهو ما ذكره الإِمام ومن تبعه، والأصح: وجوبه فيما يبدو حالة قضاء الحاجة من الثيب، وكذا ما ظهر بجذع الأنف، ونتف شعرات لم يغسلها، صرح في "التحقيق" بتصحيحه فيه) 502.
وقد يقال: ما ظهر من الثيب يصير من جملة البشرة، وكذا ما ظهر من أنف المجذوع.
رابعها: غير المختون يجب غسل ما تحت جلدته على الأصح، ولم تتناوله عبارتهم؛ لأن البشرة ظاهر الجلد.
الحديث: 193 - الجزء: 1 - الصفحة: 138
196 - قول "المنهاج" [ص 78]: (ولا تجب مضمضة واستنشاق) لك أن تقول: لم نص على نفي وجوبهما في الغسل ولم يفعل ذلك في الوضوء مع أن الخلاف بين العلماء فيهما؟ وقد يقال: لمَّا نص على تعميم الشعر والبشرة .. خشي دخولهما؛ فإن في الأنف شعرًا وفي الفم بشرة، وقيل: غير ذلك.
197 - قول "المنهاج" [ص 78]: (وأكمله: إزالة القذر) و"الحاوي" [ص 132]: (وسن رفع الأذى) أي: الطاهر؛ كوسخ، ومني، وكذا النجس إن اكتفى بغسله للحديث والنجس, كما صححه النووي خلافًا للرافعي 503، والأولى: حمل كلامهما على الطاهر؛ لإفرادهما مسألة اجتماع النجاسة والحدث.
198 - قول "المنهاج" [ص 78]: (ثم الوضوء -وفي قول: يؤخر غسل قدميه-) الخلاف في الأفضل، فيحصل بكل منهما أصل سنة الوضوء.
199 - قولهما: (ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله) 504 ليست الواو للترتيب؛ فإن تخليله قبل الإفاضة، فيدخل أصابعه العشرة في الماء، فيشرب بها أصول شعر رأسه.
200 - قول "التنبيه" [ص 19]: (ثم يفيض الماء على سائر جسده) ظاهره: أنه لا يقدم الشق الأيمن، ولا خلاف في استحبابه، وصرح به "المنهاج" 505، وقد يندرج في قول "الحاوي" في ذكر سنن الغسل [ص 132]: (والترتيب) فيدخل فيه ترتيب الأيسر على الأيمن.
201 - قول "التنبيه" بعد ذكر إفاضة الماء على الرأس [ص 19]: (ثم الجسد، يفعل ذلك ثلاثًا) قال في "الكفاية": (ظاهره: أنه يفعل ذلك مرة ثم مرة ثم مرة، والخبر يقتضي تثليث التخليل ونحوه قبل إفاضة الماء على الجسد، وهو المنصوص في "المختصر"، وتابعه الأصحاب) 506.
قال شيخنا جمال الدين في "الهداية": (مقتضى هذا الكلام: استحباب التثليث في الجسد، وذلك لم يرد في الحديث، ولم يقله الشافعي ولا الأصحاب).
202 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (وتتبع لحيض أثره مسكًا، وإلا .. فنحوه) 507 وعبارة "التنبيه" [ص 19]: (وإن لم تجد .. فطيبًا غيره) فيه أمور:
أحدها: النفاس كالحيض.
ثانيها: يستثنى من ذلك: المُحِدَّة؛ فإنها تطيب المحل بقليل من قسط أو أظفار؛ كما ذكره
الحديث: 196 - الجزء: 1 - الصفحة: 139
الرافعي في "العدد"، ويحتمل إلحاق المُحْرِمَة بها؛ لأن منع المعتدة من الطيب أشد؛ فإنه يحرم عليها استدامته، بخلاف المُحْرِمَة، ويحتمل منعها من الطيب مطلقًا، لقصر زمن الإحرام غالبًا.
ثالثها: أن عبارتهما صريحة في أن الانتقال إلى غير المسك من أنواع الطيب إنما يكون عند فقد المسك، وهذا هو المعتمد، وعبارة "المحرر": (مسكًا ونحوه) 508 ولم يقيده بالفقد، فقول "المنهاج": (وإلا) من زوائده، ومشى "الحاوي" على ما في "المحرر"، فقال [ص 132]: (والتطيب في الحيض) فلم يفرق بين المسك وغيره.
رابعها: قول "المنهاج" [ص 78]: (فنحوه) يحتمل أن المراد بـ (نحوه): طيب فيه حرارة؛ كالقسط والأظفار ونحوهما، بناء على أن العلة في المسك: سرعة الحمل، ويحتمل أن المراد: أيّ طيب كان، بناء على أن العلة: تطييب المحل، كما صححه النووي 509.
خامسها: ذكر الرافعي والنووي في "شرح المهذب" بين الطيب والماء رتبة وهو: الطين 510، ولم يذكره في "الروضة" و"المنهاج"، وقال شيخنا جمال الدين في "تصحيح التنبيه": (والصواب: تتبع الحائض أثر الدم بالمسك، فإن لم تجد .. فبالطين، فإن لم تجد .. فبالماء) 511.
سادسها: قول "التنبيه" [ص 19]: (فإن لم تجد .. فالماء كاف) ذكره تأكيدًا، فقد عرف ذلك من قوله: (إن التطيب مستحب) 512.
203 - قول "المنهاج" [ص 78]: (ولا يسن تجديده) أي: الغسل، وكذا التيمم، وفيهما وجه.
204 - قوله: (بخلاف الوضوء) 513 أي: فيسن تجديده، لكن بشرط: أن يصلي بالوضوء الأول صلاة فرضًا أو نفلًا على الأصح، فالمراد: مخالفة الوضوء للغسل في استحباب تجديده في الجملة، لا أنه يستحب تجديده مطلقًا.
205 - قولهما -والعبارة لـ"المنهاج"-: (ويسن ألا ينقص ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع) 514 وفي "الحاوي" [ص 127، 132]: (وسن بمد ... وبصاع) فيه أمور:
الحديث: 203 - الجزء: 1 - الصفحة: 140
أحدها: أن هذا التقدير تقريب.
ثانيها: حمله الشيخ عز الدين في "القواعد" على من هو معتدل الخلقة؛ كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، فلو كان ضئيلًا أو متفاحش الطول والعرض .. فيستحب له أن يستعمل في الوضوء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى جسد النبي عليه الصلاة والسلام، وكذا قياس الغسل 515، وذكر في "الإقليد" نحوه، وقال: (فلو قيل: بتطهر غير مسرف ولا مقتر .. كان أضبط).
ثالثها: مقتضى كلامهما: أنه لا يسن ترك الزيادة على المد والصاع، وهو خلاف مقتضى عبارة "الحاوي" فإنه ذكر من سنن الوضوء: أن يكون بمد، ومن سنن الغسل: أن يكون بصاع، فاقتضى ترك النقص والزيادة، وهو الذي قال في "الكفاية": إن كلام الأصحاب يدل عليه، لكن نازعه شيخنا جمال الدين في "الهداية".
206 - قول "الحاوي" [ص 132]: (بشرط رفع الخبث) فيه أمران:
أحدهما: تبع في ذلك الرافعي 516، وصحح النووي: أنه لا يشترط، فيكفي للخبث والحدث غسلة واحدة 517، ونبه عليه في "المنهاج" 518، لكنه جزم في "شرح مسلم" بأنه لا يكفي 519،
وأقر في (الجنائز) من "الروضة" و"المنهاج" الرافعي على قوله: (إن أقل الغسل: استيعاب بدنه بالماء بعد إزالة ما عليه من النجاسة) 520.
وصححه السبكي، وكلام "التنبيه" يوافق ما صححه في "المنهاج" هنا؛ لأنه لم يعد تقديم غسل النجاسة في واجبات الغسل 521.
وقد يجاب عن ذلك: بأن تقديم غسلها شرط لا ركن، كما صرح به الرافعي 522، ويوافقه تعبير "الحاوي" بالاشتراط.
ثانيهما: لم يقيد "الحاوي" و"المنهاج" تبعًا للرافعي و"الروضة" النجاسة، وقيدها في "شرح المهذب" في (باب نية الوضوء) بالنجاسة الحكمية 523، وصور السبكي المسألة: بما إذا
الحديث: 206 - الجزء: 1 - الصفحة: 141
لم تحل النجاسة بين الماء والعضو، وكان الماء كثيرًا أو قليلًا، ولكنه يزيله بمجرد الملاقاة، فإن انتفى شرط منهما .. لم يكف قطعًا.
207 - قولهما -والعبارة لـ"التنبيه"-: (والواجب من ذلك: النية، وإيصال الماء إلى الشعر والبشرة) 524 يشترط فيه أيضًا: الإِسلام على المشهور.
قال في "الكفاية": إن ذكر النية يقتضى اشتراطه، وهو ممنوع؛ ولهذا قال الرافعي: لعل التعليل بالعبادة أولى من التعليل بأنه لا تصح منه النية؛ لأن نية رفع الحدث مقصودة من الكافر، ويستثنى: غسل الذمية من الحيض للمسلم، فإنه يصح، والأصح: يشترط نية إباحة الاستمتاع، وكذا الناكح القاهر؛ لكون المنكوحة مجنونة أو ممتنعة، وإذا أسلمت .. تعيد في الأصح 525.
ويشترط أيضًا: رفع الخبث قبله، كما صححه الرافعي 526، وقد تقدم، وقد يقال: لا يرد الإِسلام ورفع الخبث عليهما؛ لأنهما شرطان، وإنما تكلما على الأركان، وقد ذكرهما "الحاوي" 527.
208 - قول "التنبيه" [ص 19]: (وسننه: الوضوء، والدلك، والتكرار) بقي عليه: التخليل، والتثليث، والتطيب في الحيض كما ذكرها من قبل، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع كما ذكره بعد، وإزالة القذر، وتعهد المعطف، والترتيب؛ أي: بين إزالة القذر والوضوء وتعهد المعطف كما ذكرها "المنهاج" و"الحاوي" 528 والموالاة، والتسمية أوله، واستصحاب النية إلى آخره، والإتيان بالشهادتين بعده، وغير ذلك.
209 - قول "الحاوي" و"المنهاج" -والعبارة له-: (ومن اغتسل لجنابة وجمعة .. حصلا) 529 وكذا في "المحرر" و"الروضة" و"التحقيق" وغيرها 530، وفي الرافعي: إن قلنا: لو اقتصر على نية الجنابة .. لم تحصل الجمعة -وهو المجزوم به في "المحرر" و"المنهاج"- فمقتضاه: عدم صحة الغسل؛ كما لو نوى بصلاته الفرض والنفل، وإن قلنا: يحصل .. فالأصح: الصحة؛ كنية التبرد.
انتهى 531.
الحديث: 207 - الجزء: 1 - الصفحة: 142
وأورد شيخنا في "المهمات" على التفريع الأول: إذا نوى بصلاته الفرض والتحية .. فإنه يصح، وعلى الثاني: أن في نية التبرد التشريك بين عبادة وغيرها، وما نحن فيه عبادتان، ونقل عن نص الشافعي في "البويطي" حصولهما 532.
وقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (جزمُ "المحرر" بالحصول فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه فرضها في "الشرح" في الضرر لا في الحصول.
والثاني: أنه فرعها على حصول الجمعة بنية الجنابة، وهو خلاف جزم "المحرر" بأنه إذا نوى أحدهما .. حصل فقط، وما في "الروضة" غير مطابق لأصلها فتأمله) 533.
210 - قول "التنبيه" [ص 19]: (ومن نوى الغسل من الجنابة .. لم يجزه عن الجمعة) وفي معناه قول "المنهاج" [ص 79]: (أو لأحدهما .. حصل فقط) وكذا في "المحرر" 534، وصححه النووي في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين 535.
لكن ذكر الرافعي في "الشرح" حصولهما 536، وعليه مشى "الحاوي" 537، وهذا إذا لم ينف غسل الجمعة، فإن نفاه .. ففي حصوله احتمال للإمام 538، والظاهر: المنع، وتعبير "المنهاج" بـ (الحصول) أولى من تعبير "التنبيه" بقوله: (لم يجزه عن الجمعة) إذ ليس في عبارته التصريح بإجزائه عن الجنابة وإن كان هذا أمرًا واضحًا، وكذا قول "التنبيه" [ص 19]: (ومن نوى غسل الجمعة .. لم يجزه عن الجنابة) لا يستفاد منه صحة غسل الجمعة، ويستفاد ذلك من قول "المنهاج" [ص 79]: (أو لأحدهما .. حصل فقط)، ومن قول "الحاوي" [ص 132]: (أو للنفلين -أي: الجمعة، والعيد- أو أحدهما .. حصلا) يعني: العيد والجمعة.
211 - قول "المنهاج" [ص 79]: (ولو أحدث، ثم أجنب أو عكسه .. كفى الغسل على المذهب) ليس الخلاف في الصورة الأولى طرقًا حتى يعبر عنه بالمذهب، بل أوجهًا، الأصح: أنه يكفي الغسل بنيته، وهل يشترط نية الوضوء معه؟ وجهان: أصحهما: لا، وهل يشترط في الغسل ترتيب أعضاء الوضوء؟ وجهان: أصحهما: لا، ومقابل الأصح أولًا: أنه لا بد من وضوء
الحديث: 210 - الجزء: 1 - الصفحة: 143
وغسل يقدم ما شاء منهما، والأفضل: تقديم الوضوء، أما الصورة الثانية .. ففيها طرق: أصحها: طرد الخلاف المتقدم، وقيل: يكفي الغسل قطعًا؛ لتأثر جميع البدن بالأكبر، فلم يؤثر فيه الأصغر، وقيل: لا يندرج قطعًا؛ كما لا تندرج العمرة الداخلة على الحج فيه، بخلاف العكس، فكان ينبغي أن يقول: (ولو أحدث ثم أجنب .. كفى الغسل في الأصح، وكذا في عكسه على المذهب) وبقي: ما إذا وقعا معًا؛ بأن مس مع الإنزال، وحكمه كتقدم الحدث الأصغر، فلو قال: (ومن وجب عليه وضوء وغسل) كما فعل في "التنبيه" .. لتناول هذه الصورة، والله أعلم.
212 - قول "الحاوي" [ص 132]: (وإن نوى رفع الحدث الأصغر غلطًا .. ارتفعت عن أعضاء الوضوء سِوَى الرأس) أي: فلا يرتفع الحدث عنه ولو غسله؛ لأنه إنما نوى المسح لكونه فرضه والغسل بدل عنه، ولا يجزئ المسح عن الغسل.
واستثنى الشيخ أبو على السنجي في "شرح الفروع": اللحية الكثيفة، فقال: لا ينبغي ارتفاع الحدث عن باطنها ولو أوصل الماء إليه؛ لأن إيصاله غير واجب في الوضوء، فلم تتضمنه نيته إلا أن يخرج على الوجهين فيما إذا توضأ بنية التجديد؛ لأن إيصال الماء إليه في الوضوء مستحب، نقله في "المهمات" وقال: إنه استدراك صحيح.
213 - قوله: (ونُدِبَ للجنب غسل الفرج ... إلى آخره) 539 الحائض إذا انقطع دمها كالجنب، كما حكاه في "الروضة" عن الأصحاب 540.
214 - قول "التنبيه" [ص 20]: (إن الأغسال المسنونة اثنا عثر غسلًا) أهمل أغسالًا أخر:
- الغسل للأذان.
- ولدخول المسجد، ذكرهما الرافعي 541.
- ولحضور كل مجمع من مجامع الخير، نقله في "شرح المهذب" عن نص الشافعي واتفاق الأصحاب 542.
- وللاعتكاف، نقله ابن خيران الصغير في "اللطيف" عن نص الشافعي، وقد يقال: هو مندرج في دخول المسجد.
- ولدخول الكعبة؛ كما نقله الإِمام عن ابن القاص والقفال 543، وتبعه في "الكفاية"، والذي
الحديث: 212 - الجزء: 1 - الصفحة: 144
في "تلخيص ابن القاص": أن الشافعي -في القديم- استحبه لطواف الزيارة، وعبر عنه القفال شارحه بالغسل لزيارة البيت، وهو استعمال صحيح، فتوهم الإِمام منه ما ذكره، والله أعلم 544.
- ولكل ليلة من رمضان، قاله الحليمي.
- وللاستحداد.
- وبلوغ الصبي.
- ودخول الحمام، قالها الشيخ أبو حامد العراقي في "الرونق".
الجزء: 1 - الصفحة: 145
بابُ النّجاسة
215 - كذا في "المنهاج" 545، وفي "التنبيه" [ص 23]: (إزالة النجاسة) والباب مشتمل على ذكر النجاسة وإزالتها، فكان الأولى ذكرهما في التبويب، وإن كان لا بد من الاقتصار على أحدهما .. فما فعله في "التنبيه" أحسن؛ لأنه اللائق بكتاب الطهارة، وإزالة النجاسة متوقفة على معرفة النجاسة، فتذكر تبعًا.
وظاهر كلام الثلاثة: انحصار النجاسة فيما ذكروه، وليس كذلك، فكان ينبغي أن يذكر لها ضابط إجمالي، وهو كما قال المتولي: كل عين حرم تناولها على الإطلاق مع إمكان التناول، لا لحرمتها، زاد النووي: واستقذارها، وضررها في بدن أو عقل 546.
فخرج بالإطلاق: ما يباح قليله دون كثيره 547، كبعض النبات الذي هو سم.
وبالإمكان: الحجر ونحوه من الأشياء الصلبة.
قال السبكي: ولا يحتاج إليه؛ لأن ما لا يمكن تناوله لا يوصف بتحريم ولا تحليل.
وبعدم الحرمة: الآدمي.
وبالاستقذار: المخاط، والمني ونحوهما.
وبضرر البدن والعقل: السم الطاهر الذي يضر قليله وكثيره، والتراب، والحشيش المسكر.
وزاد السبكي بعد الإطلاق: في حالة الاختيار؛ ليدخل الميتة؛ فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (وفي هذا الضابط تجوز؛ فإن النجاسة حكم شرعي، فكيف تفسر بالأعيان؟ بل ما ذكر حد للنجس, وقال صاحب "الإقليد": رسموها بحكمها الذي لا يعرف إلا بعد معرفتها؛ ككل عين حرمت لا لمضرتها, ولا لتعلق حق الغير بها، أو كل ما يبطل ملاقاته الصلاة) 548.
216 - قول "الحاوي" [ص 117]: (المسكر) يتناول: الخمر، والنبيذ المتخذ من التمر والزبيب ونحوهما؛ ولهذا لما عبر "التنبيه" بالخمر .. ذكر بعده النبيذ 549، فإنه لا يسمى
الحديث: 215 - الجزء: 1 - الصفحة: 146
خمرًا حقيقة عند الأكثرين، كما صرح به الرافعي 550.
فعبارة "الحاوي" أخصر، وقيد "المنهاج" من زيادته المسكر بالمائع 551، احتراز من الحشيش المسكر ونحوه؛ فإنه مع تحريمه طاهر.
وفي "المصباح": الحشيشة نجسة إن ثبت أنها مسكرة.
وفي "التعليقة على الحاوي": أن البنج مخدر غير مسكر.
وفي "فوائد الرحلة" لابن الصلاح حكايته وجه عن صاحب "التقريب": أن ما كان من النبات سمًا قاتلًا يكون نجسًا، وأنه رد عليه بنص الشافعي.
وأورد بعضهم على "المنهاج": الخمر إذا انعقدت وهي مسكرة؛ فإن حكم التنجيس باق.
وأجيب: بأنه حكم بنجاستها وهي مائعة، ولم يحدث ما يطهرها.
وأورد عليه أيضًا: إن دُرْديَّ الخمر؛ فإنه جامد مع نجاسته.
