تحرير الفتاوىكتاب السير
أهل الأثرالأرشيف العلمي

5230 - كذا في "المنهاج" 1، ولو عبر بقتال المشركين كما في "التنبيه" 2 أو الكفار كما في " النبيه " أو بالجهاد .. لكان أولى؛ لأنه المقصود، وإنما عبر بذلك؛ لأن الأحكام المذكورة فيه متلقاة من سير رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته.
5231 - قول "التنبيه" [ص 231، 232]: (الجهاد فرض على الكفاية) محله: ما إذا كان الكفار ببلادهم، فإن دخلوا بلدة إسلام .. لزم أهلها ومن كان منهم دون مسافة القصر الدفع بالممكن، وكذا من على مسافة القصر إن لم يكف أهلها ومن يليهم، وكذا يتعين الجهاد فيما لو أسروا مسلماً وتوقعنا خلاصه، وقد ذكرهما "المنهاج" و"الحاوي" 3، وسيأتي الكلام عليهما، وقد يدل على الأولى قول "التنبيه" [ص 232]: (فإن أحاط العدو بهم وتعين الجهاد .. جاز من غير إذنهم) وقد يقال: لا يلزم من دخولهم بلدة إسلام الإحاطة بهم.
5232 - قول "المنهاج" [ص 518]: (كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، وقيل: عين، وأما بعده .. فللكفار حالان) فيه أمور: أحدها: أن كونه في عهده فرض كفاية إنما هو بعد الهجرة، أما قبلها .. فكان ممنوعا منه، ثم صار بعد الهجرة مباحاً، ثم أمر بقتال من قاتله، ثم أبيح الابتداء به في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقاً.
ثانيها: أنه يقتضي أن الخلاف في ذلك وجهان، وبه صرح في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 4، لكن نص في "الأم" على كونه فرض كفاية 5. ثالثها: كلامه يقتضي أن الجهاد لا يكون في عهده عليه الصلاة والسلام فرض عين، وليس كذلك، بل إذا أحاط العدو بالمسلمين كما وقع في قضية الأحزاب .. صار فرض عين كما تقدم في دخول الكفار بلاد الإسلام.
رابعها: الظاهر أن القائل بأنه فرض عين لا يقول باستمرار ذلك إلى وفاته عليه الصلاة والسلام؛ فإنه يلزم عليه النسخ بعد وفاته، وإنما يقول به حين كان عدد المسلمين قليلاً، فلما كثروا .. صار

الحديث: 5230 - الجزء: 3 - الصفحة: 284

فرض كفاية، وكلام القاضي حسين والماوردي والروياني والدارمي وغيرهم يفهم ذلك، وإن لم يصرحوا به.
5233 - قوله في تفسير كونه فرض كفاية: (إذا فعله من فيهم كفاية .. سقط الحرج عن الباقين) 6 قيده "الحاوي" بأن يكون كل سنة مرّة 7، وفي "التنبيه" [ص 232]: (وأقل ما يجب في السنة مرّة) وفي "أصل الروضة": أنه تحصل الكفاية بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار.
الثاني: أن يدخل الإمام دار الكفر غازياً بنفسه أو بجيش يؤمّر عليهم من يصلح لذلك، وأقله مرة واحدة في كل سنة، وحكاه عن نص الشافعي والأصحاب، ثم قال: وقال الإمام: المختار عندي في هذا: مسالك الأصوليين، وأنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إقامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة، وإذا أمكنت الزيادة .. لا يعطل الفرض، وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي: أن الأموال والعدد لا تواتي لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة.
انتهى 8. ولك أن تقول: المذكور في "الروضة" هو ما يحصل به الحراسة، وهو غير الجهاد.
5234 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وبعلوم الشرع؛ كتفسير وحديث، والفروع) إن كان قوله: (والفروع) معطوفا على: (تفسير) .. اقتضى أن يكون بقي من علوم الشرع شيء لم يذكره، وليس كذلك، وإن كان معطوفاً على: (علوم الشرع) .. اقتضى أن الفروع ليست منها، وليس كذلك.
ثم اعلم أن كون علم الفروع من فروض الكفايات إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، فأما ذاك .. فتعلمه فرض عين؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 609]: (كظاهرِ علمِ صنعتِهِ).
5235 - قول "الحاوي" [ص 603]: (والأمر بالمعروف) زاد "المنهاج" [ص 518]: (والنهي عن المنكر) وهو داخل في الأمر بالمعروف؛ ولذلك حذفه "الحاوي"، فزيادة "المنهاج" له إيضاح، قال الرافعي: والمراد منه: الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته 9، لكن صحح النووي من زيادته: أنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد، وإن قلنا: إنها سنة؛ وعلله: بأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارًا ظاهراً 10.

الحديث: 5233 - الجزء: 3 - الصفحة: 285

وقد يجاب عنه: بأنه ذكر أولا موضع الإجماع، ثم ذكر موضع الخلاف، قالوا: ولو نُصب لذلك واحد .. تعين عليه، وهو المحتسب، ولا يسقط بعلمه أو ظنه أنه لا يفيد، وفي "المهمات": لا نعرف أحدًا قال به، بل نقل الإمام في "الشامل في أصول الدين" عن القاضي أبي بكر: أنهم أجمعوا على عدم الوجوب، ولم يخالفه فيه، وإنما ينكر المجمع عليه، إلا أن يرى الفاعل تحريمه .. فالصحيح في "أصل الروضة" في (الوليمة): أنه كالمجمع عليه 11، ويشكل عدم إنكار المختلف فيه إذا لم يره الفاعل؛ بأن الصحيح: حد الحنفي بشرب النبيذ مع أن الإنكار بالفعل أبلغ من الإنكار بالقول.
5236 - قول "المنهاج" [ص 518]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 603]: (وإحياء الكعبة كل سنة بالزيارة) كذا عبر به في "المحرر" 12، وعبارة "الروضة" وأصلها: بالحج 13، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج بل الاعتكاف، والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك 14، قال النووي: لا يحصل مقصود الحج بذلك؛ لفوات الوقوف والرمي والمبيت وإحياء تلك البقاع بالطاعات 15. قال في "المهمات": وهو غير ملاق له؛ فإن الكلام في إحياء الكعبة لا في إحياء هذه البقاع، وإن كان المتجه في الصلاة والاعتكاف ما ذكره .. فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة، ولو كان الاعتكاف داخل الكعبة؛ لعدم الاختصاص، والمتجه: أن الطواف كالعمرة، وأجاب شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن بحث الرافعي: بأن المقصود الأعظم ببناء البيت الحج، فكان إحياؤه به بخلاف العمرة والاعتكاف والصلاة والطواف.
5237 - قول "الحاوي" [ص 603]: (ودفع الضر عن المسلمين) زاد "المنهاج" [ص 518]: (ككسوة عارٍ وإطعام جائعٍ إذا لم يندفع بزكاةٍ وبيت مالٍ) كذا لو اندفعت بنذر أو وقف أو وصية، وظاهر كلامهما وجوب دفع الضرر وإن لم يبق لنفسه شيئًا، لكن في "زيادة الروضة" عن الإمام في "الغياثي": أنه يجب على الموسر المواساة بما زاد على كفاية سنة 16، ومقتضاه: أنه لا يتوجه فرض الكفاية بمواساة المحتاج على من ليس معه زيادة على كفاية سنة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا لا يقوله أحد.

الحديث: 5236 - الجزء: 3 - الصفحة: 286

5238 - قول "المنهاج" [ص 518] و"الحاوي" [ص 603]: (وتحمل الشهادة) محله: ما إذا حضر إليه المتحمل عليه، فإن دعي إليه .. فالأصح: المنع، إلا أن يكون الداعي قاضياً أو معذوراً بمرض ونحوه.
5239 - قولهما أيضاً: (وأداؤها) 17 قد يرد عليه ما لو كان في الواقعة جماعة وطلب الأداء من اثنين .. فإنه يلزمهما في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" في (الشهادات) 18. 5240 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وجواب سلام على جماعة) أحسن من قول "الحاوي" [ص 603]: (على الجمع) لأن جواب السلام على الاثنين فرض كفاية أيضًا، مع أنهما جماعة وليسا جمعا، وأما جواب السلام على الواحد .. فإنه فرض عين، ويستثنى منه: ما إذا كان المسلّم أو المسلَّم عليه أنثى شابة والآخر رجلاً ولا زوجية بينهما ولا محرمية ولا رق .. فلا يجب الرد، ثم إن سلم هو .. لم يجز لها الرد، وإن سلمت هي .. كره له الرد.
ويستثنى منه أيضًا: وجوب السلام على المجنون والسكران، في وجوبه وجهان بلا ترجيح في "أصل الروضة" 19، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": أنه لا يجب، إلا أن يخاف من تركه شر .. فيجب " دفعا للشر، وصحح في "شرح المهذب" في (الجمعة): أنه لا يجب الرد عليهما ولا يستحب 20، وكذا لا يجب الرد على الفاسق إذا كان في تركه زجر، ولا على المرتد والحربي.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أر في كلامهم التصريح بإيجاب الرد على الذمي، والظاهر أنه يسن الرد عليه ولا يجب، وفي الرافعي في الجزية عن البغوي: أنه لا يجاب 21، وقال النووي: الصحيح بل الصواب: أنه يجاب بما ثبت في الأحاديث الصحيحة: "وعليكم" 22. 5241 - قول "المنهاج" [ص 518]: (ويسن ابتداؤه، لا على قاضي حاجةٍ وأكلٍ وفي حمامٍ، ولا جواب عليهم) و"الحاوي" [ص 610]: (والسلام - لا على المصلي، وقاضي الحاجة، وفي الحمام - سنة) فيه أمور: أحدها: أن "المنهاج" أطلق الأكل كما فعل الجويني والقاضي حسين والمتولي، وحمله الإمام على مَنْ اللقمة في فيه، وكان يمضي زمان في المضغ والابتلاع، ويعسر الجواب في الحال،

الحديث: 5238 - الجزء: 3 - الصفحة: 287

أما بعد البلع وقبل وضع لقمة أخرى .. فلا منع 23، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وما ذكره الإمام أرجح.
قلت: وجزم به النووي في "الأذكار" 24. ثانيها: ما ذكراه في الحمام، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يقم عليه دليل، ولا سيما إذا كان في الموضع الذي يوضع فيه الثياب، والمعتمد عندنا: أنه كغيره، وفي توجيه الرافعي ما يقتضي أنه ليس الكلام في موضع نزع الثياب.
ثالثها: يستثنى أيضًا: المجامع، وهو مفهوم من قاضي الحاجة من طريق الأولى إن لم يكن داخلأ في مسماه، وسلام رجل على شابة أجنبية وسلامها عليه، والسلام على الكافر، وفي زيادة "الروضة": المختار: أنه لا يبدأ المبتدع بالسلام إلا لعذر أو خوف مفسدة 25، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرضوا للمجنون والسكران، والظاهر أنه لا يسن ابتداء السلام عليهما، وقالوا: لا يسلم على من هو في الأذان أو الإقامة أو الخطبة، فلو سلم على المؤذن .. لم يجب حتى يفرغ، وهل الإجابة بعد الفراغ واجبة أو مستحبة؛ لم يصرحوا به، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي يظهر أنه لا يجب، وأطلق الغزالي أنه لا يسلم على المصلي 26، ولم يمنعه المتولي، لكن قال: إذا سلم عليه .. لم يرد حتى يفرغ، ويجوز أن يجيب في الصلاة بالإشارة، نص عليه في القديم، وقيل: يجب الرد بعد الفراغ، والصحيح: أنه لا يجب الرد مطلقًا، فإن قال في الصلاة: (عليكم السلام) .. بطلت، أو: (عليهم السلام) .. لم تبطل، وفي حاضر الخطبة - تفريعا على الجديد: أنه لا يحرم الكلام - ثلاثة أوجه، أصحها عند البغوي: وجوب الرد، والثاني: استحبابه، والثالث: جوازه، وقطع الإمام بأنه لا يجب الرد، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" مقالة البغوي، قال: والقياس: أن هذا يعم كل خطبة، قال: والأرجح: أن الخلاف في غير الخطيب، أما الخطيب .. فلا يجب عليه الرد قطعا؛ لاشتغاله، وفي "أصل الروضة": أنه إذا سُلّم على الملبي .. رد، نص عليه، وزاد النووي: أنه يكره التسليم عليه في حالة التلبية 27، ومقتضاه: أنه لا يجب عليه الرد، ويحمل النص على الاستحباب، وفي زيادة "الروضة" عن الواحدي المفسر: الأولى: ترك السلام على القارئ، فإن سلّم عليه .. كفاه الرد

الجزء: 3 - الصفحة: 288

بالإشارة، ولو رد باللفظ .. استأنف الاستعاذة وقرأ، قال: وفيما قاله نظر، والظاهر أنه يسلَّم عليه، ويجب الرد 28. رابعها: قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جواب عليهم) قد يفهم استواء حكمهم، وليس كذلك، فيكره لقاضي الحاجة والمجامع، ويندب للاَكل ومن في الحمام، وفي الرافعي فيمن سلم على قاضي الحاجة .. هل يستحق الجواب بعد الفراغ؛ فيه جوابان 29، وأسقطه من "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأرجح: أنه لا يستحق، ولكن إن خيف أمر .. رد عليه بعد الفراغ.
5242 - قولهم - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجب الجهاد إلا على ذكر، حر، بالغ، عاقل، مستطيع) 30 أهملوا اشتراط كونه مسلماً؛ لوضوحه، وقد نبه عليه في "الكفاية"، وتعبير "التنبيه" و"الحاوي" باشتراط الذكورة 31، أحسن من قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جهاد على امرأة) لخروج الخنثى بالعبارة الأولى دون الثانية.
ويرد على "التنبيه": أن وصف الحرية لا يعتبر إذا دخل الكفار بلاد الإسلام، وإن حصلت المقاومة بالأحرار على الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" بعد ذلك 32، وسيأتي ما فيه.
5243 - قول "المنهاج" [ص 518]: (ولا جهاد على مريض) و"الحاوي" [ص 603]: (بلا مرض) قيده "التنبيه" بالمريض الذي لا يقدر على القتال 33، وفي معناه: ما إذا لم يقدر على القتال إلا بمشقة شديدة، وخرج بذلك الصداع ووجع الضرس والحمى الخفيفة ونحوها.
5244 - قول "التنبيه" [ص 232]: (إنه لا جهاد على الأعرج) قيده "المنهاج" و"الحاوي بالعرج البين 34، ليخرج عرج يسير لا يمنع المشي ولا الركوب؛ فإنه يجب معه الجهاد.
5245 - قول "المنهاج" [ص 518]: (وأقطع) أي: اليد بكمالها أو معظم أصابعها، ولا يضر قطع أصابع الرجلين إذا أمكنه المشي من غير عرج بيّن.
5246 - قوله: (وأشل) 35 أي: أشل اليد أو أشل معظم أصابعها.

الحديث: 5242 - الجزء: 3 - الصفحة: 289

5247 - قوله: (وكل عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوف الطريق من كفار، وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) 36 يقتضي منع خوف لصوص المسلمين وجوب الحج مطلقًا، ومحله: فيما إذا عم الخوف أهل ناحيته، فإن اختص بإنسان .. لم يمنع ذلك إيجاب الحج عليه، حتى إذا مات ولم يحج .. قضي من تركته كما نص عليه في "الأم" 37. 5248 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والدين الحال يُحرّم سفر جهادٍ وغيره إلا بإذن غريمه) 38 له شرطان: أحدهما: أن محله: في الموسر، فأما المعسر .. فليس له منعه على الصحيح في "أصل الروضة"، وحكى الرافعي عن ابن كج: أنه المذهب 39، لكن في "الكفاية" عن الأصحاب خلافه.
ثانيهما: أن محله: إذا لم يستنبْ من يقضي دينه من مال حاضر، فإن فعل ذلك .. فله السفر بغير إذنه.
5249 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه) يقتضي أن الأصح: منعه في المؤجل أيضًا، وليس كذلك كما صرح "المنهاج" بتصحيحه 40، وهو مقتضى تقييد "الحاوي" بالحال 41، وقال النووي في "تصحيحه": ورجحه المصنف في (باب التفليس) 42، وقال شيخنا الإسنوي في "التنقيح": ما قاله ممنوع، فإن الذي جوزه الشيخ في التفليس إنما هو السفر لا نفس الجهاد، فإنه قال: (وقيل: يمنع من سفر الجهاد) 43، والذي منعه هنا إنما هو نفس الجهاد، فإنه قال: (ولا يجاهد) 44، ولم يتعرض للسفر، فليسا مسألة واحدة كما ذكر، فأي ضرورة إلى ارتكاب دعوى التناقض في كلام الشيخ مع تغاير المحكوم عليه، وسبقه إلى الإشارة لذلك في "الكفاية".
5255 - قول "المنهاج" في الدين المؤجل [ص 519]: (وقيل: يمنع سفراً مخوفاً) أعم من تعبير "التنبيه" بالجهاد 45، وقيد هذا الوجه في "الروضة" بألاَّ يقيم كفيلاً بالدين 46.

الحديث: 5247 - الجزء: 3 - الصفحة: 290

5251 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو إلا بإذنه) 47 يفهم اختصاص ذلك بالأبوين، وليس كذلك؛ فسائر الأجداد والجدات في ذلك كالأبوين، ولو مع وجودهما في الأصح؛ ولذلك عبر "الحاوي" بأصل مسلم 48، وظاهر كلامهم اعتبار ظهور الإسلام؛ فهو الذي تعلق عليه الأحكام، لكن لو علم الولد نفاقهما .. جاز له سفراً لجهاد بغير إذنهما ولو كانا مسلمين في الظاهر، نص عليه في "الأم" 49 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وتناول كلامهم الأصل الرقيق، وهو كذلك على الصحبح، فلو كان الولد رقيقا .. اعتبر في سفر الجهاد وغيره إذن سيده لا أبويه، قاله الماوردي، قال: ويلزم المبعض استئذان الأبوين بما فيه من الحرية والسيد بما فيه من الرق 50. 5252 - قول "المنهاج" [ص 519]: (لا سفر تعلم فرض عين، وكذا كفاية في الأصح) هو مقتضى إطلاق "الحاوي" قوله [ص 603]: (لا للعلم)، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى منه: ما إذا كان السفر مخوفاً .. فإنه لا يسافر لطلب فرض الكفاية، والظاهر سقوط فرض العين عنه كالحج، وما إذا كانت نفقة الأبوين أو أحدهما لازمة له .. فيجب استئذانهما، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من مال حاضر، صرح به الماوردي 51، قال شيخنا: وقضيته: أنه لو كان الفرع تجب نفقته على الأصل .. لم يجز له أن يسافر إلا بإذنه إن كان الفرع أهلاً للإذن، وأن يستنيب في الإنفاق عليه من مال حاضر، ثم ذكر أن القياس: أنه لو أداه نفقة ذلك اليوم وسافر في بقيته .. كان كالمديون بدين مؤجل.
انتهى.
وصحح السبكي في كتاب له في بر الوالدين: أنه يمتنع السفر لتعلم فرض الكفاية إذا منعاه 52 صريحاً.
5253 - قول "الحاوي" [ص 603]: (كسفر البحر والبادية المخطرة للتجارة) يقتضي أنه لا يمنعه سفر التجارة في غيرهما، ولذلك صححه الرافعي والنووي 53، لكن صحح السبكي: أن لهما منعه من سفر التجارة ولو غلب الأمن.

الحديث: 5251 - الجزء: 3 - الصفحة: 291

5254 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا .. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) 54 يستثنى منه صور: أحدها: أن يخاف على نفسه أو ماله .. فلا يجب الرجوع، فلو أمكنه أن يقيم بقرية في الطريق .. لزمه، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 603]: (فإن عجز .. أقام قرية).
ثانيها: أن يخاف انكسار قلوب المسلمين .. فلا يجوز الرجوع، بل يحرم.
ثالثها: أن يكون خروجه بجُعْلٍ مع السلطان .. فلا يرجع كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 55، ونص عليه في "الأم" 56 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5255 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن كان قد حضر الصف .. ففيه قولان) الأظهر: أنه لا يرجع، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 519]: (فإن شرع في قتال .. حرم الانصراف في الأظهر) وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 603]: (لا من القتال) ولو عبرا كـ "التنبيه" بحضور الصف .. لكان أولى؛ لأنه لا يتوقف ذلك على القتال حقيقة، بل التقاء الفريقين كاف في ذلك، وعبر في "الروضة" بالأصح 57، وهو يقتضي أن الخلاف وجهان، والرافعي قال في "الشرح": فيه قولان أو وجهان 58، وجزم في "المحرر" بأنه قولان 59، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم نقف للشافعي رضي الله عنه على نص في عين المسألة، ولكنه لما أجاز الرجوع في غير ما استثناه .. احتمل أن يكون مطلقاً، واحتمل أن يكون ما لم يحضر الصف، فكان الظاهر أن الخلاف وجهان، قال: ومحل الخلاف ما لم يخش انكسار المسلمين، فإن خشي ذلك .. حرم الانصراف.
5256 - قول "المنهاج" [ص 519]: (الثاني: يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن) لا يتوقف ذلك على دخولها، بل لو أظلوا عليها ونزلوا بها قاصدين لها .. كان الحكم كذلك، وكذا لو نزلوا على خراب أو جبل في دار الإسلام بعيد عن البلدان كما حكاه الإمام عن الأصحاب، واختار خلافه 60، وقال النووي: هذا الذي اختاره الإمام ليس بشيء، وكيف يجوز تمكين الكفار من الاستيلاء على دار الإسلام مع إمكان الدفع؟ 61.

الحديث: 5254 - الجزء: 3 - الصفحة: 292

قلت: لم يجوز الإمام في اختياره تمكينهم من دار الإسلام، بل قال: إنه فرض كفاية يجب القيام به، وإنما نفى كونه فرض عين، وعلى الأول مشى "الحاوي" فقال [ص 609]: (ولو خراب الإسلام) فلو صار بينهم وبين بلاد الإسلام دون مسافة القصر .. فقال الماوردي: يتعين فرض القتال على أهل الثغر 62، ومنعه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: الأرجح: بقاء فرض الكفاية، ونازع شيخنا المذكور في أصل هذا الحكم، وقال: جرى نحو ذلك غزوة الأحزاب، ولم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعلم كل وأحد من أهل المدينة بتعين الجهاد عليه، وإنما الحال مستمر على فرض الكفاية، وأطلق الشافعي أن الجهاد فرض كفاية، ولم يستثن من ذلك إلاَّ حالة الزحف التي يحرم فيها الفرار، وقال فيما لو غزا المشركون بلاد المسلمين: لا يضيق على المسلمين أن يتحصنوا من العدو وإن كانوا قاهرين للعدو، وفيما يرون إذا ظنوا ذلك أزيد في قوتهم ما لم يكن العدو يتناول من المسلمين أو أموالهم شيئاً في تحصنهم عنهم، قال شيخنا: وهذا يخالف القول بأن الجهاد صار فرض عين، والمذهب المعتمد ما نص عليه صاحب المذهب، وبه صرح القفال، فقال في هذه الصورة: فإن قامت به طائفة".
سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يقم به أحد .. خرجوا أجمعين.
5257 - قول "المنهاج" في هذه الحالة [ص 519]: (فإن أمكن تأهب لقتال .. وجب الممكن حتى على الفقير وولدٍ ومَدِين وعبد بلا إذن) و "الحاوي" [ص 609]: (فرض على كل قوي، وزال الحجر) ثم قال "المنهاج" [ص 519]: (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار .. اشترط إذن سيده) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هذا الذي ضعفه هو المعتمد في الفتوى، وهو مقتضى نص الشافعي؛ فإنه جعل تولي المسلمين لو غزاهم المشركون كتولي المسلمين من الزحف، ولم يجعل العبد الغازي بغير إذن سيده آثماً بالتولي من الزحف؛ فلذلك لا يتوجه إليه الخطاب فيما إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام وأمكنت المقاومة بالأحرار، قال: وهذان الوجهان لم أرهما إلا في "النهاية" بلا ترجيح 63، وقال الرافعي فيما رجحه: إنه أليق بفقه الباب وأشبه 64، قال شيخنا: وهو ممنوع؛ فالأليق بفقه الباب والأشبه: أنه لا يتوجه الخطاب للعبيد في هذه الحالة؛ لقيام الأحرار بالمطلوب، ولا سيما وقد نص الشافعي على ذلك فوجب اطراح ما يخالفه، ولا ينبغي أن يعد وجهًا.
5258 - قول "المنهاج" [ص 519]: (وإلا؛ فمن قُصِدَ .. دَفَعَ عن نفسه بالممكن إن علم أنه إن أخذ قتل، وإن جوز الأسر .. فله أن يستسلم) محله في الرجل، فأما المرأة إذا علمت امتداد اليد

الحديث: 5257 - الجزء: 3 - الصفحة: 293

إليها بالفاحشة .. فعليها الدفع وإن قتلت، أما إذا لم تقصد بالفاحشة في الحال وتوقعته بعد السبي .. قال الرافعي: فيحتمل جواز الاستسلام الآن، وتدفع حينئذ 65. ومحل الاستسلام عند تجوز الأسر: إذا كان لو امتنع .. لقُتل، وإلا .. فلا يجوز الاستسلام.
5259 - قوله: (ومن هو دون مسافة قصر من البلد كأهلها) 66 يقتضي أنه يصير عليهم فرض عين، حتى على الفقير والولد الذي له أصل حي مسلم والمديون والعبد من غير اعتبار إذن، وأنه يجري في العبيد الخلاف فيما إذا حصلت المقاومة بالأحرار.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا شيء لم يقل به أحد، والإمام الذي سلك هذه الطريقة الضعيفة لم يذكر جميع ذلك صريحا وإن اقتضاه كلامه، واعتبر وجود الزاد فيمن هو دون مسافة القصر.
5260 - قوله: (ومن على المسافة .. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم، قيل: وإن كفوا) 67 مقتضى التعبير: أن المعنى: قيل: وإن كفوا .. تلزمهم الموافقة بقدر الكفاية، وهذا غير مستقيم؛ فكان ينبغي أن يقول: (ومن على المسافة .. قيل: تلزمهم الأقرب فالأقرب، والأصح: إن كفى أهلها .. لم تلزمهم).
5261 - قول "الحاوي" [ص 609]: (أو أسرت مسلماً يُرجى خلاصه .. فرض على كل قوي) أحسن من قول "المنهاج" [ص 519]: (ولو أسروا مسلماً .. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه) لأن تعبير "المنهاج" قد يفهم أن الخلاف في كونه فرض كفاية، وليس كذلك، وإنما الخلاف في فرض العين، وتعبير "الحاوي" صريح في ذلك، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج": أن هذا الخلاف لا وجود له في شيء من كتب الطريقين، وإنما هو تردد للإمام 68، قال: ولا توقف عندنا في أنه لا يكون فرض عين في هذه الصورة، وليس للولد والعبد والمديون الخروج بغير إذن، وحيث كان الجهاد فرض كفاية .. فهو مستمر بحاله، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي وأصحابه؛ والدليل على هذا: أنه كان في الحديبية عند المشركين أسرى رجال ونساء، وجاء بعض الرجال قبل عقد الصلح، وكانت المقاومة ممكنة؛ بدليل قول عمر رضي الله عنه: (فلم نعطِ الدَّنية في ديننا) 69 مع أن في الأعصار تقع أسرى المسلمين في يد الكفار ولم فسمع أن جيشا من جيوش المسلمين تحرك لخلاص أولئك الأسرى.

الحديث: 5259 - الجزء: 3 - الصفحة: 294

فصل [في الاستعانة على الغزو]

5262 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ويكره أن يغزو أحدٌ إلا بإذن الإمام) هو نص الشافعي في "المختصر" 70، وقال في "المنهاج" [ص 519]: (أو نائبه) وعبارة "الحاوي" [ص 606]: (ويكره استقلالاً) وعبارة الإمام: استحب ألَّا يخرجوا إلا بإذن الإمام.
واستثنى منه شيخنا في "تصحيح المنهاج" مواضع: أحدها: أن يفوته المقصود بذهابه للاستئذان.
الثاني: إذا عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنده على أمور الدنيا كما يشاهد.
الثالث: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذن .. لم يؤذن له.
5263 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يستعين بمشرك، إلا أن يكون في المسلمين قلة، والذي بستعبن به حسن الرأي في المسلمين) و"المنهاج" [ص 519]: (وله الاستعانة بكفار نؤمن خياننهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر .. قاومناهم) و"الحاوي" [ص 603]: (وله أن يستعين بكافر مأمون) ذكر الرافعي أن الشرط المذكور في "التنبيه" أولًا والشرط المذكور في "المنهاج" ثانياً يكاد أن يتنافيان؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى .. فكيف يقدرون على مقاومتهما معا لو التأمتا؟ 71 وقال النووي: لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة لا يكثر العَدوُّ بهم كثرة ظاهرة 72. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": في هذا الجواب لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلاً وكان المسلمون مئة وخمسين .. ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافراً .. فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين .. أمكن المسلمين مقاومتهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضاً ففي كتب جمع من العراقيين اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان.
انتهى.
وذكر بعضهم: أن الشرط المذكور في "التنبيه" ثانياً، وهو: حسن رأي المستعان به في المسلمين هو الشرط المذكور في "المنهاج" أولًا، والمقتصر عليه في "الحاوي"، وهو أمن

الحديث: 5262 - الجزء: 3 - الصفحة: 295

خيانته، لكن جعلهما في "الروضة" وأصلها شرطين 73، وحكى في "الروضة" من زيادته على الماوردي شرطاً آخر، وهو: أن يخالفوا معتقد العدوّ؛ كاليهود مع النصارى 74. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كلام الشافعي يدل على أن ذلك غير معتبر؛ فقد غزا صفوان بن أمية وهو مشرك في غزوة حنين وهم مشركون.
واعلم: أن عبارتهم تتناول النساء والصبيان، وفي "الروضة" وأصلها قولان في جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم من غير ترجيح 75. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح عندنا: الجواز؛ فقد جزم به في "الأم" فقال: (ونساء المشركين في هذا وصبيانهم كرجالهم لا يحرم أن يشهدوا القتال) 76، قال: وما ذكره الرافعي عن القفال من القولين لم أقف عليه.
5264 - قول "التنبيه" في المرأة والعبد والصبي [ص 232]: (وإن حضروا .. جاز) فيه أمور: أحدها: مراده: المرأة المسلمة، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم ما تقدم قريباً.
ثانيها: إنما يجوز حضور العبد بإذن الإمام وسيده؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 519]: (وله - أي: الإمام - الاستعانة بعبيد بإذن السادة) و"الحاوي" [ص 603، 604]: (وله أن يستعين بعبد بإذن) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يستثنى منه: العبد الموصى بمنفعته لبيت المال؛ فللإمام الاستعانة به بغير إذن السيد المالك للرقبة، وكذا السفر به بغير إذن المالك على الأصح في "أصل الروضة" في الوصية بالمنافع 77، وكذا المكاتب كتابة صحيحة، وله أن يسافر به بناء على أن للمكاتب السفر بغير إذن السيد، وهو الأظهر.
ثالثها: أن شرط جواز حضور الصبي: أن يكون بإذن الإمام، وقيده "الحاوي" بالمراهق 78، و"المنهاج" بالمراهق القوي 79، وقال الرافعي: ظاهر ما نقله القفال عن الشافعي يقتضي جواز إحضار الذريّة مطلقاً، إلاَّ مَن لا يميز .. يجب ألاَّ يجوز إحضاره 80، وأسقط ذلك في "الروضة"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إذا حصلت من المميز إعانة ورأى الإمام

الحديث: 5264 - الجزء: 3 - الصفحة: 296

استصحابه .. جاز، ونص في "الأم" على ما يقتضيه 81، قال: واعتبار القوة مردود، والمعتبر حصول المنفعة بهم وإن لم يكونوا أقوياء، قال: ومحله ة إذا لم يكن له أصل حي مسلم، فإن كان .. فإذنه معتبر في البالغ؛ ففي المراهق بطريق الأولى.
قلت: وقد يجعل قول "الحاوي" [ص 604]: (بإذن) راجعًا للمراهق والعبد المذكورين قبله على قاعدة الشافعي؛ ويكون لهذا المعنى أطلق الإذن.
قال شيخنا: وليس للوصي منعه من ذلك، والأمر فيه للإمام.
قال في "المهمات": وفيه إشكال مع ما قالوه في المنع من إركاب ماله في البحر الملح وإن كان الغالب السلامة.
قلت: في هذا تمرين على العبادة، بخلاف التجارة بماله؛ لا عبادة فيها مع التعزير، والله أعلم.
5265 - قول "المنهاج" [ص 519]: (وله بذل الأُهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) لا يختص الحكم بالإمام؛ فللآحاد بذله من ماله؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 604]: (ولكل تركيب المسلم ببذل أُهبة).
5266 - قول "المنهاج" [ص 519]: (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) مكرر، تقدم في (الإجارة) 82، وا قتصر "الحاوي" على ذكره هناك 83، وهو داخل في قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يجاهد أحد عن أحد) فإنه يتناول ما إذا كان بعوض وغيره، ويستثنى منه موضعان: أحدهما: العبد، فيه وجهان إن قلنا: (لو وطئ الكفار دارنا .. يتعين على العبيد) .. فهم كالأحرار، وإلا .. جاز، حكاه في "أصل الروضة" عن الإمام 84، ومقتضاه: ترجيح المنع؛ لأن الأصح: تعيينه عليهم لو وطئ الكفار دارنا، لكن تقدم عن شيخنا: أنه رجح في "تصحيح المنهاج" خلافه؛ فلذلك صحح هنا الإجارة إذا آجره مالكه، وصدرت الإجارة مع الإمام.
ثانيهما: غير البالغ ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه لو أجره وليه .. صح؛ فإنه لا يتعين عليه بحضور الصف، ثم استشكله بمنع التغرير بماله في البحر، ثم أجاب عنه: بتمكين النبي صلى الله عليه وسلم من هو دون البلوغ من حضور الجهاد، وعرضه عليه، ورضخه له، وذلك يدل على أن مثل هذا مما يحرص عليه ويتدرب به، ثم ظاهر كلامهم امتناع استئجار المسلم للجهاد ولو

الحديث: 5265 - الجزء: 3 - الصفحة: 297

وردت الإجارة على ذمته، لكن يشكل بجواز إلزام ذمة من لم يحج الحج عن غيره، وحائض خدمة مسجد، وإن امتنع ذلك في إجارة العين.
5267 - قول "المنهاج" [ص 519]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 379]: (ويصح استئجار ذمي للأمام) فيه أمور: أحدها: أنه لا يختص بالذمي، بل يجوز مع المعاهد أيضاً بهُدنة أو أمان، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: في كلام الشافعي والأصحاب ما يقتضيه.
ثانيها: أن محل جواز استئجاره: حيث تجوز الاستعانة، فإن استأجره حيث يمتنع .. فالإجارة باطلة.
ثالثها: أن مقتضى كلامهما: استمرار الإجارة ولو أسلم، لكن مقتضى ما في "أصل الروضة" فيما لو استأجر طاهراً لخدمة المسجد، فحاضت، من انفساخ الإجارة: انفساخها هنا 85، وإليه ذهب شيخنا في "تصحيح المنهاج".
رابعها: يرد على إطلاقهما: أنه لا يصح استئجاره من مال نفسه، بل ولا من سائر أموال بيت المال، وإنما يستاجره من شيء مخصوص، وهو خمس الخمس، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فيما إذا أخرجه قهراً .. قال: (له الأجر من خمس الخمس) 86. خامسها: ليست هذه الإجارة على قياس سائر الإجارات، فلو تعذر سفر الجيش لصلح صدر قبله .. كان عذراَ في فسخ الإجارة، وإن كانت الإجارة لا تنفسخ بالعذر، ويسترجع الإمام منهم ما دفعه إليهم، وإن كان الصلح بعد رده لهم دار الحرب .. لم يسترجع منهم شيئاً؛ لأن مسير الجيش إليهم أثر في الرهبة المفضية للصلح، وإن كان ذلك بعد خروجهم من دار الإسلام وقبل دخولهم أرض الحرب .. ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان حكاهما الماوردي.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح في نظيرها من (الحج): أنه لا يستحق شيئاً، فكذلك الأرجح هنا، وإن كان ترك الجهاد لانهزام العدو استحقوا 87 الأجرة وإن تركوه مع الحاجة إليه .. ردوا من الأجرة بالقسط، وصحح شيخنا تقسيطه على قطع المسافة من بلد الإجارة والقتال في دار الحرب.
5268 - قول "الحاوي" [ص 604]: (فإن أخرج الذمي لا المسلم قهرًا .. له الأجر) قال الرافعي: كذا أطلقوه في المسلم، وفصّل البغوي فقال: إن تعين عليه .. فكذلك، وإلا .. فله

الحديث: 5267 - الجزء: 3 - الصفحة: 298

أجرة الذهاب، وهو تفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه 88. 5269 - قوله: (وإن عين شخصاً لدفن وغسل .. من تركته، ثم بيت المال، ثم سقط) 89 هذا التفصيل استدركه الإمام والغزالي 90، وأطلق مطلقون أنه لا أجرة له، قال الرافعي: والتفصيل حسن؛ فليحمل الإطلاق عليه 91. 5270 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوة حتى يعرض عليه الدين) قال ابن يونس في "التنويه": كلامه يقتضي وجوب عرض الدين عليه؛ أي: يعرفه إياه بأحكامه وتفاصيله، وليس كذلك، وإنما هو مستحب كما صرح به في "المهذب" وغيره؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أغار على بني المصطلق وهم غافلون 92. 5271 - قوله: (ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية) 93 محله: قبل نزول عيسى عليه السلام، فأما بعده .. فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
5272 - قوله: (ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ إلا أن يسمع منهم ما لا يصبر عليه من ذكر الله تعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم) 94 عبر في قتال البغاة بقوله: (ويتجنب قتل رحمه) 95 وتبع في التعبيرين "المختصر" 96، ولا فرق بين البابين كما قاله الأصحاب، نبه عليه في "الكفاية".
وهذا التجنب على وجه الاستحباب؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 519]: (ويكره لغازٍ قتل قريب، ومَحْرَمٍ أشدُّ) وعبارة "الحاوي" نحوه 97، والمراد: المحرم القريب، أما غير القريب من المحارم .. فقال شيخنا ابن النقيب: لم أر من ذكر المنع من قتله 98، ولم يذكر "المحرر" و"الحاوي" الاستثناء الذي في "التنبيه"، واستدركه "المنهاج" بقوله [ص 520]: (إلا أن يسمعه يسب الله أو رسوله).

الحديث: 5269 - الجزء: 3 - الصفحة: 299

5273 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحرم قنل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) محله: ما لم يقاتلوا كما صرح به "المحرر" و"التنبيه" 99، إلا أنه لم يذكر المجنون والخنثى، وليس هذا دفعاً كالصائل، بل يقتلون إذا قاتلوا وإن أمكن دفعهم بغيره.
5274 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزَمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أن محل القولين في الراهب: إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال، وليس كذلك، بل هما جاريان فيه مطلقًا كما أطلقهما في "المختصر" 100، وجرى عليه الأصحاب المعتبرون، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، ويوافقه عبارة "التنبيه" حيث قال [ص 232]: (وفي قتل الشبوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم وأصحاب الصوامع قولان، أصحهما: أنهم يقتلون).
ثانيها: اعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج" بأن المعتمد: القطع بجواز قتل الأجير، وهي طريقة العراقيين، وكذلك الأعمى والضعيف، ولا سيما إن كان الضعيف مرجو الإفاقة.
ثالثها: واعترضه أيضًا بأن من يثبت القولين في الأجير .. لا يخصهما بما إذا لم يكن فيه رأي ولا قتال.
رابعها: نقل شيخنا ابن النقيب: أن الذي رآه في نسخ "المنهاج": (وشيخ وضعيف) بالواو، وأنه رآه كذلك في نسخة "المصنف" بخطه، لكنه مضروب عليه؛ أعني: المعطوف وحرف العطف، وهو قوله: (وضعيف)، قال: والذي رأيته في "المحرر" و"الروضة": (والشيخ الضعيف) بلا واو 101. 5275 - قول "التنبيه" [ص 232]: (ويجوز بياتهم ونصب المنجنيق عليهم ورميهم بالنار) و"المنهاج" [ص 520]: (وإرسال الماء عليهم ورميهم بنار ومنجنيق وتبييتهم في غفلة) و"الحاوي" [ص 604]: (ومنجنيق وتحريق وتغريق) محله: في غير مكة، فلو تحصن بها أو بموضع من حرمها طائفة من الحربيين .. لم يجز قتالهم بما يعم، كما نص عليه في "الأم" في (سير الواقدي) 102، وحمل أبو الفرج الزاز الجواز في غيرها على ما إذا كان بالإمام إليه حاجة أولم يكن فيهم إلا المقاتلة، فإن لم يكن به إليه حاجة وكان فيهم النساء والصبيان .. كره، حكاه عنه

الحديث: 5273 - الجزء: 3 - الصفحة: 300

شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه معتمد، قال: وإنما لا يكون البيات مكروها إذا كان له به حاجة، وإلا .. فهو مكروه وإن لم يكن فيهم إلا المقاتلة؛ لأنه لا يأمن في سواد الليل أن يقتل مسلما من أهل الجيش ظناً أنه كافر.
5276 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين .. لم يمتنع من رميهم، وإن كانوا كثيراً .. لم يرمهم إلا إذا خاف شرهم) طريقة، والمرجح: الجواز لو كانوا كثيرأ؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 520]: (فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر .. جاز ذلك على المذهب) و"الحاوي" [ص 604]: (ولو فيهم مسلم)، وعبارة "أصل الروضة": فيه طرق: المذهب: أنه إن لم يكن ضرورة .. كره، ولا يحرم في الأظهر، وإن كانت لخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به .. جاز، ثم ذكر طريقين آخرين، ثم قال: والمذهب: الجواز وإن علم أنه يصيب مسلما، وهو نص "المختصر" 103. وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن نص "الأم" و"المختصر" الجواز عند الضرورة، ولا خلاف فيه، وأما عند عدم الضرورة .. فقضية نص "الأم" التحريم، وقضية نص "المختصر" أنه غير بيّن التحريم، ولكنه مكروه؛ فإطلاق الجواز على المذهب مخالف النصين جميعاً، قال: والمعتمد عندنا في صورة ألَّا يمكن فتح القلعة إلا بذلك: أنها ليست حالة ضرورة، وفي نص "الأم" ما يقتضيه 104. 5277 - قول "التنبيه" [ص 232]: (وإن تترسوا بالنساء والصبيان في القتال .. لم يمتنع من قتالهم) محله: ما إذا دعت إلى ذلك ضرورة، فإن لم تدع إليه ضرورة .. فالأظهر: تركهم، وعبارة "المنهاج" [ص 520]: (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم .. فالأظهر: تركهم) وكان ينبغي الاقتصار على انتفاء الضرورة؛ فهو المعتبر، وأما الدفع بهم عن أنفسهم .. فليس شرطاً في ذلك؛ وكأنه تصوير للمسألة؛ ويدل على ذلك أن عبارة "أصل الروضة": وإن لم يكن ضرورة؛ بأن كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم 105، ومن العجيب أن "الحاوي" أهمل الشرط الذي هو الضرورة، وذكر التصوير المشترك بين جواز الرمي وعدمه وهو الدفع، فقال: (وإن تترسوا بالنساء لا دفعًا .. ضُرب الترس) 106 وخالف هذا الترجيح في زيادة "الروضة"، فقال: إن الراجح: الجواز 107، ورجحه شيخنا في "تصحيح المنهاج".

الحديث: 5276 - الجزء: 3 - الصفحة: 301

5278 - قول "التنبيه" [ص 232، 233]: (وإن تترسوا بهم - أي: بأسارى المسلمين - في حال القتال .. لم يمتنع من قتالهم، غير أنه يتجنب أن يصيبهم) محله: فيما إذا دعت إليه ضرورة؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 520]: (وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم ندع ضرورة إلى رميهم .. تركناهم، وإلا .. جاز رميهم في الأصح) وتعبيره بالأصح يقتضي قوة الخلاف، وأنه وجهان، وليس كذلك؛ فالتجويز هو نص "الأم" و"المختصر" 108، وقد عبر في "الروضة" بالصحيح المنصوص 109، وعبارة "الحاوي" [ص 606]: (وإن تترسوا بالمسلمين في الصف ولو تركوا انهزمنا، لا كافر بمسلم .. ضُرب الترس) فقيد الجواز بأن يكونوا لو تركوا .. انهزمنا، وهي صورة الضرورة، واستثنى من ذلك مسألة، وهي: ما لو تترس كافر بمسلم .. فلا يجوز قتل المسلم، قال في "الوجيز": وإن خفنا على أنفسنا؛ فإن دم المسلم لا يباح بالخوف 110، وأراد به: ما إذا لم يعم الخوف، وإلا .. يلزم من الكف مفسدة كلية، واحترز بقوله: (في الصف) عما إذا تترسوا بهم في نحو قلعة عند محاصرتها .. فلا نرمي الترس؛ لأنا في غنية عن فتحها.
5279 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على مثْلَيْنَا إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) فيه أمور: أحدها: أن التعبير بالانصراف عن الصف هو كذلك في"الحاوي" 111، ومقتضاه: أنه لو لقي مسلم مشركين .. فله الانصراف مطلقًا؛ إذ لا صف، وهو كذلك في "الروضة" وأصلها، قال: إن طلباه .. فله الفرار، وإن طلبهما .. فهل له أن يولي بعد ذلك؛ وجهان، أصحهما: نعم؛ لأن فرض الجهاد والثبات إنما هو في الجماعة، وحكاه الرافعي عن تصحيح "البحر" 112. وقال الماوردي: إنه الظاهر من مذهب الشافعي 113، لكن قول "التنبيه" [ص 233]: (وليس للمسلم أن ينصرف عن اثنين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) يقتضي منع الفرار في هذه الصورة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج"؛ إنه الأظهر بمقتضى نص الشافعي في "مختصر المزني" فإنه حكى عن ابن عباس: أن من فرّ من ثلاثة .. فلم يفز، ومن فر من اثنين .. فقد فرّ، ثم قال الشافعي: هذا مثل معنى التنزيل، فإذا فرّ الواحد من الاثنين .. فأقل، وساق الكلام على ذلك 114.

الحديث: 5278 - الجزء: 3 - الصفحة: 302

ثانيها: محل ذلك: مع القدرة، فيجوز الانصراف مع العجز، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 607]: (ومن عجز بمرض أو لم يبق معه السلاح أو مات فرسه عاجزاً عن القتال رَاجِلاً) فإن أمكنته الحجارة .. امتنع الانصراف على الأصح عند النووي من زيادته، لكنه في "أصل الروضة" في الباب الأول جعله وجهاً ضعيفاً 115. ثالثها: يستثنى من كلامهم معا: العبد إذا شهد القتال بغير إذن سيده .. فلا يحرم عليه الفرار، وكذلك النساء إذا شهدن القتال ثم ولين .. فلا يأثمن بالتولي، نص عليه في "الأم" 116 كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
رابعها: يستثنى من كلامهم أيضًا: أنه يجوز فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم على الأصح في اعتبار المعنى، كما سيأتي في عكسه في عبارة "المنهاج" و"الحاوي" أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح 117، ففي "أصل الروضة": أنه يجري الخلاف في عكسه، وذكر هذا المثال 118. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وأخذا عكسه في الصورة والمعنى، ولكن عكسه في المعنى يشمل هذا ومئة ضعفاء مع مئتين من أبطالهم، وسيأتي في كلام شيخنا ترجيح اعتبار العدد دون المعنى، والله أعلم.
خامسها: اشترط "الحاوي" في جواز التحيز إلى فئة: ألاَّ تنكسر؛ أي: الفئة المنصرف عنها بانصرافه، فإن انكسرت بذلك .. فلا يجوز الانصراف 119، وتبع في ذلك "الوجيز" 120، وفي كلام الإمام ما يشعر به 121، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم 122. 5280 - قول "المنهاج" [ص 520]: (ويجوز إلى فئة بعيدة في الأصح) عبر في "الروضة" بالصحيح 123، وكان ينبغي التعبير بالنص؛ فإنه المنصوص في "الأم" و"المختصر" 124، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: ما إذا لم يجد فيه قرينة، فإن وجد .. امتنع التحيز إلى

الحديث: 5280 - الجزء: 3 - الصفحة: 303

البعيدة قطعًا، وفي كلام الشيخ أبي حامد عن الشافعي ما يقتضي هذا؛ إذ قال: قال الشافعي: إلا أنهم ينحازون إلى الأقرب فالأقرب منهم، قال شيخنا: وإطلاق ذلك كما في النص وكلام هؤلاء الأصحاب يؤدي إلى أن الجيش أو بعضه ينصرف من وجه العدو بعد الزحف إلى الفئة البعيدة من إمام وغيره بلا سبب، وهذا لا يقوله أحد.
5281 - قوله: (ويشارك متحيز إلى قريبةٍ في الأصح) 125 وهو مفهوم "الحاوي" 126، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه مخالف لنص "الأم" حيث قال: فإن قالوا: ولينا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة .. كانت عليهم سهامهم فيما غُنم قبل أن يولوا، ولو غنموا بعد التولية شيئاً ثم عادوا .. لم يكن لهم سهامهم فيما غنم بعدهم؛ لأنهم لم يكونوا مقاتلين ولا رِدْءًا 127، قال: وظاهر النص أنه في المتحيز إلى فئة قريبة؛ لقوله: (ثم عادوا) وإذا حمل على الأعم .. حصل لنا العمل بظاهر النص، ونقل في "الروضة" وأصلها النص في المتحيز إلى البعيدة 128، وليس كما ذكراه.
5282 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن كان بإزائه أكثر من اثنين وغلب على ظنه أنه لا يهلك .. فالأولى أن يثبت، وإن غلب على ظنه أنه يهلك .. فالأولى أن ينصرف، وقيل: يجب عليه) حمل الإمام هذين الوجهين على ما إذا كان في الثبات نِكاية، قال: فإن كان فيه الهلاك المحض من غير نكاية .. وجب الفرار قطعاً 129، وقال النووي: إنه الحق 130، ثم كلام "التنبيه" يقتضي جواز الانصراف عند الزيادة على الضعف مطلقًا، وبه صرح "المنهاج"، واستثنى منه صورة، فقال: (فإن زاد على مثلين .. جاز الانصراف، إلا أنه يحرم انصراف مئة بَطَلٍ عن مئتين وواحد ضعفاء في الأصح) 131 وذكر "الحاوي" مثله 132، وفي هذا الاستثناء أمران: أحدهما: أن كلامهما يقتضي تخصيص الاستثناء بهذا التصوير، وليس الأمر كذلك، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، قال: وإنما العبرة عند من استثنى هذا الاستثناء بأن يكون مع المسلمين من القوة ما يغلب به على الظن أنهم يقاومون من بإزائهم من العدو الزائد على مثليهم ويرجون الظفر بهم.

الحديث: 5281 - الجزء: 3 - الصفحة: 304

ثانيهما: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ما صححه من إرادة الحال على المعنى مخالف لظواهر نصوص الشافعي التي احتج عليها بظاهر القرآن، وما نقله عن ابن عباس وعليه جرى جمهور أصحاب الطريقين، وهو المعتمد في الفتوى.
5283 - قول "المنهاج" [ص 520]: (وتجوز المبارزة) و"الحاوي" [ص 606]: (إنها لا تكره) قيده "التنبيه" بأن يعرف من نفسه بلاء في الحرب 133. 5284 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن بارز كافر .. استحب لمن عرف من نفسه بلاءً في الحرب أن يخرج إليه) اعتبر "المنهاج" لذلك شرطاً آخر، وهو: أن يكون بإذن الإمام 134، وفي معناه: إذن أمير الجيش، وعبر "المنهاج" عن الشرط الأول: بأن يكون ممن جرّب نفسه 135. واعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه لا يكفي ذلك، بل لا بد معه أن يعرف قوته وجرأته كما صرح به في "الروضة" وأصلها 136. وأقول: المراد: أن يجرب نفسه فيعرف منها القوة والجرأة، وليس المراد: أن يجربها فيعرف منها الضعف والخور، فالمعنى مع هذا مفهوم لا يحتاج للتصريح به، وزاد الماوردي شرطاً ثالثاً، وهو: ألاَّ يدخل بقتل المبارز ضرر على المسلمين بهزيمة تحصل لهم؛ يعني؛ لأنه كبيرهم، فإن كان كذلك .. لم يجز أن يبارز 137، قال شيخنا: وهذا لا بد منه، قال: ويحتمل أن يقال بالكراهة خاصة، واستثنى شيخنا المذكور من ذلك أيضًا: ما إذا كان عبداً أو ذا أصل مأذونا له في الجهاد من غير تصريح بالإذن في المبارزة .. فلا يستحب له.
5285 - قول "التنبيه" [ص 233]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 612]: (وإن شرط ألاَّ تقاتله غيره .. وُفّيَ له بالشرط) كذا لو جرت العادة بأن من بارز لا يقاتله غير من برز إليه .. فتجعل العادة كالشرط على الأصح في "أصل الروضة"، ولم يصرح الرافعي بترجيح من الوجهين، وإنما قال: الذي أورده الروياني في "جمع الجوامع" أنه كالمشروط 138. قال في "الكفاية": وحكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ عن النص، وغيرهم عن نصه في "سير الواقدي"، واختاره في "المهذب" 139.

الحديث: 5283 - الجزء: 3 - الصفحة: 305

5286 - قولهما أيضًا: (إلا أن يثخن المسلم أو ينهزم منه) 140 يفهم أن المراد: انهزام الكافر، لكن حكم انهزام المسلم كذلك؛ فالمراد: انهزام أحدهما، وفي قول "التنبيه" [ص 233]: (فيجوز قتاله) تجوّز؛ فإن إعانة المسلم حينئذ واجبة، وعبر "الحاوي" بالفعل 141. 5287 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن شرط ألَّا يتعرض له حتى يرجع إلى الصف .. وُفّيَ له بذلك) يستثنى منه: ما إذا أعان الكافرَ جمعٌ من الكفار من غير أن يمنعهم من ذلك: وما إذا أثخن المسلم وأراد التذفيف عليه، وإن شرط له ذلك .. فإنه شرط فاسد لا يعمل به، وقد ذكر ذلك "الحاوي، 142، وما إذا ولى عنه المسلم فتبعه.
5288 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ويجوز قطع أشجارهم وتخريب ديارهم) أوضحه "المنهاج" بقوله [ص 520]: (لحاجة القتال والظفر بهم) وقال الماوردي: إذا علمنا أنّا لا نصل إلى الظفر بهم إلا بفعل ذلك .. وجب 143، وصوبه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5289 - قول "المنهاج" [ص 520]: (وكذا إن لم يُرج حصولها لنا، فإن رُجي .. نُدب الترك) فيه أمران: أحدهما: أن المعتبر ظن حصولها لنا، لا مجرد الرجاء؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 234]: (فإن كلب على الظن أنه يحصل لهم .. فالأولى ألاَّ يفعلوا ذلك) و"الحاوي" [ص 606]: (ويكره إهلاك مال ظن حصوله للمسلمين).
ثانيهما: قد عرفت أن الاقتصار على استحباب الترك هو الذي في "التنبيه"، وكذا "المحرر" و"شرح الرافعي" 144، وحكاه الشيخ أبو حامد عن النص، وأن في "الحاوي" الكراهة، وكذا في "أصل الروضة" 145، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد.
5290 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ولا يجوز قتل البهائم إلا إذا قاتلوا عليها) زاد "المنهاج" صورة أخرى فقال [ص 521]: (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) وتناول الصورتين قول "الحاوي" [ص 606]: (وتُقتل الخيل للحاجة) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الصورة الثانية: إنها لا تساوي الأولى في جواز العقر، ولكنا نذبحه للأكل إن كان مأكولاً، فإن لم نتمكن من ذبحه .. لم نتلفه بغير الذبح ولو خفنا رجوعه إليهم وضرره، وكذا غير المأكول لا نذبحه،

الحديث: 5286 - الجزء: 3 - الصفحة: 306

قال: هذا مذهب الشافعي الذي ذكره في كتبه، وجرى عليه أصحابه، وما ذكره الرافعي والنووي في ذلك ليس بمعتمد (1)، وقد سبقهما إليه الماوردي وصاحب "المهذب" (2)، لكن صورة المسألة: بأن يكون الكفار مشاة ونخشى استرجاعهم الخيل وركوبها، والتقوي علينا بها، وهما في ذلك مخالفان لظاهر النص، والمعتمد ما قررناه، هذا معنى كلامه.
5291 - قول "التنبيه" [ص 324]: (وتقتل الخنازير) أي: وجوبًا إن كانت تعدو على الناس، وإلا .. فوجهان، ظاهر نص الشافعي: أنه لا يجب، بل يتخير فيه، ذكره في البيع من "شرح المهذب" (3)، أما الاقتناء .. فلا يجوز بحال.
5292 - قوله: (وتراق الخمور وتكسر الملاهي) (4) قد يخرج ظروف الخمر، والمنقول: أنها إن جاوزت قيمتها أو ساوت مؤنة حملها .. كسرت، وإلا .. حُملت.
5293 - قوله: (ويتلف ما في أيديهم من التوراة والإنجيل) (5) قد يشمل الإحراق، والصحيح في "البحر": المنع؛ لما فيها من اسم الله تعالى، لكن هذا المعنى موجود فيما نقش عليه القرآن، وإحراقه جائز مع الكراهة.

فصل [حكم أسرى الكفار]

5294 - قول "المنهاج" [ص 521]: (نساء الكفار وصبيانهم إذا أسروا .. رقوا) لا يخفى أن المراد: النساء الكافرات؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 233]: (وإن أسر امرأة .. رقت) و"الحاوي" بقوله [ص 605]: (رق غيرٌ) أي: غير الأسير الكامل الذي سنذكره، وعبارته أشمل؛ لدخول المجنون فيها، ولم يصرحوا بذكر الخنثى، وهو كالمرأة، وقال أبو الفتوح: يجوز المن عليه مجانا.
ثم محل ذلك في النساء: إذا لم يقاتلن، فإن قتلت حربية مسلمًا ثم ظفرنا بها .. جاز للإمام قتلها كما تقدم بيانه، فلو قتلت ذميًا .. فقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": أمكن أن يقال بقتلها أيضًا، ولكن الدلالة من السنة إنما وردت فيما إذا قتلت مسلمًا، وفي جواز سبي الراهبة وجهان بناء على قتل146147148149150

الحديث: 5291 - الجزء: 3 - الصفحة: 307

الراهب، كذا في "أصل الروضة" 151، وقد عرفت أن الأظهر: قتله، فيكون الأرجح: سبيها.
5295 - قول "المنهاج" [ص 521]: (وكذا العبيد) و"الحاوي" [ص 605]: (ورق غير) فيه أمور: أحدها: ظاهره أن المراد: عبيدهم الكفار كما سبق في النساء، وليس كذلك، بل المراد هنا: عبيدهم ولو كانوا مرتدين أو مسلمين؛ فإن عبد الحربي لو أسلم في دار الحرب ولم يخرج ولا قهر سيده .. لم يزل ملكه عنه، وإذا سُبي .. يسترق، ولا يجوز المن عليه.
ثانيها: أن العبد لا يتجدد له رق كالمرأة والصبي، بل يستمر رقه، وعبارتهما تُفهِم خلافه.
ثالثها: أن محل ذلك: إذا لم يقتل مسلماً، فإن قتل مسلمًا ثم سُبي .. فلنا قتله كما تقدم في المرأة.
5296 - قول "التنبيه" [ص 233]: (وإن أسر حرًا) أي: بالغاً عاقلاً ذكراً؛ ولهذا عبر "المنهاج" [ص 521] بـ (الأحرار الكاملين) وزاده "الحاوي" إيضاحاً، فعبر [ص 604] ب (الأسير الكامل) وفسره بأنه الرجل الحر العاقل.
5297 - قول "التنبيه" [ص 233]: (فللإمام أن يختار فيه ما يرى المصلحة فيه) و "الحاوي" [ص 604]: (بالمصلحة) المراد بها: الأحظ للمسلمين كما عبر به "المنهاج" 152، قال في "أصل الروضة": وليس التخير بالتشهي، بل يلزم الإمام أن يجتهد، ويفعل من هذه الأمور الأربعة ما هو الحظ للمسلمين 153، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص الشافعي في "الأم" في ترجمة الغلول: أنه مستحب 154، ومال إليه شيخنا، وقال: كيف يلزم هذا وأبو عزة إنما نزله النبي صلى الله عليه وسلم لبناته، وأخذ عليه عهداً ألَّا يعود لقتاله، وليس للمسلمين في ذلك حظ.
انتهى 155. ويقوم مقام الإمام في هذا الاختيار أمير الجيش.
5298 - قول "الحاوي" تبعاً لـ "المحرر": (والفداء بالرجال) 156 كذا في "الروضة" وأصلها 157، ويرد عليه: أنه يجوز أن يفدي به امرأة أو صبياً؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 521]: (وفداء بأسرى).
ويرد عليهم معا: أنه لا بد من اعتبار الإسلام في ذلك؛ ولهذا قال في "التنبيه" [ص 234]:

الحديث: 5295 - الجزء: 3 - الصفحة: 308

(أو بمن أسر من المسلمين) وكذا نص عليه الشافعي والأصحاب.
5299 - قول "الحاوي" [ص 607]: (وفي الكامل قبل الحكم) أي: تجب القيمة أيضاً في قتل الأسير الكامل قبل حكم الإمام فيه بشيء؛ لا يعرف هذا في مذهب الشافعي، وإنما حكاه الماوردي والعمراني عن الأوزاعي 158، والمعروف في المذهب أنه لا شيء عليه سوى التعزير، نص عليه الشافعي وتابعه الأصحاب.
5300 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن أسلم في الأسر .. سقط قتله، وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين، ويرق في الآخر) الأظهر: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 159، وفيه أمور: أحدها: أن محله: ما إذا لم يختر فيه الإمام قبل إسلامه المن أو الفداء، فإن اختار ذلك ثم أسلم .. لم يتخير في الباقي، بل يتعين ما اختاره.
ثانيها: شرط جواز الفداء في هذه الصورة: أن يكون له عزٌّ أو عشيرة يسلم بها دينه ونفسه.
ثالثها: أنكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" القول بتعين الرق، وقال: إنما أخذه من أثبته من نص "المختصر، 160، وإن أسلموا بعد الإسار .. رقوا، وإنما أراد به: أن اختيار الإمام ذلك، ولا يمنع إسلامه الرق كما يمنع القتل؛ بدليل قوله في "الأم": (ولم يخرجه إسلامه من الرق إن رأى الإمام استرقاقه) 161. 5301 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وإسلام كافر قبل ظفر به يعصم دمه وماله وصغار ولده) 162 كذا مجانينهم، وقد ذكره "الحاوي" 163 وسكت عن عصمة دمه؛ لوضوحه، والأنثى في ذلك كالذكر، والجد والجدة كذلك في الأصح، ولو كان الأقرب حيا، والمراد: الأولاد الأحرار، كما نبه عليه في "الكفاية".
5302 - قول "المنهاج" [ص 521] و"الحاوي" [ص 604]: (لا زوجته) خالفه "المنهاج" حيث قال بعده [ص 521]: (وزوجته على المذهب) 164 أي: لا يجوز إرقاق زوجة مسلم، وفي

الحديث: 5299 - الجزء: 3 - الصفحة: 309

"أصل الروضة": أن الخلاف في أن إسلام الحربي هل يعصم زوجته؟ يجيء في استرقاق حربية نكحها مسلم وهي في دار الحرب 165، فالمسألتان عندهم واحدة، وغاير بينهما "المنهاج" 166، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والمذكور هنا هو المعتمد 167. 5303 - قول "المنهاج" [ص 521]: (فإن استرقت .. انقطع نكاحه في الحال) يقتضي أن في استرقاقها خيرة، وليس كذلك، بل ترق بمجرد الأسر، فكان صواب العبارة أن يقول: فإن قلنا: (لا يعصمها عن الرق) ولهذا قال "الحاوي" [ص 604]: (فإن سُبيت .. انقطع نكاحه).
5304 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ويجوز إرقاق زوجة الذمي) يقتضي أنه لا بد من إرقاقها، وليس كذلك، بل ترق بمجرد سبيها، فصواب العبارة: (ويرق زوجة الذمي).
5305 - قوله: (وكذا عتيقُهُ في الأصح) 168 كذا ينبغي أن يقول: على النص؛ لأنه منصوص "الأم" كما حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
5306 - قوله: (لا عتيق مسلم) 169 أي: ولو كان حين أعتقه كافراً لكنه أسلم قبل الأسر، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقل من تعرض لهذا الفرع.
5307 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (وإذا سُبي الزوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين) 170 فيه أمور: أحدها: أن محله في سبي الزوج: ما إذا كان صغيراً أو مجنونًا أو اختار الإمام رقه؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 234]: (وإن استرقه وكان له زوجة .. انفسخ نكاحها) أما لو مَنّ الإمام على الكبير أو فادى به .. استمرت الزوجية.
ثانيها: التقييد بكونهما حرين يقتضي عدم الانفساخ فيما إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقًا، وليس كذلك، فلو كانت حرة وهو رقيق وسبيت وحدها أو معه .. انفسخ أيضًا؛ لأن إطلاق الإخبار محل السبايا يشمل مَنْ زوجها عبد.

الحديث: 5303 - الجزء: 3 - الصفحة: 310

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وكلام الشافعي في "الأم" في الاستبراء دال على ذلك، والحكم في عكسه كذلك إن كان الزوج غير مكلف أو مكلفاً وأرقّه الإمام؛ لأن العلة في انفساخ النكاح زوال ملكه عن أملاكه، فزوجته كذلك فلا يرد ذلك على "الحاوي" لأنه أطلق أولاً انفساخ النكاح بسبي الزوجين أو أحدهما، ثم قال: (لا الرقيقين) 171 فدخل في كلامه أولاً: ما إذا كان أحدهما حراً والآخر رقيقاً.
ثالثها: نازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا كانا رقيقين، وقال: الأصح عندنا بمقتضى إطلاق الإخبار ونصوص الشافعي: أن النكاح ينفسخ بسبيهما أو بسبي الزوجة، فإن سبي الزوج وحده .. ففيه تردد، والأرجح: أنه لا ينفسخ، وتعليل الانفساخ في سبي الزوج الحر بزوال ملكه عن أملاكه؛ فزوجته أولى .. لا يأتي في العبد.
5308 - قول "المنهاج" [ص 521]: (وإذا أُرِقَّ وعليه دين .. لم يسقط) محله: ما إذا كان لمسلم، وكذا الذمي كما أجاب به الإمام والغزالي 172، وذكر البغوي فيه وجهين، فإن كان لحربي .. سقط على الصحيح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 605]: (لا لحربي).
5309 - قولهما أيضًا: (فيُضَى من ماله إن غنم بعد إرقاقه) 173 أي: لا إن غنم قبله، وكذا لو غنم معه كما صححه في "أصل الروضة" 174، وهو داخل في مفهومهما، لكن رجح شيخنا في "تصحيح المنهاج" أنه يقضى مما غنم مع رقه، وأورد شيخنا أيضًا: ما إذا لم يغنم ماله أصلاً، بل عتق وأخذه، قال: فيقضى منه الدين المذكور، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وهو متعين.
قلتُ: هو واضح لا يحتاج لاستدراك؛ لأنهم إنما تكلموا على ما إذا تزاحم أرباب الدين والغنيمة، ولا مزاحمة هنا، فإذا كان الدين .. لم يسقط وماله بيده كيف لا يُقضى منه؟ ! 5310 - قول "الحاوي" [ص 605]: (وسقط له عنه) أي: سقط الدين للحربي عن الحربي فيما إذا استُرق أحدهما، حكاه في "الروضة" وأصلها عن "التهذيب" 175، ونازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيما إذا استرق صاحب الدين؛ لأن سقوط دينه عن الحربي لمجرد زوال الملك منتقض بالمرتد لا يسقط دينه وإن قلنا بزوال ملكه، قال: وهو الذي يقتضيه عموم لفظ "الوسيط" الذي نقله في "الروضة" وأصلها: فيما إذا استرق من له الدين .. من أنه لا تبرأ ذمة من عليه

الحديث: 5308 - الجزء: 3 - الصفحة: 311

الدين، بل هو كودائع الحربي المسبي 176، قالا: ولم ينص في "الوسيط" على حال من عليه الدين، والإمام أجاب بذلك فيما إذا كان الذي عليه الدين مسلماً، قالا: وقد يفهم من هذه الجملة أنه إن كان دين المسترق على مسلم .. طولب به، أو على حربي .. سقط 177، قال شيخنا: وهذا مخالف لتصريح صاحب "التهذيب" ولعموم لفظ "الوسيط" وللدليل الذي قررناه، قال: والمعتمد ما قررناه.
5311 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه ثم أسلما أو قبلا جزية .. دام الحق) قال الرافعي: لا يخفى أنه فيما إذا كان القرض أو الثمن مالاً، بخلاف ما إذا كان خمراً أو خنزيراً 178، وذكره "الحاوي" فقال [ص 605]: (لا خمر) ومفهومهما: أنه لو أسلم أحدهما أو قبل جزية .. لا يدوم الحق، وليس كذلك فيما إذا أسلم صاحب الدين قطعًا، وفيما إذا أسلم المديون على الأظهر.
5312 - قول "المنهاج" [ص 521]: (ولو أتلف عليه فأسلما .. فلا ضمان في الأصح) هو مفهوم قول "الحاوي" [ص 605]: (دينُ عقدهما) وفيه أمور: أحدها: أن محل الخلاف: فيما إذا كان اعتقادهم ضمان ذلك المتلف، وإلا .. فلا ضمان قطعًا، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: هذا يخرج من توجيه مقابل الأصح بأنه لازم عندهم، فكأنهم ترضوا عليه.
ثانيها: لا يختص ذلك بما إذا أسلما، بل لو أسلم المتلف .. جرى الخلاف كما في "أصل الروضة" 179، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وإذا ثبت الخلاف مع إسلام المتلف .. فمع إسلام المتلف عليه أولى، وقد أطلق ذلك في "الوجيز" 180، قال شيخنا: وإن لم يسلم واحد منهما .. فلم يتعرض لها أحد من الأصحاب، والذي عندنا: أنه إن تحاكموا إلينا بعد الأمان .. جاء الخلاف، وإن لم يتحاكموا إلينا .. فلا نتعرض لهم بإلزام ولا بغيره.
ثالثها: أن تعبيره بالأصح يقتضي قوة الخلاف، وليس كذلك؛ فقد قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ضعيف جداً، بل لا يثبت نقله وجها، وبسط ذلك.
5313 - قول "المنهاج" [ص 522]: (والمال المأخوذ من أهل الحرب قهراً غنيمة) تقدم الكلام عليه في (قسم الفيء والغنيمة).

الحديث: 5311 - الجزء: 3 - الصفحة: 312

5314 - قوله: (وكذا ما أخذه واحدٌ أو جمعٌ من دار الحرب سرقةً على الأصح) 181 يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فالأصح نص عليه في "الأم"، واقتضى كلامه أن مقابله أنه فيءٌ، والذي في "الروضة" وأصلها أن مقابله أنه للآخذ 182، وعبارة "المنهاج" محتملة لهما، وقد يقال: قرينة قرنه باللقطة يقتضي أنه للآخذ، وعلى هذا الوجه: لو كان المسروق حراً بالغاً عاقلاً .. فهل ينفرد به الآخذ ويرق بالأخذ أو يتخير الإمام فيه؛ قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أر من تعرض له.
5315 - قوله: (أو وُجد كهيئة اللقطة على الأصح) 183 فيه أمران: أحدهما: أطلق محل الخلاف، وهو مقيد بقيدين: أحدهما: ألاَّ يكون مأخوذاً بالقهر والغلبة، فإن كان كذلك .. فهو غنيمة قطعًا.
الثاني: ألَّا يكون مأخوذاً بقوة الجند، فإن أخذ بقوتهم .. لم يجيء فيه وجه باختصاصه بالآخذ، بل يكون فيئاً، صرح به الإمام والغزالي 184. ثانيهما: تصحيح أنه غنيمة، قال في "أصل الروضة": إنه الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور 185، وليس كذلك، فلم ينص الشافعي على أنه غنيمة، وإنما نص على أنه لا يكون لمن أخذه، وذلك محتمل للغنيمة والفيء، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والأرجح: أنه فيء.
5316 - قوله: (فإن أمكن كونه لمسلم .. وجب تعريفه) 186 فيه أمران: أحدهما: أن مقتضاه: أنه بعد التعريف يمتلكه الآخذ كقاعدة اللقطة، وليس كذلك، بل الجمهور على أنه غنيمة، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الذي أقوله: أنه إن كان الانجلاء عنه بالإيجاف .. فغنيمة قطعا، أو بالإرهاب والإرعاب .. ففيء قطعا، فإن انتفى الأمران .. كان فيئاً على الأرجح.
ثانيهما: مقتضاه: وجوب تعريفه سنة، إلا أن يكون حقيراً كما في اللقطة، وهو ما في "أصل الروضة" عن "المهذب" و"التهذيب"، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يوماً أو يومين، وعن الإمام: يكفي بلوغ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار 187،

الحديث: 5314 - الجزء: 3 - الصفحة: 313

وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم" في "سير الواقدي" أنه قال: (يُعَرَّف، فإن عرفه المسلمون .. فهو لهم، وإن لم يعرفوه .. فهو مغنم) 188، قال شيخنا: فهذا هو المعتمد، وهو خارج عن قاعدة اللقطة، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق التعريف سنة في غير الحقير.
5317 - قول "التنبيه" [ص 234]: (ويجوز أكل ما أصيب في الدار من الطعام) قيده "المنهاج" بأن يعتاد أكله عموماً 189 و"الحاوي" بما يؤكل عادة 190، للاحتراز عن الفانيذ والسكر والأدوية التي يندر الحاجة إليها؛ فإنه إن احتاج إليها مريض ممن شهد الوقعة .. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة، قال الرافعي: وينبغي أن يراجع أمير الجيش فيه 191، ولم يفصح "التنبيه" عن الذي يجوز له ذلك، وقال في "المنهاج" [ص 522]: (وللغانمين) و"الحاوي" [ص 607]: (ويتبسط شاهد الوقعة) وظاهره تناول من له سهم ومن له رضخ، وهو ظاهر إطلاق الشافعي والأصحاب، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لكن مقتضى نص الشافعي: أن الذمي ليس له ذلك؛ حيث قيده بالمسلمين، وهو اللائق بالقواعد.
5318 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وذبح مأكولٍ لِلَحْمِهِ) أي: فيجب رد جلده إلى المغنم إلا ما يؤكل معه، ولا يتخذ منه سِقاء ولا شِرَاكا، وهو مثل قول "التنبيه" [ص 234]: (وذبح ما يؤكل للأكل) ولذلك قال "الحاوي" [ص 608]: (ورد الجلد).
ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في إطلاق ذبح المأكول، وقال: المعتمد منعه مع تيسر السوق، إلا عند الاضطرار كما هو مقتضى السنة الصحيحة الثابتة في "صحيح البخاري" وغيره عن رافع بن خديج قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة، فأصاب الناسَ جوعٌ، فأصبنا إبلاً وغنما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخريات الناس، فعجلوا فذبحوا ونصبوا القدور، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشراً من الغنم ببعير) 192، قال: ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي في "سير الواقدي"، وجرى عليه الشيخ أبو حامد، قال شيخنا: وقول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالصحيح [ص 522]: (وأنه لا تجب قيمة المذبوح) يقتضي أنه لا خلاف في جواز الذبح، وإنما الخلاف في وجوب قيمة المذبوح، وهذا ضعيف.
5319 - قول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالصحيح [ص 522]: (وأنه لا يختص الجواز

الحديث: 5317 - الجزء: 3 - الصفحة: 314

بمحتاجٍ إلى طعام وعلف) عبر عنه في "الروضة" بالأصح 193، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص الشافعي في "الأم".
واعلم: أن الاحتياج لذلك لا بد منه، والخلاف إنما هو في أنه هل يجوز ذلك مع إمكان الاستغناء عنه بغيره؛ فعبارته ليست وافية بذلك.
5320 - قوله: (وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) 194 يقتضي جوازه لمن لحق بعد الحرب قبل الحيازة، وكذا تقتضيه عبارة "الروضة" 195، لكن تخصيص "الحاوي" ذلك بشاهد الوقعة يقتضي خلافه 196، ويوافقه أن الأصح: عدم استحقاقه في هذه الصورة من الغنيمة، فيحتاج على طريقة "المنهاج" إلى الفرق بين التبسط والغنيمة.
5321 - قول "الحاوي" [ص 607]: (وملك مجاناً) أي: وملك شاهد الوقعة ما يتبسط فيه مما يجوز التبسط فيه مجاناً، كذا أوضحه البارزي وغيره تبعاً لـ "التعليقة"، وهو خلاف المنقول؛ فإن الذي في الرافعي وغيره في عدة مواضع أنه يباح له الأخذ ولا يملكه 197، إلا أن يريد: أنه بعد الأخذ يصير ملكأله كما في الضيف على اختلاف فيه، ولم ير من تعرض لذلك، والله أعلم.
5322 - قول "التنبيه" [ص 234، 235]: (وإن خرجوا إلى دار الإسلام ومعهم شيء من الطعام .. ففيه قولان، أحدهما: يجب رده إلى المغنم، والثاني: لا يجب) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي"، و"المنهاج" 198، لكن عبارته تقضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، وإنما هو قولان كما في "التنبيه"، وكذا هو في "الروضة" وأصلها 199. 5323 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وموضع التبسط دارهم، وكذا ما لم يصل عمران الإسلام في الأصح) و"الحاوي" [ص 607]: (قبل الرجوع إلى عمران الإسلام) فيه أمور: أحدها: أن محله: ما إذا كان الجهاد في دارهم، فإن كان في دار الإسلام .. جاز التبسط كما ذكره القاضي حسين، وارتضاه شيخنا في "تصحيح المنهاج".
ثانيها: يستثنى منه ما إذا لم يصل عمران الإسلام ولكن وصل لبلد كفار أهل هُدنة لا يمتنعون من متابعة من يطرقهم من المسلمين .. فقال الإمام: الظاهر وجوب الكف عن أطعمة المغنم في

الحديث: 5320 - الجزء: 3 - الصفحة: 315

دارهم؛ لكونها في قبضة الإمام، حكاه عنه في "أصل الروضة" من غير اعتراض 200. ثالثها: يستثنى من عمران الإسلام العمران الذي ليس فيه ما يحتاجون إليه من الطعام والعلف؛ فإنه لا أثر له في منع التبسط على الأصح؛ لبقاء المعنى.
5324 - قول "المنهاج" [ص 522]: (ولغانم رشيد ولو محجور عليه بفلس الإعراض عن الغنيمة قبل قسمة) فيه أمور: أحدها: أن اعتبار الرشد ليس في "المحرر"، وليس في كلام الشافعي، وقد اعتبره "الحاوي" أيضاً تبعاً لقول الإمام: في صحة إعراض السفيه تردد 201، ولعل الظاهر المنع، فلو فك حجره قبل القسمة .. صح إعراضه، وقد حكاه عنه في "الروضة" وأصلها، وأقره 202، وإنما فرعه الإمام على أنه يملك لمجرد الاغتنام؛ فإنه قال بعد كلامه المتقدم: وإن قلنا: لا ملك للغانم .. فقد ينقدح عليه تردد؛ بأن حقه من المغنم هل يسقط بالإعراض 203؟ وصرح به في "البسيط" فقال: والسفيه يلزم حقه على قولنا: يملك، ولا يسقط بالإعراض إلا على قولنا: إنه لا يملك.
انتهى.
وسيأتي أن الأصح: أنه لا يملك إلا بالقسمة؛ فيكون الأصح: صحة إعراضه؛ ولذلك لا يجب، قال - فيما إذا عفا السفيه عن القصاص وأطلق، وفرعنا على أن الواجب القود عيناً مع أنه كان يمكنه جلب المال بالعفو عنه -: وقد سوّوا بينه وبين المحجور عليه بالفلس هناك، فينبغي التسوية بينهما هنا؛ ولذلك قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": الراجح: الجواز.
ثانيها: يستثنى منه: العبد؛ فلا يصح إعراضه، وإنما المعتبر إعراض مالكه؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 608]: (والمعرض المكلف الرشيد الحر أو السيد) ولو حذف التكليف .. لاستغني عنه بالرشد، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": يصح إعراض المكاتب، ولا يتخرج على الخلاف في تبرعاته، إلا عند من اعتبر رشد المعرض، ولو أوصى بإعتاق عبده وهو يخرج من الثلث فاستحق الرضخ .. يصح إعراضه عنه، بناء على النص أن كسبه قبل إعتاقه يكون له إذا أعتق، والمبعض إن كان بينه وبين سيده مهايأة، فالاعتبار بمن وقع الاستحقاق في نوبته بناء على الأصح،

الحديث: 5324 - الجزء: 3 - الصفحة: 316

وهو دخول الناذر في المهايأة، وإلا .. فيصح إعراضه عن المختص به دون المختص بالمالك، قال شيخنا: ولم أر في كلامهم التعرض لشيء من ذلك.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (قبل قسمة واختيار بملك) كما عبر به "الحاوي" 204. رابعها: لا يجوز جر قوله: (ولو محجور) على أنه صفة لغانم، بل هو منصوب بـ (كان) المحذوفة بعد لو، ورفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف بعيد.
قول "المنهاج" [ص 522]: (والأصح: جوازه بعد فرز الخمس) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك؛ فالمصحح منصوص، ومقابله خرّجه ابن سريج عليه كما في "الروضة" وأصلها 205. 5325 - قوله: (وجوازه لجميعهم) 206 وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" 207، نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: الصحيح عندنا: أنهم إن أعرضوا عنه دفعة واحدة .. لم يصح، وإن أعرضوا على الترتيب .. صح الإعراض، إلى أن يبقى واحد، فتستقر الأخماس الأربعة عليه، وليس له أن يعرض عنها، وفي "النهاية": أن الخلاف في إعراض السالب كالخلاف في إعراض جميع الغانمين 208، وسيأتي تصحيح أنه لا يصح إعراض السالب.
5326 - قول "الحاوي" [ص 608]: (لا كل ذوي القربى) يقتضي صحة إعراض بعضهم، وهو مقتضى تعبير "الوجيز" بلفظ الجميع 209، وبه صرح البارزي تبعًا لـ "التعليقة"، وليس كذلك، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد، ولا فرق بين إعراض جميعهم وبعضهم؛ لأنهم يستحقونه بلا عمل؛ فاشبه الإرث، وقول "المنهاج" [ص 522]: (وبطلانه من ذوي القربى) يحتمل أن يريد: من كلهم؛ فيكون كـ"الحاوي"، وأن يريد: الجنس؛ فيتناول صدوره من بعضهم.
5327 - قول "المنهاج" [ص 522]: (والمعرض كمن لم يحضر) و، "الحاوي" [ص 608]: (فُرض عدماً) يقتضي أن حصته لبقية الغانمين، لكن قال في "أصل الروضة" بعد تعبيره بمثل ذلك: وضم نصيبه إلى المغنم 210، وذلك يقتضي أن خمسه لأهل الخمس، وأربعة أخماسه لبقية

الحديث: 5325 - الجزء: 3 - الصفحة: 317

الغانمين، وهو موافق لقول الرافعي: المراد بالباقين: باقي المستحقين، لا باقي الغانمين 211، وصار آخر كلام "الروضة" - وهو قوله: وضم نصيبه إلى المغنم - مخالفاً لأوله، وهو قوله: قدر وكانه لم يحضر، والذي في "المنهاج" هو المعتمد، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن "النهاية" 212، لكنه عبر بعد ذلك بعبارة أوقعت الرافعي في عبارته المتقدمة، وليست مأخوذة على ظاهرها.
5328 - قول "التنبيه" [ص 235]: (ومتى يملك ذلك؛ فيه قولان، أحدهما: أنه بانقضاء الحرب، والثاني: بانقضاء الحرب وحيازة المال) قال في "المنهاج" [ص 522]: (ولا تملك إلا بقسمة، ولهم التملك) وأوضحه في "الروضة" بقوله: لكن لهم أن يتملكوا بين الحيازة والقسمة 213، وذلك يقتضي حصول الملك بأحد الأمرين؛ ولذلك عبر في "تصحيح التنبيه" بأن الأصح: أنها لا تملك إلا بالقسمة أو اختيار التملك 214، وعبارة "الحاوي" [ص 608]: (ولا ملك) أي: قبل القسمة، وعبارة "المحرر" و"الشرح": ولكن يملكون إن تملكوا 215، ومعناها: أنه يثبت لهم حق التملك، فحولها في "الروضة" إلى ما حكيته.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وليس هذا مراد صاحب هذا الوجه؛ فإنه يقول: لا ملك إلا بالقسمة، وفرف بين ثبوت حق التملك وبين أن لهم أن يتملكوا، وتعبير "المنهاج" يحتمل أن يوافق ما في "الروضة"، فلا يستقيم وأن يريد به: أن لهم حق التملك .. فهو صحيح، ثم قال في لا أصل الروضة": واعلم أن في كلام الأصحاب تصريحا بأن الغانمين وإن لم يملكوا الغنيمة؛ فمن قال منهم: اخترت ملك نصيبي .. ملكه؛ فإذت الاعتبار باختيار التملك لا بالقسمة، وإنما تعتبر القسمة؛ لتضمنها اختيار التملك، ثم ذكر بعد ذلك: أن للإمام أن يقسم الغنيمة قسمة تحكم، فيخص بعضهم ببعض الأنواع وببعض الأعيان، وحينئذ .. فقولنا: يملك بالقسمة معناه: في غالب الأمر، وهو إذا رضي الغانم بالقسمة أو قبل ما عينه له الإمام، فأما إذا رد .. فينبغي أن يصح رده، وذكر فيه البغوي خلافاً، فقال: إذا أفرز الإمام الخمس وأفرز نصيب كل واحد منهم، أو أفرز لكل طائفة شيئاً معلوماً .. فلا يملكونه قبل اختيار التملك على الأصح، حتى لو ترك بعضهم حقه .. صُرف إلى الباقين 216.

الحديث: 5328 - الجزء: 3 - الصفحة: 318

قال في "المهمات": نص الشافعي وجماعة على أنهم يملكون أيضاً بإفراز الإمام مع قبضه لهم، وكذا بدون القبض مع حضورهم، وحكاه عنهم في (الزكاة) من "الكفاية".
5329 - قول "المنهاج" [ص 522]: (وقيل: يملكون) أي: قبل القسمة وبعد الحيازة.
5330 - قوله: (وقيل: إن سلمت إلى القسمة .. بأن ملكهم، وإلا .. فلا) 217 قد يفهم أن كلاً منهم يملك حصته على التعيين، وهو ضعيف كما في "أصل الروضة" بعد حكايته عن الإمام: أنهم إذا اقتسموا .. بأن أنهم ملكوا الغنيمة ملكاً مشاعا، ثم بالقسمة تميزت الحصص 218. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والتحقيق عندنا: أنهم إذا اقتسموا باختيارهم .. بأن أنهم ملكوا الغنيمة ملكا مبهما، ثم بالقسمة ينزل الملك على ذلك المعين.
5331 - قوله: (ويملك العقار بالاستيلاء كالمنقول) 219 قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ليس بمعتمد؛ ففي ملكهم العقار الأوجه السابقة، وقوله: (كالمنقول) كلام متهافت؛ لأن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل فيه الأوجه، وهي جارية في العقار؛ ولو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول) .. لكان وافياً بالمقصود.
5332 - قول "الحاوي" [ص 609]: (ولاَ حَدَّ إن وطئ - أي: بعض الغانمين - ويجب كل المهر) محل إيجاب كل المهر: إذا لم ينحصر الغانمون ولم يفرز الخمس، فإن انحصروا .. سقطت حصة الواطئ، وغرم حصة الخمس وحصة غيره من الغانمين، وإن أفرز الإمام الخمس وعين لكل طائفة شيئاً وكانت الجارية معينة لجماعة مخصوصين فوطئها أحدهم قبل اختيارهم تملكها .. غرم حصة غيره من الغانمين لا الخمس، وإن كان بعد اختيارهم التملك .. فهو كوطء الجارية المشتركة، فيغرم قسط شركائه.
5333 - قوله: (والولد حر نسيب) 220 هو ما صححه الرافعي في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلامه في "الكبير" 221، وقيل: إن كان معسراً .. فالحر منه قدر حصته، والباقي رقيق، وهو موافق لما ذكره "الحاوي" في النكاح في وطء الأب جارية الابن 222. 5334 - قوله: (ونفذ إيلاد نصيبه) 223 المذهب في "أصل الروضة": أنه لا ينفذ موسراً كان أو

الحديث: 5329 - الجزء: 3 - الصفحة: 319

معسراً، لكن لو ملكها بسهمه أو بسبب آخر .. فالأظهر: نفوذه 224، وفي "المهمات": أنه انعكس ذلك على صاحب "الروضة"، والذي في الرافعي ترجيح نفوذه 225، وبتقدير عدم النفوذ في الحال .. فهل يثبت إذا ملكها بعد ذلك؛ لا ترجيح فيها في الرافعي هنا، والصحيح في نظائره: عدم النفوذ، فوهم في "الروضة" في الموضعين.
5335 - قوله في آخر (قسم الغنيمة): (والكلاب قُسِمت عدداً، وإن لم يمكن .. أُقرع) 226 المراد: الكلاب المنتفع بها، ومحل قسمتها: عند المشاححة، فلو أرادها بعضهم ولم ينازع .. أعطيها، وقد صرح بذلك "المنهاج" فقال [ص 522]: (ولو كان فيها كلبٌ أو كلابٌ تنفع وأراده بعضهم ولم يُنازع .. أعطيه، وإلا .. قسمت إن أمكن، وإلا .. أقرع) ولم يبين كيفية قسمتها، وصرح "الحاوي" بأنه بالعدد، وهو المنقول، قال الرافعي: وقد مر في (الوصية) أنه يعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة وينظر إلى منافعها، فيمكن أن يقال بمثله هنا 227. والمراد: أرادها بعض الغانمين أو أهل الخمس كما هو مصرح به في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 228، ولكن نص الشافعي على خلافه، فقال في "الأم" في "سير الواقدي": (وما أصيب من الكلاب .. فهو مغنم إن أراده أحد لصيد أو ماشية أو زرع، وإن لم يكن من الجيش من يريده لذلك .. لم يكن لهم حبسه؛ لأن من اقتناه لغير هذا .. كان آثماً، وإنما رأيت لصاحب الجيش أن يخرجه ويعطيه أهل الأخماس من الفقراء والمساكين ومن ذُكر معهم إن أراده أحد منهم لزرع أو ماشية أو صيد، فإن لم يرده .. قتله أو خلاه) 229 حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: الأرجح: ما أطلقه الشافعي وقدماء العراقيين من تفويض ذلك إلى رأي الإمام؛ يخص به من شاء من الغانمين لما يظهر له، فإن لم يُرِدْه أحد من الغانمين .. أعطاه لبعض أهل الخمس، فإن لم يُرِدْه أحد منهم .. خلاه أو قتله، وليس لأهل الغنيمة في ذلك نزاع، والأمر مفوض إلى رأي الإمام.
5336 - قول "التنبيه" [ص 240، 241]: (أرض السواد: ما بين حديثة الموصل إلى عبَّادان طولاً، وما بين القادسية إلى حلوان عرضاً) قال الرافعي: كذا أطلقه مطلقون، وفيه تساهل؛ لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان بعد فتح العراق، وهي

الحديث: 5335 - الجزء: 3 - الصفحة: 320

داخلة في هذا الحد، فلا بد من استثنائها 230، وقد استثناها البغوي وغيره 231، وفي إطلاقه تساهل أيضاً، والثابت وعبر عنه في "الروضة" بالصحيح: ما أورده صاحب "المهذب" وغيره: أن البصرة ليس لها حكم السواد إلا في موضع من شرقي دجلتها يسمى الفرات، وموضع من غربي دجلتها يسمى نهر الصراة 232، ولم يذكر ذلك في "المحرر" فاستدركه عليه "المنهاج" فقال [ص 523]: (الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حد السواد .. فليس لها حكمه إلا في موضع غري دجلتها وموضع شرقيها) وعبر في "الروضة" بعذيب القادسية 233، وكذا عبر به الماوردي والروياني 234، وهو مخالف لتعبير "التنبيه" و"المنهاج" وغيرهما بالقادسية، وفي "الشامل": أنه في العرض من منقطع الجبال بحلوان إلى طرف القادسية المتصل بالعذيب من أرض العرب، ومن تخوم الموصل إلى ساحل البحر ببلاد عبَّادان من شرقي دجلة.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومن قيد .. فكلامه مقدم على من أطلق؛ لزيادة العلم، قال: وأغرب أبو الفرج الزاز فقال: حده من القادسية إلى حلوان طولاً، ومن تكريت إلى أهواز عرضا، وفي "الاستذكار" للدارمي: من القادسية إلى عقبة حلوان، ومن الموصل إلى الخشبات، وليست الأهواز منها، وفي "الشامل" لابن الصباغ إدخال شرقي دجلة في حد السواد دون غربيها الذي يلي البصرة، وتعبير "المنهاج" بسواد العراق يريد به: سواد كسرى، ولكنه اشتهر بسواد العراق، وسواد كسرى أزيد منه، والعراق أقصر من السواد بخمسه، والسواد أطول من العراق بربعه؛ لأن جملة سواد العراق بالتكسير عشرة آلاف فرسخ، وسواد كسرى اثنا عشر ألف فرسخ وخمس مئة فرسخ، فزاد سواد كسرى بخمس نفسه، ونقص سواد العراق ربع نفسه، ذكره الماوردي 235. 5337 - قول "المنهاج" [ص 522، 523]: (والصحيح: أن سواد العراق فُتح عنوة وقُسِّم ثم بذلوه وَوُقِفَ على المسلمين) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك، بل هو نص الشافعي؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 241]: (وهي وقف على المسلمين على المنصوص) وظاهر قول "المنهاج": (وقسم ثم بذلوه) دخول أهل الخمس في ذلك، وفي قول "المحرر": (بين الغانمين) 236 إخراج

الحديث: 5337 - الجزء: 3 - الصفحة: 321

أهل الخمس، وفيهما إشكال، أما الأول؛ فلأن في مستحقي الخمس من لا يمكن البذل منه، وأما الثاني: فكيف يمنع أهل الخمس منه بغير طريق شرعي، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندي أن عمر رضي الله عنه استنزل الغانمين عن الأخماس الأربعة وفعل في أربعة أخماس الخمس، وهي ما عدا سهم المصالح طريقة شرعية أخرجتهم عن حقهم في الأرض، ثم صيّر الكل لمصالح المسلمين، ولم يحتج أن يخرج الخمس عن المصالح بطريق شرعي ثم يعيده إليها، لكن لما صدر منه الوقف .. احتمل أن يكون على أربعة وعشرين خمسًا، واحتمل أن يكون على الكل، وهو الظاهر، فإن كان سهم المصالح لا يصير وقفًا إلا بالإيقاف .. فقد فعله، وإلا .. فإطلاق وقف الكل فيه اختيار في سهم المصالح وإنشاء فيما عداه، قال: ولم أر من حرر ذلك على هذا الوجه.
5338 - قول "الحاوي" [ص 609]: (أوجر مؤبدًا للحاجة) أحسن من قول "المحرر": (أوجرت من ساكنيها) 237 و"التنبيه" [ص 241]: (وما يؤخذ منها باسم الخراج أجرة) و"المنهاج": (وخراجه أجرة تؤدَّى كل سنة) لإفصاحه بالمقصود؛ لصدق الأجرة على أجرة المثل، والمنقول: أنها مسماة، ولكن استشكله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: المعتمد عندنا في ذلك: أنه لم يصح عن عمر رضي الله عنه أنه أوقع [إجارة] 238 على ما ذكروه ولا بيعاَ، وإنما أقرها في أيدي أهلها بالخراج المضروب وهو أجرة، وليس ذلك بإجارة لازمة على التأبيد.
5339 - قول "المنهاج" عطفًا على ما عبر فيه بالصحيح [ص 523]: (وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) وهو مفهوم قول "التنبيه" [ص 240]: (أرض السواد) و"الحاوي" [ص 609]: (أرض العراق) وإن أورده النووي في "تصحيحه" على "التنبيه" 239 نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج" وقال: الذي نقطع به على مذهب الشافعي الذي نص عليه في "سير الواقدي": أن الدور والمساكن التي وقع الفتح وهي موجودة .. لا يجوز بيعها؛ فهي من الغنيمة، ويجوز بيع ما علم إنشاء عمارته بعده، وأما المشكوك فيه .. فظاهر اليد يدل على الملك، وكون الأصل أنها موجودة عند الفتح يرده أنه استصحاب معكوس، وهو ضعيف جداً.
5340 - قوله: (وفتحت مكة صلحًا، فدورها وأرضها المحياة ملك يباع) 240 أورد عليه شيخنا في "تصحيحه" أموراً:

الحديث: 5338 - الجزء: 3 - الصفحة: 322

أحدها: أن مقتضاه: صدور عقد صلح، وليس كذلك، وانما دخلها عليه الصلاة والسلام قهراً بغير قتال، إلا في أسفلها .. فإنه وقع فيه بعض قتال، ولم يكن له أثر في فتحها؛ لحصوله من غير احتياج إليه، وفي " مختصر البويطي " عن الشافعي رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام دخلها عنوة، وقد كان تقدم منه بمر الظهران لأبي سفيان: من دخل داره .. فهو آمن، ومن أغلق بابه .. فهو آمن، ومن ألقى سلاحه .. فهو آمن، ومن أعطى أماناً على نفسه .. فهو آمن على نفسه وماله، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" (1) لأنه لا يورث إلا ما كان الميت مالكًا له، قال شيخنا: وللصلح حالتان: إحداهما: أن يكون على أن تكون البلد للمسلمين، وتقر في أيدي أهليها بخراج يؤدونه.
والثانية: أن يكون البلد لهم يؤدون خراجه، قال: ولم يتفق شيء من الحالتين في مكة، ولو اتفقت الحالة الأولى .. كانت الأرض والدور وقفاً؛ إما بنفس الاستيلاء على الأصح عندنا، وإما بوقف الإمام على ما رجحه الرافعي والنووي (2)، فيؤدي ذلك إلى أنه لا تباع أرضها ولا دورها، وهو خلاف مذهب الشافعي، وأيضًا فالمشركون لا يضرب عليهم جزية، فلا يقر في أيديهم أرض بالخراج، ولكن من أسلم قبل الفتح .. فداره على ملكه لم تخرج عنه باستيلاء الكفار، ومن أسلم بعده .. أجرى عليه حكم الأمان.
ثانيها: أن تعبيره بالفاء يقتضي ترتب كونها ملكا على الصلح، وليس كذلك، بل مقتضى الصلح: أنها وقف؛ لأنها فيءٌ، وهو وقف إما بنفس حصوله، واما بإيقافه كما تقدم.
ثالثها: ومقتضاه: أنها على العنوة لا تباع، وليس كذلك؛ لأن المفتوح عنوة غنيمة مخمسة، والصواب: أنه عليه الصلاة والسلام أقرَّ الدّورَ بِيَدِ أهلها على الملك الذي كانوا عليه، ولا نظر في ذلك إلى أنها فتحت صلحاً أو عنوة، ولا يرد شيء من ذلك على قول "الحاوي" [ص 609]: (ومكة ملك) لأن ذلك ثابت لها على كل حال، وهو المقصود، وليس متفرعا على الصلح ولا على عنوة، والله أعلم.

فصل [في الأمان]

5341 - قول "التنبيه" [ص 233]: (ومن أمنه مسلم بالغ عاقل مختار .. حرم قتله) فيه أمور: أحدها: أن محله أمان الآحاد في ما إذا كان المؤمّن واحدًا أو عددًا محصوراً كما صرح به241242

الحديث: 5341 - الجزء: 3 - الصفحة: 323

"المنهاج" و "الحاوي" 243، فلا يجوز أمان أهل ناحية وبلدة، وضابطه: ألاَّ ينسد به باب الجهاد في تلك الناحية، قال الإمام: ولو أمن مئة ألف من المسلمين مئة ألف من الكفار .. فكل واحد لم يؤمّن إلا واحداً، لكن إذا ظهر انسداد أو نقصان .. فأمان الجميع مردود 244، قال الرافعي: ولك أن تقول: إن أمنوهم معاً .. فرد الجميع ظاهر، وإن آمنوا متعاقبين .. فينبغي أن يصح أمان الأول فالأول إلى ظهور الخلل، على أن الروياني ذكر أنه لو أمّن كل واحد واحداً .. جاز وإن كثروا حتى زادوا على عدد أهل البلدة 245، قال النووي: المختار: أنه يصح أمان المتعاقبين إلى أن يظهر الخلل، وهو مراد الإمام.
انتهى 246. وفي النكاح عن الغزالي: أن كل عدد لو اجتمعوا في صعيد لعسُر على الناظر عددهم بمجرد النظر؛ كالألف .. فغير محصور، وإن سهل؛ كالعشرة والعشرين .. فمحصور؛ وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدها بالظن، وما وقع فيه الشك .. استفتي فيه القلب 247. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": النظر إلى القلة والكثرة لا إلى الحصر وغيره، والرجوع في القلة والكثرة إلى العرف، هذا على مقتضى ما قاله الأصحاب، والأرجح عندنا: الجواز من غير تقييد بما ذكروه، لكن لا يصل إلى ما يتعلق بالولاية العامة، قال: ولم يقيد الشافعي أمان الآحاد من حر وعبد بالمحصور.
ثانيها: أنه لم يذكر سوى تحريم قتله مع أنه يفيد أيضًا منع الاسترقاق والمفاداة، وقد يفهم ذلك من إطلاق "المنهاج" و"الحاوي" صحة تأمينه، ومن تصريحهما بأنه لا يدخل في الأمان ما معه من أهله وماله إلا بالشرط 248. ثالثها: يستثنى منه: من تامينه يضر المسلمين كجاسوس، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 249. رابعها: يستثنى من كلام الثلاثة: الأسير، فلا يجوز للآحاد أمانه ولا المنّ عليه كما جزم به في "الروضة" وأصلها 250، وقيده الماوردي بغير الذي أسره، فيجوز للذي أسره تامينه إذا كان باقياً في

الجزء: 3 - الصفحة: 324

يده لم يقبضه الإمام، كما يجوز قتله، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وقد يمنع جواز قتله، فيترتب عليه منع أمانه.
خامسها: يستثنى منه أيضًا: المرأة؛ ففي عقد الأمان لها استقلالًا وجهان في "أصل الروضة" بغير ترجيح 251، وقياسه: جريانه في العبد، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": المعتمد عندنا الجزم بجواز عقد الأمان للمرأة والعبد استقلالاً.
5342 - قول "التنبيه" [ص 233]: (ومن أمنه أَسِير قد أطلق باختياره .. حرم قتله) مخالف لقول "الحاوي" [ص 611]: (لا الأسير) و"المنهاج" [ص 523]: (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح) ومحل الخلاف: في المختار، فلو كان مكرهاً .. لم يصح قطعاً، وذلك مفهوم من اشتراطه أولًا الاختيار؛ ولذلك قال شيخنا الإسنوي في "تصحيح التنبيه": الأصح: بطلان أمان الأسير الذي قد أُطلق من الحبس والقيد وبقي عندهم ممنوعا من الخروج، وإن كان أمانه باختيار، على عكس ما في "التنبيه" لأنه مقهور في أيديهم.
وقال النشائي في "نكته": الأسير نوعان: أحدهما: أسير الدار، وهو الذي أُطلق من القيد والحبس، وأمنوه على أن لا يخرج من دارهم فبقي فيها عاجزأ عن الخروج، وهي مسألة "التنبيه"، وقوله: (باختياره) متعلق بقوله: (أمنه) فيصح أمانه كما صرح به في "الكفاية"، وإن حكى أن بعضهم أطلق الخلاف.
الثاني: أسير القيد أو الحبس الذي قد أخرجه الشيخ بقوله: (قد أطلق) كما صرح به في "الكفاية"، والأصح: أنه لا يصح أمانه، وهذا هو النوع الذي في الرافعي كما أشار إليه في "الكفاية"، فليت المستدرك فهمه 252. قلت: فإن صح ذلك .. ورد على إطلاق "المنهاج" و"الحاوي"، وقبلهما الرافعي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل تصحيح بطلان أمانه: ما إذا لم يكن في أمان ممن هو في أسره، فإن كان في أمان منه .. صح أمانه إياه إذا صدر منه مع معرفته وجه النظر، وفي كلام الرافعي ما يقتضيه؛ فإنه 253 وجّه المنع بأنه مقهور في أيديهم؛ لا يعرف وجه النظر والمصلحة، وبأن الأمان يقتضي أن يكون المؤمّن آمنّا، والأسير في أيديهم ليس بآمن 254، وصرح الماوردي بذلك فقال بعد حكايته عن الشيخ أبي حامد: أنه إذا أمن غير مكره .. صح، وإن لم يكن في أمان منه ..

الحديث: 5342 - الجزء: 3 - الصفحة: 325

لم يصح أمانه؛ لأن الأمان ما اقتضى التساوي فيه.
5343 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويصح بكل لفظ يفيد مقصوده) قسمه في "أصل الروضة" إلى صريح؛ كأجَرْتُكَ، أو أنت مُجَار، أو أمَّنتك، وأنت آمنٌ، أو في أماني، أو لا بأس عليك، أو لا خوف عليك، أو لا تخف، أو لا تفزع، وقال الماوردي: هما كناية، أو قال بالعجمية: مترس، وإلى كناية؛ كقوله: أنت على ما تحب، أو كن كيف شئت، ولا بد في الكناية من نية، ومنها الكتابة، ولا بد فيها من نية 255. 5344 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويشترط علم الكافر بالأمان) تبع فيه القاضي والبغوي 256، ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: لم يعتبره الشافعي ولا العراقيون، والسنة الصحيحة ترده، والمعتبر علم المسلمين لا علم ذلك الكافر، ومن العجيب ما ذكره الإمام والرافعي: أنه لو قتله المؤمّن قبل علمه بالأمان .. جاز 257. 5345 - قوله: (وكذا - أي: يبطل الأمان - إن لم يقبل في الأصح) 258 و"الحاوي" [ص 611]: (بقبولٍ) نازع فيه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: إنه مخالف لمقتضى نصوص الشافعي رضي الله عنه؛ فإنه لم يعتبر القبول، ولما عليه السلف والخلف، قال: ولم أجد اعتباره في كلام العراقيين ومن تبعهم.
وقال شيخنا ابن النقيب: الذي في "الروضة" و"الشرحين": قال الإمام: فيه تردد، قال الإمام: والرأي الظاهر اشتراط قبوله، وبه قطع الغزالي، واكتفى البغوي بالسكوت؛ فإطلاق "المنهاج" الوجهين والتصحيح فيه نظر؛ فإن أصله تردد للإمام، والترجيح بحث له، والغزالي فرعه له، والمنقول ما في "التهذيب".
انتهى 259. 5346 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وتكفي إشارة مفهمة للقبول) لا معنى لتقييده بالقبول؛ فالإيجاب كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 611]: (ولو إشارة مفهمة فيهما) وفي معنى الإشارة: ما إذا بدتْ عليه مخايل القبول، كما صرح به الإمام 260. 5347 - قول "المنهاج" [ص 523]: (ويجب ألَّا تزيد مدته على أربعة أشهر) و"الحاوي" [ص 611]:

الحديث: 5343 - الجزء: 3 - الصفحة: 326

(أربعة أشهر) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه يقتضي أن أمان الآحاد لا بد من تقييده بهذه المدة فما دونها، وهذا لم يقله الشافعي ولا أحد من أصحابه القدماء، وإنما التبس ذلك على بعضهم، فخلط أمان الإمام بأمان الآحاد، وقد قال الماوردي في أمان الآحاد: إنه ليس له تقدير مدته، وينظر الإمام فيه، فإن كان من المصلحة إقراره .. أقرّه على الأمان، وقرر له مدة مُقامه 261. 5348 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وفي قول: يجوز ما لم تبلغ سنة) يقتضي أن بلوغه سنة محل قطع بالمنع، وكذا هو في "الروضة" وأصلها في الهُدنة 262، لكن الرافعي هنا أدخل السنة في الخلاف 263، فأصلحه في "الروضة" من غير تمييز، وعبر بالصواب كما هنا 264. 5349 - قوله: (ولا يجوز أمان يضر بالمسلمين كجاسوسٍ) 265 و"الحاوي" [ص 611]: (لا جاسوساً) يقتضي أن شرط الأمان: انتفاء الضرر دون ظهور المصلحة، وبه صرح في "أصل الروضة" 266، لكن قال القاضي حسين في " تعليقه ": قال أصحابنا: إنما يجوز إذا اتصل بالمصلحة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو الأرجح في النظر، ثم لا يخفى أن ذلك في أمان الآحاد، أما أمان الإمام .. فلا يجوز إلا بالنظر للمسلمين، نص عليه.
5350 - قول "المنهاج" [ص 523]: (وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة) لا يختص ذلك بالإمام؛ فالمؤتمن له من الآحاد كذلك؛ ولذلك قال في "أصل الروضة": هو لازم من جهة المسلمين 267، وقال القاضي حسين: هو لازم من جهة المؤمن، لا يجوز له نبذه إلا بعذر.
5351 - قوله: (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب، وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط) 268 و"الحاوي" [ص 611]: (بأهل ومال معه إن شُرط) فيه أمور: أحدها: كونه لا يدخل في الأمان أهله وماله بدار الحرب ذكره في "النهاية" 269، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أره لأحد قبله، ونصوص الشافعي تقتضي بإطلاقها حصول الأمان في المال حيث كان، وكذلك كلام أصحاب الطريقين.
ثانيها: كونه لايدخل في الأمان ما معه منهما إلا بشرط أطلق تصحيحه في

الحديث: 5348 - الجزء: 3 - الصفحة: 327

"الروضة" 270 أيضًا، وقال في "المحرر" و"الشرح الصغير": إنه رُجح 271، ولم ينقل الترجيح في "الشرح الكبير" إلا عن الإمام، وقال: وفيه مزيد نورده في خاتمة الكتاب 272، والذي ذكره هناك وجهان بلا ترجيح، ثم قال: وفي "البحر" تفصيل حسن، وهو أنه إذا أطلق الأمان .. يدخل فيه ما يلبسه من ثياب، وما يستعمله في حرفته من الآلات، وما ينعقد في مدة الأمان؛ للعرف الجاري بذلك، أو مركوبه إن كان لا يستغني عنه، ولا يدخل غير ذلك 273، وقال الرافعي في أثناء الباب وتبعه في "الروضة": لو دخل كافر دارنا بأمان أو ذمة .. كان ما معه من المال والولد في أمان، فإن شرط الأمان فيهما .. فهو تأكيد 274. وقال في "المهمات": إن الراجح: الدخول مطلقًا، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص البويطي أنه قال: ومن أعطي أماناً على نفسه .. فهو اَمن على نفسه وماله، قال شيخنا: وهذا النص يتناول ما حضر وما غاب في دار الحرب وغيرها، قال: وفي "الأم" في "سير الواقدي": (وإذا قَدِمَ الحربي دار الإسلام بأمان فمات .. فالأمان لنفسه وماله، ولا يجوز أن يُؤخذ من ماله شيء، وعلى الحاكم أن يرده إلى ورثته حيث كانوا) 275، قال شيخنا: والمراد بما معه: ما في دار الإسلام وإن لم يكن معه، وبالأهل: صغار أولاده، وأما زوجته .. فلا تدخل، إلا إذا صرح بذكرها.
ثالثها: كلامهما يقتضي أنه لا يدخل بالشرط إلا ما معه، وليس كذلك، بل يدخل بالشرط ما بدار الحرب إذا كان ذلك من الإمام أو من يقوم مقامه بالولاية العامة، حكاه في "أصل الروضة" عن الماوردي، وأقره 276. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وعندنا يدخل في الإطلاق من أمان الآحاد؛ فعند الشرط أولى.
رابعها: مقتضى إطلاقهما أن الأهل والمال مقيدان بمدة أمان النفس، وليس كذلك؛ فقد ذكر الماوردي أن أمانه على ماله غير مقدر، وفي ذريته وجهان، قال شيخنا: والأرجح: أنه لا يتقدر في الذرية؛ إذ لا جزية عليهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 328

خامسها: تعبير "الحاوي" بقوله [ص 611]: (أهل ومال) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 523، بـ (ماله وأهله) لأنه يخرج عنه ما إذا كان معه مال لغيره، وقد ذكر الربيع أنا لا نتعرض له في ماله ولا في مال غيره الذي معه.
5352 - قول "التنبيه" [ص 231]: (من لا يقدر على إظهار الدين في دار الحرب وقدر على الهجرة .. وجب عليه أن يهاجر) أحسن من تعبير "المنهاج" [ص 524] بـ (دار الكفر) لأنه يدخل في تعبيره بلد الهُدنة؛ فهي دار كفر، إلا أن أهلها ليسوا أهل حرب، وقد ذكر شيخنا الإمام البلقيني: أنه لا تجب الهجرة منها؛ لأن شرط رد الرجال المسلمين إليهم، وردُّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل وأبا بصير - على معنى أنه مكنهم منها - دليلٌ على أنه لا تحرم الإقامة في بلد الهدنة لمن لا يقدر على إظهار دينه.
انتهى وعليه يدل تعبير "التنبيه" بدار الحرب، واستثنى شيخنا أيضًا من كلامهما: ما إذا كان في مقامه مصلحة للمسلمين، قال: فلا يجب عليه الهجرة، وتجوز له الإقامة، بل ترجح على الهجرة؛ فقد قيل: إن إسلام العباس كان قبل بدر، وكان يكتم إسلامه، ويكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتقوى به المسلمون، وكان يحب الهجرة، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مقامك بمكة خير" 277. 5353 - قولهما: (ومن قدر على إظهار الدين .. استحب له أن يهاجر) 278 محله: ما إذا لم يرج ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجا .. فالأفضل أن يقيم، وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال .. وجب عليه المقام بها؛ لأن موضعه دار الإسلام، فلو هاجر لصار دار حرب .. فيحرم ذلك، حكاه في زيادة "الروضة" عن الماوردي، وأقره 279. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه معتمد، قال: وذكر الماوردي: أنه إذا تساوى حاله في المقام والهجرة؛ بأن لم يرج بهجرته نصره المسلمين ولا بمقامه ظهور الإسلام .. فهو بالخيار بين المقام والهجرة 280، قال شيخنا: وفيه نظر؛ فالهجرة إلى دار الإسلام أرجح.
5354 - قول "المنهاج" [ص 524]: (ولو أطلقوه على أنهم في أمانه .. حرم - أي: اغتيالهم - فإن تبعه قوم .. فليدفعهم) كذلك عكسه، وهو: ما إذا شرطوا أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه .. فيحرم عليه اغتيالهم؛ لأن الأمان لا يكون في أحد الطرفين، وقد اقتصر "الحاوي" على الثانية،

الحديث: 5352 - الجزء: 3 - الصفحة: 329

فقال [ص 614]: (وقتل تابعه دفعاً لا غيراً إن أمّنُوه) واستثنى الشافعي رضي الله عنه في "الأم" من ذلك: ما إذا قالوا: قد أمناك ولا أمان لنا عليك 281، وهو يدل على أن الأمان قد يكون من جانب واحد، والذي في "المحرر": ما إذا أمنوه وأمنهم، وفي بعض نسخه عطفه ب (أو)، فيكون فيه التصريح بالمسألتين 282. 5355 - قول "المنهاج" [ص 524]: (ولو شرطوا ألَّا يخرج من دارهم .. لم يجز الوفاء) لا يخفى أن محله: فيما إذا لم يقدر على إظهار دينه هناك؛ لكونه سبق قريبًا أن الهجرة للقادر على إظهار دينه مستحبة.
5356 - قوله: (ولو عاقد الإمام علجاً يدل على قلعة وله منها جارية .. جاز) 283 فيه أمور: أحدها: أن العلج هو: الكافر الغليظ الشديد كما في "أصل الروضة" 284 فالتقييد به يقتضي أنه لا يصح هذا العقد مع مسلم، وبه صرح "الحاوي" فقال [ص 613]: (وإن دل علج لا مسلم)، وهو الذي صححه الإمام 285، لكن ذهب العراقيون إلى الجواز؛ ولهذا أطلق "التنبيه" قوله [ص 234]: (ويجوز أن يشرط لمن دله على قلعة جعلاً) لكنه قال بعده: (فإن كان المجعول له كافراً .. جاز أن يجعل له جعلاً مجهولاً) 286 فدل على أنه لا يجوز أن يجعل للمسلم جعلاً مجهولاً، وهو موافق لتصحيح الإمام، وذكر شيخنا الإسنوي في "التنقيح": أن الأصح في "الروضة": قول العراقيين، وأشار النشائي وصاحب "التوشيح" إلى توهيمه في ذلك، وأن التصحيح ليس في "الروضة" 287، لكن كلامه في "الروضة" وأصلها فى (الغنيمة) يقتضيه؛ فإنه بعد أن ذكر أن النفل زيادة مال على سهم الغنيمة مثل للنفل بامور: منها المذكور هنا 288، وقد علم أن السهم لا يكون إلا لمسلم؛ فيلزم من إطلاقه وتعبيره بالسهم جوازه مع المسلم.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه الأصح، وعليه مشى شيخنا الإسنوي في "تصحيح التنبيه" 289، قال الإمام: والوجهان مفرعان على تجويز استئجار المسلم للجهاد، وإلا .. فلا

الحديث: 5355 - الجزء: 3 - الصفحة: 330

تصح هذه المعاملة مع مسلم، ولا يستحق أجرة المثل 290. قال شيخنا الإمام البلقيني: وما قاله ممنوع؛ فإن هذا ليس من الاستئجار للجهاد في شيء، وإنما هذا نظير من يستأجره الإمام من المسلمين؛ لدلالة الطريق إلى الكفار، وذلك جائز.
ثانيها: المراد: الدلالة على قلعة بعينها كما صوره في "الروضة" وأصلها، وكلام الثلاثة يقتضي جوازه على قلعة مبهمة، وذكر شيخنا الإسنوي في "التنقيح": أن كلام "التنبيه" في قلعة مبهمة.
انتهى.
فلو ذكرها مبهمة في قلاع معينة .. فكلام شيخنا في "تصحيح المنهاج" يميل إلى الجواز؛ لقلة الغرر في ذلك.
ثا لثها: تعبير "المنهاج" [ص 524] و"الحاوي" [ص 613] ب (الجارية) مثال، وتعبير "التنبيه" [ص 234] ب (الجعل) حسن؛ لشموله.
5357 - قول "المنهاج" [ص 524]: (فإن فتحت بدلالته .. أعطيها) المراد: أن يفتحها من شارطه، فلو فتحها طائفة أخرى بالطريق التي دلنا عليها .. فلا شيء له؛ لأنه لم يجر معهم شرط؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 613]: (وفتحنا به لا غيرنا) وأن يكون الفتح عنوة، فلو فتحت صلحاً .. فقد ذكرها "الحاوي" بعد ذلك فقال [ص 613]: (وإن شرط زعيمها أمان أهله وهي منه، ولم يرض واحد بعوض .. رُدّ ورد إلى مامنه) وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل هذا: ما إذا كانت الجارية ملكاً لصاحب القلعة، فإن لم تكن ملكاً له .. فكيف يكون له أخذ العوض عن شيءٍ ليس في ملكه، والذي ينبغي في هذه الحالة: أن تسلم للدليل، ولا شيء لصاحب القلعة.
انتهى.
ولا يرد ذلك على تعبير "التنبيه" لأنه قال [ص 234]: (وإن فتحت صلحاً فامتنع صاحب القلعة من تسليم الجارية وامتنع المجعول له من قبض قيمتها .. فسخ الصلح) فلم يذكر في عبارته أخذ صاحب القلعة عوضاً عن الجارية، لكن تعبير "الحاوي" [ص 613] ب (العوض) أعم من تعبير "التنبيه" [ص 234] ب (القيمة)، وعبر ابن يونس في "النبيه" ب (البدل)، وقال في "التنويه": هو أولى من القيمة؛ ليتناول غيرها من جواري القلعة؛ فإنه لو رضي بها .. جاز كما في "المهذب" 291. 5358 - قول "المنهاج" [ص 524]: (أو بغيرها .. فلا في الأصح) وهو مفهوم لفظ "الحاوي" المتقدم، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه ممنوع، بل ظواهر نصوص الشافعي رضي الله

الحديث: 5357 - الجزء: 3 - الصفحة: 331

عنه وإطلاق الأصحاب الاستحقاق، وهو الصواب، والرافعي إنما نقل هذا الترجيح في "شرحه" عن ابن كج 292. 5359 - قول "الحاوي" [ص 613]: (وقيمتها إن ماتت) أي: بعد الظفر؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 524]: (أو بعد الظفر قبل التسليم .. وجب بدلٌ).
5360 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن ماتت قبل الفتح .. ففيه قولان، أحدهما: يدفع إليه قيمتها، والثاني: لا شيء له) الأظهر: الثاني كما في "المنهاج" 293، وكذا في الرافعي، ورجح في " أصل الروضة" طريقة القطع به 294، ولولا تقييدنا كلام "الحاوي" بما بعد الظفر 295 .. لتناول هذه الصورة، ورجح شيخنا في "تصحيح المنهاج": القطع بوجوب البدل عكس المرجح في "الروضة"، وقال: إنه المنصوص في "الأم" و"المختصر"، وليس له نص يخالفه.
5361 - قول "المنهاج" [ص 524]: (وإن أسلمت .. فالمذهب: وجوب بدل) يتناول إسلامها قبل العقد وبعده، سواء أكان قبل الظفر أم بعده؛ ولذلك أطلق "الحاوي" إسلامها 296، واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من ذلك مسألتين: إحداهما: أن تسلم قبل العقد، ويعلم بذلك، وبأنها قد فاتته .. فلا شيء له؛ لأنه عمل متبرعاً.
ثانيهما: أن يسلم بعد العقد والظفر .. ففي "الروضة" وأصلها بناؤه على شراء الكافر عبداً مسلماً إن جوزناه .. سلمناها إليه، ثم يؤمر بإزالة الملك، وإن لم نجوزه .. لم تسلم إليه 297. وقال شيخنا في " تصحيح المنهاج ": هذا البناء عندنا مردود؛ بل يستحقها قطعاً؛ لأنه استحقها بالظفر وقد كانت إذ ذاك كافرة، فلا يرتفع ذلك بإسلامها كما لو ملكها ثم أسلمت، ولكن لا تسلم إليه، بل يؤمر بإزالة الملك كما لو أسلم العبد الذي باعه المسلم للكافر قبل القبض، ولكن هناك يقبضه له الحاكم، وهنا لا يحتاج إلى قبض.
انتهى.
ويوافق ذلك تقييد "التنبيه" إسلامها بكونه قبل الفتح 298. 5362 - قول "المنهاج" [ص 524]: (وهو أجرة مثل، وقيل: قيمتها) فيه أمور:

الحديث: 5359 - الجزء: 3 - الصفحة: 332

أحدها: إنما ذكر في "المحرر" هذا الخلاف فيما إذا ماتت، وكذا في "الروضة" وأصلها 299، فذكره في إسلامها غير مطابق لأصله.
ثانيها: ذكر الإمام أن إيجاب أجرة المثل مبني على أنه مضمون ضمان عقد، وقيمتها مبني على ضمان اليد 300، وتبعه في "المحرر" 301، فمشى عليه "المنهاج"، لكنه قال في "الشرح" وتبعه في "الروضة": هكذا قاله الإمام، ولكن الأظهر من قولي الصداق: وجوب مهر المثل، والموجود لجمهور الأصحاب هنا قيمة الجارية 302، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 234]: (وإن فتحت عنوة وأسلمت الجارية قبل الفتح .. دفع إليه قيمتها) و"الحاوي" فقال [ص 613]: (وقيمتها إن ماتت أو أسلمت) ونص عليه في "الأم" في آخر (سير الواقدي) فقال: (وإن كانت الجارية قد أسلمت قبل أن يُظفر بها .. فلا سبيل إليها، ويعطى قيمتها، كأن ماتت .. عُوِّض منها بالقيمة) 303 حكاه في "المهمات"، وقال: كأن الرافعي حالة تصنيف "المحرر" لم يستوعب المسألة من الشرح، بل نظر أوائلها فقط.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن المعتمد القطع به، قال: والسبب في امتناع مجيء أجرة المثل هنا: أن هذه المعاملة سومح فيها للحاجة إلى نكاية الكفار والفتح على المسلمين، فنظر فيها إلى الذي انصب قصد الدال إليه، وهو الجارية؛ فحيث غرمنا عوضها .. فهو قيمتها؛ لأن الدال إنما يشترط شيئاً زائداً كثيراً على أجرة مثله في العادة، فإذا تخيل أنه لا يحصل له إلا أجرة مثله .. يفر وفات المقصود.
ثالثها: قوله: (وقيل: قيمتها) يقتضي أنه وجه، وهو في "المحرر" قول 304، ولهذا وقع في بعض نسخ "المنهاج": (وفي قول).
رابعها: قال في "أصل الروضة": محل الخلاف: إذا كانت جارية معينة، فإن كانت مبهمة ومات كل من فيها من الجواري وأوجبنا البدل .. فيجوز أن يقال: يرجع بأجرة المثل قطعاً؛ لتعذر تقويم المجهول، ويجوز أن يقال: تسلم إليه قيمة من تسلم إليه قبل الموت 305. 5363 - قول "التنبيه" [ص 234]: (فإن كان المجعول له كافراً .. جاز أن يجعل له جعلاً مجهولاً)

الحديث: 5363 - الجزء: 3 - الصفحة: 333

محله: فيما إذا كان من القلعة، فإن كان مما في أيدي المسلمين .. لم يجز أن يكون مجهولاً؛ للقدرة على نفي الجهالة، وتقدم أن الراجح: جواز الجعل المجهول من القلعة ولو مع مسلم.
5364 - قوله: (وإن حاصر قلعة فنزل أهلها على حكم حاكم .. جاز، ويجب أن يكون الحاكم حراً مسلماً ثقة من أهل الاجتهاد) 306 ظاهره أن المراد: الاجتهاد في الأحكام الشرعية: وقد قال الرافعي: أطلقوا أنه يشترط كونه عالماً، وربما قالوا: فقيهاً، وربما قالوا: مجتهداً، قال الإمام: ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي؛ ولعلهم أرادوا: التهدِّي إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين.
انتهى 307. ولهذا قال "الحاوي" [ص 613]: (بصير بمصالح القتال) ويشترط فيه أيضًا: الذكورة، والبلوغ، والعقل، وقد ذكرها "الحاوي" 308، وقد تستنبط من كونه من أهل الاجتهاد.
5365 - قول "التنبيه" [ص 234]: (فإن حكم بعقد الذمة .. لم يلزم، وقيل: يلزم) الأصح: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 613]: (وبالجزية .. أُجبر).
5366 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن حكم بقتل الرجال ورأى الإمام أن يمن عليهم .. جاز) قد يفهم جواز استرقاقهم، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 613]: (وبه - أي: بالقتل - لم يُرق) وهذا أسير يجوز قتله والمن عليه والاسترقاق.
5367 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن أسلموا بعد الحكم .. سقط القتل وبقي الباقي) صوره القاضي أبو الطيب بما إذا حكم بقتل الرجال وسبي الذرية وأخذ الأموال، ويجوز أن يكون مراده: سقط القتل إن كان قد حكم به، وبقي الباقي إن كان المحكوم به غير القتل، وكذا صور الجيلي والنووي في "نكته"، وعبارة "الحاوي" [ص 613]: (ويُرق المحكوم به إن أسلم).
5368 - قول "التنبيه" [ص 234]: (وإن مات الحاكم قبل الحكم .. رُدوا إلى القلعة) محله: ما إذا لم يتفقوا على حاكم غيره.
5369 - قوله فيما إذا غلب الكفارُ المسلمين على أموالهم وغنمت: (وإن لم يعلم حتى قسم .. عوّض صاحبها من خمس الخمس) 309 المراد بصاحبها: من وقعت في سهمه، وليس المراد به: مالكها كما في قوله أولاً: (فإن استرجعت .. وجب ردها على أصحابها) 310 فإن المراد هناك: ملاكها.

الحديث: 5364 - الجزء: 3 - الصفحة: 334

باب (1) عقد الذمة وضرب الجزية

5370 - كذا في "التنبيه" 312، وحذف ابن يونس في "النبيه" ضرب الجزية؛ لأنها من موجبات عقد الذمة، فلا يترجم بها بابه، واقتصر "المنهاج" على الجزية 313. 5371 - قول "المنهاج" [ص 525]: (صورة عقدها: "أقركم بدار الإسلام أو أذنت في إقامتكم على أن تبذلوا جزية وتنقادوا لحكم الإسلام") فيه أمور: أحدها: عبارة "المحرر" و"الروضة" وأصلها: (أقررتكم) 314 بصيغة الماضي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا يكفي المضارع، إلا أن يقصد به العاقد الحال والمستقبل؛ لانسلاخه عن معنى الوعد.
ثانيها: لا يختص ذلك بدار الإسلام؛ فقد يقرهم بالجزية في دار حرب؛ ولذلك لم يقيده "الحاوي" بدار الإسلام، وحينئذ .. فيجب الذب عنهم إن اتصلت دارهم بدار الإسلام أو شرط الذب عنهم، وإلا .. فلا.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرض فيه لعصمة الدماء، ولا بد منه في عقد الجزية، وقد ذكره في "الأم".
انتهى.
ولم يتعرض لذلك في "الحاوي" أيضاً.
رابعها: أطلق دار الإسلام، ولا ينبغي إطلاقه في العقد، بل يقيد بغير الحجاز وإن ذكر ذلك في الأحكام، لكن الشأن في ذكره في العقد؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 615، 616]: (إذن الإمام ونائبه القرار في غير مكة والمدينة واليمامة وقُراها كالوَجّ والطائف) كذا وقع في "الحاوي": (الوج) بألف ولام؛ وهي عجمة، وصوابه: (وج) بحذفها كما نطق به في (الحج).
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": فإن قيل: فإذا أطلق ولم يستثن .. يفسد العقد أو يفسد الإطلاق ويتقيد بغير الحجاز؟ قلنا: هذا محتمل، والأرجح: الثاني.
خامسها: مقتضاه: أنه لو ضم إلى ذلك: ما شئت أو ما شاء الله أو ما شئتم .. لم يصح، وهو في الأوليين كذلك، ويصح في الثالثة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 615، 616]: (مطلقاً أو ما شاء، لا الإمام).311

الحديث: 5370 - الجزء: 3 - الصفحة: 335

سادسها: مقتضى هذا التعبير: اختصاصه بلفظ الخطاب، وليس كذلك، فلو عقد لغائبين فرضوا بذلك عند بلوغ الخبر .. جاز، وكلام الشافعي رضي الله عنه يدل له؛ ولذلك لم يعبر "الحاوي" بلفظ الخطاب.
سابعها: أطلق هو و"التنبيه" بذل الجزية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا بد من اشتراط القيام بها رأس كل سنة من العقد؛ لئلا يؤدي إلى الجهالة بوقت استحقاق الأداء.
انتهى.
ويوافقه قول "الحاوي" [ص 616]: (كل سنة) وظاهره اشتراط ذكر ذلك في العقد، وقال شيخنا: ويحتمل على بعد أن لا يحتاج إلى ذكره، وينزل العقد عليه.
ثامنها: أطلق الثلاثة الانقياد لأحكام الإسلام، وهو مقيد في النص بما رأيناه يلزمهم، وقيده في "المهذب" بحقوق الآدميين في الحقوق والمعاملات وغرامات المتلفات 315، وفي "النهاية": قال العراقيون: المراد بإجراء الأحكام: أنهم إذا فعلوا ما هو محظور في دينهم .. فيجري حكم الله تعالى عليهم إذا كان لا يتعلق بدعوى؛ كما لو زنا أحدهم وثبت زناه عند حاكمنا .. فإنه يقيم عليه الحد ولا حاجة لرضاه، وهذا حسن، ولم أر للمراوزة خلافه، فأما ما يستحلونه: فمنقسم للخمر وغيره .. فلا يقيم عليهم حدًا لشرب كان رضوا بحكمنا ... إلى آخر كلامه 316. 5372 - قول "المنهاج" [ص 525]: (والأصح: اشتراط ذكر قدرها) فيه أمران: أحدهما: أنه يفهم قوة مقابله، وهو الصحة والتنزيل على الأقل، وليس كذلك، بل هو ضعيف، وقد استبعده في "النهاية" 317. ثانيهما: أنه يفهم أنه لا خلاف في اشتراط الانقياد لأحكام الإسلام، وليس كذلك، بل فيه خلف ذكره القاضي حسين والإمام 318. 5373 - قوله: (ولا يصح مؤقتاً) 319 يستثنى منه: ما لو قال: ماشئتم .. فإنه يصح كما تقدم، وقد ذكره "الحاوي" 320. 5374 - قول "المنهاج" [ص 525] و"الحاوي" [ص 616]: (ويشترط لفظ قبول) لذا يكفي الاستيجاب والإيجاب؛ بأن يقول: قرّرني، فيجيبه.
قلت: لو قال: سألتك أن تؤمنني على كذا فأمنه .. كان كافياً كما ذكره الشافعي، وفي معناه:

الحديث: 5372 - الجزء: 3 - الصفحة: 336

أن تقررني، قال شيخنا في"تصحيح المنهاج": وليس قوله: سألتك أن تبيعني استيجاباً فدل على أن المقصود هنا ما يدل على الرضا وإن لم يكن قبولاً في غيره.
5375 - قول "المنهاج" [ص 525]: (ولو وُجد كافرٌ بدارنا فقال: "دخلت لسماع كلام الله تعالى" أو "رسوله" أو "بأمان" .. صُدّقَ) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محله: فيما إذا ادعى ذلك قبل أن يصير في قبضة الإمام، فإن صار في قبضته أسيراً .. فلا يصدق إلا ببينة، قال الروياني: وما اشتهر أن الرسول آمِنٌ .. هو في رسالة فيها مصلحة المسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان في وعيد وتهديد .. فلا، ويتخير فيه بين الخصال الأربع كالأسير.
وقال النووي: ليس ما ادعاه بمقبول، والصواب: أنه لا فرق، وأنه آمن مطلقاً 321. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو المعتمد؛ فإن رسولَي مسيلمة حضرا بكتابه وليس فيه مصلحة للمسلمين، وقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل .. لضربت أعناقكما" رواه البيهقي 322. 5376 - قوله: (وعليه الإجابة إذا طلبوا، إلا جاسوساً نخافه) 323 قال الرافعي: فلو خاف غائلتهم وأن ذلك مكيدة .. لم يجبهم 324، ولعله المراد بقوله: (إلا جاسوساً نخافه) واستثنى مع ذلك أموراً: أحدها: الأسير الكامل يتخير فيه الإمام بين الأمور الأربعة ولا تجب عليه إجابته لعقد الجزية كما نص عليه في "الأم"، حكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج"، والأظهر في "أصل الروضة" في هذه الصورة: تحريم القتل دون الاسترقاق 325، ومقتضاه: أنه لا يجب تقريره بالجزية، وتردد شيخنا في جواز إجابته لذلك، ثم رجح: أنه إن كان له من يحارب عنه؛ كملك له جيش أو مطاع صاحب عشيرة .. جاز تقريره؛ لأن له قوة في المعنى، وإلا .. فلا، قال: ولم أر من تعرض له.
ثانيها: ظاهر كلام الأصحاب أن الذمي إذا انتقض عهده كذلك تفريعاً على الأظهر أنه كالأسير، ورجح شيخنا: أنه أولى بأن لا يجاب إلى الجزية من الأسير؛ لزيادته عليه بنقضه العهد، ولو اطلعنا على حربي دخل دارنا بغير أمان فبذل الجزية .. وجب قبولها على المذهب في "أصل الروضة" 326، ورجح شيخنا: أنه لا يجب إجابته، بل لا يجوز، إلا إذا كان له بعشيرته قوة كما تقدم في الأسير.

الحديث: 5375 - الجزء: 3 - الصفحة: 337

ثالثها: إذا نزل أهل قلعة على حكم حاكم فحكم بالقتل أو الإرقاق .. لم يجب تقريرهم بالجزية لو طلبوا، وهل للإمام تقريرهم؟ تردد فيه شيخنا، وقال: لم أره منقولًا، والأرجح هنا: الجواز؛ لأنهم في قوة؛ بدليل أنهم إذا لم يتم الأمر .. يردون إلى قلعتهم.
5377 - قوله: (ولا تعقد إلا لليهود والنصارى والمجوس وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ أو شككنا في وقته) 327 فيه أمور: أحدها: اعترضه شيخنا في "تصحيح المنهاج": بأنه كلام لا يظهر منه المقصود، وصواب العبارة: (ولا تُعقد إلا ليهودي أو نصراني أو مجوسي إن دخل هو أو أحد أصوله في التهود أو التنصر قبل النسخ ... إلى آخره) وعبارة "التنبيه" مثلها؛ فإنه قال [ص 237]: (ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى والمجوس ولمن دخل في دين اليهود والنصارى ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعده) بخلاف عبارة "الحاوي" فإنه قال [ص 615]: (زعم التمسك بكتاب كالمجوس لم يعلم اختيار 328 جده حين نُسِخ) فجعل ذلك قيداً لا معطوفاً على ما تقدم.
ثانيها: يرد عليهم جميعًا: إذا تهود الأصل أو تنصر قبل النسخ لكن انتقلت ذريته عن دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن أو قبله .. فلا تعقد لهم جزية كما نص عليه في "الأم" 329. ثالثها: دخل في تعبير "المنهاج" بالأولاد و"الحاوي" (بالجد) ما إذا كان الداخل في التهود أو التنصر قبل النسخ أباً له أو أماً، وهو مقتضى قول "المنهاج" الآتي [ص 525]: (ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) لكن عبارة "الروضة" وأصلها: دخل آباؤهم 330، وهكذا في نص الشافعي 331، ومقتضاه: أنه لو دخل الأب في التنصر بعد النسخ ودخلت الأم فيه قبله .. لم يقر المتولد منهما بالجزية، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إنه المعتمد في الفتوى.
رابعها: لم يذكر "التنبيه" و "المنهاج" إلا التهود والتنصر قبل النسخ دون التمجس؛ لأنه لم ينتقل أحد من العرب إلى المجوسية، ولو ذكر ليعرف حكمه .. لكان أحسن، وقد تناولته عبارة "الحاوي" المتقدمة، وعبارة الشافعي رضي الله عنه تتناوله أيضاً.
خامسها: ذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن الشافعي رحمه الله إنما علق ذلك على نزول الفرقان لا على النسخ، وهو المعتمد؛ لتأخر النسخ في الأحكام عن البعثة.
سادسها: ظاهر قولهم: (بعد النسخ) أن التهود بعد بعثة عيسى عليه السلام لا يقر بالجزية،

الحديث: 5377 - الجزء: 3 - الصفحة: 338

وهو الأصح في "الروضة" وأصلها 332، لكن نص في "الأم" على اعتبار الدخول قبل نزول الفرقان مطلقاً 333. سابعها: الأصح: تقرير الداخل بعد التبديل مطلقاً، وذكر "التنبيه" له مع النسخ يفهم خلافه؛ ولهذا اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على النسخ.
5378 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام .. فقد قيل: يعقد لهم، وقيل: لا يعقد لهم) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 525]: (وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود عليهم السلام) وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 615]: (زعم التمسك بكتاب)، وقال الماوردي بعد ذكر الوجهين: وإطلاقهما عندي غير صحيح، والواجب اعتبار كتابهم، فإن تضمن تعبداً وأحكاماً يكتفي به أهله عن غيره .. كان كالتوراة والإنجيل في ثبوت حرمته وإقرار أهله، وإلا .. لم يجز إقرارهم عليه 334، وهو المفهوم من تعبير "التنبيه" بالدين؛ لأنه لا يمكن التمسك بدين إلا بعد معرفة أحكامه.
5379 - قول "المنهاج" [ص 525]: (ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) لا يخفى أن محله: ما إذا اختار دين أهل الكتاب، فإن اختار التوثن .. لم يقر، وإن لم يختر شيئاً .. فهل نقول: لا يعقد له حتى يختار دين أهل الكتاب، أو طلبه عقد الجزية اختيار لدين أهل الكتاب؟ قال شيخنا في "تصحيحه": هذا محتمل، والأرجح: الأول، ولم أَرَ مَنْ تعرض لذلك، وتقدم أن نصوص الشافعي على اعتبار الآباء، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم أجد له نصاً شاهداً لجواز تقرير من أبوه وئني وأمه كتابية بالجزية ويوافق ما ذكره شيخنا: قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا يعقد لمن ولد بين وثني وكتابية، وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان، أصحهما: أنه يعقد له) فجعل الثانية محل الخلاف، وقطع في الأولى بالمنع.
5380 - قوله: (وأما السامرة والصابئة .. فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم، وقيل: لا يجوز) 335 المذهب في "أصل الروضة": أنهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم .. فليسوا منهم، وإلا .. فمنهم، وهكذا نص عليه، وعليه يحمل النصان الآخران، وهذا فيما إذا لم يكفرهم اليهود والنصارى، فإن كفروهم .. لم يقروا قطعاً، فإن أشكل أمرهم .. ففي تقريرهم احتمالان ذكرهما الإمام، الأصح: الجواز 336.

الحديث: 5378 - الجزء: 3 - الصفحة: 339

5381 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا يؤخذ من امرأة) كذلك الخنثى، كما صرح به "المنهاج" 337، ويدل عليه تعبير "الحاوي" بالذكر، فلو بانت ذكورة الخنثى .. ففي الأخذ منه للسنين الماضية وجهان، قال النووي: ينبغي تصحيح الأخذ 338، وجزم به في شرح "المهذب" في (نواقض الوضوء) 339. وقال في "المهمات": ينبغي تصحيح عكسه؛ فإنه لو دخل حربي دارنا وبقي سنة ثم اطلعنا عليه .. لا نأخذ منه شيئاً لما مضى على الصحيح؛ لعدم التزامه، فهذا أولى؛ لتحققنا الأهلية هناك دون هنا.
قلت: لعل صورته أن يكون صدر معه عقد جزية في حال إشكاله، ثم تبين بظهور حاله صحة العقد كما لو عقد النكاح بخنثيين ثم بانت ذكورتهما، وقد أشار لذلك شيخنا الإمام البلقيني.
5382 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ولا عبد) كذلك المبعض؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 525]: (ومن فيه رق) ويوافقه تعبير "الحاوي" بالحر 340. 5383 - قول "الحاوي" [ص 616]: (دون زمن الجنون المتقطع) محله: ما إذا كثر زمنه، فإن قل؛ كساعة من شهر .. فلا عبرة به؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 525]: (فإن تقطع جنونه قليلاً؛ كساعة من شهر .. لزمته، أو كثيراً؛ كيوم ويوم .. فالأصح: تلفيق الإفاقة، فإذا بلغت سنة .. وجب) وفرض "التنبيه" الخلاف أيضاً في الكثير فقال: (وإن كان منهم من يجن يوما ويفيق يوماً .. فالمنصوص: أنه تؤخذ منه الجزية آخر الحول، وقيل: تلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولاً .. وجبت عليه الجزية وهو الأظهر) 341، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي نقوله: أن جنونه أياماً في أثناء الحول لا يؤثر، ويجب عليه جميع الجزية، ولا يحسب له نظير أيام الجنون من السنة الثانية كما نص عليه، فإن أكثر التقطع .. قضي بموجب النص الآخر، والأرجح: اعتبار التلفيق، وليس في عبارة "التنبيه" و"المنهاج" ولا غيرهما ضابط القليل والكثير، وظاهر كلامهما في الكثير التعليق على الأيام التي بلغت سنة، فتكون عددية، وليس كذلك، وإنما هي سنة هلالية، ومهما كان فيها من أيام الجنون يحسب ويؤخذ بقدره من الإفاقة التي بعدها، فإذا كان في السنة الهلالية سبعة أشهر ناقصة وخمسة تامة .. فالناقصة خارجة من البين، ويلفق أيام الجنون من السنة التي بعدها، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وقال: ليس هذا كالأشهر المنكسرة، فينكسر

الحديث: 5381 - الجزء: 3 - الصفحة: 340

الجميع؛ لأن الأشهر هناك أجل والأجل هنا سنة، فلا يكون التلفيق من الأشهر مقتضياً لانكسارها.
5384 - قولهما: (فيما لو بلغ ابن ذمي وبذلها .. عقد له) 342 يتناول ما إذا بلغ سفيهاً، وفيه تفصيل، حاصله أن للسفيه أن يعقد بدينار بغير زيادة، وأن عقده إنما يكون عند إباء وليه، ذكره شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وعبارة "أصل الروضة": المذهب: أنه لا يصح عقد السفيه والولي بالزيادة 343. 5385 - قول "التنبيه" [ص 237، 238]: (وفي الشيخ الفاني والراهب قولان، وفي الفقير الذي لا كسب له قولان، أحدهما: لا تجب عليه، والثاني: تجب، ويطالب به إذا أيسر) الأظهر في الكل: الوجوب، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" 344، وصرح به "المنهاج" فقال [ص 526]: (والمذهب: وجوبها على زَمِنٍ وشيخٍ هرمٍ وأعمىً وراهبٍ وأجيرٍ وفقيرٍ عجز عن كسبه، فإذا تمت سنة وهو معسر .. ففي ذمته حتى يوسر) وفي تعبيره في الفقير بالمذهب نظر؛ فليس فيه إلا قولان، كذا في "الروضة" وأصلها 345، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ومحل الخلاف في الشيخ ونحوه: إذا لم يكن ذا رأي، فإن كان ذا رأي .. فإنه تضرب عليه الجزية قولاً واحداً، وقد قيد محل الخلاف بذلك الشيخ أبو حامد والقاضي حسين.
5386 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويُمنع كل كافر من استيطان الحجاز) لو عبر بالمقام كما في "التنبيه" 346، أو بالإقامة كما في "الروضة" 347، أو بالقرار كما في "الحاوي" 348، أو بالسكنى كما عبر به الشافعي رضي الله عنه 349 .. لكان أولى؛ فإن الاستيطان أخص منها، ولا يتقيد الحكم به، فمطلق الإقامة كذلك، ثم محل هذا في غير حرم مكة، فأما حرم مكة .. فيمنعون من دخوله مطلقاً، وقد ذكره الثلاثة بعد ذلك.
5387 - قولهما: (وهو مكة والمدينة واليمامة وقُرَاها) 350 وعبارة "التنبيه" [ص 238]: (ومخاليفها)، وهي عبارة الشافعي رضي الله عنه 351، وهي بمعناها.

الحديث: 5384 - الجزء: 3 - الصفحة: 341

قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن الضمير في قوله: (وقراها) يعود على الحجاز، وهذه بلاد الحجاز لا نفس الحجاز، وفيما ذكره نظر، والظاهر عوده على مكة والمدينة واليمامة، وأن قراها من نفس الحجاز، ويوافق ذلك قول "الحاوي" [ص 616]: (في غير مكة والمدينة واليمامة وقراها) فإنه ليس في كلامه ذكر الحجاز حتى يتخيل عود الضمير إليه، وأيضاً فالحجاز مذكر فكيف يعاد عليه الضمير مؤنثًا؟ ! 5388 - قول "المنهاج" [ص 526]: (وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة) كان ينبغي التعبير عنه بما بين البلاد مما ليس موضع إقامة عادة؛ فإن الطرق الممتدة لا يجوز إقامة أحد بها، لا مسلم ولا كافر، ومحل هذا الوجه: في الذمي وفي غير الحرم؛ فإن الكلام ليس فيه؛ بدليل ذكره بعد ذلك.
5389 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (فإن أذن لهم في الدخول لتجارة أو رسالة .. لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام) 352 المراد: غير يومي الدخول والخروج؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 616]: (ومن إقامة الحجاز مدتها) أي: مدة الإقامة، والثلاثة غير يومي الدخول والخروج، وليست مدة إقامة، ثم محل ما ذكروه في التجارة: في الذمي، أما الحربي .. فلا يمكن من دخول الحجاز للتجارة، قاله شيخنا في "تصحيح المنهاج"، وحكى نصاً للشافعي يقتضيه، قال: وعلى مقتضاه جرى الأصحاب، ودخل في عبارتهم المرأة؛ فهي في ذلك كالرجل، وقد نص عليه، وقل من ذكره، ولو تنقل من قرية إلى قرية وأقام بكل واحدة ثلاثاً .. لم يمنع، وقد يفهم كلامهم خلافه.
5390 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويمنع دخول حرم مكة، فإن كان رسولاً .. خرج إليه الإمام أو نائب يسمعه) هو المراد يقول "الحاوي" [ص 616]: (وللرسولِ خرجَ سامعٌ).
5391 - قولهم: (فإن دُفن .. نُبِشَ وأُخرج) 353 محله: ما لم يتقطع، فإن تقطع .. لم ينبش كما قاله الجمهور ونص عليه الشافعيَ 354، وفي "الكافي" للخوارزمي بعد ذكر هذا: وقيل: قال الشافعي في موضع: إن أمكن النبش وجمع عظامه .. نُبِش ورمي عظامه إلى الحل.
5392 - قول "المنهاج" [ص 526]: (وإن مرض في غيره من الحجاز وعظُمت المشقة في نقله .. تُرك) عبارة "الحاوي" [ص 616]: (لا إن مرض وشق نقله) فاعتبر مطلق المشقة لا عظمها، والأول هو الموافق لتعبير "الروضة"، وقوله: وجواب جمهور الأصحاب أنه لا ينقل مطلقاً 355، أي: مع عظم المشقة في نقله، وإن كانت عبارته توهم خلاف ذلك، وترد هذه

الحديث: 5388 - الجزء: 3 - الصفحة: 342

المسألة على إطلاق "التنبيه" أنهم يمنعون من المقام في الحجاز.
5393 - قول "المنهاج" [ص 526]: (فإن مات وتعذر نقله .. دفن هناك) محله: في الذمي، فأما الحربي .. فلا يجب دفنه، بل في وجه: لا يجوز، وتغرى الكلاب عليه، فإن دفن؛ فلئلاَّ يتأذى الناس بريحه، فهذا يوارى مواراة الجيف، والمرتد كالحربي.
واحترز بتعذر نقله عما إذا مات في طرف الحجاز .. فإنه ينقل، قال الرافعي: وأطلق أكثرهم أنه يدفن فيه، وقال البغوي: إن أمكن نقله قبل التغير .. نقل، وإلا .. فلا، وقال الرافعي: إنه تفصيل جيد (1). 5394 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ولا يدخلون سائر المساجد إلا بإذن) أورد عليه: أنه إن أراد بسائر: الجميع .. انتقض بالمسجد الحرام؛ فإنهم لا يدخلون بإذن ولا غيره، وإن أريد به: الباقي .. فلم يتقدم لغيره من المساجد ذكر ليكون هذا باقيه.
وأجيب عنه: بأن المراد: الباقي، وقد دخل المسجد الحرام في عموم الحرم، وإنما يجوز الإذن؛ للحاجة، لا للأكل والشرب، وجلوس الحاكم إذن إن كان له خصومة.
5395 - قوله: (وإن كان جنباً .. فقيل: لا يمكن من اللبث في المسجد، وقيل: يمكن) (2) الثاني هو الأصح.

فصل [في الجزية]

5396 - قولهما: (أقل الجزية دينار) 358 قال الرافعي: هذا هو المنصوص الموجود في كتب الأصحاب، قال الغزالي تبعاً للإمام: أو اثنا عشر درهماً نقرة خالصة مصكوكة، يتخير الإمام بينهما، قال الإمام: ولم يقابل الدينار في غيرها إلا بعشرة، قال: ورأيت في كلام الأصحاب أن الأصل الدينار ولا يقبل الدراهم إلا بالقيمة كالسرقة، قال: وهو متجه، ولولا قضاء عمر رضي الله عنه بالترديد بينهما .. لما كان للدرهم وجه، والأخبار كلها ذاكرة للذهب 359. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كلامه يقتضي أن الذهب متعين لصحة العقد، وليس كذلك؛ فإن العقد يجوز على المتقومات والمثليات إذا كانت قيمتها لا تنقص عن دينار خالص356357

الحديث: 5393 - الجزء: 3 - الصفحة: 343

مضروب، وقد قال الشافعي رضي الله عنه فيما حكاه البيهقي: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على حلل يؤدّونها إليه، فدل صلحه إياهم على غير الدنانير أنه يجوز ما صولحوا عليه 360، وهو مقتضى كلام الأصحاب في صورة تضعيف الصدقة، وسيأتي ذكرها.
وقول "الحاوي" [ص 616]: (بقدر دينار وأكثر) يحتمل أن يشير به إلى ما ذكره الإمام والغزالي من التخيير بينه وبين اثني عشر درهماً، وإلى ما ذكره شيخنا من جوازه على ما كان قيمته ديناراً من أي شيء كان، والأول أقرب؛ لاعتياده متابعة الغزالي، والثاني مقتضى لفظه.
واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" من ذلك مسألتين: إحداهما: أن في "أصل الروضة" في صورة تضعيف الصدقة عند ذكر الإشكال الثاني: أنه وإن وفى المأخوذ بدينار لكل رأس .. فربما كان فيهم من لا يملك مالاً زكويًّا، فيكون قد قرر بلا جزية، ولا يجوز وإن بذل غيره أكثر من دينار، كما لو قال واحد: خذوا مني عشرة دنانير على أن لا جزية على تسعة معي .. أن الأكثرين أجابوا عنه بأن المأخوذ من أصحاب الأموال الزكوية مأخوذ عنهم وعن الآخرين، ولبعضهم أن يلتزم عن نفسه وعن غيره، وغرضنا تحصيل دينار عن كل رأس، وقال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن فيه تقرير بعضهم بلا مال، وأُجري الوجهان فيما لو التزم واحد عشرة دنانير عنه وعن تسعة 361، قال شيخنا: لكن نص في "الأم" على أن أحداً من رجالهم لا يكون خلياً من الجزية 362، وهو شاهد لأبي إسحاق، فالاستثناء على الأول، ونظير ذلك مصالحتهم وهم في بلادهم على أداء الخراج، وضرب ذلك على أراضيهم.
الثانية: إذا افتتح الإمام أرضاً عنوة أو صلحاً على أن الأرض للمسلمين، فساقى أهلَها على الشجر وما يتبعها .. فإنه يجوز أن يقيموا في تلك الأرض سنين بلا جزية، أو بجزية منطوية مع الشطر من التمر والزرع في مقابلة العمل، ولا يشترط في هذه الجزية أن تبلغ ديناراً لكل رأس، قال شيخنا: وذلك يستنبط من قضية خيبر، وقد أشار الشافعي رضي الله عنه إليه 363، وهو متعيّن لا بد منه، ولم ينقل عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن صاحبيه رضي الله عنهما أنهم أخذوا منهم غير ما صدرت عليه المعاملة، فمن ادعى أخذ الجزية منهم .. فعليه البيان، وحكى شيخنا ما في "أصل الروضة" عن "البحر" عن ابن أبي هريرة: أنه أسقط الجزية عن أهل خيبر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ساقاهم، وجعلهم خولاً، وقول "البحر" هذا شيء تفرد به، والمساقاة معاملة

الجزء: 3 - الصفحة: 344

لا تقتضي إسقاط الجزية 364، ثم قال شيخنا: خيبر من الحجاز؛ فإقامة اليهود فيها متعذرة في زماننا، وكلام ابن أبي هريرة هو في أولئك الذين صدرت معهم المعاملة، فهو قريب مما قررناه.
انتهى.
ويمكن أن يندرج في عبارة "التنبيه" و"المنهاج" ما إذا صولحوا صلحاً فاسداً .. فلا يجب المسمى، بل دينار، وهذا هو المنقول في "أصل الروضة"، لكن حكى شيخنا عن النص: أنه ليس له أن يأخذ من أحد منهم إلا ما صالحه عليه، ثم حكى نصاً آخر لفظه: (دعاهم إلى أن يعطوا الجزية على ما يصلح) 365 وهذا موافق لـ"الروضة"، ثم رجح شيخنا حمل الأول على ما إذا كان المسمى ناقصاً عن دينار، والثاني على ما إذا زاد عليه، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5397 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويستحب للإمام مماكسةٌ حتى يأخذ من متوسطٍ دينارين وغنيٍّ أربعاً) فيه أمور: أحدها: المراد: المماكسة حتى يعقد على صفة التوسط بدينارين وعلى صفة الغنى بأربعة، فيأخذ عند تمام الحول منهم ما عقد عليه إن وجدت الصفة آخر الحول؛ فإن الاعتبار بوقت الأخذ لا بوقت العقد، حكاه في "أصل الروضة" عن النص 366، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد بمئة دينار أن ينقص منها دانقاً.
ثانيها: قال الإمام: محل المماكسة: إذا لم يعلم الكافر جواز الاقتصار على دينار، فإن علم .. تُطلب 367 الزيادة استماحة 368، فإن امتنعوا من بذل ما زاد على دينار .. وجب تقريرهم بالدينار، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 617]: (فإن منع .. قَبِلَ).
ثالثها: يستثنى من المماكسة: السفيه؛ فإنه لا يعقد له بأكثر من دينار كما تقدم، ويستثنى ذلك أيضاً من قول "التنبيه" [ص 237]: (وأكثره ما وقع عليه التراضي) ولذلك قال "الحاوي" [ص 617]: (وله أن يماكس لا لسفيهٍ) لكنه قال قبل ذلك: (بدينار وأكثر) 369 ولم يقيده، فلو ذكر القيد هناك .. لكان أحسن.
5398 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ولو عقدت بأكثر ثم علموا جواز دينارٍ .. لزمهم ما التزموه، فإن أبوا .. فالأصح: أنهم ناقضون) فيه أمور:

الحديث: 5397 - الجزء: 3 - الصفحة: 345

أحدها: أنه يقتضي تخصيص الخلاف في النقض بما إذا علموا ذلك بعد العقد، وكذا في "الروضة" وأصلها 370، ولم يقيده بذلك في "التهذيب"، وإنما فرضه في امتناعهم عن الزيادة 371، ولهذا قال "الحاوي" [ص 617]: (فإن زاد .. لم ينفع الندم) إلا أنه لم يتعرض للنقض.
ثانيها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص في "الأم" 372، أو (على الصحيح) إن لم يطلع على النص؛ لأن الخلاف ضعيف ولا سيما مع العلم.
ثالثها: محل ذلك: في غير المدفوع باسم الصدقة؛ ففي "أصل الروضة": وإذا شرط ضعف الصدقة، وزاد على دينار، ثم سألوه إسقاط الزيادة وإعادة اسم الجزية .. أجيبوا على الصحيح 373. قلت: ويمكن أن يكون محل ذلك بالنسبة إلى السنة المستقبلة، أما ما استقر واجبه .. فلا يغير، والله أعلم.
رابعها: قد يفهم من النقض تخير الإمام فيه بين الأمور الأربعة كما سيأتي، وهو كذلك، لكن لو عاد وطلب العقد بدينار .. أجبناه، قال في "أصل الروضة": هكذا ذكره البغوي، وأطلق الإمام أنه لا يغتال، فإن طلب التجديد بدينار .. أجيب 374، وحكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" مثل مقالة البغوي عن النص.
5499 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ولو أسلم ذمي أو مات بعد سنين .. أخذت جزيتهن من تركته) أي: في صورة الموت، وتؤخذ في صورة الإسلام منه، فسكت عن حكم أحد التصويرين، وعبارة "التنبيه" [ص 238]: (ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول .. أخذ منه جزبة ما مضى) فقد يقال: أجاب عن الصورتين؛ لأن الأخذ من تركته أخذ منه، وقد يقال: ذكر جواب الإسلام دون الموت عكس "المنهاج"، وأحسن "الحاوي" بقوله [ص 617]: (وإن مات أو أسلم أو جن .. أخذ لما مضى) فضم إليهما الجنون، وذكر حكم الكل.
ثم محل الأخذ من تركته: ما إذا كان له وارث، وإلا .. فتركته كلها فيء؛ فلا معنى لأخذ الجزية منها، ولو كان له وارث غير مستغرق .. أخذ من نصيب الوارث ما يتعلق به من الجزية، وسقطت حصة بيت المال.

الجزء: 3 - الصفحة: 346

5400 - قول "المنهاج" [ص 526]: (ويُسوَّى بينها وبين دين آدمي على المذهب) كذا في "الروضة" وأصلها 375، وعبارة "الحاوي" [ص 617]: (ويسوَّى بالديون)، وكذا في "المحرر" 376، ومقتضى الأولى: تقديم الزكاة عليها، ومقتضى الثانية: تسويتهما.
وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": إن الأول أظهر؛ فتكون عبارة "المنهاج" أحسن، ثم إن كان كلامهما في صورة الموت .. اقتضى تقديم دين الآدمي عليهما قطعاً في حالة حجر الفلس، والمنصوص في "الأم" و"المختصر": الاستواء؛ حيث قال في الإعسار بالجزية: (فالسلطان غريم من الغرماء، ليس بأحق بماله من غرمائه ولا غرماؤه منه) 377، وإن كان كلامهما فيهما .. فهو مخالف لقوله في (الأيمان): إن الخلاف لا يجري في المحجور عليه بفلس، بل يقدم حق الآدمي ويؤخر حق الله تعالى 378. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والظاهر حمل كلامه على الموت، وكذا صورها في "الروضة" تبعاً لـ"الشرح"، ويقاس عليه صورة الحجر بالفلس ويختص كلام "الروضة" في (الأيمان) بحقوق الله تعالى التي على التراخي؛ ككفارة اليمين؛ حيث لا تعدي يقتضي الفورية، فأما الواجبة على الفور؛ كالزكاة والجزية .. ففيها الخلاف، والمذهب: التسوية بين الجزية وديون الآدميين في حالتي الموت وحجر الفلس.
5401 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ومن مات أو أسلم في أثناء الحول .. فقد قيل: يؤخذ منه لما مضى، وقيل: فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجب عليه شيء، والثاني: يجب لما مضى بقسطه وهو الأصح) الأصح: طريقة القولين، وأصحهما: الوجوب بالقسط كما ذكره؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 526]: (أو في خلال سنة .. فقسطٌ، وفي قول: لا شيء) وهو داخل في عبارة "الحاوي" المتقدمة؛ فإن قوله: (أخذ لما مضى) يتناول السنة الكاملة وبعضها، وقوله بعد ذلك: (لا القسط من أهل الجزية) 379 أي: ليس للإمام أخذ القسط في أثناء الحول ممن لم يطرأ عليه موت ولا إسلام ولا جنون، بل هو مستمر على أهلية الجزية، فلو حجر عليه بفلس في أثناء السنة .. فمقتضى كلامهم: أنه لا يؤخذ منه ذلك الوقت القسط، وهو الجاري على القواعد، لكن نص في "الأم" على الأخذ، فقال: (وإن فلسه لأهل دينه قبل تحول الحول عليه .. ضرب مع

الحديث: 5400 - الجزء: 3 - الصفحة: 347

غرمائه بحصة جزيته لما مضى عليه من الحول) 380 حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هذا فرع حسن لم أر من تعرض له.
5402 - قول "الحاوي" [ص 618]: (وأخذ لحيته، وضرب لهازمه مطأطأ الرأس في الأداء) تبع فيه الرافعي، وعبارة "المنهاج" في اختصاره لـ"المحرر": (وتؤخذ بإهانةٍ، فيجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لهزمته) 381 ثم اعترضه "المنهاج" فقال [ص 527]: (هذه الهيئة باطلة، ودعوى استحبابها أشد خطأ) وقال في "الروضة": لا نعلم لها أصلاً معتمداً، وإنما ذكرها طائفة من الخراسانيين، وقال الجمهور: تؤخذ برفق كالديون، فالصواب: الجزم بأنها باطلة مردودة على مخترعها، فلم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الخلفاء الراشدين، وقد قال الرافعي في أول (كتاب الجزية): الأصح عند الأصحاب: تفسير الصَّغَار بالتزام الأحكام.
انتهى 382. ونص عليه الشافعي فقال: (ولم أسمع مخالفاً في أن الصَّغَار أن يعلو حكم الإسلام على حكم الكفر) 383 وعلى ذلك مشى "التنبيه" فقال [ص 237]: (ويؤخذ ذلك منهم برفق كما تؤخذ سائر الديون)، وهنا أمور: أحدها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": محل هذا: في غير ما أخذت فيه الجزية باسم الصدقة؛ فتلك لا يأتي فيها الوجهان؛ لأنهم أنفوا من اسم الجزية .. فبالأولى أن يأنفوا من هذا الفعل، ولم أر من تعرض لذلك هنا، ولا بد منه.
ثانيها: قوله: (فيجلس الآخذ) أي: المسلم؛ فإنه لا يكون المستوفي لها إلا مسلماً سواء قلنا بهذه الطريقة أم لا، بل لا يكون إلا عدلاً، ذكره شيخنا أيضاً، وقال: لم أر من تعرض له، وقوله: (ويضعها في الميزان) أي: في الموزونات، فلو أحضر ثوباً أو غيره .. وضعه في يد الآخذ أو حيث يأمره به، وقوله: (ويقبض لحيته) فلو لم يكن له لحية .. هل يقبض من مجمع اللحيين؟ لم يتعرضوا له، قال شيخنا أيضاً: والظاهر أنه لا يقبض شيئاً؛ لأن قبض ذلك ليس بإهانة في العرف، بخلاف اللحية، وقوله: (ويضرب لهزمتيه) هما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، ومقتضاه: أنه يضرب في كل لهزمة ضربة، وهو مقتضى قول "الحاوي" [ص 618]: (وضرب لهازمه) قال الرافعي: ويشبه أن يكفي الضرب في أحد الجانبين، ولا يراعى الجمع

الحديث: 5402 - الجزء: 3 - الصفحة: 348

بينهما 384، قال شيخنا أيضاً: والظاهر أنه يضربه بالكف مفتوحاً.
ثالثها: قول "المنهاج": (ودعوى استحبابها أشد خطاً) كان ينبغي أن يقول: (بطلاناً) ويزيد: (ودعوى إيجابها أشد) ولم يبين هل هي محرمة أو مكروهة؟ قال شيخنا ابن النقيب: ولم أر من تعرض له، ومقتضى أنها كسائر الديون: تحريمُها 385. 5403 - قول "المنهاج" [ص 527]: (وكله مستحب، وقيل: واجب، فعلى الأول: له توكيل مسلم بالأداء، وحوالته عليه، وأن يضمنها) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي جواز توكيل ذمي على الوجهين، وكذا قول "الحاوي" [ص 618]: (ويتوكل فيه المسلم) لكن قال الإمام: الوجه طرد الخلاف في توكيل ذمي 386. ثانيها: قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": التحقيق صحة التوكيل على الثاني أيضاً، ولكن لا يمكن الوكيل من الدفع، وفائدته فيما لو أسلم الموكل .. فقد سقطت عنه الإهانة، فيؤدي وكيله حينئذ.
ثالثها: قال شيخنا أيضاً: تصح الحوالة جزماً، ثم المحال عليه يحيل بذلك على المحيل بدين آخر ثبت عليه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع مطالبة الأصيل.
5404 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويجوز أن يشرط عليهم بعد الدينار ضيافة من يمر بهم من المسلمين) و"الحاوي" [ص 617]: (ويزيد ضيافة المسلم المارّ) فيه أمران: أحدهما: أنه يستحب ذلك مع الإمكان كما صرح به "المنهاج" 387. ثانيهما: أن محل الضيافة على الغني والمتوسط، دون الفقير في الأصح كما ذكره "المنهاج" أيضاً 388، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 389. 5405 - قوله: (وقيل: يجوز منها) 390 تختص الضيافة على هذا الوجه بأهل الفيء، حكاه الرافعي عن الروياني 391، وأسقطه في "الروضة".
5406 - قولهم: (ويذكر عدد الضيفان) 392 يقتضي أنه لا حصر لذلك، ويوافقه قول "أصل

الحديث: 5403 - الجزء: 3 - الصفحة: 349

الروضة": ثم إن تساووا في الجزية .. تساووا في الضيافة، وإن تفاوتوا .. فاوت بينهم؛ فيجعل على الغني ضيافة عشرين مثلاً، وعلى المتوسط عشرة، ثم قال: ولو شرط عدد الضيفان على جميعهم، وقال: يضيفون في كل سنة ألف مسلم .. قال الروياني: يكفي ذلك، ثم هم يوزعونها، أو يتحمل بعضهم عن بعض 393. لكن حكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن النص في "الأم" أنه قال: (وعلى الموسع أن ينزل كل من مر به ما بين ثلاثة إلى ستة لا يزيدون على ذلك، وعلى الوسط أن ينزل كل من مر به رجلين وثلاثة لا يزيد عليهم) 394. 5407 - قولهما: (رجالاً وفرساناً) 395 لم يذكره "الحاوي"، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لا معنى له؛ لأن الأضياف لا يختلف عددهم ولا حالهم بكونهم رجالاً وفرساناً، وإنما الذي يتعلق بالفرسان علف دوابهم، وقد ذكره بعد ذلك.
5408 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويبين قدر الطعام والأدم) و"المنهاج" [ص 527، - والعبارة له - و"الحاوي" [ص 617، 618]: (وجنس الطعام والأدم، وقدرهما) قيده الشافعي رضي الله عنه بأنه يكون من نفقة عامة أهله؛ مثل الخبز والخل والزيت والجبن واللبن والحيتان والبقول المطبوخة 396، وقال الماوردي: جنسه غالب قوتهم وأدمهم، وقدر الأدم: أكثره أربعة أرطال، وأقله رطلان، والثلاثة وسط، وقدر الأدم معتبر بالعرف الغالب 397. 5409 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولكل واحدٍ كذا) لو حذف الواو .. لكان أولى؛ لأنه بيان لما تقدم.
5410 - قولهم: (والعلف) 398 يقتضي أنه يشترط بيان جنسه وقدره، وليس كذلك؛ فيكفي الإطلاق، ويحمل على التبن والحشيش، ولا يجب الشعير إلا مع التصريح به، وإن ذكره .. بيّن قدره، ولا يعلف لكل واحد سوى دابة واحدة كما نص عليه 399. 5411 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ومنزل الضيفان؛ من كنيسةٍ وفاضل مسكن) يقتضي تخصيص الإنزال بمن عليه الضيافة، وهم الأغنياء والمتوسطون، وليس كذلك؛ فقد نص الشافعي

الحديث: 5407 - الجزء: 3 - الصفحة: 350

رضي الله عنه على أنهم إذا كثروا .. أنزلهم أهل الحاجة في فضل مساكنهم، وليست عليهم ضيافة 400، وكذا قال في "الروضة": أو من بيوت الفقراء الذين لا يضيفون 401، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لإطلاقهما الضيافة كما تقدم.
5412 - قولهم: (ولا يزاد على ثلاثة أيام) 402 هذا هو المشهور من نصوص الشافعي رضي الله عنه 403، لكن له نص آخر يدل على أنه يجوز اشتراط أكثر من ثلاث، وفي "أصل الروضة" بعد ذكره عدم الزيادة على ثلاث: وقال ابن كج: يشترط على المتوسط ثلاثة أيام، وعلى الغني ستة، وقال الإمام: إذا حصل التوافق على الزيادة .. فلا منع 404. 5413 - قول "التنبيه" [ص 237]: (ويقسم ذلك على عددهم وعلى قدر جزاهم) أي: على عددهم إن استوت جزاهم، وإلا .. فعلى قدرها.
5414 - قوله: (ويجوز أن يضرب الجزية على الأراضي - أي: على ما يخرج منها من ثمر وزرع - وعلى مواشيهم) 405 أي: الزكوية فيأخذها باسم الزكاة مضاعفة؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 618]: (ويضعف الزكاة بدله) أي: بدل الدينار، و"المنهاج" [ص 527]: (ويُضَعِّف عليهم الزكاة؛ عن خمسة أبعرة: شاتان، وخمس وعشرين: بنتا مخاضٍ، وعشرين ديناراً: دينارٌ، ومئتي درهم: عشرة وخُمُسُ المعشرات) أي: إن سقيت بلا مؤنة، وإلا .. فعشرها، وهنا أمران: أحدهما: إنما يقتصر على التضعيف إذا وفى الحاصل بقدر دينار لكل رأس، وإلا .. زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر، ويجوز الاقتصار على قدر الزكاة أو أقل إذا حصل الوفاء بالدينار؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 619]: (فزاد إن نقص عن دينار لكل، ويُنصف إن وفى) واستحب جماعة زيادة شيء على قدر الصدقة؛ لإسقاط اسم الجزية، واستبعد الإمام المنع؛ لما فيه من التشبيه بالمسلمين في المأخوذ، وحط الصَّغَار بلا غرض مالي 406. ثانيهما: إن أريد: تضعيف الزكاة في كل شيء .. استثني منه زكاة الفطر، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": لم يتعرض لها عمر رضي الله عنه في التضعيف ولا الشافعي ولا أحد من

الحديث: 5412 - الجزء: 3 - الصفحة: 351

الصحابة، وإن أريد: في الأموال التي ذكرها "المنهاج" .. ورد عليه زكاة التجارة والمعدن والركاز؛ فقد نص في "الأم" و"المختصر" على تضعيفها عليهم 407، وإن أريد: مطلق الأموال الزكوية .. اقتضى عدم الأخذ من المعلوفة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو بعيد، ولم أره في كلام الشافعي ولا أصحابه، واقتضى اطراد سائر أحكام الزكاة فيه، وفي كثير منها نظر وبُعْد.
5415 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولو وجب بنتا مخاض مع جبران .. لم يُضَعِّف الجبران في الأصح) فيه أمور: أحدها: صورة ذلك: أن يكون واجبه بنتي لبون؛ لكون إبله ستة وثلاثين، فيفقدهما، فله النزول إلى بنتي مخاض مع دفع الجبران، والصعود إلى حقتين مع أخذه، فظهر أنه لم يجب بنتا مخاض عيناً.
ثانيها: قد يفهم من قوله: (لم يضعف الجبران) وكذا قول "الحاوي" [ص 618]: (لا الجبران) أنه يؤخذ مع بنتي مخاض جبران واحد، وهو شاتان أو عشرون درهماً، وليس كذلك، والمراد: أن يؤخذ جبرانان بلا تضعيف، فيؤخذ مع كل رأس شاتان أو عشرون درهماً، فكان ينبغي أن يقول: (مع جبرانين .. لم يضعَّفا) وقد وقع في "الروضة " وأصلها هنا تخليط لا يفهم معه المراد؛ سببه سقوط شيء من المسودة 408. ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص على ذلك في "الأم" 409، وبتقدير عدم الاطلاع عليه .. فيعبر بالصحيح؛ لأن مقابله ضعيف جداً، قال في "الوسيط": إنه غلط 410. رابعها: مقتضى كلامه: أن الخيرة في ذلك للمالك كما في الزكاة، لكن نص الشافعي هنا على أن الخيرة للإمام 411، فقد يكون موافقاً لذلك القول، وقد يفرق باتهام الكافر، فلم يفوض الأمر إلى خيرته.
5416 - قول "المنهاج" [ص 527]: (ولو كان بعض نصاب .. لم يجب قسطه في الأظهر) يفهم تخصيصهما بما نقص عن نصاب، وليس كذلك، بل يجريان في الأوقاص التي بين النصب أيضاً، ومحله: فيما إذا لم يخالط غيره، فإن خلط عشرين شاة بعشرين لآخر .. أخذ منه شاة؛ لأن الخلطة تقتضي على كل واحد نصف شاة، فضعفنا ذلك، وكان ينبغي التعبير بالمشهور؛ لأن مقابله ضعيف جداً.

الحديث: 5415 - الجزء: 3 - الصفحة: 352

فصل [جملة من أحكام عقد الذمة]

5417 - قول "المنهاج" [ص 527]: (يلزمنا الكف عنهم، وضمان ما نتلفه عليهم نفساً ومالاً) يرجع ذكر النفس والمال إلى الكف والضمان، لكن الكف لا يختص بالمال، فنكف عن خمرهم وخنازير أيضاً إذا لم يظهروها؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 619]: (ويأمن نفساً ومالاً وزوجة وطفلاً وخمراً).
5418 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وعلى الإمام حفظ من كان منهم في دار الإسلام) كذا لو انفردوا ببلد بجوارنا في الأصح؛ ولهذا أطلق "الحاوي" قوله [ص 620]: (وندفع عنه الكافر إن لم نشترط عدمه) و"المنهاج" [ص 527]: (ودفع أهل الحرب عنهم، وقيل: إن انفردوا ببلد .. لم يلزمنا الدفع) وهذا الوجه مقيد بأمور: أحدها: إن انفردوا ببلد في جوار دار الإسلام؛ فإن كانوا في وسط دار الحرب .. لم يجب الذب عنهم قطعاً.
الثاني: أن يجري العقد مطلقاً، فإن جرى بشرط أن يذب عنهم أهل الحرب .. وجب الوفاء بالملتزم، وفيه احتمال للإمام 412. الثالث: ألاَّ يمر أهل الحرب بشيء من دار الإسلام، ومحل إطلاق "الحاوي": أنه إذا شرط عدم الدفع عنهم .. لم يجب ما إذا انفردوا عن المسلمين وعن أهل الحرب ببلد ولم يكن ممر من يقصدهم من أهل الحرب على المسلمين، فإن لم ينفردوا ببلد، أو انفردوا وكان ممر أهل الحرب القاصدين لهم على المسلمين .. لم يصح الشرط ولا العقد، وهو مفهوم من قوله في الجهاد: (وإن دخلتْ ولو خراب دار الإسلام .. فُرض على كل قوي) 413 لأن أهل الذمة إذا كانوا في بلاد الإسلام، أو في موضع يمر أهل الحرب على دار الإسلام .. فلا بد وأن يدخل من يقصدهم دار الإسلام.
5419 - قول "المنهاج" [ص 528]: (ونمنعهم إحداث كنيسة في بلد أحدثناه) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: ما كان للتعبد، فإن كان لنزول المارة .. فقال الماوردي: يجوز إن كانت لعموم الناس، فإن قصروها على أهل دينهم .. ففيه وجهان 414. ثانيهما: قالوا مع منع الإحداث: لا ينقض ما يوجد فيها الآن من ذلك إذا لم يعرف إحداثه؛

الحديث: 5417 - الجزء: 3 - الصفحة: 353

لاحتمال أنه كان في قرية أو برية فاتصلت بالعمارة.
5420 - قوله: (وما فتح عنوة .. لا يحدثونها فيه، ولا يُقرُّون على كنيسة فيه في الأصح) 415 سبقه إلى تصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي، وقطع به جمع من المراوزة، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ولكنه مخالف لنص "الأم" و"المختصر" فإنه قال بعد ذكر الكنيسة: (إنما يصالحهم على ذلك في بلادهم التي وجدوا فيها، ففتحوها عنوة أو صلحاً) 416، قال: وممن صحيح جواز التقرير على الكنيسة القائمة في صورة الفتح عنوة الماوردي 417، وقال الروياني في "الكافي": وإن فتحها المسلمون عنوة .. يجوز للإمام إقرار الكفار فيها باستطابة أنفس الغانمين، وإقرارهم على مالهم من البيع والكنائس من غير أن يحدثوا غيرها كما فعل عمر رضي الله عنه في أرض العراق، وغلط من قال بخلافه.
5421 - قول "الحاوي" [ص 620]: (وتُبقَّى في بلدنا إن شُرط) المراد ببلدنا هنا: ما فتح صلحاً على أن يكون للمسلمين وهم يسكنونه بخراج، وأجحف في الاختصار في تعبيره عن ذلك، وأوضحه "المنهاج" بقوله [ص 528]: (أو صلحاً بشرط الأرض لنا وبشرط إسكانهم وإبقاء الكنائس .. جاز) ومفهومهما: أنهم لو صولحوا على إحداث الكنائس في البلد المذكور .. لم يجز، وبه صرح الماوردي 418، لكن في "أصل الروضة" عن الروياني وغيره جوازه 419. 5422 - قول "المنهاج" [ص 528]: (أو لهم .. قُرَّرَتْ، ولهم الإحداث في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 420. 5423 - قول "الحاوي" [ص 620]: (ويرمُّ ويعيد) أي: حيث جوز الإبقاء، وإنما ذكر هو جواز الإبقاء حيث فتح؛ ليكون لهم أو لنا وهم يسكنونه، ولم يتعرض لتقريرها في بلد الإسلام، فلا يفهم منه جواز الرم والإعادة مطلقاً.
5424 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ولا يمنعون من إعادة ما استهدم منها، وقيل: يمنعون) ظاهره مواففة ما حكاه شيخنا عن النص والماوردي والروياني من جواز تقريرها فيما فتح عنوة 421؛ لأن إعادة ما استهدم فرع جواز التقرير، وقد يقال: إنما كلامه فيما فتح صلحاً، وقال السبكي في

الحديث: 5420 - الجزء: 3 - الصفحة: 354

تصنيف له سماه "كشف الدسائس": الصواب: أن الضمير في كلامه يعم المسألتين؛ أي: مسألة ما إذا تهدم بعض كنيسته .. هل يمنع من ترميمها؟ وما إذا انهدمت كنيسة .. هل يمنع من إعادتها؟ قال في "التوشيح": وحاصل اختياره في مصنفاته في هدم الكنائس أنه لا يجوز التمكين من الترميم رأساً، وقال في قول الرافعي: لا منع من إعادتها إذا استرمت 422: أن الشيخ أبا حامد قد حكى الخلاف في ذلك، وليس مجزوماً به، بل مختلف فيه، والحق المنع، وقال في تعبير الرافعي وغيره بالجواز: أن فيه تسمحاً، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإباحة بقاء الكنائس، وادعى أن الأمة مجمعة على أنا لا نأذن في ذلك، قال: وفرق بين الإذن وعدم الاعتراض، وقال في قول "المنهاج" [ص 528]: (ولهم الإحداث في الأصح) أن فيه أيضاً تجوزاً، ومراده: عدم المنع، قال: وعبارة "المحرر" سالمة من ذلك 423 ومن تمام تحقيقاته: أنه ادعى أن من جوز الترميم والإعادة بما تهدم نفسه لا بآلات جديدة، قال: وذلك هو مدلول لفظ الإعادة والترميم، وطالب من يدعي خلاف ذلك بنقل عن واحد من علماء الشريعة، قال: وبالجملة: مشهور مذهبنا: التمكين، والحق عندي خلافه، قال في "التوشيح": ومن واضحات أدلته: قول عمر رضي الله عنه في شروطه: ولا يجدد ما خرب منها، قال: فهذا يقتضي عدم تجديد ما خرب من الكنائس، سواء أكان الذي خرب كنيسة بجملتها أم بعض كنيسة.
انتهى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": التحقيق في ذلك ما صححه الماوردي: أنه إن صارت دارسة .. فلا تعاد؛ لما فيه من معنى الإنشاء، وإن بقي منها جدران وآثار .. أعيدت 424. 5425 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويمنعون أن يعلوا على المسلمين في البناء) المراد: جيرانهم المسلمون، لا كل مسلم؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 528]: (ويمنعون وجوباً - وقيل: ندباً - من رفع بناء على بناء جارٍ مسلمٍ) وكذا قيده "الحاوي" بالجار 425، والمنع لحق الدين، فلا يجوز برضا الجار.
5426 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ولا يمنعون من المساواة، وقيل: يمنعون) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و "الحاوي" 426، لكن حكى شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم" الاستحباب فقط، وعبارته: (وأحب أن يجعلوا بناءهم دون بناء المسلمين

الحديث: 5425 - الجزء: 3 - الصفحة: 355

بشيء) 427، قال شيخنا أيضاً: ومحل ما أطلقوه من منع الرفع والمساواة: فيما إذا كان بناء المسلم مما يعتاد للسكنى، فلو كان قصيراً لا يعتاد للسكنى؛ لأنه لم يتم بناؤه، أو لأنه هدمه، أو انهدم إلى أن صار كذلك .. لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل ما يعتاد السكنى؛ لئلا يتعطل عليه حق السكنى الذي عطله المسلم باختياره، أو تعطل عليه لإعساره، ثم إن بناه المسلم دونه مما لا يعتاد للسكنى .. لم يكلفه النقض عن أقل المعتاد؛ فإما أن يرفع بناءه أو يترك بناء الذمي بحاله.
5427 - قول "المنهاج" عطفاً على ما عبر فيه بالأصح [ص 528]: (وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة .. لم يُمنعوا) عبر عنه في "الروضة" بالصحيح 428. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو مخالف لظاهر النص في "الأم" و"المختصر" حيث قال: (ولا يحدثون بناء يطيلون به بناء المسلمين) 429 ولم يفرق بين المتصل والمنفصل، ثم قال في "الأم": (وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين .. لم يمنعهم إحداث كنيسة ولا رفع بناء) 430، قال شيخنا: يدل على منعهم من الرفع في دار الإسلام ولو كانوا منفردين بمحلة أو قرية، وهذا هو المعتمد في الفتوى.
قلت: إذا كان المراد: الرفع على بناء الجار .. فكيف يتصور ذلك في القرية المنفردة ولا جيران فيها؟ ! بل كيف يتصور في المحلة المنفصلة ولو كانت في البلد؟ ! لأن لفظ الانفصال يدل على أنه لا ملاصق لهم من شيء من الجوانب، وقد قال في "أصل الروضة": كطرف من البلد منقطع عن العمارة.
انتهى 431. فإن لاصقت دور البلد من أحد جوانبها .. اعتبرنا في ذلك الجانب ألاَّ يرتفع فيه بناء أهل الذمة على بناء من يجاورهم من المسلمين دون بقية الجوانب؛ إذ لا جار لهم فيها، والله أعلم، وأفتيت بمنع بروز الذمي في البحر والخلجان ونحوهما على جار له مسلم؛ لما فيه من الاطلاع على عورة المسلم، والتعظيم عليه، وهو المعنى المعتبر في منع الإعلاء، بل قياس منع المساواة في البناء: منع المساواة في البروز، وفيه بعد، والله أعلم.
5428 - قول "التنبيه" [ص 238]: (وإن ملكوا داراً عالية .. أقروا عليها) قد يفهم أنه لو انهدمت .. كان له إعادتها كما كانت، وليس كذلك، بل يمنع من الرفع ومن المساواة في الأصح، وحيث يقرون عليها يمنعون من طلوع سطوحها إلا بعد تحجيره، وإن لم يؤمر المسلمون بتحجير

الحديث: 5427 - الجزء: 3 - الصفحة: 356

أسطحتهم، ويمنع صبيانهم من الإشراف وإن لم يمنع صبيان المسلمين من ذلك، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 432. 5429 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويركبون البغال) و"الحاوي" [ص 620]: (ويركب لا الخيل) يفهم جواز ركوب النفيس من البغال، وبه صرح "المنهاج" 433، وقال في "أصل الروضة": قطع به كثيرون، وحكى المنع منها عن الفوراني والإمام والغزالي 434. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": البغال في هذا الزمان لا يركبها في الغالب إلا أعيان المسلمين أو من يتشبه بهم؛ فيمنع أهل الذمة من ذلك، لا توقف عندنا في الفتوى بذلك، ولم يتعرض الشافعي رضي الله عنه للتصريح بذلك، وإنما قال في "الأم" و"المختصر": (وأن يفرقوا بين هيئاتهم في اللباس والمركب وبين هيئات المسلمين) 435 وكلام الشافعي هذا شاهد لنا بالمنع من ركوب البغال النفيسة.
5430 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (ويركب بركاب خشب) قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": هو في ركاب خسيس، فأما الركاب من الخشب النفيس الذي جرت عادة أعيان المسلمين بالركوب .. فيمنعون منه.
5431 - قول "التنبيه" [ص 238]: (عَرْضاً) أي: يجعل رجليه من جانب، قال في "أصل الروضة": وعن الشيخ أبي حامد: أن لهم الركوب على الاستواء، ويحسن أن يتوسط بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد أو إلى مسافة بعيدة 436. قال في "التوشيح": وينبغي ألاَّ يسامح إلا إذا بعد، وليس كالمسافر سفراً طويلاً؛ حيث يقصر من حين مفارقة البنيان، انتهى.
وفي "أصل الروضة": عن ابن كج: أن هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصغار .. فلا يلزمون الصَّغار كما لا جزية عليهم 437، لكن ذكر في تمييز اللباس: أن النساء يؤخذن بالغيار وشد الزنار 438 والتمييز في الحمام 439، فعلى هذا: الإلزام بهذا الصغار مطلق بلا استثتاء.

الحديث: 5429 - الجزء: 3 - الصفحة: 357

5432 - قولهما: (ويُلجؤون إلى أضيق الطرق) 440 عبر عنه "الحاوي" بقوله [ص 620]: (وترك صدر الطريق) أي: بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار، ثم محل ذلك مع الزحمة، وإلا .. فلا حرج، وظاهر قول "الحاوي" [ص 620]: (وترك صدر الطريق) يخالفه.
5433 - قولهما: (ولا يصدر في مجلس) 441 محله: ما إذا كان فيه مسلم.
5434 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (ويؤمر بالغيار) قد يفهم أن لبسه كله غيار، وليس كذلك؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 238]: (ويلزمهم أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس، فإن لبسوا قلانس .. ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق) وعبارة "أصل الروضة": وهو أي: الغيار أن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكون الخياطة على الكتف دون الذيل، هكذا أطلق، ويشبه أن يقال: لا يختص بالكتف، والشرط الخياطة في موضع لا يعتاد، وإلقاء منديل ونحوه كالخياطة، ثم الأولى باليهود: العسلي وهو الأصفر، وبالنصارى: الأزرق أو الأكْهَبْ، ويقال له: الرمادي، وبالمجوس: الأسود والأحمر.
انتهى 442. قال شيخنا: وما ذكره من إلقاء منديل ونحوه ممنوع؛ لعدم استقراره، وما ذكره من الأولى لا دليل عليه.
5435 - قول "المنهاج" [ص 528]: (والزنار فوق الثياب) محله: في الرجل، أما المرأة .. فتشده تحت الإزار كما صرح به "التنبيه" 443، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" وغيره، وحكى عن الشيخ أبي حامد أنها تجعله فوق الإزار، قال: على الأول، وأشار بعضهم إلى اشتراط ظهور شيء منه 444، وقال النووي: هذا لا بد منه، وإلا .. فلا يحصل كثير فائدة 445. قلت: وهو لا ينافي قول من قال: تشده تحته، فيصدق مع ظهور بعضه أنه مشدود تحت الإزار، والجمع بين الزنار والغيار تأكيد؛ فللإمام الاقتصار على شرط أحدهما.
5436 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويكون في رقابهم خاتم من رصاص أو نحاس أو جرس يدخل معهم الحمام) قد يفهم أنه يكون في رقابهم دائمًا حتى في الحمام، والذي في "الحاوي" [ص 620]: (وفي الحمام جُلجلاً أو خاتم حديد في عنقه)، وعبارة "المنهاج" [ص 528]: (وإذا دخل حماماً فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه .. جُعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه).

الحديث: 5432 - الجزء: 3 - الصفحة: 358

وقوله: (ونحوه) منصوب عطفاً على قوله: (خاتم)، وقول "التنبيه": (أو جرس) هو بالرفع عطفاً على خاتم، وقد أفصح عن ذلك قول "الحاوي" [ص 620]: (جلجلاً أو خاتم حديد) ومراد "المنهاج": إذا تجرد بحضور المسلمين.
5437 - قول "التنبيه" [ص 238]: (ويكون في عنقها خاتم يدخل معها الحمام) مبني على جواز دخولها الحمام مع المسلمات، والأصح: المنع منه.
5438 - قولهم: (ويمنعون من إظهار خمر وخنزير وناقوس) 446 لا يخفى أن محله ما إذا كانوا في أمصار المسلمين، فإن كانوا في قرية يملكونها منفردة .. لم يمنعوا من ذلك كما نص عليه في "الأم" 447، وصرح به "التنبيه" بعد ذلك.
5439 - قول "المنهاج" [ص 528]: (ويُمنع من إسماع المسلمين شركاً وقولهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد، ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد) يحتمل أن يكون معناه: شُرط عليهم ألاَّ يفعلوها، وأن يكون معناه: شرط انتقاض العهد بها، ولا إشكال في الأولى، وبنى الإمام الثانية على التأقيت؛ إن صح .. صح وانتقض بها، وإلا .. فباطل من أصله 448. قال الرافعي: والحكاية عن الأصحاب عدم الانتقاض وفساد الشرط ويتأبد العقد، ويحمل ذلك على التخويف 449. ورد شيخنا في "تصحيح المنهاج" تخريج الإمام؛ لموافقته في زناه بمسلمة على جريان الخلاف، ومنه: أنه إن شرط الانتقاض .. انتقض، وإلا .. فلا، ولم يذكر فيه الإمام تخريجه على تأقيت عقد الذمة، وكيف يتخرج على التأقيت مع أن الشرط قد لا يوجد فيستمر عقد الذمة؟ قال شيخنا: وتبع الرافعي في الحكاية عن الأصحاب الإمام والغزالي، ومقتضى نص "الأم": أنه إذا شرط عليهم فيها الانتقاض .. عمل بمقتضى الشرط؛ فإنه قال في صورة كتاب جزية: (وعلى أن أحداً منكم إن ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم أو كتاب الله عز وجل أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به .. فقد برئت منه ذمة الله، ونقض ما أعطى عليه الأمان، وحل ماله ودمه كما تحل أموال أهل الحرب ودماؤهم، ثم قال: وعلى أن ليس لكم أن تظهروا في شيء من أمصار المسلمين الصليب، ولا تعلنوا بالشرك، ولا تبنوا كنيسة، ولا تضربوا بناقوس، ولا تظهروا قولكم بالشرك

الحديث: 5437 - الجزء: 3 - الصفحة: 359

في عيسى ابن مريم ولا غيره لأحد من المسلمين، ثم قال: فإن غيرتم أو بدلتم .. فذمة الله بريئة منكم) 450 قال شيخنا: وحكى الماوردي في ذلك قولين.
انتهى.
وقال شيخنا ابن النقيب: سيأتي أن في ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء طرقاً؛ فذكر الله أولى بذلك، وهذه الأمور تتضمن ذكره تقدس وتعالى بالسوء؛ فلا يتمشى ما ذكروه هنا من إلحاق ذلك بإظهار الخمر، إلا إذا قلنا بالطريقة الآتية، وهي: أن السوء الذي يتدينون به لا ينقض قطعاً 451. 5440 - قول "المنهاج" [ص 528] و"الحاوي" [ص 620]: (وينتقض بالقتال) أي: إن لم يكن لهم فيه شبهة كما تقدم ذكره في قتال البغاة.
5441 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن امتنعوا من أداء الجزية أو التزام أحكام الملة .. انتقض عهدهم) 452 كذا أطلقوه، وخصه الإمام في الامتناع من الجزية بالقادر، أما العاجز إذا استمهل .. فلا ينقض، قال: ولا يبعد أخذها من الموسر قهراً ولا ينتقض، ونخص قولهم بالمتغلب المقاتل، ورأى في الامتناع من الالتزام أنه إن امتنع منها هارباً .. فلا، أو راكناً إلى قوة وعدة .. دُعي إلى الانقياد، فإن قاتل .. انتقض بالقتال، وأسند ذلك لمن قدمه، فحكى عن القاضي حصْر النقض في القتال 453. ونقل ابن كج قولين في منع إجراء الأحكام، وقد يفهم من تعبير "الحاوي" عن التزام أحكام الملة بالتمرد موافقة الإمام في عدم الانتقاض بالامتناع منها هارباً، وقد يفهم من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" في الامتناع من الجزية بضمير الجمع، وفي الزنا بضمير الإفراد: أن الواحد لو امتنع من أدائها مع التزامها .. لا ينقض عهده، وهو ما عزاه الرافعي للماوردي 454. وقال في "الكفاية": ذكره الإمام احتمالاً بعد نقله عن الأصحاب الانتقاض، وعبارة "الحاوي" [ص 620]: (وينتقض بالقتال، ومنع الجزية) ثم قال: (وبشرطه إن زنا بمسلمة) 455 فهي شاملة للقتال والمنع من الآحاد.
5442 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن زنا أحد منهم بمسلمة، أو أصابها بنكاح، أو آوى عيناً للكفار، أو دل على عورة المسلمين، أو فتن مسلماً عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق؛

الحديث: 5440 - الجزء: 3 - الصفحة: 360

نظر: فإن لم يكن شرط ذلك في عقد الذمة .. لم ينتقض العهد، وإن شرط عليهم .. فقد قيل: ينتقض عهدهم، وقيل: لا ينتقض عهدهم) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 456، والمراد: اشتراط انتقاض العهد بها كما أفصح به "المنهاج"، وهو معنى قول "الحاوي" [ص 620]: (وبشرطه) أي: بشرط الانتقاض، وفي "أصل الروضة": أصحهما: لا ينتقض، ثم قال: وهل المعتبر في الشرط الامتناع منه أم الانتقاض به؟ صرح الإمام والغزالي بالثاني، وكثيرون بالأول، ولا يبعد أن يتوسط فيقال: إن شرط الانتقاض .. فالأصح: الانتقاض، وإلا .. فالأصح: خلافه 457. قال في "المهمات": وهذا الترجيح الأخير منافٍ لتصحيحه الانتقاض مع الشرط؛ ولهذا لم يذكر الرافعي ذلك التصحيح، بل حكى عن طائفة الانتقاض، وعن آخرين المنع، ثم ذكر هذا الترجيح، وهو توسط بينهما، فأخذ في كل حالة يقول طائفة 458، وهنا أمور: أحدها: لا يخفى في الزنا إقامة الحد، فلو رجم لإحصانه وفرعنا على الانتقاض .. فهل يصير ماله فيئاً؟ وجهان، بَيَّضَ في "الروضة" لبيان أصحهما 459، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": الأصح، بل الصواب: أنه يصير فيئاً.
ثانيها: المراد: الزنا بمسلمة مع علمه بإسلامها حالة الزنا، والقياس: أن لواطه بغلام مسلم كذلك.
ثالثها: المراد: إصابة المسلمة بنكاح عقده عليها حال إسلامها حالة الإصابة، فلو عقد على كافرة ثم أسلمت بعد الدخول فأصابها في العدة .. لم ينقض عهده؛ فقد يسلم فيستمر نكاحه؛ فأمره أخف.
رابعها: زاد في "أصل الروضة" بعد قوله: (فتن مسلماً عن دينه): ودعاه إلى دينهم 460، وقال في "المهمات": صدره يقتضي أنه لا بد من انتقال المسلم عن الإسلام، وآخره يقتضي الاكتفاء بدعائه إليه، فهل المعتبر الأول أو الثاني؟ قلت: لا نسلم أن قوله: (فتن مسلماً عن دينه) يقتضي حصول الردة، وإنما المراد: دعاؤه إليه فبيّن بقوله: (ودعاه إلى دينهم) المراد بقوله: (فتن مسلماً) للاحتراز عما لو أراه نصرانية افتتن هو بها وارتد بسببها عن دينه، فلو قال: (فإن دعاه إلى دينهم) .. لكان أولى، وقد عبر

الجزء: 3 - الصفحة: 361

"الحاوي" بقوله [ص 620]: (ودعا المسلم إلى دينه) وهي عبارة وافية بالمقصود مع اختصار؛ فهي أحسن من تعبير "التنبيه" و"المنهاج" بـ (فتن المسلم عن دينه) 461. خامسها: مقتضى تقييد "التنبيه": أنه لو قتل ذمياً أو قطع عليه الطريق .. لم يكن كذلك، وأقره عليه النووي في "تصحيحه" 462، لكن عبر "الحاوي" بقوله [ص 620]: (وقطع الطريق، وقتل موجب القصاص) وكذا عبارة "الروضة" وأصلها 463، وهو متناول لفعل ذلك مع الذمي، وقيد في "الأم" و"المختصر" قطع الطريق بكونه على مسلم 464، وفي معناه: القتل أيضاً.
5443 - قول "التنبيه" [ص 239]: (وإن ذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو دينه بما لا يجوز .. فقد قيل: ينتقض عهده، وقيل: إن لم يشرط .. لم ينتقض، وإن شُرط .. فعلى الوجهين) الأصح: الطريقة الثانية، والأصح في الشرط: الانتقاض، وجمع "المنهاج" بين هذه المسألة والتي قبلها، وقال فيهما: (الأصح: أنه إن اشترط انتقاض العهد بها .. انتقض، وإلا .. فلا) 465 وأطلق محل الخلاف، وكذا في "الأم" و"المختصر" 466، وصحح في "أصل الروضة" أن محله: فيما إذا ذكره بما لا يتدين به، فأما ما يتدين به .. فلا ينتقض به.
ظهاره قطعاً 467، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 620، 621]: (وسب الرسول عليه السلام وذكر مخالف دينهم).
وقال في "التوشيح": لا ينبغي أن يفهم من عدم الانتقاض أنه لا يقتل؛ فإن ذلك لا يلزم، وقد حقق ذلك الوالد رحمه الله في كتاب "السيف المسلول على من سب الرسول صلى الله عليه وسلم"، وصحح: أنه يقتل وإن قلنا بعدم انتقاض العهد.
انتهى 468. 5444 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ومن فعل ما يوجب نقض العهد .. رد إلى مأمنه في أحد القولين، وقُتل في الحال في القول الآخر) فيه أمور: أحدها: أن محل الخلاف: فيمن انتقض عهده بغير قتال، وقد ذكر ذلك "المنهاج" فقال [ص 528]: (ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله) وعبارة "أصل الروضة": فلا بد من دفعهم والسعي في استئصالهم 469، وهي أحسن؛ فإنه لا يُقتصر بدفعهم وقتالهم على الجواز، بل هو

الحديث: 5443 - الجزء: 3 - الصفحة: 362

واجب، وقد تقدم أن الجهاد عند دخول طائفة من أهل الحرب دار الإسلام فرض عين، ولا فرق بينها وبين التي كانت لها ذمة ثم انتقضت.
ثانيها: لو كان ذلك ينبذ العهد .. فالأصح: القطع بالرد إلى مأمنه، وقد ذكره "المنهاج" 470. ثالثها: الأظهر: القول الثاني، ولا يتعين القتل، بل يتخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، لكن لو أسلم قبل الاختيار .. امتنع الرق، وقد ذكر ذلك "المنهاج" و"الحاوي" 471، وحمله 472 شيخنا في "تصحيح المنهاج" على غير صورة القتال، فإن قاتلونا .. جرى عليهم حكم غيرهم من الأسراء في أنه لا يمتنع إرقاق من أسلم منهم قبل اختيار الإمام فيه، ويشكل على عدم تبليغه المأمن أن الذي حكاه الرافعي عن ابن كج والروياني وغيرهما تبليغ المهادن والداخل بأمان المأمن إذا انتقض عهده مع أن حق الذمي آكد منه 473، والفرق مشكل.
رابعها: يستثنى من تخيير الإمام فيه: ما إذا طلب تجديد العهد .. فيجب إجابته إلى عقد الذمة، ولا يجوز قتله، ذكره الرافعي في (حد السرقة) 474. 5445 - قول "التنبيه" [ص 239]: (ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلاً يكتب أسمائهم) يشترط كونه مسلماً.

الحديث: 5445 - الجزء: 3 - الصفحة: 363

باب الهدنة

475 5446 - قول "التنبيه" [ص 239]: (لا يجوز عقد الهدنة إلا للإمام أو لمن فوض إليه الإمام) محله في عقدها للكفار مطلقاً أو لكفار إقليم، فأما لأهل بلدة خاصة .. فيجوز لوالي الإقليم أيضاً كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 476، وهنا أمور: أحدها: قال في "أصل الروضة": وكأنه مأذون فيه بتفويض مصلحة الإقليم إليه.
انتهى 477. وهذا التعليل يقتضي أن له فعله بغير إذن الإمام؛ ولذلك أوردناه على"التنبيه"، وذكر شيخنا في "تصحيح المنهاج" أن هذا مخالف لنص "الأم" و"المختصر" فإنه اقتصر فيهما على الإمام ونائبه، ولم يذكر والي الإقليم 478، قال: وهذا التوجيه قابل للنزاع؛ فقد لا يخطر ذلك بالبال عند التولية، وأيضاً فإذا أمكنت مراجعة الإمام من غير ضرر .. تعينت، وقال الماوردي في ولاة الثغور الذين تضمن تقليدهم الجهاد وحده: وليس لأحدهم عقد الهدنة إلا قدر فترة الاستراحة، وهي أربعة أشهر، ولا يجوز سنة، وفيما بينهما قولان 479، وصدر به في "الكفاية" كلامه غير ناقل له عن الماوردي، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهو طريق غير ما سبق.
ثانيها: مرادهما أهل بلدة في إقليمه كما صرح به في "أصل الروضة" 480، قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويرد عليه ما لو لم تكن في إقليمه ولكن مجاورة له، ورأى المصلحة لأهل إقليمه في الهدنة معها؛ لأنه من مصالح إقليمه.
ثالثها: قال الرافعي: القصور على بلدة واحدة في ذلك الإقليم لا معنى له؛ فإن الحاجة قد تدعو إلى مهادنة أهل بلاد في ذلك الإقليم، وتكون المصلحة في ذلك 481. رابعها: قال شيخنا أيضاً: ينبغي على مقتضى ما قالوه: ألاَّ يختص ذلك بوالي إقليم، بل من ولاَّه الإمام القيام بمصالح بلدة مجاورة للعدو .. جازت له الهدنة؛ لأنه فوض إليه مصلحة بلدة، وهذا منها.
5447 - قول "المنهاج" [ص 530]: (وإنما تعقد لمصلحة؛ كضعفنا بقلة عدد وأهبة، أو رجاء

الحديث: 5446 - الجزء: 3 - الصفحة: 364

إسلامهم، أو بذل جزية، فإن لم يكن .. جازت أربعة أشهر) يتبادر إلى الفهم منه أن مراده: فإن لم يكن مصلحة، وإياه فهم شيخنا في "المهمات"، وهذا باطل؛ فإنه إذا انتفت المصلحة .. لم يجز عقدها مطلقاً، وإنما مراده: أن المصلحة قد توجد مع ضعفنا بقلة عدد وأهبة، وقد يكون مع قوتنا رجاء إسلامهم أو بذل جزية؛ ففي الحالة الثانية وهي القوة .. تعقد أربعة أشهر؛ فقوله: (فإن لم يكن) أي: ضعف، وأحسن "التنبيه" في التعبير عن هذا فقال [ص 239، 240]: (وإذا رأى في عقدها مصلحة .. جاز، ثم ينظر: فإن كان مستظهراً .. فله أن يعقد أربعة أشهر، ثم قال: وإن لم يكن مستظهراً .. جاز أن يهادنهم عشر سنين) وأطلق "الحاوي" عقدها أربعة أشهر ثم قال: (ولضَعْفٍ عشر سنين) 482 فعلم أن مراده أولاً: مع القوة كما عرف من عادته، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج" مشيراً إلى ما فهمه في "المهمات" من عبارة "المنهاج": إن هذا لا يتخيله من له تأمل، وما ظننت أحداً يتخيله فضلاً عن الجزم به.
قلت: الإيراد على الألفاظ ولفظ "المنهاج" يعطي ما ذكره وإن لم يكن مراده، والله أعلم.
واقتصر الثلاثة على اعتبار المصلحة، واعتبر الرافعي أن يكون بالمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة، ثم قال: وقد تكون - أي: المصلحة - مع القوة.
انتهى 483. وهو دال على أن المصلحة مع القوة، وتنتهي مع الضعف إلى الحاجة، ولما لم يتوقف عقد الذمة عليها .. صح أن المعتبر المصلحة، والصحيح عند انتفاء المصلحة والمضرة: أنه لا يجب، بل يجتهد فيه الإمام، قال الإمام: وما يتعلق باجتهاده لا يعد واجباً وإن لزمه رعاية الأصلح 484. 5448 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وفيما بينهما أي: الأربعة والسنة - قولان) الأظهر: منعه، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 485، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": نصوص الشافعي رضي الله عنه متفقة في الهدنة عند القوة على أنها لا تجوز فوق أربعة أشهر، والقول الآخر محكي عن (سير الواقدي)، والذي في (سير الواقدي) ليس في الهدنة، وإنما هو في ترك وثني يقيم في دار الإسلام 486، فعلى هذا: لا يثبت هذا القول هنا، وبتقدير إثباته .. فلا أكتفي في دون السنة بلحظة، بل أشترط أن يكون دونها بزمان يمكن الجهاد فيه في تلك السنة، نظراً إلى أن الجهاد فرض كل سنة، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5449 - قول "المنهاج" [ص 530] و"الحاوي" [ص 622]: (ولضَعْفٍ تجوز عشر سنين فقط)

الحديث: 5448 - الجزء: 3 - الصفحة: 365

عبارة "التنبيه" [ص 240]: (وإن لم يكن مستظهراً، أو كان ولكن يلزمه مشقة في غزوهم؛ لبعدهم) فزاد حالة المشقة، ومرادهم: أن العشر غاية المدة، ولا يجوز الوصول إليها إلا عند الاحتياج لها، فلو اندفعت الحاجة بدون ذلك .. لم تجز الزيادة عليه.
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": ويستثنى من المدتين المذكورتين: الهدنة مع النساء خاصة؛ فإنهن يجوز أن يعقد لهن الهدنة من غير تقييد؛ لانتفاء المعنى المذكور في التقييد.
5450 - قول "المنهاج" [ص 530]: (ومتى زاد على الجائز .. فقولا تفريق الصفقة) يتناول صورتي القوة والضعف، وقد نص في "الأم" في الأولى على التفريق فقال: (وليس له أن يقول: لا أفي لك بأربعة أشهر؛ لأن الفساد إنما هو فيما جاوزها) 487، وفي الثانية على البطلان فقال: (وإن هادنهم إلى أكثر منها .. فالهدنة منتقضة) 488، واختار شيخنا في "تصحيح المنهاج" تقرير النصين، وفرق بأن الأشهر الأربعة منصوصة في القرآن، وأما في صورة الضعف .. فأمر اجتهادي بحسب الحاجة، وقال: لم أر أحداً تعرض لذلك، وهو طريق راجح.
5451 - قوله: (وإطلاق العقد يفسده) 489 يقتضي أنه لا خلاف فيه؛ لحكايته الخلاف فيما بعده، وليس كذلك؛ ففيه وجه أنه يصح، وينزل عند الضعف على عشر، وعند القوة على سنة أو أربعة أشهر قولان.
5452 - قوله: (وكذا شرط فاسد على الصحيح) 490 كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص عليه في "الأم" و "المختصر" 491. 5453 - قوله في أمثلته: (أو بدفع مال إليهم) 492 استثنى منه في "أصل الروضة": ما إذا دعت ضرورة إلى بذل مال؛ بأن كانوا يعذبون الأسرى في أيديهم ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلام .. فيجوز بذل المال ودفع أعظم الضررين بأخفهما، قال: وفي وجوب بذل المال عند الضرورة وجهان بناء على وجوب دفع الصائل، قال النووي من زيادته: ليس هذا البناء بصحيح، وقد سبق أن الصائل إذا كان كافراً .. وجب دفعه قطعاً، ثم الخلاف في وجوب الدفع هناك بالقتال وهنا بالمال، والأصح: وجوب البذل هنا للضرورة.
انتهى 493.

الحديث: 5450 - الجزء: 3 - الصفحة: 366

وأشار لاستثناء ذلك في "الحاوي" بقوله [ص 622]: (والتزام مال بلا خوف)، وقد نص على استثنائهما في "الأم" و"المختصر"، ولم يقيد الفداء بتعذيبهم الأسرى، ومقتضاه: جوازه وإن لم يوجد التعذيب.
وقال في "المهمات": دعواه بطلان البناء مردود؛ فقد ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "البيان" وغيرهم، ومحل القطع بوجوب دفع الكافر: إذا قصد النفس ولم يندفع إلا بالقتل، وهو هنا يندفع بالمال، وللخلاف هنا وجه؛ فإن الذل كما يحصل بالاستسلام يحصل ببذل مال، وقوله: (ثم الخلاف في وجوب الدفع بالقتال وهنا بالمال) مراده به: أن الخلاف مع انتفائه في حق الكافر وثبوته في حق المسلم خاصة إنما صورته في المسلم في القتال وهنا في بذل المال، فكيف يأتي؟ ، وجوابه ما ذكرناه أن مجيء الخلاف فيه أيضاً ظاهر، وتصحيحه وجوب البذل هنا مخالف لقوله آخر (السير): إن قل الأسرى مستحب، وممن جزم بجوازه فقط القاضي حسين والإمام والغزالي.
انتهى.
وحمل شيخنا في "تصحيح المنهاج" استحباب فك الأسرى على ما إذا لم يعاقبوا، فإن عوقبوا .. وجب، وقال: إن المراد: الخلاف فى دفع الصائل على غير الدافع، والخلاف فيه معروف؛ لأن الإمام يدفع الصائل على المسلمين بما يدفعه من المال، وبتقدير بذله من المحاط بهم، فكل واحد يعطي عن نفسه وعن غيره.
5454 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وتصح الهدنة على أن ينقضها الإمام متى شاء) 494 لا يختص ذلك بالإمام، بل لو عقدها على أن لفلان نقضها متى شاء .. صح أيضاً، بشرط كون فلان مسلماً عدلاً ذا رأي؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 622]: (أو ما شاء مسلمٌ عدل ذو رأي).
قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والمقصود أنه مع القوة يحتاج إلى نقضها عند انقضاء الأربعة، ومع الضعف عند انقضاء العشر أو انتهاء الحاجة، وفيما قبل ذلك يتخير، ولم أر من صرح بذلك.
5455 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وعلى الإمام أن يدفع عنهم الأذية من جهة المسلمين، ولا يلزمه دفع الأذية عنهم من جهة أهل الحرب) سكت عن أهل الذمة، ومفهومه فيهم متدافع، وكذا قول "المنهاج" [ص 530]: (ومتى صحت .. وجب الكف عنهم) والمنقول: أنه يجب دفع أذى أهل الذمة عنهم أيضاً؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 623]: (ويمنع الإمامُ من قصدهم مسلماً وذمياً) ولا يختص ذلك بالإمام العاقد، بل يتعدى إلى من بعده من الأئمة، فإن رآه من بعده

الحديث: 5454 - الجزء: 3 - الصفحة: 367

فاسداً .. قال الروياني: إن كان فساده بالاجتهاد .. لم ينقضه، أو بنص أو إجماع .. نقضه، ولو انفردوا ببلد بطرف بلاد الإسلام .. لم يجب ذب أهل الحرب عنهم ولو أمكن، ذكره في "الكفاية".
5456 - قول "المنهاج" [ص 530]: (أو ينقضوها بتصريح، أو قتالنا، أو مكاتبة أهل الحرب بعورة لنا، أو قتل مسلم) قد يقتضي الحصر فيما ذكره، وليس كذلك؛ فقد زاد عليه في "أصل الروضة" إيواء عيون الكفار وأخذ مال أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قال الإمام: والمضرات التي اختلف في انتقاض عقد الذمة بها ينتقض العهد بها بلا خلاف؛ لأن الهدنة ضعيفة غير متأكدة ببذل الجزية 495. 5457 - قوله: (وإذا انتقضت .. جازت الإغارة عليهم وبياتهم) 496 فيه أمران: أحدهما: أن محله: فيما إذا كانوا في بلادهم، فأما من في بلادنا .. فلا يغتال ويبلغ المأمن كذا في "الروضة" وأصلها 497. وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": نص "الأم" يخالفه؛ حيث قال: (كانوا في وسط دار الإسلام وفي بلاد العدو، وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة) 498، قال: والمعتمد ما نص عليه.
ثانيهما: ظاهره جواز ذلك وإن لم يعلموا أنه ناقض، وهو الأصح في "أصل الروضة" 499، وقال الرافعي: إنه الموافق لإطلاق المعظم، ثم قال: وينبغي أن يقال: إذا لم يعلموا أنه خيانة .. لا ينتقض العهد إلا إذا كان المأتي به بما لا يشك في مضادته للهدنة كالقتال 500. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": والذي نقوله: أنه إذا كان الغالب أن ذلك مما تعرفه الأنفس أنها خالفت ما صدر منها .. فإنه ينتقض به العهد، وإن لم يعلموه؛ لأنهم مقصرون باقدامهم عليه، ولكن ينذرون، فإن قالوا: نجدد صلحاً .. أجابهم إليه.
5458 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن خيف منهم نقض العهد .. جاز أن ينبذ إليهم عهدهم) 501 الأصح في الخوف: أنه لا ينتقض إلا بحكم حاكم بذلك، وكلامهم يوهم خلافه.

الحديث: 5456 - الجزء: 3 - الصفحة: 368

5459 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن جاءت مسلمة .. لم يجز ردها إليهم) كذا لو جاءت كافرة وأسلمت عندنا .. لا يجوز ردها إليهم.
5460 - قول "المنهاج" [ص 530 - 531]: (ولا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم، فإن شُرط .. فسد الشرط، وكذا العقد في الأصح) هو داخل في قوله فيما تقدم: (وكذا شرط فاسد) وقد عبر فيه بالصحيح 502، وهو مخالف لتعبيره فيه هنا بالأصح، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في كتبه.
5461 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن جاء زوجها يطلب ما دفع إليها من الصداق، . ففيه قولان: أحدهما: يجب رده إليه، والثاني: لا يجب) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" 503 و"المنهاج"، وعبارته: (وإن شرط رد من جاءنا، أو لم يذكر رداً فجاءت امرأة .. لم يجب دفع مهر إلى زوجها في الأظهر) 504 وفيه أمور: أحدها: لا يخفى أن المراد: فجاءت امرأة مسلمة، وكذا لو جاءت كافرة فأسلمت عندنا كما تقدم، وكذا لو ارتدت بعد إسلامها وجاء زوجها يطلبها قبل أن تقتل كما نص عليه.
ثانيها: أنه خص محل الخلاف بهذين التصويرين .. فاقتضى وجوب دفع المهر فيما لو شرط رد النساء، وليس كذلك، فكان ذكر هذه الصورة أولى؛ لأنهما يفهمان منها بطريق الأولى.
نعم؛ لو شرط عدم الرد .. فلا غرم قطعاً.
ثالثها: أن مقتضاه: أن مقابل الأظهر: وجوب دفع مهر؛ إما المسمى أو مهر المثل، وكلاهما غير صحيح، وإنما الواجب على ذلك القول ما دفعه الزوج من الصداق المسمى؛ ولهذا عبر به "التنبيه".
رابعها: محل الخلاف: عند طلب الزوج كما صرح به "التنبيه"، وكذا وكيله، فلو طلبها غير الزوج من المحارم وغيرهم .. لم يجب الدفع قطعاً، وأطلق "المنهاج" محل الخلاف 505، وإن كانت أمة وكان زوجها عبداً ولم يفسخ بالعتق .. فلا بد من طلب الزوج والمالك الذي أعطى المهر، نص عليه في "الأم" 506. خامسها: محل الخلاف: ما إذا جاءت بلد الإمام أو نائبه، فلو جاءت بلداً ليس فيها الإمام

الحديث: 5459 - الجزء: 3 - الصفحة: 369

ولا نائبه .. فعلى أهل البلد منعها حسبة، ولا يغرمون المهر ولا الإمام، نص عليه في "الأم" 507، وحكى الرافعي عدم غرم الإمام عن ابن كج، ثم قال: والأحسن ما حكاه البغوي وغيره: أنه إن قال عند المهادنة: (من جاءني منكم مسلماً .. رددته) .. لم يلزمه شيء، وإن قال: (من جاء من المسلمين، أو من جاءنا) .. وجب 508. قال شيخنا في "تصحيح المنهاج": وهذا التفصيل ليس بحسن، والمعتمد ما أطلقه في "الأم".
سادسها: ومحل الخلاف أيضاً: مع بقاء العدة، فلو كان بعد انقضائها .. لم يدفع له شيء قطعاً، ذكره الرافعي بحثاً 509، وحكاه شيخنا في "تصحيح المنهاج" عن نص "الأم" 510. سابعها: ومحل الخلاف أيضاً: ما إذا لم يخالعها قبل الطلب أو يطلقها طلاقاً بائناً، فإن فعل ذلك بعد الطلب .. لم يسقط حقه على ذلك القول.
ثامنها: ومحل الخلاف أيضاً: ما إذا كانت حية عند الطلب، فإن ماتت قبله .. لم يستحق شيئاً، ذكره والذي قبله في "أصل الروضة" 511. 5462 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن جاء منهم مسلم .. لم يجب رده إليهم) يستثنى منه: ما إذا شُرط ذلك .. فيجب رده في صورتين: إحداهما: إذا كانت له عشيرة تحميه وطلبته عشيرته.
الثانية: أن يطلبه غير عشيرته، لكنه يقدر على قهر طالبه، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 623]: (ويفي بالشرط الصحيح؛ كردِّ رجل حر قادر على طالبه، أو ذي عشيرة إن طلبت) و"المنهاج" فقال [ص 531]: (ويرد من له عشيرة طلبته إليها لا إلى غيرها، إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب والهرب منه)، ولم يصرح "المنهاج" بوجوبه بالشرط، ثم ليس المراد بالرد: إلزامه بذلك، وقد أوضحه "المنهاج" بقوله [ص 531]: (ومعنى الرد: أن يخلي بينه وبين طالبه، ولا يُجبر على الرجوع، ولا يلزمه الرجوع).
وفي "أصل الروضة" فيمن لا عشيرة له وغلب على الظن أنه يُذَل ويهان 512، فاحتمل أن يكون شرطاً زائداً، أو أن يكون وصفاً لازماً لمن لا عشيرة له غالباً.

الحديث: 5462 - الجزء: 3 - الصفحة: 370

ونازع شيخنا في "تصحيح المنهاج" في الصورة الثانية، وقال: هذا شيء ذكره البغوي ومن تبعه 513، وهو غير صحيح، فلا يرد إلا إذا طلبته عشيرته، وقول "المنهاج" [ص 531]: (وكذا عبد وحر لا عشيرة له على المذهب) يقتضي أن في العبد طريقين، وليس فيه في "الروضة" إلا وجهان، وقال شيخنا في "تصحيح المنهاج": كان ينبغي التعبير فيه بالنص؛ لأنه نص في "الأم" على عدم رده.
وأورد على قول "الحاوي": (كرد رجل حر قادر على طالبه) أن مقتضاه: أنه إذا عقد بشرط رد من جاءنا من المسلمين أو من الرجال المسلمين منهم مطلقاً من غير تفصيل .. أنه لا يصح العقد؛ لأنه يدخل فيه من يجوز رده ومن لا يجوز، وبه صرح أصحابنا البغداديون، وكلام الإمام والغزالي يقتضي الصحة 514، وكذا الرافعي 515، ونقله العمراني عن المسعودي، وصوبه 516 الفوراني 517. 5463 - قول "المنهاج" [ص 531]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 623]: (وله قتل الطالب، ولنا التعريض له به لا التصريح) قيده شيخنا في "تصحيح المنهاج" فيهما بأن يكون ذلك بغير حضرة الإمام، وأشار في "المحرر" لخلاف فيهما بتعبيره بالظاهر 518، فجزم بذلك "المنهاج"، وأسقط ذلك الخلاف، وقال في "الدقائق": إن قول "المحرر": (والظاهر أن له قتل الطالب) فيه إشارة إلى احتمال فيه، ولم يُرد إثبات خلاف فيه.
انتهى 519. والاحتمال المذكور للإمام، وقد أقامه الرافعي وجهاً، وأعلم له بالواو 520، وقد أكثر "المنهاج" من عد احتمالات الإمام وجوهاً، وعبر فيها بالأصح، والله أعلم.
5464 - قول "المنهاج" [ص 531]: (والأظهر: جواز شرط ألاَّ يردوا) أي: من جاءهم مرتدًا منا.
استثني منه: النساء، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 623]: (لا المرأة)، واستثنى شيخنا في "تصحيح المنهاج" شيئين آخرين:

الحديث: 5463 - الجزء: 3 - الصفحة: 371

أحدهما: العبيد، فقال: لا بد من ردهم على ملاكهم، قال: وذكر الماوردي أنهم يغرمون قيمتهم؛ تفريعاً على أنه لا يجب عليهم تسليمهم ولا التمكين منهم 521، قال: والمعتمد ما ذكرناه.
الثاني: الأحرار المجانين بعد الردة الذين ذهبوا إليهم في حال جنونهم يطالبهم بردهم؛ لأن مجيئهم إليهم لم يكن باختيارهم، فلا أثر له، فإن ذهبوا في حال عقلهم ثم جنوا هناك .. لم نطالبهم بردهم، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
5465 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن دخل حربي إلى دار الإسلام من غير أمان .. جاز قتله واسترقاقه) يستثنى منه: ما إذا دخل لرسالة أو سماع قرآن .. فله حكم الأمان، وقد ذكرهما "الحاوي" 522، وعبر عنهما النووي في "تصحيحه" بالصواب 523، وفيه نظر؛ ففي "الكفاية": أن كلام القاضي أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما يفهم أن دخوله لأداء رسالة يتوقف على الإذن، وكلام غيرهم - منهم ابن الصباع والإمام - يقتضي خلافه.
وفي معناهما أيضاً: ما لو دخل ليبذل الجزية .. فهو في أمان، ذكره في "الكفاية"، وعبر ابن يونس في "النبيه" بأنه كالأسير؛ ليشمل جواز فدائه والمن عليه.
5466 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن استأذن في الدخول ورأى الإمام المصلحة في الإذن .. جاز أن يأذن له، فإن دخل .. جاز أن يقيم اليوم والعشرة) محله: ما إذا لم تنقض حاجته إلا في هذه، فإن انقضت في دونها .. لم يمكن من الإقامة بمطلق الإذن؛ للغرض السابق، ذكره في "الكفاية".
5467 - قوله: (وإن طلب أن يقيم مدة .. جاز أن يأذن له في المقام أربعة أشهر، ولا يجوز سنة وفيما بينهما قولان) 524 الأظهر: أنه لا يجوز، وقد تقدم ذلك من كلام "المنهاج" و"الحاوي" في أمان الآحاد.
5468 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وفي حد السرقة والمحاربة قولان) الأظهر: أنه لا يجب، وعليه يدل كلام "الحاوي" في (السرقة) 525، واستحسن الرافعي أنه إن شرط عليهم القطع؛ إذا سرق .. قطع، وإلا .. فلا.

الحديث: 5465 - الجزء: 3 - الصفحة: 372

5469 - قول "التنبيه" [ص 240]: (فإن رجع إلى دار الحرب بإذن الإمام في تجارة أو رسالة .. فهو باق على الأمان في نفسه وماله) كذا الزيادة، ولم يتعرض في "المهذب" لاعتبار إذن الإمام، وكذا سكت عنه غيره.
نعم؛ لو عقد الإمام على تكرره مدة .. كان آمناً في كل دفعة.
5470 - قوله فيما إذا رجع للاستيطان: (فإن أودع مالاً في دار الإسلام .. لم ينتقض الأمان فيه، ويجب رده إليه) 526 قد يفهم أنه لا يجوز دخوله لأخذه، وليس كذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 611]: (وطلبه يُؤمِّنه) أي: طلب المال، ويحتمل عوده على المالك أو الوارث؛ لقوله قبله: (وإن مات .. فلوارثه) 527 وحينئذ .. فعوده على الوارث أظهر، وهو المذكور في "شرحي الرافعي" والموافق لعبارة "الوجيز" 528. 5471 - قول "التنبيه" [ص 240]: (فإن قتل ومات في دار الحرب .. ففي ماله قولان: أحدهما: أنه يرد إلى ورثته، والثاني: يغنم ويصير فيئاً) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" 529، ولا يخفى أنه إذا لم يكن له وارث .. فهو فيء قطعاً.
5472 - قول "التنبيه" [ص 240]: (وإن أُسِر واسترق .. صار ماله فيئاً) الذي في الرافعي بناء هذه المسألة والتي بعدها - وهي ما إذا مات في الأسر - على التي قبلها، وهي ما إذا مات في دار الحرب على حريته، فإن قلنا هناك بالأظهر: أنه لورثته .. وقف هنا؛ فإن عتق .. فهو له، وإن مات رقيقاً .. فالأظهر: أنه يكون فيئاً، وإن قلنا هناك: يكون فيئاً .. فهنا قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يوقف؛ لاحتمال أن يعتق ويعود، بخلاف الموت، فإن عتق .. سلم إليه، وإلا .. فهو فيء على الأصح، وقيل: للسيد 530. وفي "أصل الروضة": أن ابن الصباغ قطع بهذا القول الثاني 531، قال في "الكفاية": ولم أره فيه، وذكر في "الكفاية": أن قول "التنبيه" أولاً [ص 240]: (وإن أسر واسترق .. صار ماله فيئاً) تفريع على القول في المسألة قبلها بأنه فيء؛ فكان الأحسن حينئذ: أن يكون بالفاء، فيقال: (فإن أسر).

الحديث: 5469 - الجزء: 3 - الصفحة: 373

وظهر بما ذكرناه أن قول "الحاوي" [ص 611]: (فإن رق.
. ففيء) محله: فيما إذا مات على رقه، وأما ما دام حياً.
. فلا يحكم بكونه فيئاً، بل هو موقوف، وأن قوله بعده: (وإن مات.
. فلوارثه) 532 أي: مات على حريته.

الجزء: 3 - الصفحة: 374

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل