تحرير الفتاوىكتابُ الشهادات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

6110 - قول " المنهاج " [ص 568]: (شرط الشاهد: مسلم، حر، مكلف، عدل، ذو مروءة، غير متهم) فيه أمور: أحدها: أنه تركيب فيه عجمة، فكان ينبغي التعبير بالإسلام والحرية كما في " المحرر " و" الروضة " وغيرهما 1، وعبارة " التنبيه " [ص 269]: (ولا تقبل الشهادة إلا من حر، بالغ، متيقظ، حسن الديانة، ظاهر المروءة) و" الحاوي " [ص 668]: (أو سأل الحجة: ذكرًا، ناطقًا، مسلمًا، حرًا، عدلًا، ذا مروءة، غير متهم)، وليس فيهما من العجمة ما في " المنهاج "، ولا يقال: أخل " التنبيه " باشتراط؛ الإسلام لأنه مفهوم من جنس الديانة، ولا باشتراط العقل؛ لأنه مفهوم من التيقظ، ولم يذكر انتفاء التهمة هنا، لكنه فصله بعد ذلك، ولم يحتج " الحاوي " للتصريح بالتكليف؛ لاندراجه تحت العدالة.
ثانيها: أنه يشترط في الشاهد أيضًا النطق كما صرح به " الحاوي " 2، وفي " التنبيه " [ص 269]: (وتقبل شهادة الأخرس، وقيل: لا تقبل، والأول أصح) لكن الأكثرون على الثاني، ونقل عن النص أيضًا، وهو الذي صححه الرافعي والنووي 3. ومحل الخلاف: ما إذا فهمت إشارته، فإن لم تفهم .. ردت شهادته قطعًا.
واعترضه ابن الرفعة بأن المقصود ذكر الموانع من قبول الشهادة مع تصور وجودها، وسبب الرد في الخرس عدم تحقق المشهود به؛ فلذلك لم يعد من موانع الشهادة.
قال في " التوشيح ": وفيه نظر؛ فإن الرافعي: لم يعد النطق شرطًا إلا على القول بأنه وإن عقلت إشارته مردود، فكيف سبب الرد عدم تحقق المشهود به.
انتهى.
ويشترط فيه أيضًا: التيقظ كما تقدم عن " التنبيه "، ثم أكده بقوله بعده [ص 269]: (فلا تقبل من مغفل) وكذا قال " المنهاج " بعد ذلك [ص 569]: (لا مغفل لا يضبط) وشاحح شيخنا في " تصحيح المنهاج " في هذه العبارة كما سيأتي، وقال في " الكفاية ": هذا إذا أطلق الشهادة، فلو أتى بها مفصلة ووصف الزمان والمكان وتأنق في ذكر الأوصاف .. قال الإمام: فالشافعي رحمه الله قد يقبلها؛ فإنه إذا فصلها وهو عدل .. لا يظن به اعتماد الكذب، وهذا ما أورده

الحديث: 6110 - الجزء: 3 - الصفحة: 646

الفوراني والمسعودي والغزالي.
انتهى 4. وهو الذي في " الروضة " وأصلها 5، وإليه أشار " الحاوي " بقوله [ص 670]: (وتغافل حيث يحتمل الغلط)، وذكر الصيمري: أنه لا تقبل شهادة محجور عليه بسفه، فإن كان كذلك .. فهذا شرط آخر، ذكره في " أصل الروضة " 6. واعترضه ابن الرفعة: بأن السفه في المال مشعر بخلل في العقل، فهو مندرج فيما سلف.
وقال في " التوشيح ": لو أشعر بذلك .. لعد حجر جنون، ولما ولي النكاح، لكنه يليه على وجه جيد، وقد يقول ابن الرفعة إشعاره به لا يؤدي إلى ثبوته من كل وجه، ولئن قال ذلك .. قلنا: فليس مندرجًا فيما سلف.
انتهى.
وكلام الرافعي والنووي في (الوصايا) موافق للصيمري؛ فإنهما اشترطا في الوصي: أن لا يكون محجورًا عليه بسفه، ثم قالا: وحصروا الشروط جميعًا بلفظ مختصر، فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث تقبل شهادته على الطفل.
انتهى 7. وتقدم عن " الحاوي " اشتراط الذكورة 8، وليس بجيد؛ فإنها لا تعتبر في كل الشهادات، بل في بعضها، فلا يصح اشتراطها في مطلق الشهادة.
ثالثها: مقتضى إطلاقهم: الاكتفاء بالإسلام بطريق التبعية وبالحرية بالدار، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لو شهد بعد بلوغه قبل الإفصاح بالإسلام والإتيان بما ينافيه وقبل ظهور حريته بغير الدار .. لم أقبل شهادته وإن حكم بإسلامه وحريته؛ للاحتياط في الشهادة، ثم قال: فإن قيل: إذا ظهرت عدالته انكشف الحال في إسلامه وحريته .. قلنا: لا نسلم أنه ينكشف الحال في حريته لمجرد ذلك، وأما الإسلام: فقد يظهر انكشافه بذلك وقد لا يظهر.
انتهى.
وجمعهم بين العدالة والمروءة جار على ما قال الرافعي: إنه الأشهر والأحسن من اصطلاح الأصحاب، وهو إخراج المروءة عن حد العدالة، وعدها صفة برأسها، ومنهم من يدرج المروءة والتكليف والإسلام والحرية فيها، فيقول: العدل هو الذي تعتدل أحواله دينًا ومروءة وأحكامًا؛ أي: لا يكون ناقص الحكم بصبًا أو جنونٍ أو رقٍّ 9. 6111 - قول " المنهاج " [ص 568]: (وشرط العدالة: اجتناب الكبائر والإصرار على صغيرة)

الحديث: 6111 - الجزء: 3 - الصفحة: 647

هذا نفس العدالة لا شرط فيها، وعبارة " التنبيه " [ص 269]: (ولا تقبل من صاحب كبيرة ولا مدمن على صغيرة) و" الحاوي " بعد قوله [ص 668]: (عدلًا: ما باشر كبيرة وما أصر على صغيرة) وقال بعضهم: لو عبر " الحاوي " بقوله: (ما أقدم) بدل (ما باشر) .. لكان أولى؛ ليدخل فيه من وطئ زوجته ظانًا أنها أجنبية .. فإنه غير عدل، ومرادهم بالكبيرة: غير الكبائر الاعتقادية التي هي البدع؛ فإن الراجح: قبول شهادة أهل البدع ما لم نكفرهم.
واستثنى الشافعي رضي الله عنه: الخطابية 10؛ لأنهم يشهدون بالزور لموافقيهم اعتمادًا على أنهم لا يكذبون 11، وحمله بعضهم على ما إذا لم يذكر في شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول المدعي، فإن ذكره؛ بأن قال: سمعته يقر لفلان بكذا .. قبلت.
وقال بعضهم: عطف الإصرار على الكبائر من ذكر الخاص بعد العام؛ لأنه كبيرة، وقال في " أصل الروضة ": وهل الإصرار السالب للعدالة المداومة على نوع من الصغائر، أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان، يوافق الثاني قول الجمهور: من غلبت طاعته معاصيه .. كان عدلًا وعكسه فاسق، ولفظ الشافعي رضي الله عنه في " المختصر " يوافقه، فعلى هذا لا تضر المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الأول يضر 12. واعترضه في " المطلب ": بأن مقتضاه: أن مداومة النوع الواحد مضر على الوجهين، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته، قال: إن الإكثار من نوع واحد كالإكثار من الأنواع، وحينئذ .. لا يحسن معه التفصيل.
نعم؛ يظهر أثرهما فيما لو أتى بأنواع من الصغائر، إن قلنا بالأول .. لم يضر؛ لمشقة كف النفس عنه، وهو ما حكاه في " الإبانة " وإن قلنا بالثاني .. ضر، وتبعه في " المهمات "، وقال: ويدل على ما ذكرناه أنه خالف المذكور هنا، وجزم في الكلام على الأولياء وفي الرضاع بأن المداومة على النوع الواحد يصيره كبيرة.
وأجاب عنه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": بأن الإكثار من النوع غير المداومة عليه؛ فإن المراد: الأكثرية التي تغلب بها معاصيه على طاعته، وهذا غير المداومة؛ فالمؤثر على الثاني إنما هو الغلبة لا المداومة، قال: فيزاد على قول " الروضة ": إن على الثاني لا تضر المداومة على نوع من الصغائر ولا على أنواع إذا غلبت طاعاته معاصيه، قال: فيكون الاحتمالان على هذا مختلفين

الجزء: 3 - الصفحة: 648

في حالة ومتفقين في حالة، فيختلفان فيما إذا داوم على نوع ولكن الأغلب طاعته، فعلى الأول يفسق، وعلى الثاني لا يفسق، ويختلفان فيما إذا أتى بأنواع وصارت أكثر من الطاعات ولم يداوم على نوع من المعصية، فعلى الأول لا يفسق، وعلى الثاني يفسق، ويتفقان فيما إذا داوم على نوع وهو أكثر من طاعاته على أنه يفسق، والرجوع في الغلبة للعرف؛ فإنه لا يمكن أن يزاد مدة العمر، فالمستقبل لا يدخل في ذلك، وكذلك ما ذهب بالتوبة وغيرها؛ ولهذا قال الشافعي في " المختصر ": (ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلًا يمحّض الطاعة والمروءة [حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحض المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما بشيء من الطاعة والمروءة] 13، فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة .. قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة .. رددت شهادته) 14. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": واتفق الأصحاب على أن المراد الصغائر؛ فإن الكبيرة بمجردها تخرج عن العدالة وإن كان الأغلب الطاعة، فكان ينبغي أن يقال شرط العدالة اجتناب الكبائر وعدم غلبة الصغائر على الطاعة.
قول " الحاوي " في تفسير الكبيرة [ص 668]: (موجبة حدٍّ) اعتمد في الجزم به قول الرافعي: وهم إلى ترجيحه أميل، لكنه قال: إن الحد الآخر أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة أوفق؛ لما ذكروه عند تفصيل الكبائر؛ أي؛ لأن الربا وأكل مال اليتيم وقطع الرحم والعقوق ونحوها من الكبائر مع أنه لا حد فيها، وقال الإمام في " الإرشاد " وغيره: كل جريمة تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وقيل: ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد؛ من قتل أو غيره، وترك فريضة تجب على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين، فهذه أربعه أوجه 15. 6112 - قول " المنهاج " [ص 568]: (ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح) فيه أمور: أحدها: مقتضاه: أن الخلاف وجهان، وأن مقابل الراجح ضعيف، وليس كذلك؛ فالخلاف قولان، نص على التحريم في حرملة وعلى الكراهة في " الأم " " والمختصر "، فقال: (يكره من وجه الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي) 16 وقد ظهر بذلك قوته، وصححه جماعة.

الحديث: 6112 - الجزء: 3 - الصفحة: 649

ثانيها: قد تفهم عبارته أن مقابله الإباحة، وليس كذلك، بل الكراهة كما تقدم.
ثالثها: لم يبين هل هو من الكبائر أو الصغائر؟ والأصح: الثاني، وعليه مشى " الحاوي "، لكنه قال بعده: (وحيث يعظم مرة) 17 وتبع في ذلك قول الإمام: أنه ينظر إلى عادة البلد، فحيث يستعظمون النرد وسماع الأوتار .. ترد الشهادة بمرة واحدة، هالا .. فلا 18، لكن قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن هذا التفريق ضعيف.
6113 - قول " المنهاج " [ص 568]: (ويكره بشطرنج) عبارة " الأم ": (ولا أحب اللعب بالشطرنج) 19 وهذا صادق بأن يكون خلاف الأولى، وبأن يكون المراد: لا أحب فعله؛ لما يؤدي إليه.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": فلا نثبت الكراهة مذهب الشافعي، وأما قول " مختصر المزني ": (فاللاعب بالشطرنج والحمام بغير قمار وإن كرهنا ذلك أخف حالًا) 20 فإن المزني أخل في النقل.
انتهى.
ثم لا يخفى أن محل ذلك: إذا لم يؤد الشغل به إلى ترك الصلاة، فإن أدى إلى تركها عامدًا .. فواضح، وإن شغله اللعب به حتى خرج الوقت وهو غافل ... ففي " أصل الروضة ": أنه إن لم يتكرر منه .. لم ترد شهادته، وإن كثر منه .. فسق وردت شهادته، بخلاف ما إذا تركها ناسيًا مرارًا؛ لأنه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة، هكذا ذكروه، وفيه إشكال؛ لما فيه من تعصية الغافل اللاهي، ثم قياسه الطرد في شغل النفس بغيره من المباحات 21. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ولا إشكال؛ فيه لأن تعصية الغافل اللاهي إذا كان بسبب أدخله على نفسه باختياره، وقد جربه وعرف أنه يوقعه في ذلك .. فإنه يأثم به، وقد أشار إلى ذلك الشافعي بقوله: (فلا يعود للعب الذي يورث النسيان، وإن عاد له وقد جربه يورثه ذلك .. فذلك استخفاف، فأما الجلوس والنسيان .. مما لم يجلب على نفسه فيه شيئًا إلا حديث النفس الذي لا يمتنع به منه أحد ولا يأثم به، وإن قبح ما يحدث به نفسه، والناس يمتنعون من اللعب) هذا نصه في " الأم " 22، وفيه جواب الإشكال.
انتهى.
وفي " التوشيح ": محل الكراهة: إذا لم يواظب ولم يلعب مع معتقد التحريم، فإن واظب

الحديث: 6113 - الجزء: 3 - الصفحة: 650

عليه .. ففي " الإحياء ": أنه يصير صغيرة 23، وفي " الشامل " خلافه؛ ولعله الأشبه، وإن لاعب معتقد التحريم .. فالأرجح عند الوالد - رحمه الله - من وجهين حكاهما في " الحلبيات ": التحريم؛ لما فيه من الإعانة على انتهاك الحرمة والجرأة، وإن كان الفعل في اعتقادنا غير حرام؛ كمن تناول قدح جلاب لمن يشربه ظانًا أنه خمر .. فإنه يكون معينًا له على المعصية، قال: ونظير هذا لو تبايع رجلان وقت النداء، أحدهما تلزمه الجمعة، والثاني لا تلزمه، وفيها وجهان، الصحيح المنصوص: بأنه يحرم عليهما، قال: لكن مسألتنا أخف؛ فإن التحريم في البيع على من تلزمه الجمعة معلوم عندنا وعنده، وتحريم لعب الشطرنج غير معلوم عندنا ولا عنده، وإنما الحرام فعله مع اعتقاد حرمته، وهذا المجموع لم تحصل المعاونة عليه إنما حصلت على بعضه، قال: وهذه دقيقة ينبغي أن يتنبه لها 24. قال في " التوشيح ": وسالت الوالد - رحمه الله - مرة: أيحرم على رجل أن يسقي غيره الخمر إذا كان الشارب يظنه غير خمر والساقي يعرفه خمرًا؛ فقال: نعم، فقلت: لم مع أن الساقي لم يشرب، ولم يعن علي معصية لأن الشارب لم يأثم؟ ، فقال: لأنه حقق المفسدة التي طلب الشارع درءها من كل أحد وإن عذر من لا يعلم.
انتهى.
6114 - قوله: (فإن شرط فيه مال من الجانبين .. فقمار) 25 محله: ما إذا كانا قريبًا من التكافؤ، فإن قطع بأن أحدهما غالب .. فليس بقمار، وإليه أشار الرافعي بقوله: وكان كل واحد منهما بين أن يغلب .. فيغنم، أو يغلب .. فيغرم 26، وأسقطه في " الروضة ". وقد يفهم الجواز إذا شرط المال من أحدهما، وليس كذلك؛ فإنه وإن لم يكن قمارًا .. لا يحل أخذ المال؛ لعدم صحة العقد كما جزم به في " أصل الروضة " في المسابقة، فإن أخذه .. ففي " تعليق الشيخ أبي حامد ": أنه ترد شهادته، وفي " الكافي " للروياني: أنه خطأ بتأويل، فلا ترد به الشهادة إلا إن أخذه قهرًا.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والمعتمد ما قاله الشيخ أبو حامد.
6115 - قوله: (ويكره الغناء بلا آلة) 27 حمله شيخنا في " تصحيح المنهاج " على من اتخذه صناعة دون من غنَّى لطرب، وقال: إن الشافعي لم يذكر الكراهة إلا في تلك الحالة؛ فالعمل بنصه الموافق للدليل، وإن كان الموجود في التصانيف الإطلاق.
انتهى.

الحديث: 6114 - الجزء: 3 - الصفحة: 651

وكلام الرافعي في البيع والغصب والصداق يقتضى تحريم الغناء مطلقًا 28، والقياس في الغناء المضموم للآلة المحرمة: بقاء الكراهة في الغناء وإن أوهمت عبارته خلافه فيه اضطراب، ولا يخفى تحريمه حيث كان السماع من امرأة أجنبية أو أمرد وخشي الفتنة فيهما.
6116 - قول " الحاوي " [ص 669]: (وسماع شعار الشرب) قد يتناول اليراع، وهو الذي صححه النووي 29، لكن صحح الرافعي: عدم تحريمه 30، ومال إليه شيخنا في " تصحيح المنهاج " وقال: لا يثبت التحريم إلا بدليل معتبر، ولم يقم النووي دليلًا على ذلك.
وقال في " التوشيح ": لم يقم عندي دليل على تحريمه مع كثرة التتبع، والذي أراه الحل، فإن انضم إليه محرم .. فلكل منهما حكمه، ثم الأولى عندي لمن ليس من أهل الذوق: الإعراض عنه مطلقًا؛ لأنه قد يجره إلى ما لا ينبغي، وأدناه صرف الوقت فيما غيره أهم منه، وحصول اللذة به، وليست اللذة النفسانية في هذه الدار من المطالب الشرعية، وأما أهل الذوق .. فحالهم مسلم إليهم، وهم على حسب ما يجدون في أنفسهم، ونقل القاضي الحسين عن الجنيد: أنه قال: الناس في السماع على ثلاثة أضرب: العوام، وهو حرام عليهم؛ لبقاء نفوسهم، والزهاد، وهو مباح لهم؛ لحصول مجاهداتهم، والعارفون، وهم مستحب لهم؛ لحياة قلوبهم، وذكر نحوه أبو طالب المكي، وصححه السهروردي في " عوارف المعارف "، والظاهر أن الجنيد لم يرد التحريم الاصطلاحي، وإنما أراد: أنه لا ينبغي، ثم نقل عن والده شعرًا كتبه في جواب استفتاء بشعر، منه: واعلم بأن الرقص والدف ... الذي عنه سألت وقلت في أصوات فيه خلاف للأئمة قبلنا ... سرج الهداية سادة السادات لكنه لم تأت قط شريعة ... طلبته أو جعلته في القربات والقائلون بحله قالوا به ... كسواه من أحوالنا العادات فمن اصطفاه لدينه متعبدًا ... بحضوره فاعْدُدْه في الحسرات والعارف المشتاق إن هو هزه ... وجد فقام يهيم في سكرات لا لوم يلحقه ويحمد حاله 31 ... يا طيب ما يلقى من اللذات 32

الحديث: 6116 - الجزء: 3 - الصفحة: 652

6117 - قول " المنهاج " [ص 568]: (ويجوز دف لعرس وختان) زاد شيخنا في " تصحيح المنهاج " على ذلك فقال: إنه مستحب؛ فإن مدار ما استدلوا به على الجواز على حديث: " أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف" 33، وهو يقتضي زيادة على الجواز.
6118 - قوله: (وكذا غيرهما في الأصح) 34 استثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج " من محل الخلاف: ضرب الدف في أمر مهم من قدوم عالم أو سلطان ونحوهما.
انتهى.
وظاهر كلامه الجواز ولو انضم إليه اليراع عند من أباحه، وقال ابن الصلاح: اجتماع الدف والشبابة حرام، لم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله حله.
وقال في " التوشيح ": وهو غير موافَق عليه، بل ظاهر قول من يجوز هذه الأشياء منفردة تجويزها مجتمعة، وبه صرح أحمد الغزالي أخو حجة الإسلام، وكان من أئمة العلم والورع، ونقله محمد بن طاهر في تصنيفه في السماع عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصح عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وهما سيدا المتأخرين علمًا وورعًا.
انتهى.
ومقتضى كلام الجمهور: أنه لا فرق في حل الدف بين الرجال والنساء، وصرح به السبكي في " الحلبيات "، وضعف قول الحليمي: إن إباحته تختص بالنساء 35. 6119 - قوله: (ويحرم ضرب الكوبة، وهي: طبل طويل ضيق الوسط) 36 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لا نص في تحريمه بخصوصه للشافعي، وإنما ذكره الشيخ أبو محمد وتبعه الغزالي، ولم يرتضه الإمام، والذي نص عليه الشافعي: تحريم طبل اللهو 37، وقال الخطابي: غلط من قال: الكوبة: الطبل، بل هي: النرد 38، وذكر مثله ابن الأعرابي والزمخشري، وصححه ابن الأثير في " النهاية " 39. وعبارة " أصل الروضة ": ولا يحرم من الطبول إلا الطبل الذي يسمى الكوبة 40. وفي " المهمات ": أن الموجود لأئمة المذهب التحريم فيما عدا الدف، ذهب إليه القاضي

الحديث: 6117 - الجزء: 3 - الصفحة: 653

حسين والبندنيجي والحليمي والماوردي وصاحب " المهذب " والحسين الطبري في " العدة " والروياني والبغوي والخوارزمي والعمراني والسهروردي في " الذخيرة " وابن أبي عصرون ومجلي، ونقله في " الاستقصاء " عن الشيخ أبي حامد.
انتهى 41. 6125 - قوله: (لا الرقص) 42 أي: فليس بحرام، واختلف فيه، فقال القفال: مكروه، وقال الأستاذ أبو منصور: إن تكلفه على الإيقاع مكروه، وقال الفوراني والغزالي: مباح، وهو مقتضى كلام الشيخ أبي على 43 والحليمي، وأشار القاضي حسين في " تعليقه " والغزالي في " الإحياء " إلى أنه إن كان من أهل الأحوال الذين يقومون بوجد .. فيباح لهم ويكره لغيرهم 44، وصرح به الأستاذ أبو منصور، وجزم الجاجرمي في " الكفاية " بالتحريم إذا كان كثيرًا، ذكره كله في " المهمات ". واعتمد شيخنا في " تصحيح المنهاج " كلام الجاجرمي في التحريم مع الكثرة بحيث يخل بالمروءة، وقال: لا يلزم من ذكر " المنهاج " بعده من مسقطات المروءة إدامة الرقص تحريمه، وقال: لا حاجة لاستثناء أصحاب الأحوال؛ لأنه ليس بالاختيار، فلا يوصف بإباحة ولا غيرها.
6121 - قوله: (إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث) 45 أي: فيحرم على الرجال والنساء، حكاه في " أصل الروضة " عن الحليمي، وأقره 46، وفي " المهمات ": أن عبارة الحليمي: إن لم يكن فيه تثن وتكسر .. فلا بأس به، ولا يلزم 47 منه التحريم مع التثني؛ فقد يكون مكروهًا، وبه صرح الشيخ أبو على كما حكاه عنه ابن أبي الدم.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إن كان التحريم للتشبه بالمخنث المتشبه بالنساء .. فإنما يحرم على الرجال؛ للعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولا يحرم على المرأة؛ فإنه لا دليل يقتضي التحريم.
6122 - قوله: (ويباح قول الشعر وإنشاده) 48 ذكر الماوردي أنه يستحب منه نوعان: ما حذر من الآخرة، وما حث على مكارم الأخلاق 49.