217 - قول "المنهاج" [ص 80]: (وفرعهما) أي: فرع كل منهما، وكذا قول "الحاوي" [ص 117]: (والفرع) وأوضح منهما قول "التنبيه" [ص 23]: (وما تولد منهما أو من أحدهما).
218 - قولهما والعبارة لـ"المنهاج": (وميتة غير الآدمي والسمك والجراد) 552 يستثنى أيضًا: الجنين يوجد ميتًا عند ذبح أمه.
والصيد يموت قبل أن تدرك ذكاته، وكذا موته بضغطة الكلب في الأصح، وتناول هذه الصور قول "الحاوي" [ص 117]: (والمأكولة)، وعند التحقيق لا يحتاج لاستثنائها؛ لأن الشرع جعل ذكاتها بذلك، فليست ميتة.
219 - قول "التنبيه" [ص 23]: (والآدمي) قد يفهم من استثناء جملته: نجاسة جزئه المنفصل، وإليه ذهب العراقيون أو جمهورهم، كما في "شرح المهذب" 553، والصحيح: الطهارة.
220 - قولهم: (والقيء) 554 أي: من آدمي وغيره سواء تغير أم لا، كما صححه في "شرح المهذب" 555، وهو ظاهر ما في "الشرح الصغير"، وفيما إذا لم يتغير .. وجه: أنه متنجس لا نجس العين.
الحديث: 217 - الجزء: 1 - الصفحة: 147
ويشكل على الأول ما في "الروضة" وغيرها: أن البهيمة إذا ألقت الحب صحيحًا؛ فإن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع لنبت .. فهو طاهر العين، فيغسل ويؤكل، هالا .. فهو نجس 556. 221 - قول "المنهاج" [ص 80]: (وروث) أحسن من تعبير "التنبيه": بـ (الغائط) 557، و"المحرر": بـ (العذرة) 558 فإنهما مختصان بالآدمي، والروث أعم، وذكر في "الروضة" الروث، والعذرة معًا، ومثله: سرجين البهائم، وذرق الطير 559. نعم؛ إنفحة المأكول المذكى قبل أكل العلف طاهرة في الأصح، وقد ذكرها "الحاوي"، لكنه أطلق طهارتها بغير شرط 560. وأجيب عنه: بأنه لم يحتج لذكر التذكية؛ لتقريره بنجاسة الميتة، ولا لذكر أخذها قبل أكل العلف؛ لأنها متى أكلت غير اللبن .. لا تسمى إنفحة بل كرشًا، كما ذكره الجوهري وغيره 561. قال شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني: إن الإنفحة تطلق على كرش السخلة وعلى اللبن الذي فيها, ولا خلاف في طهارة عينها بالمعنى الأول، أما بالمعنى الثاني: فهي التي تعرض لها الرافعي والنووي، وصححا فيها الطهارة بالشرطين المذكورين 562، والأرجح: نجاستها؛ لأنها فضلة مستحيلة غير منتفع بها، ويمكن الاستغناء عنها بالتجبين بنفس الجلدة، وتعبير "الحاوي": بـ (الفضلة) يشمل الجميع فهو أولى 563. ويستثنى من كلامهم أمران: أحدهما: فضلة رسول صلى الله عليه وسلم، فهي طاهرة مطلقًا، كما جزم به ابن القاص والبغوي، وصححه القاضي حسين، ونقله العمراني عن الخراسانيين، وصححه السبكي 564. قال شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني: (إن به الفتوى وإن حكى الرافعي والنووي عن الجمهور خلافه) 565. ثانيهما: الدم الباقي على اللحم وعظامه، نقله في "شرح المهذب" عن أبي إسحاق الثعلبي
الحديث: 221 - الجزء: 1 - الصفحة: 148
المفسر من أصحابنا، وقال: (قَلَّ من تعرض له، وهو مهم؛ لمشقة الاحتراز منه؛ ولأن الله تعالى لم ينه عن كل دم، وإنما نهى عن المسفوح خاصة، وهو السائل) انتهى 566.
وقد يقال: هو معفو عنه لا طاهر.
ويستثنى أيضًا: ما لو أكلت بهيمة حبًا ثم ألقته صحيحًا وصلابته باقية، بحيث لو زُرع .. نبت؛ فإن عينه طاهرة، لكنه متنجس الظاهر فقط، وهو من جملة الروث.
222 - قول "الحاوي" [ص 117]: (وماء القروح والنفاطات) أي: إن لم تتغير رائحته، كذا صححه الرافعي 567، وصحح النووي: الطهارة عند عدم التغير 568، وادعى بعضهم أنه مفهوم من اقتصار "التنبيه" على القيح 569.
223 - قول "الحاوي" [ص 117]: (لا البلغم -وهو: النازل من الدماغ- والنخامة) وهي من الصدر، وأما الخارج من المعدة .. فنجس, وقال بعضهم: هو رطوبة، وليس ببلغم ولا نخامة.
224 - قوله: (وبيضه) 570 أي: بيض المأكول، أما بيض غيره: ففيه الوجهان في منيّه، صحح الرافعي: النجاسة 571، وهو مفهوم "الحاوي"، وصحح النووي: الطهارة 572.
225 - قول "التنبيه" [ص 23]: (قيل: ومني غير الآدمي، وقيل: ومني ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي) ضعف كلًا من الوجهين، ومقتضاه: تصحيح طهارة المني مطلقًا، وكذا صححه النووي 573.
لكن يستثنى منه: مني الكلب والخنزير وفرع أحدهما.
وصحح الرافعي: نجاسة مني غير الآدمي مطلقًا، وعليه مشى "الحاوي" 574.
226 - قولهما: (ولبن ما لا يؤكل غير الآدمي) 575 وقول "الحاوي" [ص 118]: (ولبن البشر) يشمل: الذكر والأنثى صغيرة كانت أو كبيرة، وهو موافق لتعبير ابن سراقة بـ (لبن بني آدم)، وفي "شرح الكفاية" للصيمري: ألبان الآدميين والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها وجواز بيعها.
الحديث: 222 - الجزء: 1 - الصفحة: 149
وقال ابن يونس، وصاحب "البيان" في (الرضاع): لبن التي لم تستكمل تسع سنين نجس 576.
وقال ابن الصباغ: لبن الرجل نجس.
قال شيخنا الإِمام البلقيني: والأصح: طهارته، ونجاسة لبن الثور، ويتصور ذلك: بأن يكون خنثى، أو يخلق الله له أخلافًا، والفرق بينهما: زيادة الندور في لبن الثور بعدم الأخلاف.
وقال صاحب "الاستقصاء" في (البيع): لا يجوز بيع لبن الرجل وإن قلنا بطهارته؛ لامتناع شربه.
وقال ابن الصباغ وغيره: إن لبن الميتة نجس, وقال الروياني: هو طاهر يجوز شربه وبيعه، نقله عنه في (البيع) من "شرح المهذب" وأقره 577.
227 - قول "الحاوي" و"المنهاج" -والعبارة له-: (والجزء المنفصل من الحي كميتته، إلا شعر المأكول؛ فطاهر) 578 فيه أمران:
أحدهما: يستثنى من ذلك: ما لو قطع عضو أو جناح من مأكول؛ فإن شعره وريشه نجس تبعًا للعضو، وهي واردة أيضًا على مفهوم قول "التنبيه" [ص 23]: (وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته)، وعليه إيراد آخر، وهو: أنه يقتضي نجاسة شعر الآدمي ولو قلنا بطهارة جثته، وصححه الماوردي وابن الرفعة 579.
لكن الأصح: خلافه، ولعل "التنبيه" اكتفى بتصحيح طهارة ميتته عن إعادته في أجزائه، وعنه جواب آخر، وهو: أن قوله بعد هذا: (غير الآدمي) 580 يعود إلى هذه المسألة أيضًا؛ لأن قاعدة الشافعي: عود المتعلقات المتعقبة مُجمل لجميعها.
ثانيهما: المسك طاهر، وكذا فأرته 581 في الأصح، وقد استثناه في "الحاوي" 582 فهو وارد
الحديث: 227 - الجزء: 1 - الصفحة: 150
على "المنهاج"، لكن شرط طهارتها: انفصالها حال حياة الظبية، وإنما ذكر "الحاوي" المسك مع الأجزاء مع أنه من الفضلات؛ ليفرق بينه وبين فأرته.
228 - قول "التنبيه" [ص 23]: (والعلقة في أحد الوجهين) الأصح: الطهارة، كما صرح به "المنهاج" 583، قال شيخنا جمال الدين في "شرح المنهاج": (شرط طهارة العلقة والمضغة على قاعدة الرافعي: أن يكونا من الآدمي؛ فإن مني غيره نجس عنده 584، والعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني؛ ولهذا تردد في "المنهاج" في نجاستهما مع جزمه فيه بطهارة المني، وأما على تصحيح النووي طهارة المني المذكور .. ففيه نظر) 585.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (ولك أن تمنع كونهما أولى بالنجاسة من المني؛ فإنهما صارا أقرب إلى الحيوانية منه، وهو أقرب إلى الدموية منهما، قال: وأما جزمه بطهارة المني .. فهو في مني الآدمي، والشارح لم يفرض الكلام فيه، بل فرضه في غير الآدمي، والخلاف فيه، قال: وظاهر إطلاق الجمهور وتعليلهم يقتضي التعميم، إلا أنهم قاسوا الطهارة على المني، ولا يتمشى في غير الآدمية؛ فإن فيه خلافًا قويًا، صحح الرافعي: نجاسته، فكيف يقاس عليه؟ ) انتهى 586.
ومفهوم "الحاوي": نجاسة مضغة غير الآدمي وعلقته؛ فإنه قال -عطفًا على الطاهرات-: (وأصله) 587 .. فاقتضى أن أصل غيره نجس, وذلك شامل للمني والعلقة والمضغة.
وعبر "المنهاج" في المضغة بـ (الأصح) كما فعل في العلقة 588، لكنه عبر في "الروضة" بـ (الصحيح) 589 وصحح في "شرح المهذب": القطع به 590، فعلى هذا كان ينبغي التعبير بالمذهب، ويوافقه حكايته "التنبيه" الخلاف في العلقة، وسكوته عن المضغة 591.
وقد تُرَجَّح طريقة الوجهين في المضغة:
بأنها إما كميتة الآدمي، وفيها قولان.
الحديث: 228 - الجزء: 1 - الصفحة: 151
أو كجزئه المنفصل، وفيه طريقان: طرد الخلاف، أو القطع بالنجاسة، فكيف يقطع فيها بالطهارة؟ .
229 - قول "التنبيه" [ص 23]: (ورطوبة فرج المرأة في ظاهر المذهب) فيه أمور:
أحدها: الأصح: الطهارة، كما في "المنهاج" 592، وكان ينبغي له التعبير بـ (الأظهر) على اصطلاحه؛ لأن الخلاف في الرطوبة قولان منصوصان.
ثانيها: لا يتقيد الحكم بفرج المرأة؛ فغيرها من الحيوان الطاهر مثلها في الخلاف وتصحيح الطهارة؟ ولهذا أطلق "المنهاج" ذكر الفرج 593، لكنه قيده بفرج المرأة في "الروضة" 594 كما في "التنبيه" و "المحرر" 595.
ثالثها: رطوبة الفرج: ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، قاله في "شرح المهذب"، قال: (وأما الرطوبة الخارجة من باطن فرج المرأة: فإنها نجسة) 596 , وكذا قاله الرافعي في "الشرح الصغير".
وقال الإمام: لا شك في نجاستها 597.
وإنما قلنا بطهارة ذكر المجامع ونحوه على ذلك القول؛ لأنا لا نقطع بخروجها.
قال في "الكفاية": (وفي ذلك ما يوضح الفرق بين رطوبة فرج المرأة ورطوبة باطن الذكر؛ لأنها لزجة لا تنفصل بنفسها ولا تمازج؛ كسائر رطوبات البدن، فلا حكم لها).
230 - قول "التنبيه" [ص 23]: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان) كقول "المنهاج" [ص 80]: (ولا يطهر نجس العين إلا خمر ... إلى آخره)، وأهملا ثالثًا وهو: ما صار حيوانًا بعد كونه جمادًا نجسًا؛ كالمضغة المحكوم بنجاستها؛ إذ صارت حيوانًا.
وقد ذكره "الحاوي" 598، وأورده في "الكفاية" مع دم الظبية إذا استحال مسكًا، وأجاب عنه: بأنه باطن لا حكم له، ويخدش الجواب: منع البيع والحمل في الصلاة، فالأولى: الجواب: بأن المراد بالاستحالة: تغير صفة الشيء مع بقائه بحاله، ولا يوجد في غير المذكورين وما عداهما تطور من حال إلى حال.
الحديث: 229 - الجزء: 1 - الصفحة: 152
وأجاب بعضهم عن إهمال "الحاوي" المسك: بأنه قد قرر طهارته أولًا.
وأجاب بعضهم عن العلقة والمضغة: بأن القول بنجاستها ضعيف.
231 - قولهم: (الخمر) 599 يخرج: النبيذ المتخذ من التمر والزبيب؛ فإنه لا يسمى خمرًا كما تقدم، وقد صرح القاضي أبو الطيب في (كتاب الرهن): بأنه لا يطهر بالتخلل، وأقره عليه في "المطلب"، لكن قال السبكي: المختار: خلافه.
232 - قولهم: (إن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلًا .. طهرت) 600 يستثنى منه: ما إذا لاقاها حال الخمرية نجس مجاور وانفصل وهي خمر ثم صارت خلًا بنفسها .. فإنها لا تطهر، كما ذكره النووي في "فتاويه" 601.
233 - قول "التنبيه" [ص 23]: (وإن خللت .. لم تطهر) يستثنى: ما إذا خللت بنقلها من شمس إلى ظل، أو عكسه، أو فتح رأسها للهواء .. فالأصح: أنها تطهر، وقد ذكره "المنهاج" 602، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 118]: (تخللت بلا عين).
234 - قول "المنهاج" [ص 80]: (فإن خللت بطرح شيء .. فلا) يرد عليه: ما لو وقع فيها شيء بغير طرح؛ كإلقاء الريح ونحوها .. فالأصح: أنها لا تطهر، فلو قال: (بوقوع شيء) .. لتناول هذه؛ لأن الطرح يستدعي فعلًا.
235 - قول "التنبيه" في جلد الميتة [ص 23]: (إذا دُبغ .. فإنه يطهر) أي: عينه، وهو كثوب متنجس, ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 603.
236 - قوله: (ويحل بيعه في أحد القولين) 604 هو الأصح.
237 - قوله: (وإذا ولغ الكلب) 605 لا يختص الحكم بالولوغ، بل سائر أجزائه كذلك، وقد قيل: إنه أولى بالحكم؛ لأن فيه أطيب ما فيه، ولنا وجه: أنه يختص بالولوغ، فيكفي في غيره مرة كسائر النجاسات، قال في "الروضة": إنه شاذ 606، وفي "شرح المهذب": إنه قوي دليلًا 607.
الحديث: 231 - الجزء: 1 - الصفحة: 153
ثم قد يلغ، ولا يثبت هذا الحكم، لكونه ولغ في ماء كثير ولم يصب شيء منه شيئا من الإناء؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 81]: (وما نجس بملاقاة شيء من كلب) ليحترز عن هذه الصورة، وعن الملاقاة مع الجفاف من الطرفين، ومع ذلك فأورد على تعبيره بالملاقاة: ما إذا وقع شيء من روثه أو دمه في ماء كثير وتغير به .. فإنه ينجس, لا بالملاقاة بل بالتغير.
وأجيب عنه: بأن الكلام في الإناء وقد تنجس بملاقاة المتغير بدم الكلب.
ولا يرد شيء من ذلك على عبارة "الحاوي" لأنه أطلق النجاسة بالكلب والخنزير ولم يقيدها بولوغ ولا ملاقاة 608، والمراد في كلامهم: جنس الكلب، فلو ولغ كلاب .. فالحكم كذلك في الأصح.
238 - قولهم: (والخنزير) 609 زاد "المنهاج" [ص 81]: (في الأظهر) ورجح النووي من حيث الدليل: الاكتفاء فيه بمرة واحدة، بل قال: (إن القوي من جهة الدليل طهارته) 610.
239 - قول "الحاوي" [ص 119]: (وفرعه) أي: فرع أحدهما، وأوضح منه قول "التنبيه" [ص 23]: (وما تولد منهما أو من أحدهما) ولم يتعرض لذلك في "المنهاج" اكتفاء بما تقدم في نجاسة الكلب والخنزير ومنيهما.
245 - قول "التنبيه" [ص 23]: (في إناء) مثال، فغيره كذلك.
241 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه" -: (لم يطهر حتى يغسل سبع مرات) 611 فيه أمران:
أحدهما: مقتضاه الاكتفاء بالسبع في نجاسة الكلب العينية، وهو الأصح في "الشرح الصغير"، لكن الأصح في "الروضة" وغيرها: أن الغسلات المزيلة للعين تعد مرة واحدة 612.
ثانيهما: يقوم مقام غسله سبعًا وضعه في ماء جار وجريانه عليه سبعاً، كما جزم به في "الشرح الصغير "، وتحريكه في الماء الراكد سبعاً، كما ذكره البغوي وغيره 613.
242 - قول "المنهاج" [ص 81]: (إحداها: بتراب) وفي "المحرر" و "التنبيه": (إحداهن) 614 وهو أولى؛ لموافقته للحديث، وهو أفصح، كما في قولهم: الأجذاع انكسرن، وأطلق "التنبيه" ذكر التراب، واعتبر "الحاوي" كونه طاهرًا 615، وقال في "المنهاج" بعد
الحديث: 238 - الجزء: 1 - الصفحة: 154
ذلك [ص 81]: (ولا يكفي تراب نجس في الأصح).
ومقتضى كلامهما: أنه يكفي المستعمل، وفي "شرح المهذب" في تعليل عدم إجزاء النجس؛ لأنه غير طهور.
انتهى 616.
وهو يقتضي عدم إجزاء المستعمل، ولم يتعرضوا للتصريح بذلك.
وقال السبكي في "شرح مختصر التبريزي": ينبغي أن يجوز.
ولم أر من صرح به، ويرد على إطلاق "التنبيه" و "المنهاج": ما إذا تنجست الأرض الترابية .. فلا يجب فيها التتريب، وأشار لذلك "الحاوي" بقوله [ص 119]: (لا الأرض) لكنه يوهم نفي الغسل مطلقًا، وإنما أراد: نفي التتريب، وبعضهم يقول: يكتفى بترابها، وهو على هذا مستثنى من اشتراط طهارة التراب لا من اشتراط أصل التراب، والله أعلم.
وصريح كلامهم: أنه لا يتعين للتراب غسلة، وهو المشهور، لكن الأُولى أَوْلى، وظاهر عبارة الشافعي في "البويطي": تعين الأولى أو الأخرى 617، وعليه جرى المرعشي في كتابه "ترتيب الأقسام"، وذكره السبكي بحثًا.
243 - قول "التنبيه" [ص 23]: (فإن غسل بدل التراب بالجص والأشنان .. ففيه قولان، أصحهما: أنه يطهر) الأظهر: أنه لا يطهر، وقد ذكره "المنهاج" 618.
244 - قول "التنبيه" [ص 23]: (وإن غسل بالماء وحده .. ففيه وجهان) أي: زاد ثامنة بدل التراب؛ فإنه محل الخلاف، والأصح: أنه لا يطهر، وليس المراد: أنه غسل سبعًا بغير تتريب؛ فإن ذلك لا يكفي بلا خلاف، وعبارة "النبيه" 619 مختصر الكتاب: (ولو أبدل التراب بغسلة) وهي أوضح، لكن فيها نظر؛ لأن الباء تدخل على المتروك، فمقتضاها: أنه ترك الغسل وأتى بالتراب، وهو خلاف المراد.
245 - قول "التنبيه" -والعبارة له - و "الحاوي": (ويجري في بول الغلام الذي لم يطعم) 620 زاد "المنهاج" [ص 81]: (غير لبن) وهي موافقة لعبارة الرافعي وغيره 621.
قال ابن يونس وابن الرفعة: (لم يطعم ما يستقل به؛ كالخبز ونحوه).
وفي العبارة الأولى إفراط؛ لأن الصغير لابد له عادة من تلعيق العسل ونحوه، وفي الثانية
الحديث: 243 - الجزء: 1 - الصفحة: 155
تفريط؛ لأنه قد لا يستقل بالخبز ونحوه، ومع ذلك فيشتمل جوفه على ما يستحيل استحالة مكروهة.
والتوسط في ذلك قول النووي في "شرح المهذب": (لم يأكل غير اللبن من الطعام؛ للتغذي) 622 ونحوه: قوله في "شرح مسلم": (فإن أكل الطعام على جهة التغذي .. غُسِل قطعًا) 623.
وهي عبارة التبريزي في "مختصره" حيث قال: (الذي لم يتغذ بالطعام) واختارها السبكي، ونقل الشيخ زين الدين البلِفْيَائِيُّ عن "شرح الوسيط" لوالده: أن الشافعي نص على أن الرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام 624.
وعبر "التنبيه" و "المنهاج" بالنضح 625، أي: بالحاء المهملة، وقيل بالمعجمة أيضًا، وعبر "الحاوي" بالرش 626، والمراد بهما: استيعاب المحل بالماء، ويشترط: المغالبة والمكاثرة في الأصح، لا جريان الماء وتقاطره؛ فإنه لا يشترط قطعًا وهو الغسل، كذا ذكر الرافعي والنووي 627.
ونقل ابن الصلاح عن الجويني والقاضي حسين والبغوي: أن النضح إنما يفارق الغسل من جهة أنه لا يشترط فيه العصر قطعًا، وفي الغسل وجهان، وكيف كان فلا يكفي الرش المبقع 628، إلا أن شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني اختار الاكتفاء به، وقال: إن كلام الشافعي يدل عليه.
246 - قول "التنبيه" [ص 23]: (ويجزئ في غسل سائر النجاسات) أي: باقيها، وعبارة "الحاوي" نحوها 629.
محل ما ذكراه: إذا كان المتنجس جامدًا، فأما المائع: فلا يمكن تطهيره، إلا الدهن على وجه ضعيف، وهو مفهوم من تفرقة "التنبيه" في (البيع) بين الزيت النجس؛ حيث عده مع الكلب، وبين الثوب النجس؛ حيث جوز بيعه 630، وصرح بالمسألة في "المنهاج" 631.
247 - قول "المنهاج" [ص 81]: (إن لم تكن عين .. كفى جري الماء) أراد: النجاسة
الحديث: 246 - الجزء: 1 - الصفحة: 156
الحكمية، وهي: ما يتيقن وجودها ولا يدرك لها طعم ولا لون ولا ريح، ولو قال: (إن لم تكن عينية) .. لكان أقرب إلى مراده؛ فإنه لا يلزم من نفي العين نفي الأثر، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 119]: (كجامد نجس بالغسل) أي: طهره بالغسل.
ودل على إرادته الحكمية قوله بعد ذلك: (مع زوال العينية وصفاتها) (1) ولم يتعرض للنجاسة الحكمية في "التنبيه"، فهي واردة عليه، وقد يخرج بقوله: (إلى أن يذهب أثره) (2) فإن الحكمية لا أثر لها.
وقول "المنهاج" [ص 81]: (جري الماء) أحسن من قول "المحرر": (إجراء الماء) (3) لأن جريه بنفسه بمطر أو بسيل مطهر.
ويستثنى من اعتبار الماء: طهارة الدن إذا تخللت الخمر؛ فإنه يطهر للضرورة من غير غسل، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 119]: (بالدن وإن غلت).
248 - قول "المنهاج" [ص 81]: (وفي الريح قول) يفهم الجزم بالطهارة في اللون العسر، وفيه وجه.
قال الرافعي: إنه القياس، وإنما صدَّ عنه الخبر (4)، وجعله في "الروضة" شاذًا (5) , وهو مستفاد من عبارة "المحرر" حيث قال: (ولا بأس ببقاء اللون أو الرائحة إذا عسرت الإزالة على الأصح) (6).
بل جعل القاضي حسين اللون أولى بجريان الخلاف، فقال: إن ضر الريح .. فاللون أولى، وإلا .. احتمل في اللون وجهين؛ لأنه جزء لطيف من العين لا ينفك عنها، والخمر قد تذهب وتبقى ريحها، وظاهر كلامهم: أن اللون أولى بالعفو.
فائدة [ضابط اللون المعفو عنه في النجاسة]
ضبط الإِمام اللون المعفو عنه، فقال: (ما دامت الغسالة متغيرة .. فهو نجس, فإذا صفت مع الإمعان .. عفي عن الأثر الباقي، ثم استشكله بالصبغ النجس؛ فإن غسالته متغيرة أبدًا، قال:632633634635636637
الحديث: 248 - الجزء: 1 - الصفحة: 157
فيظهر عندي اجتنابه، وما ذكروه من العفو أراه إذا لم يقدّر له وزن ويعلم أنه لون بلا عين) انتهى 638.
249 - قول "الحاوي" [ص 119]: (لا اللون العَسِر أو الرائحة) أي: العسرة، فلو أخر الوصف عنهما؛ يقول "المنهاج" [ص 81]: (ولا يضر بقاء لون أو ريح عَسُر زواله) .. لكان أحسن.
250 - قول "التنبيه" [ص 23]: (وما لا يزول أثره بالغسل؛ كالدم وغيره، إذا غُسل وبقي أثره .. لم يضره) محمول على التفصيل الذي في "المنهاج" و "الحاوي" وهو: أنه يضر بقاء الطعم وحده، واللون مع الرائحة، ولا يضر بقاء أحدهما 639.
وقال في "الكفاية": (ظاهر تمثيله بالدم ونحوه يفهم أن مراده: اللون، ولم أر للعراقيين كلامًا في بقاء الأثر إلا في الأرض، فقالوا: يضر اللون قطعًا؛ لأنه عرض لا يبقى بنفسه، وفي الرائحة قولان؛ لتعديها محلها، فكانت أخف، والماوردي قال في الأرض كالعراقيين، وفي الثوب: لا يعفى عن الرائحة قطعًا، والإناء قيل: كالأرض، وقيل: يطهر قطعًا، قال: وحاصل ما نقلته: المنع في اللون في الكل، وأن قضية كلام الشيخ خلاف المنقول) انتهى 640.
وقول "التنبيه" [ص 23]: (إذا غسل) قد يفهم: أنه لو افتقر زوال الأثر لأشنان ونحوه .. لا يجب، وفي "التحقيق" للنووي -تبعًا للقاضي والمتولي-: وجوبه 641.
251 - قولهما: (لم يضر) 642 قد يفهم: أن المحل لم يطهر ولكنه معفو عنه، وبالعفو عبر الغزالي، وهو احتمال للرافعي 643 تعرض لمثله في "التتمة" في الرائحة، وأطلق الأكثرون القول بالطهارة، وصرح بها القاضي حسين، فقال: لو كان نجسًا معفوًا عنه .. لتنجس إذا أصابه بلل، وليس كذلك.
252 - قول "التنبيه" [ص 23]: (المكاثرة بالماء) يعتبر عند قلة الماء كونه واردًا على المتنجس في الأصح، وقد يفهم هذا من قوله في (الوضوء): (فإن كان قد قام من النوم ... ) المسألة 644 فإنه فرق بين الوارد والمورود، وقد ذكر المسألة في "المنهاج"، فقال [ص 81]: (ويشترط: ورود الماء) وهو أحسن من قول "المحرر": (ينبغي) 645 لكنهما لم يبينا أن محل ذلك: في الماء
الحديث: 249 - الجزء: 1 - الصفحة: 158
القليل، وقد ذكره "الحاوي" وبين محله، فقال [ص 119]: (لا بإيراده القليل) والضمير عائد على النجس مع أن في عبارته نظرًا؛ لأنها تحتمل عوده على المورود، فيصير المعنى: لا بإيراده الماء القليل على النجاسة، وهو خلاف المراد؛ فقول ابن الوردي ناظم "الحاوي": (وما قَلَّ وَرَدْ) 646 أحسن.
253 - قول "التنبيه" [ص 23]: (والأفضل: أن يغسل ثلاثًا) و "الحاوي" [ص 119]: (ونُدِبَ التثليث) أحسن منهما قول ابن الوردي: (وَغَسْلَتَيْنِ أنْدُبْ إذا الطُّهْرُ يَتِمْ) 647 فإن الغسلات المزيلة للعين تُعدُّ واحدة.
254 - قول "المنهاج" [ص 81]: (لا العصر في الأصح) بناهما في "المحرر" وغيره على الخلاف في طهارة الغسالة 648، واستشكله ابن الصلاح: بأنها قبل الانفصال طاهرة قطعًا، كما صرحوا به، وإن نقل الإِمام خلافه 649، وقال الإِمام ما معناه: (أنه لا يجب بعد العصر الجفاف، وفيه اختلاف له، قال: ولم يصر إليه أحد) 650.
فإن أوجبنا العصر فلم يعصره .. كفى الجفاف في الأصح.
وقول "المنهاج": (في الأصح) يعود للعصر فقط، وإن كان الخلاف في الورود أيضًا إلا أنه ضعيف لا يعبر عنه بالأصح، وأيضًا: لم يحكه في "المحرر".
255 - قول "الحاوي" [ص 119]: (ولو غسل بعضًا ثم آخر بِمُجَاوِرِهِ) أي: فإن لم يغسل مجاوره .. طهر الثوب إلا المكان المنتصف، هذا هو المشهور.
وفي "شرح المهذب" للنووي: حمل هذا على ما إذا غسله بالصب عليه، فإن غسل بعضه في جفنة .. لم يطهر إلا بغسل جميعه دفعة واحدة؛ لأن الرطوبة تسري 651، ثم قد يفهم من ذكر "الحاوي" لهذه المسألة بين النجاسة المغلظة والمخففة: اختصاصها بالنجاسة المغلظة، وليس كذلك؛ فسائر النجاسات فيها سواء، فلو ذكرها بعد استيفاء أقسام النجاسة .. لكان أحسن.
256 - قول "التنبيه" [ص 23]: (وما غسل به النجاسة ولم يتغير .. فهو طاهر، وقيل: هو نجس, وقيل: إن انفصل وقد طهر المحل .. فهو طاهر، وإن انفصل ولم يطهر المحل .. فهو نجس) فيه أمور:
الحديث: 253 - الجزء: 1 - الصفحة: 159
أحدها: محل الخلاف: فيما بعد الانفصال، فأما قبل الانفصال .. فهي طاهرة قطعًا، كما قدمناه عن ابن الصلاح 652، وقد قيده بذلك "المنهاج" و "الحرر" و "شرح المهذب" 653، ولم يذكره "الحاوي"، تبعًا لـ "الشرحين"، ولا "الروضة"، وقد يفهم من قول "التنبيه": (وقيل: إن انفصل ... إلى آخره).
ثانيها: المراد بغسالة النجاسة: ما استعمل في واجب الإزالة، فالأصح: طهورية المستعمل في مندوبها؛ كالتثليث، وهذا ينبه عليه في عبارة "المنهاج" و "الحاوي" أيضًا؛ لأنهما أطلقا غسالة النجاسة 654، أما ما غسل به نجاسة يندب غسلها ولا يجب؛ كقليل الدم .. فقال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (يظهر أنه كغسالة الواجب؛ لأنه أزال النجاسة، بخلاف ما جدد به وضوء؛ فإنه لم يرفع حدثًا) 655.
ثالثها: اقتصر "التنبيه" و "المنهاج" على شرط واحد لمحل الخلاف، وهو: عدم التغير، وبقي عليهما شرط ثانٍ 656 ذكره "الحاوي"، وهو: ألا يزيد وزنه، ولا بد من اعتبار ما تَشَرَّبه الثوب من الماء، نبه عليه شيخنا جمال الدين في "المهمات"، وهو واضح، وأشار ابن الرفعة في "المطلب" إلى ترجيح طهارة الغسالة ولو زاد وزنها، ورجحه السبكي، وشرط ثالث لم يذكروه، وهو: ألا يبلغ قلتين، فإن بلغهما بلا تغير .. فطهور مطلقًا.
رابعها: قول "التنبيه": (فهو طاهر) يفهم أنه ليس بطهور، وليس كذلك، فهو طهور أيضًا على هذا القول.
نعم؛ اختار السبكي في الغسالة أنها طاهرة ليست طهورًا، وهو اختيار لنفسه ليس في القديم ولا في الجديد، كما صرح هو به.
خامسها: الأظهر: القول الثالث، وهو: التفصيل بين أن ينفصل قبل طهارة المحل أو بعده، كما صرح به "المنهاج" حيث قال [ص 81]: (والأظهر: طهارة غسالة تنفصل بلا تغير وقد طهر المحل) وأحسن منه قول "الحاوي" [ص 119]: (وغسالة كل مرة إن لم تتغير ولم تزد وزنًا؛ كمغسولها) لأنه يفهم منه مسألة، وهي: ما لو أصاب شيء من أولى غسلات الكلب ثوبًا .. فلا يغسل على القديم، ويغسل ستًا على الأظهر، وسبعًا على الآخر، ولايفهم ذلك من عبارة "المنهاج".
الجزء: 1 - الصفحة: 160
بابُ التّيَمُّم
257 - قول "المنهاج" [ص 82]: (يتيمم محدث وجنب) كذا حائض ونفساء وذات ولد جاف إذا ألزمناها الغسل؛ فلذلك عبر "التنبيه" و "الحاوي" بـ (الأحداث) 657 فشمل الجميع، فلو حذف "المنهاج" (الجنب) .. لشمل المحدث الجميع.
وقد يقال: ذكره الجنب بعد المحدث من عطف الأخص على الأعم، ومع ذلك فيرد عليهم: التيمم عوضًا عن الأغسال المسنونة؛ فإن تقيدهم بالحدث يخرجه.
258 - قول "المنهاج" [ص 82]: (لأسباب) لو قال: (لواحد من أسباب) .. لكان أحسن، وكذا قول "الحاوي" [ص 134]: (بفقد ماء)، ثم قال [ص 136]: (وببرد، ومرض) لو أتى بـ (أو) بدل الواو .. لكان أحسن، وعبارة "التنبيه" حسنة؛ حيث قال [ص 20]: (إذا عجز عن استعمال الماء) فإن المبيح للتيمم شيء واحد، وهو: العجز عن استعمال الماء، وللعجز أسباب.
259 - قولهم والعبارة لـ "المنهاج": (فَقْدُ ماء) 658 في معنى فقده: بُعْدُه، وخوف طريقه، والاحتياج إليه أو إلى ثمنه، أو زيادة ثمنه، كما سيأتي ذلك.
260 - قول "التنبيه" [ص 21]: (لزمه طلبه) أي: بنفسه أو مأذونه، ويشترط: وقوع الطلب في الوقت، كما صرح بهما "الحاوي" 659، ولم يتعرض لهما "المنهاج"، ومحل ذلك: إذا لم يتيقن فقده، فإن تيقن فقده .. لم يلزمه طلبه، كما صرح به "المنهاج" 660، لكن قوله: (فإن تيقن المسافر فقده) 661 مثال لا قيد؛ فالمقيم قد تيقن فقده أيضًا، فكأنه جرى على الغالب، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 134، 135]: (في حد الغوث إن توهمه، وحد القرب إن تيقنه) فدل على أن لا طلب عند عدم توهمه.
261 - قول "التنبيه" [ص 21]: (فيما قرب منه) محله: إذا توهم الماء، بدليل قوله بعد [ص 21]: (وإن دُلَّ على ماء) وهو الذي أشار إليه "الحاوي" بقوله [ص 134]: (في حد الغوث إن توهمه).
الحديث: 257 - الجزء: 1 - الصفحة: 161
وضبطه الإِمام: بتردده إلى حد لو استغاث بالرفقة .. لأغاثوه، مع ما هم عليه من التشاغل 662.
قال الرافعي: (ولا يُلفى هذا الضبط لغيره، وتابعه عليه من بعده، وليس في الطرق ما يخالفه) 663، وجزم به في "الروضة" 664.
قال في "الكفاية": (بل عبارة الماوردي توافقه) 665.
وقال النووي في "شرح المهذب": (بل خالفوه؛ فإنهم قالوا: إن كان بمستوٍ .. نظر حواليه ولا يلزمه المشي أصلًا، وإن كان بقربه جبل .. صعده ونظر حواليه إن أمن) 666، ويوافقه قول "المنهاج" [ص 82]: (وإن توهمه .. طلبه من رحله ورفقته، ونظر حواليه إن كان بمستوٍ، فإن احتاج إن تردُّدٍ .. تردَّدَ قدر نظره) وعبارة "التحقيق" نحوها 667.
وقال بعضهم: إن عبارة "التنبيه" إليها أوفق 668.
واختار السبكي مقالة الإِمام، وحمل إطلاقهم على المستوي، قال: فقول المصنف: (قدر نظره) إن أراد: سواء لحقه غوث أم لا .. خالف كل الأصحاب، وإن أراد: ضبط حد الغوث الذي قاله الإِمام .. فهو كذلك غالبًا، فليصعد من الجبل أو ينزل من الوهدة بقدر نظره، فلو فرض قصور نظره عن حد الغوث، أو زيادته عليه في المستوي وغيره .. فالمعتبر: حد الغوث وإن لم يصرحوا به.
انتهى 669.
وظاهر عبارة "المنهاج" عود الضمير في قوله: (وإن توهمه) على الفقد؛ لأنه أقرب مذكور، وليس كذلك، بل هو عائد على الماء؛ كما دلت عليه عبارة "المحرر" وغيره 670، ولم يشترط "التنبيه" و "المنهاج" في هذه الحالة: عدم الخوف، لكنه مفهوم من اشتراطه حالة تيقن الماء؛ فإن الخوف إذا أباح ترك الطلب عند تيقن الماء .. فعند توهمه أولى، كذا قال الرافعي 671.
قال بعضهم: وقد يعكس ذلك؛ فإن التردد في التيقن أبعد مسافة، فيشترط فيه: الأمن, ولا يشترط هنا؛ لسرعة لحوق الغوث؛ فلذلك لم يذكره في "الروضة" عند التيقن، وذكر
الجزء: 1 - الصفحة: 162
هاهنا؛ ليفهم منه ذاك من طريق الأولى 672.
ويمكن عود الاشتراط الذي في "التنبيه" و "المنهاج" إلى الحالين، وهو بعيد، وصرح "الحاوي" باشتراطه في الحالين.
262 - قول "المنهاج" [ص 82]: (طلبه من رحله) أي: إن لم يتحقق العلم فيه.
263 - قوله: (ورفقته) 673 أي: يستوعبهم إلا أن يخشى فوت الوقت، بألاَّ يبقى منه ما يسع الصلاة في الأصح، ويكفي أن ينادي فيهم بطلب الماء من غير أن يخص كل واحد بالسؤال.
264 - قوله: (ونظر حواليه إن كان بمستوٍ، فإن احتاج إلى تردُّدٍ .. تردَّدَ) 674 كأنه أراد بحالة الاحتياج إلى التردد: ما إذا لم يستو مكانه، فلو قال: (وإلا) .. كان أخصر وأحسن.
265 - قوله: (قدر نظره) 675 عبارة "المحرر": (قدر ما كان ينظر إليه) 676 فيحتمل أن يريد: بحسب ما كان ينظر إليه لو كان مستويًا.
وعبارة السبكي المتقدمة تقتضي تعلق قوله: (قدر نظره) بحالتي الاستواء وعدمه.
266 - قول "المنهاج" [ص 82]: (فلو مكث موضعه .. فالأصح: وجوب الطلب لما يطرأ) فيه أمور:
أحدها: أن هذا الشرط -وهو: مكثه في موضعه- من زيادته على "المحرر"، واحترز بذلك: عما إذا انتقل إلى موضع آخر .. فإنه يجب الطلب قطعًا.
ثانيها: بقي عليه شرط ثان، وهو: ألا يحدث ما يوهم حصول الماء ولو على بُعد؛ كإطباق غمامة، وطلوع ركب، فإن حدث .. وجب الطلب قطعًا.
ثالثها: محل ما ذكره: ما إذا لم يتيقن بالطلب الأول عدم الماء، فإن تيقنه ووجد الشرطان المتقدمان .. لم يجب الطلب على الأصح، فيظهر بذلك: أنه يجزم بوجوب الطلب في صورتين هما: إذا انتقل عن موضعه، أو حدثت مخيلة ماء، سواء أفاد الطلب الأول بتيقن العلم أم لا.
ويجري الخلاف في صورتين، والتصحيح فيهما مختلف، وهما: إذا مكث موضعه ولم تحدث مخيلة ماء، فإن تيقن العلم بالطلب الأول .. فالأصح: أنه لا يجب الطلب، وإن لم يتيقنه .. فالأصح: وجوبه.
فقول "الحاوي" [ص 135]: (وجدد للتيمم الثاني) يستثنى منه: ما إذا تيقن العلم بالطلب
الحديث: 262 - الجزء: 1 - الصفحة: 163
الأول، ولم ينتقل عن موضعه، ولا حدثت مخيلة ماء .. فلا يجب حينئذ تجديد الطلب، وحيث أوجبنا تجديد الطلب .. قالوا: يكون الطلب الثاني أخف من الأول، واستشكله بعض شيوخنا: بأنه يؤدي إلى تركه إذا تكرر مرارًا 677.
267 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن دل على ماء بقربه .. لزمه طلبه) هو ما أشار إليه "الحاوي" بقوله [ص 135]: (وحد القرب إن تيقنه) وأوضحه "المنهاج" بقوله [ص 82]: (فلو علم ماء يصله المسافر لحاجته) أي: كالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما، وهي فوق حد الغوث.
وعن محمَّد بن يحيى: لعله يقرب من نصف فرسخ، وشرطه: ألا يخرج الوقت، فإن خاف خروجه .. تيمم بلا قضاء على الصحيح عند النووي 678، بخلاف ما بحثه الرافعي 679، وهذا بخلاف من معه ماء ولو توضأ به لخرج الوقت .. فإنه يتوضأ ولا يتيمم؛ لأنه واجد، وفيه وجه.
268 - قول "التنبيه" [ص 21]: (ما لم يخش الضرر في نفسه أو ماله) موافق لعبارة الرافعي و "الروضة" و "المحرر" 680، وفيه نظر؛ لأنه لو خاف على أهله الذين يخلفهم أو أحد من رفقته أو على مال يلزمه حفظه .. كان كخوفه على نفسه وماله.
فلذلك أطلق "المنهاج" و "الحاوي" ذكر النفس والمال، ولم يقيداهما بإضافتهما إلى المتيمم 681، واقتصر "التنبيه" و "المنهاج" على النفس والمال 682، وزاد "الحاوي": خوف الانقطاع عن الرفقة 683، أي: إن تضرر بالانقطاع عنهم، وكذا إن لم يتضرر في الأصح، واعتذر بعضهم عن "التنبيه" و "المنهاج": بأنه من جملة الخوف على نفسه وماله، وفيه نظر في حالة عدم التضرر.
ويرد عليهم جميعًا: ما إذا خاف خروج الوقت .. فلا يطلب كما تقدم، وقد ذكره النووي في "التصحيح" 684.
وإطلاقهم المال متناول للقدر الذي يجب بذله لتحصيل الماء ثمنا أو أجرة، وهو ما في "شرح المهذب" في موضع، وفي موضع آخر منه: أن الخوف على هذا القدر لا يمنع وجوب الطلب 685.
الحديث: 267 - الجزء: 1 - الصفحة: 164
وقال شيخنا جمال الدين في "المهمات": إن الأول مقتضى إطلاق الأكثرين والقياس؛ لأنه يأخذه من لا يستحقه، وخرج بالمال: ما إذا خاف على غير مال من المنتفع به؛ ككلب وسرجين، لكن قال شيخنا في "المهمات": المتجه: عدم وجوب الطلب.
نعم؛ يتجه على القول بأن مقدار ما يجب بذله لا يمنع الطلب أن يكون السرجين ونحوه كذلك؛ لأنه دون المال وإن قل، كما قالوا في الوصية بالكلب ونحوه: أنه يصح حيث خلف مالًا وإن قل.
269 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ولو تيقنه آخر الوقت .. فانتظاره أفضل) 686 كذا أطلقه الجمهور 687، وقيده الماوردي: بما إذا تيقن وجوده في غير منزله، فإن تيقنه آخر الوقت في منزله الذي هو فيه أول الوقت .. وجب التأخير 688.
وفي وجه ضعيف: التقديم أفضل، وبه جزم في "الإحياء" خوفًا من الموت 689.
275 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن كان يرجو .. ففيه قولان، أصحهما: أن التقديم أفضل) يوهم جريان الخلاف فيما إذا توهمه؛ لأنه حينئذ راجٍ، وليس كذلك، فالتقديم هنا أفضل قطعًا، ولو استوى الاحتمالان .. فالمعروف الجزم أيضًا بأن التقديم أفضل.
قال الرافعي: (وربما في كلام بعضهم نقل القولين، ولا وثوق به) 690.
قال النووي: (صرح بجريانهما أبو حامد والمحاملي والماوردي وآخرون) انتهى 691.
والمشهور: اختصاصهما بحالة الظن؛ فلذلك عبر به "المنهاج" 692، ومحلهما - كما قال الرافعي وغيره -: إذا أراد الاقتصار على صلاة واحدة، فإن صلى بتيمم أوله وبوضوء آخره .. فهو النهاية في الفضيلة 693، واستشكله ابن الرفعة إذا قلنا: فرضه الأولى؛ فإنه أوقع الفرض بتيمم لا بوضوء.
271 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن كان على إياس من وجوده .. فالأفضل: أن يقدمه) هو عين قوله [ص 26]: (والأفضل: تقديم الصلاة في أول الوقت) وإنما ذكره لضرورة التقسيم.
الحديث: 269 - الجزء: 1 - الصفحة: 165
272 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن وجد بعض ما يكفيه .. استعمله ثم تيمم للباقي في أحد القولين، ويقتصر على التيمم في القول الآخر) فيه أمور:
أحدها: الأظهر: وجوب استعماله، كما صرح به "المنهاج" 694، ويوجد في بعض نسخ "التنبيه".
ثانيها: محل القولين: فيما يصلح للغسل، فإن وجد ثلجًا أو بردًا لا يذوب .. فالأصح: القطع بأنه لا يجب مسح الرأس به، وقيل: فيه القولان، وقواها في "شرح المهذب" دليلًا 695، وادعى في "الكفاية" خروجه باعتبار الشيخ البداءة باستعمال الماء؛ فإن المتعين للمسح يبدأ بالتيمم قبله، وهذا بناء على أن عبارة الشيخ: (ثم يتيمم) وفي بعض النسخ: (ويتيمم) بالواو، فلا يكون فيه التصريح بالبداءة باستعمال الماء، وأخرجه "الحاوي" بقوله [ص 134]: (ما يصلح للغسل) وقول "المنهاج" [ص 82]: (ولو وجد ماءً لا يكفيه) إن جعلت (ما) موصولة .. ورد عليه.
وإن قرأته (ماءً) منونًا منكرًا .. لم يرد؛ فإنه ليس بماء، ولا يصح هذا الاحتمال الثاني في عبارة "التنبيه" لانعكاس المسألة.
ومحل القولين أيضًا: إذا وجد ترابًا، فإن لم يجده .. استعمل الناقص، وقيل: القولان.
ثالثها: قول "التنبيه" في التعبير عن الأصح [ص 21]: (استعمله) أي: وجب استعماله،
وقوله في مقابله [ص 21]: (ويقتصر على التيمم) أي: لا يجب استعمال الماء مع أنه يستحب على هذا القول، فالخلاف في وجوب الاستعمال، كما صرح به "المنهاج" 696.
رابعها: قد تفهم عبارة "التنبيه" جريان الخلاف في التيمم أيضًا، وليس كذلك، فيتيمم قطعًا، وهو واضح من عبارته لمن تأمله، وقول "المنهاج" في المسألة [ص 82]: (ويكون قبل التيمم) أحسن من قول "المحرر": (وجب استعماله قبل التيمم في أصح القولين) 697 لإيهامه عود الخلاف إلى التقديم، ولا خلاف فيه؛ ففي قول "المنهاج" [ص 82]: (ويكون) فصل ذلك عن الخلاف.
273 - قول "التنبيه" [ص 21]: (فيما إذا بيع منه الماء بثمن المثل .. لزمه شراؤه) فيه أمر أن:
أحدهما: أورد عليه في "الكفاية": إذا بيع منه إلى أجل بزيادة على ثمن المثل .. فإنه يلزمه
الحديث: 272 - الجزء: 1 - الصفحة: 166
شراؤه أيضًا على الأصح، لكن بشروط: أن تكون الزيادة لائقة بذلك الأجل، وأن يكون غنيًا في بلده قادرًا على الأداء، وأن يكون الأجل ممتدًا إلى وصول وطنه؛ ولذلك أشار "الحاوي" بقوله [ص 135]: (ونسيئة بزيادة لائقة للموسر) فأهمل الشرط الثالث، وهذا وارد على "المنهاج" أيضًا؛ فإنه لم يذكر هذه المسألة.
وأجيب عنهما: بأن كلامهما متناول لها؛ لأنه بالزيادة اللائقة ثمن المثل.
ثانيهما: محله: إذا كان الثمن فاضلًا عن دينه ومؤنة سفره ونفقة حيوان محترم معه؛ كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 698، لكن تقييد "المنهاج" - تبعًا لـ "المحرر" - الدين بالمستغرق لا يحتاج إليه؛ لأن ما يفصّل عن الدين غير محتاج إليه فيه، وأيضًا: فتنكيره الدين قد يتناول دين غيره 699.
وسلم "الحاوي" منهما حيث قال [ص 135]: (دينه) وقيد الرافعي الدين بكونه في ذمته 700، وهو مخرج للدين المتعلق بعين من أمواله؛ كما إذا ضمن دينًا في عين من أعيان أمواله أو أعارها لشخص ليرهنها بدين؛ فلذلك حذفه في "الروضة" 701.
وصوب شيخنا في "المهمات" حذفه، وتناول إطلاقهما: الدين الحال والمؤجل، وبه صرح في "الكفاية".
وقول "المنهاج" [ص 82]: (أو نفقة حيوان محترم) يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الحيوان له أو لغيره؛ كما في العطش، وقيده "الحاوي" بكونه معه، وكذا في "الروضة" وأصلها 702، ومقتضاه: أنه إذا لم يكن معه .. لا يعتبر حاجته إلى ثمن الماء وإن كان مع بعض رفقته في الركب.
وفي "شرح المهذب": (من تلزمه نفقته) 703 وهو أخص، ويعتبر أيضًا: أن يكون فاضلًا عن خادمه ومسكنه المحتاج إليهما، كما قال شيخنا في "المهمات": (إنه المتجه)، وقول "الحاوي" [ص 135]: (ثم حينئذ) أشار به إلى أن المعتبر في ثمن المثل: ما يباع به في ذلك المكان والزمان، وهو الذي نقله الإِمام عن الأكثرين، وجرى عليه الرافعي والنووي 704.
ونقل شيخنا في "المهمات" عن الأكثرين: (اعتبار ثمنه في ذلك المكان في غالب الأحوال لا في ذلك الزمان بعينه).
الجزء: 1 - الصفحة: 167
274 - قوله: (واستئجاره) 705 أي: المذكور من الثوب والدلو، وعبارته تُوهم عود ذلك لأقرب مذكور، وهو: الدلو.
275 - قوله: (بعوض المثل) 706 يشمل: الثمن والأجرة، فلو زادت أجرة الدلو على أجرة المثل .. لم يجب، هذا هو المنقول.
وقال الرافعي: (لو قيل: يجب ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء .. كان حسنًا) 707.
276 - قول "المنهاج" [ص 83]: (ولو وُهِبَ له ماء أو أُعِيرَ دلوًا .. وجب القبول في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم أنه إذا لم يوهب ولم يُعَرْ .. لا يجب عليه أن يسأل ذلك، وكذا قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن بُذل له)، وقول "الحاوي" [ص 135]: (وقبول قرضه وهبته) والأصح: وجوب الاستيهاب والاستعارة.
ثانيها: لو قال: (بُذل له) كما في "التنبيه" .. لكان أحسن؛ ليشمل ما لو أُقرِضَ الماء .. فإنه يجب عليه القبول في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" 708.
ثالثها: أنه جمع بين هبة الماء وإعارة الدلو، فأوهم أن الوجه المقابل للأصح فيهما واحد، وليس كذلك، بل مقابل الأصح في هبة الماء: أنه لا يجب مطلقًا، وفي إعارة الدلو: أنه لا يجب إن زادت قيمة المستعار على ثمن الماء، كذا في "الشرح" و "الروضة" 709.
لكن في "شرح المهذب" وجهين، ثم قال: (وانفرد الماوردي بتخصيصهما بما إذا زادت قيمته على ثمن الماء، وإلا .. وجب) انتهى 710.
ومقتضاه: إجراء وجه مطلقًا.
رابعها: أن تعبيره في المسألتين بالأصح مخالف لما في "الروضة" فإنه عبر فيها في مسألة الهبة بالصحيح، وقال في الإعارة: وجب القبول قطعًا، وقيل: إن زادت قيمة المستعار على ثمن الماء .. لم يجب 711.
خامسها: أن محل وجوب القبول: إذا دخل الوقت؛ لأنه وقت الوجوب، ولم يتعرض له "المنهاج" و "الحاوي" أيضًا.
الحديث: 274 - الجزء: 1 - الصفحة: 168
277 - قول "الحاوي" [ص 135]: (وتبطل هبته وبيعه في الوقت دون حاجة) هذا هو المنقول، ويشكل عليه: أنه لو وجبت عليه كفارة وهو يملك عبدًا فوهبه، أو طولب بديون فوهب ما يملكه .. صحت الهبة، كما جزم به في "شرح المهذب" 712.
ويمكن أن يفرق بينه وبين الكفارة: بأنها ليست على الفور، بخلاف الصلاة؛ فإن وقتها محدود الطرفين.
وبينه وبين الدين: بأن متعلقه الذمة، وقد رضي من له الدين بها، فلم يكن له حجر في العين، والله أعلم.
278 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن تيمم وصلى ثم علم أن في رحله ماء أو حيث يلزمه طلبه .. أعاد في ظاهر المذهب) فيه أمور:
أحدها: أنه قد يشمل: ما إذا أدرج في رحله ولم يشعر، والمذهب: لا إعادة، وأخرجها "المنهاج" بقوله [ص 83]: (ولو نسيه في رحله) لأن نسيان الشيء يستدعي سبق العلم به، وصرح بها "الحاوي" 713.
ثانيها: أنه خرج بقوله: (ثم علم) ما لو تيمم عالمًا .. فإنه لا يصح قطعًا، إلا إن أضل رحله في الرحال، وأمعن في الطلب .. فله التيمم، ولا إعادة على المذهب.
وقد صرح بها "المنهاج" و "الحاوي" 714 إلا أنهما لم يذكرا الإمعان في الطلب، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 20]: (وإعواز الماء).
ثالثها: أنه قد يخرج بقوله: (ماء): ثمن الماء، وكذا قول "المنهاج" [ص 83]: (ولو نسيه) أي: الماء، وهو احتمال لابن كج، والأصح: لا فرق، وقد صرح به "الحاوي" 715.
رابعها: قوله: (أو حيث يلزمه طلبه) محمول على ما إذا علم به ثم نسيه، فإن لم يعلم به أصلًا .. فلا إعادة، كما تقدم في الإدراج، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 141]: (ونسيان الماء) ومحل ذلك: إذا كانت البئر خفية الآثار, وإلا .. فتجب الإعادة، ذكره في "شرح المهذب" 716.
وقول "المنهاج" في المسألة [ص 83]: (قضى في الأظهر) يعود لمسألة النسيان والإضلال،
الحديث: 277 - الجزء: 1 - الصفحة: 169
وفي التعبير في مسألة النسيان نظر؛ لأن مقابله قديم ضعيف أنكره بعضهم، وعبر عنه في "الروضة" بالجديد المشهور (1). وعلى "المنهاج" إيراد آخر وهو: أنه كان الأحسن: ذكر هذه المسألة آخر الباب عند ذكر ما يقضى من الصلوات، كما فعل "الحاوي" (2) فإن الكلام هنا في الأسباب المبيحة، وأما القضاء: فشيء آخر، كذا أشار إليه الرافعي في بحث مع الغزالي (3). 279 - قول "التنبيه" [ص 20، 21]: (أو وجده وهو محتاج إليه للعطش) يخرج به: ما إذا احتاجه للعطش غيره من الحيوانات المحترمة، سواء كان معه أم لا، مع أن حكمهما واحد؛ ولهذا عبر "المنهاج" بقوله [ص 83]: (أن يحتاج (إليه) لعطش محترم) وينبغي أن يقرأ مبنيًا للمفعول، والضمير في (إليه) للماء في قوله: (فقد ماء) (4) و "الحاوي" بقوله (5) [ص 134]: (فضل عن عطش محترم)، وقال في "الكفاية": (إن الضمير في قول "التنبيه": "وهو" للماء، حتى يعم كل حيوان محترم، فلا إيراد).
تَنبيهَان [فيما يراد بحاجة العطش، وفي محتَرَز المحترم]
أحدهما: المراد بحاجة العطش: أن يتضرر بترك الشرب بنحو المرض المبيح للتيمم.
ثانيهما: خرج بالمحترم: المرتد، والحربي، والخنزير، والكلب العقور، كذا قالوا هنا، ومقتضاه: أن غير العقور محترم يمتنع قتله، وبه صرح الرافعي في (كتاب الأطعمة) 722، لكنه قال في (الحج): إن غير العقور يكره قتله، ومراده: كراهة التنزيه، كما قاله النووي في "الروضة"، ويدل عليه: قرنه به الخنافس والجعلان والسرطان ونحوها 723.
ونقل في (الغصب) عن الإِمام: أنه غير محترم، وأقره، وجزم به في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب" هنا 724، وصحح في (الحج) منه: أنه محترم 725، وقال717718719720721
الحديث: 279 - الجزء: 1 - الصفحة: 170
في (البيع): إنه لا خلاف فيه 726.
285 - قول "التنبيه" [ص 20]: (أو الخوف من استعماله) أي: خوف تلف النفس أو العضو أو منفعته قطعا، أو بطء البُرْء، أو زيادة المرض، أو شين فاحش على عضو ظاهر في الأظهر.
ولم يذكر "المنهاج" تلف النفس والعضو؛ لأنهما مفهومان بطريق الأولى من منفعة عضو، ولا زيادة المرض؛ لفهمه من بطء البُرْء.
واقتصر "الحاوي" على بطء البُرْء، والشين الفاحش في عضو ظاهر 727، لفهم الأمور الأربعة الأخرى بطريق الأولى، ولاندراجها تحت المحذور الذي جعله ضابطًا.
وتقييد "المنهاج" و "الحاوي" العضو بالظاهر 728، وليس في "المحرر"، ولا بد منه، والمراد به: ما يبدو حال المهنة؛ كالوجه واليدين، وقيد "المنهاج" و "الحاوي" الخوف المذكور: بأن يكون ناشئًا عن مرض أو برد 729، جريًا على الغالب أن الخوف المذكور يحصل مع أحدهما، لكنه لا يشترط، بل الضابط: حصول الخوف من استعماله، فإطلاق "التنبيه" له أصوب.
281 - قول "الحاوي" [ص 136]: (يقول طبيب مقبول الرواية) قد يفهم: أنه لا يكتفي بمعرفة نفسه، وليس كذلك إن كان عارفًا بالطب، فإن لم يعرف الطب .. فهل يتيمم إن خاف أو شك ولم يجد طبيبًا؟
قال أبو على السنجي: لا، بل يتوضأ، وفي "شرح المهذب": (لم أر لغيره موافقته ولا مخالفته) 730.
قلت: قد خالفه البغوي، فجزم في "فتاويه" بالتيمم، وهو المختار، ويؤيده: أن الشافعي نص على أن المضطر إذا خاف من الطعام الذي أحضره له غيره أنه مسموم .. جاز له تركه والانتقال إلى الميتة، نقله في "شرح المهذب" في (الأطعمة) 731، وعليه يدل قول "التنبيه" [ص 20]: (أو الخوف من استعماله) فإنه يشمل: خوف نفسه، عرف الطب أم لا، وكذا قول "المنهاج" [ص 83]: (يخاف معه) إن قرأته مبنيًا للمفعول، وهو الأظهر، وإن قرأته مبنيًا للفاعل .. لم يتناول غير المتيمم أصلًا.
الحديث: 285 - الجزء: 1 - الصفحة: 171
282 - قول "التنبيه" [ص 20]: (وإعواز الماء، أو الخوف من استعماله) عطفًا على دخول الوقت في قوله: (ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت) 732، ومقتضاه: كون قيد المكتوبة معتبرًا فيهما؛ حتى لا يشترط الإعواز، أو الخوف في غيرها, وليس كذلك قطعًا.
وأجاب عنه ابن الرفعة: بأن مجموع ذلك شرط في المكتوبة، واعترض عليه: بأنه يفهم أن المجموع ليس شرطًا في غيرها، وليس كذلك.
283 - قول "المنهاج" [ص 83]: (وإذا امتنع استعماله في عضو)، وقول "التنبيه" [ص 21]: (وإن كان في بعض بدنه قرح يمنع من استعمال الماء) أي؛ لأنه يخشى من استعماله أحد الأمور الستة المتقدم ذكرها في المرض.
وقال بعضهم: المراد بالامتناع هنا: امتناع وجوب الاستعمال، قال: ويحتمل أن يحرم استعماله عند الخوف، فالامتناع على بابه 733.
284 - قول "المنهاج" [ص 83]: (إن لم يكن عليه ساتر .. وجب التيمم) أي: جزمًا، وحكاية الرافعي فيه خلافًا .. وَهْمٌ 734.
قال في "الدقائق": (قوله في "المحرر": "إن لم يكن عليه ساتر على الصحيح، والصحيح: أنه يتيمم مع ذلك" معكوس، والصواب: ما في "المنهاج" فإن التيمم لا خلاف فيه) 735.
285 - قول "التنبيه" [ص 21]: (ويتيمم عن الجريح في الوجه واليدين) ذكره إيضاحًا؛ لينفي توهم إمرار التراب على الجرح فقط.
قال في "الكفاية": (وهي عبارة الماوردي وابن الصباغ والفوراني) 736.
وادعى في "الكفاية" أنه يفهم: أنه لا ترتيب بين الماء والتراب، والأصح: وجوبه في الوضوء، وقد صرح به "المنهاج"، لكن تعبيره بالأصح مخالف لتعبيره في "الروضة" فيه بالصحيح 737.
286 - وقول "المنهاج" [ص 83]: (ولا ترتيب بينهما للجنب) لو قال: (لمغتسل) .. كان أحسن وأشمل، وفي "الكفاية" عن النص: أنه يبدأ بالتيمم -أي: ندبًا- ليغسله الماء.
الحديث: 286 - الجزء: 1 - الصفحة: 172
287 - وقوله: (فإن جُرِحَ عضواه .. فَتَيَمُّمَانِ) 738 أي: حتمًا، إلا في اليدين أو الرجلين .. فيتعدد ندبًا.
288 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإذا وضع الكسير الجبائر على غير طهر وخاف من نزعها التلف) أي: تلف النفس، أو العضو، أو منفعته، وفي معناه: بقية المحذورات المتقدم ذكرها في المرض وغيره، وهو معنى قول "المنهاج" [ص 84]: (كجبيرة لا يمكن نزعها) أي: لخوفه محذورًا مما تقدم بيانه.
289 - قول "التنبيه" [ص 21]: (مسح عليها) أي: جميعها على الأصح، وقد صرح به "المنهاج"، فقال [ص 84]: (مسح كل جبيرته) و "الحاوي" بقوله [ص 136]: (مسح مستوعب) والمراد: مسحها بالماء، كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي".
290 - قول "المنهاج" [ص 84]: (غَسَلَ الصحيح وتيمم كما سبق) قد يفهم: الجزم بوجوب التيمم كالمسألة قبلها, وليس كذلك، ففيه قولان مشهوران صرح بحكايتهما "التنبيه"، أظهرهما: أنه يتيمم، ولم يذكر "التنبيه" غسل الصحيح هنا اكتفاءً بما تقدم 739.
وقد تفهم عبارتهما: أنه إذا كانت الجبيرة في موضع التيمم .. يمسح عليها بالتراب، والأصح: خلافه، وقد يفهم ذلك من قول "المنهاج" و "الحاوي": (بالماء) 740.
291 - قول "الحاوي" [ص 136]: (ويعيد لكل فرض مع ما يترتب عليه) كذا صححه الرافعي 741، وصحح النووي: أنه لا يعيد ما ترتب عليه 742، وذكر "المنهاج" التصحيحين 743، وقال السبكي: "إن ما صححه الرافعي أصح نقلًا ودليلًا).
292 - قول "الحاوي" [ص 136]: (وقُدِّمَ في ماءٍ أُمِرَ به للأَوْلى: العطشان، ثم الميت الأول، فإن ماتا معًا، أو وجد الماء بعدهما .. فالأفضل) يلتحق بموتهما معًا: ما إذا لم يُعلم هل ماتا معًا أو على الترتيب؟ أو عُلم الترتيب وجهل السابق، أو نُسي، كما قال شيخنا في "المهمات": إنه القياس.
وقال شيخنا في "المهمات" أيضًا: (إن الأقرب: أن المعتبر في الأفضلية: غلبة الظن؛ لكونه أقرب إلى الرحمة، فلا يُقدَّم بالحرية والنسب؛ كما ذكره في تقديم الأفضل من الجنائز للإمام).
الحديث: 287 - الجزء: 1 - الصفحة: 173
293 - قوله: (ثم من تنجس, ثم الحائض، ثم الجنب) 744 فيه أمران:
أحدهما: لو عبر بذات الدم، كما عبر ناظمه ابن الوردي 745 .. لكان أعم؛ لشموله النفساء.
ثانيهما: كذا أطلق - تبعًا للجمهور - تقديم المتنجس على الجنب، وحمله القاضي أبو الطيب على المسافر، أما الحاضر: فيتخير؛ لأنه لا بد له من الإعادة، وجزم به في "التحقيق" 746، وصرح البغوي في "فتاويه": بتقديم النجاسة في الحضر؛ كما اقتضاه إطلاق الجمهور.
وقال شيخنا في "المهمات": (وهو الظاهر، فليُعمل به).
294 - قول "التنبيه" [ص 20]: (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر) يشترط مع طهارته: كونه غير مستعمل في الأصح، كما صرح به في "المنهاج" و "الحاوي" 747، فلو عبروا بـ (الطهور) .. لكان أحسن، وقد يفهم من الكيفية في (التيمم) فإن فيها التحرز عن الاستعمال.
ولما صحح الرافعي منع التيمم بالمستعمل .. قال: (بشرط انفصاله، وإعراض المتيمم عنه) انتهى 748.
ومقتضاه: صحة التيمم به لو بادر إلى أخذه من الهواء، وتناول كلامهم: المغصوب.
وقال في "الكفاية": (إن قلنا: التيمم عزيمة .. صح، أو رخصة؛ أي: وهو الأصح .. فوجهان).
وجزم النووي في (باب النية) و (مسح الخف) من "شرح المهذب" بالصحة 749.
295 - قول "المنهاج" [ص 84]: (حتى ما يُدَاوَى به) أي: حتى ما يؤكل تداويًا، وهو الإرمني بكسر الهمزة والميم، ولو قال: (حتى المأكول) ليشمل المأكول سفهًا وهو الخراساني .. لكان أحسن، مع أن اسم التراب شامل له.
296 - قول "الحاوي" [ص 138]: (خالصًا) أحسن من قول "التنبيه" [ص 20]: (فإن خالطه جص أو رمل .. لم يجز التيمم به) ومن قول "المنهاج" [ص 84]: (ومختلط بدقيق ونحوه) لتقييدهما المختلط بنوع مخصوص، مع أنه لا يجزئ المختلط بأي شيء كان.
297 - قول "التنبيه" [ص 20]: (له غبار) يخرج به: الندي والمعجون، وقوله: (يعلق بالوجه واليدين) 750 إيضاح، لو حذفه .. لاستغنى عنه، ولم يعتبر "المنهاج" في التراب أن يكون
الحديث: 293 - الجزء: 1 - الصفحة: 174
له غبار، لكنه ذكر ذلك في الرمل، فيقاس به التراب، ويمكن أن يكون الضمير في قوله: (فيه غبار) 751 عائدًا لكل من التراب والرمل؛ أي: في المذكور.
وقول "الحاوي" [ص 138]: (ترابًا طاهرًا خالصًا ولو غبار رمل) يقتضي دخول غبار الرمل تحت اسم التراب، وليس كذلك.
298 - قول "التنبيه" [ص 20]: (فإن خالطه جص أو رمل .. لم يجز التيمم به) يقتضي منع التيمم بالرمل؛ لأنه إذا امتنع التيمم به مختلطًا بالتراب .. فخالصًا أولى، مع أنه يصح التيمم به إذا كان له غبار؛ كما صرح به "المنهاج" و "الحاوي" 752، فيحمل كلام "التنبيه": على ما إذا لم يكن له غبار؛ فإنه يمتنع التيمم به خالصًا ومختلطًا بالتراب؛ لأنه يمنع التراب من الوصول إلى العضو، واعترض النووي في "التصحيح"، فقال: (والأصح: جوازه بما خالطه رمل خشن) 753 أي: ولو منعنا التيمم بالرمل الخالص؛ لأن الخشن لا يمنع وصول التراب للعضو، واعترض عليه بأمرين:
أحدهما: لا حاجه لهذا الاستدراك؛ فإن الرمل الخشن متميز لخشونته، فهو مجاور لا مخالط، وقد خرج يقول الشيخ: (فإن خالطه).
ثانيهما: أنه يقتضي منع التيمم بتراب مخلوط برمل ناعم، وكذا في "شرح المهذب" 754، وليس كذلك؛ فإنه يصح التيمم بالرمل الناعم خالصًا كما تقدم، فمختلطًا أولى، كذا أورد عليه.
وفيه نظر؛ فإنه إنما يصح التيمم بالرمل الناعم .. إذا كان له غبار، فيحمل كلامه في "التصحيح" و "شرح المهذب" على ما إذا لم يكن له غبار، والذي تحرر من ذلك: أنه يصح التيمم بالرمل الخالص إن كان له غبار، وإلا .. فلا، ويصح التيمم بالتراب المختلط بالرمل إن كان للرمل غبار، أو لم يكن ولكنه خشن، فإن كان الرمل ناعمًا ولا غبار له .. لم يصح.
وفهم الشيخان كمال الدين بن النشائي وشهاب الدين بن النقيب: أن النووي في "التصحيح" إنما صحح التيمم بالتراب الذي يخالطه رمل خشن؛ لأن الغبار الذي في الرمل الخشن يكفي، فقال ابن النشائي: (أورد في "التصحيح" الرمل الخشن؛ فإن المذهب: أنه يكفي الغبار الذي فيه) 755.
الحديث: 298 - الجزء: 1 - الصفحة: 175
وقال ابن النقيب: (ولم أر التقييد بالخشن في غيره، وإنما الضابط: الغبار) 756.
299 - قول "الحاوي" [ص 138]: (وشُوِيَ) كذا في "الشرح" و "الروضة" وغيرهما 757، وفي "شرح الوسيط" للنووي عن الأكثرين: المنع، وعن تصحيح المحققين: الجواز 758.
300 - قول "المنهاج" [ص 84]: (وكذا ما تناثر في الأصح)، وقول "الحاوي" [ص 138]: (ومتناثرًا) كذا أطلقه في "الروضة" وغيرها 759، وقسمه في "شرح المهذب" قسمين:
أحدهما: ما أصاب العضو ثم تناثر عنه، وصحح أنه مستعمل.
والثاني: ما لم يمس العضو ألبتة، بل لاقى ما لصق بالعضو، قال: والمشهور: أنه ليس مستعملًا كالباقي بالأرض، وحكى الروياني فيه وجهين، قال: ولا معنى له 760.
تنبيه: محمد في "الروضة" التراب ركنًا 761، وقال الرافعي: (الأولى: ألا يعد ركنًا، وإلا .. لعد الماء ركنًا في الوضوء) 762.
ولم يجعله هؤلاء الثلاثة ركنًا، والله أعلم.
301 - قول "المنهاج" [ص 84]: (ويشترط قصده) عبارة "المحرر": (والقصد إلى التراب لا بد منه) 763، وفي "الشرح": (معتبر) 764 وهو محتمل للاشتراط والركنية، وعدَّه الغزالي ركنًا 765، وتبعه في "الروضة" و "شرح المهذب" 766، وقال السبكي: (إن القصد أولى بِعَدِّهِ ركنًا من النقل) بعكس ما في "المنهاج" لأن القصد مدلول التيمم، وأما النقل: فلازم، ولم يذكر "الحاوي" القصد بالكلية؛ لما ذكره الرافعي من كون القصد مندرجًا في النقل؛ فإنه إذا نقله مع النية .. حصل القصد، وقال السبكي معترضًا على "المنهاج": (لو حذف ذكر القصد .. كفاه ذكر النقل؛ فإنه يلزم منه القصد) انتهى.
وفيه نظر؛ لانفكاك القصد عن النقل فيما إذا وقف في مهب ريح بنية تحصيل التراب عليه، فلما
الحديث: 299 - الجزء: 1 - الصفحة: 176
حصل .. نوى وردده؛ فإنه في هذه الصوره قصد ولم ينقل، ولما صحح الرافعي في هذه الصورة: عدم الصحة .. علله بعدم القصد 767، والأولى: أن يعلل بعدم النقل.
301 - قول "المنهاج" [ص 84]: (نقل التراب) أي: بنفسه أو مأذونه، كما صرح به " الحاوي " 768، وقد ذكره "المنهاج" في نفس التيمم لا في النقل، وشرطه: أن ينوي الميمَّم -بفتح الميم - عند ضرب الميمِّم - بكسرها - على التراب، وإلا .. لم يصح قطعًا.
302 - قول "المنهاج" [ص 84]: (فلو نقل من وجه إلى يد أو عكس .. كفى في الأصح) صورة الأولى: أن يزيل ما مسح به وجهه ثم يطرأ عليه تراب فينقله إلى اليد، وإلا .. كان المنقول مستعملًا لا يجزئ على الصحيح.
واقتصر "الحاوي" على الثانية 769، ولم يصرح "التنبيه" بذكر نقل ولا قصد، إلا أنه يفهم من قوله: (ثم يضرب بيديه على التراب) 770.
303 - قولهما: (وينوي استباحة الصلاة) 771 لو قالا: (استباحة مفتقر إلى التيمم) كما في "الحاوي" 772 وكما قالا في الوضوء .. لكان أحسن وأعم.
ولو نوى ما يُنْدَبُ له الطهارة .. فينبغي أن يجيء فيه الخلاف في الوضوء، وأولى بالمنع، وقال ابن الرفعة: (قضيته: التسوية بين من عليه حدث أصغر وأكبر، حتى لو عين أحدهما خطأ .. لا يضر) هذا كلامه في "الكفاية" هنا، وفرّق في أول صفة الغسل - لمَّا ذكر أن الصحيح: أن المغتسل إذا نوى غير ما عليه؛ كمن عليها حيض فنوت رفع الجنابة .. أنه لا يصح - بين ذلك والتيمم؛ بأن المتيمم إذا استباح الصلاة من الجنابة وحدثه الأصغر .. فإنه يجزئه؛ لأن المحدثين بالنسبة إلى المتيمم على حد واحد؛ لأنه لا يختلف الواجب منه بسببهما.
وأشار لهذا الفرق في "الروضة"، فقال: (ولو تيمم بنية الاستباحة ظانًا أن حدثه أصغر فبان أكبر وعكسه .. صح قطعًا؛ لأن موجبهما واحد، وإن تعمد .. لم يصح في الأصح، ذكره المتولي) انتهى 773.
لكن كلام صاحب "الكفاية" في صفة الغسل يقتضي الإجزاء مع العمد أيضًا؛ لأن حالة العمد
الحديث: 301 - الجزء: 1 - الصفحة: 177
هي التي يبطل فيها الغسل، وهذا الفرق ينتقض بالوضوء؛ فإن موجب إحداثه واحد، ولو تعمد نية غير ما عليه .. لم يصح في الأصح، وقد نوزع في دعوى "الروضة" القطع في صورة الغلط؛ لما حكي من مخالفة البويطي والربيع 774.
304 - قول "الحاوي" و "المنهاج" - والعبارة له -: (وبجب قرنها بالنقل) 775 المراد به: الضرب، كما في "شرح المهذب" 776 و "الكفاية"، أو فصل اليد عن الضرب مغبرة، كما ذكره السبكي ورجحه شيخنا شهاب الدين بن النقيب؛ لأن النقل: التحويل، وبه يحصل، قال: والأول أشبه بالقصد لا بالنقل، فمن يعد القصد ركنًا .. يوجب النية عند الضرب؛ ليقرنها به لا بالنقل 777.
305 - قول المذكورين: (وكذا استدامتها إلى مسح شيء من الوجه) 778 هذا هو المنقول في كتب الرافعي والنووي 779، وقال شيخنا في "المهمات": المتجه: الاكتفاء باستحضارها عند النقل والمسح ولو عزبت بينهما، واستشهد يقول أبي خلف الطبري في "شرح المفتاح": وقت النية في التيمم: أن ينوي عند القصد إلى التراب، ويكون ذاكرًا للنية عند مسح الوجه، وصحح شيخنا الإِمام سراج الدين البلقيني: الاكتفاء بالنية عند مسح الوجه، وقال: إنه لا سلف للبغوي في وجوب قرنها بالنقل وإدامتها إلى مسح الوجه، والذي في "تعليق شيخه القاضي حسين": حكايته وجهين:
أحدهما: الاكتفاء بها عند النقل.
والثاني: عند المسح.
وعبر "المنهاج" هنا بالصحيح 780، وعبر في "الروضة" بالأصح 781، وقال في "الكفاية": (أفهم الشيخ بتقديم لفظ الضرب على النية: الاكتفاء بمقارنتها أول المسح، وصرح به في "المرشد"، والذي أورده الرافعي والنووي خلافه) 782.
قلت: ما ذكره من الإفهام ممنوع؛ لأن الواو لا تدل على ترتيب ولا معية.
الحديث: 304 - الجزء: 1 - الصفحة: 178
306 - قولهم: (إن من تيمم للفرض .. صلى به النفل) 783، قال الروياني في "الفروق": (يستثنى: ما إذا تيمم الجنب وصلى فرضًا ثم أحدث ووجد ما يكفي الوضوء فقط، وقلنا: لا يجب استعمال الناقص .. فإنه يتيمم للفرض، ولا يصلي به النفل، ولا يصح تيمم لفرض دون نفل إلا في هذه الصورة) انتهى.
وفيه نظر.
307 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 84، 85]: (على المذهب) في إطلاقه نظر؛ لأن محل تصحيح القطع بالجواز: في النافلة التي بعد الفرض، أما التي قبله: ففيها قولان، أصحهما: الصحة.
308 - قوله: (أو نفلًا أو الصلاة .. تَنَفَّلَ لا الفرض على المذهب) 784 فيه أمور:
أحدها: أنه سوى بين الصورتين، وليسا سواء؛ فإن في نية الصلاة وجهين:
أحدهما: كَنِيَّتِهما، وأصحهما: كَنِيَّة النفل.
الثاني: أن طريقة الخلاف في النفل أصح، وتصحيحها لا يفهم من إطلاق المذهب.
الثالث: أن جواز التنفل من زيادته على "المحرر"، والخلاف جار فيه أيضًا، فيعاد قوله: (على المذهب) إليهما.
309 - قول "التنبيه" [ص 20]: (ومسح الوجه) أي: كما في الوضوء، فيتناول مسترسل اللحية على الأظهر؛ كالوضوء، ويرد عليه: أنه لا يجب إيصال التراب إلى منبت الشعر وإن خف، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 785.
310 - قولهم: (مع المرفقين) 786 هو المذهب الجديد، وفي القديم: إلى الكوعين فقط، واختاره النووي دليلًا؛ لصحة حديث عمار فيه 787، وأحاديث الجديد متكلم فيها.
311 - قول "الحاوي" [ص 139]: (والترتيب بين المسحتين) أي: لا بين النقلين، وصرح به في "المنهاج" فقال [ص 85]: (ولا ترتيب في نقله في الأصح) وأورد عليه: أنه إن قرئ بالرفع والتنوين .. أوهم عود الخلاف إلى الإيصال إلى المنبت أيضًا، ولا يحسن؛ لضعف مقابله؛ ولأنه ليس في "المحرر"، وإن قرئ بالفتح .. أوهم عدم مشروعيته بالكلية، ولا تردد في أنه مطلوب للخروج من الخلاف.
الحديث: 306 - الجزء: 1 - الصفحة: 179
312 - قول "التنبيه" [ص 20]: (والواجب من ذلك: النية، ومسح الوجه واليدين بضربتين فصاعدًا) كذا صححه النووي 788، وصحح الرافعي: الاكتفاء بضربة 789.
قال السبكي: (الأول أصح مذهبًا، والثاني أصح دليلًا).
313 - قول "التنبيه" عند ذكر الضربة الأولى [ص 20]: (ويفرق أصابعه) موافق لقول "المنهاج" [ص 85]: (ويندب تفريق أصابعه أولًا).
قال السبكي: (إنما قيد بالأولى؛ لأن الخلاف فيها، والتفريق في الثانية مندوب قطعًا، فإن لم يفرق ومسح بما بين الأصابع مما أخذه أولًا .. صح على الأصح، وقيل: لا، فعلى هذا يكون التفريق في الثانية واجبًا إذا كان قد فرق في الأولى) انتهى.
وقال في "الكفاية": (هو متفق على وجوبه في الثانية؛ أي: وهو في الأولين مستحب في الأصح ... ) وبسط المسألة ثم قال: فتلخص أن التفريق في الثانية لا بد منه، وفي الأولى مستحب، أو لا يجوز، أو مباح، أو وجه) انتهى.
وهو غريب، وكلام الرافعي والنووي ظاهر في استحبابه في الثانية 790، وجزم به في "التحقيق" 791، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 139]: (والتفريج فيهما)، ويحتمل أن قول "المنهاج" [ص 85]: (أولًا) أي: أول ضربه فيهما، وأن "التنبيه" سكت عن ذكره في الثانية؛ لأنه فُهِمَ من ذكره في الأولى، وعكس ابن يونس في "النبيه مختصر التنبيه"، فذكر التفريق في الثانية فقط، وعلله في "التنويه": بأنه في الأولى يحصل بين الأصابع ترابًا مستعملًا لا يصلح للتيمم به يمنع وصول تراب آخر في الضربة الثانية، وذلك يفسد التيمم، كما قطع به المتولي وغيره من المحققين.
انتهى.
ولعل صاحب "الكفاية" أراد حكايته الاتفاق على وجوب إيصال التراب لما بين الأصابع في الثانية، وهو يحصل بالتفريق وغيره.
314 - قول "الحاوي" [ص 139]: (بنزع الخاتم، والتفريج فيهما) يعود للمسألتين، وفي "المنهاج": أنه يجب نزع خاتمه في الثانية 792، ونقله في "الروضة" عن صاحب "العدة" وغيره 793، وجزم به في "الشرح الصغير".
الحديث: 312 - الجزء: 1 - الصفحة: 180
315 - قول "التنبيه" [ص 20]: (ويضرب بيديه) لا يتعين الضرب ولا كونه باليد، فيقوم مقامها خشبة ونحوها، والشيخ تيمَّن بلفظ الخبر كعادته.
316 - قوله: (فيضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمنى ... إلى آخر الكيفية) (1) فيه أمور:
أحدها: أن هذه الكيفية قد ذكرها في "المحرر" (2) فحذفها "المنهاج"، وكذلك حذفها ابن يونس من "النبيه"، وعلله في "التنويه": بأنه غير مساعد على استحبابها؛ إذ قال الأكثرون: لا تستحب، وإنما ذكرها الشافعي ردًا لقول مالك: (لا يمكن مسح الوجه واليدين بضربتين) (3) لكن ذكر الرافعي والنووي في "الروضة": أنها مستحبة (4).
ثانيها: أن قوله: (فيضع بطون أصابع يده اليسرى) أي: سوى الإبهام، (على ظهور أصابع يده اليمنى) أي: غير الإبهام، كذا هو في كلام من ذكر هذه الكيفية.
ثالثها: أن ذكر اليسرى واليمنى ليس لكونه شرطًا في تحصيل أفضلية هذه الكيفية، فلو عكس .. حصلت هذه الكيفية، وفاتت سنة تقديم اليمنى.
رابعها: أن قوله: (على ظهور) يقتضي استحباب جعل الماسحة فوق الممسوحة، وفي "الكفاية" عن نصه في "الأم": أنه يعكس (5)، بأن يجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثم يمر الماسحة وهي من تحت؛ لأنه أحفظ للتراب، ورجح بعضهم ما ذكره في "التنبيه": بأن اليسرى هي الماسحة، فكانت بالوضع أولى.
تنبيه [في عدد أركان التيمم]
ذكر "التنبيه" أركان التيمم خمسة: النية، ومسح الوجه، واليدين، وكونه بضربتين، وترتيب اليد على الوجه 799، وذكر "المنهاج" الثلاثة الأولى، وحكى الخلاف في الرابع، وفهم الخامس من قوله: (ولا ترتيب في نقله في الأصح) 800، وذكرها "الحاوي" سوى كونه بضربتين؛ فإنه يرى794795796797798
الحديث: 315 - الجزء: 1 - الصفحة: 181
استحبابه لا إيجابه (1)، تبعًا للرافعي كما تقدم (2)، وزاد "المنهاج" و "الحاوي" ركنًا سادسًا وهو: النقل (3)، وزاد في "الروضة" وغيره سابعًا وهو: القصد (4)، وزاد في "الروضة" ثامنًا وهو: التراب (5).
تنبيه آخَر [في عدد سنن التيمم]
قال في "التنبيه" [ص 20]: (وسننه: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى) وذكر قبل ذلك: (تفريق الأصابع، والكيفية المتقدمة، ومسح إحدى الراحتين على الأخرى، والتخليل بين أصابعهما) 806، وقال بعضهم: لعل مراده: حصر السنن المتفق عليها؛ فإن تفريق الأصابع في الأولين مختلف في جوازه وندبه، وفي الثانية واجب قطعًا، كما في "الكفاية"، والكيفية في مسح اليدين محبوبة لتخفيف التراب، وليست سنة، ومسح إحدى الراحتين والتخليل [مختلف] 807 في وجوبهما 808. وذكر "المنهاج": التسمية، وتقديم اليمنى وأعلى وجهه، وتخفيف الغبار، ومولاة التيمم، وتفريق أصابعه أولًا 809. وذكر "الحاوي": التسمية، وتقديم اليمنى، ونزع الخاتم، والتفريج فيهما، وتخفيف التراب، والولاء 810. وبقى مما لم يذكروه: إمرار التراب على العضد، وألا يكرر المسح، ولا يرفع يده عنه حتى يتم مسحه، واستقبال القبلة، كما نقله النووي، وقال: (ينبغي استحباب الشهادتين بعده كالوضوء والغسل) 811. 317 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن تيمم ثم رأى الماء قبل الدخول في الصلاة .. بطل تيممه) فيه أمور:801802803804805
الحديث: 317 - الجزء: 1 - الصفحة: 182
أحدها: صورة المسألة فيمن تيمم لفقد الماء، أما المتيمم للعجز عن استعماله بمرض ونحوه: فإنما يبطل تيممه بالقدرة عليه.
ثانيها: لا يتوقف البطلان على رؤيته، فتوهمه في هذه الصورة مبطل أيضًا.
ثالثها: شرطه: كون الماء يجب استعماله، فلو قارنه مانع؛ كسبع أو حاجة عطش ونحوه .. لم يبطل، وقد سلم "المنهاج" من الإيراد الأول والأخير؛ حيث قال [ص 85]: (ومن تيمم لفقد ماء فوجده؛ إن لم يكن في صلاة .. بطل إن لم يقترن بمانع كعطش)، وسلم "الحاوي" من الثلاثة بقوله [ص 139]: (وقبل الشروع بوهم الماء بلا مانع).
فإن قلت: أين يوجد الأول، وهو تصوير المسألة من كلامه؟
قلنا: من قوله بعده: (وقدرة استعماله) 812 فعلم أن الكلام أولًا في الفاقد، وثانيًا في العاجز.
318 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وإن رأى الماء في أثنائها .. أتمها إن كانت الصلاة مما يسقط فرضها بالتيمم) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول ما إذا رأى الماء وهو في تكبيرة الإحرام، وكذا تتناول هذه الصورة قول "المنهاج" [ص 85]: (أو في صلاة)، وقول "الحاوي" [ص 139]: (ولو فيها)، وقد قال الروياني في هذه الصورة: (أنه تبطل صلاته، وتيممه) 813، وجرى عليه النووي في "التحقيق"، واستحسنه في "شرح المهذب"، وقال: (لم أجد لغيره موافقته ولا مخالفته) انتهى 814.
وقد وافقه الرافعي، فقال في كلامه على استصحاب نية التحرم: (ألا ترى أنه لو رأى الماء قبل تمام التكبير .. يبطل تيممه) 815.
قال السبكي: (وفيه نظر).
ثانيها: قال ابن الرفعة: (قوله: "أتمها" يفهم لزوم الإتمام، وهو وجه، ويجوز أن يحمل على الاستحباب، وهو وجه) انتهى.
واعترض: بأن إرادة اللزوم عند ضيق الوقت لا يفهمها اللفظ، ومطلقًا لا يتأتى إلا على وجه مرجوح، والاستحباب عند اتساع الوقت وجه مرجوح؛ فإن الأصح: أن الخروج أفضل، وأما عند ضيقه: فكلام النووي مصرح بأنه لا خلاف في حُرمة قطعها 816، وقد يقال: مراده: الإجزاء،
الحديث: 318 - الجزء: 1 - الصفحة: 183
بدليل قوله قبل ذلك: (أجزأته)، وقوله بعده: (وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم) انتهى 817.
وقال بعضهم: (أراد: اللزوم في صورتي الضيق والاتساع، ثم هو في صورة ضيق الوقت جارٍ على المذهب، وعند اتساعه على وجه) انتهى.
وفي "المنهاج": أن الصلاة لا تبطل في هذه الصورة 818، وفي "الحاوي" بالمفهوم: أن التيمم لا يبطل 819، وهو أحسن، ثم قال في "المنهاج" [ص 85]: (والأصح: أن قطعها ليتوضأ أفضل) ومثله قول "الحاوي" [ص 140]: (والخروج أولى).
ويستثنى من كلامهما: ما إذا ضاق الوقت .. فإنه يحرم الخروج بالاتفاق، كما في "التحقيق" 820، لكن جعله في "الشرح" و "الروضة" وجهًا ضعيفًا 821، فالذي في "المنهاج و "الحاوي" موافق لما في "الشرح" و "الروضة" 822.
ثالثها: أنه قد يرد على ظاهره: ما إذا رآه المسافر في أثناء صلاته ثم نوى الإقامة وإتمام المقصورة .. فإنها تبطل في الأصح، وكذا قد يرد على قول "المنهاج" [ص 85]: (وإن أسقطها .. فلا)، وصرح بالمسألتين في "الحاوي" 823.
319 - قول "الحاوي" [ص 140]: (أو إذا سلم غير عالم بفواته) فيه أمران أفهمهما كلامه:
أحدهما: أن تيممه لا يبطل إذا علم بفواته وهو بعد في الصلاة، وأقره عليه البارزي، لكن الأصح في "الروضة": البطلان 824.
ثانيهما: أن مراده: إذا سلم التسليمة الأولى؛ لأن الغاية تحمل على أول المتماثلين، كما لو أسلم إلى ربيع أو جمادى أو العيد، ومقتضاه: أنه لا يسلم التسليمة الثانية، وهو ما حكاه الروياني عن والده 825، لكن قال في "الروضة": (فيه نظر، وينبغي أن يسلم الثانية؛ لأنها من جملة الصلاة) 826.
الحديث: 319 - الجزء: 1 - الصفحة: 184
320 - قول "المنهاج" عطفًا على الأصح [ص 85]: (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين) يستثنى من ذلك: ما إذا وجد الماء بعد قيامه إلى ثالثة .. فإنه يتمها، كما صرح به القاضي أبو الطيب والروياني 827.
وقال في "المهمات": (إنه متجه، وكلام "شرح المهذب" و "الكفاية" يدل عليه) 828.
321 - قوله: (إلا من نوى عددًا .. فيتمُّهُ) 829 كان الأحسن أن يقول: (إلا من نوى شيئًا) ليدخل فيه من أحرم بركعة؛ فإنه لا يزيد عليها، وكلامه يقتضي إتمامها ركعتين؛ فإنه استثنى العدد، والواحد ليس عددًا، وقد سلم "الحاوي" من ذلك حيث قال [ص 140]: (ولا يزيد على ما انعقد).
322 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وتبطل إن لم يسقط فرضها بالتيمم) ومثله قول "المنهاج" [ص 85]: (أو في صلاة لا تسقط به .. بطلت على المشهور) فوجَّها البطلان إلى الصلاة، ولو وجَّهاه إلى التيمم كما في "الحاوي" 830 .. لكان أحسن؛ فإنه يلزم منه بطلان الصلاة من غير عكس، مع أن الفصل معقود لذلك لا لبطلان الصلاة، ويختص "المنهاج" بأن تعبيره بـ (المشهور) يقتضي أن الخلاف قولان، وفي "الروضة": (على الصحيح) 831 فهما وجهان.
323 - قولهما -والعبارة لـ "التنبيه"-: (ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة) 832 لو قالا: (ولا يفعل) .. لكان أحسن؛ ليعم الطوافين، والصلاة والطواف، وكذا الجمعة وخطبتها في الأصح، لكن قد يقال: الطواف صلاة، وقد عبر بذلك "الحاوي" فقال [ص 140]: (ويجمع 833 ولو صبيًا فرضًا، صلاةً أو طوافًا) لكن يرد على إطلاقه الفرض: تمكينها الزوج، فالأصح في (باب الحيض) من "شرح المهذب": جواز تكرره والجمع بينه وبين فرض بتيمم واحد 834.
ويختص "التنبيه": بأنه ترد عليه صلاة الجنازة، فالأصح: إلحاقها بالنوافل، فيجمع بين صلوات جنائز وبين جنازة ومكتوبة بتيمم، لكنها عنده - تبعًا للشيخ أبي حامد - كالفرائض، وقد ذكرها "الحاوي" و "المنهاج" 835، لكنه عبر عنها بالأصح، ولو عبر بالمذهب .. لكان أولى؛ فإن فيها طرقًا.
الحديث: 320 - الجزء: 1 - الصفحة: 185
ويستثنى من كلامهم جميعًا: مسألة محكية عن صاحب "الحاوي الصغير" في غير كتابه: أن من تجردت جنابته عن الحدث وعجز عن استعمال الماء بسبب وتيمم .. فله أن يصلي بتيممه ما لم يحدث ولم يقدر على استعمال الماء؛ لأنه يصلي بالوضوء وتيممه عن الجنابة، وقاسه على الحائض إذا تيممت لاستباحة الصلاة أو الوطء ثم أحدثت .. فإنه يجوز وطئها ومكثها في المسجد ما لم تجد الماء أو يعود حيضها، وفيما قاله نظر.
324 - قول "المنهاج" و "الحاوي": (إن النذر كفرض) (1) قد يرد ما قاله الروياني فيمن قال: لله عليّ إتمام كل صلاة أدخل فيها .. أن له أن يشرع في نفل بعد أداء فريضة بتيمم؛ لأن ابتداءها نفل، وقال القاضي حسين: إن قاله على وجه اللجاج؛ أي: لا أشرع فيها .. فموجبُهُ مُوجب اللجاج، حكاهما السبكي في الصيام (2).
وقول "المنهاج" في المسألة [ص 85]: (في الأظهر) يقتضي قوة مقابله، وقد صرح بضعفه في "الروضة" (3).
325 - قول "المنهاج" [ص 85]: (وأن من نَسِيَ إحدى الخمس .. كفاه تيمم لهن) قال السبكي: لو قال: كفاه لهن تيمم .. كان أحسن؛ لئلا يوهم أنه ينوي التيمم للخمس، والمراد: أنه يتيمم تيممًا واحدًا للمنسية ويصلي به الخمس.
326 - قوله في المسألة: (وصلى بالأول أربعًا ولاءً) (4) تبع فيه "المحرر" (5)، وليس ذلك بشرط، ولم يذكره الرافعي في غيره.
فائدة [فيما لو تذكر الصلاة المنسية]
لو تذكر المنسية بعد ذلك .. لم تجب إعادتها، صرح به الروياني 841، ورجحه في "شرح المهذب" من احتمالين: ثانيهما: تخريجه على ما لو ظن حديثًا فتوضأ له ثم تيقنه .. فالأصح: وجوب الإعادة 842،836837838839840
الحديث: 324 - الجزء: 1 - الصفحة: 186
وجزم به ابن الصلاح في هذه الصورة 843.
327 - قول "التنبيه" [ص 20]: (ولا يجوز التيمم لمكتوبة إلا بعد دخول الوقت) فيه أمور: أحدها: لا يختص ذلك بالمكتوبة، فكل مؤقتة لا يتيمم لها إلا بعد وقتها حتى النفل المؤقت في الأصح، وقد عبر "الحاوي" بالمؤقتة 844، فيتناول الجميع، وذكر "المنهاج" الفرض، وهو أعم من المكتوبة عرفًا؛ فإنه يتناول المنذورة المتعلقة بوقت معين بخلاف المكتوبة، وقد صرح المتولي بأن المنذورة المتعلقة بوقت معين كالفرض.
قال في "الكفاية": (ويظهر تخريجه على القاعدة المعروفة) ثم قال "المنهاج" [ص 86]: (وكذا النفل المؤقت في الأصح) ولو عبر بالمذهب .. لكان أولى؛ لأن الأصح في "الروضة": الجزم به 845.
ويدخل وقت صلاة الجنازة بتغسيل الميت، ووقت صلاة الاستسقاء باجتماع الناس لها.
ثانيها: قال في "الكفاية": (أنه يفهم أنه يجوز للفائتة في أي وقت شاء؛ لأن وقتها قد دخل؛ أي: وليس كذلك، وإنما يتيمم لها بتذكرها حتى لو تيمم لها شاكًا فيها ثم تذكرها .. لم يصح به في الأصح).
وجوابه: أن وقتها: تذكرها، كما جاء في الحديث، فقد دخلت في إطلاق الشيخ، وقد صرح بها "الحاوي" فقال [ص 134]: (كتذكر الفائتة).
ثالثها: قد يرد عليه: الصلاة المجموعة تقديمًا؛ فإنه يجوز التيمم لها قبل وقتها في وقت المجموعة معها، وقد أشار إليها "المنهاج" بقوله [ص 86]: (قبل دخول وقت فعله) و "الحاوي" بقوله [ص 134]: (وقتها أو متبوعها).
ويجاب عنه: بأنه وقت لها في هذه الحالة.
رابعها: قد يورد عليه وعلى "المنهاج" و "الحاوي": من تيمم لفائتة ضحوة فلم يصلها به فزالت الشمس .. فإنه يصلي به الظهر في الأصح.
وجوابه: أنه لم يتيمم لها قبل وقتها، غايته: أنه يصلي بالتيمم غير التي تيمم لها بدلها، ومثله: لو تيمم لحاضرة في وقتها ثم تذكر فائتة .. فله أن يصليها به في الأصح.
تنبيه: مفهوم "المنهاج" و "الحاوي" و "التصحيح": جواز التيمم للنفل المطلق أيّ وقت شاء، ويستثنى منه: أوقات الكراهة، فلا يصح فيه على الأصح 846، ولك أن تقول: أيّ وقت
الحديث: 327 - الجزء: 1 - الصفحة: 187
شاءه .. فهو وقت المطلقة، فساوت المؤقتة؛ إذ لم يتيمم لها أيضًا إلا في وقتها.
328 - قولهم -والعبارة لـ "التنبيه"-: (ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا .. صلى الفريضه وحدها) 847 قد يفهم: أن الجنب تجب عليه قراءة (الفاتحة) فيها، وهو الأصح عند النووي 848، وصحح الرافعي: المنع من قراءتها 849، وقد يفهم هذا من قول "التنبيه": (وحدها) فإنه قياس منع النفل، لكن قد يفهم من عبارتهم: أن واجد التراب إذا أجنب وتيمم في الحضر .. أنه يقرأ مطلقًا، وسوَّى في "الكفاية" بينه وبين فاقد الطهورين في الخلاف إذا قلنا: يعيد.
329 - قول "التنبيه" [ص 21]: (وأعاد إذا قدر على أحدهما) يستثنى منه: إذا قدر على التراب في موضع لا يسقط القضاء؛ كالحضر .. فإنه لا يعيد، كما ذكره النووي في "فتاويه"، وحكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب 850، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه": بالصواب 851، وفيه نظر؛ ففيه احتمال في "فتاوى البغوي"، وجزم به النووي في "نكت التنبيه" بالإعادة مطلقًا، فظهر الخلاف.
وأطلق "المنهاج" و "الحاوي" الإعادة ولم يبينا وقتها، فلا إيراد عليهما، وفي قول: لا تجب الإعادة مطلقًا، واختاره النووي في "شرح المهذب" 852.
ولم تدخل في عبارتهم الجمعة؛ لأنها لا تُقْضَى، مع أنها كذلك في أن فاقد الطهورين يصليها لحرمة الوقت ويقضي الظهر بعد ذلك.
330 - قولهم -والعبارة لـ "المنهاج"-: (ويقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر) 853 جار على الغالب في وجدان الماء في الإقامة وفقده في السفر، فلو انعكس الحال .. انعكس الحكم في الأصح، فإذا أقام حيث يغلب فقده كالمفازة .. لم يعد في الأصح، ولو مر مسافر في طريقه بقرية وعدم الماء .. أعاد في الأصح، وقد يقال: لا ترد الصورة الأولى على "التنبيه" لتعبيره بالحاضر، وهو: المقيم بالحاضرة، وليست المفازة حاضرة.
ويستثنى من كلام "التنبيه": العاصي بسفره؛ فإنه يعيد على الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي".
الحديث: 328 - الجزء: 1 - الصفحة: 188
واستشكله السبكي، وقال: ينبغي إسقاط الإعادة تفريعًا على الأصح في أن السفر لا عبرة به، وإنما المعتبر: موضع الندور حضرًا كان أو سفر، فليس ذلك من رخص السفر حتى يستثنى منه المعصية.
وأجاب عنه: بأن تيمم العاصي بسفره إعانة له على السفر، وكذلك لا يحل له أكل الميتة على الأصح وإن جوزناه للعاصي المقيم.
وفي الجواب نظر.
331 - قول "التنبيه" في المتيمم للبرد [ص 21]: (أعاد إن كان حاضرًا، أو إن كان مسافرًا .. أعاد في أحد القولين) هو الأصح، وقول "المنهاج" [ص 86]: (قضى في الأظهر) يقضي إجراء القولين في الحاضر، والأصح فيه: القطع بوجوب الإعادة.
332 - قول "التنبيه" [ص 21]: (إن الجريح لا إعادة عليه)، قال في "المنهاج" [ص 86]: (إلا أن يكون بجرحه دم كثير) وأطلق "الحاوي" الإعادة على دامي الجرح ولم يقيده بالكثرة 854، والتقييد بها من زيادة "المنهاج" على "المحرر" من غير تمييز، لكنه رجح في (شروط الصلاة) أنه كالبثرات، ومقتضاه: العفو عن الكثير، والأول أرجح، وقد يقال: لا حاجة إلى استثناء الدم الكثير من مسألة الجراحة؛ فإنه لا اختصاص لهذا بالتيمم، بل متى كان في بدنه جرح عليه دم كثير .. لزمه القضاء.
333 - قول "التنبيه" فيما إذا وضع الجبائر على طهر [ص 21]: (وفي الإعادة قولان) الأصح: أنه لا تجب الإعادة، وقد صرح به في "المنهاج" 855.
ويرد عليهما: أن محل الخلاف: إذا لم تكن الجبيرة على محل التيمم، فإن كانت .. أعاد بلا خلاف، كذا في "الروضة" 856، ونقله الرافعي عن المتولي وابن الصباغ 857، وحكاه في "شرح المهذب" عن أبي الطيب والروياني أيضًا، قال: (وإطلاق الجمهور يقتضي عدم الفرق) انتهى 858.
وهذا يرد أيضًا على مفهوم قول "الحاوي" في أمثلة القضاء [ص 140]: (وساتره بلا طهر) لكن قال شيخنا الإِمام سراج الدين: إنما ذكر ابن الصباغ والمتولي ذلك تفريعًا على إيجاب التيمم،
الحديث: 331 - الجزء: 1 - الصفحة: 189
فإن لم نوجبه واكتفينا بالمسح .. فالقولان، وأصحهما: لا إعادة، قال شيخنا: والصواب: إثبات الخلاف مطلقًا أوجبنا التيمم أم لم نوجبه، ونصه في "الأم" يدل لذلك 859، وكذلك كلام الشيخ أبي حامد وغيره.
انتهى.
334 - قول "المنهاج" [ص 86]: (فإن وُضِع على حدث .. وجب نزعه، فإن تعذر .. قضى على المشهور) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا اختصاص لوجوب النزع بالوضع على حدث، بل متى أمكن النزع .. وجب، سواء وضع على طهر أو حدث، وإنما يفترق الحال عند تعذر النزع في القضاء وعدمه.
ثانيهما: كان ينبغي أن يقول: (على المذهب) فإن الأصح: القطع بالقضاء.
335 - قول "الحاوي" [ص 140]: (وقَضَى المختلة دون عذر دائم كالجنون) لا يستقيم التمثيل بالجنون؛ فإنه لا صلاة على المجنون حتى توصف بالخلل، ومثّله في "التعليقة": بالإغماء، وتبعه الميمي، وهو فاسد أيضًا؛ لعدم الوجوب.
الحديث: 334 - الجزء: 1 - الصفحة: 190
بابُ الحَيْض
336 - قول "التنبيه" [ص 21]: (أقل سن تحيض فيه المرأة: تسع سنين) أورد عليه في "الكفاية": أنه جعل التسع ظرفًا للحيض، ولا قائل بأن كلها ظرف له، قال: ولعل مراده: التاسعة.
انتهى.
وجوابه: أن حقيقة التسع إنما يتحقق بكمالها، وهو المظروف، وغايته: أن يقع الحيض في آخر التاسعة، وهو منطبق على ضابط التقريب، وهو: أن ترى الدم قبله بزمن لا يسع حيضًا وطهرًا.
وفي "المنهاج" [ص 87]: (أقل سنه: تسع سنين) وهي مثل عبارة "التنبيه"، وفي "الحاوي" [ص 142]: (دم ترى بعد تسع) فسلم مما اعترض به عليهما.
لكن يرد عليه: أنها على الأصح تقريب، فلو رأته قبل استكمالها بزمن لا يسع حيضًا وطهرًا .. فهو حيض مع أنه ليس بعد التسع بل قبلها.
وقال الماوردي: (لو ظهر الدم قبل التسع بيوم أو يومين .. كان حيضًا) 860.
ويوافقه اعتبار شيخنا الإِمام البلقيني في "التدريب" العرف في ذلك.
337 - قول "الحاوي" [ص 142]: (ولم يتقدم عليه حيض أو نفاس دون خمسة عشر) يقتضي أنه إذا تقدم عليه نفاس كامل وكان بينهما دون خمسة عشر .. أنه لا يكون حيضًا، وهو خلاف ما صححه النووي في "شرح المهذب" في الكلام على دم الحامل 861، وهو مقتضى دولهما: (وأقل طهر فاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يومًا) 862 فإنَّ ذكر الحيضتين للاحتراز عن حيض ونفاس سواء تقدم الحيض على النفاس أو تأخر عنه 863.
338 - قول "التنبيه" [ص 22]: (وقيل: يحرم العبور فيه، وقيل: لا يحرم)، قال النووي وشيخنا جمال الدين في "تصحيحهما": (الأصح: جواز عبورها في المسجد إذا أمنت التلويث) 864.
واعترض عليهما: بأن التقييد بأمن التلويث لا حاجه إليه؛ فإن الكلام في خاصية الحيض،
الحديث: 336 - الجزء: 1 - الصفحة: 191
وخوف التلويث لا يختص به، بل المستحاضة، وسلس البول، ومن به جراحة نضاخة يخشى من مرور التلويث، كذلك ذكره الرافعي وغيره 865.
وفي "المنهاج" [ص 87]: (وعبور المسجد إن خافت تلويثه) ولا بد له من هذا القيد؛ لأنه جزم بالتحريم، ولو أمنت التلويث .. لم يكن التحريم مجزومًا به، بل ولا مرجحًا، وإنما هو وجه مرجوح، فلا يقال فيه: لا حاجة فيه لهذا القيد، وإنما يقال: لا حاجة لذكره هذا الحكم، وهو: تحريم العبور في هذه الصورة؛ لأنه ليس من خاصية الحيض كما تقدم؛ ولذلك لم يذكره "الحاوي".
ثم اعلم أن النووي نبه في "نكته" على أن مسألة العبور ليست في نسخة المصنف، وفي إثباتها إشكال؛ لأنه سيقول بعد هذا: (وتبقى سائر المحرمات إلى أن تغتسل) 866 ومعلوم أن تحريم العبور عند من يحرمه يرتفع بانقطاع الدم ويصير كالجنب، قال: فحذف هذه الزيادة هو الصواب.
انتهى.
لكنه في "التصحيح" مشى على إثباتها، وبيّن الصحيح فيها كما قدمته 867.
339 - قول "التنبيه" [ص 22]: (ويسقط عنها فرضها) تعبيره بالسقوط يوهم الوجوب، وليس كذلك.
نعم؛ هو وجه في الصوم، فقول "المنهاج" في الصوم [ص 87]: (ويجب قضاؤه بخلاف الصلاة) أحسن منه، بل يزاد على كونه لا يجب قضاء الصلاة: أنه يحرم، فلو قالت: أنا أتبرع بقضاء الصلاة .. قلنا: لا يجوز لك ذلك، قاله القاضي أبو بكر البيضاوي في "تعليل مسائل التبصرة".
ويستثنى من كلامهما: ركعتا الطواف؛ كما ذكره الروياني في "الفروق"، ونقله النووي في "شرح مسلم" عن الأصحاب 868، وفي "شرح المهذب" عن صاحبي "التلخيص" و "المعاياة"، ثم قال: (وأنكره الشيخ أبو على، وهو الصواب) 869.
340 - قولهم: (إنه يحرم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها) 870 يفهم جواز الاستمتاع بنفس السرة والركبة.
الحديث: 339 - الجزء: 1 - الصفحة: 192
قال في "شرح المهذب": (ولم أر فيه نقلًا، والمختار: الجزم بالحل، ويحتمل أن يخرج على الخلاف في كونهما عورة) 871.
قال في "التصحيح": (والمختار: أنه لا يحرم من الحائض غير الفرج) انتهى 872.
وهو اختيار الماوردي في "الإقناع" 873 والروياني في "الحلية"، وإذا قلنا: لا يحرم .. فهو مكروه.
واستحسن في "شرح المهذب" وجهًا ثالثًا: أنه إن وثق المباشر تحت الإزار بترك الوطء لورع أو قلة شهوة .. جاز، وإلا .. فلا 874.
341 - قول "التنبيه" [ص 22]: (وإذا انقطع الدم .. ارتفع تحريم الصوم، وتبقى سائر المحرمات إلى أن تغتسل) فيه أمران:
أحدهما: أنه أورد عليه: أنه كان ينبغي أن يستثنى: الطلاق أيضًا؛ فإن تحريمه يزول بمجرد الانقطاع، وقد استثناه في "المنهاج" 875.
وأجاب عنه ابن الرفعة: بأنه لم يذكره في المحرمات؛ فإنه يحرم على الزوج لا عليها.
قال النسائي: (وقد يعتذر بالاكتفاء بذكره في الطلاق) 876.
وأورد عليه: أن هذا يحسن اعتذارًا عن إهمال الشيخ مسألة الطلاق هنا، لا عن إتيانه بصيغة دالة على بقاء تحريمه الذي هو حرف السؤال.
واستثنى في "التصحيح" من كلام "التنبيه" أيضًا: عبور المسجد، فقال: (وأنه إذا قلنا بتحريمه فانقطع دمها .. جاز قبل الغسل) انتهى 877.
وقد عرفت أن مجرد العبور لا يحرم في الأصح، والاستثناء إنما هو على وجه؛ ولذلك قال: (إذا قلنا بتحريمه).
وقول ابن الرفعة: (رجحه في "الروضة") 878 يريد: تفريعًا على التحريم، ولا يرد هذا على "المنهاج" لأنه إنما ذكر تحريم العبور مع خوف التلويث، وإذا انقطع الدم .. أمن التلويث.
الحديث: 341 - الجزء: 1 - الصفحة: 193
واستثنى بعضهم: الغسل؛ فإنه قبل الانقطاع بنية التعبد حرام، وسقوط قضاء الصلاة، ولم يذكر "الحاوي" في المحرمات: الطلاق، وتحريم العبور، ولما ذكر تحريم الصوم .. ذكر استمراره إلى الطهر، ولم يذكر ذلك في غيره من المحرمات.
ثانيهما: لو قال: (إلى أن تطهر) .. لكان أحسن؛ ليشمل التيمم بشرطه، وقد عبر به "الحاوي" فقال [ص 131]: (والصوم إلى الطهر) وعبر "المنهاج" و "الحاوي" بالغسل كـ "التنبيه"، على أنه يرد على التعبير بالتطهر: الصلاة إذا فقدت الطهورين؛ فإنها تجب عليها، إلا أن يقال: إنها صورة صلاة لا صلاة.
342 - قولهم في المستحاضة: (وتعصبه) 879 فيه أمران:
أحدهما: أن محل وجوب التعصيب: إذا لم تتأذ باجتماع الدم، فإن تأذت به .. فلا تعصب، وتصلي مع السيلان.
ثانيهما: أن التعصيب إنما هو بعد حشو الفرج بقطنة أو نحوها إذا لم يندفع الدم بالحشو، كذا في "الشرح" و "الروضة" 880، وفي "الكفاية" عكسه؛ أي: إن لم يندفع بالعصابة .. حشته، ويستثنى من الحشو: إذا كانت صائمة .. فلا تحشوه نهارًا، قاله الرافعي 881.
قال في "الكفاية": (وينبغي تخريجه على مسألة الخيط إذا أصبح وبعضه مبتلع).
وجعل بعضهم الحشو عند الاحتياج إليه من كمال التعصيب، فلا إيراد.
343 - قول "التنبيه" [ص 22، 23]: (وتتوضأ لكل فريضة) يشترط: كون الوضوء في الوقت، وقد صرح به "الحاوي"، فقال [ص 148]: (وتتوضأ لكل فرض في الوقت) وهو معنى قول "المنهاج" [ص 87]: (وتتوضأ وقت الصلاة) ولا يقال: يندرج في كلامه: النوافل المؤقتة، فيقتضي الوضوء لكل نافلة مؤقتة، وليس كذلك؛ لأن المراد: الصلاة المعهودة، وهي الفريضة, وقد قال بعد ذلك: (ويجب الوضوء لكل فرض) 882.
ولو قالوا: (فتتوضأ) بالفاء .. لكان أحسن؛ لأن الأصح في "شرح مسلم" والمجزوم به في "التحقيق": اشتراط تعقيب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه 883.
344 - قول "التنبيه" [ص 23]: (ولا تؤخر بعد الطهارة الاشتغال بأسباب الصلاة والدخول فيها، فإن أخرت ودمها يجري .. استأنفت الطهارة) يستثنى: ما لو كان التأخير لمصلحة الصلاة؛
الحديث: 342 - الجزء: 1 - الصفحة: 194
كانتظار الجماعة .. فالذي أورده الرافعي وهو المذهب في "شرح المهذب": أنها لا تجدد 884، وقول الرافعي: (إن لها التأخير لهذا بلا خلاف) 885 فيه نظر؛ ففي "الحاوي" حكايته وجه: أنه لا يجوز 886، والمشهور في "الكفاية": التفريق بين ما هو سببها وسبب كمالها؛ كالجماعة، وقد صرح "المنهاج" بهذا، فقال [ص 87]: (فلو أخرت لمصلحة الصلاة؛ كستر، وانتظار جماعة) و "الحاوي"، فقال [ق 7]: (فإن اشتغلت بما لا يتعلق بالصلاة).
345 - قول "التنبيه" [ص 23]: (وإن انقطع دمها في الصلاة) كذلك لو انقطع قبل الصلاة، وقول "الحاوي" [ص 148]: (أو انقطع قبلها) كذلك إذا انقطع فيها 887، فكلا العبارتين ناقصة، وأحسن منهما قول "المنهاج" [ص 87]: (ولو انقطع دمها بعد الوضوء) فإنه شامل لانقطاعه قبل الصلاة ولو عقب الوضوء متصلًا به، ولانقطاعه في أثناء الصلاة، فهو متناول لصورتي "التنبيه" و "الحاوي"، وينبغي أن يحمل قول "المنهاج": (بعد الوضوء) أي: بعد الشروع فيه؛ ليشمل ما إذا وجد الانقطاع في أثنائه، على أن صاحب "المصباح" قال: (إن "الحاوي" لم يرد بقوله: "قبلها": قبل الشروع فيها، وإنما أراد: قبل الفراغ منها).
ويمكن أن يقال: إنه لم يحترز عن الانقطاع فيها، بل أشار به إن وجوب المبادرة للتجديد قبل الصلاة، فلو صلت بغير تجديد .. قضت ولو عاد قبل مضي قدر وضوء وصلاة؛ لترددها في النية أولًا.
346 - قول "التنبيه" [ص 23]: (استأنفت الطهارة والصلاة) محله كما في "المنهاج" [ص 87]: (إذا لم تعتد انقطاعه وعوده، أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءًا والصلاة) ومع ذلك فلو عاد قبل إمكان الطهارة والصلاة .. فالأصح: بقاء وضوئها, لكن تعيد ما صلته به في الأصح؛ لتردد النية كما قدمته، أما إذا اعتادت انقطاعًا لا يسعهما .. لم تبطل طهارتها.
لكن قول "المنهاج" [ص 87]: (وجب الوضوء) تبع فيه "المحرر" 888، ولو عبر بالطهارة؛ كما في "التنبيه" ليشمل غسل الفرج عن النجاسة .. لكان أحسن.
ثم إنه يرد على مفهومه: ما إذا طال زمن هذا الانقطاع على خلاف عادتها .. فإن الأصح: أنا نتبين البطلان.
ويرد عليه أيضًا: ما إذا لم تعتد الانقطاع وأخبرها عارف بأنه لا يعود إلا بعد ما يسعهما، أو
الحديث: 345 - الجزء: 1 - الصفحة: 195
يعود قريبًا .. فكاعتياد ذلك، وقد استوفى ذلك "الحاوي" بقوله [ص 148]: (جددت، لا إن علمت قرب العود، فإن دام .. قضت) فلا يرد عليه شيء مما تقدم، إلا أنه قد يتخيل ورود الأخيرة عليه، وهي: ما إذا أخبرها عارف بعوده قريبًا، مع أنها لا ترد عليه؛ لدخولها في قوله: (علمت) فإن علمها بذلك إما باعتياد وإما بإخبار عارف به، فهي عبارة مختصرة شاملة في غاية الحسن.
347 - قول "المنهاج" [ص 88]: (رأت لسن الحيض أقله) أي: فأكثر؛ فإن أقله لا يمكن أن يعبر أكثره، وكذا قول "الحاوي" [ص 142]: (يومًا وليلة) أي: فما زاد.
348 - قول "المنهاج" [ص 88]: (والصفرة والكدرة حيض في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح، ومحل هذا الخلاف: إذا رأته في غير أيام العادة، فإن رأته في العادة .. فحيض جزمًا، قاله في "الروضة" 889.
لكن في "التتمة": لا بد من قوي معه، وقيل: يجب تقدم القوي، فيحسن حينئذ إطلاق الخلاف.
349 - قول "التنبيه" [ص 22]: (فإن كانت مميزة، وهي: التي ترى في بعض الأيام دمًا أسود وفي بعضها دمًا أحمر .. كان حيضها أيام الأسود) فيه أمور:
أحدها: أنه يقتضي حصر المميزة فيما ذكر، ولا قائل به، بل الأصحاب متفقون على أنها التي انقسم دمها إلى قوي وضعيف، وإنما اختلفوا فيما به الاعتبار في القوة والضعف، فقيل: اللون فقط، والأصح: أنه لا يختص به، بل الرائحة والثخانة كذلك، فالدم الأقوى هو: الذي صفاته من الثخن والنتن والسواد أكثر، فإن لم يكن سواد .. فالحمرة، فإن لم تكن .. فالشقرة، فإن لم تكن .. فالصفرة، فإن اجتمعت في دم دون غيره، أو وُجد منها فيه اثنان وفي غيره واحد، أو وُجد منها فيه واحد وانتفت في غيره .. فهو الحيض، فإن تكافأت الدماء في وجود الثلاثة، أو انتفائها، أو وجود اثنين منها، أو واحد .. فالسابق هو الأقوى، كما نقله الرافعي عن صاحب "التتمة"، وقال: (هو موضع التأمل) 890، وجزم به في "التحقيق" 891، وقد جمع "الحاوي" ذلك كله بقوله [ص 143]: (وما صفاته من ثخن، ونتن، وسواد، ثم حمرة، ثم شقرة، ثم صفرة أكثر، ثم ما سبق أقوى)، وأشار إليه "المنهاج" إجمالًا بقوله [ص 88]: (بأن ترى قويًا وضعيفًا).
ثانيها: قد يفهم كلامه: أنه إذا اجتمع السواد والحمرة والصفرة .. أن حيضها الأسود فقط،
الحديث: 347 - الجزء: 1 - الصفحة: 196
وهو كذلك عند تقدم الحمرة، فإن تقدم السواد وأمكن الجمع .. فكلاهما حيض في الأصح، وقد ذكر "الحاوي" هذه الصورة بقوله [ص 143]: (ولا حقٍ نسبيّ إن أمكن الجمع).
ولا ترد على "المنهاج" لأنه قال [ص 88]: (فالضعيف استحاضة، والقوي حيض) فإن الأحمر إن جعل (ضعيفًا) 892 بالنسبة إلى السواد قبله .. فهو قوي بالنسبة إلى الصفرة بعده.
ثالثها: لاعتبار التمييز ثلاثة شروط:
- ألاَّ ينقص القوي عن أقل الحيض.
- ولا يزيد على أكثره.
- ولا ينقص الضعيف عن أقل الطهر.
وقد صرح بها "المنهاج" 893 وأشار إليها "الحاوي" بقوله [ص 142]: (بالشروط) وقد تفهم مما قدمه "التنبيه" في مقدار ذلك.
350 - قول "التنبيه" [ص 22]: (وإن لم تكن مميزة ولا عادة لها وهي المبتدأة .. ففيها قولان، أحدهما: أنها تحيض أقل الحيض) هذا هو الأصح، وكلامه يقتضي أنه لا يصدق عليها اسم المبتدأة إلا مع فقد التمييز، وليس كذلك، فالمبتدأة مميزة وغير مميزة، وكلام "المنهاج" مصرح بذلك 894. لكن اعترض قوله: (أو مبتدأة لا مميزة) 895 بأن من فقدت شرط التمييز .. مميزة، لكن تمييزها غير معتبر.
وأجيب عنه: بأن قوله بعده: (أو فقدت شرط تمييز) 896 معطوف على قوله: (لا مميزة) وتقديره: أو مبتدأة لا مميزة، أو مبتدأة مميزة فقدت شرط التمييز.
351 - قولهم في المبتدأة: (إن حيضها: يوم وليلة) 897 محله: إذا عرفت وقت ابتداء الدم، وإلا .. فهي كالمتحيرة.
352 - قول "المنهاج" [ص 88]: (وطهرها تسع وعشرون) يحتمل عود (الأظهر) إليه أيضًا؛ أي: الأظهر: أن حيضها الأقل، لا الغالب، والأظهر أيضًا: أن طهرها تسع وعشرون، لا الغالب، وحينئذ .. فيقرأ: (وطهرها) بالنصب، ويحتمل أنه مفرع على القول الأول، فيقرأ
الحديث: 350 - الجزء: 1 - الصفحة: 197
بالرفع، والأول أقرب إلى عبارة "المحرر" 898.
353 - قولهما: (إن المعتادة تُرَدّ لعادتها) 899 محله: ما إذا كانت العادة متفقة أو مختلفة متسقة، فإن كانت مختلفة غير متسقة أو مختلفة متسقة ونسيت النوبة التي استحيضت عقبها .. اغتسلت في آخر منوبة، وقد ذكره "الحاوي" 900.
354 - قول "المنهاج" [ص 88]: (وتثبت بمرة في الأصح) هذا في العادة المتفقة، أما المختلفة: فإنما تثبت بمرتين في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" 901، ومحل الخلاف: في عادة الحيض، أما الاستحاضة: فتثبت بمرة قطعًا.
355 - قول "الحاوي" [ص 144]: (وتثبت العادة بالتمييز) أي: كما إذا رأت خمسة سوادًا وباقي الشهر حمرة مرارًا ثم أطبق السواد أو الحمرة .. فحيضها خمسة من أول الدور لما استقر من عادتها، كذا ذكره الرافعي هنا، وقال في المستحاضة الأولى: لو رأت خمسة سوادًا ثم حمرة مستمرة .. فلا حيض لها في الأشهر التي استمرت فيها الحمرة، خلافًا لما دل عليه كلام الغزالي 902، فما ذكره هنا مخالف لما تقدم فيما إذا أطبقت الحمرة لا السواد.
356 - قول "التنبيه" في المتحيرة [ص 22]: (لا يطؤها الزوج) لو قال كـ "المنهاج" [ص 88]: (فيحرم الوطء) .. لكان أولى؛ ليتناول وطء السيد، ومع ذلك فيفهم من كلامهما: الجزم بإباحة الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها, وليس كذلك، بل هي في ذلك كالحائض، وقد تناوله قول "الحاوي" [ص 145]: (فهي كالحائض).
357 - قولهما: (وتغتسل لكل فرض) 903 يستثنى منه: ذات التقطع في النقاء؛ فإنه لا غسل عليها، وقد استثناه "الحاوي" 904.
ويرد عليهم جميعًا: أن محل الغسل لكل فرض: إذا لم تعلم وقتًا لانقطاع دمها، فإن علمت؛ كعند الغروب مثلًا دائمًا .. لم تغتسل إلا للمغرب فقط في كل يوم وليلة، قاله النووي في "التحقيق" 905 وابن الرفعة في "الكفاية"، وسكوتهما عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت مشعر
الحديث: 353 - الجزء: 1 - الصفحة: 198
بعدم وجوبه، وهو الذي حكاه الدارمي والماوردي والشيخ نصر وآخرون عن جمهور أصحابنا 906، ونص عليه الشافعي كما نقله الروياني في "البحر" 907، وقال شيخنا في "المهمات": (إنه المفتى به).
لكن الذي رجحه الرافعي والنووي: وجوب القضاء 908، وقد ذكره "الحاوي" 909، لكن قوله: (أو تقضي لكل ستة عشر يومًا الخمس) 910 مخالف لما ذكره الرافعي والنووي: من أنها تقضي الخمس لكل خمسة عشر يومًا 911، لكن صوب شيخنا في "المهمات" ما قاله "الحاوي" لأن القضاء إنما يجب لاحتمال الانقطاع، ولا يتصور في الستة عشر إلا مرة، والله أعلم.
358 - قول "التنبيه" [ص 22]: (وتصوم رمضان ثم تصوم شهرًا آخر، فيصح لها من ذلك ثمانية وعشرون يومًا) قيده "المنهاج" بأن يكونا كاملين 912، فإن الناقص لا يحصل منه إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يقيد "المحرر" و "الحاوي" رمضان بالكمال 913، وهو أحسن؛ فإنه متى نقص وكان الثاني كاملًا .. لا يجب سوى قضاء يومين أيضًا؛ لأن المفروض تسعة وعشرون يومًا، وقد حصلت منها سبعة وعشرين يومًا، وتقييد "المنهاج" صحيح بالنسبة إلى حصول أربعة عشر من كل منهما، فإنه عبر بقوله: (فيحصل من كل أربعة عشر) 914 فظهر أنه إن كان المحكوم به بقاء يومين .. فلا حاجة لتقييد رمضان بالكمال؛ فإنه متى كمل الثاني .. لا تقضي سوى يومين كمل رمضان أو نقص، وإن كان المحكوم به حصول أربعة عشر منه .. فلا بد من تقييده بالكمال؛ فإنه متى لم يكمل .. لا يصح منه سوى ثلاثة عشر وإن كان لا يجب سوى قضاء يومين إذا كمل الثاني.
359 - قولهما في قضاء يومين: (ثم تصوم ستة أيام من ثمانية عشر يومًا، ثلاثة في أولها، وثلالة في آخرها) 915 صحيح، لكنه غير متعين، وضابط هذه الطريقة - وهي طريقة الجمهور -: أن تضعف ما عليها وتزيد يومين، فتصوم ما عليها وتصوم مثله من سابع عشر صومها الأول، وتصوم يومين بينهما كيفما كان متصلين بالصوم الأول أو بالصوم الثاني أو أحدهما متصلًا بالأول
الحديث: 358 - الجزء: 1 - الصفحة: 199
والآخر بالأخير، وهي صورة "التنبيه" و "المنهاج"، أو ليسا متصلين بواحد منهما، بل في وسط المدة مجتمعين أو متفرقين، وهذه الطريقة تأتي في أربعة عشر يومًا وما دونها، وقد ذكرها "الحاوي" بقوله [ص 146]: (أو تصوم مثل الفائت ولاءً، ثم مرة من السابع عشر وتصوم يومين بينهما، هذا في أربعة عشر ودونها).
360 - قول "المنهاج" [ص 88]: (ويمكن قضاء يوم بصوم يوم ثم الثالث والسابع عشر) صحيح أيضًا، لكنه يوهم أنه لا يمكن قضاء يومين بأقل من ستة أيام؛ فإنه في معرض بيان الأقل، وليس كذلك، بل يمكن بخمسة على هذه الطريقة، وهي طريقة الدارمي، واستحسنها النووي في "شرح المهذب" 916، وهي تأتي من يوم سبعة، وضابطها: أن تأتي بما عليها مع زيادة صوم يوم مفرقًا في خمسة عشر يومًا؛ أي: على أيّ وجه شاءت، ثم تأتي به مرة أخرى بدون زيادة يوم، بحيث يقع كل يوم في المرة الثانية سابع عشر ما يناظره من المرة الأولى إلى خامس عشر ثاني ما يناظره من الأولى، وقد ذكرها "الحاوي" بقوله [ص 146]: (وتأتي بفائت الصوم مرة بزيادة واحد في خمسة عشر متفرقًا، ومرة سابع عشر كل إلى خامس عشر ثانيه، هذا في سبعة ودونها، فلقضاء يومين .. تصوم يومًا، وثالثه، وخامسه، وسابع عشره، وتاسع عشره).
ويمكن أن يجاب عن "المنهاج": بأنه نبه بمجموع كلامه على الطريقتين، وهذه الطريقة ترد على "التنبيه" فإنه لم يتعرض لها أصلًا، وأفهم كلامه: أنه لا يحصل صوم يومين بدون ستة، وقد عرفت أنه بهذه الطريقة تحصل بخمسة، والله أعلم.
361 - قولهم -والعبارة لـ "الحاوي"-: (ولو حفظت الوقت أو القدر) 917 إنما يخرج عن التحير المطلق بحفظ القدر إذا علمت قدر الدور وأوله.
نعم؛ يصح لها من صوم رمضان إذا كان كاملًا أربعة وعشرون يومًا إذا كان حيضها خمسة من ثلاثين، ذكره النووي في "شرح المهذب" 918.
362 - قولهما: (إن الأظهر: أن دم الحامل حيض) 919 فيه أمران:
أحدهما: يستثنى منه: الدم الخارج عند الطلق أو مع الولد، فالأصح: أنه ليس بحيض ولا نفاس، وقد استثناه "الحاوي" فقال [ص 142]: (لا عند الطلق).
ثانيهما: ظاهر كلامهما: أنه يثبت فيه سائر أحكام الحيض، ويستثنى من ذلك: أنه لا يحرم
الحديث: 360 - الجزء: 1 - الصفحة: 200
فيه الطلاق، ولا تنقضي به عدة صاحب الحمل إلا إن وطئها بشبهة وهي حامل .. فتنقضي به عدة ذلك الوطء في الأصح، وتنقضي به عدة غيره، كما ذكره القاضي حسين.
لكن في "أصل الروضة": إنه ضعيف 920، وضعفه الإِمام والغزالي 921، وهذا يرد على "الحاوي" أيضًا.
363 - قول "التنبيه" [ص 22]: (وإذا رأت المرأة يومًا طهرًا ويومًا دمًا .. ففيه قولان، أحدهما: تضم الطهر إلى الطهر والدم إلى الدم، والثاني: لا تضم، بل الجميع حيض) فيه أمور:
أحدها: لا فرق بين التقطع بيوم وفوقه ودونه، فذكر اليوم على سبيل المثال، أو المراد به: الوقت؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ولعله ذكره ليُستغنى عن التصريح باشتراط: ألاَّ ينقص مجموع الدماء في المدة المذكورة عن أقل الحيض، وهو: يوم وليلة.
ثانيها: كيف يسميه أولًا طهرًا مع أن هذا موضع الخلاف؟ وكان ينبغي التعبير بالنقاء.
ثالثها: محل الخلاف: في النقاء الذي بين الدمين، أما النقاء المتقدم على الدم: فليس حيضًا قطعًا، ولم يقيد موضع الخلاف، بل أوهم جريانه في هذه الصورة بتقديم ذكر الطهر في اللفظ.
رابعها: الأصح: الثاني، وهو أن الجميع حيض.
خامسها: صورة المسألة: في النقاء الزائد على الفترات المعتادة بين دفعات الدم، فأما الفترات: فحيض قطعًا، ولا يرد شيء من ذلك على قول "الحاوي" [ص 142، 143]: (بنقاء تخلل) ويرد الأخير فقط على قول "المنهاج" [ص 89]: (والأظهر: أن النقاء بين الدمين حيض).
وقوله: (بين الدمين) قال الشيخ برهان الدين بن الفركاح: (كذا هو في عدة نسخ، وقيل: إنه كان هكذا في نسخة المصنف، وإنه أُصْلِحَ بعده بقوله: "بين أقل الحيض" لأن الراجح: أن محل القولين ذلك) انتهى 922.
وهي النسخة التي شرح عليها الشيخ تقي الدين السبكي.
قال شيخنا شهاب الدين بن النقيب: (وقد رأيت نسخة المصنف التي بخطه، وقد أُصْلِحَت - كما قال - بغير خطه) انتهى 923.
الحديث: 363 - الجزء: 1 - الصفحة: 201
364 - قول "المنهاج" [ص 89] و"الحاوي" [ص 147]: (وأقل النفاس: لحظة) وفي "التنبيه" [ص 22]: (مجة) وفي "الشرح" و" الروضة ": (لا حد لأقله، بل يثبت حكمه لما وجدته وإن قلّ) 924.
365 - قول "التنبيه" [ص 22]: (ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض) يستثنى منه: أقل النفاس؛ فإنه لا يسقط قضاء الصلاة، كما نقله ابن الرفعة عن البندنيجي وأقره؛ وذلك لأن أقل النفاس لا يمكن أن يستغرق وقت الصلاة، بخلاف أقل الحيض.
366 - قوله: (وإذا عبر الدم الأكثر .. فهو كالحيض في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب) 925 قال في " الكفاية ": (أفهم: أن المتحيرة لا تكون في النفاس، وليس كذلك في ذاكرة العدد أو الوقت، بخلاف المتحيرة بناء على المذهب في أن التي عادتها عدم النفاس إذا ولدت ورأت الدم وعبر الأكثر .. تكون مبتدأة؛ لانتفاء التحير بعلم الابتداء) انتهى.
وأطلق " المنهاج " أنه كعبور الحيض أكثره 926.
الحديث: 364 - الجزء: 1 - الصفحة: 202