تحرير الفتاوىكتابُ الدّيات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

4715 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (دية الحر المسلم مئة من الإبل) (1) كان ينبغي أن يقولا: (الذكر) ولعلهما سكتا عن ذلك لفهمه من النطق به مذكرًا، ثم محل ذلك: إذا لم يكن في القاتل رق، فإن كان رقيقًا لغير المقتول أو مكاتبًا ولو له .. فالواجب أقل الأمرين من قيمة الرقيق والدية على الأظهر، وإن كان مبَعّضًا .. لزمه لجهة الحرية القدر الذي يناسب الحرية من نصف أو ثلث، ويتعلق بالقدر الرقيق أقل الأمرين من الحصة من الدية والحصة من القيمة.
4716 - قولهم: (مُثَلّثَة في العمد) (2) يقتضي اختصاص ذلك بدية النفس ولو ناقصة، وليس كذلك؛ فالأطراف يأتي فيها عند العمد المحض وانتفاء القصاص التثليث على الجاني، نص عليه في " الأم " و" المختصر "، واتفق عليه الأصحاب.

4717 - قولهم: (ومُخَمَّسَة في الخطأ)، والعبارة لـ " المنهاج ": (عشرون بنت مخاض، وكذا بنات لبون وبنو لبون وحقاق وجذاع) (3) هو المنقول، لكن اختار شيخنا الإمام البلقيني على أصل الشافعي وجوب عشرين من بني مخاض بدل بني اللبون؛ لأنه أقل ما قيل في ذلك، قال به ابن مسعود وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وإنما أوجب الشافعي بني اللبون؛ لاعتقاده أنه أقل ما قيل؛ فإنه لم يبلغه مذه

ب اب

ن مسعود في ذلك، وسبقه إلى اختيار ذلك لهذا المدرك ابن المنذر 4، وكلام البيهقي يقتضي ذلك وإن لم يصرح به 5، ولم يصح في ذلك حديث مرفوع، والله أعلم.
4718 - قول " التنبيه " [ص 223]: (فإن قتل في الحرم) أي: حرم مكة، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 6، ولا يلتحق بذلك حرم المدينة على الصحيح، واختار شيخنا الإمام البلقيني إلحاقه به؛ لأن الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ضمان صيده، والمختار عند النووي: ضمانه صيده بسلب الصائد 7، وفي كلامهم معًا أمور: أحدها: أن ظاهر كلام " التنبيه " و " المنهاج " يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون القاتل والمقتول123

الحديث: 4715 - الجزء: 3 - الصفحة: 68

في الحرم أو أحدهما فقط فيه، وصرح به " الحاوي " بقوله [ص 553]: (رميًا أو إصابة) وهذا هو المنقول، وألحق به في " المطلب " ما إذا جرحه والمجروح في الحرم فخرج المجروح إلى الحل ومات فيه.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى الإلحاق بالصيد: أنه لو كان بعض القاتل أو المقتول في الحل وبعضه في الحرم، أو قطع السهم في مروره هواء الحرم وهما في الحل .. غلظت الدية، قال شيخنا: وعندي أن إلحاق ذلك بالصيد بعيد، وأن الاعتبار بأن يكون القتيل أو الجريح في الحرم سواء أكان القاتل أو الجارح في الحرم أم لا، وهو ظاهر نص الشافعي في كتبه وكلام كثير من أصحابه.
ثانيها: أنه لا يختص التغليظ بالقتل؛ فالجراح في الحرم مغلظة وإن لم يمت منها، وقد نص عليه في " المختصر " فقال: (وكذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم) 8، وصرح به الشيخ أبو حامد.
ثالثها: مقتضى كلامهم: أنه لا تغليظ في الجنين ولو قتل في الحرم، وبه صرح الشيخ أبو حامد، لكن نص في " الأم " على خلافه، فقال: (وقيمة الغرة نصف عشر دية الرجل المسلم، وذلك في العمد وعمد الخطأ خمس من الإبل خمساها وهو بعيران قيمة خلفتين، وثلاثة أخماسها قيمة ثلاث جذاعٍ وحقاقٍ من إبل عاقلة الجاني)، ثم قال: (وفي الخطأ عن قيمتها: خمس من الإبل أخماسًا قيمة بنت مخاض وقيمة بنت لبون وقيمة ابن لبون ذكر وقيمة حقة وقيمة جذعة) 9. 4719 - قول " الحاوي " [ص 553]: (ولذي رحم) يقتضي الاكتفاء بذلك وإن لم يكن محرمًا، وبه قال الشيخ أبو حامد، وحكي عن القفال، واختاره الشيخ أبو محمد والروياني، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه الأرجح، وحكاه عن ظاهر نص " الأم " و" المختصر " فإنه لم يعتبر فيهما إلا كونه ذا رحم 10، لكن صحح الرافعي والنووي اشتراط المحرمية أيضًا 11، وحكى القاضي حسين إجماع الأصحاب عليه، وعليه مشى " التنبيه " و" المنهاج " 12، ولا تغليظ لمحرمية الرضاع والمصاهرة قطعًا.

الحديث: 4719 - الجزء: 3 - الصفحة: 69

4720 - قول " التنبيه " [ص 223]: (ولا يؤخذ فيها معيب ولا مريض) و" الحاوي " [ص 556]: (لا المعيب)، قال في " المنهاج " [ص 483]: (إلا برضاه) والمراد: العيب المثبت للرد في البيع.
4721 - قول " المنهاج " [ص 483]: (ويثبت حَمْلُ الخلفة بأهل الخبرة) و" الحاوي " بقول [ص 553]: (أهل البصر) المراد: عدلان منهم.
4722 - قول " المنهاج " [ص 483]: (والأصح: إجزاؤها قبل خمس سنين) يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في " الروضة " وأصلها قولان، ولم يعتبروا لنهاية سنها حدًا 13، وروى النسائي بإسناد رجاله ثقات في حديث مرفوع: " منها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" 14 ومقتضاه: أنها لا تجزئ إذا جاوزت بازل عام، وذلك بعد تسع سنين، وقد يكون بعد ثمان؛ لأن البازل ما فطرنا به؛ أي: انشق، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة.
وقد اعتبر ذلك شيخنا الإمام البلقيني وقال: لم يبلغ الشافعي رضي الله عنه هذا الخبر بهذه الزيادة، ولو بلغه وثبت عنده .. لقال به، قال: ووهم صاحب " المطلب " فقال: إن مقتضى هذا الحديث: ما حمل بعد استكمال خمس سنين وما بعدها إلى إحدى عشرة سنة؛ لأنه الذي يقال فيه بازل عام ثم بازل عامين وهكذا.
4723 - قولهما - والعبارة لـ " التنبيه " -: (وإن كان للقاتل أو العاقلة إبل .. وجبت الدية منها، وإن لم يكن لهم إبل .. وجبت من غالب إبل البلد) 15 فيه أمور: أحدها: أن مقتضاه: أنه لا يعدل إلى غالب إبل البلد إلا إذا لم يكن للقاتل أو العاقلة إبل، ومقتضى كلام " الروضة " وأصلها: أنه مخير بينهما؛ فإنه قال فيما إذا كان يملك إبلًا من غير غالب إبل البلد: أخذت أيضًا من أي صنف كانت، هذا هو الصحيح، وبه قطع الأكثرون، وهو ظاهر نصه في " المختصر "، فقوله أيضًا يدل على قبول إبل البلد؛ ويدل له قوله بعده: ولو دفع نوعًا غير ما في يده .. أجبر المستحق على قبوله إذا كان غالب إبل البلد أو القبيلة كذلك، وحكاه الرافعي عن البغوي 16، ويوافقه قول " الحاوي " [ص 556]: (من غالب إبل البلد أو إبله).
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد.
ثانيها: مقتضاه: أنه إذا تفرقت العاقلة في البلدان أو القبائل .. أخذت حصة كل واحد منهم من

الحديث: 4720 - الجزء: 3 - الصفحة: 70

غالب إبل بلدته أو قبيلته، وهو كذلك، لكن حكى الرافعي عن أبي الفرج الزاز أنه قال: هذا لا يتحقق تصوره في تفرق الآحاد؛ فإن الواجب على الواحد منهم لا يبلغ ما يؤخذ به الإبل، وإنما يظهر التصوير إذا كان بطن في قبيلة أو بلدة وبطنٌ في أخرى 17. قال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضاه: أنه عند تفرق الآحاد يتعذر رعاية غالب البلد، فيحتمل أن يراعى حينئذ غالب أقرب بلد إلى الكل، فإن تفرقوا بحيث كان لكل واحد بلد أقرب .. تعذر أيضًا رعاية أقرب البلاد، فينتقل إلى القيمة كما لو عدمت الإبل، والمصير إلى أن يؤخذ من إبل كل واحد بقدر الواجب عليه بحيث تتكثّر الأشقاص على المستحق بعيد؛ لما فيه من النقص الداخل عليه، قال: ومقتضى هذا: أنه لو كان للعاقلة إبل مختلفة وأخذنا من كل واحد الواجب عليه شقص بعير بحيث تتكثّر الأشقاص .. سقط اعتبار إبله أيضًا، قال: فأما لو تعددت الجناة في العمد وكل واحد في بلد ولا إبل له، أو كانوا في بلد ولكل واحد إبل تخالف إبل الآخر .. فهل نقول: تؤخذ الأشقاص لتعدد الجناة بخلاف العاقلة فإنها تحملت عن الجاني الواحد، أو يراعى حق المجني عليه فيؤخذ له قيمة الإبل بالكامل منهم للتعذر؟ لم أر من تعرض لهذا، والأول أرجح.
انتهى.
ثالثها: أنه يدخل في ذلك بيت المال إذا انتهى الحال إليه في الدية ولم يكن له إبل .. فمقتضاه: أنه يجب منه غالب إبل البلد، ورجح شيخنا الإمام البلقيني: أن الواجب في هذه الحالة القيمة، وأن اعتبار غالب إبل البلد متعذر؛ لأن المراد ببيت المال في حق من لا وارث له إذا مات: أهل البلد الذي يموت فيه دون غيرهم، وإلى الآن لم يمت الجاني، وإذا أريد ببيت المال: جهة الإسلام .. كان اعتبار بلد بعينها دون غيرها تحكمًا.
رابعها: ذكر شيخنا الإمام البلقيني أن كل من أوجبنا عليه أن يفدي بأقل الأمرين من القيمة وأرش الجناية .. لا يقضى عليه بالإبل، فإذا كان الأقل القيمة دفعها من النقد أو الأرش .. فالخيار له إن شاء أعطى الأرش إبلًا وإن شاء أعطى بقدر الأرش من قيمة العبد نقدًا، قال: ولم أر من صرح به، ثم ذكر من كلامهم ما يدل عليه.
خامسها: أن مقتضاه: أنه إذا لم يكن له إبل يؤخذ الواجب منها لعيب فيها .. الانتقال إلى غالب إبل بلده، وليس كذلك، بل يتعين نوع إبله، وعليه تحصيله سليمًا، نص عليه في " الأم " 18، كذا أورده شيخنا الإمام البلقيني، وهو مخالف لما قدمناه عن مقتضى كلام " الروضة " وأصلها من تخييره بين إبله وإبل البلد 19، وتقدم عنه أنه ليس بمعتمد.

الجزء: 3 - الصفحة: 71

وهذه الأمور الأربعة إن صحت .. وردت على " الحاوي " أيضًا، ويختص " التنبيه " و" الحاوي " بأن قولهما: (إبل بلد) يخرج عنه من ليس من أهل البلاد، وهو البدوي، فالعبرة بقبيلته؛ ولهذا قال " المنهاج " [ص 483]: (أو قبيلة بدوي) فلو لم يكن في بلده ولا لقبيلته إبل .. وجب من غالب إبل أقرب البلاد إليه، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 20. ومحله: فيما إذا قربت المسافة ولم تعظم مؤنة النقل، فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة .. لم يلزمه، وسقطت المطالبة بالإبل، كما جزم به في " الروضة " وأصلها، قال: وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر، وقال الإمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة .. لم يلزمه تحصيلها، وإلا .. فيلزم 21. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إجراء هذا الكلام على ظاهره متعذر، وتأويله: أنه إذا زادت بمؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة .. فلا بد من إدخال الباء على مؤنة؛ ليستقيم المعنى.
واعلم: أن المذكور هنا قد يظن مخالفته؛ لقولهم في العاقلة إن على غني نصف دينار، ومتوسط ربع دينار كل سنة من الثلاث وليس كذلك، وقد قال الرافعي والنووي هناك: يشبه أن يكون المرعي في إيجاب الربع والنصف مقدارهما، لا أنه يجب على العاقلة بذل الدنانير بأعيانها؛ لأن الإبل هي التي تجب في الدية، وما يؤخذ يصرف إلى الإبل، وللمستحق ألا يقبل غيرها.
انتهى 22. 4724 - قول " المنهاج " [ص 483]: (ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراضٍ) و" التنبيه " [ص 223]: (فإن تراضيا على أخذ العوض عن الإبل .. جاز) فيه أمران: أحدهما: قال في " البيان ": كذا أطلقوه، وليكن مبنيًا على جواز الصلح عنها، حكاه عنه في " الروضة " وأصلها من غير اعتراض عليه 23، وجزم به الرافعي قبل ذلك بأربعة أوراق 24، ومقتضاه: تصحيح المنع؛ فإن الأصح: منع الصلح عن إبل الدية إذا لم توجب الجناية قصاصًا، وحمل ذلك في " المطلب " على حالة العلم بصفاتها مع العلم بأسنانها ومقاديرها؛ فإن الغزالي قال في الصلح في هذه الحالة بالصحة جزمًا، وإن حكى الخلاف في حالة الجهل بالصفة.
ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن العلم بصفاتها جاء من قضية الواقع المعين، والواقع المعين لم يقع أخذ القيمة عنه؛ لأن ذلك يستدعي أن يملكه مستحق الإبل، ثم يأخذ عنه القيمة حيث يجوز

الحديث: 4724 - الجزء: 3 - الصفحة: 72

بيعه، وإنما وقع أخذ القيمة عن الذي في الذمة وهو مجهول الصفة، قال شيخنا: وجواب ما قاله صاحب " البيان ": أن الصلح عن إبل الدية وقع على عوض غير قيمتها وهي مجهولة الصفة، فجاء الخلاف في الاعتياض عنها، وأما التراخي على أخذ القيمة .. فإنه يُنزل الإبل منزلة العدم، ولو عدمت .. عدل إلى قيمتها على المذهب، قال: وقد نص في " الأم " على جواز أخذ القيمة بالتراضي مع وجود الإبل 25. ثانيهما: أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن العدول من نوع إلى نوع بالتراضي اعتياض؛ ولهذا صححوا في السلم: أنه لا يجوز أن يستبدل عنه غير نوعه، والاعتياض عن إبل الدية لا يصح في الأصح، ثم ذكر أن هذا الإيراد على النووي على طريقته وإن كان الفتوى عند الشيخ في (السلم) على الجواز، وكلام الشافعي رضي الله عنه يقتضيه، والله أعلم.
4725 - قولهما - والعبارة لـ" المنهاج " -: (ولو عدمت .. فالقديم: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم) 26 فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي التخيير بينهما، والجمهور أن على أهل الذهب ذهبًا، وعلى أهل الورق ورقًا.
ثانيها: أن مقتضى " المنهاج ": استواء المغلظة وغيرها، وأنه لا يزاد للتغليظ شيء، وهو الأصح في " الروضة " وأصلها 27، لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني مقابله، وعليه مشى" التنبيه " فقال [ص 223]: (ويزداد التغليظ قدر الثلث).
ثالثها: أنه صريح في توقف إيجاب النقدين على عدم الإبل، وكذا حكاه الأكثرون عن القديم، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه يقرب من خرق الإجماع، وإن النقدين يجبان ابتداءً مع وجود الإبل على القديم، لا بالتخيير، بل بالنظر إلى حالة من يلزمه.
4726 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (والجديد: قيمتها) 28 أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أنه يعدل على الجديد إلى القيمة أيضًا فيما إذا بيعت في البلد وما قرب منه هي والنوع الغالب في أقرب البلاد إليه بأكثر من ثمن المثل.
4727 - قول " المنهاج " [ص 483]: (بنقد بلده) قال شيخنا ابن النقيب: لم أدر أي بلد هو؛ أبلد الجاني أم المجني عليه أم الولي القابض أم الذي يجب التحصيل منه؟ لم أر تصريحا بشيء منه 29.

الحديث: 4725 - الجزء: 3 - الصفحة: 73

وقال شيخنا الإمام البلقيني: كلامه يوهم أن المراد: بلد من لزمته كما سبق في قوله: (وإلا .. فغالب إبل بلده) وليس كذلك، فالمراد هنا: بلد العدم المفهوم من قوله: (فإن عدمت).
وفي " أصل الروضة ": هل تعتبر قيمة موضع الوجود أم موضع الإعواز لو كانت فيه إبل؟ وجهان: أصحهما: الثاني 30. قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحل الخلاف: أن تعدم الإبل في بلد الجاني وفي أقرب البلاد إليه، وتوجد في بلد لا يجب النقل من مثله .. فهل تعتبر قيمة موضع الوجود الذي لا يجب النقل من مثله، أم موضع الإعواز وهو أقرب البلاد؛ قال: واعتبار موضع الوجود غلط فاحش، وموضع الإعواز مشكل؛ إذ ليس به شيء تعتبر قيمته، إلا أن يحمل على أنه به نوعًا معيبا .. فيقوم سليمًا باعتبار موضع الإعواز.
4728 - قولهم: (ودية اليهودي والنصراني ثلث دبة السلم) 31 المراد: من تحل مناكحته، فمن لا يعرف دخول أصوله في ذلك الدين قبل النسخ أو بعده، أو قبل التحريف أو بعده .. لا يناكح، ويقر بالجزية، وتجب فيه دية مجوسي.
4729 - قولهما: (ومجوسي ثلثا عُشر مسلم) 32 لو عبرا بثلث خمس كما عبر به " الحاوي " 33 .. لكان أولى؛ لتصويب الحساب له؛ لكونه أخصر؛ فإن في الثلثين تكريرًا ليس في الثلث.
4730 - قول " التنبيه " [ص 223]: (ومن لم تبلغه الدعوة .. فالمنصوص: أنه إن كان يهوديًا أو نصرانيًا .. وجب ثلث الدية) محمول على ما إذا تمسك من ذلك بغير مبدل، فإن تمسك بالمبدل .. فالواجب فيه دية مجوسي؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 556، 557]: (ومن لم تبلغه دعوة نبي أو دعوتنا وبذل .. ثلث الخمس، وإن لم يبدِّل .. فدية دينه) و" المنهاج " [ص 484]: (والمذهب: أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يُبدّل .. فدية دينه، وإلا .. فكمجوسي) لكن تعبيره بالمذهب يقتضي أن الخلاف فيه طريقان، وهو في " الروضة " وأصلها وجهان 34، وقد عرفت أن " التنبيه " حكى أحدهما عن النص، ورجح شيخنا الإمام البلقيني ما اقتضاه كلام " التنبيه " من وجوب ثلث الدية ولو تمسك بمبدل، وقال: إنه ظاهر النص، ورجحه جماعة، ودخل في قول " المنهاج " [ص 484]: (وإلا .. فكمجوسي) من لم تبلغه دعوة

الحديث: 4728 - الجزء: 3 - الصفحة: 74

نبي أصلًا، وليست في " المحرر "، وهي التي فيها في " الروضة " وأصلها طرق، فكان تعبير " المنهاج " بالمذهب باعتبار مجموع المسألة.

فصلٌ [في الشجاج التي تجب فيها الحكومة]

4731 - قول " التنبيه " [ص 224]: (والموضحة: ما توضح العظم في الرأس والوجه، وفيها خمس من الإبل) قيد ذلك " المنهاج " بقوله [ص 484]: (لحر مسلم) وأهمل التقييد بكونه ذكرًا، ولم يذكرا معًا صفاتها، ولا كونها مغلظة أو مخففة، ولو عبرا كـ " الحاوي " [ص 572] بـ (نصف عشر ديته) .. لتناول جميع ذلك، ولم يحتج لتقييده بشيء.
واعلم: أنه قد يفهم من كلامهم أن المراد بالرأس والوجه هنا: مدلولهما في الوضوء، وليس كذلك، فيدخل في الرأس هنا العظم الناتئ خلف الأذن، وهو الخُشّاءُ، وفي الوجه ما تحت المقبل من اللحيين، وليس ذلك داخلًا في الوضوء.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن موضع الأذنين ليس من الرأس ولا من الوجه، ولو أزال الأذنين وأوضح مع ذلك العظم الذي تحت أطراف الأذنين .. وجب مع ذلك أرش موضحتين.
وقول " التنبيه " [ص 224]: (في الرأس والوجه) مع قوله أولًا [ص 224]: (الشجاج في الرأس عشرة) يفهم أن باقي الشجاج لا يجري في الوجه، وليس كذلك، بل كله يجري في الجبهة، وكذلك ما سوى الدامغة والمأمومة يجري في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل.
4732 - قول " المنهاج " [ص 484]: (وهاشمةٍ مع إيضاحٍ عشرةٌ) أحسن وأخصر من قول " التنبيه " [ص 224]: (والهاشمة: ما تهشم العظم، فيجب فيها عشر من الإبل، فإن ضربه بمثقل فهشم العظم ولم يجرح .. لزمه خمس من الإبل) فإنه قد يجرح ولكن لا ينتهي إلى الإيضاح .. فلا يجب سوى خمس، ولو عبرا بعشر الدية .. لكان أولى؛ لما تقدم.
وفي " أصل الروضة " عن " الرقم " وغيره: أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهشم إلى بط وشق لإخراج العظم أو تقويمه، فإن أحوج إليه .. فالذي أتى به هاشمة يجب فيها عشر من الابل 35. قال شيخنا الإمام البلقيني: وله وجه؛ لأن جنايته هي السبب في الإيضاح، ويحتمل أن يقال: هو من فعل المجروح، فلا يضمَنه الجاني، وهذا أرجح.
4733 - قول " المنهاج " [ص 484]: (ولو أوضح فهشم آخر، ونقل ثالث، وأمَّ رابعٌ .. فعلى

الحديث: 4731 - الجزء: 3 - الصفحة: 75

كل من الثلاثة خمسةٌ) كان ينبغي أن يقول: (وهشم) كما في " المحرر " 36 فإن التعبير بالفاء يقتضي تعقب الهشم للإيضاح، ولا يختص الحكم به، بل لو تأخر عنه كثيرًا أو تقدم عليه .. لم يختلف الحكم.
وقوله: (والرابع إتمام الثلث) 37 يقتضي تأخر الاستيفاء منه ليحصل الإتمام، وليس كذلك، فلو عبر كـ " المحرر " بتمام الثلث 38 .. لكان أولى، وحكاه بعضهم عن النسخ الصحيحة من " المنهاج "، فلو خرق خامس خريطة الدمغ .. ففي " التهذيب ": أن عليه دية النفس؛ كالحز بعد قطع غيره 39، قال الرافعي: وهذا على طريقة من جعل الدامغة مذففة.
4734 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وتجب في هذه الخمسة الحكومة، ولا يبلغ بحكومتها أرش الموضحة) هو ظاهر النص وقول الجمهور كما حكاه الماوردي 40، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، وحمله " المنهاج " على ما إذا لم تعرف نسبتها من الموضحة، فقال: (والشجاج قبل الموضحة إن عُرفت نسبتها منها .. وجب قسط من أرشها، وإلا .. فحكومة) 41 كذا اقتصر على إيجاب القسط، وقال في " أصل الروضة " بعد نقله ذلك عن الأكثرين: فإن شككنا في النسبة .. أوجبنا اليقين، ثم قال: قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة، فيجب الأكثر من الحكومة والقسط.
انتهى.
والذي حكاه الشيخ أبو حامد ومن تابعه عن أبي إسحاق: أن إيجاب أكثر الأمرين إنما هو فيما إذا عرف بعض النسبة وشك في الباقي.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لا يقوم عليه دليل.
4735 - قول " المنهاج " [ص 484]: (وفي جائفة ثلث دية، وهو: جرح ينفذ إلى جوفٍ؛ كبطنٍ وصدرٍ وثغرةِ نحرٍ وجبينٍ وخاصرةٍ).
فيه أمور: أحدهما: أنه لا بد من تقييد الجوف بأن يكون فيه قوة محيلة للغذاء أو الدواء، فالنافذة إلى جوف الذكر وداخل الفم أو الأنف بهشم الخد والقصبة وغيرهما وإلى بيضة العين من الجفن ليست جائفة في الأصح؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 560]: (بجوف قوّتُهُ محيلةٌ) وذكر بعضهم أن هذه الصور خرجت بقول " التنبيه " [ص 224]: (إلى جوف البدن) وقد ذكر بعد ذلك وصولها إلى باطن الفم بهشم الخد، فقال: (وإن طعن في وجنته فهشم العظم ووصلت الجراحة إلى الفم .. ففيه

الحديث: 4734 - الجزء: 3 - الصفحة: 76

قولان: أحدهما: أنها جائفة، والثاني: يلزمه أرش هاشمة) 42، والثاني هو الأصح، ويلزمه مع ذلك حكومة لما زاد، ذكره في " الروضة " وأصلها 43. ثانيها: ظاهر كلامهم الاقتصار على ثلث الدية، ويستثنى منه: ما إذا نفذت من غير الضلع فكسرت الضلع، أو لذع الحديد كبده أو طحاله، أو شرط بطنه بسكين ثم أجافه في آخر الشرط .. فيجب في الصور الثلاث مع الثلث حكومة، كما ذكره الماوردي 44، وخالف في " الروضة " وأصلها في الصورة الثالثة 45، وقال شيخنا الإمام البلقيني: وما ذكره الماوردي أرجح.
ثالثها: قول " المنهاج " [ص 484]: (وجبين) كذا فيما وقفنا عليه بباء موحدة ثم ياء مثناة من تحت ثم نون، وهو تصحيف، والذي في نص " الأم ": (جنب) 46 فثناه بعضهم، وقال: (جنبين) فتصحفت بجبين، ولا جائفة في الجبين بلا خلاف، إنما الواصلة إلى جوف الدماغ تعطى حكم الجائفة، وليست جائفة، وهو في بعض نسخ " المنهاج " على الصواب.
4736 - قول " التنبيه " [ص 224]: (فإن أوضح موضحتين وبينهما حاجز .. فعليه عشر من الإبل) المراد: حاجز كامل بلحم وجلد؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 484]: (بينهما لحم وجلد، قيل: أو أحدهما)، و" الحاوي " [ص 563]: (بحاجز اللحم والجلد).
4737 - قول " التنبيه " [ص 224]: (فإن عمت الرأس ونزلت إلى الوجه .. فقد قيل: يلزمه خمس، وقيل: عشر) الأصح الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 47. 4738 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن خرق بينهما .. رجعت إلى خمس) محله: ما إذا كان ذلك قبل الاندمال، وفي معنى خرقه بينهما: تآكل الحاجز، وقد ذكره " الحاوي " فقال: [ص 563] (لا إن رفع أو تآكل) ودخل في عبارتهما: ما لو رفع الحاجز خطأ، وهو الأرجح في زوائد " الروضة " 48، وقيل: يلزمه أرش ثالث.
4739 - قول " المنهاج " [ص 484]: (ولو وَسَّع موضحته .. فواحدة على الصحيح، أو غيره .. فثنتان) يجوز في قوله: (غيره) الرفع، أي: وسعها غيره، وهو موافق لـ " المحرر " 49،

الحديث: 4736 - الجزء: 3 - الصفحة: 77

والنصب، وهو بمعناه؛ أي: وسع هو موضحة غيره، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ والجر؛ أي: وسع موضحة غيره، فيكون معطوفًا على الضمير المجرور، ونقل الوجهان الأخيران عن خط المصنف.
4740 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن أوضح موضحتين ثم خرق بينهما في الباطن .. فقد قيل: إنه يجب عليه أرش موضحتين، وقيل: أرش موضحة) الأصح: الثاني، وهو موافق لما تقدم عن " المنهاج " و" الحاوي " أن المراد: حاجز اللحم والجلد 50. 4741 - قول " المنهاج " [ص 484، 485]: (ولو نفذت في بطنٍ وخرجت من ظهره .. فجائفتان في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في " أصل الروضة "، ثم قال: ويقال: قولان 51، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص في " الأم " على أنهما جائفتان 52. 4742 - قوله: (ولو أوصل جوفه سنانًا له طرفان .. فثنتان) 53 شرطه: أن يكون الحاجز بينهما سليمًا، كما ذكره في " الروضة " وأصلها 54، ثم إن هذا يصدق بما إذا أوصله من منفذ مفتوح؛ فكان ينبغي أن يقول: (ولو طعن جوفه بسنان) ولا يرد ذلك على قول " الحاوي " [ص 562]: (وتتعدد بتعدد الجائفة صورة).
4743 - قولهم: (وفي الأذنين الدية) 55 إنما يقتصر عليها إذا لم يحصل مع استئصالهما إيضاح، فلو أوضح العظم .. وجب أيضًا أرش موضحة، وفي تعبير " المنهاج " عن ذلك بالمذهب مناقشة؛ فإن المسألة ليس فيها طريقان، وإنما فيها نص مشهور وقول مخرج، أو وجه ضعيف.
4744 - قول " التنبيه " [ص 224]: (وإن ضرب الأذن فشلت .. وجبت الدية في أحد القولين، والحكومة في الآخر، وإن قطع أذنًا شلاء .. ففيه قولان: أحدهما: تجب الدية، والثاني: تجب الحكومة) الأظهر في الأولى: وجوب الدية، وفي الثانية: وجوب الحكومة، وعليه مشى " المنهاج " 56، وإليه أشار " الحاوي " بقوله [ص 559]: (وأذن لمنع الهوام) فعُلم من كون المنفعة المعتبرة فيها منع الهوام وجوب الدية فيها إذا أشلها؛ لزوالها بعدم الإحساس، لكن نازع شيخنا الإمام البلقيني في ترجيح إيجاب الدية في الأولى، وقال: لم ينقله الرافعي إلا عن البغوي،

الحديث: 4740 - الجزء: 3 - الصفحة: 78

والجمهور لم يرجحوا شيئًا، ونص الشافعي في " الأم " يقتضي ترجيح إيجاب الحكومة، ثم بسط ذلك 57. 4745 - قول " المنهاج " [ص 485]: (وفي كل عين نصف دية ولو عين أحول وأعمش وأعور) يوهم أن العين العوراء فيها نصف الدية، وليس كذلك، وإنما هو في الأخرى، واحترز بذلك عمن يقول: في عين الأعور كل الدية، وأيضًا فلا يقال في الأعور: في كل عين له نصف دية؛ لأنه إنما له عين واحدة.
4746 - قوله: (وكذا من بعينيه بياضٌ لا ينقص الضوء، فإن نقص .. فقِسْطٌ، فإن لم ينضبط .. فحكومةٌ) 58 قد يفهم أن مراده: أن من بعينه بياض ينقص الضوء إذا أذهب جانٍ ضوءها .. لم يجب عليه إلا قسط الدية باعتبار نقص الضوء، فإن لم ينضبط .. فحكومة، وليس كذلك، بل يجب في مثل هذه العين الدية كاملة، كما هو ظاهر كلام " الوجيز " 59. قال الرافعي: لكن ذكرنا في فقء العين التي فيها بياض: أنه إن نقص الضوء .. فلا تكمل الدية، فليكن في إذهاب ضوء العين وفيها بياض مثل ذلك 60، وأسقط ذلك في " الروضة "، وما بحثه الرافعي صرح به الماوردي 61، وكلام الشافعي في " الأم " يشير إليه أيضًا 62، وظهر بذلك أنه لو حمل كلام "المنهاج" على ذلك .. لم يمنع منه مانع، لكن مقتضى مطابقته لـ " المحرر " 63: أن مراده: ما إذا نقص ضوء العين بالجناية، فإن انضبط .. وجب قسط، وإن لم ينضبط .. فحكومة.
ويرد ذلك على إطلاق " التنبيه " أن في نقص الضوء الحكومة 64، وأورد شيخنا الإمام البلقيني على " المنهاج " أمرين: أحدهما: أنه إذا انضبط بعض النقص ولم ينضبط كله .. فإنه يؤخذ بنسبة ما نقص من الدية قطعا، إلا أن تزيد الحكومة على القسط .. فتجب الحكومة، قال: وإنما لم يجب أرش المنضبط وحكومة غير المنضبط؛ لأن إفراد غير المنضبط بالحكومة قد لا ينضبط، فنظرنا إلى الجناية كلها، فإن اتفق إمكان إفراد غير المنضبط بالحكومة .. وجب المقدر وحكومة غير المنضبط.

الحديث: 4745 - الجزء: 3 - الصفحة: 79

ثانيهما: أن محل الحكومة في غير المنضبط: ما إذا لم يعد الجاني ويجني جناية أخرى تذهب ما بقي من الضوء، فإن عاد قبل الاندمال وأذهب ما بقي .. وجب عليه نصف الدية، وينقص منها ما أخذ أوَّلًا، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
4747 - قول " التنبيه " [ص 225]: (وفي أحد المنخرين نصف الدية، وقيل: ثلث الدية) الأصح: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 65، وتعبير " التنبيه " و" المنهاج " يوهم أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان، نص على الثلث في " الأم "، ونقل النص على النصف سُليم وصاحب " المهذب " 66، وكذا هو في " الروضة " وأصلها 67. 4748 - قول " التنبيه " [ص 225]: (فإن قطع المارن وبعض القصبة .. لزمه دية وحكومة) الأصح: اندراج حكومة القصبة في دية المارن، كذا صححه في " أصل الروضة "، والرافعي قال: ذكر الإمام أن فيه وجهين، وأن المذهب الظاهر منهما: الاندراج، ثم ذكر بحثًا يقتضي أنه يجب مع دية المارن أرش منقلة، قال: وكذا حكى ابن كج عن نص " الأم " 68. وحذفه من " الروضة "، بل في " الكفاية " عن الماوردي: أنه قد تزيد الحكومة على أرش المنقلة 69، ونص في " الأم " على إيجاب الحكومة، فقال: (وإذا قُطع من العظم المتصل بالمارن شيء .. كانت فيه حكومة مع دية المارن) 70. 4749 - قوله: (وإن ضرب الأنف فشل المارن .. ففيه قولان كالأذن) 71 الأظهر: وجوب الدية.
4750 - قول " المنهاج " - والعبارة له، وقد سقط من بعضه نسخه - و" الحاوي ": (وهي - أي: الشفة - في عرض الوجه إلى الشدقين، وفي طوله ما يستر اللثة في الأصح) 72 في " أصل الروضة ": إنه الأصح المنصوص، وبه قطع الأكثرون 73، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إن نص " الأم " يقتضي أن حَدَّ 74 الشفتين إلى محل الارتتاق من أعلى وأسفل، وهو من الأوجه

الحديث: 4747 - الجزء: 3 - الصفحة: 80

المقابلة للأصح هنا؛ فإنه قال: (والشفة كل ما زَايَلَ جلد الذقن والخدين من أعلى وأسفل مستدير بالفم كله مما ارتفع عن الأسنان واللثة) 75 فاعتبر مزايلة الخدين من أعلاه، وذلك واصل إلى محل الارتتاق، وقوله: (مما ارتفع عن الأسنان واللثة) يبين ذلك؛ فإن الذي ارتفع عن الشيء هو ما كان فوقه، أما ما كان قبالته .. فلا يقال: ارتفع عنه، وإنما يقال فيه: يستره أو يوازيه، واعتبر الشافعي الاستدارة بالفم كله، وذلك يقتضي نزوله على مقتضى الاستدارة على آخر الفم في العرض، قال: وهذا الذي نزلنا نص الشافعي عليه هو المعتمد.
4751 - قول " التنبيه " [ص 225] و" الحاوي " [ص 559]: (وفي اللسان الدية) يتناول لسان الطفل، وبه صرح " المنهاج " ثم قال: (وقيل: شرط طفلٍ ظهور أثر نطقٍ بتحريكه لبكاءٍ ومصٍّ) 76 ومقتضاه: أنه وجه، قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس وجهًا، بل هو ظاهر نص " الأم " و" المختصر " 77، قال: والذي يظهر من كلام كثير من أصحاب الطريقين ترجيح إيجاب الحكومة في قطع لسان المولود عقب ولادته قبل أن يتحرك لسانه ثم يسقط ذلك، ومال إليه، قال: ومحل الخلاف: ما إذا لم يبلغ وقت التحريك، فإن بلغ وقت التحريك ولم يوجد .. فالواجب الحكومة، قال: ووقت التحريك هو ما بعد الولادة في الزمن القريب منها الذي يحرك المولود فيه لسانه لبكاءٍ ومصٍّ ونحوهما.
4752 - قول " المنهاج " [ص 485]: (ولأخرس حكومة) محله: ما إذا لم يذهب بقطعه الذوق، أو كان ذاهب الذوق، فأما إذا قطعه فذهب ذوقه .. وجبت الدية للذوق، وهذا مفهوم من قوله: (إن في الذوق الدية) 78. 4753 - قول " التنبيه " [ص 226]: (وإن قطع اللسان فأخذ الدية ثم نبت .. رد الدية في أحد القولين) الأصح: أنه لا يردها.
4754 - قوله: (وفي كل سن خمس من الإبل) 79 المراد: إذا كانت لذكر حر مسلم كما عبر به " المنهاج " 80، ولو قال: (نصف عشر ديته) كما عبر به " الحاوي " 81 .. لتناول جميع الصور، واستفيد به التغليظ والتخفيف.

الحديث: 4751 - الجزء: 3 - الصفحة: 81

4755 - قول "المنهاج" [ص 485]: (وفي سن زائدة الحكومة) لو عبر ب (الشاغية) كما عبر به "المحرر" و"الحاوي" 82 .. لكان أولى، وهي التي خالف نباتها نبات الأسنان؛ لأن تعبيره بالزائدة يشمل الزائدة على الغالب في الفطرة، وهي اثنان وثلاثون، وتلك فيها وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها: أحدهما: فيها خمس من الإبل، والثاني: حكومة 83، وصحح شيخنا الإمام البلقيني الأول؛ لإطلاق الخبر، وهو داخل في إطلاقهم السن.
4756 - قول "المنهاج" [ص 485]: (وحركة السن إن [نقصت] 84 .. فالأصح كصحيحة) فيه أمران: أحدهما: أنه يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "الروضة" وأصلها قولان 85. ثانيهما: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أجد ما صححه في كلام أحد من المصنفين، والأصح بمقتضى نصوص الشافعي وقاعدته: إنه إن لم يمكن المضغ عليها ولم يبق فيها إلا جمال .. فالواجب حكومة، وإن بقي بعض المضغ .. فكالصحيحة.
قلت: هذا لا ينافي كلامه؛ لأن التي لم يبق فيها إلا جمال قد بطلت منفعتها، وقد قدم أن فيها الحكومة.
4757 - قول "المنهاج" فيما لو قلع سن صغير [ص 485]: (والأظهر: أنه لو مات قبل البيان .. فلا شيء) فيه أمران: أحدهما: أنه قد يفهم أنه لا تجب حكومة، وليس كذلك.
ثانيهما: في "أصل الروضة": أن الخلاف في ذلك وجهان، وقيل: قولان، لكن الرافعي في آخر الكلام قال: لو قلع سن صغير فطلع بعضها ومات الصغير قبل أن يتم نباتها .. فعليه من الدية قسط ما لم ينبت إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل النبات، والحكومة إن قلنا: لا تجب هناك الدية، حُكي هذا التصوير والتفريع عن نص الشافعي، وذلك يقوي رواية من روى الخلاف في المسألة قولين، وقد حكاهما ابن كج عن "الأم"، وأسقط ذلك في "الروضة" 86. قال شيخنا الإمام البلقيني: والقولان في "الأم" في ترجمة أسنان الصبي 87، فالذي في "المنهاج" هو الصحيح.

الحديث: 4755 - الجزء: 3 - الصفحة: 82

4758 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قلع سن كبير فضمن ثم نبت .. ففيه قولان: أحدهما: يرد ما أخذ.
والثاني: لا يرد) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" 88. 4759 - قوله: (ولو قلعت الأسنان .. فبحسابه، وفي قول: لا يزيد على دية إن اتحد جانٍ وجنايةٌ) 89 قد يقتضى أنه لو جنى عليه جانيان دفعة واحدة .. لم يأت هذا القول فيه، وليس كذلك، فالظاهر كما قال في "المطلب": إجراء القولين أيضاً، وإنما يقطع بالتعدد عند تعدد الجاني إذا جنى بعد جناية الأول.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على هذا القول في شيء من كتب الشافعي؛ ولهذا حكاه ابن الصباغ والماوردي وغيرهما وجهًا، وحكايته وجها أرجح، وعليه جرى العراقيون.
4760 - قوله: (ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح) 90 كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" و"مختصري المزني والبويطي" 91، وحكى في "الوسيط" مقابله قولاً 92، ويوافقه بعض نسخ "المحرر" فإنه نقل في ذلك قولين 93. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه غير معروف، قال: ولا فرق في هذا الحكم بين سن من لم يَثْغَر وغيره؛ لأنا إنما كنا ننتظر سن من لم يثغر لبقاء منبتها، والمنبت هنا قد زال.
قال: ولم أر من نبه على ذلك، وهو واضح.
4761 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وكل يد نصف دية إن قطع من كف) كان ينبغي أن يقول: (من كوع) كما عبر به غيره، أو يقول: (كفاً) كما قال "التنبيه" [ص 226]: (وفي الكفين والأصابع الدية) ومع ذلك فيرد: أنه لو قطع الأصابع وحدها .. وجبت نصف الدية، لكنه ذكره بعد ذلك.
4762 - قولهما: (وكل إصبعٍ عشرةُ أبْعِرَةٍ، وأنملةٍ ثلث العشرة، وأنملة إبهام نصفها) 94 المراد: من صاحب الدية الكاملة، وهو الذكر الحر المسلم، والمراد: الإصبع غير الزائدة.
4763 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وحشفةٌ كذكرٍ، وبعضها بقسطه منها، وقيل: من

الحديث: 4758 - الجزء: 3 - الصفحة: 83

الذكر) يقتضي أن الخلاف وجهان، وليس كذلك، بل هو قولان.
نص عليهما في "الأم" 95، وكذلك حكاهما في "التنبيه" 96، وكذا في بعض نسخ "المحرر" 97، ورجح في "أصل الروضة" طريقة القطع بالأول، ثم حكى طريقة الخلاف وجهين، ثم حكى عن المتولي: أن هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل .. فالأكثر من قسط الدية وحكومة فساد المجرى 98. وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني: بأن القطعة من الحشفة التي لها الحصة المعلومة لا تدخل في الحكومة، بل يجب أرشها بالنسبة على ما سبق، ويجب لفساد المجرى حكومة.
4764 - قول "المنهاج" [ص 486]: (وكذا حكم بعض مارنٍ وحلمةٍ) أي: هل يجب بقسطه من المارن فقط أو من المارن والقصبة؟ وهل يجب بالقسط من الحلمة فقط أو من الحلمة والثدي؟ وحكى الخلاف في "أصل الروضة" طريقين 99. وقال شيخنا الإمام البلقيني: ما ذكره في المارن إنما يجيء على قولنا: إن القصبة تندرج في دية المارن، ونص في "الأم" على خلافه 100، فما ذكره هنا مفرع على الدخول، وهو الأصح في "الروضة"، وهو خلاف النص المعتمد.
4765 - قول "الحاوي" [ص 559]: (والجلد كالنفس) قيده "المنهاج" فقال [ص 486]: (إن بقي حياةٌ مستقرةٌ وحزَّ غير السالخ رقبته) وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا حاجة إليه؛ فقد يحصل تشقق يزيل الجلد خاصة من غير أن يكون قاتلاً، وقد رأينا من يتمزع غالب جلده بالحرارة التي تخرج إلى سطح جسده ثم يفيق منها، قال: ويتصور في السالخ أيضًا بأن يكون إحدى الجنايتين عمداً والأخرى خطأ .. فإن الأصح: أنهما لا يتداخلان.
انتهى.
وذهب الماوردي إلى أن في سلخ الجلد حكومة لا تبلغ دية النفس 101، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن النص 102، وقال: إنه المعتمد.
4766 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قطع اللحم الناتئ على الظهر .. لزمته الدية) يعني: جانبي السلسلة، وفي "الكفاية" تبعًا لابن يونس: لا ذكر لهذه المسألة في الكتب المشهورة.

الحديث: 4764 - الجزء: 3 - الصفحة: 84

فَرْعٌ [في دية المعاني]

4767 - قولهم: (في العقل دية) 103 كذا أطلقوه، وقال المتولي: ذلك إذا تحقق الزوال وعدم العود بقول أهل الخبرة، فإن توقع عوده .. انتظر، فإن مات .. ففي الدية وجهان كسن المثغور، كذا في "الروضة" وأصلها عنه 104، وصوابه: كسن غير المثغور، وسيأتي في النطق ما يوافقه، لكن سيأتي في السمع أنه إنما ينتظر إذا قذر أهل الخبرة لعوده مدة، وأن الإمام استثنى: ما إذا قدروا مدة يغلب على الظن انقراض العمر قبل فراغها، وقال: الوجه: ألاَّ ينتظر هذه المدة، بل تؤخذ الدية 105. 4768 - قول "التنبيه" [ص 225]: (فإن نقص ما يعرف قدره؛ بأن يجن يوماً ويفيق يوماً .. وجب بقسطه) يقتضي أنه لا يعرف قدره إلا بالزمان، لكن في "الروضة" وأصلها: أنه قد يتأتى بغير الزمان؛ بأن يقابل صواب قوله ومنظوم فعله بالخطأ المطروح منهما، وتعرف النسبة بينهما .. فيجب قسط الزائل 106. واستبعده شيخنا الإمام البلقيني: بأن الأفعال والأقوال لا تنضبط، بخلاف الزمان.
4769 - قوله: (فإن ذهب العقل بجناية لا أرش لها مقدر .. دخل أرش الجناية في دية العقل) 107 قال في "الكفاية": لم يوافقه عليه أحد من المصنفين إلا القاضي حسين في "تعلقيه"، وقد حكاه عنه الإمام، وقال: إنه ليس بشيء 108، والجمهور على خلافه حكوا القولين في الصورتين ما إذا كان أرش الجناية مقدراً، وما إذا كان غير مقدر، والأصح فيهما: عدم الدخول، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 486]: (فإن زال بجرح له أرش أو حكومة .. وجبا، وفي قول: يدخل الأقل في الأكثر)، وقوله: (له أرش) أي: مقدر؛ فإن الحكومة أيضاً أرش، لكنه غير مقدر.
لكن صحح شيخنا الإمام البلقيني طريقه "التنبيه"، وقال: إنها ظاهر نص "الأم" 109، وفي كلام الشيخ أبي حامد ما يقتضيها، وعكس في "الروضة" وأصلها هذه الطريقة وهما، فقال:

الحديث: 4767 - الجزء: 3 - الصفحة: 85

وقيل: إن لم يكن أرش الجناية مقدراً .. لم يدخل قطعاً 110، وصوابه: دخل قطعاً.
وقوله: (يدخل الأقل في الأكثر) لا يفهم منه حكم المساوي؛ بأن قطع يديه فزال عقله، والحكم فيه على هذا القول التداخل أيضًا كما نقله شيخنا الإمام البلقيني عن مقتضى نص "الأم"، وحكاه في "الكفاية" عن النص صريحاً، وقال شيخنا: الظاهر أنه وَهِمَ فيه، وقطع في "المهذب" في التساوي بإيجاب ديتين 111، ورُدّ.
4770 - قول "المنهاج" [ص 486]: (ولو ادُّعي زواله؛ فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته .. فله دية بلا يمين) فيه أمور: أحدها: كيف يدعي وهو مجنون لا تصح دعواه؟ فينبغي أن يقرأ مبنيا لما لم يسم فاعله؛ أي: ادعى ذلك من له ولاية الدعوى، وهو الولي.
ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لا بد من كون الجناية تحتمل زوال العقل بها، وإلا .. لم تسمع الدعوى، ويحمل على الاتفاق كحصول الموت بصفعة خفيفة 112. ثالثها: نازع شيخنا الإمام البلقيني في هذا الحكم، وقال: لم يذكره الشافعي ولا متقدموا أصحابه، وإنما ذكره الإمام 113 والصواب: أنه لا بد من إقامة الولي البينة بجنونه.
قلت: وقد يقال: ذلك لا ينافي ما ذكره المصنف؛ لأنه ليس المراد: عدم انتظام قوله وفعله بمجرد الدعوى، بل لا بد من ثبوته عند القاضي ببينة أو بعلمه عند من يجوز الحكم بالعلم.
رابعها: محل عدم اليمين في المطبق كما هو فرض المسألة، فإن كان متقطعاً وادعى زمن الإفاقة .. حلف فيه، ويرد ذلك أيضًا على قول "الحاوي" [ص 560]: (ولا يُحلّف).
4771 - قولهم: (وفي السمع دية) 114 فيه أمران: أحدهما: أن محله: ما إذا لم يتوقع عوده، فإن توقع إلى مدة قدّرها أهل الخبرة .. انتظرت، قال الإمام: بشرط ألاَّ يظن استغراقها العمر فأكثر 115، قال في "التهذيب": فلو مات قبل تلك المدة .. فهو كما لو انتظرنا البصر لمدة فمات قبلها 116، وسيأتي.
ثانيهما: لو قال أهل الخبرة: لطيفة السمع باقية ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقاً

الحديث: 4770 - الجزء: 3 - الصفحة: 86

لا وصول إلى زواله .. فالأصح: وجوب حكومة لا دية، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 560]: (لا تعطيله).
4772 - قول "المنهاج" [ص 486]: (ولو ادَّعَى زواله وانزعج للصباح في نومٍ وغفلةٍ .. فكاذب) يوهم أن حقه اندفع لمجرد ذلك، وكذا يقتضيه قول "التنبيه" [ص 225]: (سقط دعواه) وليس كذلك، بل لا بد من حلف الجاني؛ لاحتمال أن الانزعاج بسبب آخر، كذا في "الروضة" وأصلها 117، ونص عليه في "الأم" 118. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يحلف خصمه عند ظهور كذبه قطعا، وأوّل النص على ما إذا لم يقطع بكذبه.
4773 - قول "التنبيه" [ص 225]: (وإن جني عليه جناية فادعى فيها ذهاب البصر وشهد بذلك شاهدان من أهل الخبرة .. وجبت الدية) فيه أمران: أحدهما: أن محله: في العمد، فأما في الخطأ .. فيكفي شهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين.
ثانيهما: أنه يفهم أنه لا سبيل إلى معرفته إلا بالبينة، وفي "الحاوي" [ص 560]: (والحواس بصوتٍ منكرٍ بغنةً، وتقريبِ حديدةٍ) فلم يذكر البينة، بل اقتصر على الامتحان كالسمع، وفي "المنهاج" [ص 487]: (وإن ادعى زواله .. سُئل أهل الخبرة، أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدةٍ محماة من عينه بغتةً، ونُظرَ هل ينزعج؟ ) فخير بينهما، واقتضى ثبوته بكل منهما، وجعل ذلك في "أصل الروضة" خلافاً، فقال: وجهان: أحدهما - وهو نصه في "الأم" -: يراجع أهل الخبرة؛ فإنهم إذ وقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينيه .. عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إليه.
والثاني: يمتحن بتقريب حية ... إلى آخره، ثم قال: وقال المتولي: الأمر إلى خيرة الحاكم؛ إن أراد مراجعتهم .. فعل، وإن أراد امتحانه .. فعل.
انتهى 119. وعبارة الرافعي في "الكبير": يمكن أن يقدر في هذا اختلاف قول أو وجه، ورد في "التتمة" الأمر إلى خيرة الحاكم.
انتهى 120.

الحديث: 4772 - الجزء: 3 - الصفحة: 87

فتوقف في ذلك، وجزم في "المحرر" بالتخيير 121، وفي "الشرح الصغير" بمقابله، فقال بعد ذكر المقالتين: وقيل: يتخير الحاكم.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ليس في المسألة خلاف، والذين قالوا: يمتحن أرادوا: في حالة ما إذا لم يظهر لهم شيء، أو عدموا .. فتتعين مراجعتهم عند إمكانها كما نص عليه، قال: والامتحان هنا لا يجدي شيئاً؛ فقد يحول بينه وبين الرؤية أغشية، فلا يبصر مع بقاء الضوء، فيتعين أهل الخبرة كما نص عليه.
وحاصل كلام شيخنا القطع بالبينة عند إمكانها، والخلاف عند تعذرها، وأن الصحيح مع تعذرها: أنه لا يكفي الامتحان.
واعلم: أن المراد: ذهاب البصر أصلاً، فلو قال أهل الخبرة بعوده بعد مدة .. انتظرت، وقد صرح بذلك "التنبيه" فقال [ص 225]: (وإن قالا: ذهب ولكن يرجى عوده إلى مدة .. انتظر إليها، وإن مات قبل انقضائها .. وجبت الدية) ونص الشافعي على إيجاب القصاص أيضاً، وفي "الروضة" وأصلها عن البغوي: أنه لا يجب للشبهة 122. 4774 - قوله: (وإن نقص الضوء .. وجبت الحكومة) 123 محله: ما إذا لم يعرف قدره، فإن عرف .. وجب بقسطه من الدية؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 487]: (وإن نقص) ويدخل فيه ما إذا نقص ضوء إحداهما فقط، وفي "أصل الروضة" هنا بعد أن قال: لو أبصر بالصحيحة من مئتي ذراع وبالعليلة من مئة ذراع .. فموجبه التنصيف، لكن لو قال أهل الخبرة: إن المئة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المئة الأولى؛ لقرب الأولى وبُعد الثانية .. وجب ثلثا دية العليلة، قال الشافعي: وما أرى ذلك يضبط 124. قال شيخنا الإمام البلقيني: وقياسه .. أن يجب ثلثا الدية الكاملة لو كان النقص من العينين.
4775 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وفي الشم دية على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وبه صرح "المحرر" 125، وكذا في الرافعي عن "التقريب"، وعن منصور التميمي قولان 126، وقد نص على الدية في "الأم" و"المختصر"، وأشار في "الأم" إلى القول الآخر،

الحديث: 4774 - الجزء: 3 - الصفحة: 88

وهو الحكومة بقوله: قيل: فيه الدية 127. 4776 - قوله: (وفي بعض الحروف قسطه) 128 أي: موزعاً على ما يحسنه منها كما صرح به "الحاوي" بقوله [ص 562]: (وما يحسن من ثمانية وعشرين حرفاً) ودل عليه قول "المنهاج" بعده [ص 487]: (ولو عجز عن بعضها خلقةً أو بآفةٍ سماويةٍ .. فدية، وقيل: قسط) وعلم منه أن محل كلام "الحاوي": ما إذا كان بغير جناية، فلو كان نقص بعض الحروف بجناية .. وزع على الكل.
ويرد عليهما: أن محل هذا: فيما إذا بقي بعد الذاهب كلام مفهوم، فإن لم يبق كلام مفهوم .. فكذلك، كما قال في "التتمة": إنه المشهور في المذهب، والمنصوص في "الأم"، لكن في "التهذيب": إنه يجب كمال الدية لفوات منفعة الكلام 129، وهو المحكي عن أبي إسحاق والقفال.
وعن الروياني: أنه المذهب، ونقل عن مقتضى إيراد الرافعي في "الشرح الصغير"، وصححه شيخنا الإمام البلقيني، ورد ما قاله المتولي، وقال: إن نص "الأم" بخلافه؛ فإنه قال: (وإذا ذهب بعض كلام الرجل .. اعتبر عليه بأصول الحروف من التهجي) 130، قال: فلم يوزع على الحروف إلا مع بقاء بعض الكلام.
ويوافقه قول "التنبيه" [ص 225]: (وإن ذهب بعض الكلام .. وجب بقسطه يقسم على حروف لغته)، وهو أعم من قول "المنهاج" [ص 487]: (والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفاً في لغة العرب) وهو أوضح من قول "الحاوي" [ص 562]: (وما يحسن من ثمانية وعشرين حرفاً) لاقتضاء إطلاقه اطراد ذلك في كل لغة، فعبارة كل منهما أحسن من الأخرى من وجه.
وأورد شيخنا الإمام البلقيني على قول "المنهاج" [ص 487]: (في لغة العرب) أنه لو عرف المجني عليه معها لغة غيرها، وذهب حروف من كل منهما، وكانت تلك اللغة أكثر حروفاً .. فالتوزيع على الأكثر، كما رجحه شيخنا؛ لأن الأصل براءة ذمة الجاني، فلا يلزم إلا باليقين، وفي "الروضة" وأصلها وجهان في المسألة بلا ترجيح: هل يوزع على الأكثر، أو الأقل؟ 131. 4777 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن قطع النصف وذهب ربع الكلام .. وجب نصف الدية) كذا عكسه كما صرح به "المنهاج" 132، وتناولهما معاً قول "الحاوي" [ص 562]: (وأكثرهما للسان) والضمير لقسط الجرم وقسط ما يحسن، ونبه شيخنا الإمام البلقيني على أن تعبير الشافعي

الحديث: 4776 - الجزء: 3 - الصفحة: 89

والأصحاب بربع الكلام مجاز، والمراد: ربع أحرف كلامه؛ لأن الكلام هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها.
4778 - قول "المنهاج" [ص 487] و"الحاوي" [ص 559]: (وفي الصوت دية) قال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكره غير الإمام 133، وهو مردود، ويكاد أن يكون خرقاً للإجماع.
4779 - قول "المنهاج" في الذوق [ص 487]: (ويدرك به حلاوةٌ وحموضةٌ ومرارةٌ وملوحةٌ وعذوبةٌ) قال في "التوشيح": اعلم أن الحكماء قالوا: الجسم إما لطيف أو كثيف أو معتدل، والفاعل فيه إما الحرارة أو البرودة أو المعتدل بينهما، فيفعل الحار في الكثيف مرارة، وفي اللطيف حرافة، وفي المعتدل ملوحة، والبرودة في الكثيف عفوصة، وفي اللطيف حموضة، وفي المعتدل قبضاً، والكيفية المعتدلة في الكثيف حلاوة، وفي اللطيف دسومة، وفي المعتدل تفاهة، وكأن الفقهاء ذكروا أصول الطعوم؛ ولذلك قال بعض الحكماء: إن أصولها أربعة: الحلاوة، والمرارة، والحموضة، والملوحة، وأن ما عداها مركب منها، ولم يذكر الحكماء العذوبة، وقد يقال: إنها التفاهة، وفيه نظر.
وقال الماوردي: ربما فرعها الطبيب إلى ثمانية، ولا نعتبرها في الأحكام؛ لدخول بعضها في بعض كالحرافة مع المرارة 134. قال في "التوشيح": كان الطب يشهد لأن هذه الزيادات توابع، وإذا فات متبوع واحد منها .. فاتت، وإذا أخذت دية المتبوع .. دخل التابع تحته، وقد يقال: ينبغي أن يجيء لنا خلاف في أنه هل تجب حكومة للتابع أو تدخل تحت دية المتبوع كما في نظائره؟ . انتهى 135. 4780 - قول "المنهاج" [ص 487] و"الحاوي" [ص 559]: (وتجب الدية في المضغ) أي: بأن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ، كتعذر البطش بإشلال اليد، أو بأن يصلب مغرس اللحيين فتمتنع حركتهما مجيئاً وذهاباً؛ كتعذر المشي لكسر الصلب.
قال الرافعي: ويشبه أن يجيء في تكميل الدية في السن المعطلة بتصلب المغرس الخلاف فى تكميل الدية في الرجل المعطلة بكسر الصلب 136. وقال شيخنا الإمام البلقيني: انفرد بإيجاب الدية في المضغ الفوراني والإمام والغزالي 137، ولم يجيء فيه خبر ولا أثر، ولم ينص عليه الشافعي، بل نص على ما يرده، ثم بسط ذلك.

الحديث: 4778 - الجزء: 3 - الصفحة: 90

4781 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وقوة إمناءٍ بكسر صُلْبٍ) و"الحاوي" [ص 559]: (والإمناء) نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح بل الصواب: خلافه؛ لأن الإمناء هو الإنزال.
فإذا أبطل قوة الإنزال ولم يذهب نفس المني .. وجبت الحكومة دون الدية؛ فإنه قد يمتنع الإنزال بما يسد طريقه .. فيشبه ارتتاق الأذن بحيث لا يسمع، لكن السمع باق ولا دية فيه على الأصح، قال: ولم يذكر هذه العبارة إلا الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" 138، وعبارة "البسيط": فأبطل منيه، وكذا تكلم الفوراني والإمام على إذهاب المني، والأرجح فيه: إيجاب الدية، ولا يلزم من ذهاب قوه الإمناء ذهاب المني بالكلية 139. 4782 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وقوة حَبَلٍ) تبع فيه "المحرر" 140، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يذكره أحد، وإنما عبر الغزالي بقوله: (منفعة الإمناء والإحبال به) 141، وأراد به: منفعة واحدة، وذكر الإحبال ليشير إلى فوات النسل .. فاعتقد الرافعي أنه للمرأة، فقال في "الشرح": ولو أبطل من المرأة قوة الإحبال .. وجبت عليه ديتها 142، وعبر عنه في "المحرر" بـ (قوة الحبل) 143، وعبارة "الحاوي" [ص 559]: (والإمناء، والإحبال) وهو محتمل للتأويل، بخلاف "المنهاج".
4783 - قول "المنهاج" [ص 487]: (وذهاب جماع) صوّروه بما إذا لم ينقطع ماؤه وبقي الذكر سليماً، فكأنهم أرادوا بذهابه: بطلان الالتذاذ به والرغبة فيه؛ ولذلك عبر "الحاوي" [ص 559] بـ (التلذذ بالجماع) وصورها الإمام والغزالي بإبطال شهوته، واستبعدا إبطالها مع حركة الذكر وسيلان المني 144، وعبارة "الثنبيه" [ص 226]: (وإن كسر صلبه فعجز عن الوطء .. لزمته الدية) وعبارة الشافعي رضي الله عنه مثله 145. 4784 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (وفي إفضائها من الزوج وغيره دية - وهو: رفع ما بين مدخل ذكر ودبر، وقيل: ذكر وبول -) 146 كذا صحح الأول في "أصل الروضة" 147، وهو

الحديث: 4781 - الجزء: 3 - الصفحة: 91

الأظهر في "المحرر" 148، والأشبه في "الشرح الصغير"، لكن جزم بالثاني في "الروضة" وأصلها في مثبتات الخيار في النكاح 149، ونقل في "الشرح الكبير" هنا كلاً منهما عن جماعة، ولم يصرح بتصحيح 150، وصحح المتولي أن كلاً منهما إفضاء يوجب كمال الدية، فإن أزالهما .. فديتان.
وقال الماوردي ما معناه: إن من أوجب الدية في الثاني .. أوجبها في الأول من طريق الأولى، بخلاف العكس 151، ووافقه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: الأصح: هو المذكور هنا، وأما الذي في (النكاح) .. فاقتصر فيه على تفسير الشيخ أبي حامد وأتباعه؛ لأنه الغالب في الإفضاء، والقصد منه عدم ثبوت الخيار، وإذا قلنا بالثاني، فصار بولها لا يستمسك .. لزم الجاني مع الدية حكومة، صرح به في "أصل الروضة" 152. وقياسه: إيجاب الحكومة على الأول أيضاً إذا لم يستمسك الغائط، وهو واضح.
4785 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي إذهاب العذرة الحكومة) أي: إذا أذهبها غير الزوج بغير الوطء؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 487]: (ومن لا يستحق افتضاضها فأزال البكارة بغير ذَكَرٍ .. فأرشها، أو بذَكَرٍ لشبهةٍ أو مكرهةً .. فمهر مثل ثيباً وأرش البكارة) وكذا في "الروضة" وأصلها هنا 153، لكنهما جزما في البيوع المنهي عنها بوجوب مهر بكر وأرش بكارة فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد 154، واختاره السبكي في (الغصب) من "شرح المنهاج".
وقول "التنبيه" فيما لا يجوز بيعه [ص 90]: (وإن كانت جارية فوطئها .. لزمه المهر وأرش البكارة إن كانت بكراً) يحتمل التصحيحين؛ فقد يريد مهر ثيب كالتصحيح الأول، ومهر بكر كالتصحيح الثاني، وكذا قول "الحاوي" هنا [ص 559]: (بالمهر؛ كأرش البكارة لا على الزوج) يحتملها، لكن دخل في عبارته ما إذا طاوعت، ولا مهر إذاً ولا أرش إن لم تكن أمة كما سيأتي.
وقول "المنهاج" [ص 487]: (وقيل: مهر بكر) يحتمل أن يريد: مع أرش البكارة، فيوافق ما في (البيوع المنهي عنها)، ويحتمل الاقتصار عليه، وهو المصحح في "أصل الروضة" في (الرد بالعيب) 155.

الحديث: 4785 - الجزء: 3 - الصفحة: 92

وفرق الماوردي بين الحرة والأمة، فجعل في الأمة في البيع الفاسد مهر بكر وأرش بكارة، وفي الحرة مهر بكر فقط؛ لأن الحرة لا تدخل تحت اليد 156، وحكى شيخنا الإمام البلقيني عن نص "الأم" أنه قال: فإن افتضها رجل بفرجه .. فعليه مهر مثلها؛ لإصابته وحكومةٌ على ما وَصَفْتُ 157، قال: فالضمير في قوله: (مهر مثلها) يعود على البكر، ولم يقبل تأويل القاضي حسين وغيره لذلك، قال: والمذهب المعتمد: أنه يجب مهر بكر وأرش بكارة في المكرهة ونحوها كما تقدم عن النص، ومهر بكر فقط في صورة الشبهة تنزيلاً لذلك منزلة وطء البكر في النكاح الصحيح.
قال شيخنا: ويستثنى من الشبهة: شبهة النكاح الفاسد؛ فإنه لا خلاف أن الواجب فيه مهر بكر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في النكاح بلا ولي: "فإن أصابها .. فلها المهر بما استحل من فرجها" 158 ولم يوجب لها أرشاً، قال: ومقتضى "المنهاج": أن لا يجب شيء من ذلك عند انتفاء الشبهة والإكراه، وهو صحيح في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر كما ذكروه في (الغصب).
وفي إيجاب الزيادة على مهر مشلها وهي ثيب إذا طاوعت عالمة بالحال وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 159، ورجح شيخنا الوجوب، قال؛ لأن الذي يسقط بمطاوعة الأمة إنما هو المهر المتمحض للوطء، أما ما فيه شيء متعلق بإذهاب شيء من الجسد .. فلا.
4786 - قول "الحاوي" [ص 560]: (كالنطق) أي: لا تجب الدية بتعطيله كما إذا أذهب سمع صبي فتعطل لذلك نطقه؛ لأن نطق الصبي إنما هو بواسطة سماعه من أبويه وغيرهما.
4787 - قوله: (والمشي) 160 أي: وكذا المشي لو تعطل بكسر صلب إنسان .. لم تجب فيه إلا الحكومة، كذا في "التعليقة"، وقال في "المصباح": لا تجب الدية على الأصح، بل الحكومة، ويوافقه ما حكاه الرافعي في أثناء الكلام على النطق عن "التتمة": أنه لو كسر صلبه فتعطل مشيه والرجل سليمة .. لم يلزمه بتعطل المشي دية أخرى 161، وأسقطه في "الروضة".
ومقتضاه: وجوب الدية في كسر الصلب دون إبطال المشي، ويخالفه فيهما قول الرافعي بعد

الحديث: 4786 - الجزء: 3 - الصفحة: 93

ذلك: ولو كسر صلبه وشلت رجله .. قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومة؛ لكسر الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجل سليمة حيث لا تجب مع الدية الحكومة؛ لأن المشي منفعة في الرجل، فإذا شلت الرجل ففواتها لشلل الرجل .. فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمة ففوات المشي لخلل الصلب .. فلا يفرد بحكومة، قال: وهذا يوافق ما ذكر ابن الصباغ: أنه لو كسر صلبه فشل ذكره .. يجب حكومة للكسر ودية لشلل الذكر، ثم قال: وفي هذا تصريح بأن مجرد الكسر لا يوجب الدية، وإنما تجب الدية إذا فات به المشي أو الماء أو الجماع (1). وعليه مشى "المنهاج" فذكر أن في المشي دية، و"التنبيه" فقال [ص 226]: (وإن كسر صلبه فلم يطق المشي .. لزمه الدية) ثم ذكرا أنه لو كسر صلبه فذهب مثيه وجماعه .. لزمه ديتان (2)، لكن الذي في "الحاوي" موافق لنظيريه اللَّذَيْن ذكرهما معه، وهما: تعطيل السمع والنطق بدون ذهابهما، ويوافقه أن الأصح فيما لو كسر صلبه فتعطل مشيه ثم قطع قاطع رجليه: أنه تجب الدية في قطعهما؛ لأنهما صحيحتان.

فرعٌ [تداخل ديتين فأكثر]

4788 - قول "المنهاج" [ص 488]: (أزال أطرافاً ولطائف تقتضي ديات فمات سراية .. فديةٌ) ينبغي أن يقول: (منها) كما في "المحرر" 164 ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض .. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعاً، وكذا لو مات من سراية بعضها قبل اندمال شيء منها؛ كما لو جرحه جرحاً خفيفاً لا مدخل له في السراية وجائفة فمات منها قبل اندمال ذلك الجرح .. فلا يدخل أرشه في دية النفس كما اقتضاه قول "المحرر" و"الروضة" وأصلها: فمات منها 165، لكن نص الشافعي رضي الله عنه في الثانية يقتضي الاندراج، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إنه المعتمد.
4789 - قوله: (وكذا لو حزه الجاني قبل اندمال في الأصح) 166 يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "المحرر" و"الشرح" قولان، ثم نقل المصحح عن النص، ومقابله عن تخريج ابن162163

الحديث: 4788 - الجزء: 3 - الصفحة: 94

سريج وقول الإصطخري واختيار الإمام، وكذا في "الروضة" بعد أن حكاهما وجهين (1)، فحاصله أنه نص ومخرج، فكان ينبغي أن يقول في "المنهاج" و"الروضة": (على النص) والنص المذكور هو في "المختصر" في صفة قتل العمد (2)، وممن حكى الخلاف في ذلك قولين القفال في "شرح التلخيص".
4790 - قوله: (فإن حز عمداً والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل في الأصح) (3) يقتضي أن الخلاف وجهان، وقد حكاه قولين القاضي حسين والإمام والغزالي وغيرهم (4). واعلم: أن مقتضى عبارة "المنهاج" وغيره: أنه لو مات بسقوط من سطح ونحوه .. وجوب الديات كلها؛ لأنه لم يسقط دية ما دون النفس إلا بالسراية، وحز الجاني قبل الاندمال.
وهو الذي أفتى به شيخنا الإمام البلقيني، وفرق بينه وبين اعتبار التبرع في المرض المخوف من الثلث ولو مات بسقوط من سطح: بأن التبرع صدر عند الخوف من الموت .. فاستمر حكمه، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وفي زيادة "الروضة" في الطلاق فيما لو طلق زوجته بائناً وهو مريض ثم قتله قاتل .. عن "المهذب": أنها لا ترث على القديم، وعن "الشامل" و"التتمة": أنها ترث (5).

فصلٌ [فيما تجب فيه الحكومة وقدرها]

4791 - قول "المنهاج" [ص 488]: (تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) فيه أمران: أحدهما: أن المراد: الجناية الموجبة للمال؛ ليخرج عن ذلك ما يوجب التعزير المجرد؛ كقلع سن من ذهب، ولهذا قال "الحاوي" بعد ذكر هذه المسألة [ص 575]: (وفي غيرٍ الحكومةُ) أي: غير ما تقدم مما يوجب الضمان بمال مقدر أو التعزير المجرد.
ثانيهما: كان ينبغي أن يضم لما فيه مقدر ما عرفت نسبته من مقدر؛ فإنه يؤخذ في هذا الثاني بنسبته من المقدر، ولا يرد ذلك على "الحاوي" أيضاً وإن كان قد ذكر من أمثلة ما فيه الحكومة المتلاحمة، وقد تعرف نسبتها من مقدر؛ بأن يكون بقربها موضحة، فيجب فيها أكثر الأمرين مما يقتضيه التقسيط ومن الحكومة؛ لقوله بعد ذلك: (وإن أمكن تقديره بما له مقدر .. فأكثر قسطه، والحكومة) 172.167168169170171

الحديث: 4790 - الجزء: 3 - الصفحة: 95

فإن قلت: والإيجابُ بالنسبة لمقدر حكومةٌ أيضًا كما نص عليه الشافعي.
قلت: المراد: الحكومة التي يقدر الحر فيها رقيقاً، وهي التي فسرها بعده، وهذه ليست كذلك؛ ولهذا لما ذكر "المنهاج" هذا الحكم عند الكلام على الشجاج .. قال: (والشجاج التي قبل الموضحة إن عرفت نسبتها منها .. وجب قِسْطٌ من أرشها، وإلا .. فحكومة) 173 فلم يسم الإيجاب بالنسبة لمقدر حكومة، ويرد الأمران على قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي الجراحات سوى ما ذكرناه الحكومة).
وقد يقال: لا يرد الأول؛ لأن مثل قلع سن من ذهب لا جراحة فيه، وقد يقال: بل فيه جراحة إذا نبت عليه اللحم.
ويرد عليه أيضاً: أنه تجب الدية أيضاً في إذهاب الصوت والمضغ والإمناء وقوة الإحبال والجلد على ما قدمته فيها، مع أنها قد تنشأ عن جراحه، وأنه تجب الحكومة في كسر العظام أو نقلها فيما عدا الرأس والوجه، وقد لا يكون فيها جراحة.
4792 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وفي الشعور كلها الحكومة) شرطه: فساد المنبت بحيث لا تعود أو تعود ناقصة؛ ولهذا قيد "الحاوي" ضمان لحية المرأة بفساد المنبت 174، أما لو عادت كما كانت .. فلا تجب حكومة بلا خلاف، كما في "أصل الروضة" 175، لكن في "البويطي": (وليس في الشعر أرش معلوم، وفيه حكومة إن نبت كما كان بقدر الألم والشين، وإن لم يعد كما كان .. ففيه حكومة أكثر من ذلك) حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: وبه يتأيد كلام "التنبيه"، وحكى القاضي حسين وجهاً ثالثاً: أنه إن حصل للمجني عليه ألم بالإزالة .. وجبت، وإلا .. فلا، وجمع في "الكفاية" الأوجه الثلاثة، وذلك يرد على تعبير شيخنا الإسنوي عنه بالصواب 176. ثم هذا في الشعر الذي فيه جمال.
أما ما لا جمال في بقائه، بل في ذهابه؛ كشعر الإبط .. ففيه وجهان، صحح الماوردي منهما: أنه لا حكومة فيه.
واعلم: أن ظاهر كلامهم أنه لا قصاص في نتف الشعر، وبه صرح الماوردي في أسنان إبل الخطأ وتقويمها؛ وعلله باختلاف الناس فيه كثافة وخفة وطولاً وقصراً، وفي جماله ذهاباً وبقاء 177، لكنه قال في القصاص في الشجاج: فاما إن قلع شعره قلعاً لم يعد نباته؛ فإن أمكن فيه

الحديث: 4792 - الجزء: 3 - الصفحة: 96

القصاص حتى يذهب فلا يعود نباته .. اقتص منه 178. 4793 - قول "الحاوي" في أمثلة ما تجب فيه الحكومة [ص 575]: (ولسان الأخرس) محله: ما إذا لم يذهب الذوق بقطع لسانه أو كان قد بطل ذوقه من قبل، فلو ذهب بقطعه الذوق .. وجبت الدية، وهذا معلوم مما سبق.
4794 - قوله: (وسن صبي) 179 أي: لم يثغر ولم يفسد منبتها.
4795 - قوله: (وتسويد سن) 180 كذا لو اخضرت أو اصفرت، لكن حكومة الاخضرار أقل من الاسوداد، والاصفرار أقل من الاخضرار، فلو عبر ب (تغير لونها) .. لكان أعم.
4796 - قوله: (وقوة الإرضاع) 181 كذا لو لم ينقطع لكن انتقص .. فتؤخذ حكومة تليق به.
4797 - قول "المنهاج" [ص 488]: (وهي جزءٌ نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقاً بصفاته) فيه أمور: أحدها: كان ينبغي أن يقول: (جزء من الدية) كما فعل "المحرر" و"الحاوي" 182، وكذا قال في "التنبيه" [ص 227]: (وجب بقسطه من الدية) فذكر "المنهاج" الدية في النسبة لا في المأخوذ منه.
ثانيها: يستثنى من قوله: (وقيل: إلى عضو الجناية) الرأس، فلو كانت الجراحة فيه .. فليس له دية، وفيه شجاج عديدة، والمعتبر منها على هذا الوجه الموضحة، فتعتبر نسبتها منها كما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي إسحاق 183، وأسقطه في "الروضة" وأهمل الرافعي من كلام صاحب "المهذب" أنها إن كانت في الجسد .. اعتبر نسبتها من الجائفة 184. ثالثها: يستثنى من كلام الثلاثة في اعتبار النسبة: ما إذا قطع أنملة لها طرفان .. فيجب فيها مع دية الأنملة حكومة لا تعتبر بالنسبة، بل يوجب فيها الحاكم ما يؤدي إليه اجتهاده، جزم به في "أصل الروضة" 185. رابعها: مقتضى كلامهم: التقويم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، لكن نص الشافعي رحمه الله على التقويم بالإبل، فقال في إذهاب العذرة: فيقال: لو كانت أمة تسوى خمسين من

الحديث: 4793 - الجزء: 3 - الصفحة: 97

الإبل .. كم يُنقصها ذهاب العذرة من القيمة؟ فإن قيل: العشر .. وجب خمس من الإبل، وإن قيل: أكثر أو أقل .. وجب 186، حكاه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: هو صحيح جار على أصله في الديات أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد، وربما يتفاوت فيكون قيمته بالنقد معيبًا أقل من تقويمه بالإبل أو أكثر، قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.
خامسها: لا يستقر التقويم إلا بحكم حاكم، فلو اجتهد فيه غيره .. لم يستقر، صرح به الماوردي 187، وهو مقتضى كلام غيره، ولم يتعرض الثلاثة للتصريح بذلك، لكن قول "المنهاج" بعده [ص 488]: (نقص الحاكم شيئاً بالاجتهاد) يقتضيه.
4798 - قول "المنهاج" [ص 488]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 576]: (فإن كانت لطرفٍ له مقدرٌ .. اشترط ألا تبلغ مُقَدَّره، فإن بلغته .. نقص القاضي شيئاً باجتهاده) أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أن الرأس ليس له مقدر وفيه عدة شجاج، والمعتبر في حكومته ألا تبلغ أرش الموضحة.
انتهى.
وقد يقال: لا يرد؛ لأن للرأس مقدرات الموضحة أقلها، فاعتبر بها أخذاً باليقين.
وأورد أيضًا: أنه لا بد من الاحتراز عن تساوي الجنايتين المتفاوتتين كالمتلاحمة والسمحاق إذا فرض النقص في كل منهما بنصف العشر .. فتنقص حكومتهما عن ذلك حتى لا يبلغا أرش الموضحة ويكون النقص في السمحاق أقل، قال: وهذا لا بد منه وإن لم يذكروه، وقد ذكروا في (الزكاة) قريباً منه.
انتهى.
وقد يدخل في قوله: (شيئاً) أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي 188، وقال الماوردي: أقله ما يجوز أن يكون ثمناً أو صداقاً 189. 4799 - قول "المنهاج" [ص 488]: (أو لا تقدير فيه كفخذٍ .. بألاَّ تبلغ دية نفس) فيه أمور: أحدها: أنه دخل فيما لا تقدير فيه ما هو تابع لمقدر والشرط فيه ألاَّ تبلغ دية ذلك المقدر، وقد ذكر ذلك "الحاوي" فقال [ص 575]: (ناقص عن دية المجروح اجتهاداً ومتبوعه) فحكومة جرح الكف لا تبلغ دية الأصابع الخمس؛ ويجوز أن تبلغ دية إصبع كما قال الرافعي: إنه الأشبه، والنووي: إنه الأصح 190 , وصحح الإمام مقابله 191، وتبعه في "الكفاية"، ونص عليه الشافعي

الحديث: 4798 - الجزء: 3 - الصفحة: 98

رضي الله عنه، فقال: ولا أبلغ بحكومة كفه دية إصبع 192، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن له نصاً آخر بخلافه، لكنه محتمل، وهذا نص، وهو المعتمد.
ثانيها: تمثيله لما لا تقدير فيه بالفخذ مخالف لنص الشافعي؛ حيث قال: ولا يبلغ بحكومة الذراع أرش يد، وهذا هكذا في الفخذ والساق، وقال قبل ذلك: وهكذا إن كان في الذراع أو العضد أو الساق أو القدم .. لم يبلغ قدر يدٍ تامةٍ ولا رجلٍ تامةٍ 193، حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لو مثل بالظهر والكتف .. كان أصوب.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: اشتراط ألاَّ يبلغ دية نفس محال؛ فكيف يصل جزء الشيء إلى تمامه ولا يتصور ذلك إلا إذا لم تصر له قيمة بالكلية؛ وهذا محال.
فما من حي إلا وله قيمة، وبتقدير فرض أنه لا قيمة .. يبقى قوله: (جزءٌ) غير معتبر، وكان يقال: وعند انتفاء الجزء .. لا بد من النقص عن الدية، قال: ولم أر من تعرض لذلك، قال: وإنما يتجه هذا لو كانت الحكومة مجرد اجتهاد من غير تقويم.
رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أن مقتضاه: أن جرح البطن يجوز أن تبلغ حكومته إلى ما ينقص عن دية النفس، وجزم في "الروضة" وأصلها بأنه لا تبلغ أرش جائفة 194. قلت: كيف يرد ذلك وفي البطن ما له أرش مقدر وهو الجائفة؟ فهو داخل في كلامه الأول، والله أعلم.
4800 - قول "الحاوي" [ص 576]: (وإن لم ينقص - أي: بعد الاندمال - .. تقدر دامية) محله: ما إذا لم يظهر نقصان إلا في حال سيلان الدم، فإن ظهر نقصان في غيره .. اعتبر أقرب الأحوال إلى الاندمال؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 488]: (اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال)، وعبارة "التنبيه" [ص 227]: (وإن كانت الجناية مما لا ينقص بها شيء بعد الاندمال ويخاف منه التلف حال الجناية؛ كالإصبع الزائدة وذكر العبد .. قوم حال الجناية؛ فما نقص .. وجب) وليس فيه إفصاح عن اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال.
بل هو كـ"الحاوي" في اعتبارها دامية؛ لأنها حال الجناية، ويزداد بالتمثيل بذَكَرِ العبد؛ فإنه على الجديد في أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر في ديته تجب فيه القيمة، فلا حكومة؛ فإما أن يكون مفرعاً على القديم أن الواجب فيه ما نقص، أو يريد: ما إذا كان أشل، ومقتض اقتصار "المنهاج" على اعتبار أقرب نقص إلى الاندمال؛ لأنه لو لم يكن هناك نقص؛ كالسن الزائدة ولحية المرأة .. لم يجب شيء، وليس

الحديث: 4800 - الجزء: 3 - الصفحة: 99

كذلك، بل يقوم في السن وله سن زائدة ثابتة فوق الأسنان وليس خلفها أصلية، ثم يقوم مقلوع الزائدة ويظهر التفاوت؛ لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع جمال.
وفي لحية المرأة تقدر لحية عبد كبير يتزين باللحية، وقد ذكر "التنبيه" و"الحاوي" حكم لحية المرأة 195، وفي "التهذيب": إنه يعتبر سنه في التقويم، وألاَّ ينقص قدر حكومة لحية المرأة عن الرجل 196، وكلام غيره ينازع فيه.
فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم .. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرورة، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئاً بالاجتهاد، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، فترد هذه الصورة عليهم على مقتضى هذا الترجيح.
4801 - قول "المنهاج" [ص 488]: (والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) هو معنى قول "الحاوي" [ص 576]: (والمقدر للشين) أي: الحكومة جزء ناقص عن المقدر للشين حوالي ما ليس له أرش مقدر، وخرج بقولنا: ما ليس له أرش مقدر: الشين حول الموضحة ونحوها، ويرد عليهما أمران: أحدهما: لا بد أن يكون في محله، فلو تعدى شين الموضحة إلى القفا .. ففي استتباعه وجهان بلا ترجيح في "الروضة" وأصلها 197، ورجح شيخنا الإمام البلقيني أنه لا يستتبعه.
ثانيهما: يستثنى منه: ما لو أوضح جبينه وأزال حاجبه .. فعليه الأكثر من أرش موضحة وحكومة للشين وإزالة الحاجب، حكاه في "أصل الروضة" عن المتولي، وحكاه شيخنا الإمام البلقيني عن نص الشافعي في رواية البويطي، وأن البويطي قال: ليس له إلا أرش موضحة.
4802 - قول "المنهاج" [ص 488]: (وما لا يتقدر يُفرد بحكومة في الأصح) أي: الشين الذي حوله، قال شيخنا ابن النقيب: وفي تصويره عسر؛ فإنا نحتاج تقويمه سليماً ثم جريحًا بلا شين، فيجب التفاوت، هذه حكومة الجرح، ثم يقوم جريحاً بشين فيجب التفاوت بين قيمته جريحاً بشين وجريحاً بلا شين، وهذه حكومة الشين، وينبغي أن يقوم سليماً ثم جريحاً بشين، ويجب ما بينهما؛ ولعله لا يختلف مع ما تقدم، فلا فائدة إذاً في قولنا .. يفرد بحكومة.
نعم؛ تظهر فائدته لو عفى عن إحدى الحكومتين .. فيجب الأخرى، هذا ما ظهر لي بحثاً.
انتهى 198.

الحديث: 4801 - الجزء: 3 - الصفحة: 100

وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأقيس عندنا: إيجاب حكومة واحدة جامعة لهما، وفي نظير ذلك من العيوب في البيع نظر، وتظهر فائدة حكومتين وحكومة واحدة فيما لو زاد على المقدر، فعلى إيجاب حكومتين لا يحتاج إلى نقص إذا نقصت كل واحدة منهما عن المقدر، وعلى إيجاب حكومة واحدة لا بد من النقص، وأورد شيخنا المذكور على عبارة "المنهاج": المتلاحمة؛ فإنها ليست بمقدرة شرعاً دائماً، وهي كالموضحة في استتباع الشين إذا قدرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة على الأصح في "أصل الروضة" هنا 199، لكن نص في "الأم" على أنه ينظر إلى الشين أيضًا 200. ثم قال شيخنا: فإن قيل: أراد ما قدر ولو بالنسبة إلى جرح غيره .. فلا يرد عليه هذا على طريقته .. قلنا: قوله: كموضحة ينفي هذا، ولو سكت عن التشبيه .. كان الجواب قريباً.
قلت: هذا تمثيل، فيلحق به ما في معناه، فالجواب قريب مقبول ولا إيراد.
قال شيخنا: ومثل ذلك الجراحات على البدن إذا أمكن تقديرها بجائفة بقربها، وقلنا: إنها تتقدر بالنسبة، وأوجبنا ما يقتضيه التقسيط .. فالشين تابع لا يفرد بحكومة، وإن كانت الحكومة أكثر .. فقد وفينا حق الشين.
4803 - قوله: (وفي نفس الرقيق قيمته، وفي غيرها ما نقص إن لم يتقدر من الحر، وإلا .. فنسبته من قيمته، وفي قول: ما نقص) 201 فيه أمور: أحدها: تقدم ذلك في (الغصب) بعبارة هي أوضح مما هنا، وكلامه هناك فيما إذا سبق الإتلاف يد عادية؛ ولهذا فصل في المقدر بين أن تتلف هي أو يتلفها متلف، وأما هنا .. ففي الإتلاف بلا يد عادية.
ثانيها: أن قوله: (وإلا .. فنسبته من قيمته) عبارة ملتبسة، وعبارة "المحرر": (جزء من القيمة نسبته إليها نسبة الواجب في الحر إلى الدية) 202 ففي يديه قيمته، وفي إحداهما نصفها، وفي جفنه ربعها، وفي إصبعه عشرها، وفي موضحته نصف عشرها، وفي أنملته ثلث عشرها، وعبارة "التنبيه" [ص 227]: (وما ضمن من الحر بالدية ضمن من العبد والأمة بالقيمة).
ثالثها: أورد شيخنا الإمام البلقيني على قوله: (ما نقص إن لم يتقدر من الحر) أن مقتضاه: إيجاب ما نقص فيما إذا لم يتقدر، لكنه تابع لمقدر كجراحة في كفه، لكن مقتضى ما صححه الرافعي والنووي في حكومة الكف في الحر: أنه لا يبلغ بها دية الأصابع 203: أنه يجب النقص هنا

الحديث: 4803 - الجزء: 3 - الصفحة: 101

عن النصف، ومقتضى ما حكاه شيخنا عن النص: أنه لا يبلغ دية إصبع 204: أنه [يجب] 205 النقص هنا عن العشر.
رابعها: وأورد عليه أيضًا: الجرح في رأس العبد أو وجهه أو بطنه إن قلنا: يجب في الحر الحكومة التقويمية .. فيعتبر ألاَّ تبلغ أرش موضحة، وإن قلنا: الواجب النسبة إن عرف قدر ذلك من موضحه أو جائفة .. فكذلك تجب النسبة في العبد، ولا يطلق فيه ضمان ما نقص.
خامسها: أورد أيضاً على قوله: (وإلا .. فنسبته من قيمته) أن محله: في جناية واحدة أو جنايتين بعد اندمال الأولى، فإن لم تندمل الأولى؛ كما لو قطع يد عبد قيمته ألف درهم فصار يساوي ثمان مئة درهم .. فإنا نغرمه على الأظهر خمس مئة؛ لأنها نصف القيمة، فإذا قطع آخر يده قبل الاندمال .. لا نغرمه أربع مئة، بل نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مئتان وخمسون؛ لأن الجناية الأولى لم تستقر وقد أوجبنا نصف القيمة، فكأنه انتقص نصف القيمة كما جزم به في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" وغيره 206، لكن قال شيخنا: إنه لا يظهر وجهه، وأن مقتضى إطلاق القاضي حسين والإمام: أنه يجب على الثاني نصف قيمته حال جنايته، وارتضاه؛ فلا إيراد 207. 4804 - قوله: (ولو قُطع ذكره وأنثياه .. ففي الأظهر: قيمتان) 208 مقابله ذكر في (الغصب) أنه قديم، وأنكره بعضهم، وجعله بعضهم مخرجاً؛ فلا يحسن التعبير بالأشهر، بل ينبغي أن يقول: (المذهب أو النص أو الجديد)، والله أعلم.
4805 - قول "التنبيه" [ص 227]: (وإن قطع يد عبد ثم أعتق ثم مات .. وجب فيه دية حر، للمولى منه أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة) الأصح: أن له الأقل من نصف القيمة وكمال الدية؛ لأنا إن اعتبرنا وقت الجناية .. فنصف القيمة، أو الموت .. فكل الدية؛ فأقلهما هو المتيقن، والمراد: موته بالسراية، أما لو اندمل القطع ومات بسبب آخر .. فللسيد على الجاني نصف القيمة.


الحديث: 4804 - الجزء: 3 - الصفحة: 102

باب ما تجب به الدّية من الجنايات

4806 - قول "التنبيه" [ص 220]: (إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل فمات منه .. وجبت الدية) قيل: إنه يشمل العمد المحض، قال في "الكفاية": وهو تفريع على اختياره أن موجب العمد أحد الأمرين.
قال في "التوشيح": يبعد أن يقال: العمد المحض يجوز أن يقتل، وإنما أراد بهذه اللفظة: ما لا قصاص فيه، وله عقد الباب.
4807 - قول "المنهاج" [ص 489]: (صاح على صبي لا يُميِّز على طرف سطحٍ فوقع بذلك فمات .. فديةٌ مغلظة على العاقلة، وفي قول: قصاص) فيه أمور: أحدها: تقييد الصبي بكونه غير مميز يقتضي أن المميز ليس كذلك، لكن قوله بعد ذلك: (ومراهق متيقظ كبالغ) 209 يقتضي أن غير المراهق ليس كالبالغ ولو كان مميزاً؛ ولذلك أطلق "التنبيه" الصبي، و"الحاوي" الطفل 210، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يعتبر الشافعي ولا أحد من أصحابه عدم التمييز في ذلك، وأفصح في "النهاية" عن المقصود، فقال: وما ذكره الأصحاب في صبي لا يميز إن كان ضعيف التمييز بحيث يبعد منه أن يتماسك، فإن كان مراهقا .. فهو في معنى الكبير.
انتهى 211. فدل على أن من نفى التمييز أراد به: التمييز الكامل الذي يحصل مع البلوغ أو المراهقة، لا أصل التمييز، والله أعلم.
ثانيها: قوله: (على طرف سطح) تبع فيه الرافعي 212، ومقتضاه: أنه لو كان في وسطه .. فهو كالأرض، وعبر "التنبيه" بقوله [ص 220]: (فوقع من سطح) فلم يقيد بطرفه، وقد يقال: الفاء في قوله: (فوقع) يدل على أنه كان في طرفه؛ لتعقيب الوقوع منه للصياح.
ثالثها: لا يتقيد ذلك بالسطح، بل لو كان على بئر أو نهر .. كان كذلك كما ذكره في "أصل الروضة" 213 ولذلك قال "الحاوي" [ص 550]: (فسقط من علو).
رابعها: اقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على سقوطه 214، وفي "الحاوي" [ص 550]: (ارتعد

الحديث: 4806 - الجزء: 3 - الصفحة: 103

فسقط) وكذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 215، ومقتضاه: اشتراط الارتعاد؛ ليظهر به أن السقوط من خوف الصيحة، وقد اعتبره "المنهاج" في قوله [ص 489]: (ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط).
خامسها: قال شيخنا الإمام البلقيني: قد يتخيل أن الموت قيد، وليس كذلك، فلو ذهب بذلك مشي رجليه أو بطش يديه أو ضوء عينيه .. فهو مضمون كما نص عليه في "الأم" فقال: ضمن ما أصابه 216. سادسها: كذا حكاهما في "المحرر" قولين 217، وعبارته في "الشرح": فيه وجهان، ويقال: قولان 218، فلذلك قال في "الروضة": في الأصح، وقيل: الأظهر 219. وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت العراقيون فيه خلافاً، وحكاه القاضي والإمام وجهين 220، والغزالي قولين 221، وليس بمعتمد؛ فالخلاف إن ثبت وجهان.
ويرد على "التنبيه" و"الحاوي": أنه لو صاح على صيد فاضطرب الصبي وسقط من علو .. وجبت ديته مع كونه لم يصح عليه، ولا يرد ذلك على "المنهاج" لذكره له بعد ذلك، وقال: (فدية مخففة على العاقلة) 222. فإن قلت: لعلهما إنما قيدا لذلك؛ لأن تلك مغلظة.
قلت: لم يتعرضا لتغليظ ولا تخفيف.
4808 - قول "التنبيه" [ص 220]: (أو صاح على بالغ وهو غافل فوقع ومات .. وجبت الدية) سوى بين الغافل والصغير، والأصح: خلافه، وأنه لا تجب دية البالغ مطلقاً، وهو مفهوم تقييد "الحاوي" بالطفل، وصرح به "المنهاج" فقال [ص 489]: (ولو كان بأرض، أو صاح على بالغ بطرف سطحٍ .. فلا دية في الأصح) وفيه أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: مقتضاه: أن الصبي الذي على الأرض لا يتعلق به من صيحته ضمان، وليس كذلك، فلو زال عقله .. وجب الضمان كما هو مقتضى نص "الأم"، وعليه جرى الشيخ أبو حامد وغيره.

الحديث: 4808 - الجزء: 3 - الصفحة: 104

قلت: وذكره "التنبيه" فقال [ص 220]: (وإن صاح على صبي فزال عقله .. وجبت الدية) و"الحاوي" فقال [ص 550]: (وصاح على طفل فجن) لكن لا يرد على "المنهاج" لأن قوله: (ولو كان) أي: الصبي الذي صيح عليه فمات، فكيف ترد عليه مسألة الجنون، وهي غير المفروض؛ غاية الأمر أنه لم يذكر مسألة الجنون.
ثانيها: أنه أهمل وصف البالغ بكونه عاقلاً، ولا بد منه، قال في "أصل الروضة": والمجنون والمعتوه والذي يعتريه الوسواس والنائم والمرأة الضعيفة كالصبي الذي لا يميز 223. قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا بد أيضاً من أن يكون متماسكاً في وقوفه.
ثالثها: كان ينبغي أن يقول: (على النص) لأن الشافعي نص عليه في البالغ، وقيد الصبي بكونه على طرف سطح، ففهم منه عدم الضمان فيما إذا كان على الأرض.
رابعها: أن كلامه يفهم نفي القصاص قطعاً وهو صحيح في البالغ، صرح به فيه القاضي حسين، وأما في الصبي الذي على الأرض .. فكلام "أصل الروضة" يقتضي إثبات خلاف فيه؛ فإنه حكى فيه وجهاً: أنه كالسقوط من سطح 224، ومقتضاه: وجوب القصاص على قول أو وجه، وصرح به القاضي حسين فقال: وإذا صاح بصبي على الأرض فسقط ومات .. يجب الضمان والقود على ما ذكرناه، وعبر في "المحرر" بنفي الضمان 225، فيحتمل مقابله الضمان بالدية أو بالقصاص.
4809 - قوله: (ومراهق متيقظ كبالغ) 226 نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: أناط الشافعي عدم الضمان بالبلوغ مع العقل، والضمان بالصبي بشرطه، وصار الصبي وصفاً ضابطاً لحكمةٍ، لا حكمةً مجردة لعدم الانضباط، فلا يُخرِج من صور الصبي أحداً وإن كان مراهقاً؛ لأنه لم يكمل عقله.
4810 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن صاح على صبي فزال عقله) و"الحاوي" [ص 550]: (وصاح على طفل) لم يقيداه بكونه غير مميز كما لم يقيداه في السقوط من طرف سطح، وكذا لم يقيده في "أصل الروضة" إلا أنه عبر بالصغير، ومراده به: مطلق الصبي، فإنه قال عقبه: وإن كان بالغاً .. فعلى الأوجه مع تقييده مسألة السقوط بأن يكون غير مميز 227، فيحتمل أنه ترك القيد هنا اعتماداً على ذكره هناك، وهو أقرب، ويحتمل الفرق بينهما بأن تأثير الصياح في زوال العقل أشد

الحديث: 4809 - الجزء: 3 - الصفحة: 105

من تأثيره في السقوط من علو، فيكتفى في ضمان العقل بعدم البلوغ وإن كان مميزاً، وفيه نظر؛ فإن السقوط قد يعرض من رجفة ودهشة وإن لم يزال العقل.
وقيد بعض شراح "التنبيه" كلامه في مسألة زوال عقل الصبي بكونه غير مميز كما فعل في سقوطه من علو، وقد عرفت أن الشافعي والأكثرين لم يقيدوهما بذلك، والله أعلم.
ويعود في البالغ أنه لا بد من كونه عاقلاً مستيقظاً كما تقدم في السقوط.
4811 - قولهما: (ولو طلب السلطان من ذُكرت بسوءً فأجهضت .. ضُمن الجنين) 228 فيه أمور: أحدها: لا اختصاص لذلك بطلب السلطان، بل لو فزعها إنسان بشهر سيف ونحوه .. ضمن جنينها، وقد قال الشافعي رضي الله عنه؛ لأن معروفاً أن المرأة تسقط من الفزع، وقد تناول هذا قول "الحاوي" في الإجهاض [ص 557]: (ولو بتخويف).
ثانيها: لا يتقيد ذلك بطلبها هي، بل لو طلب رجلاً عندها ففزعت فأجهضت .. ضمن أيضاً، نص عليه كما نقله شيخنا الإمام البلقيني.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ولا يتقيد بأن تذكر بسوء، بل مجرد طلب السلطان كاف في الضمان، نص عليه، قال شيخنا: فلو طلبها في دين فأسقطت .. ضمن إن كانت مخدرة؛ لتعديه، أو غير مخدرة لكنه يخاف من سطوته، فإن لم يخف من سطوته وهي غير مخدرة .. فلا ضمان، قال: وينبغي للحاكم أن يسأل هل هي حامل قبل أن يطلب؟ ولم أر من يفعله، وهو حسن.
قلت: ولهذا جرت العادة أن يكتب في القصص التي يطلب فيها الإعداء على امرأة: وهي برزة غير حامل؛ فهو احتياط حسن، والله أعلم.
رابعها: أورد عليه شيخنا أيضاً: أنه يقتضي قصور الضمان على الجنين، مع أنها لو ماتت من الإجهاض .. ضمنها أيضًا، خلاف ما لو ماتت بلا إجهاض.
4812 - قول "المنهاج" [ص 489]: (ولو وضع صبياً في مسبعةٍ فأكله سبعٌ .. فلا ضمان، وقيل: إن لم يمكنه انتقالٌ .. ضمن) فيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أنه لو كان بالغاً .. لم يجب الضمان قطعاً، وبه صرح في "أصل الروضة" ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر 229. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متعين، والتقييد بالصبي لا معنى له، فلو قيد رجلاً وألقاه في

الحديث: 4811 - الجزء: 3 - الصفحة: 106

مسبعة فأكله السبع .. ضمنه بالدية عند جماعة، فدل على أن الاعتبار بالقوة والضعف لا بالصبي والبلوغ، إلا من جهة أن الصبي مظنة الضعف، فإذا وجد الضعف في البالغ - ومنه أن يقيّد - .. اتجه الخلاف.
انتهى.
وقال في "المهمات": جزم في "المهذب" بأنه إذا ألقى حراً مشدوداً في مسبعة فقتله السبع .. أنه عمد، وهذا عين ما بحثه الرافعي، بل هو أبلغ؛ لجعله عمداً، فلا معنى لنفي الخلاف.
انتهى 230. فإن قلت: إذا كان تقييد "المنهاج" لأجل محل الخلاف .. فلم قيد "الحاوي" مع كونه لا يحكي الخلاف، فقال [ص 550]: (لا إن وضعه - أي: الطفل - في مسبعة فافتُرِس)؟ قلت؛ لأنه محل الخلاف وإن لم يحكه، ويؤخذ البالغ منه من باب أولى، ويحتمل عود الضمير في كلامه على المجني عليه بأي صفة كان.
ثانيها: تناول تعبيرهما ما لو ألقاه في زبية السبع وهو فيها، والحكم في تلك وجوب القصاص أو الدية عند امتناعه، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 220]: (وإن ألقاه على أفعى، أو ألقاها عليه، أو على أسد، أو ألقاه عليه فقتله .. وجبت ديته) لكن الأصح: عدم وجوب الدية في مسألة الأفعى إلا إن أنهشها إياه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 555]: (وإنهاش حية تقتل غالباً، وجمعه بسبُع في ضيِّقٍ) ولا بد من تقييد عبارة "التنبيه" بأن يكون في مضيق كما قال "الحاوي".
ثالثها: صحح شيخنا الإمام البلقيني فيما إذا لم يمكنه التخلص: وجوب الدية، وقال: إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن "المهذب" و"الحاوي" في أحد جوابيه و"الوسيط" 231. رابعها: محل عدم الضمان أيضاً: في الحر، فلو كان عبداً .. ضمنه باليد إن استمرت إلى الافتراس بالتكتيف ونحوه.
خامسها: كان ينبغي أن يقول: (وقيل: إن لم يمكنه تَخَلُّصٌ ... ) فقد يمكنه الانتقال ولا يمكنه التخلص مما أوقعه فيه.
4813 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن طلب بصيراً بالسيف فوقع في بئر .. لم يضمن، ولو طلب ضريراً فوقع في بئر .. ضمن) محله في البصير: مع العلم بها؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 489]: (فلو وقع جاهلاً لعمىً وظلمةٍ .. ضمن) وفي الضرير: مع الجهل بها، فلو علم بها .. لم يضمن، كما صرح به غير واحد، وعبر عنه النووي والإسنوي في "تصحيحيهما" بالصواب 232،

الحديث: 4813 - الجزء: 3 - الصفحة: 107

فالعبرة إنما هو بالعلم بها والجهل كما عبر به في "النبيه مختصر التنبيه" فقد يعلمها الأعمى ويجهلها البصير.
ثم محل ما ذكراه: في البالغ العاقل، فلو كان المطلوب صبيا أو مجنونا .. بني على أن عمدهما عمد أو خطأ، إن قلنا: خطأ .. ضمن، وإلا .. فلا.
فإن قلت: هذا الإيراد على مرجوح؛ لأن الأصح: أن عمدهما عمد.
قلت: بل هو على الأصح في حالة؛ ففي "أصل الروضة" في شريك الصبي والمجنون عن القفال وغيره: أن الخلاف في صبي يعقل عقل مثله ومجنون له نوع تمييز، فأما من لا تمييز له بحال .. فعمده خطأ وشريكه شريك مخطئ قطعاً، قال: وعلى هذا جرى الأئمة منهم البغوي 233. 4814 - قول "المنهاج" [ص 489]: (وكذا لو انخسف به سقفٌ في هربه في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على النص) فقد نص عليه في "الأم" 234، أما لو ألقى نفسه على السقف من علو فانخسف به لثقله .. فكإلقاء نفسه في بئر.
4815 - قولهما: (وإن سُلم الصبي إلى السابح فغرق في يده .. وجبت الدية) 235 فيه أمور: أحدها: أنه قد يفهم أنه لو علمه الولي السباحة فغرق منه .. لا ضمان، وليس كذلك، فحكم الولي وغيره في ذلك سواء.
ثانيها: قد يفهم من لفظ التسليم أنه لو أخذه السابح بيده .. ارتقى الحال عن الدية، وليس كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 550]: (وعلّمه السباحة فغرق) فسلم من الأمرين.
ثالثها: محل ذلك: ما إذا لم يقع من السابح تقصير، فلو رفع يده من تحته عمداً فغرق .. وجب القصاص، قاله شيخنا الإمام البلقيني.
رابعها: المراد: وجوب الدية على السابح، صرح به الماوردي وغيره 236، وبحث شيخنا الإمام البلقيني أن يكون الولي وعاقلته طريقاً في الضمان إذا سلمه إليه.
4816 - قول "التنبيه" [ص 220]: (وإن غرق البالغ مع السابح .. لم تجب ديته) كذا قاله العراقيون والبغوي، وقال في "الوسيط": لو خاض معه اعتماداً على يده فاهمله .. احتمل أن يجب الضمان 237، وحمل شيخنا الإمام البلقيني عدم الضمان على ما إذا لم يقصر السابح كما قال في

الحديث: 4814 - الجزء: 3 - الصفحة: 108

الصبي، قال: فأما لو رفع يده من تحته في الموضع المغرق عمداً فغرق .. فعليه الدية، بل القصاص؛ لأنه هو الذي أغرقه.
4817 - قول "المنهاج" [ص 489]: (ويضمن بحفر بئر عدوان) فيه أمور: أحدها: المراد بالعدوان: أن يحفرها بملك غيره أو مشترك بلا إذن أو في شارع ضيق أو واسع لمصلحة نفسه بغير إذن الإمام، فكان الأحسن لما ذكر هذه المسائل بعد ذلك أن يعدل عن قوله: (فمضمون) إلى قوله: (فعدوان) كما فعل "المحرر" 238 فإن المذكور بعد ذلك تفسير العدوان، فأما ضمان العدوان .. فقد ذكره أولاً، فلا معنى لتكراره مع إيهامه أن هذه الصور غير حفر العدوان.
ثانيها: أنه لا يضمن بمجرد حفر العدوان حتى يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها .. زال الضمان في الأصح، وكذا لو اشترى المتعدي تلك البقعة من مالكها، وكذا لو منعه المالك من الطم كما قاله المتولي، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، لتضمنه الرضا بإبقائها خلافاً للإمام 239. ثالثها: يشترط في الضمان أيضاً: ألاَّ يتعدى الداخل على ما رجحه شيخنا الإمام البلقيني، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 240، فإن أذن له المالك في الدخول وعرفه بالبئر .. فلا ضمان، وإن لم يعرف بها .. فهل يضمن الحافر أو المالك؟ وجهان في "تعليق القاضي حسين" بلا ترجيح، قال شيخنا الإمام البلقيني: والأرجح: أنه على المالك؛ لأنه مقصر؛ لعدم إعلامه، فإن كان ناسياً .. فعلى الحافر.
4818 - قوله: (لا في ملكه وموات) 241 فيه أمران: أحدهما: قيد في"التنبيه" الحفر في موات بقوله [ص 221]: (ليتملكها أو لينتفع بها) وكذا في "أصل الروضة" 242، وكأنه للاحتراز عن حفرها عبثاً؛ فإنه عدوان يضمن به.
ثانيهما: يحتمل أن مراده: لا في ملكه وموات فلا عدوان فيه، وهو الموافق لعبارة "المحرر" 243، أو فلا ضمان فيه وإن كان عدواناً.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وعلى كل من الاحتمالين يرد ما إذا حفر حفرة واسعة في ملكه قريباً من أرض جاره بحيث يؤدي إلى إضرار أرض جاره .. فإنه يكون متعدياً ضامناً لمن وقع في موضع

الحديث: 4817 - الجزء: 3 - الصفحة: 109

التعدي، قال: وكلامهم في إحياء الموات شاهد لهذا، قال: ويرد عليه على الاحتمال الأول ما لو حفر في ملكه المرهون المقبوض بغير إذن المرتهن، أو في ملكه الذي آجره إجارة صحيحة .. فهو حفر عدوان، ولا ضمان لو سقط فيه إنسان غير متعد بالدخول، قال: فلو سقط المستأجر .. ففيه نظر، والقياس: أنه لا يضمن.
قلت: إنما ينبغي أن يكون الحفر في المرهون تعدياً إذا نقصت به قيمة الأرض، وإلا .. فلا منع منه، والله أعلم.
4819 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر بئراً في ملكه فاستدعى رجلاً فوقع فيها فهلك؛ فإن كانت ظاهرة .. لم يضمن، وإن كانت مغطاة .. ففيه قولان) الأظهر: أنه يضمن إن لم يعلمه بها، ولا رأى أثراً يدل عليها أو كان أعمى، وقول "المنهاج" [ص 489]: (ولو حفر بدهليزه بئراً ودعا رجلاً فسقط .. فالأظهر: ضمانه) هو من الصور الداخلة في عبارة "التنبيه" لأن ملكه أعم من دهليزه، لكنه غاير في "أصل الروضة" بينهما، فقال فيما إذا حفر في ملك نفسه: فلو دخل ملكه داخلٌ بإذنه وتردى فيه .. لم يجب ضمانه إذا عرفه المالك أن هناك بئراً، أو كانت مكشوفة والداخل متمكن من التحرز، فأما إذا لم يعرّفه والداخل أعمى أو الموضع مظلم .. ففي "التتمة": أنه كما لو دعاه إلى طعام مسموم فأكله.
ولو حفر بئراً في دهليز داره ودعا إليها رجلاً فتردى فيها .. ففي الضمان قولان سبقا في أول (الجنايات)، أظهرهما: الوجوب.
انتهى 244. ثم في عبارة "المنهاج" أمور: أحدها: أن مقتضاها: أنه لا قصاص في الصورة التي ذكرها؛ لذكره في موجبات الدية، وهو الأظهر في "أصل الروضة" 245، لكن ذكرها "الحاوي" في موجب القصاص فقال: (وتغطية بئر الممر) ويوافقه أن الشافعي رضي الله عنه رجح في تقديم الطعام المسموم لبالغ عاقل من غير بيان حاله: وجوب القصاص، فقال: إنه أشبههما 246، وقد جمع في "أصل الروضة" بين هاتين المسألتين، ورجح فيهما عدم القصاص كما تقدم، ومقتضى ترجيح الشافعي في نظيرها وجوب القصاص ترجيحه فيها.
ثانيها: لا بد من تقييده بألا يعلمه بها ولا يرى أثراً يدل عليها؛ لظلمة أو تغطية أو كان أعمى كما تقدم في عبارة "التنبيه".

الحديث: 4819 - الجزء: 3 - الصفحة: 110

ثالثها: قد يفهم من تعبيره بالرجل أن الصبي ليس كذلك، وقد عبر به في "أصل الروضة" هنا، لكنه عبر في صدر كلامه بالداخل 247، وقال شيخنا الإمام البلقيني: لو كان صبياً غير مميز .. ضمنه قطعاً، بل يجب القصاص عند التكافؤ وكذلك المكره، وقول "المنهاج": (ودعاه) يخرج الإكراه.
انتهى.
وحمل بعضهم كلام "الحاوي" على ما إذا كان الداخل غير مكلف.
4820 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن كان في داره كلب عقور فاستدعى إنساناً فعقره .. فعلى القولين) أي: في البئر المغطاة، ومقتضاه: تصحيح الضمان، وكذا صححه النووي في "تصحيحه"، لكن في "الروضة" الجزم بأنه لا قصاص ولا ضمان، قال: ولا يجعل على الخلاف الذي سبق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها؛ لأن الكلب يفترس باختياره، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بالعصا والسلاح.
انتهى 248. وهذا إذا لم يعلم الداخل أنه عقور، فإن علم ذلك .. فلا ضمان جزماً، وكذلك لو كان مربوطاً فصار إليه المستدعى جاهلاً بحاله.
4821 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر بئراً في طريق المسلمين .. وجب الضمان) أي: لمصلحة نفسه؛ بدليل قوله بعد ذلك: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحه الناس) 249 ويستثنى من الضمان: ما إذا كان غير ضار؛ لسعة الطريق أو انعطاف موضع البئر وأذن فيه الإمام كما ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 250، وقال في "أصل الروضة": إنه الأصح، وبه قطع العراقيون والمتولي والروياني، قال: وهذا جار على ما سبق في (إحياء الموات) أن الأصح الذي عليه الأكثرون: أنه يجوز أن يقطع الإمام من الشوارع ما لا ضرر فيه، وأن للمقطع أن يبني فيه 251. ولم يسبق له ذلك في (إحياء الموات)، والذي سبق هناك: أن لإِقطاع الإمام مدخلاً في الشوارع بالنسبة إلى الارتفاق بالجلوس فيها على الأصح عند الجمهور، وهو المنصوص 252، وظاهر كلامهم: إذن الإمام قبل الحفر، لكن حكى أبو الفرج الزاز عن الأكثرين أن إجازة الإمام ذلك وتقريره بعد وقوعه ينزل منزلة الإذن المقارن، وصرح به الشيخ أبو حامد في الحفر لمصلحة عامة.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: ومقتضى الفقه: عدم الفرق بينه وبين الحفر لمصلحة نفسه.

الحديث: 4820 - الجزء: 3 - الصفحة: 111

4822 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن حفر البئر في طريق واسع لمصلحة الناس، أو بنى مسجداً أو علق قنديلاً في مسجد أو فرش فيه حصيراً ولم يأذن له الإمام في شيء من ذلك فهلك به إنسان .. فقد قيل: يضمن، وقيل: لا يضمن) الأصح: عدم الضمان، وعليه مشى "المنهاج" في البئر فقال: (إذا كان بغير إذن الإمام لمصلحة عامة .. فلا في الأظهر)، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص 549، 550]: (ولغرضه دون إذن الإمام) وهنا أمور: أحدها: أن كلام "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وصرح به في "المهذب" 253، وسبقه إليه الشيخ أبو حامد، وحكاه في "الروضة" و"المنهاج" قولين 254، وحكى الرافعي في "الشرح" الخلاف في ذلك 255. ثانيها: قد عرفت أن تقرير الإمام عليه بعد فعله كابتداء الإذن فيه كما صرح به الشيخ أبو حامد، وحكاه الزاز عن الأكثرين.
ثالثها: محل الخلاف: ما إذا لم ينهه الإمام عن ذلك، فإن نهاه ففعل .. كان ضامناً، ذكره أبو الفرج الزاز، وهو ظاهر.
رابعها: ما ذكره "التنبيه" في بناء المسجد هو فيما إذا بناه للمسلمين، فإن بناه لنفسه .. فكالحفر له، ذكره في "الكفاية".
4823 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ومسجدٌ كطريقٍ) يقتضي أنه يجوز أن يحفر فيه بئراً لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة .. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة، فإن حفر بالوعة لاحتياج المسجد إليها على وجه لا يخل بمقصود الواقف في الصلاة .. لم أمنع من ذلك.
انتهى.
4824 - قوله: (وما تولد من جناحٍ إلن شارعٍ فمضمونٌ) 256 مثل قول "الحاوي" في المضمونات [ص 550]: (كالإشراع) وفيه أمران: أحدهما: أنه قد يفهم أنه يجب به ضمان الكل سواء سقط الكل أو البارز فقط، وليس كذلك، بل هو كالميزاب؛ إن سقط كله .. فالواجب النصف، أو الخارج فقط .. ضمن الكل.
ثانيهما: قد يفهم الضمان ولو تولد الهلاك منه بغير سقوطه؛ كما إذا صدمه راكب شيء عال.
أو سقط منه حيوان؛ كفأر ونحوه فتلف بذلك شيء، وليس كذلك، فلا ضمان فيهما كما ذكره

الحديث: 4822 - الجزء: 3 - الصفحة: 112

شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض له، والقياس ما ذكرته، ولا يرد شيء من ذلك على قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن أخرج روشناً إلى الطريق فوقع على إنسان ومات .. ضمن نصف الدية، وإن تقصف من خشبه الخارج شيء فهلك به إنسان .. ضمن جميع الدية).
لكن يرد عليه: أن الروشن في اللغة: الكوة كما ذكره في "الصحاح"، فتعبيرهما بالجناح أولى؛ ولهذا عبر به ابن يونس في "النبيه" وهي عبارة "المهذب" 257، لكن قال النووي في "التحرير": الروشن: الخارج من الخشب 258، ثم كلام "التنبيه" صريح في أن الضمان على المخرج للروشن؛ أي: عاقلته، ومقتضاه: استمرار ذلك ولو باعه، وكذا حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي 259. وقال شيخنا الإمام البلقيني: الأصح عندي: لزومه لعاقلة المالك له حالة التلف، قال: ولو تعلق بعاقلة الواضع كما قال البغوي .. لتعلق بعاقلة الصانع الذي وضعه للمالك.
انتهى.
ولا يرد ذلك على عبارة "المنهاج" و"الحاوي" لأنهما أطلقا الضمان ولم يبينا المضمون عليه، وإن أورده شيخنا الإمام البلقيني على "المنهاج".
4825 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ويحل إخراج الميازيب إلى شارع) فيه أمران: أحدهما: محله: ما إذا كانت عالية لا تضر بالمارة كما في الجناح.
ثانيهما: قيده شيخنا الإمام البلقيني بالمسلم، قال: فيمتنع على الذمي كالجناح على الأصح، قال: ويحتمل ترتيبها على الجناح؛ لأن الجناح يمشي عليه الذمي ويقعد وينام، فكان أشد من إعلاء بنائه، بخلاف الميزاب، قال: والأرجح: أنه لا فرق 260. 4826 - قوله: (وإن سقط كله .. فنصفه في الأصح) 261 يقتضي أن الخلاف وجهان، وهو في "أصل الروضة" وجهان أو قولان 262، وحكاه الماوردي قولين، قال: وقال الشافعي: لا أبالي بأي طرفيها أصابه؛ لأنه قتله بثقلها 263. 4827 - قول "التنبيه" [ص 221]: (وإن بنى حائطاً في ملكه فمال إلى الطريق فلم ينقضه حتى وقع على إنسان فقتله .. لم يجب الضمان على ظاهر المذهب، وقيل: يضمن) شرطه: أن يمكنه

الحديث: 4825 - الجزء: 3 - الصفحة: 113

هدمه أو إصلاحه، كما صرح به "المنهاج" 264، وتعبيره عنه بـ (قيل) يقتضي أن مقابله وجه بمقتضى إصلاحه، وكذا في "الروضة" وأصلها أن الخلاف وجهان، لكن الأول هو المنصوص في "المختصر" 265، وسوى في "أصل الروضة" بين ميله إلى الشارع وميله إلى ملك جاره 266، ومقتضاه: تصحيح عدم الضمان في الثانية أيضاً، لكن صحح فيها شيخنا الإمام البلقيني: الضمان.
4828 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو سقط بالطريق فعثر به شخص أو تلف مال .. فلا ضمان في الأصح) قال شيخنا الإمام البلقيني: محله: ما إذا لم يقصر في رفعه، فإن قصر في رفعه .. كان ضامناً؛ لتعديه بالتأخير.
4829 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو طرح قمامات وقشور بطيخ بطريق .. فمضمون على الصحيح) 267 فيه أمور: أحدها: محله: ما إذا كان المتعثر بها جاهلاً بها، فلو علم بها ومشى عليها قصداً .. فلا ضمان.
ثانيها: قال الرافعي: ولك أن تقول قد: يوجد بين العمارات مواضع معدة لذلك، تسمى الساباطات والمزابل، وتعد من المرافق المشتركة بين سكان البقعة، فيشبه أن يقطع بنفي الضمان إذا كان الإلقاء فيها؛ فإنه استيفاء منفعة مستحقة، ويخص الخلاف بغيرها 268. ورده شيخنا الإمام البلقيني: بأن تلك المزابل إن كانت في منعطف غير داخل في حكم الشارع .. فلا حاجة لذكرها؛ لأن الكلام في الشارع، وإلا .. فليس لهم فعل ذلك فيها حتى يقال: قد استوفوا منفعة مستحقة.
ثالثها: تعبير "المنهاج" بالصحيح يقتضي ضعف مقابله، وقد قال في "أصل الروضة": إنه قطع به الجمهور 269، لكن نازع في ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: إن مقابله قوي؛ لفعل الناس له في الأعصار والأمصار من غير إنكار، وذلك يدل على أنه من مرافق الشارع، ثم بسط ذلك، ثم قال: والأصح عندنا في قشور البطيخ: أنه يقتضي الضمان، وفي القمامة غيره: أنها لا تقتضي ضماناً.
4830 - قول "الحاوي" [ص 549]: (ورشَّ ماءً لا لعامِّ مصلحةٍ) أي: فلا يضمن فيما إذا كان لعام مصلحة.
محله: ما إذا لم يجاوز العادة.

الحديث: 4828 - الجزء: 3 - الصفحة: 114

4831 - قول "التنبيه" [ص 221]: (فإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر إنسان بالحجر ووقع في البئر فمات .. وجب الضمان على واضع الحجر) و"الحاوي" [ص 551]: (وأول الشرطين؛ كحفرٍ ونصب نصلٍ فيه) محله: ما إذا كان الأول - أي: في الإتلاف - متعدياً كما صرح به "المنهاج"، قال [ص 490]: (فإن لم يتعد الواضع .. فالمنقول: تضمين الحافر) قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يتعلق بالحافر والناصب كما سنذكره فيما لو حفر بئراً عدواناً وحصل حجر على طرف البئر بحمل السيل أو بوضع حربي أو سبع فعثر رجل بالحجر ووقع في البئر فهلك .. فلا ضمان على أحد، قال: ويدل عليه أن المتولي قال: لو حفر بئراً في ملكه ونصب غيره فيها حديدة فوقع رجل في البئر فجرحته الحديدة ومات .. فلا ضمان على واحد منهما.
انتهى 270. فكيف يقال: المنقول: كذا، وهذا نقل آخر يخالفه؟ ! وقد عبر في "الروضة" وأصلها بالمنقول مع ذكرهما كلام المتولي هذا 271، فكأنهما أرادا: المنقول المشهور، وفرق شيخنا الإمام البلقيني بين مسألتنا ومسألة السيل: بأن الأول فعل ممن يقبل الضمان، فإذا سقط عنه لعدم تعديه .. لم يسقط عن المتعدي، بخلاف السيل ونحوه؛ فإنه ليس متهيّأ للضمان أصلاً، فسقط الضمان بالكلية، ثم خالف ما ذكره الرافعي في مسألة السيل، وإن ذكره القاضي حسين وغيره، وصحح: أنه يضمن حافر البئر وفاقاً لما جزم به الماوردي فيما إذا برزت بقلة من الأرض فعثر بها مار وسقط على الحديدة المنصوبة بغير حق فمات .. أن ضمانه على واضع الحديدة 272، قال شيخنا: وهو القوي الجاري على القواعد.
انتهى.
وادعى شيخنا ابن النقيب أن قول "المنهاج" [ص 490]: (عدواناً) يعود إلى وضع الحجر فقط؛ فإن الحافر لا شيء عليه سواء حفر متعدياً أم في ملكه، ثم قال في قوله: (فالمنقول: تضمين الحافر) أي: إذا كان متعدياً 273، فصرف الدلالة الظاهرة عن مدلولها، ثم احتاج بعد ذلك إلى تقديرها، فالصواب: عوده إليهما كما هو قاعدة الشافعي رضي الله عنه ويدل لذلك أنه في "الروضة" وأصلها في تصوير هذه المسألة صورها بأن يكون حفر البئر عدواناً 274، والله أعلم.
4832 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو وضع حجراً وآخران حجراً فعثر بهما .. فالضمان أثلاث، وقيل: نصفان) رجح شيخنا الإمام البلقيني: الثاني؛ لأن التعثر بالحجرين، فالتوزيع عليهما؛ لأنهما اللذان لاقيا البدن، وليس هذا كالجراحات التي لها نكاية في الباطن، بل

الحديث: 4831 - الجزء: 3 - الصفحة: 115

هو إلى صورة الضربات أقرب، بل أولى بالحكم فيها.
4833 - قول "المنهاج" [ص 490]: (ولو عثر بقاعدٍ أو نائمٍ أو واقفٍ بالطريق، وماتا أو أحدهما .. فلا ضمان إن اتسع الطريق) تبع فيه "المحرر" 275، وهو وهمٌ لا يعرف في غيره، والمجزوم به في "الروضة" وأصلها أن على عاقلة العاثر دية القاعد والنائم والواقف، وأما العاثر: فإنه هدر، وسواء كان القاعد أو الواقف بصيراً أو أعمى، وسواء أكان في طريق واسع كما صوره "المنهاج"، أو في ملكه أو في موات 276، لكن حكى شيخنا الإمام البلقيني الخلاف في ذلك، قال: بل صحح القاضي حسين والإمام والغزالي في "البسيط": أنه يهدر دم القاعد والنائم أيضاً، وإنما تجب دية الواقف، وهو ظاهر النص 277. 4834 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا .. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) الذي في "الروضة": أن المذهب المنصوص: أن دم القاعد مهدر 278، وعليه مشى "الحاوي" فقال في المضمون [ص 549]: (كأن قعد فتعثر به ماشي وهدر) أي: القاعد، وبقائم عكس، لكنه أطلق هذا الكلام، ومحله: في الضيق، فإن كان واسعاً .. فبالعكس كما تقدم، وعليه مشى "المنهاج" أيضًا فقال [ص 490]: (وإلا .. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم لا عاثر بهما، وضمان واقف لا عاثر به) ونازع شيخنا الإمام البلقيني في أن هذا هو المذهب، وقال: لم يصححه غير البغوي 279، قال: والذي يعتمد عليه في ذلك نصه في "الأم"، وهو: إهدار العاثر، وضمان الواقف والقاعد والنائم 280، وأنه يستوي في ذلك اتساع الشارع وضيقه.
وذهب العراقيون إلى أنه إذا وقف أو قعد في طريق ضيق فعثر به إنسان وماتا .. فعلى كل واحد منهما دية الآخر، حكاه ابن الصباغ عن نصه في القديم، وقال: فأما قوله الجديد الذي نقله المزني: فدية الصادم هدر، فأكثر أصحابنا قالوا: إنما أراد: إذا كان الطريق واسعاً.
انتهى.
وهذا كله إذا لم يكن من الواقف فعل، فإن كان؛ بأن انحرف إلى الماشي فأصابه في انحرافه وماتا، فهما كماشيين اصطدما .. فعلى كل واحد منهما نصف دية الآخر.
واعلم: أنا حيث قلنا في هذا الفصل: يجب الضمان .. فالمراد: أنه يتعلق الضمان بفعله، وهو مضروب على عاقلته.

الحديث: 4833 - الجزء: 3 - الصفحة: 116

4835 - قول "الحاوي" [ص 549]: (كلٌّ في شارع) كذلك المسجد، لكن لو جلس فيه لأمر ينزه المسجد عنه، أو نام غير معتكف .. فهو كما لو نام في الطريق، حكاه في "أصل الروضة" عن البغوي، وأقره (1).

فصل [في الاصطدام]

4836 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن اصطدما فماتا .. وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر) لا يخفى أن الكلام في الحرين، وصرح به "المنهاج و"الحاوي" 282، وسنتكلم عليه بعد ذلك، وقوله: (وجب على كل واحد منهما) أي: يتعلق بفعله، وهو مضروب على العاقلة، وهي دية مخففة إن كان بلا قصد، ومغلظة مع القصد، وقد صرح بذلك "المنهاج" فقال [ص 490]: (اصطدما بلا قصد .. فعلى عاقلة كلٍّ نصف دية مخففةٍ، وإن قصدا .. فنصفها مغلظة) أي: على العاقلة أيضاً كما يفهمه كلامه، وصرح به في "المحرر" 283، وهذا الذي ذكرناه من أنها مع القصد على العاقلة أيضاً هو الذي نص عليه في "الأم" 284، وحكاه الرافعي عن الأكثرين؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر، وذهب أبو إسحاق إلى أنه عمد، وتجب الدية في تركتهما، واختاره الإمام والغزالي 285، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 577]: (وعلى عاقلة كلٍّ نصف دية الآخر، لا إن تعمدا) ثم قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه لو كان أحدهما ضعيفاً وحركته ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركته مع الآخر .. فهو كالواقف، فيهدر القوي، وعلى عاقلته دية الضعيف كما سيأتي عن الإمام في الدابتين 286. 4837 - قول "المنهاج" [ص 490] و"الحاوي" [ص 577] فيما إذا مات مركوباهما: (وفي تركة كل نصفُ قيمة دابة الآخر) قال الإمام: لكن لو كانت إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع أنه لا أثر لحركتها مع قوة الدابة الأخرى .. لم يتعلق بحركتها حكم؛ كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة، حكاه عنه في "أصل الروضة" 287، وهو محتمل للقيد والوجه، وجعله شيخنا281

الحديث: 4835 - الجزء: 3 - الصفحة: 117

الإمام البلقيني قيداً، ثم أورد عليه قول الشافعي رضي الله عنه: (وسواء كان أحد الراكبين على فيل والآخر على كبش، أو كانا على دابتين سواء ومتقاربتين) 288 ثم قال: للإمام أن يقول: للكبش حركة لها وقع، والكلام في دابة ضعيفة يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع الدابة الأخرى.
قلت: للكبش حركة لكن مع صدمة الفيل .. فلا، والله أعلم.
4838 - قول "المنهاج" في الصبيين والمجنونين [ص 491]: (وقيل: إن أركبهما ولي .. تعلق به الضمان) فيه أمور: أحدها: قد يفهم أن المراد: ولي المال.
وليس كذلك، بل المراد هنا كما قال شيخنا الإمام البلقيني: ولي الحضانة الذكر، قال: وذلك ظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه: (أو حملهما عليها أبواهما أو ولياهما في النسب) 289، قال: ومن ذلك يؤخذ أن المعتق لا يدخل في ذلك، ولا كل الإناث، ولا كل ذكر لا حق له في الحضانة، ويدخل السلطان في ذلك؛ لأن له الحضانة، وإنما قيد الشافعي بالنسب؛ لإرادته الولاية الخاصة، وقد عرف انتقال الحضانة للسلطان عند فقد القريب، قال: وقد عرف أن ولاية النسب هنا لا تكون إلا بالحضانة؛ فلذلك قلنا: إن المراد به: ولي الحضانة، ولم أر من تعرض لذلك.
ثانيها: قال في "أصل الروضة": الوجهان مخصوصان بما إذا ظهر ظن السلامة، فأما إذا أركبه الولي دابة شرسة جموحاً .. فلا شك أنه يتعلق به الضمان 290. ثالثها: قال في "أصل الروضة" أيضاً: كذا أطلق جماعة الوجهين، وخصهما الإمام لإركاب لزينة أو حاجة غير مهمة، فأما إذا مست حاجة أرهقت إلى إركابه للنقل من مكان إلى مكان .. فلا ضمان قطعاً 291. قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يضاف إلى ذلك: ألاّ ينسب الولي إلى تقصير فى ترك من يكون معهما ممن جرت العادة بإرساله مع الصبيان.
رابعها: فهم من تعبيره بـ (قيل) أن المرجح وجه أيضًا، وبه صرح في "أصل الروضة" 292، وليس كذلك، بل نص عليه في "الأم" 293.

الحديث: 4838 - الجزء: 3 - الصفحة: 118

4839 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولو أركبهما أجنبي .. ضمنهما ودابتيهما) 294 فيه أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الذي يظهر لي - والله أعلم بالصواب - أن الصبيين إذا كانا حرين .. فالحر لا يدخل تحت اليد، والركوب ليس من الشروط المقتضية للضمان فضلاً عن الإركاب؛ وحينئذ .. فينبغي ألاَّ يضمن المركب من أركبه ولا من تلف بمن أركبه، وسواء أقلنا: عمد الصبي عمد أم خطأ، ويكون كما لو ركبا بأنفسهما.
ثانيها: قال شيخنا المذكور في "تصحيحه": هذا مشكل على تصحيح المصنف فيمن وضع صبياً في مسبعة بحيث لا قدرة له على التخلص، فافترسه السبع .. من أنه لا ضمان وصححنا هناك خلافه، وهذه المسألة تشهد لنا؛ فإن الإركاب مع كون الصبي يستمسك في الركوب على الدابة يبعد فيه الهلاك، وطرح الصبي في الأرض المذكورة يقرب فيه الهلاك.
ثالثها: قال شيخنا في "تصحيحه" أيضًا: محل ضمان الأجنبي: إذا كان مثلهما لا يضبط الدابة، فإن كان يضبطها .. فهو كما لو ركبا بأنفسهما، قال الشافعي رضي الله عنه: (فإن حملهما أجنبيان ومثلهما لا يضبط الدابة .. فدية من أصابا على عاقلة الذي حملهما؛ لأن حملهما عدوانٌ عليهما، فيضمن ما أصابا في حملهما) 295. رابعها: قال في "الوسيط": لو تعمد الصبي والحالة هذه .. احتمل أن يحال الهلاك عليه إذا قلنا: عمده عمد؛ لأن المباشرة مقدمة على السبب، قال الرافعي: وهذا احتمال حسن، فإن قيل به .. فحكمه كما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذار عنه تكلف 296. 4840 - قول "المنهاج" [ص 491] و"الحاوي" [ص 578]: (وعبدان مهدران) فيه أمور: أحدها: يستثنى من ذلك: ما إذا امتنع بيعهما مطلقاً؛ كابني مستولدتين أو موقوفين أو منذور إعتاقهما فلا يهدران؛ لأنهما حينئذ كالمستولدتين، وحكم المستولدتين أن على سيد كل واحدة فداء النصف الذي جنت عليه مستولدته للآخر بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجناية؛ لأنه باستيلادها مانع من بيعها، وإن كان لفظ العبد يتناول الأمة .. استثنيت المستولدتان أيضاً، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص 578]: (وتقاصتا في مستولدتين، وإن ساوتا مئتين، ومئةً فضل خمسون).
ثانيها: ويستثنى أيضًا: المغصوبان، فعلى الغاصب فداء كل نصف منهما بأقل الأمرين.
ثالثها: استثنى شيخنا الإمام البلقيني مع هاتين الصورتين: ما إذا أوصى أو وقف لأرش

الحديث: 4839 - الجزء: 3 - الصفحة: 119

ما يجنيه العبدان، قال: فيصرف منه لسيد كل عبد نصف قيمة عبده، قال: وهذا وإن لم يتعرضوا له فقهه واضح.
4841 - قول "المنهاج" [ص 491]: (أو سفينتان .. فكدابتين، والملاحان كراكبين إن كانتا لهما، فإن كان فيهما مال لأجنبي .. لزم كلاً نصف ضمانه، وإن كانتا لأجنبي .. لزم كلاً نصف قيمتهما) محله: فيما إذا كان الاصطدام بفعل الملاحين، أو قصّرا في الضبط مع إمكانه، أو سيرا في ريح شديدة، فإن لم يكن شيء من ذلك .. فذكر "التنبيه" فيه قولين: ثانيهما: أنه لا ضمان، وهذا الثاني هو الأظهر 297، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 578]: (وغلبة الريح بحلفه تُهدر).
ويرد عليه وعلى "المنهاج" في إطلاقهما أن الملاح كالراكب: أن الملاحين لو تعمدا الاصطدام بما يعده أهل الخبرة مفضياً إلى الهلاك فغرقا .. فنصف دية كل منهما في تركة الآخر، بخلاف المصطدمين؛ فإنه على عاقلته كما تقدم، وقد ذكر ذلك في "أصل الروضة" بالنسبة لإيجاب القصاص لأولياء الركاب على الملاحين 298. قال شيخنا الإمام البلقيني: ويجري حكم العمد في الدية أيضاً بالنسبة إليهما، ولو مات أحدهما بما صدر من التعمد دون الآخر .. وجب القصاص على الحي بناء على إيجاب القصاص على شريك جارح نفسه، وهو المعتمد، قال شيخنا أيضاً: وقضية التشبيه: أن الراكبين لو كانا صبيين أقامهما الولي، أو أجنبي في السفينتين .. أن الحكم كذلك، ولم أر أحداً ذكره، والذي يقتضيه الفقه: القطع هنا بأنه لا ضمان على الولي والأجنبي.
انتهى.
ثم ما أطلقوه من أن على كل ملاح ضمان نصف المال.
قال في "الكفاية": كذا أطلقوه، والمراد به: استقرار الضمان وإلا .. فلمالك كل سفينة مطالبة ملاحها بكل ضمانها، ولمالك كل مطالبة قائد سفينته بكل ضمانه، وقرار الضمان في النصف من ذلك على كل منهما، صرح به الفوراني وغيره، ووجهه تقصير كل منهما، فدخلت سفينته وما فيها في ضمانه، وقد شاركه في الإتلاف غيره، فضمنا نصفين، وقول "التنبيه" في المسألة [ص 222]: (وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، فأما إذا سيرّا السفن ثم اصطدما .. وجب الضمان قولاً واحداً، وقيل: القولان في الجميع) نبه النووي في "التحرير" على أن كلامه الأخير تكرار؛ لأنه حكى القولين في الجميع 299، فقال بعضهم: لو قال: (فقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل) بالفاء .. لاستقام.
4842 - قول "المنهاج" [ص 491]: (ولو أشرفت سفينةٌ على غرق .. جاز طرح متاعها،

الحديث: 4841 - الجزء: 3 - الصفحة: 120

ويجب رجاء نجاة الراكب، فإن طرح مال غيره بلا إذنٍ .. ضمنه، وإلا .. فلا) فيه أمور: أحدها: قال في "أصل الروضة": ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح، ولا يجوز إلقاء الدواب إذا أمكن دفع الغرق بغير الحيوان، وإذا مست الحاجة إلى إلقاء الدواب .. ألقيت لإبقاء الآدميين، والعبيد كالأحرار 300. ثانيها: استشكل ذلك شيخنا الإمام البلقيني: بأنه إن جعلت الخيرة في عين المطروح للملاح ونحوه .. فهو غير لائق، وإن توقف على إذن صاحبه .. فقد لا يأذن، فيحصل الضرر، ثم قال: إنه يحتاج إلى إذن المالك في حالة الجواز 301 دون الوجوب 302، فلو كانت لمحجور .. لم يجز إلقاؤها في محل الجواز، ويجب في محل الوجوب.
ولو كانت مرهونة أو لمحجور عليه بفلس أو لمكاتب أو لعبد مأذون عليه ديون .. وجب إلقاؤها في محل الوجوب، وامتنع في محل الجواز إلا باجتماع الراهن والمرتهن، أو السيد والمكاتب أو السيد والمأذون والغرماء في الصور المذكورة، فلو رأى الولي في محل الجواز أن إلقاء بعض أمتعة محجوره يسلم به باقيها .. فقياس قول أبي عاصم العبادي: فيما لو خاف الوصي استيلاء غاصب على المال فله أن يؤدي شيئا لتخليصه: جوازه هنا، والله أعلم.
ثالثها: أن قوله: (رجاء نجاة الراكب) إن كان تعليلاً للمسألتين .. فكيف تصلح هذه العلة الواحدة للجواز تارة والوجوب أخرى؟ ، وإن كان للوجوب فقط .. فكيف يستقيم الجواز بدون ذلك؟ أورده شيخنا الإمام البلقيني بمعناه، ثم قال: والذي يقال في ذلك: أنه إن حصل هول خيف منه الهلاك مع غلبة السلامة .. جاز إلقاء غير ذات الروح رجاء نجاة الراكب، وإن غلب الهلاك مع ظن النجاة بالطرح .. وجب.
رابعها: لا بد من تقييد الراكب بكونه محترماً؛ ليخرج الحربي والمرتد والزاني المحصن وغيرهم، فلا يلقى مال محترم لنجاة راكب غير محترم، ويرد على قول "الروضة": (ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح) 303 الكلب العقور والخنزير، فلا يلقى لأجلهما ما لا روح فيه.
4843 - قول "التنبيه" في (باب الضمان) [ص 106]: (وإن قال: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فألقاه .. لزمه ضمانه) أهمل له شرطين: أحدهما: أن يقوله في حال إشراف السفينة على الغرق.

الحديث: 4843 - الجزء: 3 - الصفحة: 121

والثاني: ألاَّ يختص نفع الإلقاء بالملقي فقط، فإن اختص به .. لم يصح الضمان، وقد ذكرهما "المنهاج" فقال [ص 491]: (وإنما يضمن ملتمسٌ لخوف غرقٍ، ولم يختص نفع الألقاء بالملقي) و"الحاوي" فقال [ص 579]: (ومن قال لخوف الغرق: ألق متاعك ضامناً .. لزمه، لا إن احتاج الملقي فقط) ولم يتعرضا لإلقائه، كما صرح به "التنبيه" و"المحرر" 304 لوضوحه.
ولكن فائدة ذكره: أنه لابد أن يلقيه صاحبه أو مأذونه، فلو ألقاه شخص بغير إذنه أو سقط بريح أو غيرها .. لم يلزم القائل شيء، ثم في كلامهم أمور: أحدها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لا بد من الإشارة إلى ما يلقيه، فيقول: هذا، أو يكون المتاع معلوماً للقائل، فإن لم يكن معلوماً .. فلا يضمن إلا ما يلقيه بحضرته، ولا بد من استمراره على الضمان، فلو رجع عنه قبل الإلقاء .. لم يلزمه شيء، قال: ولم أر من تعرض له.
ثانيها: أنهم لم يبينوا المضمون هل هو المثل ولو صورة كالقرض، أو القيمة مطلقاً، أو المثل في المثلي والقيمة في المتقوم؟ وصرح في "الروضة" بالقيمة.
ذكره في صيغة الضمان، فقال: أو على أني ضامن قيمته، وفى الحكم: فقال: قال البغوي: تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج؛ فإنه لا قيمة للمال في تلك الحال.
ولا تجعل قيمة المال في البحر وهو على خطر الهلاك كقيمة البر 305. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن سمى ثمناً حالاً أو مؤجلاً .. لزمه ما سمى، وإلا .. فإن قلنا: إن الضامن لا يملك الملقى - وبه صرح الإمام وهو الأرجح - .. لزمه مثله إن كان مثلياً، وقيمته إن كان متقوماً كالشراء الفاسد، وإن قلنا: يملكه - وهو ما صرح به الماوردي - .. لزمته قيمته من النقد باعتبار تلك الحالة لا قبل الهيجان خلافاً للبغوي، ثم قال: وعلى الجملة فالأرجح: ما قال الإمام من عدم الملك، والأرجح على هذا: ضمان القيمة مطلقاً وتعذر ضمان المثل؛ لأنه لا مثل لمشرف على هلاك إلا مشرف على هلاك، وذاك بعيد، فتعينت القيمة، قال: ولم أر من حقق ذلك.
ثالثها: ما جزم به "المنهاج" و"الحاوي" من عدم اللزوم فيما إذا اختص نفعه بالملقي فقط ذكره القفال والقاضي حسين والبغوي وغيرهم 306، ولم يحك فيه الرافعي والنووي خلافاً، وحكى أبو الفرج الزاز في "تعليقه" عن بعض الأصحاب تصحيح هذا الضمان، وعن الشيخ أبي على: أنه على وجهين كما لو قال: أعتق عبدك عني وعليّ قيمته.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وقضيه هذا البناء تصحيح الصحة كالأصح هناك، قال: والأصح

الجزء: 3 - الصفحة: 122

عندنا: الصحة، وللإنسان قصد في أن يسعى بدفع شيء من ماله في نجاة غيره.
4844 - قول "الحاوي" [ص 579]: (وأنا والركبان ضامنون .. لزمه حصته ولزمهم حصتهم إن رضوا) ينبغي حمله على ما إذا قصد الإخبار عن ضمان سبق منهم وصدقوه، فإن قصد الإنشاء ورضوا به .. فقيل: يلزمهم، ورجحه في "الوسيط"، وقال: يسامح فيه للحاجة، بخلاف سائر العقود 307، والظاهر كما قال الرافعي خلافه؛ لأن العقود لا توقف، وفي "أصل الروضة": إنه الصحيح 308. ولو أذن له في الإلقاء فألقاه .. فهل تلزمه الحصة أم الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 309، أما لو زاد على قوله: (أنا والركبان ضامنون كل واحد منا على الكمال.
أو على أني ضامن وكل واحد منهم ضامن) .. فعليه ضمان الجميع، وكذا يلزمه الجميع على الأصح إذا قال: أنا ضامن وركاب السفينة، أو على أن أضمنه أنا والركاب، أو قال: وأنا ضامن وهم ضامنون.
4845 - قولهما: (ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته .. هُدِرَ قسطه، وعلى عاقلة الباقين الباقي) 310 استثنى منه شيخنا الإمام البلقيني: ما إذا حصل ذلك بأمر صنعه رفقاؤه، وقصدوا الرفيق المذكور بسقوطه عليه، وغلبت إصابته .. فهو عمد لا تحمله العاقلة، بل في أموالهم، ولا قصاص عليهم؛ لأنهم شركاء مخطئ، قال: ولم ينبه عليه أحد، وكأنهم تركوه؛ لأنه لا يتصور عندهم، ونحن صورناه، فلا خلاف بيننا وبينهم.
4846 - قول "المنهاج" [ص 491]: (أو غيرهم ولم يقصدوه .. فخطأٌ، أو قصدوه .. فعمدٌ في الأصح إن غلبت الإصابة) أحسن من قول "الحاوي" [ص 579]: (وإن أصاب واحداً وقصدوه قادرين .. فعمدٌ، وعلى مبهمٍ شبهُهُ، وإلا .. فخطأ) لأنه يتناول واحداً من الرماة، ولم يصور الأصحاب فيه العمد كما تقدم، فما أراد إلا واحداً من غيرهم، فأفصح "المنهاج" بذلك، وأيضاً فلا يختص الحكم بإصابة واحد؛ فقول "المنهاج": (غيرهم) أعم، وقوله: (قادرين) هو كقول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة)، وقوله: (وعلى مبهم شبهه) أي: شبه عمد، هي الصورة الخارجة بمفهوم قول "المنهاج": (إن غلبت الإصابة) وقول "الحاوي": (قادرين) فإن مراده بها: ما إذا قصدوا واحداً والغالب أنه لا يصيبه وهم قادرون على إصابة غير معين، فلم يقصدوا مبهماً، ولكن لا يقع رميهم إلا على مبهم، ففي تعبيره عن ذلك قلق.

الحديث: 4844 - الجزء: 3 - الصفحة: 123

ونازع شيخنا الإمام البلقيني في اعتبار غلبة الإصابة، وقال: ذكره جماعة، وهو غير معتبر على أصل الشافعي؛ لأن الغلبة إنما تعتبر في الآلة أن تهلك غالباً لا في إصابتها، فمتى أمكنت الإصابة وحصلت .. وجب القود كما لو رمى شخصاً بسهم قد يصيبه وقد لا يصيبه، فأصابه فقتله، أو ألقى حجراً من سطح على مار قد يصيبه وقد لايصيبه فأصابه فقتله .. فيجب القود فيهما، وقول "المنهاج": (في الأصح) تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" 311، والذي في "الشرح الكبير": إنه الذي قطع به الصيدلاني والإمام والغزالي والمتولي، ورجحه البغوي والروياني، وقطع العراقيون بمقابله، وهو أنه شبه عمد، قال الرافعي: ويشبه أن يقال: الخلاف راجع إلى أنه هل يتصور تحقيق هذا القصد في المنجنيق؟ 312. وقال شيخنا الإمام البلقيني: لم يثبت أحد من المصنفين في الطريقين هذا الخلاف، وإنما بعض العراقيين يقول: لا يتصور قصد رجل بعينه بالمنجنيق، وإنما يتفق وقوعه ممن وقع، وخالفهم آخرون فقالوا: إن ذلك يتصور.
4847 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن وقع رجل في بئر فجذب ثانياً والثاني ثالثاً والثالث رابعاً وماتوا - أي: بوقوع بعضهم على بعض - .. وجب للأول ثلث الدية على الثاني، والثلث على الثالث ويهدر الثلث) محله: فيما إذا كان الوقوع في البئر غير مهلك، فإن كان مهلكاً، فالأول هلك بصدمة البئر أيضًا .. فديته أرباع، ربع على عاقلة الحافر إن كان الحفر عدوانا، فإن لم يكن عدواناً .. هدر أيضاً، والأرباع الباقية على ما ذكر في الأثلاث، ولا أثر للصدمة في حق الباقين، فديتهم على ما هي عليه، أما إذا كانت البئر واسعة فلم يقع بعضهم فوق بعض .. فدية كل مجذوب على عاقلة جاذبه، ودية الأول على عاقلة الحافر إن كان متعدياً.
4848 - قول "الحاوي" [ص 579]: (وإن تزلق وجذب ثانياً، وهو ثالثاً .. هدر ثلث الأول، وثلثاه على الحافر والثاني) لا يخفى أن محله: إذا كان الحافر متعدياً، وإلا .. هدر ثلث آخر، والله أعلم.
4849 - قول "التنبيه" [ص 222]: (وإن تجارح رجلان فماتا .. وجب على كل واحد منهما دية الآخر) محله فيما إذا كان ذلك خطأ أو شبه عمد، فإن كان عمداً .. فدم كل منهما هدر، قاله القاضي حسين فيما حكاه عنه في "الكفاية".


الحديث: 4847 - الجزء: 3 - الصفحة: 124

باب العاقلة

4850 - قول "التنبيه" [ص 228]: (والعاقلة العصبات ما عدا الأب والجد والابن وابن الابن) لو عبر كـ "المنهاج" بقوله [ص 491]: (إلا الأصل والفرع) .. لكان أعم وأحسن منهما.
4851 - قول "الحاوي" [ص 554]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لدلالتها على أنه لو كان لها ابن هو ابن ابن عم .. لم يعقل أيضاً، وهو الأصح، ويرد عليهم جميعاً: أن في "أصل الروضة" عن المتولي من غير مخالفة: أن ذوي الأرحام يتحملون عند عدم العصبات إذا قلنا بتوريثهم، وهو الذي صححه النووي إذا لم ينتظم أمر بيت المال كما تقدم 313. 4852 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منهم) محله: ما إذا كان المضروب عليهم يفي بالواجب وهو الثلث، فإن بقي منه شيءٌ .. ضرب على من بعد الأقرب، وقد صرح به "المنهاج" فقال [ص 492]: (ويقدم القرب، فإن بقي شيءٌ .. فمن يليه) وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا).
4853 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن اجتمع جماعة في درجة واحدة وبعضهم غيب .. ففيه قولان، أصحهما: أنهما سواء) لا يختص ذلك بما إذا كانوا في درجة، بل لو كان الغائب أقرب درجة من الحاضر .. فأصح الطريقين: طرد القولين، والمراد بالغيبة: ما يمنع التحصيل في سنة، حكاه الرافعي عن الغزالي، قال: وكلام الشافعي والأصحاب لا يساعد عليه؛ فإنهم فرضوا فيما إذا كان القاتل بمكة والعاقلة بالشام، وحكوا فيه الخلاف 314، وأسقط ذلك من "الروضة".
4854 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ثم معتق) وهو داخل في عموم العصبات في عبارة "التنبيه"، شرطه: أن يكون ذكراً؛ فالمعتقة لا تعقل، وإنما يعقل عاقلتها، وقد ذكره "المنهاج" بعده بقوله [ص 492]: (وعتيقها يعقله عاقلتها)، ودل عليه تعبير "الحاوي" باولياء النكاح 315، فيتحمل المعتق عند فقد عصبة النسب، أو إذا لم يكن فيهم كفاية، كما صرح به "المحرر" 316، ودل عليه قول "الحاوي" [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا).
4855 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ثم عصبته) أي: عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء كسائر العصبات، وقد دخل في قول "الحاوي" [ص 554]: (بترتيبهم إن وفوا)،

الحديث: 4850 - الجزء: 3 - الصفحة: 125

ونص عليه في "المختصر" فقال: (فإن عجزت - أي: عصبات النسب - عن بعض .. حملت الموالي المعتقون الباقي، فإن عجزوا عن بعض ولهم عواقل .. عقلت عواقلهم" 317. وفي "أصل الروضة" عن الإمام والغزالي المنع؛ إذ لا حق لهم في الولاء ولا بالولاء في حياته، وتردد الإمام فيما لو لم يبق المعتق وضربنا على عصبته .. فهل يخص بالأقربين؛ لأنهم أهل الولاء والإرث، أم يتعدى إلى الأباعد كعصبة الجاني؟ ورجح الاحتمال الثاني، وجزم به الغزالي، وصرح صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما بالضرب عليهم.
انتهى 318. وقد عرفت المنصوص المعتمد، وما قاله الإمام مردود.
ويستثنى من عصبة المعتق: أصله وفرعه في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" فقال [ص 554]: (وبعضية الجاني والمعتق مانعة) لكن قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": الأصح عندي: أنهما يتحملان؛ لأن المعتق يتحمل، وهما كنفس المعتق لا كنفس الجاني، ولا نسب بينهما وبين الجاني بأصلية ولا فرعية، إلا أنه في "تصحيح المنهاج" قال: إن الأول هو مقتضى النص؛ حيث قال: (وقضى عمر بن الخطاب على على بن أبي طالب رضي الله عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب، وقضى للزبير بميراثها؛ لأنه ابنها) 319، ولم يتعرض لتصحيح ما صححه في "الحواشي"، قال شيخنا المذكور: وإذا لم يوجد معتق من جهة الآباء .. انتقلنا إلى معتق الأم، ثم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ثم إلى موالي الجدات من جهة الأم ومن جهة الأب، وموالي الذكور المدلين بالإناث؛ كالجد أبي الأم، ومن جرى مجراه.
انتهى.
4856 - قولهما: (ولا يحمل عتيق في الأظهر) 320 وهو مقتضى تخصيص "الحاوي" ذلك بأولياء النكاح، وذكر شيخنا الإمام البلقيني أنه خلاف نص "الأم" و"مختصر المزني والبويطي"، ولا يعرف في شيء من كتب الشافعي، ثم حكى عن الشيخ أبي حامد: أن الذي نص عليه هنا أنهم يتحملون، وحكى أبو إسحق أن الشافعي قال في موضع آخر: إنهم لا يعقلون، قال: ولست أدري أين قال الشافعي هذا! إلا أنه لا يختلف أصحابنا أن المسألة على قولين، قال شيخنا: ومع قوله: أنه لا يدري أين قاله الشافعي صححه، قال شيخنا: والمذهب: ما نص عليه في كتبه، قال: ويعقل ولده ولا يعقل أبوه.
4857 - قول "التنبيه" [ص 228]: (فإن لم يكن من يعقل .. وجب في بيت المال) أي: إن كان

الحديث: 4856 - الجزء: 3 - الصفحة: 126

الجاني مسلمًا، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 321، والذمي والمستأمن تجب الدية في مالهما على المذهب، قال شيخنا الإمام البلقيني: وينبغي أن يعبر كعبارة الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"المختصر": أن العقل على جماعة المسلمين 322، قال شيخنا: ولا أثبت هذا المال في بيت المال مطلقاً، بل لما هو لهم بطريق الإرث، وكذا سهم المصالح من الفيء والغنيمة على الظاهر.
4858 - قول "التنبيه" [ص 228]: (فإن لم يكن .. فقد قيل: يجب على الجاني، وقيل: لا يجب عليه) الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 323، وهنا أمور: أحدها: أن معنى قول "التنبيه": (فإن لم يكن) و"المنهاج": (فإن فقد) أي: مال بيت المال كما صرح به "المحرر"، فقال: (فإن لم يكن فيه مال .. أخذ الواجب من الجاني" 324 ومقتضاه: أنه لو كان فيه مال امتنع المتكلم فيه من بذله للمجني عليه ظلماً .. لم يؤخذ من الجاني، قال شيخنا الإمام البلقيني: وليس كذلك، بل يؤخذ من الجاني وينزل منع الظلمة منزلة الفقد، ولم أر من تعرض له.
ثانيها: ظاهر عبارة "التنبيه" يقتضي أن الخلاف وجهان، وتعبير "المنهاج" بالأظهر يقتضي أنه قولان، وعبارة "الروضة": فيه وجهان بناء على أن الدية تجب على العاقلة أولاً أم على الجاني ثم تحملها العاقلة؛ وفيه وجهان، ويقال: قولان، وأصحهما: تؤخذ من الجاني.
انتهى 325. وللأصحاب اضطراب في أن هذا الخلاف وجهان أو قولان، وسببه أن الخلاف المبني عليه مستنبط من كلام الشافعي.
ثالثها: قال شيخنا الإمام البلقيني: لم أقف على الإيجاب على الجاني المسلم في كلام الشافعي، وإنما قال: إنه على جماعة المسلمين، والذي نقوله على مقتضى مذهبه: أنا إذا لم نجد في بيت المال مال وراثة، وصرف سهم المصالح فيما هو أهم من هذا .. ثبت التحمل على جماعة المسلمين الموسرين والمتوسطين، وحيث يعذر الاستيعاب .. اجتهد الإمام، وضرب الواجب على من يراه على مقتضى التأجيل، هذا هو الظاهر من نصوص الشافعي، والمعنى يساعده؛ لأن بين المسلم وجماعة المسلمين موالاة.
انتهى.
رابعها: كما يحمل الجاني عند الفقد يحمل مع الوجود، ومع وجود العصبة الخاصة حيث لم

الحديث: 4858 - الجزء: 3 - الصفحة: 127

يَفِ المضروب عليهم بثلث الدية كما قد عرف في نظائره، وحيث أخذ من الجاني .. فهي مؤجلة عليه كالعاقلة وبيت المال.
والأصح: أنه لا يؤخذ من أبيه وابنه شيء.
4859 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ومؤجل على العاقلة دية نفس كاملة ثلاث سنين) فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى عبارته: أنه لا بد من تاجيل بضرب الحاكم، وليس كذلك بلا خلاف.
ثانيهما: أن التقييد بالعاقلة يخرج الجاني، وليس كذلك، بل هي مؤجلة عليه أيضًا إذا أخذت منه، وقد سلم من الأمرين "التنبيه" بقوله [ص 228]: (فإن كان دية نفس كاملة .. فهو مؤجل في ثلاث سنين) و"الحاوي" بقوله [ص 553، 555]: (يؤخذ آخر كل سنة قدر ثلثها من أولياء النكاح) إلى أن قال: (ثم الجاني).
4860 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن كانت دية نفس ناقصة كدية الجنين والذمي والمرأة .. فقد قيل: هي كدية النفس الكاملة في ثلاث سنين، وقيل: هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية) الأصح: الثا ني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 326. 4861 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن جنى على عبد .. ففيه قولان، أصحهما: أن القيمة في ماله) الأظهر: أنها على العاقلة، وعليه مشى "المنهاج" 327، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 328. 4862 - قول "المنهاج" [ص 492]: (والأطراف في كل سنة قدر ثلث الدية) أهمل من "المحرر" أن أروش الجراحات كذلك، وكذا الحكومات، وأنه إن كان الواجب أقل من الثلث .. ضرب في سنة، وإن كان أكثر من الثلث ولم يزد على الثلثين .. ضرب الثلث في آخر السنة الأولى والباقي في آخر الثانية 329، وقد صرح بذلك "التنبيه" أيضاً 330. 4863 - قول "المنهاج" [ص 492]: (وأجل النفس من الزهوق، وغيرها من الجناية) محله: في غير النفس: فيما إذا لم يسر، فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه .. فهل ابتداء المدة من سقوط الكف أم من الاندمال.
أم أرش الإصبع من يوم القطع وأرش الكف من يوم سقوطها؛ فيه ثلاثة أوجه، وبالأول قطع البغوي 331، وبالثاني الشيخ أبو حامد وأصحابه، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 228]: (وابتداؤها من وقت الاندمال) لكنه أطلقه،

الحديث: 4859 - الجزء: 3 - الصفحة: 128

وهو محمول على ما إذا سرى، فإن لم يسر .. فمن الجناية كما تقدم، ووافقه النووي في "التصحيح" على أنها فيما إذا سرى من وقت الاندمال 332، والوجه الثالث اختاره القفال والإمام والغزالي والروياني 333، ومشى عليه "الحاوي" فقال [ص 553]: (وللجرح منه ولسراية منها) ورجحه شيخنا الإمام البلقيني، وليس في "أصل الروضة" تصريح بترجيح من عند نفسه 334، ومتى أخذت عبارة "المنهاج" في السراية على إطلاقها .. لم توافق واحداً من هذه الأوجه؛ فلذلك حملناها على غير حالة السراية.
4864 - قول "التنبيه" [ص 229]: (ومن مات من العاقلة قبل محل النجم .. سقط ما عليه) أي: من قسط ذلك النجم، أما ما قبله .. فلا يسقط بعد استقراره، وقول " المنهاج " [ص 492]: (ومن مات ببعض سنة .. سقط) أبعد من هذا الإيهام.
4865 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ولا يعقل فقير ولا صبي ولا معتوه ولا كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر) أهمل اعتبار الحرية، ولا بد منه، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 492]: (ورقيق) وفهم منه أن المكاتب لا يعقل، ولم يثعرضوا للتصريح بالمبعض، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر أنه لا يتحمل؛ لأنه ناقص بالنسبة إلى النصرة، قال: فإن أعتقه مالك الباقي فلم يسر عليه .. احتمل أن يحمل عنه معتقه بالنسبة إلى نصفه الحر، واحتمل ألاَّ يتحمل عنه، قال: والأول أرجح.
4866 - قول "المنهاج" [ص 492]: (ويعقل يهودي عن نصراني وعكسه في الأظهر) كذا صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة" 335، وليس في "الشرح الكبير" ترجيح 336، والمراد: الذمي والمستأمن إن زادت مدة العهد على أجل الدية ولم ينقطع قبل مضي الأجل.
فالحربي لا يعقل ولا يعقل عنه، قال المتولي: فلو كان لذمي أقارب حربيون وقدر الإمام على الضرب عليهم .. بُني على أن اختلاف الدار يمنع التوارث؛ إن قلنا: نعم .. فلا ضرب، وإلا .. فوجهان، حكاه عنه في "أصل الروضة" 337. وتعجب منه شيخنا الإمام البلقيني؛ فإن التغريم تضمين، والحربي لا يضمن ما يتلفه بنفسه؛

الحديث: 4864 - الجزء: 3 - الصفحة: 129

فلأن لا يضمن ما يتلفه قريبه أولى، ولا يخفى أنه لا عقل على المرأة، والخنثى مثلها، فإن بان ذكراً .. فهل يغرم حصته التي أداها غيره؟ وجهان، قال في "أصل الروضة": لعل أصحهما: نعم 338، قال شيخنا الإمام البلقيني: بل الأصح: أنه لا يغرم؛ لأن التحمل مبني على الموالاة والمناصرة الظاهرة، وقد كان هذا في ستر الثوب كالأنثى، فلا نصرة به.
4867 - قولهم: (على الغني نصف دينار، والمتوسط ربع كل سنةٍ من الثلاث) 339 قال الرافعي: يشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما، لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجب، وما يؤخذ يصرف إليها، ويوضحه قول المتولي: نصف دينار أو ستة دراهم 340. قال البغوي: ويضبط الغنى والتوسط بالعادة، ويختلف بالبلاد والزمان 341، ورأى الإمام أن الأقرب اعتباره بالزكاة، فمن ملك عشرين ديناراً أو ما يساويها آخر الحول؛ أي فاضلاً عن مسكنه وثيابه وسائر ما لا يباع في الكفارة .. فغني، أو دونها فاضلاً عن حاجاته .. فمتوسط 342، ويشترط أن يملك شيئاً فوق المأخوذ منه، وهو الربع؛ لئلا يصير فقيرًا، وعلى هذا الثاني مشى "الحاوي" فقال [ص 553]: (من مالك فاضل عن حاجته عنده - أي: عند آخر الحول - ربع دينار وعشرين نصف) وقوله: (عشرين) معطوف على قوله: (فاضل عن حاجته) أي: يعتبر في إيجاب النصف مع ذلك ملكه عشرين ديناراً، وفي عبارته اختصار بإجحاف.
4868 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ويعتبران - أي: الغنى والتوسط - آخر الحول) 343 خرج به غيرهما من الأوصاف، وهي الكفر والرق والصبا والجنون، فلو كان يأخذ هذه الصفات أول الحول وصار في آخره بصفة الكمال .. فهل تؤخذ منه حصته من واجب تلك السنة وما بعدها؛ فيه أوجه، أصحها: لا، والثاني: نعم، والثالث: لا يؤخذ منه حصته تلك السنة ويؤخذ منه حصة ما بعدها.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا الثالث عندي أرجح، فلو طرأ عليه الجنون في أثناء حول .. سقط واجب ذلك الحول، ولم يسقط واجب الذي قبله، حكاه الرافعي عن "التتمة" 344، وأسقطه في "الروضة".

الحديث: 4867 - الجزء: 3 - الصفحة: 130

قال شيخنا الإمام البلقيني: ولو أن الحر الذمي نقض العهد، فاسترق .. سقط عنه حصة الحول الذي طرأت فيه الحرابة، ولا يسقط ما مضى.
انتهى.
وترد هاتان المسالتان على قول "الحاوي" [ص 553، 554]: (من أولياء النكاح، من الفعل إلى الفوت) فإن هذين كانا بصفة ولاية النكاح من فعل الجناية إلى فوت النفس بالموت، ومع ذلك لا يتحملان قسط تلك السنة، والله أعلم.
4869 - قول "التنبيه" [ص 229]: (وإن زاد عددهم على قدر الثلث .. ففيه قولان: أحدهما: يقسط عليهم وينقص كل واحد منهم من النصف والربع، والثاني: بقسط الإمام على من رأى منهم) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 553]: (أو حصة القليل).

فصلٌ [جناية العبد وتعلقها برقبته]

4870 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (مال جناية العبد يتعلق برقبته) 345 يستثنى منه: ما إذا كان العبد غير مميز، أو أعجمياً يعتقد وجوب طاعة السيد، فامره بها، فالجاني هو السيد، ولا يتعلق الضمان برقبته في الأصح، كما ذكره في "أصل الروضة" في (الرهن)، وفي (الجنايات)، وفي مسائل الإكراه 346. لكن نازع فيه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: نص في "الأم" على خلافه، فقال في أمر السيد العبد المرهون بالجناية: (وإن كان العبد صبياً أو أعجمياً فبيع في الجناية .. كُلِّف السيد أن يأتي بمثل قيمته ثمناً، ويكون رهناً مكانه، إلا أن يشاء أن يجعلها قصاصاً من الحق) 347. قال في "أصل الروضة" في الإكراه: ولو أن مثل هذا الصبي أو المجنون قتل أو أتلف مالاً من غير أمر أحد .. ففي تعلق الضمان بهما الخلاف السابق في التعلق برقبة العبد؛ لأنه يشبه إتلاف البهيمة العادية، ذكره الشيخ أبو محمد 348. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو عندنا متعقب؛ فالأصح ومقتضى النص: أنه يتعلق برقبته، قال: وعلى مقتضى تصحيح المصنف يكون خطأ تحمله العاقلة كإتلاف البهيمة، وبه صرح الإمام في (الإقرار).
انتهى 349.

الحديث: 4869 - الجزء: 3 - الصفحة: 131

فلو بريء عن بعضه .. انفك بقسطه، بخلاف المرهون، ذكره الرافعي في (الوصايا) (1). 4871 - قول "التنبيه" [ص 228]: (ومولاه بالخيار بين أن يسلمه فيباع في الجناية، وبين أن يفديه؛ فإن أراد الفداء .. فداه في أحد القولين باقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية، وبأرش الجناية بالغًا ما بلغ في الآخر) الأظهر: الأول، وعليه مشي "المنهاج" و"الحاوي" (2)، واستثني منه شيخنا الإمام البلقيتي مسائل: أحدها: إذا كان العبد غير مميز أو أعجميًا يعتقد وجوب الطاعة وأمره سيده بذلك .. قال: فلا يفديه بالأقل، بل أرش الجناية بالغًا ما بلغ.
الثانية: إذا اطلع السيد على اللقطة في يد العبد، وقررها، وفرعنا على الأظهر: أنه لا يصح التقاطه، فتلفت عنده، أو أتلفها .. تعلق الضمان برقبة العبد وسائر أموال السيد، وكذا لو لم يقرها عنده، ولكنه أهمله وأعرض عنه فتلفت، أو أتلفها على الأصح المعتمد، وهو منقول الربيع.
الثالثة: إذا أمر أجنبي العبد الذي لا يميز أو الأعجمي الذي يري طاعة الآمر .. تعلق برقبته وبالأجنبي على مقتضي النص، خلافًا لما صححه في "الروضة" (3)، فيباع في الجناية بالغًا ما بلغ الأرش، فإن بقي منه شيء .. فعلي الأجنبي الآمر.

تَنْبِيهٌ [لو كان العبد المأمور بجناية مرهونًا مقبوضًا بالإذن]

محل ذلك أيضًا: ما إذا لم يكن مرهونًا مقبوضًا بالإذن، فإن كان كذلك واعترف الراهن بجنايته وأنكرها المرتهن .. فالقول قول المرتهن بيمينه، فيباع في الدين، ولا شيء على الراهن للمقر له.
4872 - قول "المنهاج" [ص 493]: (ولو أعتقه أو باعه وصححناهما أو قتله .. فداه بالأقل، وقيل: القولان) كذا في "أصل الروضة" ترجيح طريقة القطع 353، لكن جزم في البيوع بطريقة القولين، ذكره في بيع العبد الجاني 354، ولم يفصح "التنبيه" و"المنهاج" عن وقت اعتبار القيمة، وقد يتبادر إلى الفهم من عبارتهما اعتبار وقت الجناية، وهو الذي حكاه البغوي عن النص، وقال القفال: ينبغي اعتبارها يوم الفداء؛ لأن ما نقص قبله لا يؤاخذ به السيد، وحمل350351352

الحديث: 4871 - الجزء: 3 - الصفحة: 132

النص على ما إذا صدر من السيد منع من بيعه حال الجناية ثم نقصت قيمته 355، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 576]: (بأقل القيمة يوم الفداء).
قال شيخنا الإمام البلقيني: وهو متجه، وقضية ذلك: أنه لو حصل من السيد منع وزادت قيمته .. أن النظر إلى وقت الفداء؛ لتعلق حق المجني عليه بالزيادة.
4873 - قول "التنبيه" [ص 228]: (وإن جنى مكاتب؛ فإن كان على أجنبي .. فدي نفسه بأقل الأمرين، وإن كان على مولاه .. فدي بأقل الأمرين في أحد القولين، وبأرش الجناية في الآخر) الأصح: طرد القولين في الأجنبي أيضًا، وأصحهما: فيهما الفداء بأقل الأمرين، إلا إذا أعتقه السيد بعد الجناية وفي يده وفاء .. فالمذهب: القطع بالثاني.
4874 - قوله: (فإن لم يفد .. بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة) 356 فيه أمران: أحدهما: أن محل بيعه فيها: إذا كانت قيمته قدر أرشها أو أنقص، فإن كانت أزيد .. بيع منه بقدر الجناية، واستمر الباقي مكاتبًا.
ثانيهما: ظاهر كلامه أنه لا حاجة إلى تعجيزه، والذي في كتب الرافعي والنووي: أن القاضي يعجّزه بطلب مستحق الأرش 357. 4875 - قول "المنهاج" [ص 493]: (ولا يتعلق بذمته مع رقبته في الأظهر) قال في "أصل الروضة": إنهما مستنبطان من قواعد الشافعي رحمه الله، ويقال: وجهان 358، وصرح الإمام بأنهما ليسا منصوصين 359. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن كلام الشافعي في "الأم" يشهد لخلو ذمة العبد عن التعلق بالأرش، ولم أقف على مقابله في كلام الشافعي، وعبر الماوردي عن الخلاف بعبارة أخرى، فقال: في الأرش وجهان: أحدهما: أنه يجب ابتداء في رقبته.
والثاني: وجب ابتداء في ذمته ثم انتقل إلى رقبته 360، قال شيخنا المذكور: ويستثني منه: ما لو أقر السيد بأنه جنى على عبد قيمته ألف جناية خطأ، وقال العبد: قيمته ألفان .. فنص في

الحديث: 4873 - الجزء: 3 - الصفحة: 133

"الأم" على أنه يلزم العبد بعد العتق القدر الزائد على ما أقر به سيده 361، قال شيخنا: فقد اجتمع في هذه الصورة التعلق بالرقبة والتعلق بالذمة على المذهب، لكن لم يتحد محل التعلق.
4876 - قوله: (ولو جني ثانيًا قبل الفداء .. باعه فيهما أو فداه بالأقل من قيمته والأرشين) 362 محله: ما إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع .. لزمه أن يفدي كلًّا منهما كما لو كان منفردًا، صرح به الرافعي في الكلام على جناية المستولدة 363، وأسقطه في "الروضة"، ولكن ذكر قبل ذلك: أنه لو امتنع السيد من تسليمه للبيع .. كان مختارًا للفداء 364، وهذا لا يلزم منه ما صرح به الرافعي في الكلام على المستولدة.
4877 - قوله: (ولو اختار الفداء .. فالأصح: أن له الرجوع وتسليمه) 365 هو معنى قول "الحاوي" عطفًا على المنفي [ص 577]: (والاختيار) أي: ولا باختياره الفداء؛ فإنه لا يلزمه، وفيه أمور: أحدها: أن محل الخلاف: ما إذا كان العبد حيًا، فإن مات .. فلا رجوع بحال، وقد يقال: لا يرد ذلك على "المنهاج" لقوله: (وتسليمه) ومع الموت لا يمكن التسليم.
ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ومحله أيضًا: ما إذا لم تنقص قيمته بعد اختيار الفداء، فإن نقصت .. لم يمكن من الرجوع والاقتصار على تسليم العبد قطعًا؛ لأنه فوت باختياره ذلك القدر من قيمته، فإن قال: أنا أسلمه وأغرم النقص .. قبل.
ثالثها: قال شيخنا أيضًا: لو كان يتأخر بيعه تأخرًا يضر بالمجني عليه وللسيد أموال غيره .. فليس له الرجوع قطعًا؛ للضرر الحاصل للمجني عليه بالتأخير.
رابعها: عبر في "الروضة" بالصحيح 366، فدل على ضعف مقابله، وهو أولي.
4878 - قولهما: (وإن جنت أم الولد .. فداها المولي بأقل الأمرين) 367 زاد "المنهاج": (وقيل: القولان) استثني شيخنا الإمام البلقيني من ذلك: أم ولده التي تباع؛ لأنه استولدها وهي مرهونة رهنًا لازمًا وهو معسرٌ إذا جنت جناية توجب مالًا متعلقًا بالرقبة .. فإنه يقدم حق المجني عليه على المرتهن، فإذا قال الراهن: أنا أفديها على صورة لا يكون فيها موسرًا يسارًا ينفذ به الاستيلاد

الحديث: 4876 - الجزء: 3 - الصفحة: 134

في حق المرتهن .. فيأتي القولان قطعًا، وإن لم يذكروه؛ لأنه بفدائها مانع للمجني عليه من بيعها، فتصير كالقن، فإذا فداها .. استمرت مرهونة، فإن وفي الدين من غيرها .. نفذ الاستيلاد، وإن بيعت في الدين .. استمر الرق في حق مشتريها، فإن ملكها الراهن .. نفذ الاستيلاد في الأظهر.
4879 - قول "المنهاج" [ص 493]: (وجناياتها كواحدة في الأظهر) هو معنى قول "الحاوي" [ص 577]: (وإن غرم القيمة فجنت .. استرد وَوُزِّع) وليس المراد: استرداد الكل، بل بحسب ما يقتضيه الحال، واستثنى شيخنا الإمام البلقيني من ذلك: أم الولد المرهونة المتقدم ذكرها لو جنت مرة بعد أخرى .. لا نقول: جناياتها كواحدة؛ لأنه يمكن بيعها، بل هي كالقن يجني جناية ثم أخرى قبل الفداء، فيقطع فيها بأن السيد إما أن يسلمها لتباع في الجنايتين، وإما أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها وأرش الجنايتين، ورجح شيخنا المذكور: القول الثاني، وهو: أنه يلزمه لكل جناية فداء، وحكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: والقول الثاني أحب إلينا، واختاره المزني والربيع، وصححه البغوي والخوارزمي 368، قال شيخنا: وهو المذهب الجاري على القواعد.


الحديث: 4879 - الجزء: 3 - الصفحة: 135

بابُ ودية الجنين

4880 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ودية الجنين غرة) إن: انفصل ميتًا كما صرح به "المنهاج" 369 و"الحاوي" بقوله [ص 557]: (لا حياته)، ويدل عليه ذكر "التنبيه" بعد ذلك حكم ما لو ألقته حيًا، والمراد: الجنين المحكوم بحريته وإسلامه كما صرح به "الحاوي"، وقد ذكر "المنهاج" بعد ذلك حكم الرقيق وغير المسلم، وذكر "التنبيه" حكم الرقيق، ويرد عليهما أيضًا: أنه يعتبر أن تكون الأم معصومة حال الجناية، فلو جني على حربية فأسلمت ثم أجهضت .. لم تجب الغرة على الأصح في "الروضة" وأصلها 370، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 557]: (لا حربية فأسلمت وأجهضت).
قال في "الروضة" من زيادته: قال البغوي: ويجري الوجهان فيما لو جني السيد على أمته الحامل من غيره فعتقت ثم ألقت الجنين 371. قال شيخنا الإمام البلقيني: ومراد البغوي: إذا كان الحمل ملكًا للجاني، فقد لا يكون ملكه؛ بأن يكون من زوج غر بحريتها، أو واطيء بشبهة ظنها حرة، قال شيخنا: لكن نص "الأم" فيما إذا ضرب أحد الشريكين جارية حاملًا من زوج أو زنا ثم أعتقها فأجهضت .. أنه يضمن الغرة الكاملة 372، يقتضي إيجاب الغرة في هاتين الصورتين على الجاني، وهو الذي حكاه الرافعي والنووي في تلك المسألة عن ميل أكثر الناقلين، لكنهما صححا خلافه 373، والنص هو المعتمد اعتبارًا بحال الإجهاض؛ فإنه لا تتحقق الجناية على الجنين إلا به.
4881 - قول "المنهاج" [ص 493]: (إن انفصل ميتًا بجناية في حياتها أو موتها) إن تعلق قوله: (في حياتها أو موتها) بقوله: (انفصل) .. فلا إشكال، وإن تعلق بقوله: (بجناية) .. تناول ما إذا ضرب بطن ميتة فألقته ميتًا، وبه قال القاضي أبو الطيب؛ لأنه قد يبقي في جوف الميتة حيًا، والأصل بقاء الحياة، وهو ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أن في الجنين غرة 374، وقال البغوي: لا شيء في هذه الحالة 375، وحكي في "الروضة" المقالتين بلا ترجيح 376، ورجح

الحديث: 4880 - الجزء: 3 - الصفحة: 136

شيخنا الإمام البلقيني مقالة البغوي؛ لأن الإيجاب لا يكون بالشك، قال: وقول الأول: الأصل بقاء الحياة ممنوع؛ لأنا لم نعلم له حياة حتى نقول: الأصل بقاؤها.
4882 - قول "المنهاج" [ص 493]: (وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وكذا في "الروضة" وأصلها 377، وليس كذلك، فالأصح منصوص عليه في "الأم" 378. 4883 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن ألقته حيًا ثم مات .. وجب فيه دية كاملة) كذا أطلق، وقيده "المنهاج" فقال [ص 493]: (أو حيًا وبقي زمنًا بلا ألم ثم مات .. فلا ضمان، وإن مات حين خرج أو دام ألمه ومات .. فدية نفسٍ) ولم يعتبر مع الألم الورم، وهو يشهد لما قدمنا تصحيحه في مسألة الإبرة عن "شرح الوسيط" للنووي.
4884 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن اختلفا في حياته .. فالقول قول الجاني) اعترض عليه: بأنه ينبغي أن يقول: (العاقلة) لأنهم الغارمون؛ فإن قتل الجنين لا يتصور فيه العمد.
4885 - قول "الحاوي" [ص 557]: (واثنين لبدنين) حكاه في "الروضة" وأصلها عن الإمام والغزالي والبغوي وغيرهم، قال: وحكي الروياني عن نص الشافعي خلافه 379، والنص المذكور في "الأم" في دية الجنين، ولفظه: (وإذا ألقت جنينين يجمعهما شيء من خلق الآدمي .. لم يلزم عاقلته إلا دية جنين واحد، وذلك أن تُلقي بدنين مفترقين في رأسٍ واحدٍ ... إلى آخر كلامه) 380 فكيف يعدل عن نص إمام المذهب؟ ! 4886 - قوله: (بدا في بعضه التخطيط) 381 يقتضي أنه لا بد من ظهوره، ولا يكتفي بالصورة الخفية التي تختص بمعرفتها القوابل، وليس كذلك كما صرح به "المنهاج" 382، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه خلاف نص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" في دية الجنين، ولفظه: (وأقل ما يكون به السقط جنينًا فيه غرة: أن يبين من خلقته شيء يفارق المضغة أو العلقة إصبع أو ظفر أو عين، أو ما بان من خلق ابن آدم) 383. 4887 - قول "التنبيه" [ص 223]: (وإن ألقته مضغة وشهد القوابل أنه خلق آدمي .. ففيه

الحديث: 4882 - الجزء: 3 - الصفحة: 137

قولان: أحدهما: أنه يجب الغرة، والثاني: لا يجب) الأظهر: الثاني، وهو مفهوم "الحاوي" 384، وعليه مشي "المنهاج"، لكن تعبيره بقوله: (قيل: أو قلن: "لو بقي لتصور") 385 يقتضي أنه وجه.
4888 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا يقبل في الغرة ما له دون سبع سنين) خالفه "المنهاج" و"الحاوي" فاعتبرا التمييز 386، وقد يحصل قبل هذا السن، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ليس بمعتمد، فلا بد من هذا السن مع التمييز، وقد نص عليه في "الأم" فقال: (ولهم أن يؤدوا الغرة مستغنية بنت سبع أو ثمان، ولا يؤدونها في سن دون هذه السن؛ لأنها لا تستغني بنفسها دون هذا السن، ولا يُخير المولود بين أبويه إلا في هذه السن) 387. 4889 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا يقبل خصي ولا معيب) من ذكر العام بعد الخاص؛ لأن الخصاء عيب؛ فإن المراد: العيب المثبت للرد في البيع كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 388، وذلك يفهم التفصيل في الكافر بين أن يكون مرتدًا أو جارية مجوسية أو وثنية أو غير ذلك، إلا أنه في بلاد الإسلام بحيث تقل الرغبة في الكافر، وتنقص قيمته فلا يجزئ، وبين أن يكون غيره فيجزيء كما ذكروه في الرد بالعيب، لكن في "الروضة" وأصلها: أنه لا يجبر المستحق على قبول الكافر 389، ومقتضاه: اشتراط الإسلام مطلقًا، واستغربه في "المهمات"، وقال: لا أعلم أحدًا ذكره غير الرافعي.
4890 - قول "التنبيه" [ص 223]: (ولا كبير ضعيف) أي: بالهرم؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 557]: (لم يضعف بهرم) و"المنهاج" [ص 493، 494]: (لم يعجز بهرم) وتعبيره بالأصح يقتضي أن الخلاف وجهان، ولشي كذلك؛ فإن الأصح منصوص في "الأم" 390، وأفصح "التنبيه" عن مقابله فقال [ص 223]: (وقيل: لا تقبل الجارية بعد عشرين سنة ولا العبد بعد خمس عشرة سنة) قال النووي: كذا ضبطوه بخمس عشرة؛ وعللوه: بانه لا يدخل على النساء، وكان ينبغي ضبطه بالبلوغ، ولا يقبل من بلغ لدون هذا السن 391.

الحديث: 4888 - الجزء: 3 - الصفحة: 138

4891 - قول "المنهاج" [ص 494]: (ويشترط بلوغها نصف عشر الدية) أي: بلوغ قيمتها؛ ولذلك قال "التنبيه" [ص 223]: (قيمته نصف عشر دية الأب أو عشر دية الأم) و"الحاوي" [ص 557]: (يساوي خمس إبل).
4892 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وقيل: لا يشترط، فللفقد قيمتها) يقتضي أنه وجه، وليس كذلك؛ فقد حكاه في "التنبيه" قولًا 392، وكذلك في "الروضة" وأصلها، وعبارته: فإن لم توجد الغرة .. فطريقان، أصحهما: قولان، أظهرهما: يجب خمس من الإبل، والثاني: قيمة الغرة 393. 4893 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وقيل: إن تعمد .. فعليه) يفهم أن الجناية قد تكون عمدًا محضًا ومع ذلك يجب على العاقلة في الأصح، وليس كذلك، بل الخلاف مبني على تصور العمد في الجناية على الجنين، فالمذهب: أنه لا يتصور، وإنما يكون خطا أو عمد خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجوده في حياته حتى يقصد، وعبارة "المحرر": (ولا يكون عمدًا محضًا على ظاهر المذهب) 394. 4894 - قوله: (والجنين اليهودي والنصراني الأصح: غرة كثلث غرة مسلم) 395 يقتضي أنه وجه، وهو منصوص الشافعي رضي الله عنه.
4895 - قول "المنهاج" [ص 494] و"الحاوي" [ص 558]: (والرقيق عشر قيمة أمه) أحسن من تعبير "التنبيه" [ص 223] بـ (جنين الأمة) فإنه قد يكون حرًا مع كون أمه أمة، فيجب فيه الغرة، لكن ذاك معلوم مما قدمته في وجوب الغرة.
4896 - قولهم: (يوم الجناية) 396 قال في " أصل الروضة ": الصحيح المنصوص: تعتبر قيمتها أكثر ما كانت من حين الجناية إلى الإجهاض، والذي صححه الرافعي في "الشرح": قيمة يوم الجناية، لكنه علله: بأن قيمته حينئذ أكمل غالبًا، قال: فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام .. اعتبرنا تلك الزيادة، ثم قال: وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصي القيم.
انتهى.
فلذلك عبر به في "الروضة" 397. 4897 - قول "المنهاج" [ص 494]: (لسيدها) كان ينبغي أن يقول: (لسيده) أي: الجنين؛

الحديث: 4891 - الجزء: 3 - الصفحة: 139

فقد يكون لشخص أوصى له به وتكون الأم لآخر، فالبدل لسيده لا لسيدها، وبني "المنهاج" كلامه على الغالب أن الحمل المملوك ملك لمالك الأم.
4898 - قوله: (فإن كانت مقطوعة، والجنين سليم .. قُوِّمت سليمة في الأصح) 398 قد يفهم أن النظر للجنين، حتى لو كان مقطوعًا .. قومت الأم مقطوعة، وليس كذلك، فالأصح: أنها تقوم سليمة أيضًا، فلو قال: (وعكسه) .. حصل المقصود، وعبر "الحاوي" عن ذلك بقوله [ص 558]: (لا عكسه) أي: في الصورة لا في المعنى، والمسألة الأولى واردة على إطلاق "التنبيه" أن في جنين الأمة عشر قيمة الأم 399. 4899 - قول "المنهاج": (وتحمله العاقلة في الأظهر) مكرر تقدم في الكلام على العاقلة.


الحديث: 4898 - الجزء: 3 - الصفحة: 140

بابُ كفّارة القتل

4900 - قول "الحاوي" [ص 548، 551]: (معقِّب تلفِ معصومٍ يوجب الكفارة في النفس) قد يرد عليه نساء أهل الحرب وصبيانهم؛ فإنه لا كفارة بقتلهم مع تحريمه، وقد صرح به "المنهاج" 400، وأشار إليه "التنبيه" بقوله [ص 229]: (إذا قتل من يحرم قتله لحق الله) فإن تحريم قتل هؤلاء إنما هو لحق المسلمين، وقد يقال: من هو كذلك لا يطلق عليه أنه معصوم؛ ولذلك لا يتعلق به ضمان، وظاهر كلامهم: وجوبها على الفور، وحكي الرافعي عن المتولي: أنها ليست على الفور، وهو المشهور في المذهب كما قال في "الكفاية".
ويستثنى من كلامهم: الجلاد إذا جرى على يده قتل بغير حق بأمر الإمام مع جهل الجلاد بالحال .. فلا كفارة عليه كما جزم به في "الروضة" وأصلها في قتل الحامل؛ وعلله: بأنه سيف الإمام وآلة سياسته 401. 4901 - قول "المنهاج" [ص 494]: (وإن كان القاتل صبيًا، ومجنونًا) قد يفهم إعتاق الولي عنهما من مالهما، وبه صرح في "أصل الروضة" هنا 402، لكن يخالفه قوله في (الصداق): لو لزم الصبي كفارة قتل فأعتق الولي عنه عبدًا لنفسه .. لم يجز؛ لأنه يتضمن دخوله في ملكه وإعتاقه عنه، وإعتاق عبد الطفل لا يجوز 403. 4902 - قوله: (وعامدًا، أو مخطئًا) 404 و"التنبيه" [ص 229]: (عمدًا أو خطأ) كان ينبغي أن يذكرا شبه العمد.
4903 - قول "المنهاج" [ص 494]: (ومتسببًا) كان ينبغي أن يذكر الشرط كما فعل "الحاوي" 405، إلا أن يدعي دخوله في السبب بتأويل.
4904 - قول "المنهاج" في المقتول [ص 494]: (وذمي) كان ينبغي ذكر المستأمن أيضًا، وقد دخل في قول "التنبيه" [ص 229]: (من يحرم قتله لحق الله) و"الحاوي" [ص 548]: (بإيمان وأمان)، وقد دخل في عبارتهم الإذن في قتل نفسه، صحت الكفارة بقتله في الأصح، وقد يفهم قول "المنهاج" فيما تقدم: أنه هدر خلافه.

الحديث: 4900 - الجزء: 3 - الصفحة: 141

4905 - قول "المنهاج" عطفًا على المنفي [ص 494]: (وباغ) أي: في حالة القتال، وقد يفهم أن الباغي إذا قتل العادل في حالة القتال .. لزمته الكفارة، والأصح: خلافه، فكان ينبغي أن يقول: (وباغ وعادل في القتال) لكن نقل شيخنا الإمام البلقيني عن النص: أنه لا يلزم الباغي الكفارة ولو قتل في غير حالة القتال مع وجود المنعة والتأويل، وسيأتي ذلك في (قتال البغاة).
4906 - قول "التنبيه" [ص 229]: (وإن اجتمع جماعة في قتل رجل واحد .. وجب على كل واحد منهم كفارة، وقبل: فيه قول آخر: أنه يجب عليهم كفارة) يقتضي أن في المسألة طريقين: أحدهما: حاكية لقولين، وأن الراجح: طريقة القطع، والمنقول في "الروضة" وأصلها: أن الخلاف وجهان 406، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 494]: (وعلى كل من الشركاء كفارةٌ في الأصح) لكن قال الماوردي: إن وجوب كفارة على كل واحد هو منصوص الشافعي في كتبه 407. 4907 - قول "التنبيه" [ص 229]: (فإن لم يستطع - أي: الصيام - .. ففيه قولان، أحدهما: يطعم ستين مسكينًا كل مسكين مدًا من طعام، والثاني: لا يطعم) الثاني هو الأظهر، وعليه مشي "المنهاج" هنا و"الحاوي" في (كفارة الظهار) 408، وعلى هذا: فلو مات قبل الصوم .. أخرج من تركته لكل يوم مد، لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان.


الحديث: 4905 - الجزء: 3 - الصفحة: 142

بابُ (1) ودعوى الدّم والقسامة

4908 - قول "المنهاج" [ص 495]: (يُشترط أن يُفصِّل ما يدعيه من عمدٍ وخطأٍ) كان ينبغي أن يقول: (وشبه عمد).
كما ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 410. 4909 - قولهما: (وانفرادٍ وشركةٍ) 411 إن أريد: تفصيل الشركة ببيان عدد الشركاء .. فالأصح: أنه يجب في القتل الموجب للقود، وإن أريد: إطلاقها .. ورد أنه لا خلاف في البيان فيما يوجب الدية؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 665]: (بحصر لا في العمد).
4910 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (فإن أطلق .. استفصله القاضي) 412 قد يفهم وجوبه، والذي في "أصل الروضة ": الصحيح المنصوص، وبه قطع الجمهور: يستفصل، وربما وجد في كلام الأئمة ما يشعر بوجوب الاستفصال، وإليه أشار الروياني، وقال الماسرجسي: لا يلزم الحاكم أن يصحح دعواه، ولا يلزمه أن يستمع إلا إلى دعوى محرره، وهذا أصح.
انتهى 413. وعبارة الشافعي رضي الله عنه: (وينبغي للحاكم) 414، وقال الماوردي: يلزم الحاكم الاستفصال في العمد وشبه العمد، وحكي وجهين في الخطأ، وصحح: أنه يلزمه 415. وهل يختص هذا الاستفصال بالدماء؛ لخطرها، أو يتعدي إلى غيرها من الدعاوي؟ قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه محتمل، والقياس: الثاني، وظاهر كلامهم: أنه لا يكتفي بكتابة رقعة بالمدعي والدعوي بما فيها، وفيه وجهان في "الكفاية".
4911 - قول "المنهاج" [ص 495]: (فلو قال: "قتله أحدهم" .. لم بحلفهم القاضي في الأصح) لو قال: (لم يسمع الدعوي) .. لكان أولي، مع أنه مفهوم من اشتراط تعيين المدعي عليه، ومن قوله بعده: (ويجريان في دعوي غصب) 416 وعبارة "الحاوي" [ص 665]: (على معين) وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 261]: (وإن ادعى قتلًا .. ذكر القائل).409

الحديث: 4908 - الجزء: 3 - الصفحة: 143

ويستثنى من كلامهم: ما إذا ظهر لوث في حق جماعة .. ففي "أصل الروضة" في أول مسقطات اللوث: أنه لو قال: (القاتل أحدهم ولا أعرفه) .. فلا قسامة، وله تحليفهم، فإن حلفوا إلا واحدًا .. فنكوله يشعر بأنه القاتل، ويكون لوثأ في حقه، فإذا طلب المدعى أن يقسم عليه .. مكن منه على الأصح.
انتهى 417. فيستفاد من قوله: (وله تحليفهم) سماع الدعوي مع الإيهام؛ فإن التحليف فرع الدعوي، لكن في "المهمات" أن المذكور هناك خلاف الصحيح، وأن الرافعي قلد فيه الغزالي ذاهلًا عما تقدم، والغزالي ممن يصحح سماع الدعوى على غير معين.
4912 - قول "المنهاج" [ص 495]: (ويجريان في دعوي غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ) ضابطه: أن يكون سبب الدعوي ينفرد به المدعي عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوي القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ بالاختيار.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ولو نشأت عن معاملة وكيله أو عبده المأذون وماتا، أو صدرت عن مورثه .. احتمل إجراء الخلاف للمعنى، واحتمل ألا يجري؛ لأن أصلها معلوم، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
4913 - قوله: (وإنما تسمع من مكلف ملتزم) 418 لا يختص ذلك بدعوي الدم، بل يأتي في كل دعوي، وعلى ذلك مشي "الحاوي" 419، وأورد عليه شيخنا الإمام البلقيني أمرين: أحدهما: أن المعاهد ليس بملتزم؛ ولهذا لا يقطع بالسرقة على الأظهر، ولا توقف في سماع دعواه بماله الذي استحقه على مسلم أو ذمي أو مستأمن مثله، ولا في دعواه دم مورثه الذمي والمستأمن.
ثانيهما: أن امتناع سماع دعوي الحربي لا يتحقق؛ لأنه إن كان مع استحقاقه لما يدعي من دم ذمي أو معاهد ورثه في حال ذمته، ثم نقض العهد، والتحق بدار الحرب، ثم جاء يطلب مستحقه .. فطلبه لذلك يؤمّنه، فتنتفي الحرابة، وإن كان لأنه لا يستحق شيئًا من ذلك .. فممنوع؛ فقد يستحقه في حال ذمته ثم ينقض العهد ويلتحق بدار الحرب، بل ويستحقه في حرابته، فإذا اقترض حربي من حربي أو اشتري منه ثم أسلم المقترض أو المشتري، أو دخل إلينا بأمان .. فالمنصوص المعتمد: أن دين الحربي باقٍ، ولو اقترض منهم مسلم في دار الحرب شيئًا أو اشتراه ليبعث إليهم ثمنه، أو أعطوه شيئًا ليبيعه بدار الإسلام ويبعث ثمنه إليهم .. لزمه ذلك،

الحديث: 4912 - الجزء: 3 - الصفحة: 144

وحينئذ .. فتسمع دعوى الحربي بذلك، لكنه يصير في أمان بطلب ذلك كما تقدم.
وبتقدير تسليم أنه لا يستحق شيئًا من ذلك .. فإخراجه من الدعوي ليس من جهة الالتزام، بل لأنه لم يثبت له حق، وفي "المهمات": أن قول الرافعي والنووي: أنه لا تسمع دعوي حربي 420 ذهول عن قواعد مذكورة في السير؛ فقد نصوا هناك على أن الحربي لو دخل إلينا بأمان وأودع عندنا مالًا ثم عاد للاستيطان .. لم ينتقض الأمان فيه على الصحيح، حتى لو كان من ذلك عبد كافر فقتله كافر .. طالبه الحربي بالقصاص أو الدية، وكذا لو أسلم العبد ولم يتفق بيعه فقتله مسلم، ثم ذكر ما تقدم من اقتراض حربي أو مسلم، من حربي شيئًا، وعبارة "التنبيه" [ص 261]: (لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدعيه) وأورد عليه أمور 421: أحدها: أنه تسمع دعوي السفيه بالمال الثابت له بسبب الجناية، فإذا آل الأمر إلى القبض .. قبضه الولي كما في "أصل الروضة" في دعوي الدم 422، وهو مقتضي كلام "المنهاج" و"الحاوي"، ونقل ابن الرفعة عن القاضي حسين: أنها لا تسمع.
ثانيها: دعوي الرقيق العتق أو تعليقه بصفة أو الاستيلاد أو التدبير .. فالمذهب في زيادة "الروضة" في آخر الباب الأول من (الدعاوي): أنها تسمع.
ثالثها: دعوي المرأة النكاح؛ فإنها غير مطلقة التصرف فيه، والمنقول: الصحة إن اقترن بها دعوي حق من حقوق الزوجية؛ كمهر ونفقة وغيرهما، وكذا إن لم تقترن في الأصح.
رابعها: دعوي الحسبة فيما تقبل فيه شهادة الحسبة، فيه وجهان حكاهما الرافعي في (الشهادات)، لكن جزم في (الدعاوي) بأنها لا تسمع 423، وهو المعتمد، وإن أوهم كلامه في السرقة خلافه؛ فهو مُأَوَّل.
خامسها: دعوي المفلسِ المالَ مسموعة.
سادسها: حكي في "التوشيح" عن والده: أنه كان يسمع دعوي كل مستحقي الوقف وإن لم يكن ناظرًا، قال: وفي "تعليقة القاضي الحسين" بعد أن ذكر ما إذا ادعى المدعي أن هذه الدار وقف عليَّ: له أن يجيء كل شهر ويدعي عليه أجرة الدار، فيقول: أستحق عليه كذا وكذا درهمًا ما يكون أجرة مثل تلك الدار.
4914 - قول "المحرر": (ولا تسمع الدعوى على الصبي والمجنون، وتسمع على المحجور

الحديث: 4914 - الجزء: 3 - الصفحة: 145

عليه بالفلس والسفه والرق) 424 عدل عنه "المنهاج" إلى قوله [ص 495]: (على مثله) أي: مكلف ملتزم، ولم يتعرض في "الروضة" وأصلها لاشتراط الالتزام في المدعي عليه، وكذا لم يتعرض له "الحاوي"، بل اقتصر على التكليف 425. وقال شيخنا الإمام البلقيني: تصح الدعوى على المستأمن وإن لم يكن ملتزمًا، وكذا على الحربي بإتلاف في حال التزامه، ولا تصح الدعوى عليه بإتلاف في حال حرابته.
انتهى.
ومقتضى كلام "المنهاج": سماع دعوى الدم على السفيه، وبه صرح في "المحرر"، وفيه تفصيل، وهو أنه إن كان هناك لوث .. سمعت، ويقسم المدعي، وإلا؛ فإن ادعى ما يوجب القصاص .. سمعت؛ لأن إقراره به مقبول، وإلا .. سمعت أيضًا، ثم إن قبلنا إقراره بالإتلاف .. حكم عليه إن أقر أو بالبينة، وإلا - وهو الأصح - .. حكم عليه بالبينة إن أنكر، وله أن يحلفه إن قلنا: يمين الرد كالبينة، فربما نكل، وإن قلنا: كالإقرار .. فلا في الأصح، كذا في "الروضة" وأصلها 426، وذكر شيخنا الإمام أمرين: أحدهما: أنا إذا فرعنا على أن إقرار السفيه بالإتلاف لا يقبل .. لم تسمع الدعوى، وقال: إنه قضية البناء المعتبر، ثم قال: ولو قيل: تسمع الدعوى؛ فإن قامت البينة .. فذاك، وإن لم تقم البينة وحلف السفيه .. انقطعت الخصومة، وإن لم يحلف ونكل .. لم ترد اليمين .. لكان له وجه.
ثانيهما: أنا إذا جعلنا النكول مع اليمين المردودة كالبينة .. فهو تقديري لا يتعدي إلى ثالث على المشهور، ومال السفيه بمنزلة الثالث، فلا يؤخذ بمجرد البينة التقديرية.
4915 - قول "المنهاج" [ص 495]: (ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر .. لم تُسمع الثانية) أحسن من قول "الحاوي" [ص 665]: (كانفراده بقتل ثم شركة آخر) لتناول الأولى دعواه على آخر انفرادًا، فلو قال "الحاوي": (ثم آخر) .. لتناول الشركة والانفراد، وكان أخصر وأعم كـ "المنهاج".
ويستثنى من كلامه: ما إذا صدقه الثاني .. فإنه يؤاخذ بإقراره وتسمع الدعوى عليه على الأصح في "أصل الروضة" 427، ولهذا قال في "الحاوي" [ص 665]: (ويؤاخذ المصدق)، وقد يفهم كلامهما بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأول ولم يمض حكم .. لم

الحديث: 4915 - الجزء: 3 - الصفحة: 146

يمكن العود إليه، جزم به في "الروضة" وأصلها 428، وسكت عما إذا كان ذلك بعد الحكم وأخذ المال.
وقال فيه شيخنا الإمام البلقيني: إن قال: إن الأول ليس قاتلًا .. رد عليه المال، وإن قال: إنهما مشتركان فيه .. فهل يرد القسط فقط، أو نقول: يرتفع ذلك من أصله وتنشأ أقسامه على الاشتراك الذي ادعاه آخرًا؟ هذا موضع تردد، وقياس الباب: الثاني.
وفي "أصل الروضة" لو قال: ظلمته بالأخذ .. سئل؛ فإن قال؛ كذبت في الدعوى وليس قاتلًا .. رد المال، وإن قال: أردت أن معتقدي أن المال لا يؤخذ بيمين المدعي .. لم يرده؛ لأن النظر إلى عقيدة الحاكم دون الخصم 429. قال شيخنا الإمام البلقيني: فإن مات ولم يسأل .. فالظاهر أن الوارث يرد المال، ولم يتعرضوا له.
4916 - قول "الحاوي" [ص 665]: (وإن فسّر بغيرٍ) أعم من قول "المنهاج" [ص 495]: (أو عمدًا ووصفه بغيره) لتناول الأول ما إذا ذكر خطأ أو شبه عمد وفسره بعمد، وحكم الكل واحد، وقول "المنهاج" [ص 495]: (لم يبطل أصل الدعوى في الأصح) و"الحاوي" [ص 665]: (بقي أصلها) قد يفهم بطلان الوصف، وأنه لا بد من دعوي جديدة، وليس كذلك؛ فالذي في "الروضة" وأصلها: أنه يعتمد تفسيره ويمضي حكمه 430، وكان ينبغي أن يقول "المنهاج": (بطلت الدعوى بالعمد، وبقيت الدعوى بما فسره) و"الحاوي": (بقي أصلها بما فسره).
ودخل في عبارة "المنهاج" تفسير العمد بالخطأ وبشبه العمد، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الموجود في كلام الأصحاب تخصيص الخلاف بما إذا ادعى العمد ثم فسر بعمد الخطأ، إلا الماوردي؛ فإنه جعل الخلاف في التفسير بالخطأ، وعندي أنه تترتب الثانية على الأولى، فإن منعنا في الأولى .. ففي الثانية أولي، وإن جوزنا في الأولى .. فهنا وجهان؛ لأن العمد قد يلتبس بعمد الخطأ، بخلاف الخطأ المحض، والأصح: أنه يقسم؛ لاشتراكهما في الرجوع من الأغلظ إلى الأخف.
ونازع شيخنا فيما إذا ادعى خطأ وفسر بعمد؛ فإنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى، ومقتضى إيجاب القصاص على قول في القسامة أو في غير اللوث باليمين المردودة، وذلك شديد المنافاة للخطأ، فيرتب هذا على عكسه، وأولى بألَّا يقسم، قال: ولم يفصلوا بين العارف، فلا يقبل منه

الحديث: 4916 - الجزء: 3 - الصفحة: 147

الانتقال إلا إذا ادعى سبق لسان ونحوه، وبين غيره، فيقبل منه، ولا بين أن يذكر تأويًا أو لا، وللنظر فيه مجال بمقتضي النظائر.
انتهى.
4917 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وتثبت القسامة في القتل بمحل لوث) 431 محله: ما إذا لم يُعرف أن القاتل غير المدعى عليه ببينة أو إقرار أو علم الحاكم، قيده بذلك شيخنا الإمام البلقيني، وهو واضح؛ ويدل له ما ذكره في "الروضة" وأصلها في مسقطات اللوث: أنه لو قامت بينة بعد إقسام المدعي، وحُكْم القاضي بموجب القسامة على أن القاتل غيره .. نقض الحكم واسترد المال 432، ويوافقه قول "الحاوي" [ص 686]: (إنه لو قامت بينة بغيبته .. نقض الحكم بها).
4918 - قول "المنهاج" [ص 495]: (وهو: قرينة لصدق المدعي) أحسن من قول "التنبيه" [ص 266]: (واللوث: أن يوجد القتيل في محلة أعدائه ... إلى آخره) لإيهامه الانحصار فيما ذكر، مع أنه لا ينحصر فيه، ومع ذلك فأورد عليه شيخنا البلقيني: أنه لا يكفي مطلق قرينة لصدق المدعي، بل لا بد فيها من أن يغلب ويوقع في القلب صدقه، وحكي نصوصًا للشافعي توافقه، وكلامًا للماوردي يدل عليه، ويوافقه قول "أصل الروضة": إنه قرينة تثير الظن وتوقع في القلب صدق المدعي 433، و"الحاوي" [ص 685]: (قرينةٌ مغلّبةٌ) ولا يرد ذلك عندي على "المنهاج" فإنها لا تكون قرينة لصدقه إلا مع الغلبة والوقوع في القلب، فأما القرينة المرجوحة إما لضعفها أو لمعارضة ما هو أقوى منها .. فإنها لا تدل على الصدق، فليست قرينة لصدقه، وكلامهم في مسقطات اللوث يدل له، والله أعلم.
4919 - قول "المنهاج" [ص 495]: (بأن وجد قتيل في محلة أو قرية صغيرة لأعدائه) و"الحاوي" [ص 685]: (كقتيل في محلة عدو) فيه أمور: أحدها: وجود بعض القتيل كافٍ إذا تحقق موته، سواء وجد رأسه أو بدنه، أقله أو أكثره، ذكره في "أصل الروضة" قبيل كيفيه القسامة، قال: وإذا وجد بعضه في محلة وبعضه في أخرى .. فللولي أن يعين ويقسم 434. ثانيها: أنه يكفي أن يكونوا أعداء لقبيلته كما جري في الأنصار واليهود، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وحكاه عن النص.

الحديث: 4917 - الجزء: 3 - الصفحة: 148

ثالثها: أنه لو وجد بقربها .. كان كذلك كما قاله المتولي، وهذه الثلاثة واردة على "التنبيه" أيضًا.
رابعها: اعتبر في "التنبيه" ألَّا يخالطهم غيرهم 435، وقال في "أصل الروضة": الصحيح: أنه ليس بشرط، وإنما يشترط ألَّا يساكنهم غيرهم 436، وتبعه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" فاستدرك ذلك على "التنبيه" 437، لكنه خالف ذلك في "شرح مسلم"، فحكي عن الشافعي اعتبار ألَّا يخالطهم غيرهم 438، وفي "المهمات": إنه الصواب الذي عليه الفتوي؛ فقد نص عليه الشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب، بل جميعهم إلا الشاذ، ثم بسط ذلك، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه المذهب المعتمد.
ويشترط ألَّا يكون المخالط لهم صديقًا للمقتول، ولا من أهله، فإن كان كذلك .. لم تمتنع القسامة، قاله ابن أبي عصرون في "المرشد" وغيره، وقضية خيبر تدل له؛ فإن أخاه كان معه، فيلحق به ما في معناه، وقال العمراني في "الزوائد": لو لم يدخل ذلك الموضع غير أهله .. لم يشترط فيه العداوة.
4920 - قول "المنهاج" [ص 495]: (أو تفرق عنه جمع) قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كلام ناقص، والموجود في كلام "المختصر": (وكذلك لو دخل نفر بيتًا أو صحراء وحدهم، أو صفين في حرب أو ازدحام في جماعة، فلا يفترقون إلا وقتيل بينهم) 439 وهو معنى نص "الأم" و"البويطي" 440، فاعتبر أن يكونوا وحدهم، وجري على ذلك الشيخ أبو حامد وغيره، وزاد الماوردي على ذلك، فقال: أن تدخل جماعة بيتًا أو بستانًا محظورًا ينفردون فيه، ثم قال؛ لأن ما انفردوا فيه من الدار والبستان ممنوع من غيرهم إلا بإذنهم 441. ومعني قوله: (محظورًا): أن يكون له حظيرة دائرة تمنع من دخول غير الجماعة من ناحية أخرى، وهو ظاهر نص "البويطي" حيث قال: وكذلك البيت الذي لا منفذ له.
انتهى.
ولذلك قال "الحاوي" [ص 685]: (أو جمع محصور) وعبارة "التنبيه" [ص 266]: (أو تتفرق جماعة عن قتيل في دار) وقد يقال: إنما احترز "الحاوي" عما إذا تفرقا عنه جمع لا يتصور

الحديث: 4920 - الجزء: 3 - الصفحة: 149

اجتماعهم على القتيل .. فلا تسمع الدعوى عليهم، وهو الذي ذكره الرافعي في عبارة "الوجيز"، لكن لو ادعى الولي على عدد منهم يتصور اجتماعهم .. قال الرافعي: فينبغي أن تسمع ويمكن من القسامة؛ كما لو ثبت لوث على محصورين فادعى على بعضهم 442. 4921 - قول "الحاوي" [ص 685]: (أو صفِّ الخصم المقاتل) محله: ما إذا التحم القتال أو كان يصل سلاح أحد الصفين إلى الآخر رميًا أو طعنًا أو ضربًا، وإلا .. فإنما يكون لوثًا في حق أهل صفه هو؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 495]: (فإن التحم قتالٌ .. فلوثٌ في حق الصف الآخر، وإلا .. في حق أهل صفه) ويرد عليه: ما إذا لم يلتحم ولكن وصل سلاح أحدهما.
4922 - قول "الحاوي" [ص 685]: (أو صحراء برجل بسكين) لم يتعرض تبعًا لـ "الوجيز" لتلطيخها بالدم، وقال الرافعي: لا يبعد ألَّا يشترط، لكن أكثرهم تعرض له 443، ومحله أيضًا: ما إذا لم يكن هناك ما يمكن إحالة القتل عليه من سبع أو غيره، فإن كان .. لا لوث، وعبارة "التنبيه" [ص 266]: (أو يُري القتيل في موضع لا عين فيه ولا أثر، وهناك رجل مخضب بالدم) فاعتبر التلطيخ بالدم، وألَّا يكون هناك غيره، ولا يرد عليه ما أورده ابن يونس في "التنويه" من أن ظاهره التناقض؛ لأن الرجل عين والدم الذي يخضب به أثر؛ لأن المراد: نفي ما عدا ذلك الرجل، ولا يخفى أنه لا بد أن يكون القتيل طريًا.
4923 - قولهما - والعبارة لـ "المنهاج": (وشهادة العدل لوثٌ) 444 يقتضي اعتبار صيغة الشهادة عند حاكم بعد دعوي، وليس كذلك؛ ففي "أصل الروضة": سواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت 445، وذكره الرافعي بحثًا، وقال: إن في لفظ "الوجيز" إشعارًا به 446. وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه مقتضى كلام الشافعي والأصحاب، وفي "المهمات" عن "النهاية" عن الأصحاب أن سبيلها سبيل سائر الشهادات، ثم رأي هو لنفسه ما ذكره الرافعي 447، والاكتفاء بالمتقدم على الدعوى يقتضي أنه لا تعتبر صيغة الشهادة، وممن صرح به الصيدلاني كما نقله شيخنا الإمام البلقيني، وفي "المهمات": أنه حكي وجهين في الاكتفاء بصيغه الخبر، ونقل الرافعي عن "التتمة" حمل كونه لوثًا على ما إذا فرعنا على أن الحكم باليمين والشهادة مرجحة، فإن قلنا: الحكم بالشهادة أو بهما .. لم يكن لوثًا، ولكن يحلف المدعي مع شاهده إلا أنه لا يثبت

الحديث: 4921 - الجزء: 3 - الصفحة: 150

القصاص، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إذا شهد العدل عند الحاكم على الوجه المعتبر وكان في خطأ أو شبه عمد .. لم يكن لوثًا، صرح به الماوردي 448، وهو ظاهر؛ لأن مقتضي اللوث نقل اليمين إلى جانب المدعي، وهي هنا في جانبه ابتداء، وقول الرافعي: إن شهد العدل الواحد بعد دعوي المدعي .. فاللوث حاصل 449 يمكن حمله على العمد المحض؛ لعدم ثبوته بشاهد ويمين، وفي "النهاية" عن الأصحاب: لو أقام شاهدًا واحدًا وأراد أن يقدره لوثًا .. حلف خمسين يمينًا، أو لا .. حلف معه على قياس اليمين مع الشاهد، ثم استشكله: بأنا إن قلنا: يحلف مع الشاهد خمسين يمينًا .. فلا فائدة في هذا التقسيم، وإن قلنا: يمينًا واحدة والقتل خطأ .. فلا معنى لتقسيم إرادته، ويكفيه يمين واحده 450، قال شيخنا: وجوابه: أن فائدة التقسيم أنا عند جعله لوثًا .. لا يحتاج إلى لفظ شهادة ولا تقدم دعوي ولا استدعاء، وإذا لم نجعله لوثًا .. احتجنا إلى ذلك.
4924 - قول "المنهاج" [ص 495]: (وكذا عبيد أو نساء) فيه أمور: أحدها: ظاهره اعتبار صيغة الشهادة، وأصرح منه في ذلك قول "التنبيه" [ص 266]: (أو شهد جماعة من النساء أو العبيد بذلك) مع أنها لا تعتبر في العدل كما تقدم فكيف بالعبد والمرأة.
ثانيها: تناول إطلاقهما ما لو جاؤوا مجتمعين، وكذا صححه في "أصل الروضة" 451، وعبارة الرافعي: إنه أقوى، لكنه قال: إن مقابله أشهر 452، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ظاهر نص "الأم" و"المختصر" حيث قال: أو تأتي ببينة متفرقة من المسلمين من نواحي لم يجتمعوا 453، قال: والمعروف عند الأصحاب الجري على اعتبار تفرقهم وهو المذهب، وقول الرافعي: إن مقابله أقوى ممنوع، بل الأقوي لتحصيل الظن المؤكد: اشتراط تفرقهم.
انتهى.
وفي "المهمات": إن الفتوى على اشتراط تفرقهم، قال: ويشترط أيضًا ألَّا يمضي زمان يمكن فيه اتفاقهم؛ بأن يتفرقوا ثم يخبروا كما حكاه في "البيان" عن أكثر الأصحاب 454، وهو ظاهر.
ثالثها: مقتضى عبارتهما: أنه لا يكتفى باثنين، وهو مقتضى عبارة "الروضة" وأصلها، ثم قالا: وفي "التهذيب": أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجمع، وفي "الوجيز": أن

الحديث: 4924 - الجزء: 3 - الصفحة: 151

القياس أن قول واحد منهم لوث 455، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 685]: (وقول راو) وفي "النهاية" و"البسيط" عن الأصحاب اعتبار عدد يبعد عن التواطؤ 456، فإن صح ذلك .. تقيد به كلام "التنبيه" و"المنهاج"، وفي "المهمات": إن الحكم ما ذكره البغوي من الاكتفاء باثنين؛ فقد جزم به الماوردي 457، وحكاه عنه في "البحر"، وارتضاه، وجزم به الخوارزمي في "الكافي" ومحمد بن يحيي في "المحيط"، وفي "الذخائر" عن اختيار الإمام: الاكتفاء بواحد.
رابعها: لم يصرحا في النساء والعبيد بأن يكونوا ممن تقبل روايتهم، ولا بد منه، وهو مفهوم من قول "المنهاج" بعده [ص 495]: (وقول فسقةٍ وصبيانٍ وكفارٍ لوثٌ في الأصح).
ونازع في ذلك شيخنا الامام البلقيني، وقال: الأصح: أنه ليس بلوث، وقال الشيخ أبو محمد: ليس بلوث من الكفار، قال شيخنا: وهذا له تعلق بظاهر النص في التقييد بالمسلمين.
انتهى.
ويوافقه قول "الحاوي" [ص 685]: (وصبية وفسقة) فلم يذكر الكفار، ولا يقال: هم مندرجون في لفظ الفسقة؛ لمغايرتهم لهم عرفًا، ولا يلزم من قبول مطلق الفسقة قبول الكفار، وأيضًا فالكافر قد يكون عدلًا في دينه.
4925 - قوله: (وإن لم يكن أثر جرحٍ وتخنيقٍ) 458 ينبغي حمله على نفي هذين الأثرين بخصوصهما لا على نفي الأثر مطلقًا؛ فإنه لا قسامة إذًا على الصحيح، وحمله صاحب "التعليقة" على العموم، ثم استدرك عليه، وقال البارزي: تبع في ذلك "الوجيز"، والظاهر أن مراده - يعني: الغزالي -: أنه لا يبطل بانتفاء الأثر مطلقًا؛ فإنه قال في "الوسيط": وليس من مبطلات اللوث عندنا ألَّا يكون على القتيل أثر؛ لأن القتل [بالتخنيق] 459 ممكن بحيث لا يظهر أثره 460، لكنه خلاف الأصح، وفي "المهمات": أن المذهب المنصوص وقول الجمهور: ثبوت القسامة وإن لم يوجد أثر أصلًا، ثم بسط ذلك.
4926 - قول "التنبيه" [ص 226]: (وإن ادعى أحد الوارثين القتل على واحد في موضع اللوث وكذبه الآخر .. سقط اللوث في أحد القولين، ولم يسقط في الآخر) رجح الرافعي والنووي

الحديث: 4925 - الجزء: 3 - الصفحة: 152

الأول 461، وعليه مشى "الحاوي" فقال عطفًا على المنفي [ص 686]: (وكُذِّب وارثٌ) و"المنهاج" فقال [ص 495]: (بطل اللوث، وفي قولٍ: لا، وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسقٍ) ورجح شيخنا الإمام البلقيني الثاني، قال؛ لأن الشافعي رضي الله عنه قطع به في موضع من "الأم" و"المختصر"، واختاره المزني 462، وقدمه الشافعي في كل موضع، وصححه البغوي 463، والدليل يعضده، ثم إن الأول مقيد بقيدين: أحدهما: أن محله فيما إذا لم يثبت اللوث بشاهد واحد في خطأ أو شبه عمد، فإن كان كذلك .. لم يبطل بتكذيب أحدهما قطعًا، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وهو واضح.
ثانيهما: محله أيضًا في المعين لا في أهل محلة ونحوهم ثبت في حقهم لوث، فعين أحد الوارثين واحدًا منهم وكذبه الآخر، وعين غيره ولم يكذبه أخوه فيما قال .. فلا يبطل حق الذي كذب من الذي عينه؛ لبقاء أصل اللوث، وانخرامه إنما هو في ذلك المعين الذي تكاذبا فيه، ولاسيما إذا كالن القتل خطأ أو شبه عمد وعاقلة المعينين واحدة كأب وابن، ذكره شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وقال: لا بد منه، والنص يشهد له.
4927 - قول "المنهاج" [ص 495]: (ولو قال أحدهما: "قتله زيد ومجهول") أي: عندي، فلو عبر بقوله: (لا أعرفه) كما عبر به غيره .. لكان أولى.
4928 - قوله: (ولو ظهر لوث بأصل قتلٍ دون عمدٍ وخطأ .. فلا قسامة في الأصح) 464 صورته: أن يفصل الدعوى ويظهر اللوث بأصل القتل دون صفته، أو لا يفصل ويحتمل جهالة الدعوى، قال الرافعي: وهذا يدل على أن القسامة على قتل موصوف يستدعي ظهور اللوث في قتل موصوف، وقد يفهم من إطلاق الأصحاب الاكتفاء بظهوره في أصل القتل، وله أن يقسم على القتل الموصوف، قال: وليس ببعيد، وكما لا يعتبر ظهوره فيما يرجع إلى الانفراد والاشتراك لا يعتبر في ظهور العمد والخطأ 465. قال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا الذي بحثه الرافعي هو الذي يظهر من كلام الشافعي وأصحابه، فمتي ظهر لوث وفصل الولي .. سمعت الدعوى وأقسم بلا خلاف، ومتي لم يفصل .. لم تسمع ولم يقسم على الأصح.
4929 - قول "التنبيه" [ص 267]: (وإن كان الدعوى في طرت.
فاليمين على المدعى عليه،

الحديث: 4927 - الجزء: 3 - الصفحة: 153

وفي التغليظ بالعدد قولان) الأظهر: نعم، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 686]: (كسائر أيمان الجراح).
4930 - قول "المنهاج" [ص 496]: (ولا يقسم في إتلاف مال العبد في الأظهر) رجح شيخنا الإمام البلقيني القطع به، وقال: نص في "الأم" و "مختصر المزني" و "البويطي" عليه 466، ولم أقف على مقابله، وحكاه الماوردي عن المحققين 467، وقول "التنبيه" [ص 266]: (ويقضي له بالدية) يفهم مقابله، وقد يقال: بناه على الغالب.
4931 - قول "التنبيه" [ص 266، 267]: (وإن ادعى القتل على رجل مع اللوث وأقر آخر أنه قتله .. لم يسقط حق الولي من القسامة) قال في "الكفاية": أي: إذا لم يطالبه بموجب إقراره، فإن طالبه .. بطل اللوث بالنسبة للأول، ووجب رد ما أخذه منه.
4932 - قول "المنهاج" [ص 496]: (وهي: أن يحلف المدعي على قتلٍ ادعاه خمسين يمينًا) فيه أمران: أحدهما: أورد عليه شيخنا الإمام البلقيني: أنه قد يكون الحالف غير المدعي فيما إذا أوصى للمستولدة سيدها بقيمة عبده وهناك لوث .. فلها الدعوى بذلك على المنصوص المعتمد، وليس لها أن تقسم على الأظهر، وإنما يقسم الوارث، وهذه واردة أيضًا على قول "التنبيه" [ص 266]: (حلف المدير خمسين يمينًا) وقد ذكر "المنهاج" بعد ذلك من يقسم بقوله [ص 496]: (ومن استحق بَدَلَ الدم .. أقسم) وأفصح به "الحاوي" بقوله [ص 685]: (كالوارث ولو في العبد الموصَي بقيمته).
ثانيهما: أورد عليه شيخنا أيضًا: الجنين، فيقسم عليه في محل اللوث كما صرح به الماوردي 468، واقتضاه كلام غيره، ولا يسمى هذا قتيلًا، إنما يطلق القتيل على من تحققت فيه الحياة المستقرة، وفيما ذكره شيخنا في ذلك انظر؛ فالأقسام يجيء في قد الملفوف مع أنا لا نتحقق فيه حالة القتل حياة مستقرة، وقد يقال: المراد: تحقق الحياة المستقرة في الجملة، وقد تحققت قبل ذلك، بخلاف الجنين، والله أعلم.
4933 - قول "المنهاج" [ص 496]: (ولا يشترط موالاتها على المذهب) كذا في "الروضة"، ثم قال: وقيل: وجهان، وأخذه من قول الرافعي: وهو الذي أورده أكثرهم 469، وقد يقال:

الحديث: 4930 - الجزء: 3 - الصفحة: 154

لا يدل ذلك على القطع؛ فلعلهم جزموا بالصحيح، وكان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص في "الأم" و"المختصر" 470، وذكر في "المطلب" أن مقابله منصوص أيضًا، ونازعه في ذلك شيخنا الإمام البلقيني.
4934 - قوله: (ولو مات .. لم يبن وارثه على الصحيح) 471 كان ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص في "الأم" و"المختصر" 472. 4935 - قول "التنبيه" [ص 266]: (فإن كان المدعي جماعة .. ففيه قولان، أحدهما: يحلف كلل واحد منهم خمسين يمينًا، والثاني: تقسم عليهم الخمسون على قدر مواريثهم ويجبر الكسر) الثاني هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 473، وأورد شيخنا الإمام البلقيني: أن ظاهر العبارة التوزيع بحسب الإرث المحكوم به جزمًا، وليس كذلك، وإنما هو بحسب الإرث المحتمل، فإذا كانت الورثة أبناء وولدًا خنثى .. فلا توزع الخمسين 474 بحسب الإرث الناجز، بل يحلف الابن ثلثي الخمسين ويأخذ النصف، ويحلف الخنثى نصف الخمسين ويأخذ الثلث، ويوقف الباقي، قال: والضابط الاحتياط في الطرفين الحلف بالأكثر والأخذ بالأقل، وإليه أشار "الحاوي" بقوله [ص 685]: (الخنثى الأكثر وأخذ الأقل ووُقِف الباقي) وذكر شيخنا أيضًا أن مقابل الأظهر ليس منصوصًا للشافعي، وأن تخريجه ضعيف.
4936 - قول "المنهاج" [ص 496]: (ولو غاب .. حَلَفَ الآخر خمسين وأخذ حصته، وإلا .. صبر للغائب) هو معنى قول "الحاوي" [ص 685]: (والحاضر فُرض حائزًا) قال في "المهمات": إنما يتجه إذا قلنا: إن تكذيب بعض الورثة لا يمنع القسامة، وهو رأي البغوي، فإن قلنا: يمنع - وهو الصحيح - .. تعين انتظارهم؛ لأن توافق الورثة شرط، والبغوي قال ذلك على طريقته، فوافقه الرافعي ذهولًا.
قلت: بل إيراد "المهمات" هو الذهول؛ فإن الرافعي قال في توجيه رأي البغوي: أنه لو كان أحد الوارثين صغيرًا أو غائبًا .. كان للبالغ الحاضر أن يقسم مع احتمال التكذيب من الثاني إذا بلغ أو قدم، وقال في توجيه الأصح: وفيما إذا كان صغيرًا أو غائبًا .. لم يوجد التكذيب الجازم للظن،

الحديث: 4934 - الجزء: 3 - الصفحة: 155

فكان كما إذا ادعى ولم يساعد الآخر ولم يكذب .. كان للمدعي أن يقسم.
انتهى 475. وهو دال على أن حلف البعض مع غيبة الباقي متفق عليه على الرأيين معًا.
4937 - قول "التنبيه" [ص 266]: (فإن لم يكن لوث .. حلف المدعي عليه يمينًا واحدة في أحد القولين، وخمسين يمينًا في الآخر) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" و"المنهاج"، لكنه عبر فيها بالمذهب 476، وليس فيها في "الروضة" إلا قولان، لكن في الرافعي طريقة قاطعة بالتعدد أسقطها في "الروضة" 477، ورجحها شيخنا الإمام البلقيني، وعبر "المنهاج" بالمذهب أيضًا في اليمين المردودة على المدعي وعلى المدعي عليه مع لوث واليمين مع شاهد 478، وهو مردود في الأولى والثالثة؛ فليس فيهما إلا قولان.
نعم؛ في الثانية طريقان، والأصح فيها: القطع بالتعدد، وبه جزم "التنبيه"، ثم قال [ص 266]: (وإن كانوا جماعة .. ففيه قولان، أحدهما: يحلف كل واحد منهم خمسين يمينًا، والثاني: يقسم عليهم الخمسون على عدد رؤوسهم) والأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 686]: (بلا توزيع).
4938 - قول "المنهاج" [ص 496]: (ولو ادعى عمدًا بلوثٍ على ثلاثة حضر أحدهم .. أقسم عليه خمسين وأخذ ثلث الدية، فإن حضر آخر .. أقسم عليه خمسين، وفي قول: خمسًا وعشرين إن لم يكن ذكره في "الأيمان"، وإلا .. فينبغي الاكتفاء بها بناء على صحة القسامة في غيبه المدعى عليه، وهو الأصح) فيه أمور: أحدها: أنه يفهم أن الخلاف في الأقسام على الثاني خمسين أو خمسًا وعشرين قولان، وهو في "الروضة" وجهان، ويقال: قولان 479، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الأول قول، والثاني وجه.
ثانيها: أن عبارته توهم أن قوله: (إن لم يكن ذكره في الأيمان) تقييد للقول الضعيف، وليس كذلك، بل هو متعلق بقوله: (أقسم) وقد رد شيخنا الإمام البلقيني هذا البحث، وقال: إن كان غائبًا في مسافة القضاء على الغائب .. فلا حاجة لإعادة شيء من الأيمان قطعًا، وإن كان فيما دونها .. لم يعتد بما تعلق بالغائب قطعًا، وإن ذكره في الأيمان؛ لعدم تقدم دعوي عليه، وهذا الخلاف المبني عليه إنما هو فيما إذا ادعى عليه ثم غاب عن مجلس الحكم وقت الأيمان، وعبارة

الحديث: 4937 - الجزء: 3 - الصفحة: 156

"أصل الروضة": أصحهما: نعم كالبينة، ومقتضاه: القطع بسماع البينة في غيبة المدعي عليه، لكن الأصح في "الروضة" في القضاء على الغائب: منعه (1). ثالثها: أنكر شيخنا الإمام البلقيني هذا الخلاف المحكي في صحة القسامة في غيبة المدعي عليه، وبتقدير ثبوته فهو ضعيف جدًا ينبغي التعبير عن مقابله بالصحيح.
رابعها: أنه لم يفصح عن حكم الثالث إذا حضر، وهو: أنه يقسم عليه خمسين على المرجح، وسبعة عشر على مقابله.
4939 - قوله: (ومن ارتد .. فالأفضل تأخير أقسامه ليُسلم) (2) لو عبر بـ (الأولى) كما في "الروضة" وأصلها (3) .. لكان أولي، والمراد: ردته بعد موت المجروح، أما لو مات قبلها .. فإنه لا يقسم؛ لأنه لا يرث.

فَصْلٌ [ما يثبت به موجب القصاص]

4940 - قول "المنهاج" [ص 497]: (إنما يثبت موجب القصاص بإقرار أو عدلين) أورد على حصره ثبوته بحلف المدعي عند نكول المدعي عليه وبعلم القاضي؛ فإنه جائز في غير حدود الله تعالى على الأظهر.
4941 - قوله: (والمال بذلك أو برجل وامرأتين أو ويمين) 483 يرد عليه الأمران المتقدمان، ويقع في بعض النسخ: (أو يمين) بغير واو، ولا بد منها؛ والمراد: جنس اليمين؛ لما تقدم أن الأيمان في الجراح متعددة مطلقًا.
4942 - قوله: (ولو عفا عن القصاص ليقبل للمال رجل وامرأتان .. لم يُقبل في الأصح) 484 كان ينبغي أن يقول: (على النص) والمراد: عفو يوجب المال، وقوله: (ليقبل للمال رجل وامرأتان) تصوير، ولا يختص الحكم بأن يكون علة العفو ذلك، وفي معنى ذلك: قبول شاهد ويمين؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 672]: (ولموجب القصاص وإن عُفِيَ رجلين) وهو داخل في قول "التنبيه" [ص 270]: (وإن شهد في قنل العمد شاهد وامرأتان .. لم يثبت القصاص ولا الدية).
4943 - قول "المنهاج" [ص 497]: (ولو شهد هو وهما بهاشمة قبلها إيضاحٌ .. لم يجب480481482

الحديث: 4939 - الجزء: 3 - الصفحة: 157

أرشها على المذهب) كذا لا يجب الأرش بشاهد ويمين، وقد تناول ذلك قول "الحاوي" فيما لا يثبت برجل وامرأتين ولا بشاهد ويمين: (وهشم سُبق بإيضاح) 485 والمراد: أن يكون ذلك من شخص واحد بجناية واحدة، فلو كان من جانيين أو من جان واحد في مرتين .. ثبت أرش الهاشمة بذلك؛ ففي "أصل الروضة" عن الإمام: لو ادعى أنه أوضح رأسه ثم عاد وهشمه .. فينبغي أن يثبت أرش الهاشمة برجل وامرأتين؛ لأنها لم تتصل بالموضحة ولم تتحد الجناية، قال: ولو ادعى مع القصاص مالًا من جهة لا تتعلق بالقصاص وأقام على الدعوتين رجلًا وامرأتين .. فالمذهب: ثبوت المال، وبه قطع الجمهور 486. 4944 - قول "المنهاج" [ص 497]: (فلو قال: "ضربه بسيف فجرحه فمات" .. لم يثبت حتى يقول: "فمات منه" أو "فقتله") يرد على حصره ما لو قال: (فمات مكانه) فقد نص في "المختصر" على أنه يثبت به القتل 487، وحكاه في "أصل الروضة"، ثم قال: وفي لفظ الإمام ما يشعر بنزاع فيه 488، وحكي شيخنا الإمام البلقيني أن لفظ النص في "الأم": أنهر دمه ومات مكانه من ضرْبِهِ 489، قال: وهو أقوى مما نقله المزني، وكأن المزني أخل من "الأم" بقوله: (من ضربه) فأتبعوه من غير تنقيب عليه، فعلي هذا لا يرد ذلك على "المنهاج"، ولا يرد ذلك على "التنبيه" على كل حال؛ لأنه لم يقل: (فجرحه) ولا يمكن مع ذلك ثبوت القتل بقوله: (فمات مكانه)، وأيضًا فالذي لا يثبت مع قوله: (جرحه) بدون قوله: (فمات منه) أو (فقتله) هو القتل، لكن يثبت الجرح، فلو ادعى الولي أنه مات من الجراحة وادعي الجاني أنه مات بسبب آخر ولم يدع الاندمال .. فالأصح: تصديق الولي، فيحلف المستحق خمسين يمينًا، وله القود بشرطه.
4945 - قول "المنهاج" [ص 497]: (ويشترط لموضحةٍ: "ضربه فأوضح عظم رأسه"، وقيل: يكفي: "فأوضح رأسه") تبع فيه "المحرر" فإنه جعله أقوى 490، لكن في "الروضة" وأصلها الجزم بالاكتفاء باللفظ الثاني، ثم قالا: وحكي الإمام والغزالي أنه يشترط التعرض لوضوح العظم، ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ فإنها من الإيضاح، وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وتنزيل ألفاظ الشاهد على ألفاظ اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له.

الحديث: 4944 - الجزء: 3 - الصفحة: 158

نعم؛ لو كان الشاهد فقيها وعلم القاضي أنه لا يطلقها إلا على ما يوضح العظم .. ففيه تردد للإمام 491، وحكى شيخنا الإمام البلقيني الاكتفاء بذلك عن نص "الأم" و"المختصر" 492، قال: وعليه جري الجمهور، وقول الإمام: إن الإيضاح لفظ اصطلح الفقهاء عليه ممنوع؛ فهو لغوي مشهور أناط به الشرع الأحكام، فهو كصرائح الطلاق يقضي بها مع الاحتمال، فماذا شهد بأنه سرح زوجته .. قضى بطلاقها، وإن كان يحتمل أن يكون سرح رأسها.
4946 - قول "الحاوي" فيما يثبت برجل وامرأتين وشاهد ويمين [ص 672]: (كموضحة عجز عن تعيينها) أي: تعيين موضعها، يثبت به المال وإن لم يثبت القصاص، عد من أفراده، والذي في "الروضة" وأصلها هنا إنما هو تصحيح ثبوت أرش الموضحة في شهادة البينة الكاملة بالإيضاح مع العجز عن تعيين موضعها، لا في شهادة البينة الناقصة لذلك، بل صرح الرافعي في أثناء التوجيه بأنه لا يكتفي بالبينة الناقصة في ذلك لإثبات الإرش، فقال: كما لو شهد رجل وامرأتان على موضحة عمدًا لا يثبت الأرش كما لا يثبت القصاص 493. 4947 - قول "المنهاج" [ص 497]: (ويثبت القتل بالسحر بإقرار لا بينة) قد يفهم أنه لا مدخل للبينة في ذلك أصلًا، لكن في "الكفاية": أن ما ينشأ عن السحر قد يثبت بالبينة؛ كان يقول: (سحرته بكذا) فيشهد عدلان من السحرة بعد توبتهما أن هذا الذي أقر أنه سحره به يقتل غالبًا.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: يضاف إلى الإقرار ما لو قال: أمرضته بسحري ولم يمت به بل بسبب آخر، وحكى عن نص "الأم": أن للمستحق أن يقسم أنه مات منه ويأخذ الدية، ونازع فيما نقله في "الروضة" وأصلها عن نص "المختصر": أنه لوث، وفي قولهما: أنه لا بد من ثبوت أنه بقي متألمًا إلى موته، وقال: إنما يحتاج لذلك إذا قال الساحر: بريء منه، فإن لم يقل: بريء منه .. لم يحتج إلى بينة استمرار الألم به 494. 4948 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" هنا -: (ولو شهد لمورثه بجرح قبل اندمال .. لم يقبل، وبعده يقبل) 495 أحسن من قول "المنهاج" في (الشهادات) في أمثلة التهمة [ص 569]: (وبجراحة مُوَرِّثِهِ) لشموله ما بعد الاندمال، ولا يخفى أن القبول بعد الاندمال إنما هو من غير الأصول والفروع، فلا معنى لإيراده؛ لوضوحه، فلو شهد قبل الاندمال وهو محجوب عن الإرث بغيره ثم صار وارثًا قبل قضاء القاضي بشهادته .. لم يقض، وإن كان بعده .. لم يُنقض.

الحديث: 4946 - الجزء: 3 - الصفحة: 159

واستثنى ابن أبي عصرون من منع قبول شهادة الوارث بالجرح قبل الاندمال: ما لو كان على المجروح دين يستغرق أرش الجراحة ولا مال له؛ لانتفاء التهمة حينئذ، وهو مردود؛ لأن الدين لا يمنع الإرث؛ ولأن صاحب الدين قد يبريء منه.
4949 - قول "التنبيه" [ص 270]: (وإن شهد الوارث للموروث في المرض - أي: بمال - لم يقبل، وقيل: يقبل) الأصح: القبول، وهو الذي في "المنهاج" و"الحاوي" 496، ووقع في "شرح ابن يونس" بعد قول "التنبيه": (في المرض ثم برى) وليس ذلك في النسخ المشهورة، ولا هو في "الكفاية"، واعترضه صاحب "التنويه": بأنه لا فرق بين أن يبرأ من ذلك المرض أم لا، قال: ولم يذكره في "المهذب" ولا مشاهير الكتب.
4950 - قول "التنبيه" [ص 270]: (ولا تقبل شهادة الدافع عن نفسه ضررًا؛ كشهادة العاقلة على شهود القتل بالفسق) محله: في غير العمد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 670]: (والعاقلة بفسق شهود الخطأ)، ولو قالا كـ "المنهاج" [ص 497]: (بفسق شهود قتل يحملونه) .. لكان أحسن؛ ليتناول شبه العمد، وقد أطلق "المنهاج" في الشهادات كـ "التنبيه" 497، فلو كان الشاهدان من فقراء العاقلة .. فالنص: ردها، أو من أباعدهم وفي الأقربين وفاء .. فالنص: قبولها، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقريرهما؛ لأن الغِنَي غير مستبعد، وموت القريب مستبعد؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 670]: (ولو فقراء لا أباعد) فإن أراد "المنهاج": الحمل بالفعل .. ورد عليه الفقراء، أو بالقوة .. ورد عليه الأباعد.
4951 - قول "المنهاج" [ص 497]: (ولو شهد اثنان على اثنين بقتله؛ فإن صدق الولي الأولين .. حكم بهما) اعترض عليه شيخنا الإمام البلقيني: بأنه لا يتوقف الحكم بهما على تصديق الولي؛ لصدور شهادتهما في محلها، واستدل لذلك بقوله في "الأم": وإن ادعوا - أي: الأولياء - شهادتهما، فشهدا قبل أن يشهد الآخر؛ إن قبلت شهادتهما، وجعلت المشهود عليهما اللذين شهدا بعد ما شهد عليهما بالقتل دافعين عن أنفسهما بشهادتهما، وأبطلت شهادتهما 498. وفي "أصل الروضة": أنه اعترض على تصوير المسألة: بأن الشهادة لا تسمع إلا بعد تقدم دعوي على معين، وأنه أجيب عنه بجوابين ضعفهما، وثالث قاله الجمهور: أن صورتها: أن يدعي الولي القتل على رجلين ويشهد له اثنان، فيبادر المشهود عليهما، فيشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان، وذلك يورث ريبة للحاكم، فيراجع الولي ويسأله احتياطًا، ثم ذكر له تصويرًا

الحديث: 4949 - الجزء: 3 - الصفحة: 160

آخر، وهو: أن يكون المدعي وكيل الولي، ولم يعين له أحدًا - ويفرع على الأصح في التوكيل في الخصومة من غير بيان الخصم - فللولي الدعوى على الشاهدين اللذين استشهد بهما الوكيل، لكن لا تقبل عليهما شهادة الخصمين اللذين ادعى الوكيل عليهما؛ للتهمة 499. 4952 - قول "التنبيه" [ص 266]: (فإن شهد شاهد أنه قتله بسيف وشهد آخر أنه قتله بعصا .. فقد قيل: هو لوث، وقيل: ليس بلوث) الأصح: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 686]: (لا إن تكاذب شاهدان بآلة وزمن ووصفٍ) و"المنهاج" فقال [ص 498]: (ولو اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيْئَة .. لغت، وقيل: لوث) ومقتضاه: أن المرجوح وجه، والذي في كلام الرافعي ثلاث طرق: القطع باللوث 500، والقطع بعدمه، والأعدل قولان، أصحهما على ما في الكتاب و"التهذيب": ليس بلوث، وعبارة "الروضة": لا يكون لوثًا على المذهب 501.


الحديث: 4952 - الجزء: 3 - الصفحة: 161

فصول الكتاب · 71 فصل
فصول تحرير الفتاوى
المقدمةكتابُ الطهارةكتابُ الصَّلاةكتاب الجنائز باب ما يفعل بالميتكتاب الزّكاةكتابُ الصِّيامكتاب الاعتِكافكتابُ الحَجّكتابُ البيعكتابُ السَّلَمِكتابُ الرَّهْنكتابُ التفليسكتابُ الشّركةكتابُ الوكالةكتاب الإقراركتابُ العاريةكتابُ الغَصْبكتابُ الشُفْعةكتاب القِراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتابُ إحياء المَواتكتابُ الوَقْفكتابُ الهِبَةكتابُ اللُّقَطةكتابُ اللَّقِيطكتابُ الجِعَالةكتابُ الفَرائِضكتاب الوصاياكتابُ الوَدِيعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصّدقاتكتابُ النِّكاحكتابُ الصَّدَاقكتابُ القسْمِ والنُّشُوزكتابُ الخُلْعكتابُ الطَّلاقكتابُ الرَّجْعَةكتابُ الإيلاءكتابُ الظِّهاركتابُ الكفّارةكتابُ اللِّعانكتابُ العِدَدكتابُ الرّضاعكتابُ النّفقاتكتاب الجِناياتكتابُ الدّياتكتابُ البُغاةكتابُ الرِّدَّةكتابُ الزِّناكتابُ حَدِّ القّذْفكتابُ قطع السّرقةكتابُ قاطع الطَّريقكتاب الأشربةكتابُ الصِّيال وضمان الولاةكتاب السيركتابُ الصَّيُد والذّبائحكتابُ الأضحيةكتابُ الأَطعِمةكتاب المسابقة والمناضلةكتابُ الأَيْمانكتابُ كفّارة اليمينكتابُ النَّذْركتابُ القضاءكتابُ الشهاداتكتابُ الدعوى والبيّناتكتابُ إلحاق القائفكتابُ العِتْقكتابُ التَّدبيركتابُ الكِتابةكتابُ أمّهات الأولاد
جارٍ التحميل