الحديث: 6125 - الجزء: 3 - الصفحة: 654

6123 - قوله: (إلا أن يهجو، أو يفحش، أو يُعَرِّض بامرأة معينة) 50 فيه أمور: أحدها: أن ظاهره تحريم الهجو ولو كان صادقًا، وبه قال الروياني، لكن شاحح شيخنا في " تصحيح المنهاج " في ذلك وقال: إنما قال الروياني: رد الشهادة، ولا يلزم من رد الشهادة التحريم؛ فقد يكون لخرم المروءة، وفيه نظر، فلا خرم مروءة في ذلك، وإنما السبب التحريم، قال شيخنا: ومقتضى نص الشافعي في أن الشعر كلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه 51: أنه لا يحرم الهجو إذا كان صادقًا حيث لا يحرم الكلام بذلك، فإن كان فيه إشاعة فاحشة .. فهو حرام.
انتهى.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون التعريض هجوًا كالتصريح 52، وجزم به في " الشرح الصغير "، وقال ابن كج: ليس التعريض هجوًا، وليس إثم حاكيه كإثم منشئه.
ثانيها: يستثنى: هجو الكفار، فيجوز كما صرح به الروياني وغيره، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": نص " الأم " يقتضيه، وصرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب إليه.
والمبتدع؛ ففي " الإحياء " أنه مباح 53، قال في " المهمات ": والقياس في الفاسق المتظاهر كذلك، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح: تحريمه، إلا لقصد زجره؛ فإنه قد يتوب وتبقى عليه وصمة الشعر السائر.
ثالثها: محل تحريم التعريض بمعينة: ما إذا لم تكن حليلته، فإن كانت زوجته أو جاريته .. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز ولا ترد شهادته، فعلى هذا: إذا لم تكن معينة .. لا ترد شهادته؛ لاحتمال إرادة من تحل له، وأصحهما: رد شهادته إذا ذكرها بما حقه الإخفاء؛ لسقوط مروءته، كذا في " أصل الروضة " 54. وقال في " المهمات ": نص الشافعي على خلافه صريحًا، فقال: (ومن شبب فلم يسم أحدًا .. لم ترد شهادته؛ لأنه يمكن أن يشبب بامرأته أو جاريته) 55 هذا لفظه، ونقل في " البحر ": عدم الرد عن جمهور الأصحاب، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو محمول على ما إذا لم يظهر منه ما يسقط مروءته من ذكر ما حقه الإخفاء، قال: وقضية هذا: أنه إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 655

وصف أعضاء باطنة مع عدم التعيين .. أنه ترد شهادته؛ لأنه دائر بين ذكر ذلك من أجنبي أو من زوجة وأمة 56، ويمكن أن يقال: إذا لم يعين وذكر أعضاء باطنة .. فإنه لا ترد شهادته؛ لأنه يحتمل أن تكون زوجته أو أمته، وعند الإبهام لا يكون وصف ذلك خارمًا للمروءة.
انتهى.
ولما ذكر في " أصل الروضة ": أن الصحيح الذي عليه الجمهور: أن المدح إذا لم يمكن حمله على المبالغة وكان كذبًا محضًا .. ترد به الشهادة إن كثر، وعن القفال والصيدلاني خلافه؛ لأن الكاذب يوهم الكذب صدقًا، بخلاف الشاعر، فعلى هذا: لا فرق بين قليله وكثيره، قال: وهذا حسن بالغ، وينبغي على قياسه أن التشبيب بالنساء والغلمان بغير تعيين لا يخل بالعدالة وإن كثر منه؛ لأن التشبيب صنعة، وغرض الشاعر تحسين الكلام لا تحقيق المذكور، قال: وكذلك ينبغي أن يكون الحكم لو سمى امرأة لا يُدرى من هي 57. رابعها: خرج بالمرأة: الغلام، لكن قال الروياني: لو شبب بغلام وذكر أنه يعشقه .. فسق وإن لم يعينه؛ لأن نظره بشهوة حرام، واعتبر في " التهذيب " وغيره فيه التعيين كالمرأة، حكاه عنهما في " أصل الروضة " 58، وقد عرفت بحث الرافعي المتقدم، والله أعلم.
6124 - قول " المنهاج " [ص 568]: (والمروءة: تخلُّقٌ بخلق أمثاله في زمانه ومكانه) قريب من قول " الحاوي " [ص 669]: (تارك غير لائق به)، وعبارة " الروضة ": وهي: التوقي عن الأدناس 59، وقال الرافعي: قيل: صاحب المروءة هو الذي يصون نفسه عن الأدناس، ولا يشينها عند الناس، وقيل: الذي يتحرز عما يسخر منه ويضحك، وقيل: الذي يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه، ولم يرجح شيئًا منها 60. واعترض شيخنا في " تصحيح المنهاج " على تعريف " المنهاج " بأنه قد يكون خلق أمثاله: حلق اللحى؛ كالقلندرية 61 مع فقد المروءة فيهم، وقد يرتقي عن خلق أمثاله إلى ما هو أعلى منه، فهو ذو مروءة، وأنه يشمل فعل الطاعات واجتناب المحرمات مع أن المروءة زائدة على ذلك، واختار أنها: صون النفس عن تعاطي مباحات أو مكروهات غير لائقة بفاعلها عرفًا، أو دالة على قلة مبالاته بما يهتم به، ثم ذكر أن البيهقي روى بإسناده عن الشافعي أنه قال: المروءة أربعة

الجزء: 3 - الصفحة: 656

أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك 62، ثم جوز شيخنا حمل ذلك على المروءة التي تعتبر في قبول الشاهد، وحمله على المروءة الكاملة التي يكون بعضها غير قادح في الشهادة، وقسَّم الماوردي المروءة إلى شرط في العدالة، وهو مجانبة ما سخف من الكلام المؤذي أو المضحك، وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به، وغير شرط فيها، وهو الإفضال بالمال والطعام، والمساعدة بالنفس والجاه، ومختلف فيه، وهو أن يقتدي بأهل الصيانة دون أهل البذلة في ملبسه ومأكله وتصرفه؛ فقيل: يعتبر في العدالة، وقيل: لا، وقيل إن نشأ عليها من صغره .. لم تقدح في عدالته، وإلا .. قدحت، وقيل: إن اختصت بالدين .. قدحت، أو بالدنيا .. فلا، فهذه أربعة أوجه.
6125 - قول " المنهاج " في أمثلة مسقط المروءة [ص 568]: (الأكل في سوق) و" التنبيه " [ص 269]: (ومن يأكل في الأسواق) فيه أمور: أحدها: أن محله في غير السوقي، كما قاله في " الروضة " 63، وسبقه إليه القاضي حسين وغيره، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وكذا يستثنى من أكل داخل حانوت مستترًا.
ثانيها: قيده في " الكفاية " بأن يكون بنصب مائدة، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ولم أجد ذلك في كلام غيره، ولا فرق بين نصب مائدة وغيره قاعدًا كان أو قائمًا أو ماشيًا أو راكبًا؛ لأنه خلاف عادة المروءة.
ثالثها: مقتضى عبارة " المنهاج ": سقوطها بمرة واحدة، ولا سيما وقد قال بعد ذلك [ص 568]: (وإكثار حكايات مضحكة)، وقد يقال: عبارة " التنبيه " تقتضي تكرر ذلك واعتياده، وقال شيخنا ابن النقيب: فيه نظر 64. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الذي يعتمد في ذلك أنه لا بد من تكرره تكررًا دالًا على قلة المبالاة، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: (فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة .. قبلت شهادته) 65. رابعها: عبارة " الوسيط ": الأكل في الطريق 66، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو القياس إذا كان الطريق مطروقًا؛ فإن المعنى الذي في السوق موجود هنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 657

خامسها: خرج بالأكل: الشرب، وفي " أصل الروضة " التسوية بينهما، إلا أن يشرب لغلبة عطش 67. 6126 - قول " المنهاج " [ص 568]: (والمشي مكشوف الرأس) عبارة " أصل الروضة ": المشي في السوق مكشوف الرأس والبدن إذا لم يكن ممن يليق به مثله 68، وكان ينبغي أن يقول: (أو البدن) لأن أحدهما كان كاف، والمراد: غير العورة؛ فإن ذلك من المحرمات.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الوقوف مكشوف الرأس في السوق أو الطريق أو ببابه ونحو ذلك بحيث لا يليق به كذلك.
6127 - قوله: (وقبلة زوجة أو أمة بحضرة الناس) 69 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": المراد: الناس الذين يستحي منهم في ذلك، والتقبيل الذي يستحي من إظهاره، فلو قبل زوجته بحضرة جواريه أو بحضرة زوجات له غيرها .. فإن ذلك لا يعد من ترك المروءة، وما يعتاد من تقبيل العروس ليلة جلائها في عدِّه من ترك المروءة توقف؛ لأن اعتياد ذلك أخرجه عن مقام الاستحياء، وأما تقبيل الرأس ونحوه .. فلا يخل بالمروءة انتهى 70. وقرن بذلك في " أصل الروضة ": أن يحكي ما جرى بينهما في الخلوة 71، وكذا صرح في " المنهاج " بكراهته، لكن في " شرح مسلم ": أنه حرام 72. 6128 - قوله: (وإكثار حكايات مضحكة) 73 يقتضي أن ما عداه لا يتقيد بالإكثار، وفيه ما تقدم.
6129 - قوله: (ولبس فقيه قباء وقلنسوة حيث لا يعتاد) 74 قيده في " أصل الروضة " بأن يتردد فيهما 75، ومقتضاه: أن لبسهما في البيت ليس كذلك.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهذا إذا كان لا ينتابه الناس في بيته وهو على هذه الحالة، وإلا .. فهو كالتردد في البلد، قال شيخنا: فلو اعتاد ذلك في بلده وجاء إلى بلد لا يعتاد ذلك فيها .. فهل يتبع عادة البلد المنتقل إليها أو يترك على سجيته؟ الثاني أظهر، قال: وعلى

الحديث: 6126 - الجزء: 3 - الصفحة: 658

هذا: فينبغي أن يقال: حيث لا يعتاد لمن لم يعتده في بلده 76. 6130 - قوله: (وإكباب على لعب شطرنج) 77 و" الحاوي " [ص 669]: (من إدامة لعب الشطرنج)، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا مخالف لظواهر نصوص الشافعي، ولطريقة العراقيين، وللمعتمد في الدليل إذا سلم من ارتكاب كبيرة وإصرار على صغيرة، ولا يقوم عليه دليل، والأصح: أن الشهادة لا ترد بمجرد هذا، فإن أخل بالمروءة، كلعب به على طريق ونحوه .. التحق بتارك المروءة.
قلت: وكذا ذكره " التنبيه " في مسقطات المروءة كما سيأتي 78. 6131 - قول " التنبيه " [ص 269]: (والذي يلعب بالحمام) أي: بالتطيير والمسابقة.
يقتضي رد شهادته مطلقًا، لكن قيده " الحاوي " بالإدامة 79، وكذا في " أصل الروضة " فقال: فمن داوم على اللعب بالشطرنج والحمام .. ردت شهادته وإن لم يقترن به ما يوجب التحريم، لما فيه من ترك المروءة 80، لكنه قال قبله بيسير: الصحيح: أنه مكروه، ولا ترد الشهادة بمجرده، فإن انضم إليه قمار ونحوه .. ردت 81. واعتمد شيخنا الإسنوي هذا الثاني المذكور في " الروضة " أولًا، واقتصر عليه في " تنقيحه " وقال في " تصحيحه ": الأصح: قبول شهادة من يلعب بالحمام على عكس ما في " التنبيه ". انتهى 82. وقد يقال: تعبير " التنبيه " يدل على الاعتياد والمداومة كما تقدم فيمن يأكل في الأسواق.
6132 - قول " التنبيه " [ص 269]: (ولا تقبل ممن لا مروءة له، كالكناس، والنخال، والقمام، والقيم في الحمام، والذي يلعب بالحمام، والقوال، والرقاص، والمشعوذ، ومن يأكل في الأسواق، ويمد [رجله] 83 عند الناس، ومن يلعب بالشطرنج على الطريق) ثم قال: (وأما أصحاب المكاسب الدنيئة؛ كالحارس والحائك والحجام .. فقد قيل: تقبل شهادتهم إذا حسنت طريقتهم في الدين، وقيل: لا تقبل، والأول أصح) فيه أمران:

الحديث: 6130 - الجزء: 3 - الصفحة: 659

أحدهما: أنه أخرج الكناس والمذكورين معه أولًا عن أصحاب الحرف الدنيئة، والمنقول في الأربعة المذكورين أولًا: أنهم من أهل الحرف الدنيئة، وممن صرح بذلك هو في " المهذب " 84، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 569]: (وحرفة دنيئة كحجامة وكنس ودبغ) فسوّى بين الكناس والحجام.
ثانيهما: أنه أطلق محل الخلاف في أصحاب المكاسب الدنيئة، وكذا فعل الجمهور، وقال الغزالي: الوجهان في أصحاب الحرف هما فيمن يليق به وكان ذلك صنعة آبائه، فأما غيره فتسقط مروءته بها 85، قال الرافعي: وهذا حسن، ومقتضاه: أن يقال: الإسكاف والقصاب إذا اشتغلا بالكنس .. بطلت مروءتهما، بخلاف العكس 86، وعليه مشى " المنهاج " فقيد رد شهادة ذي الحرفة الدنيئة بأن لا يليق به، ثم قال: (فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه .. فلا في الأصح) 87، وكذا في " الشرح الصغير "، وعلى ذلك يحمل إطلاق " الحاوي " في عد مسقط المروءة وحرف دنيئة.
لكن قال النووي في " الروضة ": لم يتعرض الجمهور لهذا القيد، وينبغي أن لا يقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل يليق به هو أم لا 88. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أنه لا خلاف في رد شهادة من لم يعتدها ولا كانت حرفة أبيه، وهذا لا يعرف في كلام أحد من الأصحاب في الطريقين إلا في " الوسيط " و" الوجيز " 89، ثم بسط ذلك، وقال قبل ذلك: الخياطة ليست حرفة دنيئة قطعًا، والحرفة التي فيها مخامرة النجاسة دنيئة قطعًا، وما بينهما فيه التردد، لكن ترجح في الصباغ والصواغ القطع بالقبول، وفي الحائك إجراء الخلاف، والأرجح عندي: القطع فيه بالقبول أيضًا، وكذا الأرجح في النحال: قبول شهادته خلافًا لمن قطع بردها كـ " التنبيه "، ولا يظهر فيه ما يقتضي رد شهادته ولا دناءة حرفته.
انتهى.
وقول " التنبيه ": (والقوال) موافق لنقل الرافعي من مسقطات المروءة الاكتساب بالشعر والغناء ثم قال: وقد يقال: إذا استمرت العادة أن الشاعر يكتسب بشعره والمغني يتخذ صنعة الغناء حرفة ومكسبًا .. فالاشتغال به ممن يليق بحاله لا يكون تركًا للمروءة، وكلام الأصحاب محمول

الجزء: 3 - الصفحة: 660

على من لا يليق به، قال: وقد رأيت ما ذكرته في الشاعر يكتسب بشعره لابن القاص 90. قول " الحاوي " في مسقط المروءة عطفًا على ما اعتبر فيه الإدامة وسماع الغناء والدف [ص 669]: (وبصنج) أراد بالصنج: الجلاجل؛ أي: أن سماع الدف ولو كان فيه جلاجل ليس بحرام، لكن إدامته تسقط المروءة، فلا ينافي ذلك عد الرافعي الصنج في المحرمات التي هي من شعار شاربي الخمر 91؛ لأن مراده به: ذو الأوتار الذي يختص به العجم.
6133 - قول " المنهاج " [ص 569]: (والتهمة: أن يجر إليه نفعًا أو يدفع عنه ضرًا) فيه أمران: أحدهما: كان ينبغي أن يقول: (إلى نفسه، أو يدفع عن نفسه) فإنك لو قلت: جر زيد إليه .. كان ركيكًا؛ لأنه يصير التقدير: جر زيد إلى زيد، وزيد هو الاسم، وجر النفع ليس للاسم، إنما هو للمسمى، وينضم إليه احتمال عود الضمير لغيره.
ثانيهما: كذا لو جر إلى أصله أو فرعه، أو دفع عن أصله أو فرعه كما لو شهد للأصيل الذي ضمنه ابنه بالأداء أو الإبراء، ولا يقال: سيأتي أنها لا تقبل لأصل ولا فرع؛ لأن ذاك فيما شهد لهما به مقصودًا، وهنا ليس كذلك، وقد سلم " الحاوي " من الأمرين بقوله [ص 669]: (غير متهم بجر ودفع) و" التنبيه " من الأول بقوله [ص 269، 270]: (ولا تقبل شهادة الجار إلى نفسه نفعًا ولا الدافع ضررًا).
6134 - قول " المنهاج " [ص 569]: (فترد شهادته لعبده) أي: المأذون، كما قيده في " المحرر " و" الروضة " وأصلها؛ لأنه متى لم يكن مأذونًا .. كانت شهادة لنفسه 92. واستثنى شيخنا في " تصحيح المنهاج " من ذلك: شهادته له على شخص بأنه قذفه .. فتقبل، قاله تخريجًا، قال: ولو شهد لعبده بأن زوجته تسلمت منه الصداق من كسبه في أيام بائعه أو مشتريه، وقلنا: إنه يعود للبائع كله بالفسخ قبل الدخول أو شطره بالطلاق قبل الدخول وهو الأصح في أيام بائعه خلافًا للمصحح في " أصل الروضة " في الصداق .. فتقبل؛ لأن النفع لا ينجر للمشتري بل للبائع، قال: والعبد الموصَى بإعتاقه إذا قلنا: يكون كسبه قبل الإعتاق له دون الوارث لو شهد له الوارث على شخص استوفى منفعته مدة .. قبلت وإن كان عبده؛ لأنه لا يجر إلى نفسه نفعًا، ولو استلحق عبده لقيطًا وقلنا: لا يصح استلحاقه، فشهد له مالكه .. قبلت؛ لأنه لا يجر إليه نفعًا، ولو قذف عبذ زوجته بزنا فشهد مالكه بذلك مع غيره .. ففيه تردد، والأرجح: أنها

الحديث: 6133 - الجزء: 3 - الصفحة: 661

لا تقبل؛ لأنه يدفع الحد عن عبده، فيجر لنفسه نفعًا.
انتهى 93. 6135 - قول " التنبيه " في أمثلة ذلك [ص 269]: (وشهادة الغرماء للمفلس بالمال) محله: ما إذا كان بعد الحجر كما قيدها المنهاج " 94، وأجاب عنه في " التوشيح ": بأن المفلس في اصطلاح الفقهاء: من حجر عليه.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ظاهره تخصيصه بما إذا كان للشاهد دين موجود؛ لأنه الغريم حقيقة، فلو استوفى الدين لحدوث مال المفلس أو جوزنا الحجر بالدين المساوي للمال .. قبلت شهادته، قال: وقد يمنع؛ لاحتمال ظهور غريم، قال: والتقييد بحجر الفلس يخرج حجر السفه والمرض ونحوهما، لكن المرتد يقضي ديونه من ماله على الأقوال كلها، فلو شهد غريم المرتد له بمال .. لم تقبل شهادته؛ لأن حاله أشد من المفلس، وهو قريب من الميت.
6136 - قول " التنبيه " [ص 269، 270]: (والوكيل للموكل) أي: بما هو وكيل فيه كما قيده به " المنهاج " 95، ولو عبر بقوله: (فيما هو وكيل فيه) كما فعل في "المحرر" و"أصل الروضة " 96 .. لكان أولى؛ ليتناول من وكل في شيء بخصومة أو تعاطي عقد فيه أو حفظه أو نحو ذلك .. فإنه لا تقبل شهادته لموكله في ذلك؛ لأنه يجر لنفسه نفعًا باستيفاء ماله في ذلك من التصرف، وإن لم يشهد بنفس ما وكل فيه، وقد يفهم من كلامهما القبول فيما إذا عزل نفسه، ومحله: ما إذا لم يخاصم، فإن خاصم ثم عزل نفسه وشهد .. لم تقبل، وفي " أصل الروضة " في الوكالة عن " النهاية " من غير مخالفة: أن وكيل المدعى عليه لا تقبل تزكيته لبينة المدعي؛ لأنها كالإقرار في قطعها للخصومة، وليس للوكيل ذلك 97. قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو عندي متعقب؛ لعدم النفع والضر، فردها لا وجه له، ومجرد التعديل لا يقطع الخصومة؛ لما يقوم بعده من الدوافع.
انتهى.
وذكر " التنبيه " مع شهادة الوكيل: شهادة الوصي لليتيم 98، وفي معناه: قيم الحاكم، والمراد: الشهادة في محل التصرف.
6137 - قول " المحرر " [ص 497]: (والضامن للأصيل بالإبراء أو الأداء) أحسن من قول " المنهاج " [ص 569]: (وببراءة من ضمنه) لاحتمال شهادة الأصيل ببراءة من ضمنه، وهي

الحديث: 6135 - الجزء: 3 - الصفحة: 662

مقبولة، والممنوعة إنما هي شهادة الضامن ببراءة مضمونه الذي هو الأصيل ولإسقاطه الأداء، وفي معنى ذلك: من ضمنه عبده، أو مكاتبه، أو غريم له ميت، أو محجور عليه بفلس، ومن ضمنه أصله أو فرعه.
6138 - قول " المنهاج " [ص 569] و" الحاوي " [ص 670]: (وبجراحة مورثه) أي: قبل الاندمال، كما صرح به " المنهاج " في دعوى الدم 99، وصرح به " التنبيه " هنا 100، وفي معنى المندملة: ما إذا كانت بحيث لا تسري إلى النفس، وفي كلامهم أمور: أحدها: محله: فيما إذا كان وارثًا عند الشهادة، وإليه أشار " الحاوي " بقوله [ص 670]: (لداها) فإن كان محجوبًا .. قبلت، ولا يضر زوال الحجب وارثه بعد الحكم.
ثانيها: لو قالوا: (إن فلانًا جرح مورثه) كما في " المحرر " 101 .. لكان أولى؛ فقد يشهد بجراحة مورثه على غير معين؛ لإيقاع عتق أو طلاق أو غير ذلك من قيام عذر للمجروح في ترك حضور وظيفة أو مجلس حكم .. فتقبل شهادته.
ثالثها: قال ابن أبي عصرون: لو كان على المجروح دين يستغرق أرش الجراحة .. قبلت شهادة وارثه بها؛ لانتفاء التهمة، قال في " المهمات ": وفيه نظر؛ لأن الدين لا يمنع الإرث، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مردود، قال: ولو كان المجروح عبدًا ثم أعتقه سيده بعد الجرح، فادعى السيد بالجرح على الجارح، وأنه هو المستحق لأرشه؛ لأنه كان في ملكه فشهد له وارث المجروح .. فإنه تقبل شهادته، لعدم المعنى المقتضي للرد، قال: ولم أر من تعرض لهذه الصورة.
6139 - قول " التنبيه " [ص 270]: (وإن شهد الوارث للمورث في المرض - أي: بمال - .. لم تقبل، وقيل: تقبل) الأصح: القبول، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 670]: (لا بمال)، و" المنهاج " فقال [ص 569]: (ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال .. قبلت على الأصح) وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه مشكل؛ فإن الجراحة القائمة التي من شأنها أن تسري إلى النفس مانعة من قبول الشهادة بها، فكذلك ينبغي أن تكون مانعة من قبول الشهادة بمال غير أرشها؛ لاشتراكهما في التهمة، وليست الشهادة بالجرح المذكور أقوى من الشهادة بالمال للمجروح المذكور، بل الشهادة بالمال ناجزة بخلاف الجرح.
انتهى.
وعلى الأصح: لو مات المشهود له؛ إن كان بعد الحكم .. أخذ الوارث المال، وقبله ..

الحديث: 6138 - الجزء: 3 - الصفحة: 663

فلا، ذكره البغوي في " فتاويه "، وتقدم نظيره، وأطلق " التنبيه " و" المنهاج " محل الخلاف، ومحله: أن يكون في مرض الموت، كما قيده به " المنهاج " في دعوى الدم 102، ووقع في " شرح ابن يونس " بعد قول " التنبيه ": (في المرض) زيادة: (ثم برأ)، وليست في " الكفاية "، واعترض صاحب " التنويه " على إثباتها؛ بأنه لا فرق بين أن يبرأ من ذلك المرض أو لا، قال: ولم يذكره في " المهذب " ولا مشاهير الكتب.
انتهى.
وكان "المنهاج " غنيًا عن ذكر هذه المسألة والتي قبلها؛ لتقدمهما في دعوى الدم أبسط وأصوب.
6140 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (ولا تقبل شهادة الدافع عن نفسه ضررًا؛ كشهادة العاقلة على شهود القتل بالفسق) 103 محله: ما إذا كان غير عمد بحيث تحمله العاقلة؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 670]: (والعاقلة بفسق شهود الخطأ) ومثله شبه العمد، وقد عبر " المنهاج " في دعوى الدم بعبارة شاملة، فقال [ص 497]: (بفسق شهود قتل يحملونه)، ومع ذلك فأورد عليه: أنهم لو كانوا فقراء .. لم يحملوه، ومع ذلك فلا تقبل شهادتهم بذلك كما نص عليه، ونص في الأباعد على السماع، والأصح: تقريرهما؛ لأن الغني غير مستبعد، بخلاف موت القريب؛ ولهذا قال " الحاوي " [ص 670]: (ولو فقراء لا أباعد).
6141 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وغرماء مفلس بفسق شهود دين آخر) استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ما إذا كان للغريم الشاهد رهن بدينه ولا مال للمفلس غيره، أو له مال ويقطع بأن الرهن يوفي الدين المرهون به .. فتقبل؛ لفقد ضرر المزاحمة، قال: ولم أر من تعرض له، والقواعد تقتضيه 104. 6142 - قوله: (ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة .. قبلت الشهادتان في الأصح) 105 عبر في " الروضة " بالصحيح 106. 6143 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (ولا تقبل لأصل ولا فرع) 107 محله: ما إذا لم يكن ضمنيًا؛ كأن ادعى شخص شراء عبد في يد زيد من عمرو بعد ما اشتراه عمرو من زيد وشهد له أبناء زيد .. فالأظهر في " أصل الروضة ": القبول 108.

الحديث: 6140 - الجزء: 3 - الصفحة: 664

قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ولا يحتاج عندي لهذا التصوير، بل لو ادعى على زيد أنه باعه فشهد ابناه .. قبلت شهادتهما.
ولا عامًا؛ كأن ادعى السلطان على شخص بمال لبيت المال فشهد بذلك فرعه أو أصله .. قبلت، قاله الماوردي.
ولا مما يقبل فيه قول الفرع أو الأصل؛ كما إذا ادعى أن زيدًا وكله فشهد له بذلك أصله أو فزعه .. فتقبل وفاقًا لابن الصباغ خلافًا للشيخ أبي حامد، وذكر شيخنا: أن القبول أرجح.
6144 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وتقبل عليهما) لا يخفى أن محله: إذا لم يكن مع كونها عليهما لأصل أو فرع؛ كأن يشهد لأحد ابنيه على الآخر بمال، لكن في " فتاوى القاضي حسين ": لو أتت زوجة رجل بولد فنفاه فشهد أبوه مع أجنبي أنه أقر أنه ولده .. يحتمل وجهين، والأصح: القبول، احتياطًا للنسب؛ ولأنه شهد على ابنه وإن كان في ضمنه الشهادة لحفيده.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": والظاهر أن صورته بعد دعوى، فقبلها ينبغي قبوله قطعًا إذا قبلنا شهادة الحسبة في النسب، وهو المذهب.
انتهى.
ولو شهد على أبيه أنه طلق أمه؛ فإن كان قبل دعواها .. قبلت، وإلا .. فلا، كما في " أصل الروضة " 109. 6145 - قول " التنبيه " [ص 269]: (ولو شهد على أبيه أنه طلق ضرة أمه أو قذفها .. ففيه قولان، أحدهما: تقبل شهادته، والثاني: لا تقبل) الأظهر: القبول، وعليه مشى " المنهاج " 110، وأطلقا الخلاف، ومحله: أن تكون أمه تحت أبيه، فإن لم تكن تحته .. قبلت قطعًا، ورجح شيخنا في " تصحيح المنهاج " في صورة القذف: القطع بالقبول على الجديد، وإن جرى في صورة الطلاق على الجديد .. قولان.
6146 - قول " التنبيه " [ص 270]: (وإن جمع في الشهادة بين ما يقبل وما لا يقبل .. ففيه قولان، أحدهما: ترد في الجميع، والثاني: تقبل في أحدهما دون الآخر) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 569]: (وإذا شهد لفرع وأجنبي .. قبلت للأجنبي في الأظهر)، وعبارة " الروضة ": في الأصح أو الأظهر 111. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج ": ومحل هذا: ما إذا لم يكن في مشترك بحيث ينفرد الأجنبي بما شهد له به، فأما في مشترك لا ينفرد الأجنبي بشيء منه، كالإرث .. فلا تقبل فيه الشهادة للأجنبي أيضًا.
انتهى.

الحديث: 6144 - الجزء: 3 - الصفحة: 665

ويرد على إطلاق " التنبيه ": ما إذا قال: قذفني وفلانًا .. فالصحيح في " الكفاية ": منع طرد القولين في هذه الصورة للعداوة، بل ترد في الجميع.
6147 - قول " التنبيه " [ص 270]: (وتقبل شهادة الزوج لزوجته) يفهم منع شهادتها له، وهو وجه، الأصح: خلافه؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 569]: (وتقبل لكل من الزوجين) ويستثنى منه: ما إذا شهد لزوجته بأن فلانًا قذفها على أحد وجهين، ذكرهما في " النهاية "، وأشعر كلامه بترجيحه.
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو الأرجح، وقد يفهم منع قبول شهادة أحدهما على الآخر، وليس كذلك، إلا إذا شهد عليها بالزنا .. فلا تقبل، وقد صرح به " التنبيه " و" الحاوي ". 6148 - قول " المنهاج " [ص 569]: (ولأخ) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": محله ما إذا لم يشهد له بالنسب على المنكر من الورثة، فإن شهد بذلك .. فالأرجح: أنه لا تقبل شهادته؛ لأن فيها الشهادة لنفسه بنسب المشهود له، قال: وفي " تعليق الشيخ أبي حامد " ما يخالف ذلك، وفي زيادة " الروضة " في آخر الإقرار بالنسب عن القاضي أبي الطيب من غير مخالفة قبول شهادة الأخوين على المنكِر بأخوة رابع؛ لأن فيها ضررًا عليهما؛ فشهادتهما أولى من شهادة الأجنبيين 112، قال شيخنا: وهو مردود بما إذا شهد ابنان من الورثة بزوجية أمهما وبقية الورثة منكرون .. فإنه لا تقبل شهادتهما لأمهما وإن كان فيها ضرر عليهما، كذلك لا تقبل شهادتهما لنفسهما بالأخوة وإن كان في ذلك ضرر عليهما.
6149 - قولهم - والعبارة لـ " التنبيه " -: (ولا تقبل شهادة العدو على عدوه) 113 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أن محل رد الشهادة: ظهور العداوة، وليس كذلك، بل ما دل على العداوة من المخاصمة ونحوها كاف في ذلك كما نص عليه في " مختصر المزني " فقال في كتاب الشهادات: (لا تجوز شهادته على خصمه؛ لأن الخصومة موضع عداوة) 114. 6150 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وهو من يبغضه بحيث يتمنى زوال نعمته، وبحزن بسروره، ويفرح بمصيبته) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ذكر البغض ليس في " المحرر " و" الروضة " وأصلها، ولم يذكره أحد من الأصحاب، ولا معنى لذكره في هذا الموضع؛ لأن العداوة غير البغضاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾، والفرق بينهما: أن البغضاء

الحديث: 6147 - الجزء: 3 - الصفحة: 666

بالقلب، والعداوة بالفعل، وهي أغلظ، فلا يفسر الأغلظ بالأخف.
ثانيها: قال شيخنا أيضًا: تمني زوال نعمته ليس تفسيرًا لعداوة، وإنما هو الحسد، وهو حرام، وقد ينتهي الحال فيه إلى الفسق، والكلام في عداوة لا يفسق بها.
قلت: ولذلك لم يذكر " الحاوي " البغض ولا تمني زوال النعمة، بل اقتصر على الفرح بحزنه والحزن بفرحه 115. ثالثها: ذكر شيخنا المذكور أيضًا: أن تعريف العداوة بالحزن بسروره، والفرح بمعصيته، ذكره القاضي حسين والإمام والغزالي 116، وهو مخالف لمقتضى نصوص الشافعي وكلام أصحابه.
انتهى.
واعلم: أنه يرد على إطلاق " التنبيه " و" الحاوي ": أن العداوة التي ترد بها الشهادة هي الدنيوية لا الدينية، وقد أشار بذلك " المنهاج " بقوله [ص 569]: (وتقبل له، وكذا عليه في عداوة دين ككافر ومبتدع).
قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ومقتضى كلامه: عدم قبول شهادة المبتدع على السني؛ كشهادة الكافر على المسلم، وليس كذلك، بل تقبل على السني إذا لم يكفر ببدعته، ولم يستحل الشهادة لموافقه بما لا يعلمه، ولا أن ينال من بدن مخالفه أو ماله شيئًا يجعل الشهادة بالباطل ذريعة إليه، وقد نص على ذلك الشافعي رضي الله عنه 117. 6151 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وتقبل شهاده مبتاع لا نُكَفِّره) نص الشافعي رحمه الله على قبولهم إلا الخطابية 118، أي: إذا شهد الواحد منهم لمثله كما صرح به الرافعي في قتال البغاة 119، وهم قوم يجوزون الشهادة لصاحبهم إذا سمعوه يقول: لي على فلان كذا .. فالجمهور أجروا النص على ظاهره، وقبلوا الجميع، حتى من يسب الصحابة، ومنهم من رد شهادة الجميع وتأول هؤلاء النص على المخالفين في الفروع، وجعلوهم أولى بالرد من الفسقة، ومنهم من فرق، فرد أبو إسحاق شهادة من أنكر إمامة أبي بكر دون من فضل عليًا عليه، ورد الجويني شهادة من يسب الصحابة ويقذف عائشة، وعليه جرى الإمام والغزالي والبغوي 120، واستحسنه الرافعي 121، وفي " الرقم ": رد شهادة الخوارج، وصوب النووي قول الفرقة الأولى، وهو قبول

الحديث: 6151 - الجزء: 3 - الصفحة: 667

الجميع؛ يعني: إلا الخطابية، وإلا قاذف عائشة؛ فإنه كافر، وحكى عن النص قبول شهادته ولو استحل الدم والمال.
وهو مخالف لكلام الرافعي في قتال البغاة: أنه ترد شهادة الواحد منهم إذا استحل دماء أهل العدل أو أموالهم، ولو ذكر الخطابي في شهادته ما يقطع الاحتمال فقال: سمعته يقر له بكذا أو رأيته يقرضه .. قبل في الأصح، وعبارة " المنهاج " تدل على انقسام الابتداع إلى مكفر وغيره، والجمهور على عدم تكفير مبتدعي أهل القبلة، لكن اشتهر عن الشافعي تكفير نافي علم الله بالشيء قبل خلقه، قال النووي: ولا شك في كفره، ونقل عنه تكفير نافي رؤية الله تعالى مطلقًا، والقائل بخلق القرآن، وتأوله الإمام بإلزامهم الكفر في مناظرة 122. قال النووي: فالمختار تأويله، واستحسن تأويل الإمام، وتأوله البيهقي وآخرون 123، وفي صفة الأئمة من " شرح المهذب " تكفير المجسمة 124. ومال شيخنا في " تصحيح المنهاج " إلى عدم تأويل تكفير القائل بخلق القرآن، وقال: كيف تؤول الفتوى بالقتل، وإن قيل: يحمل على التهويل لا على الحقيقة .. قلنا: هذا تأويل باطل؛ للتصريح بما يبطله، وقد صرح جمع السلف بعدم الإرث، وعدم حل المناكحة، والتفريق بينه وبين زوجته، ووجوب قتله، وغير ذلك.
انتهى.
6152 - قولهما: (لا مغفل) 125 قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه لا يستقيم التعبير به؛ لأن المعنى: غفّله غيره، وما كان تعديه بالتضعيف لا يكون التضعيف فيه دالًا على كثرة ذلك الشيء من الذي وقع عليه هذا الفعل، فلا يناسب المقام، قال: وفي " تفسير ابن عطية " ما يقتضي أن البناء المذكور يقتضي المبالغة، فقال في قوله في البقرة: (مسلَّمة)، أنه بناء مبالغة من السلامة 126، قال شيخنا أبو حيان: وقاله غير ابن عطية 127، وليس كما ذكرا؛ لأن التضعيف الذي في مسلّمة ليس لأجل المبالغة، بل هو تضعيف النقل والتعدية، فليس إذًا بناء مبالغة، بل هو المرادف للبناء المعدَّى بالهمزة، وما قاله شيخنا هو الصواب، والذي اعتبره الشافعي في ذلك كثرة الغفلة.
انتهى.
6153 - قول " المنهاج " [ص 569]: (ولا مبادر) أي: بالشهادة قبل الدعوى، وكذا بعدها

الحديث: 6152 - الجزء: 3 - الصفحة: 668

وقبل أن يستشهد في الأصح؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 670]: (ومبادرة قبل الطلب) وقد يفهم من " المنهاج " رد شهادة المبادر مطلقًا، وليس كذلك، فالأصح: أنه ليس مجروحًا، فلو أعاد التي بادر فيها بعد الطلب ولو في ذلك المجلس .. قبلت؛ ولذلك صرح " الحاوي " بأنه إذا زال البدار .. قبلت 128. 6154 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له حق مؤكد) اقتصر " الحاوي " على الثاني 129؛ لفهم الأول من طريق الأولى؛ ولذلك قيد ذكره في " أصل الروضة "، فحكى عن " الفتاوى " أنه لو شهدا بأن فلانًا أخو فلانة من الرضاع .. لم يكف حتى يقولا: وهو يريد أن ينكحها، وأنه لو شهد اثنان بطلاق وقضى القاضي بشهادتهما ثم شهد آخران بأخوة بين المتناكحين .. لم تقبل هذه الشهادة؛ إذ لا فائدة لها في الحال، ولا عبرة بأنهما قد يتناكحان بعد، وأن الشهادة على أنه أعتق عبده إنما تسمع إذا كان المشهود عليه يسترقه، ثم قال: وهذه الصُوَرُ تفهمك أن شهادة الحسبة إنما تسمع عند الحاجة 130. ونازع شيخنا في " تصحيح المنهاج " في الصورة الثانية، وقال: الأرجح فيها: قبول الشهادة الآن دفعًا لما يتوهم في المستقبل من إرادة نكاح من كانت زوجته، فتقطع المادة في ذلك بإثبات الأخوّة، وفي الثالثة أيضًا، وقال: لا يتوقف سماعها على الاسترقاق، بل تسمع حيث حصلت فائدة.
6155 - قول " المنهاج " [ص 569]: (كطلاق) أي: بلا عوض، أما الخلع .. فأطلق البغوي المنع فيه، وقال الإمام: تسمع في الفراق دون المال، قال: ولا أبعد ثبوته تبعًا، ولا إثبات الفراق دون البينونة، كذا في " أصل الروضة " 131. قال في " المهمات ": وجزم الخوارزمي أيضًا بمقالة البغوي، والراجح: ما قاله الإمام؛ فقد سبقه إليه القاضي حسين، واختاره في " الوسيط " وغيره، وعليه مشى " الحاوي " فجعل الخلع مما يقبل فيه شهادة الحسبة، لكن في كلامه إيهام ثبوت المال أيضًا 132. 6156 - قول " المنهاج " [ص 569]: (وكذا النسب على الصحيح) كان ينبغي التعبير بالأصح؛ لقوة مقابله؛ فقد جزم به القاضي حسين وغيره، ومحل الخلاف: ما إذا لم تتعذر الدعوى به من مدّعيه، فإن تعذرت .. ثبت قطعًا، ذكره شيخنا في " تصحيح المنهاج ".

الحديث: 6154 - الجزء: 3 - الصفحة: 669

6157 - قول " الحاوي " [ص 671]: (لا الوقف) أي: على معين، فإن كان على جهة عامة .. قبلت فيه شهادة الحسبة، وفي " فتاوى البغوي ": لو وقف دارًا على أولاده ثم على الفقراء، فاستولى عليها ورثته وتملكوها، فشهد شاهدان حسبة قبل انقراض أولاده على وقفيته .. قبلت شهادتهما؛ لأن آخره على الفقراء ومما يستغرب قوله في الفتاوى المذكورة: أنه تقبل الشهادة حسبة بالسفه، ويجوز للقاضي أن يحجر عليه في غيبته؛ لأنه يتعلق به حقوق الله تعالى.
6158 - قولهما - والعبارة لـ " المنهاج " -: (ومتى حكم بشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين .. نقضه هو وغيره، وكذا فاسقان في الأظهر) 133 فيه أمور: أحدها: أنه لو بأن أحدهما كذلك .. كان الحكم كذلك، ولا يستثنى منه: ما إذا كان الحق مما يثبت بشاهد ويمين، وحلف يمين الاستظهار، وتبرع بأن تعرض فيها لصدق شاهديه على الأرجح عند شيخنا في " تصحيح المنهاج " من تردد له؛ لأن مستند الحكم لا بد أن يتعين للحاكم، ولم يتعين له أن الشاهد واليمين مستند الحكم.
ثانيها: المراد: أنهما بانا بهذه الصفة عند أداء الشهادة أو عند الحكم، ولا تأثير لذلك بعد الحكم بلا خلاف، وفي " أصل الروضة ": أن لو فسق الشاهدان أو ارتدا بعد الحكم وقبل الاستيفاء .. فهو كرجوع الشاهدين، وهو مردود 134. ثالثها: لو كان من عقيدة الحاكم الحكم بشهادة العبد أو الكافر إما على مثله أو بالوصية في السفر .. لم ينقض، ذكره في " أصل الروضة " في العبد 135، وقاس عليه شيخنا في " تصحيح المنهاج " الكافر، ثم حكى عن " البحر " أنه خالف فيه؛ لعدم علم الحاكم بأنه عبد حتى يكون حاكمًا به في محل الخلاف، وقال: لا فرق بين أن يكون الحاكم بقوله ممن يرى قبول قوله أو لا، قال شيخنا: والأرجح: أن عقيدة الحاكم إذا لم يمنع من ذلك .. لا يكون حكمه منقوضًا عنده، وكذا عند غيره إذا لم يكن هناك دليل يقتضي النقض.
رابعها: مقتضاه: الاحتياج إلى نقض، وليس كذلك، وإنما يتبين أن الحكم لم يصادف محلًا، وعبارة " المختصر " الرد، ولم يذكر النقض.
خامسها: حكى الماوردي طريقة القطع بالنقض في الفاسقين عن الجمهور 136، وصححها شيخنا في " تصحيح المنهاج "، قال: وينبغي النقض قطعًا إذا كان فسقه باعتراف المحكوم له،

الحديث: 6157 - الجزء: 3 - الصفحة: 670

واستند القاضي في عدالته إلى علمه، ثم يذكر فسقه، ولو أثبتنا الخلاف في غير هاتين الصورتين، قال: ولم أر من تعرض له.
6159 - قول " التنبيه " [ص 273]: (ومتى نقض الحكم؛ فإن كان المحكوم به إتلافًا كالقتل والقطع .. ضمنه الإمام) قد يفهم أنه عليه، والأصح: أنه على عاقلته، وقد تقدم ذلك في باب العاقلة، ومحله: إذا لم يقصر في البحث عن حال الشاهدين، فإن قصر في ذلك .. فالضمان عليه، بل رجح الإمام: وجوب القصاص.
6160 - قولهم: (ولو شهد كافر ثم أعادها بعد كماله .. قبلت) 137 محله في المعلن بكفره، فأما المسر بكفره .. فلا تقبل منه إذا أعادها على الأصح في " أصل الروضة " 138، وقال في " المطلب ": فيه نظر؛ لأنه إذا ظهر كفره .. يعيّر بإخفاء دينه لا بنفس كفره، والفاسق يعير بفسقه لا بإخفائه، ثم للاجتهاد في الفسق والعدالة أثر لا يظهر مع الإسرار به إلا بالاجتهاد، والكفر والإسلام لا اجتهاد فيه؛ فإن الحاكم إذا جهل ذلك .. استنطقه بالشهادتين.
وتعقبه شيخنا في " تصحيح المنهاج " بأن المسر لكفره إذا ظهر .. يعير بكفره الذي كان عليه من الزندقة، فهو والفاسق في ذلك سواء، وأما استنطاقه بالشهادتين .. فلا يخلص إلا في دفع القتل عنه، لا في مصيره مسلمًا مقبول الشهادة.
6161 - قولهم - والعبارة لـ " التنبيه ": (ولو شهد الفاسق ثم تاب وأعاد تلك الشهادة .. لم تقبل) 139 محله: ما إذا كان مخفيًا فسقه، أو معلنًا وأصغى القاضي إلى شهادته ثم ردها، فأما إذا لم يُصغ إليها وهو الأصح .. فلا ترد شهادته بها بعد التوبة، وهو مفهوم من قولهم: شهد وأعاد، وألحق شيخنا في " تصحيح المنهاج " بذلك: ما لو كان فسقه مختلفًا فيه، أو كان مع فسقه أهلًا للشهادة عند قوم محكي عنهم قبول شهادة الفاسق الذي لا يكذب، وشهد عند من يرى فسقه أو يرى أنه لا تقبل شهادته وإن كان لا يكذب ولم يحكم برد شهادته، وإنما توقف ليستبرئ حاله ثم تاب وأعاد تلك الشهادة .. فإنها تقبل؛ لأنه لا يدفع عن نفسه عار الكذب، ولا عار الرد؛ لأنه لم يوجد رد.
انتهى.
وذكر " التنبيه " مع الفاسق: من لا مروءة له ثم حسنت حاله 140، ويندرج فيه أصحاب المكاسب الدنيئة إذا رددنا شهادتهم.

الحديث: 6159 - الجزء: 3 - الصفحة: 671

6162 - قوله: (وإن شهد الوارث لمورثه بالجراحة قبل الاندمال، فردت شهادته ثم اندمل الجرح وأعاد الشهادة .. فقد قيل: تقبل، وقيل: لا تقبل) 141 الأصح: أنها لا تقبل، وذكر " الحاوي " عدم القبول أيضًا فيما لو شهد على عدوه ثم زالت العداوة وأعادها 142، أو لمكاتبه ثم أعتقه وأعادها.
6163 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وتقبل شهادته غيرها بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن صدق توبته) 143 استثنى منه شيخنا في " تصحيح المنهاج " خمسة لا يشترط فيهم الاختبار: أحدهم: شاهد الزنا إذا وجب عليه الحد لعدم تمام العدد، فإذا تاب .. قبلت شهادته في الحال من غير استبراء على المذهب في " أصل الروضة " 144، وخالف في ذلك " الحاوي " فقال: (كالقاذف يقول: تبتُ ولا أعود إن لم يقر بالكذب) أي: فإذا أقر بالكذب .. فهو فاسق يجب استبراؤه، وتبع في ذلك الغزالي، وهو خلاف قول الجمهور 145. الثاني: قاذف غير المحصن؛ لمفهوم قول الشافعي في " الأم ": (فأما من قذف محصنة .. فلا تقبل شهادته حتى يُختبر) 146. الثالث: الصبي إذا فعل ما يقتضي تفسيق البالغ ثم تاب وبلغ تائبًا .. لم يعتبر فيه الاختبار كما يظهر من كلام الشافعي والأصحاب.
الرابع: مخفي الفسق إذا تاب وأقر وسلّم نفسه للحد، قاله الماوردي والروياني، قال في " المهمات ": وهو ظاهر، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وهو متجه.
الخامس: المرتد، ذكره الماوردي 147، وهو مقتضى كلام غيره، واعتبر الماوردي فيه أن يسلم غير متوق للقتل، ولا يعد مع ذلك الكافر الأصلي إذا أسلم؛ لأن الكلام فيمن أتى بمعصية مع كونه مسلمًا، واحترز " التنبيه " عن الكفر فقال [ص 270]: (ومن ردت شهادته بمعصية غير الكفر)، وفي " روضة الحكام " لشريح الروياني ثلاثة أوجه: أحدها: يجب الاستبراء في الكافر مطلقًا.
والثاني: لا.

الحديث: 6162 - الجزء: 3 - الصفحة: 672

والثالث: إن كان مرتدًا .. وجب، وإلا .. فلا.
قال شيخنا أيضًا: وبقي اثنان أنبه على حالهما: أحدهما: العدو إذا زالت العداوة وكانت كبيرة فتاب منها .. فهل يشترط الاختبار؛ لأنه تاب من فسق، أو لا؛ لأن النفوس لا تميل للعداوة غالبًا، بل تكرهها، محل نظر، والأرجح: الثاني، وإذا قال صاحب " المطلب " بالاختبار في العداوة المجردة عن الفسق .. ففي المفسقة أولى.
الثاني: المبادر بناء على أنه مجروح، والأصح خلافه لا يحتاج لاستبراء، قاله البغوي.
انتهى.
واعلم: أن " المنهاج " و" الحاوي " لم يذكر الاختبار إلا في الفسق، وذكره " التنبيه " في خوارم المروءة أيضًا فقال: (ومن ردت شهادته لمعصية غير الكفر أو لنقصان مروءة فتاب .. لم تقبل شهادته حتى يستمر على التوبة سنة) 148 وفي " المطلب ": ألحق الأصحاب ذلك بالفسق في وجوب الاستبراء.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": لم أقف على التصريح به في كلام الأصحاب، وله وجه؛ لأن خارم المروءة صار باعتياده سجيّة له، فلا بد من اختبار حاله، ويحتمل خلافه.
انتهى.
وقد عرفت أنّه في " التنبيه "، وذكر في " المطلب " الاحتياج إلى الاستبراء في العداوة أيضًا، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وعندي لا يحتاج.
6164 - قول " الحاوي " [ص 669]: (أو تاب وصلح بالقرائن) تبع الغزالي في عدم تقديره بمدة، وأن المعتبر غلبة الظن بصدقه 149، وكذأ صحح القاضي حسين والإمام والعبادي، وقد عرفت أن " التنبيه " قدّره بسنة، وحكاه في " المحرر " و" المنهاج " عن الأكثرين 150، وصحح شيخنا في " تصحيح المنهاج " عدم التقدير، فإن عبارة الشافعي في " الأم ": (فلا تقبل شهادته إلا بمدة أشهر يختبر فيها بالانتقال من الحال السيئة إلى الحال الحسنة والعفاف عن الذنب الذي أتى) 151 قال: فلم يذكر إلا أشهرًا، وهو جمع قلة يصدق على ثلاثة إلى عشرة، فمن اعتبر سنة .. فقد خالف النص، قال: ثم ظاهر التقدير بسنة أنه تحديد حتى لو نقصت يومًا أو دونه .. لا يكفي ذلك، وهو غريب، فاعتبار السنة لم يقم عليه دليل، والقياس على الزكاة والجزية غير صحيح،

الحديث: 6164 - الجزء: 3 - الصفحة: 673

وعلى أجل العنة يقتضي التحديد قطعًا، وفيه وجهان حكاهما الماوردي، قال شيخنا: والأرجح على اعتبارها: التقريب.
6165 - قول " المنهاج " [ص 570]: (ويشترط في توبة معصية قولية القول، فيقول القادف: " قذفي باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه "، وكذا شهادة الزور) و" الحاوي " [ص 669]: (كالقاذف يقول تبت ولا أعود) استشكل الرافعي اشتراط القول في توبة القذف، وقال: ليس كتوبة الردة؛ فإن الشهادتين فيها شرط في القولية والفعلية كإلقاء المصحف في القاذورات، ويلزمهم اشتراط القول في كل قولي كشهادة الزور والغيبة والنميمة، قال: وصرح صاحب " المهذب " به في شهادة الزور فقال: التوبة منها أن يقول: كذبت ولا أعود.
انتهى 152. وحكاه الغزالي في المبادرة بالشهادة أيضًا عن بعض الأصحاب، ونقله الرافعي في موضعه، وأسقطه في " الروضة ". وأجاب في " المطلب " عن إشكال الرافعي: بأن الردة بالقول هي الحقيقة والفعل ملحق به، فقاس الشافعي على الأصل، قال: ولا نسلم الاكتفاء في الردة الفعلية بالقول إذا لم يزل المصحف من ذلك مع إمكانه، ثم الفرق بين القذف وغيره أنه أشد ضررًا؛ لأنه يكسبه عارًا، بخلاف شهادة الزور والنميمة والغيبة.
وأجاب شيخنا في " تصحيح المنهاج " عن ذلك كما سيأتي عنه من أن اعتبار القول في المعاصي القولية إنما هو فيما أبرزه قائله على أنه محق فيه، ولا يأتي ذلك في معاصي الأفعال؛ لأنه متى أبرزه على أنه حق .. كفر، وقال: إنه من النفائس، وهنا أمور: أحدها: حمل شيخنا في " تصحيح المنهاج " كلامهم على ما أتى به على صورة أنه محق فيه، فأما غيره؛ كاللعن وقوله: يا خنزير ونحوه .. فلا يشترط في التوبة منه القول قطعًا؛ لعدم المعنى المقتضي لذلك، قال: ولم أر من نبه على ذلك.
ثانيها: أن عبارة الشافعي رضي الله عنه في " الأم " و" المحرر " و" الروضة " وأصلها: القذف باطل 153، وذكر شيخنا في " تصحيح المنهاج " أن الذي في " المنهاج " لا يساويه؛ لاحتمال الإضافة للمفعول.
ثالثها: ذكر الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق أنه يقول: القذف باطل حرام، قال شيخنا: وظاهره اعتبار الجمع بينهما، وله وجه قوي؛ فإن الباطل يطلق على الهدر، ومنه: ذهب دمُهُ

الحديث: 6165 - الجزء: 3 - الصفحة: 674

بُطْلا، وعلى اللهو، وممن اعتبر الجمع بينهما ابن الصباغ في " الشامل " واقتصر المحاملي في " التجريد " على قوله: حرام، وهو حسن.
رابعها: مقتضى عبارة " المنهاج ": تعين قوله: (قذفي باطل)، لكن في " أصل الروضة " عن الجمهور: أنه يكفيه أن يقول: ما كنت محقًا في قذفي وقد تبت منه، ونحو ذلك 154، واكتفى الغزالي بقوله: تبت من القذف 155، وتبعه " الحاوي " كما تقدم، وحكاه الرافعي من غير تعقب، وأسقطه في " الروضة " قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ويشهد له نص " الأم " وهو قوله: (فإن كان عدلًا يوم شهد فساعة يقول: قد تبت وكذب نفسه .. تقبل شهادته مكانه) 156 هذا لفظه، وقوله: (وكذب نفسه) يعني: بما أظهر من التوبة، ولئن كان كلام الشافعي في الشاهد .. فهو لا يفرق في كيفية القول بين الشاهد وغيره.
انتهى.
خامسها: قد عرفت أن " الحاوي " لم يتعرض لقوله: وأنا نادم عليه، وكذا لم يذكرها في " الأم " و" المختصر "، ولا الشيخ أبو حامد ولا أتباعه، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وقل من ذكرها، والظاهر أنها تأكيد، والمذهب: أنها لا تعتبر؛ لأن المدار على إظهار ضد القذف كما في إظهار ضد الكفر.
سادسها: ذكر شيخنا في " تصحيحه ": أن الأرجح: عدم اعتبار قوله: ولا أعود، قال: وهو مقتضى نصوص الشافعي، فلم يعتبر في شيء منها هذه المقالة، قال شيخنا: عندي يكتفي من الشاهد بأن يقول: رجعت عن شهادتي عليه بالزنا؛ لما روى الشافعي رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه لما جلد الثلاثة .. استتابهم، فرجع اثنان، فقبل شهادتهما 157. سابعها: مقتضي قول " المنهاج " [ص 570]: (وكذا شهادة الزور) أن يقول: شهادتي باطلة وأنا نادم عليها ولا أعود إليها، والذي في " المهذب ": كذبت فيما فعلت 158 ولا أعود إلى مثله 159، قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": وإذا ثبت زور الشاهد بإقراره .. فقد اعترف بلسانه بزوره؛ فأي فائدة في إعادته، وإن ثبت بغير إقراره .. فيكفيه أن يقول: تبت من شهادة الزور، ولا يعتبر في القول شيء غير ذلك، ثم قال شيخنا: والمعتمد أنه لا يعتبر في شاهد الزور القول، بخلاف القذف؛ لظهور زوره بالطريق المعتبر، فلا حاجة إلى أن يقول ذلك في توبته، حتى أن

الجزء: 3 - الصفحة: 675

شاهد الزور لو ظهر زوره في شهادة القذف؛ بأن شهد أنه رآه يزني أول يوم من المحرم سنة كذا بحلب، وظهر بالطريق المعتبر أن الشاهد ذلك اليوم كان بمصر أو أن المشهود عليه كان بمكة .. فلا أعتبر في التوبة من ذلك القول؛ لظهور بطلانه بغير ذلك، وزال ما كان يلحق المقذوف من العار بما هو أشد في الإزالة من القول.
انتهى.
6166 - قول " المنهاج " [ص 570]: (وغير القولية يشترط إقلاع، وندم، وعزم ألا يعود، ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به) فيه أمور: أحدها: أنه يفهم عدم اشتراط ذلك في القولية، وليس كذلك، بل هذا معتبر في التوبة الباطنة، وهي التي مقصودها سقوط الإثم قولية كانت أو غير قولية، وأما الظاهرة وهي التي مقصودها عود أهلية الشهادة .. فيشترط فيها الاستبراء إلا ما استثني على ما تقدم بيانه.
ثانيها: قال في " المهمات ": أهمل شرطًا رابعًا، وهو: أن يكون ذلك لله تعالى، حتى لو عوقب على جريمة فندم وعزم على عدم العود لما خل به وخوفًا من وقوع مثله .. لم يكف، قاله أصحابنا الأصوليون، ومثلوه بما إذا قتل ولده وندم لكونه ولده، أو بذل شحيح مالًا في معصية وندم للغرم، ولا بد منه.
وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا الإيراد عندنا غير معتبر؛ لأن التوبة عبادة، والعبادة لا بد أن تكون لله تعالى، وإذا لم يكن ذلك .. فلا توبة ولا عبادة.
قلت: هذا التوجيه فيه اعتراف باعتبار الإيراد، والله أعلم.
ثم قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ولصحة التوبة شرط، وهو: أن لا يصل إلى الغرغرة أو الاضطرار بظهور الآيات كطلوع الشمس من مغربها، وهو واضح.
ثالثها: قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": مقتضاه: أنه لا يعتبر في غير القولية القول، وليس كذلك، بل يعتبر فيها الاستغفار أيضًا، جزم به القضاة أبو الطيب والحسين والماوردي وغيرهم، قال شيخنا: والذي يظهر - والله أعلم - من القرآن والسنة أن الذنب المذكور وإن كان ذنبه باطنًا .. لا بد أن يظهر قولًا يظهر منه ندمه على ذنبه؛ بأن يقول: أستغفر الله من ذنبي، أو رب اغفر لي خطيئتي، أو تبت إلى الله تعالى من ذنبي، ثم بسط ذلك.
رابعها: قوله: (ورد ظلامة آدمي) أراد به شمول المال والقصاص وحد القذف، وفي شمول الأخيرين نظر، فلو قال: (والخروج مما عليه من ظلامة آدمي) .. لكان أولى، وأيضًا فقد يعفو المستحق عن حقه، فيدخل ذلك في لفظ الخروج ولا يدخل في لفظ الرد، وقال الإمام في " الإرشاد ": إذا ندم القاتل .. صحت توبته في حق الله تعالى قبل تسليمه نفسه للقصاص، وكان تأخير ذلك معصية أخرى تجب التوبة منها لا يقدح في الأولى، ونازع في ذلك شيخنا في

الحديث: 6166 - الجزء: 3 - الصفحة: 676

" تصحيح المنهاج " وقال: يلزمه ذلك في المال، ولا يمكن القول به.
خامسها: يرد على اعتبار رد الظلامة ما لو أعسر بالمال الذي ظلم بأخذه .. فقال الماوردي: ينظر به إلى ميسرته والتوبة قد صحت، قال: ولو بذل من عليه القصاص نفسه ليستوفي منه فلم يستوف .. صحت توبته؛ لأن عليه الانقياد، وليس عليه الاستيفاء (1)، وفي " تعليق " القاضي حسين نحوه، وقال: لو مات صاحب الحق .. لا يأتي لوارثه، بل يستغفر الله تعالى للميت، حكاه في " المطلب "، وأقره، وتعقبه في " تصحيح المنهاج " بانتقال الحق للوارث، فلا بد من إعلامه، قال: وإذا تعذر الوصول إلى المستحق؛ لغيبة بعيدة ونحوها .. كفاه الشرطان الأولان مع عزمه أن يمكنه من نفسه عند القدرة.
سادسها: خرج بذكر الآدمي حقوق الله تعالى كالزكاة، ولا شك أن أداءها معتبر في صحة التوبة، والله أعلم.

فصلٌ [فيما يحكم به بشهادة رجل واحد]

6167 - قول " المنهاج " [ص 570]: (لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر) أورد على الحصر أمور: أحدها: لو اختلفا في شيء هل هو عيب أم لا؟ صدق البائع بيمينه، فلو قال واحد من أهل العلم به أنه عيب .. قال البغوي: ثبت الرد، واعتبر المتولي اثنين، حكاه في " أصل الروضة " في البيع 161. ثانيها: في " الوجيز " في اللقطة: (لو أطنب شخص في وصفه .. جاز الدفع إليه وفي الوجوب بغير بينة وجهان، ولعل الاكتفاء بعدل واحد أولى؛ فإن البينة قد تعسر إقامتها) 162، استثناه الشيخ برهان الدين بن الفركاح في " نكت المنهاج "، وفيه نظر؛ فليس هذا شهادة، وإنما هو خبر، ألا ترى أنه قال: (فإن البينة قد يعسر إقامتها) وقريب من ذلك في المأخذ قول الرافعي في مستند علم الشاهد: إن أبا الفرج السرخسي حكى وجها في جواز الاعتماد على خبر الشخص الواحد إذا سكن القلب إليه، ولا يعتبر عدد الشهادة كما لا يعتبر لفظها 163، وفي قوله: (كما لا يعتبر لفظها) دليل على أنها ليست شهادة.160

الحديث: 6167 - الجزء: 3 - الصفحة: 677

ثالثها: في " شرح المهذب " في أواخر الصلاة على الميت عن المتولي: لو مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم .. لم يكف في الإرث والحرمان، وفي الاكتفاء به في الصلاة عليه وجهان بناء على القولين في هلال رمضان 164. رابعها: ذكر الماوردي في " الحاوي ": أن من شروط العدالة: البلوغ، قال: ويعلم بأوجه: منها: أن يشهد ببلوغه شاهد عدل، فيحكم ببلوغه، وتكون شهادة لا خبرًا 165، استثناه الشيخ برهان الدين أيضًا، قال في " المهمات ": وهو غلط؛ فإن الماوردي عبر بقوله: (شاهدًا عدلٍ) بألف التثنية، فخفيت الألف عليه، أو سقطت من النسخة التي وقف عليها، وقال في " التوشيح ": رأيته في غير نسخة من " الحاوي " أي: بالإفراد، وكنت أرجح أن تكون صيغته: (شاهدا عدل) ولكن أوقفني عن ذلك قوله: (وتكون شهادة لا خبرًا) فإن ذلك لا يقال في شهادة الاثنين؛ لوضوحه فيه.
خامسها: إذا نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته .. فهل يجب الصوم إذا قلنا يجب به رمضان؟ حكى ابن الرفعة فيه وجهين عن " البحر ". سادسها: هل يثبت هلال ذي الحجة بواحد كرمضان، أو لا يثبت إلا بعدلين؟ فيه وجهان حكاهما الدارمي والقاضي حسين.
سابعها: هلال شوال يثبت بواحد على قول أبي ثور، قال صاحب " التقريب ": ولو قلت به .. لم أكن مبعدًا، والأصح: ثبوته بطريق التبعية فيما إذا ثبت رمضان بواحد ولم نر الهلال بعد الثلاثين .. فإنا نفطر في الأصح.
ثامنها: في قبول واحد في الوقوف بعرفة والطواف ونحوه وجهان في " تعليق القاضي حسين ". 6168 - قول " المنهاج " [ص 570] و" الحاوي " [ص 672]: (ويشترط للزنا أربعة رجال) كذا اللواط وإتيان البهيمة، وقد ذكرهما " التنبيه " 166، وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": ووطء الميتة لا يوجب الحد على الأصح، وهو كإتيان البهيمة في أنه لا يثبت إلا بأربعة على المعتمد، ولم يتعرضوا للتصريح به، وتعليلهم يقتضي ما قررناه، قال: ومقتضاه: أن كل وطء لا يوجب إلا التعزير لا يثبت إلا بأربعة أيضًا، ويخرج عنه ما لا عقوبة فيه؛ كوطء الشبهة .. فيثبت برجلين، ورجل وامرأتين، وشاهد ويمين.

الحديث: 6168 - الجزء: 3 - الصفحة: 678

6169 - قول " التنبيه " [ص 271]: (وفي الإقرار بالزنا قولان، أحدهما: يثبت بشاهدين، والثاني: لا يثبت إلا بأربعة) الأظهر: الأول، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 167. 6170 - قول " الحاوي " فيما يثبت برجل وامرأتين [ص 672]: (كموضحة عجز عن تعينيها) معدود من أفراده، لا سلف له فيه، وصريح كلام الغزالي والرافعي وغيرهما في الجنايات أن البينة الناقصة لا تثبت الأرش في الصورة المذكورة.
6171 - قولهما فيما لا يقبل فيه إلا رجلان: (كنكاح) 168 يستثنى منه: ما إذا ادعت أنه نكحها وطلقها وطلبت شطر الصداق، أو أنها زوجة فلان الميت وطلبت الإرث .. فيثبت نكاحها برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين؛ لأن مقصودها المال، حكاه في " أصل الروضة " في آخر الدعاوى عن " فتاوى الغزالي " 169. قال شيخنا ابن النقيب: وهو واضح 170. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": إنه غير معمول به ولا معتمد عليه، فكيف يثبت إرث من لم تثبت زوجيتها، وقضية ذلك: أن الزوج تثبت زوجتيه بعد وفاة زوجته برجل وامرأتين، أو بشاهد ويمين، وهذا بعيد، ويلزم منه أن تثبت المرأة النفقة والكسوة بالحجة الناقصة وإن لم تثبت الزوجية والزوج ينكرها، وهو غريب لا يصح على مذهب الشافعي، ونازع شيخنا أيضًا في المجزوم به في " أصل الروضة " أنه يثبت الصداق برجل وامرأتين، وقال: الأصح - وهو مقتضى نصوص الشافعي وكلام أصحابه - خلافه، وهو الذي ذكره الشيخ أبو علي، وحكاه عنه الإمام، وقال: إنه أفقه.
6172 - قولهما: (وطلاق) 171 أي: بلا عوض، فإن كان بعوض وهو الخلع؛ فإن ادعته المرأة .. فكذلك؛ لأن غرضها اندفاع النكاح، وإن ادعاه الرجل .. ثبت برجل وامرأتين؛ لأن غرضه المال، وهذا مما يعايا به، وإطلاق الجواب فيه خطأ، والصواب التفصيل، نبه عليه ابن يونس في [" تنويهه "] 172. 6173 - قول " المنهاج " في أمثلة ما يطلع عليه الرجال غالبًا [ص 570]: (وموت) قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هو ممنوع؛ فإن النساء يحضرن المحتضر غالبًا ولا سيما إذا كان امرأة؛

الحديث: 6169 - الجزء: 3 - الصفحة: 679

فإن النساء مختصات بالحضور عندها، ولكن المدرك لمنع الحجة الناقصة فيه أنها مختصة بالأموال وعقودها وحقوقها، قال: ويستثنى من الموت: ما إذا كان بقتل يوجب المال؛ كما إذا شهد رجل وامرأتان أن فلانًا مات بقتل فلان له خطأ، أو بقتل صبي أو مجنون له، أو بقتل حر له وكان عبدًا، أو بقتل مسلم له وكان ذميًا، أو بقتل أصله .. ففي جميع هذه المسائل يثبت الموت بالحجة الناقصة؛ لأنه موجب للمال بسبب الإزهاق، وكذا إذا كان الموت بقتل يوجب استحقاق السلب، أو كان موت حيوان: رقيق، أو غير ناطق تحت يد أمانة، وقلنا: لا بد من إثبات موته؛ لأنه من الأسباب الظاهرة كما ذكره المتولي .. فيثبت بالحجة الناقصة؛ لدفع المطالبة ببدله، وكذا قيام الحجة الناقصة بحلول الدين المؤجل بموت المديون.
6174 - قوله: (وإعسار) 173 يستثنى منه: إعسار المكاتب الذي يسلط السيد على فسخ الكتابة الصحيحة.
6175 - قولهم: (والوكالة) 174 يقتضي أنه لا يثبت التصرف المالي المترتب عليها، وجزم الإمام والغزالي بأن البيع المدعي صدوره من وكيل فلان في البيع يثبت وإن لم تثبت الوكالة، وهو قياس ما تقدم عن الرافعي والنووي من ثبوت المهر بالشاهد واليمين وإن لم يثبت النكاح، وقد تقدم النزاع فيه، وكيف يثبت البيع الصادر من الوكيل ولم تثبت وكالته؟ ! 6176 - قولهم: (والوصاية) 175 يقتضي أنه لو شهد رجل وامرأتان بأن فلانًا أوصى إلى فلان بأن يدفع لفلان كذا .. لم تثبت الوصية، وقد صرح الغزالي بخلافه، وهو جار على طريقته المتقدمة، وقياس ثبوت المهر بالشاهد واليمين، وقد تقدم ما فيه.
6177 - قول " التنبيه " [ص 270]: (وأما الوقف .. فقد قيل: يقبل فيه ما يقبل في المال، وقيل: إن قلنا: إنه ينتقل إلى الآدمي .. قبل، وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله عز وجل .. لم يقبل) الأصح: الأول، وإذا ادعى على شخص أنه نذر أن يتصدق عليه بكذا .. فهل هو كالوقف فيطرقه الخلاف في ثبوته بالحجة الناقصة، أو يقطع بثبوته بذلك؛ لأنه ينتقل إلى ملكه إذا أخذه منه؛ قال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": الأرجح: الثاني، ولم أر من تعرض له.
6178 - قول " المنهاج " في أمثلة ما يثبت بما سبق - أي: وهو رجلان، ورجل وامرأتان -، وبأربع نسوة: (وحيض) 176 يقتضي أن الحيض مما يمكن الشهادة عليه، وبه صرح في " أصل

الحديث: 6174 - الجزء: 3 - الصفحة: 680

الروضة " هنا 177، وحكاه النووي في " فتاويه " عن ابن الصباغ والبغوي، لكن في " الشرحين " في الطلاق: لو علق بحيضها فقالت: حضت، وأنكر .. صدقت بيمينها؛ لتعذر إقامة البينة عليه؛ فإن الدم وإن شوهد لا يعلم أنه حيض؛ لاحتمال أنه استحاضة، وصرح بمثله في الديات عند الكلام على دية الشم، وبه أجاب العماد بن يونس في " فتاويه ". قال شيخنا ابن النقيب: والحق الجواز، وما ذكر في الطلاق ينبغي حمله على عسر البينة لا على التعذر 178. 6179 - قولهم: (ورضاع) 179 قيده المتولي بما إذا كان من الثدي، فإن كان من إناء حلب فيه .. لم تقبل شهادتهن به لكن تقبل شهادتهن على أن هذا اللبن من هذه المرأة، حكاه عنه في " أصل الروضة " وأقره.
6180 - قول " المنهاج " [ص 570]: (وعيوب تحت الثياب) أي: تحت ثياب النساء، وقول " الحاوي " [ص 672]: (كعيبهن) أي: تحت الثياب، وجمع " التنبيه " الأمرين فقال [ص 271]: (والعيوب تحت ثياب النساء) فعبارته أحسن منهما؛ لجمعه ما تفرق فيهما، أما ما في وجه الحرة وكفيها، فقال البغوي: لا يثبت إلا برجلين، وما في وجه الأمة وما يبدو منها في المهنة .. يثبت برجل وامرأتين؛ لأن مقصوده المال، وهنا أمور: أحدها: أن المحكي هنا عن البغوي مخالف للمحكي عنه في الرد بالعيب: أنه يثبت الرد بقول واحد.
ثانيها: أن مقتضى تعليله بأن مقصوده المال اختصاص ذلك بما إذا كان الإثبات لردها في البيع، فإن كان لفسخ النكاح به .. لم يقبل، ذكرهما في " المهمات ". ثالثها: مقتضى تقييد البغوي بما يبدو منها في المهنة أنه لو كان تحت إزارها .. ثبت بالنسوة المتمحضات، وبه صرح شيخنا في " تصحيح المنهاج "، وقال: وإن كان يقصد منه المال إلا أنه غلب فيه جانب اطلاعهن.
رابعها: قال شيخنا المذكور أيضًا: ينبغي على مقتضى تصحيح النووي في إلحاق الأمة بالحرة في النظر أن يدخل النساء المتمحضات في عيب الأمة في وجهها وكفيها، وكذا الحرة بناء على حرمة نظر الأجنبي إلى وجهها وكفيها.
قلت: أطلق الماوردي نقل الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا يقبل فيه إلا

الحديث: 6179 - الجزء: 3 - الصفحة: 681

الرجال، ولم يفصل بين الحرة والأمة 180، وبه صرح القاضي حسين فيهما، والله أعلم.
خامسها: خرج بالنساء الخنثى؛ فالمرجح أنه يحتاط فيه، فلا يراه بعد بلوغه الرجال ولا النساء، وفي وجه يستصحب حكم الصغر، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فإن قلنا بهذا الوجه .. فعيوبه تحت الثياب لا تثبت بالنسوة المتمحضات وإن قلنا بالأرجح .. لم تثبت بالنسوة المتمحضات أيضاً؛ لفقد المعنى المقتضي لقبول شهادة النسوة المنفردات.
سادسها: استثنى البغوي مما تحت الثياب الجرح على فرج المرأة؛ لأن جنس الجراحة يطلع عليه الرجال، قال الرافعي بعد نقله عنه: لكن جنس العيب أيضاً مما يطلع عليه الرجال غالباً، إنما الذي لا يطلعون عليه العيب الخاص، وكذا الجراحة الخاصة 181، وقال النووي: الصواب: إلحاق الجراحة على فرجها بالعيوب تحت الثياب، وعجب من البغوي كونه ذكر خلاف هذا، وتعلق بمجرد الاسم 182. وفي "المهمات": سبق البغويَّ إليه القاضي حسين في "تعليقه"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الصواب ما ذكره البغوي؛ لأن الجراحات في أي موضع كانت ولو على الفرج من متعلقات حضور الرجال دون النساء، فلم يتعلق بمجرد الاسم، بل بالمعنى المعتبر.
6181 - قول "المنهاج" [ص 570]: (وما ثبت بهم - أي: برجل وامرأتين - ثبت برجل ويمين إلا عيوب النساء ونحوها) يستثنى منه: العيب الذي يتعلق به المال؛ فإنه يثبت بشاهد ويمين، ويستثنى أيضًا: الترجمة في الدعوى بالمال أو الشهادة به؛ فإنها تثبت برجل وامرأتين، ولا مدخل للشاهد واليمين فيها؛ لأن ذلك ليس مالاً، وإنما هو إخبار عن معنى لفظ المدعي أو الشهود.
6182 - قوله: (ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين) 183 قال في "الروضة": قطعًا 184، وليس في الرافعي، والخلاف موجود في الشفعة لو أخر الأخذ؛ لأنه لم يصدق المخبر وكن نسوة .. ففيه وجهان بناء على أن المدعي هل يقضى له بيمينه مع امرأتين؛ إن قلنا: لا .. فهو كالمرأة، وإلا .. كالعدل الواحد.
6183 - قول "المنهاج" [ص 570، 571] و"الحاوي" [ص 673]: (ويذكر في حلفه صدق الشاهد) أي: فيما شهد له به، وقد نص عليه في "الأم"، وقل من صرح به، ولا بد منه، وأهمل "المنهاج" أنه يحلف في يمنيه على استحقاق ذلك المبلغ أيضاً، وقد نص عليه في

الحديث: 6181 - الجزء: 3 - الصفحة: 682

"الأم"، وتبعه الأصحاب، وذكره "الحاوي" فقال [ص 674]: (وأني مستحق كذا) ويجوز تقديمه على تصديق الشاهد.
6184 - قول "المنهاج" [ص 571]: (فإن ترك الحلف وطلب يمين خصمه .. فله ذلك، فإن نكل .. فله أن يحلف يمين الرد في الأظهر) فيه أمران: أحدهما: أنه يفهم أن المدعى عليه إذا لم ينكل بل حلف .. فليس للمدعي أن يحلف بعد ذلك مع شاهده، وبه صرح ابن الصباغ، بخلاف ما لو أقام بعد يمين المدعى عليه بينة .. فإنها تسمع، ولو أتى بشاهد وحلف معه .. سمع أيضاً، ولو كان قد نكل عن يمين الرد، نص عليه في "المختصر".
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنما يجري الخلاف في حلفه يمين الرد إذا كان قد نكل عن الحلف مع الشاهد، ومجرد الترك لا يلزم منه النكول، قال: وفي "النهاية" في باب الامتناع من اليمين: إذا أقام المدعي شاهداً .. فكيف وجه نكوله عن الحلف مع شاهد؟ ومن يعرض عليه اليمين حتى ينكل؟ وما المأخذ الفقهي الذي يرتبط النكول به؟ . وأجاب عن ذلك: بأنه إذا أقام شاهداً واحداً .. قال له القاضي: إن حلفت معه .. ثبت حقك، وإن لم تحلف .. أبان له إن لم تحلف المدعى عليه .. منعتك من إعادته إلى مجلس الحكم، فهذا تصوير النكول عن اليمين مع الشاهد 185، قال شيخنا: وما ذكره الإمام من قوله: إن لم يحلف المدعى عليه لا مدخل له في نكول المدعي عن اليمين مع شاهده، والمذكور في "الأم" في ترجمة الامتناع من اليمين ليس فيه ذلك، ولفظه: (ومن كانت له اليمين على حق مع شاهدٍ .. قيل له: إن حلفت .. استحقيت، وإن امتنعت من اليمين سألناك لِم تمتنع؟ فإن قلت: لآتي بشاهد آخر .. تركناك حتى تأتي به، فتأخذ حقك بلا يمين، أو لا تأتي به .. فنقول: احلف وخذ حقك، فإن امتنعت بغير أن تأتي بشاهد أو تنظر في أصل كتاب لك أو لاستثبات .. أبطلنا حقك في اليمين، وإن طلبت اليمين بعدها .. لم نعطكها؛ لأن الحكم قد مضى بإبطالها، وإن جئت بشاهد آخر .. أعطيناكه؛ لأنا إنما أبطلنا حقك في اليمين لا في الشاهد الآخر ولا الأول) انتهى 186. وفي "أصل الروضة" في الدعوى والبينات في النكول: لو أقام المدعي شاهداً ليحلف معه فلم يحلف؛ فإن علل امتناعه بعذر .. عاد الوجهان في أنه يمهل أبداً أم لا يزاد على ثلاثة أيام، والأصح: الثاني، وإن لم يعلل بشيء أو صرح بالنكول .. فذكر الغزالي والبغوي: أنه يبطل حقه من الحلف، وليس له العود، واستمر العراقيون على ما ذكروه هناك؛ أي: من أنه يتمكن من

الحديث: 6184 - الجزء: 3 - الصفحة: 683

استئناف الدعوى وتحليفه في مجلس آخر، قال المحاملي: لو امتنع من الحلف مع شاهده واستحلف الخصم .. انقلبت اليمين من جانبه إلى جانب صاحبه، وليس له أن يعود ويحلف، إلا إذا استأنف الدعوى في مجلس آخر وأقام الشاهد .. فله أن يحلف معه، وعلى الأول: لا ينفعه إلا بينة كاملة.
انتهى 187. 6185 - قول "التنبيه" [ص 270]: (وإن كان في يد رجل جارية لها ولد، فادعى رجل أنها أم ولده وولدها منه، وأقام شاهداً وامرأتين، أو شاهداً وحلف معه .. قضي له بها، وفي نسب الولد وحريته قولان) الأظهر: أنهما لا يثبتان، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج" 188، لكن تعبيره بقوله: (علقت بهذا في ملكي) 189 لا يكفي، بل لابد أن يقول: (مني)، وأيضاً فقوله: (ثبت الاستيلاد) 190 يقتضي ثبوته بالحجة الناقصة، وكذا توهمه عبارة "الروضة" هنا 191، وليس كذلك؛ فإن الاستيلاد لا يثبت بالحجة الناقصة كما قرر في موضعه، وثبوته هنا إنما هو بالإقرار؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 270]: (قضي له بها) و"الحاوي" [ص 673]: (وملك المستولدة).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا بد أن يقول: (وهي باقية على ملكي على حكم الاستيلاد إلى الآن) لجواز أن يكون ملكه زال عنها ببيع بعد استيلادها؛ بأن استولدها وهي مرهونة رهناً لازماً، ولم يأذن له المرتهن في الوطء، وكان معسراً .. فإنه لا ينفذ الاستيلاد في حق المرتهن، وكذا الجانية، قال: ولم أر من تعرض له.
قلت: في هاتين الصورتين لم يثبت الاستيلاد، ولا يفيد زوال الاستيلاد بعد ثبوته؛ فلا يحتاج لهذه التتمة، والله أعلم.
6186 - قول "المنهاج" [ص 571]: (ولو كان بيده غلام فقال رجل: " كان لي وأعتقته" وحلف مع شاهد .. فالمذهب: انتزاعه ومصيره حراً) حريته إنما هي بإقراره، وقد تفهم عبارته خلافه، وكذا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 673]: (وعتق من قال: " كان ملكي فأعتقته").
6187 - قول "المنهاج" [ص 571]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 674]: (ولو ادعت ورثةٌ مالاً لمورثهم وأقاموا شاهداً حلف معه بعضهم .. أخذ نصيبه ولا يشارك فيه) المراد: الحلف على الجميع لا على حصته فقط، سواء حلف بعضهم أو كلهم، كما حكاه في "أصل الروضة" عن

الحديث: 6185 - الجزء: 3 - الصفحة: 684

الشيخ أبي الفرج، ثم قال: وفي كلام غيره إشعار بخلافه 192، وحكى في التفليس في مسألة الغريم: أنه لا يحلف إلا على قدر حصته، وهو مخالف لكلام أبي الفرج صريحاً لا إشعاراً.
6188 - قولهما أيضًا - والعبارة "للمنهاج" -: (ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل) 193 أي: من اليمين مع الشاهد، وهو المتكلم فيه، فلا يرد ما أورده شيخنا في "تصحيح المنهاج: من أنه لو أقام شاهداً آخر .. قُبِل، وهذا بإطلاقه مخالف لما في "الروضة" عن العراقيين والهروي والروياني: أنه إذا ادعى في مجلس آخر وأقام شاهده .. فله أن يحلف معه 194. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لكن نحن لا نفتي بهذا؛ لمخالفته نص الشافعي في "الأم" من إبطال حقه من الحلف مع الشاهد مطلقاً.
انتهى.
وهذا المذكور هنا من بطلان حقه باليمين حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام، وأنه قال: لو مات .. لم يكن لوارثه أن يحلف 195، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 674]: (كوارث الساكت، لا الناكل) ثم قال في "أصل الروضة": وفي كتاب ابن كج ما ينازع فيه 196. وقال في "المهمات": الصحيح: أن حقه لا يبطل حتى يحلف هو ووارثه؛ فقد قاله أيضاً القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وحكى الإمام في موضع آخر فيه وجهين، وكذا الغزالي، وجوزوا له على ذلك الوجه أن يدعي به ثانياً ويحلف إذا ردت اليمين عليه، حكاه في "المطلب".
ثم اعترض شيخنا في "تصحيح المنهاج" على قوله: (إن حضر) وقال: النكول لا يتوقف على الحضور؛ فقد يدعي وكيله ويقيم شاهداً، فتعرض اليمين على الموكل في غيبته عن مجلس الحكم، فينكل.
قلت: المراد: حضوره في البلد بحيث يحلف، لا مجلس الحكم.
ثم قال شيخنا: وأما غير الكامل .. فعبارته مسلوبة، ولا يتصور منه نكول حتى يحترز عنه.
6189 - قول "المنهاج" [ص 571]: (فإن كان غائباً أو صبياً أو مجنوناً .. فالمذهب: أنه لا يقبض نصببه) عبر في "الروضة" بالصحيح 197. 6190 - قوله: (فإذا زال عذره .. حلف وأخذ بغير إعادة شهادة) 198 و"الحاوي" [ص 674]:

الحديث: 6188 - الجزء: 3 - الصفحة: 685

(بلا إعادة الشهادة؛ كالغائب والطفل) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا لا يستقيم في الغائب؛ لأن القاضي لو أرسل له من حلفه وهو غائب .. فحلفه صحيح، وإن لم يزل عذره.
قلت: المراد: أن تأخر اليمين للعذر لا يقطع الحق منها، ولا يحوج إلى إعادة شهادة، وهذا موجود في الغيبة، والله أعلم.
قال الرافعي: وينبغي أن يكون الحاضر الذي لم يشرع في الخصومة، أو لم يشعر بالحال كالمجنون في بقاء حقه، بخلاف ما سبق في الناكل.
انتهى 199. ومحل ما تقدم: إذا لم يتغير حال الشاهد، فإن تغير .. فوجهان، قال القفال: لا يقدح، فيحلف ويأخذ؛ لاتصال الحكم بشهادته، وقال الشيخ أبو علي: لا؛ لأنه اتصل في حق الحالف فقط؛ ولهذا لو رجع الشاهد .. لم يكن له أن يحلف، أما إذا أقام بعضهم شاهدين، فثبت المدعى عليه، فإذا حضر الغائب، وكمل غير المكلف .. أخذ نصيبه بلا دعوى ولا بينة، ويقبض القاضي نصيب الصبي والمجنون عيناً كان أو ديناً، وأما نصيب الغائب؛ فإن كان ديناً .. فسنذكره، وإن كان عيناً .. انتزعها الحاكم، وكلام الأصحاب يقتضي وجوب ذلك، وهو الظاهر، لكن سبق في الوديعة أن الغاصب لو حمل المغصوب إلى القاضي والمالك غائب .. ففي قبوله وجهان، قال الرافعي: فيجوز أن يعود ذلك الخلاف هنا مع قيام البينة 200، ونبه في "المهمات" على أنه تقدم في استيفاء القصاص أن محل الخلاف في انتزاع الحاكم: فيما عدا هذه الصورة، فيجب فيها قطعاً؛ حفظاً لحق الميت، فهذا البحث ذهول عما قدره هناك.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يجوز أن يعود ذلك الخلاف هنا، والفرق أن المدعى عليه منكر معتقد أن الدار ملكه، فوجب أن يأخذ الحاكم نصيب الغائب قطعاً؛ لتزول هذه المفسدة المؤدية لضياع حق الغائب، ولا كذلك في الغاصب المقر الذي أحضر المغصوب للحاكم.
انتهى.
6191 - قول "التنبيه" [ص 265]: (وإن ادعى رجل أن أباه مات عنه وعن أخ غائب وله مال عند رجل حاضر وأقام بينة بذلك .. سلم إليه نصف المال وأخذ الحاكم نصيب الغائب ممن هو عنده وحفظه، وقيل: إن كان ديناً .. لم يأخذ نصيبه، بل يتركه في ذمة الغريم حتى يقدم) هذا الثاني هو الأصح في "أصل الروضة" هنا وفي الوديعة 201، قال الرافعي: حكاه ابن كج عن النص 202. وقال شيخنا الإمام البلقيني: رأيت النص في "الأم" في باب ميراث سيد المكاتب، ولفظه:

الحديث: 6191 - الجزء: 3 - الصفحة: 686

(فإن كان الورثة الكبار غُيَّباً فسأل المكاتب يعني: الحاكم أن يدفع الكتابة إلى عدل يقبضه لهم إن لم يكن لهم وكيل .. كان ذلك له، فإذا دفعه .. عتق المكاتب، وليس هذا كدين لهم على رجل ثم غابوا عنه فجاء به إلى الحاكم ليدفعه .. هذا لا يدفع إلا إليهم أو وكيل لهم، فإن لم يكن لهم وكيل .. تركه الحاكم، فلم يأمر بقبضه من صاحبه الذي هو عليه؛ لأن في الكتابة عتقاً للعبد، فلا يحبس بالعتق، وليس في الدين شيء يحبس عنه صاحب الدين) 203، قال شيخنا: وهو يقتضي أنه لو كان بالدين رهن .. أن القاضي يقبضه؛ لوجود ما حبس عن صاحب الدين، وهذا الذي ينبغي أن يفتى به.
انتهى.
وقول "الحاوي" [ص 675]: (ويؤخذ للمجنون والغائب بشاهدين) يحمل في الدين على الجواز، لا على الوجوب؛ لما عرفته، لكن لا يمكن حمله على ذلك في المجنون، وفي "التنقيح" لشيخنا الإسنوي: أن في هذه المسألة تعارضاً، ولم أره، ولم يستدركه في "تصحيحه" على "التنبيه"، وكان حقه استدراكه، وقال الفارقي في هذا: إذا كان من عليه الدين ثقة ملياً، وإلا .. فالأخذ منه أولى.
6192 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولا تجوز شهادة على فعل كزناً وغصبٍ وإتلافٍ وولادةٍ إلا بالإبصار) 204 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": مقتضاه: أن الأعمى لا تدخل له في ذلك، وليس كذلك فتتصور شهادته في هذه الأمور كلها؛ ففي الزنا إذا وضع يده على ذكر داخل في فرج امرأة أو دبر صبي فأمسكهما ولازمهما حتى شهد عند الحاكم بما عرفه بمقتضى وضع اليد .. فهذا أبلغ من الرؤية، وفي الغصب أو الإتلاف لو جلس الأعمى على بساط لغيره فغصبه غاصب أو أتلفه فأمسكه الأعمى في تلك الحالة والبساط وتعلق به حتى شهد بما عرفه .. جاز، وفي الولادة وضعت العمياء يدها على قُبل المرأة وخرج منها الولد وهي واضعة يدها على رأسه إلى أن يكمل خروجه وتعلقت بهما حتى شهدت بولادتها مع غيرها .. قبلت.
6193 - قول "المنهاج" [ص 571]: (والأقوال كعقدٍ يشترط سمعها وإبصار قائلها) أعم من قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن كان عقداً أو إقراراً .. فلا بد من مثاهدة العاقد والمقر وسماع كلامهما) لأنه يدخل في القول غير العقد والإقرار كالفسخ والردة وغيرهما، ومثل الأول قول "الحاوي" [ص 671]: (وسمع القول به) أي: بالإبصار، والباء بمعنى مع، وهي عبارة قلقة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يحتاج إلى شرط ثالث، وهو: أن يكون الشاهدان عارفين باللغة التي يعقد بها النكاح على الصحيح، فإن قيل: هذا شرط لانعقاد النكاح والكلام في

الحديث: 6192 - الجزء: 3 - الصفحة: 687

شرط أداء الشهادة في الأقوال .. قلنا: أداء الشهادة مبني على صحة التحمل، وإذا لم يصح التحمل .. لا يصحُّ أداء الشهادة.
انتهى.
6194 - قول "التنبيه" [ص 269]: (وتقبل شهادة الأعمى فيما تحمله قبل العمى) و"الحاوي" [ص 672]: (أو سمع قبله) محله: ما إذا كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب كما صرح به "المنهاج" (1)، وكذا لو عمي ويد المقر في يده .. فيشهد عليه لمعروف الاسم والنسب.
قال شيخنا ابن النقيب: ويظهر مع جهالتهما أيضاً إن كانت يدهما بيده، وضبط المشهود له من المشهود عليه (2). ولا يرد على "المنهاج" و"الحاوي" شهادة الأعمى فيما يشهد فيه بالاستفاضة بشرط أن لا يحتاج إلى تعيين وإشارة؛ فإنها مقبولة، وقد ذكرها "التنبيه" (3) لأن كلامهما فيما يحتاج إلى الإبصار.
ويرد على "التنبيه" و"المنهاج": شهادة الأعمى بالترجمة؛ فإنها مقبولة، وقد ذكرها "الحاوي" (4). ويرد على قول "المنهاج" [ص 571]: (إلا أن يقر في إذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به) وقول "التنبيه" [ص 269]: (وبحمله إلى القاضي) أن لنا غاية أخرى، وهي أن يشهد على شهادته بصيراً، أو يسترعيه حيث تسوغ الشهادة، على الشهادة ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 672]: (إن تعلق بالمقر) لعدم ذكره الغاية.

