كتابُ السَّلَمِ
1977 - قول "المنهاج" [ص 236]: (هو بيع موصوف في الذمة) هو أصح العبارات في تعريف السلم، ومع هذا يرد عليه: ما إذا عقد بلفظ البيع ولم يتعرض للفظ السلم .. فإنه ينعقد بيعًا في الأصح، لا سلمًا، كما ذكره "المنهاج" بعد ذلك 1، خلافًا لقول "التنبيه" [ص 97]: (وينعقد بجميع ألفاظ البيع) وانعقاده سلمًا نص عليه الشَّافعي 2، ويوافقه قول الرافعي في (الأيمان): فيما إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد .. أنَّه يحنث بما ملكه بالسلم؛ لأنه شراء في الحقيقة والإطلاق 3.
قال في "المهمات": فثبت رجحان كونه سلمًا بنص الشَّافعي عليه، وكثرة القائلين به، وفساد دليل مقابله، واختاره السبكي أيضًا، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هو الذي يقوى من جهة المعنى، ثم محل انعقاده بيعًا: إذا لم يضم إليه لفظ السلم، فإن ضمه إليه، فقال: اشتريته سلمًا .. انعقد سلمًا، كما جزم به الرافعي في تفريق الصفقة في الأحكام 4، فعلى المرجح في "المنهاج" ينبغي أن يزاد في عبارته: (بلفظ السلم)، ذكره السبكي، وذكر النووي في "التحرير": أن أحسن حدوده: عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا 5، ورده السبكي: بأن التعجيل شرط من شروطه، لا أنَّه داخل في حقيقته.
ومقتضى قول "المنهاج" [ص 236]: (هو بيع) وقول "التنبيه" [ص 97]: (صنف من البيع) أن إسلام الكافر في العبد المسلم لا يصح في الأصح، وهو كذلك في "شرح المهذب" 6، لكن صحح الماوردي: القطع بصحته 7، وتبعه السبكي، وإنَّما عبر "التنبيه" بأنه صنف من البيع، وقال في كل من (الصلح) و (الإجارة): إنه بيع 8؛ لأن السلم بيع دين فقط، وكل من الصلح والإجارة يرد على العين تارة والذمة أخرى.
الحديث: 1977 - الجزء: 1 - الصفحة: 805
1978 - قولهم: (إن شرطه: تسليم رأس المال في المجلس) 9 أي: مجلس العقد، يشترط مع كونه في المجلس: أن يكون الخيار باقيا، فلو تخايرا .. بطل السلم كنظيره في الرِّبَا، صرح به القفال في "شرح التلخيص"، كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني.
1979 - قول "التنبيه" [ص 97]: (فإن كان في الذمة .. بيّن صفته وقدره) قال في "الكفاية": إلَّا إذا كان من نقد البلد .. فيكفي بيان قدره، وهو قضية كلام الرافعي 10، وفيه وجه في "الكفاية".
1980 - قول "المنهاج" [ص 136]: (ولو أحال به وقبضه المُحَالُ في المجلس .. فلا) قبض المحال في المجلس ليس شرطًا، بل غاية، فلو لم يقبضه .. فأولى بالبطلان، فلو قال كما فى "الحاوي" [ص 290]: (وإن قبض) .. لكان أولى.
1981 - قول "المنهاج" [ص 236]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 290]: (ويجوز كونُهُ منفعةً، ويُقبَضُ بِقَبضِ العين) أسقط النووي هذه المسألة من "الروضة"؛ لإشكال فيها، وهو أن المعتبر القبض الحقيقي، وهو منتفٍ 11، ولهذا لا تكفي الحوالة، كما قاله الرافعي هنا، ولا الإبراء، كما قاله في (باب الإجارة) 12، ومقتضى عبارتهما: تناول منفعة بدن الحر، وأن قبضها يكون بتسليم نفسه، لكن الحر لا يدخل تحت اليد، فقياسه: عدم الاكتفاء بذلك، ولا سيما إن أخرج نفسه من التسليم بعد ذلك، ذكره في "المهمات".
1982 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ورؤيةُ رأس المال تكفي عن معرفةِ قدرهِ في الأظهر) 13 فيه أمران:
أحدهما: أن الشَّافعي نص في "الأم" في (باب الآجال في الصرف) على أن أحب القولين إليه: الاشتراط 14، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
ثانيهما: محل القولين: إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والقيمة، فلو علما ثم تفرقا .. صح بلا خلاف، واستشكل: بأن ما وقع مجهولًا لا ينقلب صحيحًا بالمعرفة في المجلس، كما لو قال: بعتك بما باع به فلان فرسه .. فإنه لا يصح على الأصح وإن حصل العلم قبل التفرق.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولعل الفرق أن المعرفة هناك لدفع الغرر في العقد، وهنا لأجل
الحديث: 1978 - الجزء: 1 - الصفحة: 806
معرفة ما يرد عند الفسخ، فكانت أخف.
انتهى.
وهو فرق واضح.
1983 - قول "المنهاج" [ص 236]: (الثاني: كونُ المُسْلَمِ فيه دَينًا) اعترض عليه: بأن تسميته شرطًا مع أخذه في حقيقة السلم لا معنى له، وإن كان لا بد من ذكره ليترتب عليه الأحكام المختصة به.
وأجيب عنه: بأن الفقهاء قد يريدون بالشرط: ما لا بد منه؛ فيتناول حينئذ جزء الشيء.
1984 - قول "التنبيه" [ص 98]: (وإن أسلم مؤجلًا في موضع يصلح للتسليم .. فقد قيل: لا يجب بيانه، وبجب التسليم في موضع العقد، وقيل: فيه قولان، أحدهما: يجب بيانه، والثاني: لا يجب) الأصح: وجوبه إن كان لنقله مؤنة، وإلَّا .. فلا، وعلى ذلك مشى "المنهاج" و"الحاوي" 15، لكن لم ينبه في "المنهاج" على أن محل ذلك: في السلم المؤجل، أما الحال: فلا يجب فيه بيان موضع التسليم، قال البغوي: والمراد بموضع العقد: ناحيته، لا ذلك الموضع بعينه 16.
ولو عين موضعًا، فخرب وخرج عن صلاحية التسليم .. فالأقيس في "الروضة": أنَّه يتعين أقرب موضع صالح 17.
ورجح شيخنا الإمام البلقيني: أنَّه لا يتعين موضع، وللمسلم الخيار، ومعناه: أنَّه إن شاء .. فسخ العقد وأخذ رأس ماله، وإن شاء .. صبر إلى أن يصلح الموضع المعين للتسليم، قال شيخنا: فلو قال المسلم إليه: أنا أفسخ السلم لأؤدي إليه رأس ماله وتبرأ ذمتي من الدين الذي عليَّ .. فالأرجح: أنَّه يجاب، ولا سيما إن كان هناك رهن يريد فكه، أو ضامن يريد خلاصه، ولم يتعرضوا له، قال: وقد وقعت مسألة في مكان الإرضاع في الإجارة للرضاع ينهدم، وأفتيت فيها بأن المتعاقدين إن تراضيا بمكان آخر .. استمر العقد، وإلَّا .. فسخ، وهو مستمد من موت الرضيع.
انتهى.
1985 - قول "المنهاج" [ص 237]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 293]: (فإن انكسر شهرٌ .. حُسِبَ الباقي بالأهلة وتُمِّمَ الأولُ ثلاثين) يقتضي أنَّه لو أجل بثلاثة أشهر وانعقد في آخر يوم من شهر؛ كصفر مثلًا، فمضى الربيعان وجُمادى ناقصات .. أنَّه لا يحل إلَّا بمضي جزءٍ من جُمادى الآخرة قدر الباقي من صفر، وبه قال الإمام 18.
الحديث: 1983 - الجزء: 1 - الصفحة: 807
وقال المتولي وغيره: يحل بمضي الثلاث؛ فإنها عربية كوامل، وهو الصواب عند الرافعي والنووي (1)، وأبداه الإمام احتمالًا (2)، قالوا: وانما يُراعى في الشهر الأول العدد إذا عقد فِى غير اليوم الأخير، واعترض في "المهمات" على هذا الحصر: بأنه لو وقع العقد في الليلة الأخيرة .. كان كاليوم في أنَّه لا يُراعى فيه العدد أيضًا؛ للمعنى الذي ذكره.
فَصْلٌ [شروط السلم]
1986 - قول "المنهاج" [ص 237]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 291]: (يشترط كون المُسْلَم فيه مقدورًا على تسليمه عند وجوب التسليم) كذا في "المحرر" تبعًا للغزالي 21، وقال الرافعي: هذا الشرط لا يختص بالسلم، بل يعم كل بيع.
انتهى 22.
وأجيب: بأن التصريح به للفروع المترتبة عليه، وقد يجاب: بأن المقصود بيان موضع القدرة، وهي حالة وجوب التسليم، وتارة يقترن بالعقد لكون السلم حالًا، وتارة يتأخر عنه فيما إذا كان مؤجلًا، بخلاف البيع؛ فإن المعتبر اقتران القدرة فيه بالعقد في كل حال، والله أعلم.
وقد يرد على عبارة "المنهاج": ما إذا قدر على تسليمه، لكن بمشقة عظيمة في تحصيله كقدر كثير من الباكورة، وفيه وجهان، قال الرافعي: أقربهما إلى كلام الأكثرين البطلان 23، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لتصريحه به بقوله [ص 291]: (لا وقت الباكورة في قدرٍ عسر التحصيل).
1987 - قول "المنهاج" [ص 237]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 291]: (فإن كان يوجد ببلدٍ آخر .. صح إن اعتيد نقله للبيع، وإلا .. فلا) حكاه في "الروضة" وأصلها عن الإمام 24، قال الرافعي: وسيأتي في آخر الفصل ما يُنازع في الإعراض عن مسافة القصر 25، وأسقط ذلك من "الروضة"، ومراد الرافعي به: ما إذا أسلم فيما يعم، فانقطع في محله، وأمكن نقله من بلدة أخرى من غير فساد؛ فالأصح: أنَّه إن كان دون مسافة القصر .. وجب، وإلا .. فلا، وقال الإمام هنا: لا اعتبار بمسافة القصر كما قال هناك 26، فيحتاج على طريقة النووي إلى الفرق بين1920
الحديث: 1986 - الجزء: 1 - الصفحة: 808
المسألتين، وأما الرافعي: فمشير إلى التسوية بكلامه المتقدم.
1988 - قولهما - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله .. لم ينفسخ في الأظهر) 27 كذا لو وجد في محله وماطله به حتَّى انقطع .. ففيه القولان، وقيل: لا ينفسخ في هذه قطعًا، وهذا يرد أيضًا على قول "الحاوي" [ص 291]: (وان انقطع .. خُيّر في المحل) فإنه وإن لم يقيد الانقطاع بكونه في المحل .. فقد قيد التخيير به.
1989 - قولهم في المسألة المذكورة - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فيتخير المسلم بين فسخه، والصبر حتَّى يوجد) 28 قد يفهم من إطلاق الخيار أنَّه على الفور، لا سيما مع قول "التنبيه" و"المنهاج" أولًا: (إنه بيع مخصوص) 29 لكن الأصح: أنَّه على التراخي، فإن قلت: قد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 291]: (فإن أجاز، ثم بدا له .. يتمكن من الفسخ).
قلت: هذه مسألة أخرى غير كونه على التراخي، ولا يلزم من التراخي أنَّه إذا اختار خصلةً .. يجوز له الرجوع عنها كالمفلس.
1990 - قول "المنهاج" [ص 237]: (ولو عَلِمَ قبل المحل انقطاعه عنده .. فلا خيارَ قبلهُ في الأصح) ينبغي أن يقول كما في "الروضة": لم يتنجز حكم الانقطاع في الأصح 30؛ لأن مقابل المرجح تنجز حكم الانقطاع حتَّى ينفسخ العقد على قول، ويثبت الخيار على الثاني، وكذا عبر به الرافعي في "الشرح"، وإن كانت عبارة "المحرر" كـ "المنهاج" 31.
1991 - قول "التنبيه" [ص 98]: (ويجوز فيما يكال بالكيل، وفيما يوزن بالوزن، وفيما يذرع بالذرع، وفيما يعد بالعد) فيه أمران:
أحدهما: أنَّه يقتضي منع السلم في المكيل وزنًا وفي الموزون كيلًا، وليس كذلك، وقد صرح به "المنهاج" بقوله [ص 237]: (ويصح المكيل وزنًا وعكسه) لكن جواز الموزون كيلًا أطلقه الأصحاب، وحمله الإمام على ما يُعد الكيل في مثله ضابطًا، فلو أسلم في فتات المسك والعنبر ونحوهما كيلًا .. لم يصح، حكاه الرافعي عنه، وأقره 32، وصححه النووي في "التصحيح" فقال: يصح في كل ما يتأتى كيله سوى المسك ونحوه كيلًا 33، ومشى عليه "الحاوي" بقوله [ص 291]:
الحديث: 1988 - الجزء: 1 - الصفحة: 809
(بالوزن في كبير الجرم؛ كالبيض، وما لا يُعتاد كيله).
لكن جزم الرافعي بعد ذلك بالجواز في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلًا ووزنًا 34.
قال النووي: وهو مخالف لما قدمه عن الإمام فيما لا يُعد الكيل فيه ضبطًا، فكأنَّه اختار هنا إطلاق الأصحاب.
انتهى 35.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس مخالفًا لما تقدم؛ لأن فتات المسك والعنبر ونحوهما، إنما لم يُعد الكيل فيهما ضبطًا؛ لكثرة التفاوت بالثقل على المحل أو تركه، وفي اللؤلؤ لا يحصل بذلك تفاوت؛ كالقمح والفول، فصح فيه كيلًا، فلا مخالفه.
انتهى.
ثانيهما: ما ذكره من السلم فيما يُعد بالعد ذكره "المنهاج" أيضًا 36، ولم يذكر "الحاوي" العدد إلَّا مع الوزن في اللبن، ومع الذرع في الثوب 37، وقال ابن يونس: المنقول في مشاهير الكتب: أن العدد في المعدود لا يكفي وحده، وقال ابن عجيل اليمني: لعل مراد "التنبيه": إذا أسلم في دراهم أو دنانير وكان وزنها معروفًا بالاستفاضة .. فإنه عند العقد يُكتفى بذكر العدد، وعند الاستيفاء لا بد من الوزن؛ ليُتحقق الإيفاء.
1992 - قول "المنهاج" [ص 237]: (ولو أسلم في مئة صاع حنطةٍ على أنَّ وَزْنَها كذا .. لم يصح) في معنى الحنطة: الثياب، بخلاف الخشب؛ لأن زائده يُنحت.
1993 - قول "التنبيه" [ص 98]: (وقيل: يجوز في الجوز واللوز كليلًا) هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 38، لكنهما قيدا جواز السلم فيهما وفي نحوهما بقيد عبر عنه "المنهاج" بقوله [ص 237]: (في نوع يقل اختلافه)، و"الحاوي" بقوله [ص 292]: (إن استوت قشوره).
واعلم: أن الرافعي أطلق جواز السلم في ذلك وزنًا، ثم قال: واستدرك الإمام فقال: قشورهما مختلفة، فمنها غلاظ ومنها رقاق، والغرض يختلف باختلافها، فليمتنع السلم فيهما بالوزن.
انتهى 39.
ومقتضى ذلك: منع السلم لكونهما مظنة الاختلاف، ومقتضى "المنهاج" و"الحاوي": الجواز إن لم يختلف، وقال النووي في "شرح الوسيط" بعد حكايته لمقالة الإمام: المشهور في
الحديث: 1992 - الجزء: 1 - الصفحة: 810
المذهب: هو الذي أطلقه الأصحاب، ونص عليه الشَّافعي.
انتهى 40.
وقال في "المهمات": الصواب: التمسك بما في "شرح الوسيط" لأنه متتبع لا مختصر.
1994 - قول "المنهاج" [ص 237]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 291]: (ويجمع في اللَّبِنِ بين العدِّ والوزن) قال في "الروضة": كذا قال أصحابنا الخراسانيون، ولم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، ونص الشَّافعي في آخر (السلم) من "الأم" على أن الوزن فيه مستحب لو تركه، فلا بأس، لكن يشترط: أن يذكر طوله وعرضه وثخانته، وأنه من طين معروف.
انتهى 41.
1995 - قول "التنبيه" فيما إذا أسلم على مكيال بعينه [ص 99]: (لم يصح) محله: إذا لم يكن معتادًا، فإن اعتيد الكيل به .. صح على الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 42، لكن قد تفهم عبارة "المنهاج" صحة الشرط فيما إذا اعتيد الكيل به، وليس كذلك، بل السلم صحيح والشرط لاغٍ؛ كسائر الشروط التى لا غرض فيها، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 292]: (وفسد تعين المكيال لا العقد إن اعتيد)، فلو شرطا ألَّا يبدَّل .. بطل كما دل عليه كلام الرافعي في (المسابقة) 43.
1996 - قول "التنبيه" [ص 99]: (أو أسلم فيما لا يؤمن انقطاعه؛ كثمرة قرية بعينها .. لم يصح) محله: إذا كانت القرية صغيرة، فإن كانت كبيرة .. صح في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 44، وقد يفهم من عبارة "المنهاج" أن الصورة: أن يسلم في جميع ثمرتها، وليس كذلك؛ فإن هذا باطل، وإنما الصورة: أن يسلم في قدر معين منها.
1997 - قول "التنبيه" [ص 97]: (ولا يجوز حتَّى يضبط بالصفات التي تختلف بها الأغراض عند أهل الخبرة)، مثل قول "المنهاج" [ص 238]: (ومعرفة الأوصاف التى يختلف بها الغرض اختلافًا ظاهرًا)، وقول "الحاوي" [ص 293]: (وصفات فيها غرض ظاهر) وعبر بعضهم بما تختلف به القيمة، ومنهم من يجمع بينهما، وأورد الرافعي على هذا الشرط: أن كون العبد قويا في العمل أو كاتبًا مثلًا أوصاف يختلف بها الغرض والقيمة، ولا يجب التعرض لها 45.
قال شيخنا الإسنوي: وتصحيح الضابط أن يزاد فيه، فيقال: من الأوصاف التى لا يدل الأصل على عدمها؛ فإن الكتابة والقوة فضيلة، الأصلُ عدمُها.
الحديث: 1994 - الجزء: 1 - الصفحة: 811
1998 - قول "التنبيه" عطفًا على ما لا يصح السلم فيه [ص 98]: (وما يجمع أجناسًا مختلفة) فيه أمران:
أحدهما: كذا في أكثر النسخ، والذي في نسخة المصنف: (مختلطة) بالطاء، وهو الصواب؛ فإن الاختلاط أخص، وهو المقتضي للبطلان.
ثانيهما: لا بد مع اختلاطها من كونها مقصودة غير منضبطة، فلو كانت غير مقصودة؛ كالجبن يخالطه الأنفحة، أو منضبطة؛ كالعتَّابي والخز .. صح السلم فيهما، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 46، لكن في عبارة "المنهاج" إيهام؛ لقوله: (والأصح: صحته في المختلط المنضبط؛ كَعَتابيٍّ وخز، وجبنٍ وأقطٍ وشَهْدٍ، وخلِّ تمرٍ أو زبيب) 47 وفيه أمور:
أحدها: أنَّه ينبغي أن يزيد بعد قوله: (المنضبط): (المقصود الأركان).
ثانيها: أن قوله: (وجبن) وما بعده ليس معطوفًا على (العتابي) المجرور بالكاف؛ فإنه ليس من المختلط المنضبط، وإنَّما هو معطوف على (مختلط) المجرور بـ (في)، وهذه الأمور ما عدا (الشهد) أحد الخَلِيطَين فيها غير مقصود، بل للإصلاح والاختلاط في الشهد خلقيٌّ، وقد قطع في "المحرر "الجبن وما بعده عما.
قبله، فقال: (والأصح: صحته في المختلطات التي تنضبط صفاتها؛ كالعتابي والخز، وكذلك في الجبن ... إلى آخره) 48.
ثالثها: توسيط الشهد بينها غير حسن؛ لأنه من غير نوعها كما قد عرفت، فكان ينبغي فصله عنها بتقديم كما في "الحاوي" 49، أو تأخير، واختار السبكي المنع في الشهد، خلافًا للرافعي والنووي، وعزاه للنص 50.
1999 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه": (فإن أسلم فيما لا يعم؛ كالصيد في موضع لا يكثر فيه) 51 أي: ولا في بلد آخر قريب منه.
2000 - قول "التنبيه" [ص 97]: (وما لا يضبط بالصفة .. لا يجوز السلم فيه؛ كالجواهر) أي: الكبار، فيصح السلم في اللآلئ الصغار، وقد قيد "المنهاج" و"الحاوي" اللآلئ بالكبار، والصغار ما قصدت للدواء لا للزينة 52، وضبطه الجويني: بسدس دينار تقريبًا وإن قصد للزينة.
الحديث: 1998 - الجزء: 1 - الصفحة: 812
2001 - قول "التنبيه" [ص 97]: (والحيوان الحامل) قال في "الكفاية": مقتضى كلامه تخصيصه بقولنا: إن الحمل يقابله قسط من الثمن؛ لعده فيما لا يمكن ضبطه بالصفة، والأصح: القطع بالمنع.
2002 - قولهم: (إنه لا يصح السلم في جارية وولدها) (1) قال الرافعي: فيه إشكال؛ لأنهم حكوا عن نصه أنَّه لو شرط كون العبد كاتبًا أو الجارية ماشطة .. جاز، ولمدّع أن يدعي نُدرة اجتماع الكتابة والمَشْط مع الصفات التي يجب التعرض لها؛ فليسوّ بين الصورتين في المنع والتجويز (2).
قال في "المهمات": وما ذكره من المشابهة ضعيف؛ فإن الفرق بينهما: أن الكتابة في العبد والمشط في الجارية يسهل تحصيله بالاكتساب، أما البنوة: فوصف غير مكتسب، فيعز اجتماعه مع باقي الأوصاف
فَصْلٌ [في بقية شروط السلم]
2003 - قول "المنهاج" [ص 238]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 293]: (فيشترط في الرقيق: دِكْرُ نوعه كتركيٍّ) قد يفهم أنَّه لا يشترط ذكر الصنف؛ كحطابي مثلًا، والأصح: وجوبه إن اختلف.
2004 - قولهما: (ولونه كأبيض) 55 محله: إذا اختلف لون الجنس، فإن لم يختلف؛ كالزنج .. فلا، وعبارة "الحاوي" أعم؛ فإنه ذكر اعتبار اللون في الحيوان، ولم يذكره "المنهاج" إلَّا في الرقيق.
2005 - قول "المنهاج" بعد ذكر السن والقد [ص 238]: (وَكُلُّهُ على التقريب) مخالف لعبارة "المحرر" فإنه قال بعد ذكر السن: والأمر فيه على التقريب، ثم قال: والقد طولًا وقصرًا.
انتهى 56.
فتعين أن التقريب يتعلق بالسن خاصة دون القد، وكذا في "الروضة" قال: حتَّى لو شرط ابن سبع سواء .. بطل؛ لندوره 57، وقدم "المنهاج" ذكر القد، فعاد التقريب إليه أيضًا، قال شيخنا ابن النقيب: وهو حسن إن ساعد عليه نقل 58.5354
الحديث: 2001 - الجزء: 1 - الصفحة: 813
2006 - قول "الحاوي" [ص 293]: (مع الصغر أو الكبر جثّةً في الطير، واللون والذكورة والأنوثة، والسن في الحيوان) يقتضي أنَّه لا يشترط ذكر اللون في الطير، وأهمل الرافعي والنووي ذكره في كتبهما، ولا بد من اشتراطه فيه؛ لاختلاف الغرض به.
2007 - قول "المنهاج" [ص 238]: (وفي اللحم: لحم بقرٍ) لا بد أن يبين أيضًا أنَّه من جاموس أو عراب، ولم يتعرض لذلك "الحاوي" صريحًا، وكأنه اكتفى بذكر الجنس والنوع في الحيوان.
2008 - قول "المنهاج" [ص 238] و"الحاوي" [ص 293]: (خَصِيٍّ معلوف) محله: في لحم غير الصيد.
2009 - قولهما: (ويُقبل عَظْمُهُ على العَادَةِ) 59 محله: ما إذا لم يشترط نزعه، فإن شرط .. لم يجب قبوله.
2010 - قول "المنهاج" [ص 238]: (وفي الثياب: الجنس) لا بد من ذكر النوع أيضًا، وقد ذكره "الحاوي" 60، فاعتبر ذكر الجنس والنوع في كل مسلم فيه، ولا بد أيضًا من ذكر بلد النسج إن اختلف به الغرض 61.
2011 - قول "المنهاج" [ص 238] و"الحاوي" [ص 294]: (والغلظ والدِّقَّة) هو بالدال، وهما يرجعان إلى كيفية الغزل، ثم قالا: (والصَّفاقة والرقة) 62 أي: بالراء، وهما يرجعان إلى كيفية النسج؛ فالصفاقة انضمام بعض الخيوط إلى بعض، والرقة بعدها، واقتصر في "الروضة" وأصلها على الغلظ وضده 63، وهو غير مغن عن الصفاقة وضدها؛ لما عرفته.
2012 - قول "التنبيه" [ص 98] و"المنهاج" في المصبوغ بعد النسج [ص 239]: (إنه لا يصح السلم فيه) مخالف لقول الرافعي: إن القياس: صحته، واقتصر في "المحرر" على ذكره، لكنه في "الشرح" جعل المعروف في كتب الأصحاب أنَّه لا يجوز 64، فلذلك استدرك "المنهاج"، فقال [ص 239]: (الأصح: منعه، وبه قطع الجمهور) انتهى.
ونص عليه في "مختصر البويطي".
الحديث: 2006 - الجزء: 1 - الصفحة: 814
2013 - قول "المنهاج" [ص 239]: (وفي التمر: لونه ... إلى آخره) أهمل شرطًا آخر، وهو: كون جفافه على النخل أو بعد الجذاذ، ولا بد منه كما قال الماوردي 65، فإن الأول أنقى، والثاني أصفى، ذكره في "المهمات".
2014 - قوله: (وفي العسل: جبليٌّ ... إلى آخره) 66 قال الماوردي: ولا بد أن يبين أيضًا مرعاهُ وقوته أو رقته، ذكره في "المهمات" أيضًا 67.
2015 - قول "المنهاج" [ص 239]: (ولا يصح في مطبوخ ومشوي، وما أثرت فيه النار) مثل قول "التنبيه" [ص 97]: (وما دخله النار) إلَّا أن فيه زيادة تفصيل دخول النار إلى طبخ وشيّ، ومجرد تأثير لا ينتهي إلى طبخ ولا شي، قال في "التصحيح": الأصح: جوازه فيما دخلته نار لطيفة كالسكر والفانيذ والدِّبس واللِّبأ، وفي الجصِّ والآجُر.
انتهى 68.
وفي معناها: العسل والسمن؛ لأن نارهما لطيفة أيضًا، ومقتضى كلام الرافعي: ترجيح البطلان في السمن والدبس والسكر والفانيذ واللبأ؛ فإنه جعل فيها الوجهين في السلم في الخبز، والأصح فيه: البطلان 69، وحذف في "الروضة" هذا التشبيه، وأطلق ذكر وجهين، ثم قال: وممن اختار الصحة في هذه الأشياء الغزالي وصاحب "التتمة" 70.
واعترضه في "المهمات": بأن المتولي إنما اختار الجواز في اللبأ قبل أن يخلط باللبن ويطبخ، أما بعد طبخه .. فلا، ويلتحق بها ماء الورد، فقال الروياني: الأصح عندي وعند عامة الأصحاب: جواز السلم فيه، واقتصر في "الروضة" وأصلها على نقل تردد في ذلك لصاحب "التقريب" 71.
2016 - قول "التنبيه" [ص 98]: (وإن أسلم في الرؤوس .. ففيه قولان) الأصح: منعه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 72، وشرط مقابله: أن تكون نيئةً موزونةً منقّاة من الشعر، فإن اختل شرط منها .. لم يصح قطعًا، واشتراط كونها نيئةً مفهوم من بطلان السلم فيما دخلته النار.
الحديث: 2013 - الجزء: 1 - الصفحة: 815
2017 - قول "التنبيه" [ص 98]- والعبارة له - و"المنهاج" [ص 239]: (وإن أسلم في الجلود .. لم يجز) يستثنى منه: ما إذا سوّى جوانبه ودبغه .. فيجوز السلم فيه وزنًا.
2018 - قول "التنبيه" [ص 98]: (وإن أسلم في آنية مختلفة الأعلى والأوسط والأسفل) الواو في كلامه بمعنى (أو)، فلا يشترط اختلاف الجميع، بل كل منها مانع؛ ولذلك أطلق "المنهاج" الاختلاف 73، وقول "التنبيه" في أمثلة ذلك [ص 98]: (والمنائر) لو قال: (مناور) .. لكان أحسن؛ لأنها من النور.
2019 - قول "المنهاج" [ص 239]: (ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة في الأصح، ويُحمل مُطْلَقُهُ على الجَيِّد)، مقابله منقول عن العراقيين، وقال الرافعي: إنه ظاهر النص 74، قال في "الروضة": قوله: (ظاهر النص) مما ينكر عليه؛ فقد نص عليه في مواضع من "الأم" نصًا صريحًا 75.
وقال السبكي: إن فُسِّرت الجودة بالسلامة من العيوب .. فلا حاجة لاشتراطها، أو بزيادة على ذلك .. فقد لا يتعلق به غرض، فلا وجه لذكره، وإن أريد بالرداءة: رداءة النوع .. فيجوز، بل يجب قطعًا، أو رادءة العيب .. فذكرها مفسد، وإنَّما يحسن الخلاف في رداءة الوصف إن كانت خارجة عن النوعين، وحينئذ .. ينبغي أن يكون الأصح فيها كالأصح في شرط الجودة، فإن فُرض اختلاف الأغراض بذلك .. فيكون الأصح فيهما: الاشتراط، وقول الرافعي والنووي: (ويحمل مطلقه على الجيد) إن أريد: السليم .. ناقض ما جعلناه محل الخلاف، أو قدرٌ زائد .. فما الدليل على وجوبه؟ والذي يتعين عند الإطلاق: الاكتفاء بالسلامة من العيب.
انتهى 76.
2020 - قول "التنبيه" [ص 97]: (وإن شرط الأردأ .. فعلى قولين) الأصح: الصحة، وقد ذكره "الحاوي" 77.
2021 - وقوله: (لا رديءٌ) 78 أي: لا يجوز اشتراطه، وهو محمول على رداءة الصفة أو العيب، أما رداءة النوع .. فالأصح المنصوص: صحة اشتراطها.
الحديث: 2017 - الجزء: 1 - الصفحة: 816
فَصْلٌ [في الاستبدال عن المسلم فيه]
2022 - قول "التنبيه" [ص 99] (وقيل: إن كان الأجود من نوع آخر .. لم يجب قبوله) هذا الوجه هو الأصح، بل الأصح: أنَّه لا يجوز قبوله؛ لأنه كالاعتياض، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص 239]: (لا يصح أن يُستَبدل عن المُسلَمِ فيه كيرُ جِنسهِ ونوعه، وقيل: يجوز في نوعه ولا يجب) وأفهم كلامه نفي وجه بوجوبه، وليس كذلك، بل هو وجه مشهور، وقد عرفت أنَّه مقتضى كلام "التنبيه" 79، وهو أيضًا مقتضى قول "الحاوي" [ص 295]: (ووجب قبول الأجود) لكنه محمول على الأجود في الصفة لا في النوع، وصحح السبكي تبعًا لطائفة: جواز الاستبدال عن المسلم فيه من غير نوعه.
2023 - قول "المنهاج" [ص 240]: (ولو أحضره قبل محله فامتنع المُسْلِمُ من قَبُولِهِ لغرضٍ صحيحٍ، بأن كان حيوانًا أو وقت غارةٍ .. لم يُجْبَر) فيه أمور:
أحدها: كذا وقع في "المحرر": (بأن) 80، وصوابه: (كأن) بالكاف، ليكون مثالًا للمسألة لا تفسيرًا لها.
ومن أمثلتها: كونه لحمًا أو فاكهة يريد أكله طريًا، وكونه يحتاج إلى مكان له مؤنة؛ كالحنطة الكثيرة، كذا ذكره الرافعي والنووي 81.
قال في "المهمات": ومقتضاه الإجبار على قبولها إذا كانت قليلة، وأن الحجارة الكثيرة ونحوها لا إجبار فيها؛ لما فيها من مؤنة المكان، والذي اعتبره الشَّافعي: أن ما لا يتغير على طول الزمان، كالحديد ونحوه .. يجب قبوله، وما يتغير؛ كالحنطة ونحوها .. لا يجب قبوله، قال في "المهمات": وهو غرض صحيح لا سيما من الذين يطلبون الأسعار في الحبوب ونحوها، وأما المعنى الذي اعتبره الرافعي من مؤنة الموضع .. فهو حقير في الغالب بالنسبة إلى فائدة التعجيل؛ فلذلك أهمل الشَّافعي اعتباره.
انتهى 82.
ثانيها: لا بد في الحيوان من كون المدة الباقية من الأجل يحتاج فيها ذلك الحيوان، إلَّا مؤنة لها وقع، فلو قصرت المدة .. لم يكن له الامتناع، وقد قيده في "المحرر" بذلك 83.
الحديث: 2022 - الجزء: 1 - الصفحة: 817
ثالثها: قوله: (أو وقت غارة) 84 تقديره: أو الوقت وقت غارة، ولا يصح عطفه على خبر كان، والغارة لغة قليلة، والأفصح: إغارة من أغار، وإطلاقه يقتضي أنَّه لا فرق بين أن يعقد في وقت الغارة أم لا، وبه صرح في "الإبانة"، وحكى معه وجهًا فارقًا.
2024 - قول "التنبيه" [ص 99]: (وإن أنكر المسلم إليه، وقال: "الذي سلمت إليك غيره" .. فالقول قول المسلم إليه مع يمينه) الأصح: أن القول قول المسلم، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" في آخر (اختلاف المتبايعين) 85.
2025 - قول "التنبيه" [ص 99]: (وإن قبض ذلك، ثم ادعى أنَّه غلط عليه بالوزن أو الكيل .. لم يقبل في أصح القولين) محلهما: إذا ادعى فوق ما يقع مثله بين الكيلين، أما إذا ادعى قدره .. قبل قطعًا.
2026 - قوله: (وإن دفع جزافًا، فادعى أنَّه أنقص من حقه .. فالقول قوله) 86 صورته: أن يختلفا بعد تلف المقبوض، قال البندنيجي والمحاملي: والقول قول القابض في قدر نقصانه قليلًا كان النقص أو كثيرًا؛ لأنه لم يعترف بشيء، والأصل عدم قبض الزائد، أما إذا كان باقيًا .. فيعتبر قدره، ويعمل بمقتضاه.
الحديث: 2024 - الجزء: 1 - الصفحة: 818
بَابُ القرض
2027 - قول "المنهاج" [ص 240]: (الإقراض مندوب) ينبغي أن يقول كما في "التنبيه" [ص 99]: (إليه)، وكذا في "المحكم" وغيره 87، لكن المعروف جره باللام، تقول: ندبته لكذا فانتدب له، ذكره الجوهري 88، أما المندوب: فهو الشخص نفسه، وقول "التنبيه" [ص 99]: (القرض) كان ينبغي أن يقول بدله: (الإقراض) كما في "المنهاج" فإنه فعل المقرض، أما القرض: فهو القطع، ويستعمل أيضًا اسمًا للشيء المقرض، ومنه فيما قيل: قوله تعالى: قَرْضًا حَسَنًا، فنصبه مفعولًا؛ فإن مصدره الإقراض كما ذكرته، وذكر بعضهم: أنَّه مصدر بحذف الزوائد؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، فكل من عبارتي "التنبيه" و"المنهاج" أحسن من الأخرى من وجه.
2028 - قول "المنهاج" [ص 240]: (وصيغته: "أقرَضْتك"، أو "أسلفتك"، أو "خذه بمثله"، أو "ملَّكْتكهُ على أن تَرُدَّ بَدَله") يقتضي حصر صِيَغِهُ في هذه الألفاظ الأربعة، وقد عبر "الحاوي" بقوله [ص 295]: (كأقرضتك) ليدل على أنَّها أمثلة، ومع ذلك فزاد فيها: (خذه، واصرفه في حوائجك، ورد بدله) 89 وهنا أمور:
أحدها: أن ظاهر كلامهما وكلام غيرهما يقتضي أن قوله: (خذه بمثله) 90 صريح، لكنه كناية في البيع، قال في "المهمات": فينبغي هنا كذلك، وسبقه إليه السبكي.
ثانيها: إنما يظهر قوله: (بمثله) في قرض المثلي، وفي المتقوم إذا قلنا: يضمن بالمثل صورة، كما هو المرجح، فإن قلنا: يُضمن بالقيمة .. فينبغي أن يقول: (بقيمته) ليطابق الواقع، قاله شيخنا الإسنوي أيضًا، فكأن المذكور هنا مفرع على الأصح، أو جعلت القيمة مثلًا بتأويل، وقال السبكي: يحتمل أن يصح، كما إذا شُرط في الخبز رد المثل على وجه، ويحتمل أن يقال: إنه شرط ينافي مقتضاه، فيبطل أو يُجعل بيعًا.
ثالثها: قد يقال في الصيغة التي زادها "الحاوي": لا حاجة لقوله: (واصرفه في حوائجك)، فيكفي الاقتصار على قوله: (خذه، ورد بدله)، كما في قوله: (خذه بمثله).
رابعها: لو اقتصر على قوله: (خذه واصرفه في حوائجك) .. ففي كونه قرضا وجهان في
الحديث: 2027 - الجزء: 1 - الصفحة: 819
"المطلب"، وكلام "الحاوي" يقتضي أنَّه لا يكون قرضًا، وهو واضح؛ لاحتماله الهبة.
2029 - قول "المنهاج" [ص 240]: (وفي المُقْرِض: أهْلِيَّهُ التبرع) يستثنى منه: القاضي؛ فإنه ليس أهلًا للتبرع في مال المحجور، وله إقراضه بلا ضرورة.
2030 - قول "التنبيه" [ص 99]: (ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة بعقد السلم) يستثنى منه: الجارية التي تحل للمقترض؛ فإنها تثبت في الذمة بعقد السلم، ولا يجوز قرضها، وقد ذكرها بعد ذلك، لكن محل استثنائها هنا كما في "المنهاج" و"الحاوي"، وقد تفهم عبارتهم جواز قرض الجارية التي لا تحل له في الحال؛ كأخت الزوجة، والظاهر: المنع، قاله شيخنا ابن النقيب 91.
والخنثى كالمرأة في استقراض الجارية، قاله النووي في "شرح مسلم" 92. قال السبكي: وفيه نظر، وكلامهم يقتضي صحة إقراض الدراهم المغشوشة؛ فإن الرافعي حكى في (الغصب) عن المتولي: أنا إذا جوزنا المعاملة بها .. جعلناها مثلية 93، والمثلي يستلزم صحة المسلم فيه، فيصح إقراضه، لكن ذكر الروياني في "البحر": أنَّه لا يجوز إقراضها.
2031 - قول "التنبيه" [ص 99]: (إنه لا يصح السلم في الخبز) يقتضي أنَّه لا يصح قرضه، وهو مقتضى قول "المنهاج" [ص 240]: (وما لا يُسْلَم فيه لا يجوز إقراضُه)، ومفهوم قول "الحاوي" [ص 295]: (وجاز قرض ما جاز سلمه)، وصححه البغوي 94، لكن قطع صاحبا "التتمة" و"المستظهري" بجوازه 95، واختاره ابن الصباغ والرافعي في "الشرح الصغير"، وعبارة "الروضة" تفهم ترجيحه 96، هاذا صح .. رد وزنه إن أوجبنا رد المثل، وإلا .. فالقيمة، وفي "الكافي": يجوز عددًا.
وقال في "الاستذكار": إن رد خبزًا .. جاز، وإن رد قيمة .. جاز، وإن تمانعا .. قال ابن المرزباني: فالأولى القيمة، وإن أقرضه خبزًا على شرط رد خبز .. فوجهان، قالهما ابن القطان.
انتهى.
ويستثنى من هذه القاعدة أيضًا: جزء الدار؛ فلا يصح السلم فيه بلا شك، ويصح قرضه كما في الرافعي في (الشُّفْعةَ) عن "التتمة" 97، وحكاه في "المطلب" عن الأصحاب، لكن قال
الحديث: 2029 - الجزء: 1 - الصفحة: 820
الماوردي: لا يجوز قرض العقار 98، قال في "المهمات": ويمكن حمله على الدار جميعها، وما قاله أولئك على الجزء فقط.
قلت: وتقدير خلاف في ذلك أولى، والله أعلم.
واعلم: أن قول "المنهاج" [ص 240]: (وما لا يُسْلَم فيه) أي: في نوعه، وإلَّا .. وردت الأعيان؛ فإنها تُقرض، ولا يُسلم فيها.
2032 - قول "التنبيه" [ص 99]: (وفيما لا مثل له .. قيل: يرد القيمة، وقيل: يرد المثل) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 99.
فإن قلت: الفرض أنَّه لا مثل له .. فكيف يحكم برد المثل؟
قلت: المنفي المثل الحقيقي، والمثبت المثل الصوري، وكذا عبر "المنهاج" و"الحاوي": بـ (المثل صورة) 100، وهو يفهم أنَّه لا أثر لما فيه من المعاني؛ كحرفة العبد وفراهة الدابة، قال شيخنا ابن النقيب: والذي يظهر اعتبار ذلك، فإن تأتَّى ذلك، وإلَّا .. اعتبرت الصورة مع مراعاة القيمة 101.
2033 - قول "التنبيه" [ص 99]: (وإن أقرضه طعامًا ما ببلد ثم لقيه ببلد آخر فطالبه به .. لم يلزمه دفعه إليه) يستثنى منه: ما إذا تساوت قيمة البلدين .. فيلزمه الدفع، كما حكاه في "الكفاية" عن ابن الصباغ وغيره، قال: وهو مقتضى تعليل المنع باختلاف القيمة.
2034 - قوله: (وإن أقرضه دراهم في بلد ثم لقيه في بلد آخر، فطالبه بها .. لزمه دفعها إليه) 102 قال الإمام: وكذا إذا كان المقرض من النقود التي لا عسر في نقلها ولا تتفاوت قيمتها بتفاوت البقاع، فإن عسر نقلها، وتفاوتت قيمتها .. فلا يطالبه إلَّا في بلد القرض، ذكره في "الكفاية" 103، ولم يعتبر "المنهاج" و"الحاوي" سوى مؤنة النقل وعدمها 104.
2035 - قول "المنهاج" [ص 240]: (ولا يجوز بشرط رَدِّ صحيحٍ عن مكسَّرٍ أو زيادةٍ) ليس شاملًا لجميع صور المنع؛ فهو على سبيل التمثيل، وذكر "التنبيه" قاعدة عامة، وذكر لها أمثلة، فقال [ص 99]: (ولا شرط جرّ منفعة؛ مثل أن يقول: أقرضتك ألفًا على أن تبيعني دارك بكذا، أو
الحديث: 2032 - الجزء: 1 - الصفحة: 821
ترد على أجود من مالي، أو تكتب لي به سفتجة)، وهو أحسن، ومع ذلك فأورد عليه: أنَّه لا بد من تقييده بجر منفعة إلى المقرض، كما في "الحاوي" 105 ليخرج جر المنفعة إلى المقترض، وهذا مفهوم من تمثيله، وهو واضح؛ فإن وضع القرض على جر المنفعة إلى المستقرض، فكيف يفسد القرض باشتراطه؟ " ولفظ الزِّيادة في "المنهاج" محمولة على زيادة القدر، كما صرح به "الحاوي" 106، واستحسن السبكي حمله عليه، قال: أما زيادة الصفة: فأشار إليها برد الصحاح عن المكسر.
2036 - قول "التنبيه" [ص 99]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 296]: (فإن بدأه المستقرض بذلك من غير شرط .. جاز) وقال في "المنهاج" [ص 240]: (فحسن)، وفي "الروضة" عن المحاملي وغيره: التصريح بالاستحباب 107.
2037 - قول "التنبيه" [ص 99]: (ولا يجوز شرط الأجل) يفهم فساد القرض لو شرط، وهو كذلك إن كان للمقرض فيه غرض؛ بأن كان وقت نهب، وإلَّا .. فلا، ويلغوا الشرط، لكن يندب الوفاء به، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 25]: (أو بعد شهر وله فيه غرض؛ بأن كان زمان نهب)، وقيده في "الروضة" وأصلها بقيد آخر، وهو: أن يكون المستقرض مليئًا 108.
2038 - قولهم: (ويملك القرض بالقبض) 109 يستثنى: ما حكاه في "الروضة" من زيادته عن "المهذب"، وهو ما لو قال: أقرضتك ألفا، وقبل وتفرقا، ثم دفع إليه ألفًا، وطال الفصل .. فلا يجوز؛ لتعذر البناء، فإن لم يطل .. جاز 110.
وقال السبكي: لم نر ذلك إلَّا لصاحب "المهذب" وأتباعه، وهو يقتضي أنَّه لا يجب إيراده على معين، وقال ابن أبي عصرون: إنه إذا فعل مثل ذلك في الهبة .. جاز؛ يعني: مع طول الفصل، قال السبكي: وهذا أغرب.
2039 - قول "المنهاج " [ص 241]؛ (وله الرجوع في عينه ما دام باقيًا بحاله في الأصح) فيه أمور: أحدها: أنَّه يفهم أنَّه لو زال ثم عاد .. لم يرجع فيه، وقياس نظائره: الجواز، وأطلق الماوردي وجهين 111.
الحديث: 2036 - الجزء: 1 - الصفحة: 822
ثانيها: لفظة: (بحاله) ذكرها الرافعي، وأسقطها في "الروضة" 112، واحترز بها من رهنه وكتابته وجنايته .. فلا رجوع، لكن قد ترد الإجارة والتدبير وتعليق العتق بصفة؛ فإنها لا تمنع الرجوع، أما لو وجده زائدًا زيادة منفصلة .. رجع فيه دونها، أو ناقصًا .. رجع مع الأرش.
ثالثها: محل الوجهين: ما إذا قلنا: يملك بالقبض، هالا .. رجع قطعًا، واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 295]: (وجاز الرجوع فيه).
2 - قول "التنبيه" [ص 99]: (وإن أخذ عن القرض عوضًا .. جاز)، قال في "الكفاية": في لفظ الأخذ اعتبار القبض في العين، والأصح: خلافه، وعليه مشى "المنهاج" في قوله فيما تقدم [ص 225]: (ولو استبدل عن القرض وقيمة المتلف .. جاز، وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق (أي: والأصح: عدم اشتراطه.
الجزء: 1 - الصفحة: 823