تَنْبِبيهٌ [أقسام المشهود به]

في "أصل الروضة" عن الشافعي والأصحاب أنهم قسموا المشهود به إلى ثلاثة أقسام: ما يكفي فيه السماع بدون إبصار، وهو ما يشهد فيه بالاستفاضة، وما يكفي فيه الإبصار، وهو الأفعال، وما يحتاج إليهما كالأقوال 209. قال في "المهمات": وليس بحاصر؛ لجواز الشهادة بما علم ببقية الحواس الخمس؛ كما لو اختلفا في حموضة المبيع أو تغير رائحته أو حرارته ونحوها.205206207208

الحديث: 6194 - الجزء: 3 - الصفحة: 688

قلت: والشهادة بالحمل وبالقيمة خارجة عن ذلك كله، والله أعلم.
6195 - قول "المنهاج" [ص 571]: (ومن سمع قول شخص أو رأى فعله؛ فإن عرف عينه واسمه ونسبه .. شهد عليه في حضوره إشارةً، وعند غيبته وموته باسمه ونسبه) فيه أمران: أحدهما: ظاهر إطلاق النسب الاكتفاء بالأب، لكن في "أصل الروضة": إن كان يعرفه باسمه واسم أبيه دون جده .. قال الغزالي: يقتصر عليه في الشهادة، فإن عرفه القاضي بذلك .. جاز، ثم قال: ويحتمل أن يقال هذه شهادة على مجهول؛ فلا تصح كما سبق في القضاء على الغائب أن القاضي لو لم يكتب إلا: (أني حكمت على محمد بن أحمد) .. فالحكم باطل، وقد ذكر الشيخ أبو الفرج أنه إذا لم يعرف نسبه قدر ما يحتاج إلى رفعه .. لا يحل له أن يشهد إلا بما عرف، لكن الشهادة و - الحالة هذه لا تفيد، وقال الإمام: لو لم يعرفه إلا باسمه .. لم يتعرض لاسم أبيه، لكن الشهادة على مجرد الاسم قد لا تنفع في الغيبة.
انتهى 210. ولا منافاة بين كلام الغزالي وبحث الرافعي؛ فإن كلام الغزالي فيما إذا عرف بذلك، وتصويرهم في الغائب لمحمد بن أحمد يدل على عدم معرفته بذلك؛ لكثرة التسمية بهذين الاسمين، فالمدار على المعرفة؛ ويدل لذلك قول الرافعي قبله بعد ذكر اسمه واسم أبيه وجده وحليته وصنعته وإذا حصل الإعلام ببعض ما ذكرناه .. اكتفي به.
انتهى 211. فيدخل فيه ما إذا حصل الإعلام بذكر أبيه خاصة، بل قد يدخل فيه ما إذا حصل الإعلام باسمه خاصة؛ كالشهادة في زمننا على سلطان الديار المصرية والشامية برقوق لا يحتاج معه إلى شيء آخر ولو كان بعد موته، وبهذا يزول الإشكال في الشهادة على عتقاء السلطان والأمراء وغيرهم ببلادنا وغيرها؛ فإنه لا يعرف أنسابهم غالباً، فيكتفي بذكر أسمائهم مع ما حصل به التمييز من أوصافهم، وعليه العمل عند الحكام ببلادنا.
وقال شيخنا في "تصحمِح المنهاج" بعد ذكر هذه النقول: وظهر منها أن المدار على ذكر ما يعرف به كيف ما كان، وقال: إن مقتضى كلام الإمام: أن الشهادة على مجرد الاسم قد تنفع عند الشهرة وعدم المشارك.
انتهى.
ثانيهما: مقتضاه: أن مجرد الموت مانع من الشهادة على عينه، وتتعين فيه الشهادة على الاسم والنسب، وليس كذلك؛ فإنه متى أمكن إحضاره بعد موته؛ ليشهد على عينه .. فُعل، فإن دفن .. لم ينبش، وقد تعذرت الشهادة عليه، قاله في "أصل الروضة"، وقال: كذا قاله القاضي حسين والإمام والغزالي، لكن استثنى الغزالي: ما إذا اشتدت الحاجة إليه ولم يطل العهد بحيث يتغير

الحديث: 6195 - الجزء: 3 - الصفحة: 689

منظره، وهذا احتمال ذكره الإمام ثم قال: والأظهر: ما ذكره القاضي 212، وجزم في "الشرح الصغير" بأنه الأظهر.
6196 - قوله: (فإن جهلهما - أي: اسمه ونسبه - .. لم يشهد عند موته وغيبته) 213 قد يفهم أنه إذا عرف أحدهما .. شهد، قال شيخنا ابن النقيب: لكنه لم يرد ذلك 214. قلت: فكانت العبارة المحصلة لمقصوده: (فإن جهل أحدهما).
6197 - قوله: (ولا يصح تحمل شهادة على متنقبة؛ اعتماداً على صوتها) 215 قال في "أصل الروضة": ولك أن تقول: ينبغي أن لا يتوقف جواز التحمل على كشف الوجه، ولا على المعرفة؛ لأن من أقرت تحت نقاب ورفعت إلى القاضي والمتحمل ملازمها .. أمكنت الشهادة على عينها، وقد يحضر قوم يكتفى بإخبارهم في التسامع قبل أن تغيب المرأة إذا لم يشترط في التسامع طول المدة، فيخبرون عن اسمها ونسبها، فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة يوم كذا حضرت مجلس كذا فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة الحاضرة يومئذ في ذلك المكان هي هذه .. ثبت الحق بالبينتين؛ كما لو قامت بينة أن فلان ابن فلان الفلاني أقر بكذا وقامت أخرى على أن الحاضر هو فلان بن فلان .. ثبت الحق، وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد .. وجب أن يجوز مطلقاً، ثم إن لم يحصل ما يفيد جواز الشهادة على العين أو على الاسم والنسب أو لم ينضم إليه ما يتم به الإثبات .. فذاك لشيء آخر.
انتهى 216. وفي "المهمات": هذا ليس محل خلاف، بل يجوز التحمل فيه قطعاً، وقد صرح بجوازه الروياني وغيره مع حكايتهم الخلاف في أصل المسألة، وقد استدركه عليه ابن الرفعة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا البحث مستقيم وفقهه ظاهر.
6198 - قوله: (ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الأشهر، والعمل على خلافه) 217 يحتمل أن مراده: أن العمل على التحمل عليها بتعريف عدل، وأن العمل على التحمل عليها بتعريف عدلين، وقد حكاهما في "أصل الروضة" وجهين، وحكى الأول منهما عن جماعة

الحديث: 6196 - الجزء: 3 - الصفحة: 690

من المتأخرين 218، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" الأول عن الشيخ أبي محمد، والثاني عن اقتضاء كلام الشيخ أبي حامد، وقال: إن الأول هو المراد بقول "المحرر": (والعمل على خلافه) 219 يعني: عمل جماعة من المتأخرين، أو أن المراد: ما حكاه القاضي حسين أن عادة أهل هراة وغيرها من البلدان أن يأتي المخدرة مع شاهدين يقولان: نشهد أن هذه بنت فلان، وهي تقر بأن لفلان عليّ كذا، فيكتب شهادته على الصك، ثم يؤدي الشهادة.
انتهى.
وقد ظهر بذلك أنه ليس المراد: عمل الأصحاب، بل: عمل بعض الشهود في بعض البلدان، ولا اعتبار بذلك، والله أعلم.
6199 - قوله: (ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي التسجيل .. سجل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب ما لم يثبتا) 220 أي: بالبينة، ولا يكفي في ذلك إقرار من قامت عليه البينة؛ لأن نسب الإنسان لا يثبت بإقراره، كذا في "أصل الروضة" 221. لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع؛ لأمور: منها: قولهم في القضاء على الغائب فيما إذا شهد شهود الكتاب على المسمى فيه: لا على عينه: فاعترف المحضر بأن ذلك اسمه ونسبه، أو أنكر ونكل فحلف المدعي على ذلك .. توجه له الحكم، فدل على ثبوت نسبه بإقراره.
ومنها: ما عليه العمل من أن المشهود عليه يسأل عن اسمه ونسبه، ويجعل ذلك حجة عليه.
ومنها: أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن ائتمن على شيء .. رجع إليه فيه.
قلت: إنما ذلك فيما عليه لا فيما له، ولو ثبت نسبه بإقراره .. لا يسشحق المسطور الذي أقر فيه لشخص مسمى منسوب بدعواه أنه ذلك المسمى والمنسوب، وليس كذلك، بل لا بد من معرفته بذلك بالبينة، والله أعلم 222. 6200 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن كان نسبا أو موتاً أو ملكاً .. جاز أن يتحمل بالاستفاضة) قيده ابن يونس في النسب بالأب، وهو وجه صححه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، والأصح: أن النسب من الأم كذلك، وقد صرح به "المنهاج"، وهو داخل في إطلاق "الحاوي" أيضًا 223، وقول "المنهاج" [ص 572]: (من أب وقبيلة) من تفصيله، واستحسن، والذي في

الحديث: 6199 - الجزء: 3 - الصفحة: 691

"المحرر" إطلاق النسب 224، وشرطه عدم الريبة، فإن وجدت؛ بأن كان المنسوب إليه حياً فأنكر .. لم تجز الشهادة، فإن كان مجنوناً .. جازت على الصحيح كالميت، ولو طعن بعض الناس في ذلك النسب .. امتنعت الشهادة في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 671]: (بلا معارض؛ كإنكار المنسوب إليه، وطَعْنٍ).
6201 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وأما النكاح والوقف والعتق والولاء .. فقد قيل: يشهد فيها بالاستفاضة، وقيل: لا يُشهد) كذا حكى الخلاف في هذه الأربعة، وجزم في الملك بثبوته بالاستفاضة، والذي في كتب الرافعي والنووي حكاية الخلاف في الخمسة 225، وقال في " المحرر": (رجح منهما المنع) 226، وعبر عنه "المنهاج" بالأصح 227، وفي "الشرح الصغير" فيما عدا الملك رجحه كثيرون، وصححه في الملك الغزالي وغيره، وهو الذي يفهم من كون "الحاوي" لم يذكر سوى النسب والموت 228، واستدرك في "المنهاج" فقال [ص 572]: (الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز) قال شيخنا ابن النقيب: كذا رأيته في أصل المصنف: في الجميع، لكنه على كشط، ويوجد في بعض النسخ: في الوقف، والذي في "الروضة" وأصلها: في العتق والولاء والوقف والزوجية وجهان، قال الإصطخري وابن القاص وابن أبي هريرة وأبو على الطبري: نعم، ورجحه ابن الصباغ، وقال أبو إسحاق: لا، وبه أفتى القفال، وصححه الإمام وأبو الحسن العبادي والروياني، وفي "العدة": هو ظاهر المذهب، لكن الفتوى الجواز؛ للحاجة، قال النووي: والجواز أقوى وأصح، وهو المختار.
انتهى 229. وصححه في "تصحيح التنبيه" أيضًا 230، وأما الملك .. ففي "أصل الروضة": فيه وجهان، أقربهما إلى إطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر أنه لا يجوز، وهو محكي عن نصه في حرملة، واختاره جماعة، ثم قال: والجواز مشهور في المذهب، فلعل المانع يكتفي بانضمام اليد، أو التصرف إليه، أو بانضمامهما وإن لم تطل المدة، وإلا .. فهما كافيان إذا طالت في الأصح؛ فلا أثر معهما حينئذ للاستفاضة 231.

الحديث: 6201 - الجزء: 3 - الصفحة: 692

قال شيخنا ابن النقيب: فائدتهما معا الجزم بالجواز حينئذ؛ كما ذكره في "الروضة" قبله بسطر 232. وقال في "المهمات": الصواب الذي عليه الفتوى: المنع؛ فقد نص عليه الشافعي، وحكاه عنه في "الكفاية".
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما نسبه "المنهاج" إلى الأكثرين في المسائل الخمس لا يعرف إلا في الملك، وما صححه من الجواز مخالف لنصوص الشافعي، والفتوى عندنا في الأربعة الباقية على المنع، قال: وظاهر كلامه استواء الجميع في الخلاف، وليس كذلك؛ فالولاء له قرب من النسب، والعتق دونه، والوقف دون العتق، والزوجية دون الكل؛ لما يطرق الزوجية من وجوه الفراق المقتضية لخروجها من الزوجية.
انتهى.
وهنا أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الخلاف في الولاء: ما لم يشتهر اشتهاراً شائعاً في الآفاق؛ كنافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى ابن عباس.
قلت: قد اشتهر في مقسم أنه مولى ابن عباس، وليس مولاه كما قرر في علوم الحديث، فينبغي إجراء الخلاف مطلقاً، والشهرة في المثالين الذين ذكرهما إنما هو لشهرة المذكورين، والله أعلم.
ثانيها: قال شيخنا أيضاً: محل الخلاف: في الوقف الذي لم يشتهر اشتهاراً شائعاً كأرض السواد؛ فإن الشافعي قال فيها بما اشتهر عنده من وقف عمر رضي الله عنه.
ثالثها: قال شيخنا أيضاً: ومحله عندي فيما إذا أضيف إلى ما يصح الوقف عليه، فأما مطلق الوقف .. فلا يجوز أن يكون مالكه وقفه على نفسه واستفاض أنه وقف، وهو وقف باطل، وهذا مما لا توقف فيه.
رابعها: قد يفهم ثبوت شروط الوقف وتفاصيله بذلك، وليس كذلك كما ذكره النووي في "فتاويه"، قال: بل إن كان وقفاً على جماعة معينين أو جهات متعددة .. قسمت الغلة بين الجميع بالتسوية، وإن كان على مدرسة مثلاً وتعذرت معرفة الشروط .. صرف الناظر الغلة على ما يراه من مصالحها 233. واعترض في "المهمات لا على إطلاقه، وقال: الأرجح ما في " فتاوى ابن الصلاح ": أنه إن شهد بها منفردة .. لم تثبت، أو ذاكراً لها في شهادته بأصل الوقف في معرض بيان شرط الواقف ..

الجزء: 3 - الصفحة: 693

سمعت؛ لرجوعه إلى بيان كيفية الوقف، ونُقل من خط ابن الصلاح: أنه لو شهد بالنظر على الوقف الفلاني لزيد من لم يشهد على الواقف ولم يذكر مستنده .. حمل على أن مستنده الاستفاضة، والشروط لا تثبت بمثل ذلك 234. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إطلاق أن الشروط لا تثبت بالاستفاضة غير محقق؛ فالشروط لا تستفيض أصلًا، فإن اتفق شرط يستفيض غالباً؛ ككونه وقفاً على حرم مكة ونحوه .. ففيه الخلاف في ثبوت أصل الوقف بالاستفاضة، وصرح الماوردي بما يقتضيه.
خامسها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل الخلاف في غير حدود العقار؛ فإن الحدود لا تثبت بالاستفاضة كما ذكره ابن عبد السلام في تسجيل له في بركة الحبش وقفت عليه، وفيه: ولم يثبت حدودها؛ إذ الحدود لا تثبت عنده بالاستفاضة، قال شيخنا: وهو معمول به غير أن الحدود لا تستفيض، وفي "تعليق الشيخ أبي حامد" ما يقتضي ثبوتها بالاستفاضة، وهو ممنوع.
سادسها: الخلاف في الملك قولان، أما المنع .. فقد تقدم من كلام "الروضة" أنه محكي عن نصه في حرملة، وأما الجواز .. فهو نصه في "الأم" و"المختصر" كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
سابعها: قيد في "الأم" و"المختصر" الجواز في الملك بألَّا يَرَى منازعاً في ذلك.
6202 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وأقل ما يثبت به الاستفاضة اثنان) أي: عدلان، قيده بذلك "المنهاج" لما حكاه وجهًا، وصدر كلامه بأن شرطه: سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب 235، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 671]: (ممن لا ينحصر)، وعبارة "الروضة": جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب، قال: وينبغي أن لا يشترط فيهم العدالة ولا الحرية والذكورة 236. قال في "المهمات": وما ذكره بحثًا جزم به الماوردي بالنسبة للعدالة، والروياني بالنسبة للحرية والذكورة، وحكى وجهين في انفراد الصبيان به مع شواهد الحال بانتفاء المواطأة.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": اعتبار أن يؤمن تواطؤهم على الكذب لم يذكره الشافعي، وإنما اعتبر بظاهر الأخبار بحيث يثبت في قلب السامع معرفته، وهو المعتمد، وقيد ابن الصباغ وجه الاكتفاء بعدلين بأن يسكن قلبه إلى خبرها، وحكاه عن أصحابنا المتأخرين.

الحديث: 6202 - الجزء: 3 - الصفحة: 694

6203 - قول "التنبيه" [ص 271]: (وإن رأى رجلاً يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة .. جاز أن يشهد له باليد والملك، وقيل: يشهد باليد دون الملك، وهو الأصح) الأصح: الشهادة له بالملك أيضًا، صححه في "المنهاج"، لكنه لم يقيده بعدم المعارضة (1)، ولا بد منه، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 671]: (بطول أو تسامع بلا منازع)، فأشار إلى الاستغناء بالتسامع عن طول المدة، هذا إن قرأته بضم الميم، فقال بعضهم ينبغي: أن يقرأ بفتح الميم عطفاً على (أبصر) ليوافق ما هو أقرب إلى كلام الأكثرين أنه يكفي التسامع وحده من غيرِ يد وتصرف، واختار القاضي والإمام والغزالي أنه يكفي، وهو المنصوص، فينبغي على هذا قراءته بضم الميم، ولا يختص ذلك بالدار كما صوره "التنبيه"، وقد يفهم من قول "المنهاج" [ص 572]: (وشرطه: تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء) و"الحاوي" [ص 671]: (كالبناء والهدم) فقد قال في "أصل الروضة": وسواء العقار والعبد والثوب وغيرها إذا ميز المشهود به عن أمثاله (2)، لكن صحح النووي في اللقيط: أنه لو رأى صغيراً في يد إنسان يأمره وينهاه ويستخدمه .. ليس له أن يشهد له بملكه، إلا إن سمعه يقول: هو عبدي، أو سمع الناس يقولون ذلك (3). قال في "المهمات": وكأن الفرق وقوع الاستخدام في الأحرار كثيراً مع الاحتياط في الحرية.
انتهى.
وقد يفهم من تعبير "المنهاج" أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور، وليس كذلك، بل واحد منها كاف، وليس المراد: اختصاص هذه التصرفات بالملاك، بل الغالب صدورها منهم، ولا يفهم منه الاكتفاء بالتصرف مرة واحدة؛ لاعتباره قبل ذلك طول المدة.

فَصْلٌ [في تحمل الشهادة في النكاح وغيره]

6204 - قول "المنهاج" [ص 572]: (تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح) ألحق به شيخنا في "تصحيح المنهاج" عقد الوكيل المقيد بالإشهاد بحيث لا يصح ذلك المقيد إلا به، فهو كالنكاح في الجزم بأن التحمل فيه فرض كفاية، وفيه نظر، وقرن الماوردي النكاح بالرجعة، وكأنه مفرع على القديم في وجوب الإشهاد عليها.237238239

الحديث: 6203 - الجزء: 3 - الصفحة: 695

6205 - قوله: (وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح) 240 فيه أمور: أحدها: لا معنى لتقييد التصرف المالي؛ فإن الخلاف جار في الطلاق والعتق والرجعة تفريعاً على الجديد؛ ولذلك أطلق "التنبيه" أن تحمل الشهادة فرض كفاية 241. ثانيها: عبر في "الروضة" فيما عدا الصك بالصحيح، وبه قطع العراقيون، وفي كتابة الصك بالأصح، وبه قطع السرخسي 242. ثالثها: يرد عليهما معاً: أن محل الوجوب إذا حضره المتحمل، فإن دعاه .. لم يلزمه في الأصح، إلا أن يكون المحمل معذوراً بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة واعتبرنا التخدر، وكذا إذا دعاه القاضي ليشهده على أمر ثبت عنده .. لزمه الإجابة.
رابعها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله إذا كان المتحملون كثيرين، فإن لم يوجد إلا العدد المعتبر في الحكم .. فهو فرض عين كما جزم به الشيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما، وهو واضح جار على القواعد، وفي كلام الشافعي ما يقتضيه.
انتهى.
وصرح به "التنبيه" فقال [ص 269]: (فإن كان في موضع ليس فيه غيره .. تعين عليه).
خامسها: استثنى ابن يونس في "النبيه" من ذلك: حدود الله تعالى، للندب إلى سترها.
سادسها: قد يفهم من كلامهما أنه لو طلب التحمل من اثنين .. لزمهما كالأداء، وليس كذلك بلا خلاف كما في "أصل الروضة" 243، لكن الخلاف فيه موجود، حكاه الماوردي 244. ويرد على إطلاق "التنبيه" أن أداء الشهادة فرض كفاية: ما إذا لم يكن في القضية إلا اثنان .. فيلزمهما الأداء كما صرح به "المنهاج" 245، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 269]: (فإن كان في موضع ليس فيه غيره .. تعين عليه) وإن كان المتبادر إلى الفهم منه أن هذا الكلام في التحمل.
ويرد على إطلاقه أيضاً: أن لوجوب الأداء شروطاً ذكرها "المنهاج" و"الحاوي"، وعبارته: (إن دُعيَ من العدوى، لا على فاسق إجماعاً، ومعذورٍ بنحو مرضٍ) 246 وسنتكلم على ذلك.
6207 - قول "المنهاج" [ص 572]: (فلو طلب من اثنين .. لزمهما في الأصح) محل الخلاف كما قال الإمام: أن يعلما أن في الشهود من يرغب في الأداء، أو لم يعلما منهم رغبة ولا إباء، فإن

الحديث: 6205 - الجزء: 3 - الصفحة: 696

علما إباءهم .. فليس موضع الوجهين، حكاه عنه الرافعي 247، ومراده: الجزم باللزوم في هذه الصورة كما صرح به في "الشرح الصغير" من غير عزو إليه، فقال: فإن علم المدعوان أن غيرهما يأبى الأداء .. فعليهما الإجابة بلا خلاف، واختصر ذلك في "الروضة" بقوله: وليس موضع الخلاف ما إذا علما من حالهم رغبة أو إباءً 248، وهي عبارة مختلة كما قال شيخنا في "تصحيح المنهاج" فإنهما إذا علما من حال الباقين رغبة .. فهو أحد صورتي محل الخلاف.
وقال شيخنا ابن النقيب: يظهر أن مفهومه أنه إذا علم رغبتهم .. الجواز جزماً، أو إباءهم .. الامتناع جزماً 249. قلتُ: وكان يمكن القول بهذا، لكنه ليس مطابقًا لما حكاه الرافعي عن الإمام، فإن أراد النووي هذا من جهة النقل أو التفقه .. فكان حقه نقل ما حكاه الرافعي عن الإمام.
ثم يزيد ما يرى زيادته، والله أعلم.
6208 - قول "المنهاج" [ص 573] و"الحاوي" [ص 675]: (ولوجوب الأداء شروط: أن يُدعى من مسافة العدوى) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ليس للشافعي نص يقتضيه، ولا هو في كلام العراقيين هنا، وكلامهم دال على اعتبار انتفاء الضرر عن الشاهد، وصرح الماوردي بأنه إذا دعي للأداء إلى موضع يخرج به عن بلده .. فإنه يعذر بالتأخير، قربت المسافة أو بعدت، كان ذا مركوب أو لم يكن 250، ولم يتعرض في "الروضة" وأصلها لطريقة العراقيين في ذلك، وهي قوية تقتضيها نصوص الشافعي.
6209 - قول "المنهاج" [ص 573]: (وقيل: دون مسافة قصر) كذا وقفت عليه، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" لفظه: (وقيل: من مسافة قصر) وقال: إنه وهم، فإن كان كذلك في لفظ "المنهاج" .. فهو وهم بلا شك لكن الذي وقفت عليه في نسخ "المنهاج" ما تقدم.
6210 - قوله: (فإن دُعي ذو فسق مجمع عليه، قيل: أو مختلف فيه .. لم يجب) 251 شرط جريان الوجه في المختلف فيه: أن يكون ظاهراً كما قيده في "الروضة"، بخلاف المجمع عليه لا فرق بين الظاهر والخفي 252، وقد اقتصر "المنهاج" تبعاً "للمحرر" على عدم الوجوب 253،

الحديث: 6208 - الجزء: 3 - الصفحة: 697

وهو الذي يقتضيه قول "الحاوي" [ص 675]: (ويجب أداؤها، لا على فاسق إجماعاً)، لكن الذي في "الروضة" وأصلها في المجمع عليه: أنه يحرم عليه أداء الشهادة 254. وأفهم "المنهاج" و"الحاوي" باقتصارهما على الشروط المتقدمة أنه لو دعي إلى قاض متعنت لا يأمن أن يرده جوراً .. وجبت عليه الإجابة، وهو الأرجح في "الروضة"، وأنه لو دعي للأداء عند أمير أو وزير .. لزمته الإجابة، وبه قال ابن كج إذا علم أنه يصل به إلى الحق، بعد أن نقل عن ابن القطان أنه لا يلزمه، قال في "الروضة": قول ابن كج أصح 255. وقال في "التوشيح": ينبغي أن يحمل على ما إذا علم أن الحق لا يخلص إلا عند الأمير أو الوزير، وإليه يرشد قوله: (إذا علم أنه يصل به إلى الحق) أما إذا علم أن القاضي يقدر على تخليصه .. فلا وجه لإقامة الشهادة عند من ليس أهلاً لسماعها، وقد جزم في "الروضة" في القضاء على الغائب بأن منصب سماع الشهادة يختص بالقضاة، وأفهم كلامهما أيضاً الوجوب فيما لو دُعي لأداء الشهادة عند من لا يعتقد انعقاد ولايته لجهل أو فسق، وكذا ذكره في "الكفاية".
ويرد على "الحاوي" أنه لو لم يكن في القضية إلا شاهد واحد .. لم يلزمه الأداء إلا إن كان مما يثبت بشاهد ويمين، وقد ذكره "المنهاج"، وتناول إطلاقه ما لو دعي لأداء الشهادة عند حنفي لا يقضي بالشاهد واليمين، والأظهر في "الكفاية": أنه لا يجب الأداء في هذه الصورة.
6211 - قول "التنبيه" [ص 269]: (ولا يجوز لمن تعين عليه أن يأخذ أجرة ويجوز لمن لم يتعين) الأصح عند الرافعي والنووي: جواز أخذ الأجرة على التحمل وإن تعين، ومنعه على الأداء وإن لم يتعين، ثم قال الرافعي: ومقتضى قولنا: له طلب الأجرة إذا دعي للتحمل .. أن يطلب الأجرة إذا دعي للأداء، سواء كان القاضي معه في البلد أم لا 256. قال النووي: هذا ضعيف مخالف لكلام الأصحاب، فإن فرض من يحتاج إلى الركوب في البلد .. فهو محتمل، والوجوب ظاهر 257. قلت: فرق الماوردي وغيره بينهما بأن أخذ الأجرة على الأداء يوجب ريبة، على أن الماوردي حكى وجهين فيما إذا كان ممتنعاً عن كسبه بالتحمل أو الأداء، وجعل في أخذ الأجرة عليهما ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز على التحمل دون الأداء 258. وقال الشيخ عز الدين في "القواعد": لا يجوز أخذ الأجرة على تحمل شهادة يبعد تذكرها

الحديث: 6211 - الجزء: 3 - الصفحة: 698

ومعرفة الخصمين فيها؛ لأن باذل الأجرة إنما يبذلها على تقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها، فيصير هنا أخذ الأجرة على شهادة لا يحل له أداؤها.
قال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": ويسأل عن الفرق بين أخذ الأجرة هنا وبين وضع الجذوع إذا قلنا بالقديم.
وهو إجبار الجار عليها؛ فإنه لا أجرة له كما نقله ابن الرفعة عن "المهذب" وغيره 259، ولم يحكِ فيه خلافاً، ويشكل أيضاً على استئجار المسلم على الجهاد؛ فإنهم قالوا: لا يجوز؛ وعللوه بأنه إذا حضر الصف .. تعين عليه، ومن تعين عليه الشيء لا يأخذ عليه أجرة، ثم إنه يشكل على الاستئجار للحج؛ فإنه يجوز وإن قلنا: إن من قصد مكة .. يلزمه الإحرام.
انتهى.
ومحل أخذ الأجرة على التحمل: ما إذا لم يكن له رزق من بيت المال، فإن كان .. لم يجز الأخذ، وكذا حكم كاتب الصكوك، وهو وارد على قول "الحاوي" [ص 675]: (وللكاتب أجره) وقد يحمل الآخر على أعم من المأخوذ من بيت المال، فلا إيراد.
قال أبو الفرج: وإنما يستحقها إذا دعي للتحمل، أما إذا أتاه المشهود عليه .. فلا أجرة له.
6212 - قول "الحاوي" [ص 675]: (وله أجر المركوب وإن لم يركب) أي: من موضعه إلى القاضي كذا أطلقه في "الوجيز" 260، وقيده الإمام والبغوي بمسافة العدوى 261، وجزم به في "الروضة" 262، وضم في "التهذيب" نفقة الطريق إلى أجرة الركوب 263، وفي "تعليق الشيخ أبي حامد": أن الشاهد لو كان فقيراً يكسب قوته يوماً يوماً، وكان في صرف الزمان إلى أداء الشهادة ما يشغله عن كسبه .. لم يلزمه الأداء إلا إذا بذل له المشهود له قدر كسبه في ذلك الوقت، وحكى البغوي وجهين فيما لو أعطاه شيئاً ليصرفه في نفقه الطريق وأجرة المركوب .. هل له أن يصرفه إلى غرض آخر ويمشي؛ وهما كالوجهين فيما لو أعطى فقيراً وقال له: اشتر لك به ثوباً .. هل له أن يصرفه إلى غير الثوب؟ والأصح: الجواز فيهما، كذا في "أصل الروضة" هنا 264، لكن في مسألة الفقير تفصيل مذكور في الهبة، والقياس: طرده في مسألة الشاهد.
قال في "المهمات": ثم إن مشى الشاهد من بلد إلى بلد .. قد يكون خارماً للمروءة قادحاً في قبول الشهادة، فيظهر حينئذ امتناعه في حق من هذا شأنه.

الحديث: 6212 - الجزء: 3 - الصفحة: 699

قلت: وقد لا يكون خارمًا للمروءة؛ لصرفه فيما هو أهم من الركوب من نفقة نفسه وعياله ووفاء دينه، لا أنه يفعل ذلك بخلاً وإيثاراً لتحصيل المال.
6213 - قول "التنبيه" [ص 270]: (ولا تقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه) يقتضي أنه لا يقبل قوله: أشهد أني رأيت الهلال، وبه صرح ابن أبي الدم، لكن صرح الرافعي في صلاة العيد بالاكتفاء بذلك 265، وقال في الشهادة على الزنا: إنهم يقولون: أدخل ذكره في فرجها ... إلى آخره 266، وسبقه إلى ذلك ابن سراقة والقفال وغيرهما، ونص السبكي في "الحلبيات" وخطّأ من أنكره، وأطنب في ذلك، وقال: الرؤية ليست من فعله، وإنما هي أشعة تتعلق بالمرئي 267. نعم؛ النظر من فعله فلا يقول: نظرت، وقد تقدم ذلك في الصيام.
6214 - قوله: (كالمرضعة على الرضاع) 268 محله: ما إذا قالت: أشهد أني أرضعته، أو ادعت أجرة، فإن لم تدع أجرة .. فالأصح: القبول.
6215 - قوله: (والحاكم على الحكم بعد العزل) 269 قال في "التوشيح": تقييده بما بعد العزل لا يتضح؛ فإنه لا تقبل شهادته على فعل نفسه مطلقاً؛ غاية الأمر أن قوله قبل العزل مقبول، لكنه ليس شهادة، وإلا .. لم تقبل منه وحده، بل هو حكم أو إخبار عن الحكم الصادر منه قبل ذلك، وهو مقبول منه؛ لقدرته على الإنشاء.
6216 - قوله: (وقيل: تقبل شهادة القاسم والحاكم) 270 قال في "التوشيح" أيضًا: حكاية الخلاف في القاسم والحاكم مع القطع بالمنع في المرضعة لا يعرف؛ فإنها أولى منهما، وقد جزم في "المهذب" بقبول شهادتهما.
6217 - قوله: (وإن شهد ثلاثة بالزنا .. وجب على الشهود حد القذف في أحد القولين) 271 هو الأصح، فعلى هذا: لا تقبل شهادتهم حتى يتوبوا، والمشهور: قبول روايتهم قبلها، ويمتحن بذلك، فيقال: فاسق تقبل روايته دون شهادته.
ويستثنى من ذلك: ما لو شهد بالجرح وذكر سببه وهو الزنا، ولم يكمل أربعة .. فإنه لا حد عليه على المختار أو الصواب في "الروضة" 272 لأنه مسئول عنها، بخلاف شهود الزنا؛ فإنهم مقصرون.

الحديث: 6213 - الجزء: 3 - الصفحة: 700

6218 - قوله: (وإن شهد أربعة أحدهم الزوج .. فقد قيل: يحد الزوج قولاً واحداً، وفي الثلاثة قولان، وقيل: في الجميع قولان) 273 الأصح: الطريقة الأولى، وأصح القولين: أن الثلاثة يحدون أيضًا، ومحل الطريقين: ما إذا لم يسبق من الزوج قبل شهادته قذف، فإن سبق منه قذف .. حد قطعاً، قاله ابن الصباغ.
6219 - قوله: (ومن شهد بالرضاع .. ذكر أنه ارتضع من ثديها أو من لبن حلب منها، وذكر عدد الرضاع، ووقته) 274 أي: كونه في سن الرضاع وهو الحولان فما دونهما، لا بد أيضاً مع ذكر العدد من التفريق، لكن قال الرافعي: إن ذكر العدد يقتضيه، وقال ابن الرفعة: لا؛ فإن مأخذ ذكره اختلاف الناس، فذكره ينفي احتمال الانتقال من ثدي إلى ثدي، الأصح أيضًا: أنه لا بد من ذكر وصوله إلى الجوف.
6220 - قوله: (وإن شهد بالزنا .. ذكر الزاني وكيف زنى) 275 أوضحه "الحاوي" بقوله [ص 672]: (وللزنا أنه أدخل فرجه في فرجها) والمراد: الحشفة أو قدرها من مقطوعها، وإن كان ظاهر إطلاق الفرج يوهم الجميع.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لنا كلام في الاكتفاء بتغييب الحشفة؛ فإن العمدة في ذلك ما علق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيجاب الغسل عليه بقوله: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" 276، والختان: موضع القطع، وهو وراء الحشفة بقدر أنملة ونحوها، فلابد في تعلق الأحكام من إيجاب الغسل وغيره من دخول الحشفة وما بعدها حتى يدخل موضع القطع، ولم أجد في حديث من الأحاديث تعليق الحكم على الحشفة وعلى هذا فمقطوع الحشفة أو بعضها لابد أن يولج القدر الذي كان يعتبر عند السلامة، وكذا لو خلق لا حشفة له .. فلابد من اعتبار الحشفة وما بعدها إلى موضع القطع، قال شيخنا: وينبغي أن يقول الشاهد في يقظته؛ لأنه قد يدخل ذكره في حال نومه.
6221 - قول "التنبيه" [ص 272]: (وفي أي موضع زنا) لم يتعرض له الرافعي والنووي، وذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وحكاه الماوردي عن أصحابنا، قال: وعلى قياسه زمان الزنا، ثم قال: وليس إطلاق هذا القول عندي صحيحاً، والواجب أن ينظر، فإن صرح بعض الشهود بذكر المكان والزمان .. وجب سؤال الباقين عنه، وإن لم يصرح بعضهم

الحديث: 6218 - الجزء: 3 - الصفحة: 701

به .. لم يسألوا عنه؛ لأنه لو وجب سؤالهم عن الزمان والمكان إذا لم يذكروه .. لوجب سؤالهم عن ثيابه وثيابها، وعن لون المزني بها من سواد أو بياض، وعن سنها من صغيرة أو كبيرة، وعن قدها من طول أو قصر؛ لأن اختلافهم فيه موجب لاختلاف الشهادة، فيتناهى إلى ما لا يحصى، وهذا غير معتبر في السؤال، فكذلك في المكان والزمان، إلا أن يبتدئ بعض الشهود بذكره .. فيسأل الباقون عنه؛ ليعلم ما هم عليه من موافقة واختلاف (1). وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" اعتبار الزمان عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ، ثم قال: والصحيح عندنا: أنه لا يشترط بيان المكان ولا الزمان ولو ذكره بعض الشهود؛ لأنهم لو قالوا: لا ندري في أي زمان كان .. كانت شهادتهم مقبولة، وأما المكان .. ففي نسيانه بعد، لكن لما لم يسأل عنه عمر رضي الله عنه .. دل على أنه ليس بمعتبر، والشافعي لم يعتبره، والمعتمد عدم اعتباره.
انتهى.
6222 - قوله: (ومن كانت عنده شهادة في حد من حدود الله عز وجل؛ فإن رأى المصلحة في الشهادة .. شهد، وإن رأى المصلحة في الستر .. استحب أن لا يشهد) (2) كذا صححه النووي في باب حد الزنا من زيادة "الروضة" (3)، وصحح الرافعي في الموضع المذكور أنه لا يستحب كتمانها؛ لئلا تتعطل (4)، وجزم هو والنووي في باب الشهادات بأن الأفضل فيها الستر (5)، وكذا جزم به النووي من زيادته في آخر الباب الثاني من القضاء (6)، وفي "الكفاية": أن محل ذلك فيما إذا لم يتعلق بتلك الشهادة إيجاب حد على غير مرتكب الجريمة، فإن تعلق به كما إذا شهد ثلاثة بالزنا .. فإنه يجب على الرابع الأداء ويأثم بالتوقف، وحكاه عن "الحاوي" و"البحر".

فَصْلٌ [في الشهادة على الشهادة]

6223 - قول "التنبيه" [ص 272]: (تجوز الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين، وفي حدود الله عز وجل قولان، أظهرهما: أنه يجوز) هو ظاهر إطلاق "الحاوي" قبول الشهادة على277278279280281282

الحديث: 6222 - الجزء: 3 - الصفحة: 702

الشهادة، لكن المذهب في "أصل الروضة": منعه في حدود الله تعالى 283، وهو مفهوم قول "المنهاج" [ص 573]: (وفي عقوبة لآدمي على المذهب) والمراد: منع إثباتها، أما الشهادة بأن القاضي حد فلاناً .. فلا خلاف في جوازه؛ لأنه حق آدمي، فإنه إسقاط حد عنه، قال في " أصل الروضة": ذكره ابن الصباغ، وظاهره أنه من كلامه، وإنما نقله عن ابن القاص، قال ابن القاص: والإحصان كالحد، كذا أطلق نقله عنه في "أصل الروضة" 284، وإنما قاله في إحصان من ثبت زناه، لا مطلقاً كما حكاه عنه ابن الصباغ.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لو خرج على أن شهود الإحصان هل يتعلق بهم الغرم إذا رجعوا .. لكان له وجه، فإذا فرعنا على الأصح أنه لا يتعلق بهم .. دخلته الشهادة على الشهادة، قال: ويحتمل أن لا تدخله الشهادة على الشهادة على المرأتين؛ لأنه على كل حال ترتب عليه قتل الذي ثبت زناه، ثم بحث شيخنا الفرق بين أن يثبت زناه بالإقرار .. فتقبل الشهادة على الشهادة في إحصانه؛ لإمكان رجوعه، وبين أن يثبت بالبينة، وقال: له وجه قوي أقوى من إطلاق الثبوت، قال: ويفهم منه أنه لا يثبت بالشهادة على الشهادة بلوغ من ثبت زناه؛ لأنه يؤول إلى العقوبة، وكذا بقية ما يعتبر في الإحصان، قال: ويزاد عليه لعان الزوج إذا أنكرته المرأة .. لا يثبت بالشهادة على الشهادة؛ لأنه يترتب على لعانه إيجاب الحد على المرأة إذا لم تلاعن، وكذا الشهادة بانتقاض عهد الذمي؛ لتخيُّر الإمام فيه بين أمور فيها القتل، والشهادة على الإمام باختيار القتل، وعلى الحاكم الذي حكم بقتل من نزل على حكمه من الرجال المكلفين، وعلى الحاكم بإيجاب الحد على الزاني.
6224 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وتحمُّلُهَا بأن يسترعيه فيقول: "أنا شاهد بكذا وأشهدك"، أو "اشهد على شهادتي"، أو يسمعه يشهد عند قاض، أو يقول: " أشهد أن لفلانٍ على فلانٍ ألفاً من ثمن مبيع أو غيره") 285 فيه أمور: أحدها: أنه يفهم اختصاص الشهادة بالمسترعي، وليس كذلك، قال في "أصل الروضة": وإذا صح الاسترعاء .. لم يختص التحمل بمن استرعاه 286، ولذلك قال "الحاوي" [ص 672]: (أو أذن فيها) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وظهر بذلك أنه إذا سمع قضاء القاضي بعلمه .. فإنه يجوز أن يتحمل الشهادة على قضاء القاضي وإن لم يسترعه، وكذا المحكم إذا جوزنا حكمه.

الحديث: 6224 - الجزء: 3 - الصفحة: 703

ثانيها: مقتضى كلامهما: أنه لابد مع الإذن من الشهادة على شهادته من أن يخبر أن عنده شهادة بكذا، وليس كذلك؛ ولهذا لم يعتبر "الحاوي" سوى الإذن فيها، لكن مقتضى عبارته الاكتفاء بقوله: (أذنت لك أن تشهد بكذا) وإن لم يقل: (على شهادتي)، ويوافقه تمثيل "أصل الروضة " لذلك بأن يقول: إذا استشهدت على شهادتي .. فقد أذنت لك أن تشهد 287، وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج" باحتماله أن تشهد أنت على ما تعرفه من ذلك، قال: ومقتضى نص الشافعي أنه لابد أن يقول: فاشهد على شهادتي، وفي "الحاوي" للماوردي: لو قال: أشهد أن لفلان على فلان ألفاً، فاشهد أنت بها .. لم يكن استرعاء حتى يقول: فاشهد على شهادتي، نص عليه 288. ثالثها: ذكر "المنهاج" المضارع وهو قوله: (أشهدك) والأمر وهو قوله: (اشهد) واقتصر "التنبيه" على الأمر، وقد يفهم منهما أنه لو قال: (أشهدتك) بلفظ الماضي .. لم يكف، وقد صرح في "أصل الروضة " بالتمثيل بالماضي 289، وقد يقال: إن تعبير "الحاوي" بالإذن لا يتناول الماضي ولا المضارع.
رابعها: يرد على عبارة الثلاثة المحكم، فيكفي أداء الشهادة عنده وإن لم نجوز التحكيم، وينبغي الاكتفاء بأداء الشهادة عند أمير أو وزير؛ بناء على تصحيح النووي وجوب أدائها عنده، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندي يجوز على الوجهين؛ لأن الشاهد لا يقدم على ذلك عند الوزير أو الأمير إلا وهو جازم بثبوت المشهود به، قال: وكذلك لو شهد عند الكبير الذي دخل في القضية بغير تحكيم.
خامسها: نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الطريق الثالث وهو بيان السبب، فقال: لم أقف في نصوص الشافعي رضي الله عنه على ما يقتضي الاكتفاء به، وفي "النهاية " عن الأكثرين: أنه لا يكتفى به، وأنه الأظهر 290، وقال شيخنا المذكور: إنه الصحيح الذي تقتضيه نصوص الشافعي.
6225 - قول "المنهاج " [ص 573]: (وفي هذا وجه) يقتضي أنه ليس في الذي قبله وهو الشهادة عند القاضي، وليس كذلك، وفي الرافعي عن أبي حاتم القزويني وجه أنه لا يكفي أيضاً 291.

الحديث: 6225 - الجزء: 3 - الصفحة: 704

6226 - قول "التنبيه" [ص 272]: (فإن أراد أن يؤدي الشهادة على الشهادة؛ فإن تحمل بالاسترعاء ... إلى آخر كلامه) يفهم أن ذلك على طريقة اللزوم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 573]: (وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل، فإن لم يبين ووثق القاضي بعلمه .. فلا بأس) وهو مفهوم من سكوت "الحاوي" عن بيان جهة التحمل.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": انفرد بذلك الإمام، وهو مخالف لإطلاق الأصحاب، والمعتمد عندي خلافه؛ لأنه وإن كان عالماً بكيفية التحمل قد لا يوافق رأيه رأي الحاكم ولو كان مقلداً لإمام الحاكم؛ لأن المقلدين تختلف آراؤهم على مقتضى مذهب إمامهم، وقال الغزالي: إن له الإصرار، وإن سأله القاضي .. لم يلزمه التفصيل 292، قال شيخنا: وهذا يورث القاضي ريبة في جهة التحمل التي اعتمدها.
6227 - قول "المنهاج" [ص 573]: (ولا يصح تحمل النسوة) لم يصرح به في "المحرر"، وقال في "الدقائق": ليس بزيادة محضة، فإنه يفهم من قول "المحرر" قبل هذا: (إن ما ليس المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال غالباً لا يثبت إلا برجلين).
انتهى 293. ولا يصح تحمل الخنثى المشكل أيضًا، لكن لو بانت ذكورته .. صح تحمله.
6228 - قوله: (فإن حدث - أي: بالأصل - ردة أو فسق أو عداوة .. منعت) 294 أي: شهادة الفرع، و"الحاوي" [ص 672]: (لا إن فسق أو عادى) فيه أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: ما إذا كان الفرع شاهداً على شهادة من قضى بعلمه؛ فإنها شهادة على شهادة ملازمة للقضاء، فإذا حدث من القاضي بعلمه ردة أو فسق أو عداوة .. لم يمنع من قبول شهادة الفرع، ولا يلحق به ما إذا شهد الفرع على شهادة أصل شاهد عند حاكم؛ فإنه إن قضى القاضي بشهادة الأصل .. فليس شهادة على شهادة، وإلا .. فهو منفك عن القضاء بخلاف ما ذكرناه.
ثانيها: أنه تناول ما إذا حدثت العداوة بعد إقامة الفرع شهادته عند الحاكم، وقد قال ابن الصباغ: إن ذلك لا يؤثر في الشاهد الأصلي، وحكاه عن الشافعي، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج ": وليس في كلام غيره ما يخالفه، وفقهه واضح، وهو وارد على إطلاق أن حدوث عداوة مانع من قبول شهادة الفرع.
ثالثها: المراد: حدوث ذلك قبل الحكم بشهادته، ولا أثر لحدوثه بعده، كما صرح به في

الحديث: 6226 - الجزء: 3 - الصفحة: 705

"أصل الروضة" 295، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا مقيد في الفسق والردة بأن لا يكون في حد لآدمي أو قصاص لم يستوف، فإن وجد بعد القضاء وقبل الاستيفاء .. لم يستوف على المذهب كما في الرجوع عن الشهادة.
6229 - قول "المنهاج" [ص 573]: (وجنونه كموته على الصحيح) قد يفهم أن الإغماء ليس كذلك، وقد فصل فيه الإمام فقال: فإن كان غائباً .. لم يؤثر، وإن كان حاضراً .. لم يشهد الفرع، بل ينتظر زواله، لقربه 296، قال الرافعي: ومقتضاه: أن يلحق به كل مرض يتوقع زواله كالإغماء 297، وقال النووي: الصواب: أن المرض لا يلحق به وإن توقع زواله قريباً؛ لأن المريض أهل للشهادة بخلاف المغمى عليه 298. واعترضه في "المهمات": بأنه لا يقتضي بطلان كلام الرافعي، بل يعضده ويقويه؛ لأن وجود الأصل بصفة الشهادة أقرب إلى عدم قبول الفرع من وجوده بصفة يخرج بها عن الأهلية بسبب لا تقصير فيه، والمجنون الحاضر تقبل شهادة فرعه، وإلحاق الإغماء به أقرب من إلحاقه بمرض لا يزيل العقل، فإذا انتظرنا زوال الإغماء، لقربه .. فالمرض القريب أولى، وكأنه توهم أن مراد الرافعي: إلحاق المرض بالإغماء في بطلان شهادة فرعهما.
6230 - قول "التنبيه" [ص 272]: (فإن شهد اثنان على أحد الشاهدين ثم شهدا على الآخر .. ففيه قولان، أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 574]: (وتكفي شهادة اثنين على الشاهدين).
6231 - قول "التنبيه" [ص 272]: (ولا تجوز الشهادة على الشهادة إلا أن يتعذر شهود الأصل بالموت أو المرض أو الغيبة في مسافة تقصر فيها الصلاة) فيه أمور: أحدها: أن المرض والغيبة لا يتعذر معهما حضور شاهد الأصل، فكان ينبغي أن يقول كـ "المنهاج" [ص 574]: (وشرط قبولها: تعذر أو تعسر الأصل) ولم يذكر "الحاوي" تعذراً ولا تعسراً، فسلم من ذلك.
ثانيها: أنه أطلق المرض، وقيده "المنهاج" بأن يشق حضوره معه 299، وقيده في "أصل الروضة" بالمشقة الظاهرة 300.

الحديث: 6229 - الجزء: 3 - الصفحة: 706

ثالثها: أن ذلك لا يختص بالمرض، بل يلحق به خوف الغريم، وسائر ما يترك به الجمعة، كما قال الإمام والغزالي 301، وتبعهما "الحاوي" فقال [ص 672]: (أو به عذر الجمعة)، لكن قال الرافعي والنووي: وليكن ذلك في الأعذار الخاصة دون ما يعم الأصل والفرع؛ كالمرض والوحل 302. واعترضه في "المهمات": أن ذلك لا يستحيل معه الحضور، بل يمكن مع مشقة، فقد يرضى الفرع بالحضور دون الأصل.
رابعها: الأصح: أنه لا يتوقف ذلك على مسافة القصر، بل تكفي الغيبة فيما فوق العدوى، وعليه مشى "الحاوي" 303، وأما قول "المنهاج" [ص 574]: (أو غيبة لمسافة عدوى) فسبق قلم؛ فإن مسافة العدوى كالقريبة، وعبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: على الصواب 304، فسهى "المنهاج" في اختصاره، وقد مشى على الصواب فيما إذا دعي لأداء شهادة في بلد أخرى، وفي سماع الدعوى على غائب، وفي الإعداء على غائب، فجعل فيها مسافة العدوى كالقريبة.
6232 - قول "المنهاج" [ص 574]: (وأن يسمى الأصول) أي: يسمى كل فرع أصله، والمراد: تسمية يحصل بها تعريفهم؛ ولذلك عبر في "أصل الروضة" بقوله: يجب على الفروع تسمية الأصول وتعريفهم 305، وقوله بعد ذلك: (ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم .. لم يجز) 306 قد يدعى أنه تكرر؛ لما سبق من اشتراط تسميتهم، ولكن هذه فيها زيادة تعديل بغير تسمية، فهي أخص مما تقدم، والله أعلم.
6233 - قول "التنبيه" [ص 272]: (وإن شهد شهود الفرع ثم حضر شهود الأصل قبل أن يحكم .. لم يحكم حتى يسمع من شهود الأصل) كذا لو شفوا من مرضهم، وفي معناه: لو أبصروا بعد عماهم، أو أفاقوا من جنونهم أو من إغمائهم إن سوغنا الشهادة على الشهادة معه، وينبغي أنه إذا علم أنهم توجهوا من غيبتهم البعيدة بحيث كانوا وقت أداء الفروع الشهادة في مسافة العدوى فما دونها .. أنه لابد من شهادة الأصول كما قاله البغوي في غيبة الولي، والله أعلم.

الحديث: 6232 - الجزء: 3 - الصفحة: 707

فَصْلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

6234 - قولهما - والعبارة "للتنبيه" -: (وإن شهدوا بحق ثم رجعوا عن الشهادة؛ فإن كان قبل الحكم .. لم يحكم) 307 قد يفهم اختصاص امتناع الحكم بحالة الرجوع، وليس كذلك، بل لو قالوا له: توقف .. وجب عليه التوقف، فلو قالوا بعد ذلك: اقض فإنا على شهادتنا .. جاز القضاء من غير إعادة شهادة على الأصح فيهما، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 681]: (وإن قال: توقف، ثم: اقض .. قضى بلا إعادة) وقال شيخنا الإمام البلقيني: عندي ينبغي أن يسأله عن سببه هل هو لشك طرأ أم لأمر ظهر له؟ فإن قال: لشك طرأ .. قال بيّنه، فإن ذكر ما لا أثر له عند الحاكم .. لم يمنعه من الحكم.
6235 - قول "المنهاج" [ص 574]: (أو بعده وقبل استيفاء مال .. استوفى) كذا العقد كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 308، وكذا الفسوخ تستمر على إمضائها.
6236 - قول "الحاوي" [ص 682]: (وإن قُتل .. قُتل إن قال: تعمدت) أحسن من قول "المنهاج" [ص 574]: (وقالوا: تعمدنا) لأن مقتضى عبارة "المنهاج" أنه لابد أن يقول كل واحد: تعمدت وتعمد صاحبي، وليس كذلك، بل لو قال كل منهم: تعمدت ولم أعلم حال من شهد معي، أو اقتصر على قوله: تعمدت .. لزمهما القصاص أيضاً، كما حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي وغيره، ولو قال أحدهما: تعمدت أنا وصاحبي، وقال الآخر: أخطأت أو أخطأنا .. فلا قصاص على الثاني، ويلزم الأول القصاص على الأصح، ولو قال أحدهما: تعمدت وتعمد صاحبي، وقال صاحبه: تعمدت وأخطا هو .. وجب القصاص على الأول، ولا يجب على الثاني على الصحيح؛ لأنه لم يعترف إلا بشركة مخطئ، ولو رجع أحدهما وأصر الآخر وقال الراجع: تعمدنا .. لزمه القصاص، وإن اقتصر على قوله: تعمدت .. فلا، كذا في "أصل الروضة" 309. وتعقبه شيخنا في "تصحيح المنهاج" في هذه الأخيرة؛ لأن إصرار صاحبه يقتضي أنه تعمد، فهو قاصد لقتله بحق، فكان كشريك القاتل قصاصاً أو القاطع حداً، وذلك مقتضي لإيجاب القصاص على الذي قال: تعمدت.
انتهى.
ولا يرد ذلك أيضًا على قول "التنبيه" [ص 273]: (فإن تعمدوا .. لزمهم القصاص) لأنه رتب

الحديث: 6234 - الجزء: 3 - الصفحة: 708

لزوم القصاص على تعمد كل واحد لا على نسبته التعمد لنفسه ولصاحبه.
ويرد عليهما: أنهم لو قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا، بل ظننا أنه يحبس ونحو ذلك، وكانوا ممن يخفى عليهم ذلك لقرب عهدهم بالإسلام .. فهو شبه عمد، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 682]: (أو ما علمت يقتل بقولي)، ولا بد من تقييده بمن يخفى عليه، ويمكن أن يدرج في عبارته ما إذا قالوا: لم نعلم أنه يقتل بقولنا؛ لأنا ظننا أنا نجرح بأسباب تقتضي الجرح، وقد أدرجها الرافعي في عبارة "الوجيز" ثم قال ويمكن أن يجعل هذا خطأ 310، وأسقط ذلك في "الروضة"، وذكره شيخنا الإمام البلقيني على حاشية "الروضة" بحثاً فقال: ينبغي إذا قالوا: لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا؛ لظهور أمور فينا تقتضي رد شهادتنا عليه ولكن الحاكم قصر في ذلك .. أن يكون شبه عمد أيضاً، ولم أر من تعرض له.
6237 - قول "المنهاج" في المسألة [ص 574]: (أو رجم زناً أو جلده ومات) فيه أمران: أحدهما: لو قال: (أو جلداً) .. لكان أخصر وأعم؛ ليتناول جلد القذف والشرب.
ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يأتي في الجلد ما ذكر من الحكم بعد ذلك؛ فإن جلد الحد لا يقتل غالباً، فلا قصاص، ولا يغلظ الدية تغليظ العمد المحض، فإن خرج الجلد عن الحد حتى صار يقتل غالباً .. فقد خرج عن المقصود، قال: ولم يذكر ما إذا لم يمت من الجلد، وحكمه أنهم يعزرون، وإن حصل أثر يقتضي الحكومة .. وجبت، ولم أر من تعرض له من الأصحاب، وفي نص "المختصر" ما يقتضيه حيث قال: (وما لم يكن من ذلك فيه قصاص .. أغرموه وعزروا) 311. 6238 - قوله: (وإن رجع هُوَ وَهُمْ - أي: القاضي والشهود - .. فعلى الجميع قصاص) 312 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا مخالف لما ذكره في الولي والشهود من أنهم إذا رجعوا .. اختص القصاص بالولي؛ لأنه 313 مستقل كالولي؛ فإنه يمكنه أن لا يحكم ولا يقال: هو ملجأ؛ لأن رجوعه واعترافه بالتعمد يمنع من ذلك، فالأصح: أنه يختص القصاص بالقاضي كما يختص بالولي، وقوله: (إن قالوا: "تعمدنا") 314 فيه ما سبق من أن اعتراف كل واحد بالتعمد كاف.
6239 - قوله: (ولو رجع مزكِّ .. فالأصح: أنه يضمن) 315 قد يفهم أنه لا قصاص عليه؛

الحديث: 6237 - الجزء: 3 - الصفحة: 709

لاقتصاره على الضمان مع ذكره القصاص فيما قبله وبعده، وليس كذلك، فالأصح: أن عليه القصاص عند وجود مقتضيه، وقد صرح بذلك "الحاوي" 316. قال القفال: ومحل الخلاف إذا قال: علمت كذبه، فإن قال: علمت فسقه .. فلا شيء عليه؛ لأنه قد يصدق مع فسقه، وطرده الإمام في الحالين 317. 6240 - قول "المنهاج" [ص 574]: (أو ولي وحده .. فعليه قصاص أو ديه) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله في غير قطع الطريق، فلا أثر فيه لرجوع الولي وحده؛ لأن القتل لا يتوقف على طلبه ولا يسقط بعفوه.
6241 - قوله: (أو مع الشهود .. فكذلك، وقيل: هو وهم شركاء) 318 ما صححه من اختصاص الولي بالقصاص أو الدية فيما إذا رجع مع الشهود لم يصححه في "المحرر"، وإنما قال: (رجح كلًّا مرجحون) 319 فترجيحه من زيادة "المنهاج" بلا تمييز، ونقل الرافعي في "شرحيه" تصحيحه عن الإمام وتصحيح مقابله عن البغوي 320، وعليه مشى "الحاوي" فقال بعد ذكر الشهود [ص 682]: (والولي والمزكي وهم شركاء) وذكر القاضي حسين والمتولي أنه المذهب، وقال في "الروضة": الأصح: ما صححه الإمام، وقد سبق في أول الجنايات القطع به، فهو الأصح نقلاً ودليلاً 321. واعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه لم يسبق في أول الجنايات رجوع الولي والشهود، وإنما سبق اعتراف الولي بعلمه بكذبهما، وهذا أخص منه؛ فإن مجرد رجوع الولي لا يقتضي تكذيب الشهود؛ فإن الولي قد يرجع لأمر قد ظهر له، وذلك الأمر لا يقتضي تكذيب الشهود، فإذا اعترف الولي بتكذيب الشهود فيما شهدوا له به وأقدم على القتل .. فقد صار هو المنفرد بالقتل، ولا شركة بينه وبينهم هنا قطعاً، وأما صورة الرجوع: فقد يقول: تعمدت ذلك ولا أعلم حال الشهود، فهنا في ثبوت الشركة بينه وبينهم الوجهان المذكوران؛ لأنهم يتعاونون على القتل، وإقدام الولي على القتل المستند إلى شهادتهم التي أقاموها بطلب الولي يقتضي أنهم محقون فيما شهدوا به، وما مكنه القاضي من القتل إلا بشهادتهم، ولم يعترف الولي بكذبهم حتى ينقطع التعلق بهم، فظهر بذلك الفرق بين الصورتين.

الحديث: 6240 - الجزء: 3 - الصفحة: 710

والرافعي قد غاير بينهما في الجنايات، فقال فيه: وإن رجع الشهود وقالوا: لم نعلم أنه يقتل بقولنا، أو رجع المزكي أو القاضي إما مع الشهود أو دونهم، أو الولي إما معهم أو وحده، فكل ذلك سيأتي في الشهادات، وإنما يجب القصاص على الشهود إذا أخرجت شهادتهم مباشرة القتل عن أن يكون عدواناً، أما إذا اعترف الولي بكونه عالماً بكذبهم .. فلا قصاص عليهم، قال في "الوسيط"؛ لأنهم لم يلجئوه حساً ولا شرعاً، فصار قولهم شرطاً محضاً كالإمساك 322. قال شيخنا: فقد صرح الرافعي بأن صورة رجوع الولي مع الشهود تأتي في الشهادات، ثم ذكر صورة اعتراف الولي بكونه عالماً بكذب الشهود، وجزم فيها بأنه لا قصاص على الشهود.
6242 - قول "التنبيه" [ص 273]: (فإن رجع شهود الطلاق بعد الحكم؛ فإن كان بعد الدخول .. لزمهم مهر المثل للزوج، وإن كان قبل الدخول .. ففيه قولان، أحدهما: يلزمهم نصف مهر المثل، والثاني: يلزمهم جميعه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 323، وهنا أمور: أحدها: أطلق "التنبيه" الطلاق، وقيده "المنهاج" بالبائن، وفي معناه: ما إذا كان رجعياً ولم يراجع كما صححه في "أصل الروضة" 324، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" 325، والذي في "الكفاية" عن "التهذيب" والقاضي حسين: أنه يغرم في الحال، فإن راجع .. رد، وإلا .. استقر، وبينهما تفاوت، ومشى "الحاوي" على الأول فقال [ص 681]: (لا في الرجعي إن راجع)، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا عندنا غير معتمد، بل الأصح المعتمد: أنه إذا أمكن الزوج الرجعة فتركها باختياره .. لم يغرموا له شيئاً، فال: ولو شهدوا بطلاق رجعي على رجعية .. فأولى بأن لا يغرموا شيئاً.
ثانيها: أنه دخل في عبارتهم: ما لو شهدوا على رجعية بطلاق بائن، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأرجح عندي؛ لأنهم قطعوا عليه ملك الرجعة الذي هو كملك البضع، ولم أر من تعرض لذلك.
ثالثها: يستثنى من وجوب مهر المثل صور: أحدها: إذا لم يرجعوا إلا بعد موت الزوج .. لم يغرموا لورثته شيئاً كما قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج" لأن الغرم للحيلولة بينه وبين بضعه، ولا حيلولة هنا، قال: وهذا فقه ظاهر، ولم أر من تعرض له.

الحديث: 6242 - الجزء: 3 - الصفحة: 711

الثانية: إذا لم يرجعوا إلا بعد أن أبانها بطريق من الطرق على زعمه في بقاء عصمته .. فلا غرم أيضاً على قياس ما تقدم، بل أولى؛ لتقصيره بالبينونة باختياره.
الثالثة: إذا قال الزوج بعد الإنكار إما قبل رجوعهم أو بعده: أنهم محقون في شهادتهم .. فلا رجوع له.
الرابعة: إذا رجعوا عن شهادتهم عليه بالطلاق على عوض على المرأة أو أجنبي قدر مهر المثل أو أزيد .. فلا غرم على قياس ما في "أصل الروضة" عن ابن الحداد والبغوي فيما إذا اشهدوا أنه طلقها بألف ومهرها ألفان .. أن عليهما ألفاً وقد وصل إليه من المرأة ألف 326، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: التغريم، فلا تستثنى هذه الصورة لا في عدم الغرم ولا في غرم تكملة مهر المثل فيما إذا كان العوض المشهود به ألفاً وكان مهر مثلها ألفين.
الخامسة: إذا كان المشهود عليه قناً .. فلا غرم كما قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، لا له؛ لأنه لا يملك شيئاً، ولا لمالكه؛ لأنه لا تعلق له بزوجة عبده، فلو كان مبعضاً .. غرم له الشهود بقسط الحرية، قال: ولم أر من تعرض لشيء من ذلك، قال: ولو كان الرجوع عن الشهادة على مجنون أو غائب .. فالأرجح: أن لوليه أو وكيله تغريمهم، ويحتمل خلافه؛ لأنه لم يوجد منه إنكار.
6243 - قول "المنهاج" [ص 574]: (ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع أو لعان وفرق القاضي فرجعا .. دام الفراق) فيه أمران: أحدهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يكفي التفريق، بل لابد من القضاء بالتحريم، والتفريق يترتب على ذلك؛ لأن القاضي قد يقضي بالتفريق من غير حكم بالتحريم كما في النكاح الفاسد.
ثانيهما: قوله: (دام الفراق) لا يستقيم في الطلاق البائن، فلو عبر بالنفوذ كما في "الحاوي" 327، أو بقوله: (لم يرتفع الفراق) كما في "الروضة" وأصلها .. لكان أولى 328. 6244 - قول "المنهاج" [ص 575]: (ولو شهدا بطلاق وفرق فرجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع .. فلا غرم) كذا لو اعترف الزوج بذلك، وفي معناه: ما لو قامت بينة بأنه كان طلقها قبل ذلك ثلاثاً، وفهم من قوله: (كان بينهما رضاع) أن حدوث رضاع بعد الشهادة بالطلاق، لكونها صغيرة ليس كذلك، لكن قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا غرم في هذه الصورة أيضاً كما تقدم في رجوعهم بعد إبانتها.

الحديث: 6243 - الجزء: 3 - الصفحة: 712

6245 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (ولو رجع شهود مال .. غرموا في الأظهر) 329 عبر في "الروضة" بالمذهب 330، ووقع في "المطلب" أنه عبر بالمذهب عن عدم التغريم، وهو سهو على "الروضة"، وفي "الكفاية" أن النووي صححه.
قال النشائي: ولم أره في شيء من كتبه 331، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن التغريم قديم أو مخرج، ويستثنى من ذلك مسألتان: إحداهما: إذا شهدوا بعوض المال الذي فوتوه بقدر قيمته؛ كأن شهدوا بشفعة أو بيع والثمن مثل القيمة، ثم رجعوا .. فلا غرم كما [حكاه] 332 شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن الماوردي، وقال: إنه فقه ظاهر معمول به.
الثانية: إذا ادعى بالغ في يد إنسان أنه حر، وأن هذا استولى عليه ظلماً، وادعى صاحب اليد أنه رقيقه، وأقام عليه بينة، فحكم الحاكم بها، ثم رجعوا .. لم يغرموا للعبد شيئاً، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: يشهد له أن المنقول فيما إذا ادعى عبد أن مالكه أعتقه، وأجنبي أنه باعه له، فأقر بالبيع .. أنه لا يحلف للعبد قولاً واحداً؛ لأنه لو اعترف له بما ادعاه .. لم يقبل؛ لتعلق حق الأجنبي، ولا يلزمه غرم، قال: وغرم الشهود الراجعين في المال مخرج من غرم القائل: هذا لزيد بل لعمرو، وقد قطعوا في المخرج منه بعدم التغريم.
6246 - قول "التنبيه" [ص 273]: (وإن شهد ستة - أي: بالزنا - فرجع اثنان .. فقد قيل: لا يلزمهما شيء، وقيل: يلزمهما ثلث الدية) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 333، ونص عليه الشافعي في "مختصر البويطي".
6247 - قول "المنهاج" [ص 575]: (وإن نقص النصاب وزاد الشهود عليه .. فقسطٌ من النصاب، وقيل: من العدد) و"الحاوي" [ص 682]: (حصة ما نقص عن أقل الحجة) ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه مخالف لنص الشافعي في "البويطي" على أنه إذا رجع من شهود الزنا ثلاثة من ستة .. فعليهم نصف الدية، قال: فلو قال: كان على الراجع حصة بمقتضى التوزيع على الكل .. لكان موافقاً للنص محصلاً للمقصود.
6248 - قول "المنهاج" [ص 575]: (وإن شهد هو وأربع بمال .. فقيل: كرضاع) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا وجه لم يقل بظاهره أحد؛ فإن قضية كونه كرضاع أنه لو رجع الرجل

الحديث: 6245 - الجزء: 3 - الصفحة: 713

وحده .. لا غرم، وليس كذلك هنا؛ لأن المال لا يثبت بالنسوة المنفردات.
قلت: إنما أراد تشبيهه بالرضاع في حالة رجوع الكل، فيكون عليه ثلث وعليهن ثلثان؛ ويدل لذلك قوله: (والأصح هو نصف وهن نصف) 334 فدل على الرجوع من الكل؛ فإنه لا غرم على من لم يرجع، لكن يشكل على ذلك قوله: (سواء رجعن معه أو وحدهن) 335 فإنه يقتضي تناول كلامه المتقدم رجوع البعض.
6249 - قول "التنبيه" [ص 273]: (وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان ثم رجعوا .. فقد قيل: لا يلزم شهود الإحصان شيء، وقيل: يلزمهم) الأول أصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 336، لكن في "المهمات": أن المعروف الغرم؛ فقد صححه الماوردي وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد" والجرجاني في "الشافي".
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأرجح؛ لأن المزكين داخلون في الضمان على الأصح، وقياسه: غرم شهود الإحصان، والبغوي صحح فيهما: عدم الضمان، وليس بمعتمد في المزكي، فكذا في شهود الإحصان، وعبارة "التنبيه" و"المنهاج" تقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وكذا رجحه في "الشرح الصغير" و"أصل الروضة" 337، وكذا حكاه جماعة، وحكاه الفوراني والإمام والغزالي قولين 338. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والظاهر أن ناقل القولين معه زيادة علم بنسبته ذلك للشافعي رضي الله عنه.


الحديث: 6249 - الجزء: 3 - الصفحة: 714

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل