كتابُ الحَجّ
1377 - قول " المنهاج " [ص 190]: (وشرط صحته: الإسلام) لو قال: (صحتهما) ليعود على العمرة أيضًا .. لكان أحسن، وقد يقال: الضمير عائد على ما تقدم، وهو تكلف، وعبارة " الحاوي " [ص 234]: (وشرطهما: الإسلام)، فهي أحسن من هذا الوجه، ومن جهة دلالتها على أن الإسلام شرط الصحة وشرط الوجوب؛ ولذلك استَغْنَى عن ذكره في شروط الوجوب.
وهل المراد: الإسلام حكمًا أو اعتقادًا؟ حكى في "البحر" عن والده: أن صبيًا لو اعتقد الكفر، فلم يحكم بكفره لكونه تابعًا لأبويه في الإسلام، فحج أو اعتمر .. أن الأصح عنده: الصحة؛ لأن اعتقاده لم يجعله كافرًا، وحكمه حكم المسلم، وليس الحج مما يبطل بنية الإبطال حتى يجعل اعتقاده الكفر كنية إبطاله، قال الروياني: وعندي أنه لا يصح؛ لأن اعتقاده يضاد نية القربة 1.
وقال بعضهم: يشترط لصحتهما أيضًا: العلم، فلو جرت أفعال النسك اتفاقًا من غير عالم بالنسك ولا بالإحرام .. لم يصح.
انتهى.
وما أدري كيف يجيء الاتفاق مع قصد الإحرام، ولا يحتاج في بقية الأركان إلى نية تخصه؟ فإن أريد بذلك: العلم بوجوبها .. فهذا غير شرط؛ إذ الكلام في الصحة خاصة.
1378 - قول " التنبيه " [ص 69]: (فإن كان مميزًا .. أحرم بإذن الولي، وإن كان غير مميز .. أحرم عنه أحد أبويه) فيه أمور:
أحدها: أنه أطلق الولي في الإذن للمميز، وقيد في الإحرام عن غير المميز بأحد الأبوين، والذي في كلام الأصحاب: التسوية بينهما، فالذي يحرم عن غير المميز هو الآذن للمميز، والأصح: أنه ولي ماله؛ أبًا كان أو جدًا أو صبيًّا أو حاكمًا أو قَيِّمَهُ؛ ولذلك عبر " الحاوي " بـ (المتصرف في ماله) 2، وأطلق " المنهاج " الولي 3، وهو محمول على ما ذكرناه، وحينئذ .. فلا تُحْرِم عنه الأم إلا إن كانت وصية.
ثانيها: أن كلامه يقتضي أن الولي لا يحرم عن المجنون؛ لأنه لم يذكر ذلك إلا في الصبي، وأطلق قبل ذلك في المجنون أنه لا يجب عليه، ولا يصح منه، وظاهره نفي الصحة عن المباشرة وغيرها؛ بدليل أنه ذكر بعده أنه يصح من الصبي، وفصل في مباشرته ذلك بين المميز وغيره،
الحديث: 1377 - الجزء: 1 - الصفحة: 565
والأصح: أن الولي يُحرِم عن المجنون أيضًا، وقد صرح به " المنهاج " 4، وهو داخل في قول " الحاوي " [ص 234]: (فيحرم عن غير المكلف).
وخرج بتعبيرهم: العبد، وقد قال الإمام: ليس للسيد الإحرام عنه إن كان بالغًا 5، وقال ابن الرفعة: القياس في الصغير أنه كتزويجه، وَرُدَّ بأن الوصي والقاضي يُحرِمان عن الصبي وإن لم يزوجاه؛ تمرينًا وتحصيلًا للثواب من غير لزوم مال، وفي " المهمات ": أن في " الأم " الجزم بالصحة مطلقًا، فقال: (وإذا أُذِنَ للملوك بالحج أو أَحَجَّهُ سيده .. كان حَجُّهُ تطوُّعًا)، هذا لفظه، وأَحَجَّهُ معناه: صيره حاجًا 6.
ثالثها: أنه يقتضي أن الولي لا يُحرِم عن المميز، وكذا يقتضيه تقييد "المنهاج " الصبي بغير المميز، لكن الأصح: أن للولي الإحرام عن المميز أيضًا، وهو داخل في تعبير " الحاوي " بغير المكلف.
رابعها: أنه يفهم أنه لا يصح إحرام غير الولي عنه، والأصح من زوائد " الروضة ": أنه لو أذن الولي لمن يُحْرِم عنه .. جاز 7، وهذا وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
خامسها: مقتضى تعبيرهم بالإحرام عنه: أنه يقول: (أحرمت عنه)، وهو أحد وجهين، ثانيهما: أنه يقول: (أحرمت به)، قال الماوردي: والخلاف مبني على اشتراط كون الولي حلالًا 8.
قلت: ومقتضى هذا: تصحيح ما اقتضته عبارتهم؛ لأن الأصح: أنه لا يشترط كون الولي حلالًا، وقد يفهم من قول " المنهاج " [ص 190]: (فللولي أن يُحْرِم عن الصبي الذي لا يميِّز والمجنون): أن الولي يستقل بمباشرة جميع الأفعال، وليس كذلك، بل يجب إحضاره المواقف كعرفة وغيرها، ويأمره بما يطيق فعله كالرمي ونحوه، فيناوله الأحجار ليرمي بها إن قدر، وإلا .. رمى عنه، ويطوفه إن قدر، وإلا .. طاف عنه؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 69]: (وفعل عنه وليه ما لا يتأتى منه)، و" الحاوي " [ص 234]: (ويحضره المواقف، ويأمره مقدُورَه) وقد يقال: فهم ذلك من اقتصار " المنهاج " على الإحرام؛ ولذلك كان أحسن من تعبير " المحرر " بقوله: (أن يحج) 9 لتناوله العمرة، ولكونه لا يشمل جميع الأركان.
1379 - قول " التنبيه " [ص 69]: (ونفقته في الحج وما يلزمه من الكفارة في ماله في أحد القولين، وفي مال الولي في الآخر) فيه أمور:
الحديث: 1379 - الجزء: 1 - الصفحة: 566
أحدها: أنه أطلق الخلاف، ومحله كما قال النووي في " شرح المهذب ": في الزائد على نفقة الحضر 10، وكذا صوره الرافعي هنا، لكنه حكى في (قسم الصدقات) وجهين في أن الولي يضمن الكل أو الزائد، كما في القدر المعطى لابن السبيل أو الغازي 11، وبتقدير صحة الأول .. فقد يقال: إن في قوله: (في الحج) إشعارًا به.
ثانيها: ومحله أيضًا: إذا أحرم بإذن الولي، فإن أحرم بغير إذنه وجوزناه .. فالفدية في مال الصبي قطعًا.
ثالثها: ومحله أيضًا: إذا لم يتسبب الولي في وجوب الكفارة، فإن تسبب: فإن لم يكن لمصلحة ترجع للصبي؛ كما إذا فوته الحج .. فعلى الولي قطعًا، وإن كان لمصلحة ترجع إليه؛ كتطييبه لمداواةٍ .. فطريقان، أصحهما: تخريجه على ما لو طيب الصبي نفسه، وفيه خلاف مبني على أن عمده عمد أو خطأ؛ فإن قلنا: عمد .. وجبت، وإلا .. فلا.
رابعها: الأظهر: أنه في مال الولي؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 235]: (وزيادة النفقة ولازم الأحرام على الولي).
خامسها: لا معنى للتقييد بالحج؛ فالعمرة كذلك، وهي داخلة في عموم عبارة " الحاوي ".
سادسها: كان ينبغي أن يقول: (وما يلزم) كقول " الحاوي " [ص 235]: (ولازم الإحرام)، فكيف يجتمع قوله: (يلزمه) مع قوله: (إنه في مال الولي في أحد القولين)؟
وأجيب عنه: بأن الكفارة تلزم الحاج، وهو الصبي، وتجب في مال الولي، فمحل إيجابها: الحاج، فلا كفارة على غيره، ومحل وجوبها: مال الولي على قول مرجح.
1380 - قول " المنهاج " [ص 190]: (وإنما تصح مباشرته من المسلم المميِّز) يتناول الصبي، ولكن شرطه: إذن الولي، فإن لم يأذن له .. لم يصح، وقد ذكره " التنبيه " و" الحاوي " 12.
1381 - قول " المنهاج " [ص 190]: (وإنما يقع عن حجة الإسلام بالمباشرة إذا باشره المكلَّفُ الحرُّ) لو قال: (فرض الإسلام) كما في " الحاوي " 13 ليتناول العمرة .. لكان أولى، واعترض قوله: (بالمباشرة) بأنه لا فائدة له، وأن الأحسن: أن يقول: (إذا باشره المكلف الحر لنفسه أو نيابة عن مثله)، والمراد: التكليف في الجملة، لا التكليف بالحج خاصة.
1382 - قول " التنبيه " [ص 69]: (فإن بلغ الصبي وعتق العبد قبل الوقوف في الحج وقبل
الحديث: 1380 - الجزء: 1 - الصفحة: 567
الطواف في العمرة .. أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته) كذا إذا وجد ذلك في أثناء الوقوف أو بعده والوقت باق، فعاد إلى الموقف، قال في " الحاوي " [ص 235]: (ويعيد السعي) أي: إن سعى عقب طواف القدوم قبل الكمال، والمجنون إذا حج عنه الولي ثم أفاق .. كالصبي.
1383 - قول " المنهاج " [ص 190]: (وشرط وجوبه: الإسلام)، وقول " الحاوي " [ص 234]: (وشرطهما: الإسلام) لتناوله الوجوب كما تقدم، مثل قول " التنبيه " [ص 69]: (ولا يجب إلا على حر مسلم) لكنه قال بعد ذلك: (وأما المرتد: فإنه يجب عليه، ولا يصح منه) 14 فلو لم يَحْصُر أولًا .. لكان أولى، وفائدة وجوبه على المرتد: أنه لو استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر واستمر به الإعسار للموت، أو زال قبيل موته بحيث لم يتمكن معه من الحج .. فإنه يستقر في ذمته، ويُقضى عنه من تركته، بخلاف الأصلي إذا استطاع ثم أسلم معسرًا .. فإنه لا يستقر حتى يستطيع في الإسلام، ولعل مرادهم: الوجوب مع الصحة.
وحذف النووي في " الروضة " تقييد الرافعي الكافر بكونه أصليًا، وهو معترض، قال في " المهمات ": واعلم أن شرط الوجوب: ملك المال، وفي ملك المرتد أقوال، فتتخرج هذه المسألة عليها، وبه صرح الروياني في " البحر " 15، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الحرية التي يتوجه الإيجاب معها ويسقط الحج بها عن فرض الإسلام قطعًا هي الحرية المستقرة، فلو كانت حرية بصدد الزوال باحتمال؛ كالعتيق في المرض .. فهل يجب عليه عند الاستطاعة؟ يظهر تخريجه على تزويج القريب العتيقة في مرض الموت.
1384 - قول " المنهاج " [ص 190]: (وقيل: إن لم يكن له ببلده أهلٌ وعشيرةٌ .. لم نشترط نفقة الإياب) فيه أمران:
أحدهما: كان ينبغي التعبير بـ (أو) فإن وجود أحدهما - إما الأهل وإما العشيرة وفقد الآخر - كاف في الجزم باشتراط نفقة الإياب، كما نقل النووي في " شرح المهذب " الاتفاق عليه، واقتضاه كلام الرافعي 16.
ثانيهما: لو قال: (مؤنة الإياب) .. لكان أحسن؛ ليتناول الراحلة، وأصح احتمالي الإمام عنده وعند الغزالي: اختصاص الوجهين بما إذا لم يكن له ببلده مسكن، فإن كان .. فلا يجيء الوجه الثاني 17.
الحديث: 1383 - الجزء: 1 - الصفحة: 568
واعلم: أن الذي يقتضيه كلامهم في (الوقف) و (الوصية) أن الأهل: من تلزمه نفقته من زوجة وقريب، والعشيرة: الأقارب من قبل الأب أو الأم، ومقتضاه: أنه لا يلتحق بهم الموالي من أعلى ولا من أسفل، قال في " المهمات ": وفيه نظر.
1385 - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي ": (وإن قصُرَ وهو يكسب في يومٍ كفايةَ أيابم .. كُلّفَ) 18 ليس فيه ضبط الأيام، ويتبادر إلى الفهم أن أقلها: ثلاثة، قاله شيخنا ابن النقيب 19، واستنبط شيخنا الإسنوي من تعليل الرافعي بأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج: أنها ستة، وهي أيام الحج من أول الثامن إلى آخر الثالث عشر 20.
1386 - قول " التنبيه " في المستطيع بنفسه [ص 69]: (وأن يكون واجدًا لراحلة تصلح لمثله إن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة) مفهومه أنه لا يشترط وجودها فيمن هو دون مسافة القصر، ومحله: فيمن هو قويٌّ على المشي، كما ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 21، فإن ضَعُف؛ بأن لحقه بالمشي ضرر ظاهر .. فهو كالبعيد، ويشترط أيضًا فيمن تلحقه بركوب الراحلة مشقة شديدة: وجود محمل وشريك يجلس في الشق الآخر، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي" 22 أي: وإن قدر على مؤنة المحمل بتمامه، وعلله في " الوسيط " بأن بدل الزيادة خسران لا مقابل له 23، قال في " المهمات ": ومقتضاه: أن المحتاج إليه من زاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكلام كثير يقتضي تعيين الشريك، وليس توجيهه ببعيد، وفي " الروضة " وأصلها عن المحاملي وغيره إطلاق اعتبار المحمل للمرأة من غير تقييد بمشقة، وعن ابن الصباغ: أنه لو لحقه مشقة شديدة بركوب المحمل .. اعتبر في حقه الكنيسة؛ أي: بالنون، وهي الأخشاب الساترة فوق المحمل 24.
1387 - قول "التنبيه" [ص 69]: (وقضاء دين إن كان عليه)، قال النسائي: لعله أخرج ما يستقرضه ونحوه، وإلا .. فالدين حقيقة ما عليه 25، وقال في " التوشيح ": إنه وهم؛ فذاك حقيقة دينية لا حقيقة مطلق الدين، كما أن قيامك حقيقة في الحال لا مطلق القيام.
انتهى.
الحديث: 1385 - الجزء: 1 - الصفحة: 569
وقد يقال: احترز به عن المؤجل، لكن المنقول: أنه كالحال؛ ولذلك أطلق " المنهاج " الدين 26.
1388 - قول " المنهاج " [ص 191]: (ومؤنة من عليه نفقتهم) أحسن من تعبير " المحرر " و" الحاوي " بالنفقة 27؛ لأن المؤنة تشمل الكسوة والسكنى والإخدام والإعفاف، وغير ذلك، لكن كان ينبغي التعبير به في الموضع الثاني أيضًا، فيقول: (من عليه مؤنتهم) لأن قريبه قد لا يعجز عن النفقة ويعجز عن غيرها من المؤن .. فتجب، ولم يذكر " التنبيه " ذلك، واستنبطه في " الكفاية " من اعتبار الدين؛ فإنه مقدم عليه، وليس في كلامهم منعه من الحج حتى يترك لهم نفقة الذهاب والإياب، وقد صرح به الدارمي في " الاستذكار ".
1389 - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج " -: (والأصح: اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه وعبدٍ يحتاج إليه لخدمته) 28 يستثنى منه: لو كان المسكن والعبد نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما لَوَفَّى التفاوت بمؤنة الحج .. فإنه يلزمه، قال الرافعي: كذا أطلقوه هنا، لكن في لزوم بيعهما في الكفارة إذا كانا مألوفين .. وجهان، ولا بد من عودهما هنا 29، وقال في " الشرح الصغير ": وقد يفرق بأن الحج لا بدل له وللعتق في الكفارة بدلًا، وكذا فرّق النووي 30.
قال في " المهمات ": وينتقض بالمرتبة الأخيرة من الكفارة؛ فإنه لا بدل لها، وأيضًا فالفطرة لا بدل لها مع أنها كالحج، كما نقله هو عن الإمام 31، قال في " المهمات ": والجارية النفيسة المألوفة كالعبد إن كانت للخدمة، فإن كانت للاستمتاع .. لم يكلف بيعها، قال: وهذا التفصيل لم أره، ولا بد منه، قال: وكلامهم يشمل المرأة المكفية بإسكان الزوج وإخدامه، وهو متجه؛ لأن الزوجية قد تنقطع فيحتاج إليهما، وكذا المسكن للمتفقهة الساكنين بيوت المدارس، والصوفية بالربط ونحوها.
واعترض على تعبير " التنبيه " بقوله [ص 69]: (وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن، وخادم إن احتاج إليه) في تكرير الاحتياج.
وأجيب عنه: بأن المذكور أولًا بيان لما يشترط أن يكون فاضلًا عنه، وقوله: (من مسكن) على إطلاقه؛ لأن كل أحد يحتاج إلى المسكن، وقوله: (وخادم) لا يصلح بيانًا، فرب من لا يحتاج إلى الخادم، فقيده، فإذًا كلامه إطلاقًا
الحديث: 1388 - الجزء: 1 - الصفحة: 570
وتقييدًا في غاية الحسن؛ لإفادته عموم الحاجة إلى المسكن دون الخادم.
1390 - قول " الحاوي " [ص 237]: (ومؤن النكاح إن خاف العنت) أي: يشترط أيضًا للوجوب: أن يفضل عن ذلك.
الصحيح في " الروضة ": وجوب الحج على خائف العنت، لكن له التأخير، والنكاح أولى 32، ولذلك لم يذكره " التنبيه " و" المنهاج ".
وبقي عليهم: أنه يشترط أن يكون فاضلًا عن كتب الفقيه المحتاج إليها، إلا أن يكون له من كل كتاب نسختان، وقد ذكره في " شرح المهذب " 33، وذكر ابن الأستاذ في " شرح الوسيط " أن خيل الجندي وسلاحه ككتب الفقيه.
1913 - قولهم: (يشترط: أمن الطريق) 34 قال الإمام: لا يشترط القطع بمعرفة الأمن، ولا الأمن الذي في الحضر، بل أمن كل موضع بحسبه 35.
ثم أعلم أن المراد: الأمن العام، حتى لو كان الخوف في حقه وحده .. قضى من تركته، نص عليه الشافعي فيما حكاه عنه شيخنا الإمام البلقيني 36، وفي " شرح التنبيه " للمحب الطبري عن الإمام: أن عدم الوجوب عند طلب رصدي 37 مالًا محله: إذا كان الباذل له هو الحاج، فإن بذله الإمام أو نائبه .. وجب الحج 38.
قال في " المهمات ": والقياس: عدم الوجوب عند بذل الأجنبي له؛ للمنة، زاد " التنبيه " [ص 69]: (من غير خفارة) 39 وبه قال سائر العراقيين، وحكاه في " الكفاية " عن النص، وقال في " المهمات ": إن به الفتوى، لكن حكى الرافعي والنووي تصحيح الوجوب عند الاحتياج عن الإمام 40، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي "، وعبرا عنها بالبدرقة 41، فهي بالدال المهملة
الحديث: 1390 - الجزء: 1 - الصفحة: 571
والمُعْجمة، وتعبير " المنهاج " يقتضي أن الخلاف فيها قولان، والذي في بقية كتبه وكتب الرافعي أنه وجهان 42.
قال السبكي: وينبغي أن يتقيد بأجرة المثل حتى لو طلب أكثر منها .. لم يجب، كما في نظائره.
1392 - قول " المنهاج " - والعبارة له - و" الحاوي ": (والأظهر: وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامة) 43 أورد عليه: أنه إذا غلب الهلاك، أو استوى الأمران .. حرم ركوبه، وليس في اللفظ تنبيه عليه.
وجوابه: أن مقصود الباب بيان حال الوجوب، فإذا انتفى .. جاء التحريم من إلقاء النفس إلى الهلكة من غير مصلحة الإيجاب، وذلك ليس من جملة أحكام الحج.
واعلم: أن في زوائد " الروضة " في (الحجر): أنه لا تجوز المسافرة بمال الطفل في البحر وإن أوجبنا ركوبه في الحج 44، قال في " المهمات ": وقياسه تحريم إركاب الطفل وركوب الحامل حتى تضع وتسقي الولد اللبأ 45 وتفطمه إن تعينت للإرضاع، وإركاب البهائم والزوجة والأرِقاء البالغين بغير رضاهم، إلا إن كان لنقلهم من دار الشرك .. فيجوز بلا شك.
1393 - قول " المنهاج " [ص 191]: (وعلف الدابة في كل مرحلةٍ) 46 ظاهره: اشتراط ذلك ولو قدر على حمله مراحل، وقال في " شرح المهذب ": ينبغي اعتبار العادة فيه كالماء 47، وتبعه السبكي، وحكاه في " المهمات " عن سليم الرازي، وقال شيخنا ابن النقيب: إن اشتراط العلف في كل مرحلةٍ مشكل، ويسهل إن أريد به: المرعى، أما إذا أريد به: الشعير .. فيبعد؛ فإن العادة حمله 48.
1394 - قول " التنبيه " [ص 70]: (وإن كانت امرأة؛ بأن يكون معها من تأمن به على نفسها) لم يفَصِّل ذلك، وقد تتناول عبارته: ما إذا كان معها امرأة واحدة، وذلك لا يكفي في وجوب الحج، لكن لها الخروج معها لحجة الإسلام، كما حكاه في " شرح المهذب " عن الماوردي والمحاملي = والمعجمة، وهي الخفارة، وهي الجماعة تتقدم القافلة للحراسة.
انظر " تهذيب الأسماء واللغات " (3/ 22)، و" المصباح المنير " (1/ 40).
الحديث: 1392 - الجزء: 1 - الصفحة: 572
وغيرهما 49، واعتبر " المنهاج " و" الحاوي ": أن يخرج معها زوج، أو مَحْرَم، أو نسوة ثقات 50، وفيه أمور:
أحدها: أنه يرد عليه العبد؛ فإنه يكفي في الوجوب خروجه معها، كما صرح به المرعشي في " ترتيب الأقسام " وابن أبي الصيف في " نكته " مع كونه ليس مَحْرَمًا لها؛ بدليل انتقاض الوضوء بمسه، لكنه كالمَحْرَم في النظر إليها والخلوة بها.
الثاني: أن مقتضاه: خروج ثلاث نسوة سواها، قال في " المهمات ": وهو بعيد لا معنى له، بل المتجه: الاكتفاء باجتماع أقل الجمع، وهو ثلاثة؛ وأيّ معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأيّ دليل.
الثالث: أن اعتبار الثقة يخرج الصبية، قال في " المهمات ": وهو الظاهر؛ لخطر السفر.
الرابع: لم يشترطوا في المَحْرَم كونه ثقة، قال في " المهمات ": وفيه نظر؛ سببه: أن الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي.
قلت: لكن ينبغي ألَّا يكتفى بالصبي؛ لأنه لا يحصل معه الأمن على نفسها، إلا أن يكون مراهقًا ذو وجاهة بحيث يحصل معه الأمن؛ لاحترامه.
الخامس: اختار السبكي: أن السفر إذا كان أقل من بريد 51 كحج المكيَّة .. لا يشترط فيه ذلك؛ لمفهوم أقل الروايات المقيدة.
1395 - قول " المنهاج " [ص 191]: (والأصح: أنه لا يُشْتَرط وجود مَحْرَم لإحداهنُّ) لا يتقيد ذلك بالمَحْرَم؛ فالزوج على ذلك الوجه كهو.
1396 - قوله: (وأنه يلزمها أجرة المَحْرَم إذا لم يخرج إلا بها) 52 كذلك الزوج؛ ولهذا أخر " الحاوي " ذكر الأجرة عنهما، ويظهر أن النسوة كذلك، وحينئذ .. فلو أخر " الحاوي " قوله [ص 237]: (أو بأجرة) عن (النسوة الثقات) .. لكان أولى؛ ليرجع للثلاثة، وفائدة ذلك هنا وفيما تقدم في الخفارة: التعصية بعد الموت، ووجوب القضاء عنه من تركته، لا في تعجيل الإعطاء في الحياة؛ فإن الحج على التراخي، إلا إن خَشِيَ العضْب 53، أو نذر الحج في سنة معينة.
1397 - قول " التنبيه " [ص 69، 70]: (وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير
الحديث: 1395 - الجزء: 1 - الصفحة: 573
لأدائه) أي: على العادة، حتى لو احتاج بعد اليسار إلى أن يقطع في كل يوم أكثر من مرحلة .. لم يجب الحج، كذا قاله الأئمة، وأورده الرافعي كالمستدرك على الغزالي في إهماله 54، وكذا أهمله " المنهاج " و" الحاوي "، واعترضه ابن الصلاح وقال: ذلك شرط استقراره لا وجوبه؛ فإنه وجب بمجرد الاستطاعة، كما تجب الصلاة باول الوقت، وتستقر بالإمكان 55، وقال النووي: الصواب: ما قاله الرافعي، وقد نص عليه الأصحاب 56، وقال السبكي: إن نص " الأم " في مواضع يشهد له 57، ومال شيخنا الإمام البلقيني إلى ما ذكره ابن الصلاح، وقال: لا يبعد القول بأنه يُقضى من تركته؛ لأنه مستطيع بماله، ومنه ما إذا وجبت الصلاة بإدراك تكبيرة آخر الوقت، غير أن الصلاة لا تُفعل عنه والحج يُفعل عنه، ثم قال: ولا يخلو ذلك من نزاع.
1398 - قول " المنهاج " [ص 191]: (فمن مات وفي ذمته حجٌّ .. وجب الإحجاج من تركته) أحسن من قول " التنبيه " [ص 70]: (ومن وجب عليه ذلك، وتمكن من فعله، ولم يفعله حتى مات .. وجب قضاؤه من تركته) لتناول الإحجاج ما استؤجر عليه إجارة ذمته، بخلاف القضاء؛ فإنه لا يتناوله، وتعبير " التنبيه " أحسن منه من وجهين آخرين:
أحدهما: أنه صرح مع الوجوب بالتمكن من فعله؛ ليخرج ما إذا لم يمض بعد الاستطاعة زمن إمكان الفراغ؛ بأن مات، أو جن قبل مضي ما يسع مجموع الأعمال؛ كالمضي إلى منى، والرمي، والحلق، وإلى مكة للطواف، أو تلَفَ مالُهُ قبل إمكان رجوع الناس، وقد ذكره " الحاوي " بقوله [ص 238]: (لا إن هلك ماله قبل إيابهم).
ثانيهما: أن عبارته تناولت العمرة أيضًا؛ لكونه ذكرها أولًا، ثم أشار إليها وإلى الحج بقوله: (ذلك)، ولم يتناولها تعبير " المنهاج ".
ويستثنى من عبارتهما وعبارة "الحاوي ": المرتد إذا وجب عليه الحج قبل الردة؛ فإنه لا يخرج من تركته كما ذكره ابن الرفعة، وفيه احتمالان للروياني 58، وقد يقال: خرج ذلك بقولهم: (من تركته) لأنه إذا مات على الردة .. لا تركة له على الأظهر؛ لأنه تبين زوال ملكه بالردة.
1399 - قول " التنبيه " [ص 70]: (والمستطيع بغيره: أن يكون ممن لا يقدر على الثبوت على الراحلة لزمانة أو كبر، وله مال فيدفع إلى من يحج عنه، أو له من يطيعه .. فيلزمه فرض الحج) فيه أمور:
الحديث: 1398 - الجزء: 1 - الصفحة: 574
أحدها: أن تقييده عدم القدرة بالزمانة أو الكبر، قد يخرج نِضوَ الخَلْقِ، والمريض المَأْيُوس منه 59، فلو أطلق العجز - كما في " المنهاج " 60 - .. لكان أحسن، وذكر " الحاوي " مع الزّمِنِ والكبير: المريض المأيوس منه 61.
ثانيها: أن قوله: (وله مال) يصدق بالقليل والكثير، والمراد به: قدر أجرة المثل لمن يحج عنه، وقد ذكره " المنهاج "، قال [ص 192]: (ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن حج بنفسه، لكن لا تشترط نفقة العيال ذهابًا وإيابًا)، ولو عبر بالمؤنة .. لكان أشمل، ومع ذلك فهو واضح وأحسن من قول " الحاوي " [ص 236]: (بأجرة أجير)، ولا يشترط أيضًا كونها فاضلة عن نفقة نفسه، صرح به البندنيجي.
ثالثها: أن قوله: (من يطيعه) أي: بالحج عنه، فلو أطاعه ببذل المال لمن يحج عنه .. لم يلزمه قبوله على الأصح، سواء أكان ولده أو أجنبيًا، وقد ذكره " الحاوي " و" المنهاج " 62، لكن في تعبيره فيهما بالأصح نظر؛ لكونه عبر في " الروضة " في الأجنبي بالصحيح 63، فالأجنبي مُرَتّب على الابن، وأولى بأن لا يجب، والأب كالابن أو كالأجنبي؟ فيه احتمالان للإمام، ورجح الرافعي منهما الأول 64.
ولو كان الولد الباذل للطاعة عاجزًا أيضًا عن الحج، وقدر على أن يستأجر له من يحج عنه، وبذل له ذلك .. وجب الحج على المبذول له وجها واحدًا، كما حكاه في " الكفاية " عن البندنيجي وجماعة، وفي " شرح المهذب " عن المتولي: أنه لو استأجر المطيع إنسانًا ليحج عن المطاع المعضوب: فإن كان المطيع ولدًا .. فالمذهب: أنه يلزم المطاعَ الحجُّ؛ لتمكنه، وإن كان أجنبيًا وقلنا: يجب الحج بطاعة الأجنبي .. فوجهان، أحدهما: يلزمه؛ لأنه وجد من يطيعه، والثاني: لا؛ لأن هذا في الحقيقة بذل مال 65.
رابعها: يستثنى من وجوب قبول الطاعة: ما إذا كان الباذل لذلك ولدًا ماشيًا؛ فإنه لا يجب قبوله في الأصح، وهو وارد على " المنهاج " أيضًا، وقد ذكره " الحاوي "، لكنه عبر بقوله [ص 236]: (ابن ماش)، وذلك لا يتناول البنت، فكان التعبير بالولد أولى، بل لو عبر بـ (البعض)
الجزء: 1 - الصفحة: 575
كما قال في " التعليقة " .. لكان أولى؛ لأن الوالد في معنى الولد، وأصول الأب في معناه، وفروع الولد في معناه.
خامسها: ويستثنى أيضًا: ما إذا كان ولدًا معوّلًا على الكسب أو السؤال، كذا استثناه في " الحاوي " 66، وهو ظاهر من حيث المعنى، لكن الرافعي والنووي إنما ذكراه في انضمام الكسب أو السؤال إلى المشي 67.
سادسها: ينبغي أن يستثنى أيضًا: ما إذا كان الباذل أجنبيًا ماشيًا، لكنه امرأة محجوره المعضوب؛ فقد ذكر صاحب " التقريب " أن المرأة القادرة على المشي لو أرادت أن تحج ماشية .. كان لوليها منعها من ذلك، وقياسه: ما ذكرناه من أنه لا يجب القبول على من له المنع، ذكره في " المهمات ".
سابعها: محل استنابة المعضوب: ما إذا كان بينه وبين مكة مسافة القصر فأكثر؛ ففي أقل من مسافة القصر ليس له الاستنابة، بل يحج بنفسه؛ لقلة المشقة، حكاه في " شرح المهذب " عن المتولي، وأقره 68، وهذان إن صحا واردان على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
ثامنها: قول " التنبيه " [ص 70]: (وله من يطيعه)، وقول " الحاوي " [ص 236]: (أو متطوع) أحسن من قول "المنهاج " [ص 192]: (ولو بذل الولد الطاعة .. وجب قبوله) من وجهين:
اْحدهما: أن الأصح: وجوب التماس الحج عنه إذا توسم فيه أثر الطاعة، وذلك لا يفهم من عبارة " المنهاج "، وهو داخل في عبارتهما.
ثانيهما: أن عبارته لا تتناول الأب، وهو داخل في عبارتهما.
1400 - قول " التنبيه " [ص 70]: (والمستحب لمن وجب عليه ذلك وتمكن من فعله: ألَّا يؤخر ذلك، فإن أخره وفعله قبل أن يموت .. لم يأثم) محل جواز التأخير: ما إذا لم يخش العَضْبَ أو تلف المال، فإن خشي ذلك .. تضيق في الأصح، فإن مات من وجب عليه فأخَّرَ .. مات عاصيًا في الأصح من آخر سنةٍ في الأصح.
واعلم: أنه يستثنى من قولهم: (إن الحج على التراخي): ما إذا اجتمع القضاء وحجة الإسلام؛ بأن أفسد الصبي أو العبد حجه، ثم كمل واستطاع .. فتجب المبادرة لحجة الإسلام تفريعًا على الأصح: أن القضاء على الفور، والفرض الأصلي مقدم عليه.
الحديث: 1400 - الجزء: 1 - الصفحة: 576
بابُ المواقيت
1401 - قولهما: (وقت إحرام الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة) 69 أي: وما تخللها من الأيام التسعة، وقد أفصح عن ذلك " الحاوي " بقوله [ص 239]: (ووقته للحج: من شوال إلى صبح النحر) وعبارة الشافعي: وتسع من ذي الحجة 70.
واعترضه ابن داوود: بأنه إن أراد: الأيام .. فليقل: وتسعة، أو الليالي .. فهي عشر.
وأجاب الأصحاب: بأن المراد: الأيام والليالي جميعًا، وغُلِّب التأنيث في العدد، قاله الرافعي 71، وليس فيه جواب عن السؤال، وهو إخراج الليلة العاشرة، والأحسن: الجواب بإرادة الأيام، ولا يحتاج لذكر التاء؛ لأن ذاك مع ذكر المعدود، فمع حذفه .. يجوز الأمران، ذكره في " المهمات "، والسؤال معه باق في إخراج الليلة العاشرة، والله أعلم.
1402 - قولهم: (فلو أحرم به في غير وقته .. انعقد عمرة) 72 محله: ما إذا كان حلالًا، فإن أحرم بعمرة، ثم بحج في غير أشهره .. لم ينعقد عمرة؛ لأن العمرة لا تدخل في العمرة، ذكره القاضي أبو الطيب، وهو واضح.
1403 - قول " المنهاج " [ص 193]: (على الصحيح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وعبارة " الروضة " تقتضي أنه قولان، وأن مقابل المرجح قوي؛ لقطع بعضهم به، ومقتضى ذلك التعبير بالأظهر، وعبر في " الروضة " بالمذهب؛ للطرق في المسألة 73.
1404 - قولهما: (وجميع السنة وقت لإحرام العمرة) 74 يستثنى منه: الحاج إذا تحلل التحللين، وعكف بمنى للرمي؛ فإن عمرته لا تنعقد، وقد ذكره " الحاوي " بقوله [ص 239]: (لا للحاج بمنى)، وأجاب عنه النشائي وغيره: بأن الكلام في قابلية الزمان، والمنع فيما ذكر للتلبس بعبادة أخرى، هالا .. لورد على قولهما: (وقت إحرام الحج: شوال وذو القعدة وعشر ليالٍ من ذي الحجة): المعتمر بعد الطواف 75.
1405 - قول " التنبيه " فيمن أهله في الحرم [ص 71]: (ميقاته موضعه) محله: في الحاج ولو
الحديث: 1401 - الجزء: 1 - الصفحة: 577
كان قارنًا أو متمتعًا؛ فالمحرم بعمرة ميقاته: الحل، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 239]: (ومكانه: مكة للمقيم بها وإن قرن، وللمتمتع، وبالعمرة: الحل)، وعليه يدل تقييد " المنهاج " ذلك بالحج 76، وعليه يدل قول " التنبيه " في الإحرام بالعمرة [ص 79]: (إنه يخرج إلى أدنى الحل).
1406 - قوله: (وميقات أهل اليمن: يلملم) 77 المراد: تهامة اليمن دون نجده.
1407 - قوله: (وميقات أهل نجد: قرن) 78 المراد: نجد الحجاز ونجد اليمن، فإطلاق اليمن محمول على خاص بخلاف نجد، وقد أفصح عن ذلك " المنهاج " 79.
1408 - قوله: (فميقات المتوجه من المدينة) 80 أي: سواء أكان من أهلها أم من غيرهم، وقد أفصح عن ذلك " التنبيه " بقوله [ص 71]: (وهذه المواقيت لأهلها، ولكل من مر بها من غير أهلها) و" الحاوي " بقوله [ص 241]: (لأهلها والمار بها)، وفي " الكفاية " عن الفوراني: أنه يستثنى النائب، فإنه يُحْرِم من ميقات بلد المنوب عنه، فإن مر بغير ذلك الميقات .. أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد من ذلك الميقات من مكة.
1409 - قول " المنهاج " [ص 193] و" الحاوي " [ص 241]: (والأفضل: أن يحرم من أول الميقات) استثنى منه السبكي: ذا الحليفة، وقال: ينبغي أن يكون الإحرام فيها من عند المسجد الذي أحرم من عنده النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا، وقال في " المهمات ": قياس الإحرام من أول الميقات أن المكي يحرم من طرف مكة الأبعد عن مقصده، وهو عرفات، لا من باب داره، كما في " الحاوي " 81، وأيضًا ففي زيادة " الروضة ": أنه إن كان في الميقات مسجد .. استحب فعل ركعتي الإحرام فيه 82، ومقتضاه: استحباب فعلهما للمكي في المسجد الحرام، فكيف يجتمع مع تصحيحهم: أنه يحرم من باب داره، ثم يأتي المسجد؟ لأن الركعتين قبل الإحرام، وإطلاق " الحاوي " قوله [ص 241]: (ولكلٍ داره أولى) تبع فيه الرافعي؛ فإنه صححه 83، لكن صحح النووي: أن الميقات أفضل لغير المكي 84.
1410 - قول " المنهاج " [ص 193]: (فيمن سلك طريقًا لا ينتهي إلى ميقات وحاذى ميقاتين ..
الحديث: 1406 - الجزء: 1 - الصفحة: 578
فالأصح: أنه يحرم من محاذاة أبعدهما) أي: من مكة، محله: فيما إذا استوت مسافاتهما إليه، فلو كان الأبعد من مكة بعيدًا منه؛ بأن يكون بينه وبين مكة ثلاثة أميال وبينه وبين ذلك الشخص ميلان، والآخر بينه وبين مكة ميلان، لكن بينه وبين ذلك الشخص ميل واحد .. فالأصح: أنه يحرم من الأقرب إليه وإن كان أقرب إلى مكة، وعبارة " الروضة ": ولو حاذى ميقاتين طريقه بينهما؛ فإن تساويا في المسافة إلى مكة .. فميقاته ما يحاذيهما، وإن تفاوتا فيها وتساويا في المسافة إلى طريقه .. فوجهان، أصحهما: يتعين محاذاة أبعدهما، ثم قال: ولو تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه .. فالاعتبار بالقرب إليه أم إلى مكة؛ وجهان، أصحهما: الأول.
انتهى 85.
فجعل محل ترجيح الإحرام من الأبعد من مكة: ما إذا تساويا في المسافة إلى طريقه، ورجح فيما إذا لم يتساويا في القرب إليه: اعتبار القرب إليه، وذلك يرد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 240]: (وحيث حاذى واحدًا أولًا) ولا يرد على قول " التنبيه " [ص 71]: (إذا حاذى أقرب المواقيت إليه) والمراد بالمحاذاة هنا: المسامتة عن اليمين أو الشمال دون الظهر أو الوجه.
1411 - قول "المنهاج " [ص 193]: (وإن بلغه مريدًا .. لم تجز مجاوزته بغير إحرام) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزه يمينًا أو شمالًا، وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد .. جاز، قاله الماوردي، ومثّله بالعراقي بترك ذات عرق، ويعرج إلى ذي الحليفة، ولو عكسه المدني .. لم يجز، وعليه دم 86.
قال المحب الطبري: وقياسه في المكي: أن يجاوز مكة إلى غير جهة عرفة، ثم يحرم محاذيًا لمكة، قال: ولم أره مصرحًا به.
ثانيهما: أنه يوهم التحريم وإن عاد قبل التلبس بنسك، لكن قال في " البيان ": ظاهر الوجهين: أنا حيث أسقطنا الدم بالعود .. لا تكون المجاوزة حرامًا، حكاه عنه في " شرح المهذب " 87، وحكى في " الكفاية " عن الروياني الجزم به 88، ونقله في " المهمات " عن المحاملي، قال شيخنا ابن النقيب: فيلزم منه أن مجرد المجاوزة لا يحرم، إلا أن يُحمل على سقوط الإثم بعد أن كان 89، وقال المحاملي: شرط انتفاء التحريم: أن تكون المجاوزة بنية العود، قال في " المهمات ": والذي قاله لا بد منه.
الحديث: 1411 - الجزء: 1 - الصفحة: 579
1412 - قول " المنهاج " [ص 193]: (فإن فعل .. لزمه العود ليحرم منه)، قال شيخنا ابن النقيب: الذي يظهر أنه لا يتعين ذلك، بل له أن يحرم في موضعه، ثم يعود محرمًا؛ تفريعًا على أن ذلك يسقط الدم، كما هو الصحيح 90، وذكره في " المهمات " جازمًا به، وقال: إنه لا شك فيه، قال: وصرح به غيره، قال: ويدل عليه تعليله بأن المقصود: قطع المسافة محرمًا، قال في " المهمات ": ولو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر .. جاز، صرح به الإمام 91.
1413 - قوله: (إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مخوفًا) 92 كذا لو خاف الانقطاع عن الرفقة، قاله الرافعي، وجعله قسمًا ثالثًا 93، ومقتضاه: أنه عذر مع الأمن، وسببه مشقة الاستيحاش، كما سبق نظيره في التيمم، وكذا لو كان به مرض شاق، قاله في " شرح المهذب " 94، وكذا لو كان ماشيًا وهو على مسافة القصر، كما بحثه في " المهمات " فقال: إنه المتجه، كما في الحج ماشيًا.
1414 - قوله: (فإن لم يعد .. لزمه دمٌ) 95 أي: في غير ما تقدم استثناؤه، ولا يفهم الاستثناء المذكور من قول " التنبيه " [ص 71]: (ومن جاوز الميقات مريدًا للنسك، ثم أحرم دونه .. فعليه دم)، ولا من قول " الحاوي " في موجبات الدم [ص 257]: (وترك الأحرام من الميقات بلا عود قبل نسك) ثم شرط وجوب الدم إذا لم يعد: أن يحرم؛ إما بالعمرة مطلقًا، وإما بالحج في تلك السنة، فإن لم يحرم أصلًا، أو أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة .. فلا دم، حكاه في " المهمات " فيما إذا لم يحرم عن الماوردي وغيره، وإنهم عللوه: بأن الدم إنما يجب لنقصان النسك، ولا يجب بدلًا من النسك 96، قال: ويؤيده أنا إذا قلنا بوجوب الإحرام على داخل مكة فتركه .. فلا شيء عليه، كما نقله الرافعي عن ابن كج، وأقره 97، وحكاه في " شرح المهذب " فيما إذا حج في السنة الآتية عن الدارمي 98، وحكاه في "الكفاية" عن القاضي حسين والبغوي 99،
الحديث: 1412 - الجزء: 1 - الصفحة: 580
قال في " المهمات ": وفي كلام الرافعي في حج الصبي ما يدل له.
انتهى 100.
وفي " البيان ": سمعت الشريف العثماني من أصحابنا يقول: المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير مُحْرِم وهو مريد للنسك، فبلغ مكة من غير إحرام، ثم خرج منها إلى ميقات بلد آخر، مثل ذات عرق أو يلملم، وأحرم منه .. لا دم عليه؛ لأنه لا حكم لإرادته النسك لمَّا بلغ مكة غير محرم، فصار كمن دخل مكة غير محرم .. لا دم عليه 101.
قال في " شرح المهذب ": وما ذكره محتمل، وفيه نظر 102، قال السبكي: ولا شك أنه مخالف لمقتضى كلام القاضي الحسين والبغوي والمتولي، لكن كلام الماوردي محتمل له، قال: وكيفما قُدِّر .. فكلام القاضي الحسين أصح.
1415 - قولهما: (إن عاد قبل تلبسه بنسك .. سقط عنه الدم) 103 يقتضي وجوبه، ثم سقوطه، وهو وجه حكاه الماوردي، وصحح أنه لم يجب أصلًا؛ لأن وجوبه معلق بفوات العود 104، وهو المفهوم من عبارة " الحاوي " المتقدم ذكرها 105.
1416 - قول " التنبيه " [ص 71]: (ومن كان داره فوق الميقات .. فالأفضل: ألَّا يحرم إلا من الميقات في أصح القولين) كذا صححه النووي، وقال: إنه الموافق للأحاديث الصحيحة 106، وصحح الرافعي: أن الأفضل: أن يحرم من دويرة أهله 107، وعليه مشى " الحاوي " 108، وذكر " المنهاج " التصحيحين 109، ويستثنى من الخلاف: الحائض والنفساء، فحكى صاحب " التقريب " عن نص الشافعي أنه قال: لا أحب لهما أن يقدما إحرامهما قبل وقتهما، حكاه في " المهمات " وقال: أراد بالوقت: الميقات، قال: وذكر الرافعي في سنن الإحرام ما يقويه 110.
الحديث: 1415 - الجزء: 1 - الصفحة: 581
1417 - قول " المنهاج " في العمرة [ص 194]: (ومن بالحرم: يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة) قد يفهم أنه لو خرج بأقل من خطوة .. لا يكفي، وليس كذلك، وحينئذ .. فإطلاق " التنبيه " أدنى الحل و" الحاوي " الحل أولى 111، وتعبير " المنهاج " بـ (الحرم) أولى من تعبير " التنبيه " و" الحاوي " بـ (مكة) 112 لأن حكم بقية الحرم في ذلك حكم مكة.
1418 - قول " التنبيه " [ص 79]: (فإن أحرم بها، ولم يخرج إلى أدنى الحل .. ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه، والثاني: يجزئه) الأظهر: الثاني، وعليه مشى " المنهاج " فقال [ص 194]: (فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة - أي: بعد الإحرام بها في الحرم - .. أجزأته في الأظهر وعليه دم).
1419 - قول " المنهاج " [ص 194]: (فلو خرج إلى الحل بعد إحرامه .. سقط الدم) أي: قبل الطواف والسعي، وكذا يرد على تقييد " التنبيه " محل الخلاف بقوله [ص 79]: (ولم يخرج إلى أدنى الحل).
1420 - قول " التنبيه " [ص 79]: (والأفضل: أن يحرم من التنعيم) مردود، والذي ذكره غيرِه: أن أفضل بقاع الحل للإحرام منه بالعمرة: الجِعْرَانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 113، وذكر النووي في " الروضة " أن ما في " التنبيه " غلط 114؛ ولذلك عبر عن مقابله في " تصحيحه " بالصواب 115، لكن في " شرح التنبيه " للمحب الطبري: إن بعض الأصحاب وافق الشيخ على ما جزم به، وفي " الأم ": إن بعض الحديبية من الحل، وبعضها من الحرم.
انتهى 116.
فعلى هذا: يحتاج المعتمر أن يخرج إلى ما هو الحل منها، وأطلق الجمهور كونها من الحل، وقال مالك وغيره: هي من الحرم 117، فإن لم يخرج إلى واحد من الثلاثة .. استحب أن يجعل وراءه بطن واد، ثم يحرم، ذكره المتولي والبغوي والخوارزمي، وحكاه في " الإبانة " عن نص الشافعي رضي الله عنه، كما ذكره شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله.
الحديث: 1417 - الجزء: 1 - الصفحة: 582
بابُ الإحرام
1421 - قول " التنبيه " [ص 71]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 241]: (فإن أحرم مطلقًا، ثم صرفه إلى حج أو عمرة .. جاز) محله: إذا كان في أشهر الحج، فإن كان في غير أشهره .. انعقد عمرة، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص 195]: (وإن أطلق في غير أشهره .. فالأصح: انعقاده عمرة)، وعبر في " الروضة " بالصحيح 118.
وبَقِيَ على " التنبيه ": أنه له صرفه إليهما معًا، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص 195]: (إلى ما شاء من النسكين أو إليهما)، وهو مقتضى قول " الحاوي " [ص 241]: (عَيَّنَ لما شاء).
ويرد عليهم جميعًا: أن محل صرفه لما شاء منهما: إذا صلح الوقت لهما، فلو فات وقت الحج .. صرفه إلى العمرة، قاله الروياني 119، وقال القاضي حسين: يحتمل أن يتعين عمرة، ويحتمل أن يبقى الإبهام، فإن عيّنه لعمرة .. فذاك، أو لحج .. فكمن فاته الحج، قال في " المهمات ": ولو ضاق .. فالمتجه - وهو مقتضى إطلاق الرافعي -: أن له صرفه إلى ما شاء، ويكون كمن أحرم بالحج في تلك الحالة 120.
1422 - قول " المنهاج " فيما إذا أحرم كإحرام زيد [ص 195]: (انعقد إحرامه كإحرامه) يتناول ما إذا أحرم زيد بعمرة بنية التمتع .. فإحرامه بعمرة، ولا يلزمه التمتع، وكذلك لو كان زيد قد أحرم بعمرة، ثم أدخل الحج عليها .. فإحرامه بعمرة وحدها، وقد تفهم عبارة " المنهاج " غير ذلك، وقد أوضح ذلك " الحاوي " بقوله [ص 241]: (وإن كان زيد أحرم بالعمرة، ثم أدخل الحج .. فإحرامه بالعمرة).
1423 - قول " الحاوي " [ص 241]: (لا إن بدأ مُفَصّلًا) أي: لا إن بدأ زيد بالإحرام مفصلًا؛ فإنه ينعقد إحرام ذلك الشخص مُفَصّلًا، وهذا إذا كان زيد مسلمًا، فإن كان كافرًا وأتى بصورة إحرام مفصل .. فلا يتبعه في التفصيل على الصواب في " الروضة "، وإنما ينعقد مطلقًا 121، وقد دل على ذلك قول " المنهاج " [ص 195]: (فإن لم يكن زيد محرمًا .. انعقد إحرامه مطلقًا) فإن الكافر غير محرم، ولو أتى بصورة الإحرام.
1424 - قول " المنهاج " [ص 195]: (وإن تعذر معرفة إحرامه بموته .. جعل نفسه قارنًا
الحديث: 1421 - الجزء: 1 - الصفحة: 583
وعمل أعمال النسكين) فيه أمران:
أحدهما: كذا عبر في " الروضة " أيضًا بالتعذر 122، وعبارة " الحاوي " [ص 241]: (وإن عسر مراجعته)، وبينهما فرق؛ فقد يعسر الشيء ولا يتعذر.
ثانيهما: التقييد بالموت مُضِر؛ فالتعذر بغيره كالجنون والغيبة كذلك؛ ولذلك أطلقه "الحاوي".
1425 - قول " التنبيه " [ص 71]: (وإن أحرم بنسك، ثم نسيه .. ففيه قولان، أحدهما: أنه يصير قارنًا، والثاني: أنه يتحرى، وبصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما) فيه أمور:
أحدها: أن الأصح: الأول، إلا أن تعبيره بصيرورته قارنًا موافق لنص الشافعي في قوله: إنه قَارِن 123، لكن الأصحاب قالوا: معناه: أنه ينوي القرَان، قاله الرافعي 124؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 241، : (جعله قرانًا) قال الرافعي: وأغرب الحناطى فحكى قولًا: أنه يصير قارنا من غير نية.
انتهى 125.
وهذا موافق لتعبير الشيخ، فمتى أخذنا عبارته على ظاهرها .. كان الأصح: غير القولين الذين حكاهما، لكن ذكر الرافعي في آخر كلامه أنه لا يلزم أن يجعل نفسه قارنًا، وحكاه عن إمام الحرمين 126، وقال النووي في " شرح المهذب ": إنه لا خلاف فيه، بل الذي يجب إنما هو نية الحج 127.
ثانيها: قد يفهم من عبارته أنه يبرأ من النسكين ولو كانا عليه، وليس كذلك، بل إنما يسقط عنه الحج، وقد ذكره " الحاوي " بقوله [ص 241]: (وبرئ من الحج فقط).
ثالثها: أنه يقتضي على الثاني: أنه لا بد من صرف إحرامه إلى أحدهما، وليس كذلك، بل إذا ظن شيئًا .. مضى فيه وأجزأه.
رابعها: أن كلامه يفهم أن محل الخلاف: إذا شك هل أحرم بحج أو عمرة؟ فإنه قال: (على ظنه منهما)، وكذا حكاه الماوردي عن البصريين، وإنهم قالوا: لو وقع الشك في أنه حج أو عمرة أو قران .. تعيّن القول الأول جزمًا، لكن حكى عن البغداديين إجزاءهما في الصورتين 128، ونقله ابن الرفعة عن حكاية الجمهور.
الحديث: 1425 - الجزء: 1 - الصفحة: 584
1426 - قول " الحاوي " [ص 241]: (وإن طاف فشك - أي: شك بعد الطواف فيما أحرم به أولًا - سعى وحلق وأحرم بالحج وَبَرِئَ منه) يقتضي: أمره بذلك، وبه قال ابن الحداد، وقال الأكثرون: إن فعل ذلك .. فالجواب ما ذكره، ولكن لا نفتيه به؛ لاحتمال أنه مُحْرِم بالحج، فكيف يحلق؟ واختار الغزالي الأول (1)؛ لأن الحلق يباح بالعذر، فضرر الاشتباه أكثر، وصححه في " شرح المهذب " (2)، ونبه شيخنا الإمام البلقيني على أمرين:
أحدهما: منع الحلق، وأنه يقتصر على التقصير بأقل ما يمكن؛ لأن به تزول الضرورة، قال: ولم أر من تعرض لذلك، وهو من النفائس.
ثانيهما: أن هذا الحلق لا يستفيد به حل الجماع ولا غيره من المحرمات المتوقفة على التحلل الأول، فلو جامع ثم أحرم بالحج .. لم يصح حجه؛ لجواز كون إحرامه السابق حجًا، وقد جامع فيه قبل التحلل الأول، ففسد نسكه، وما أتى به لا يقتضي صحته، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
فصلٌ [نية الإحرام ومستحباته]
1427 - قول " التنبيه " [ص 71]: (وينوي الإحرام) اعترض عليه: بأن الإحرام هو النية، وقد ذكر ذلك " الحاوي " في قوله [ص 239]: (وركنهما الإحرام).
وجوابه: أن الإحرام يطلق على النية، وهو مراد " الحاوي "، وعلى نفس الدخول في النسك، وهو مراد " التنبيه " بقوله [ص 71]: (وينوي الإحرام)، وهو معنى قول " المنهاج " [ص 195]: (المحرم ينوي) أي: الدخول في النسك، قال في " الروضة ": صفة النية: أن ينوي الدخول في الحج أو العمرة أو فيهما، والتلبس به، والواجب: أن ينوي هذا بقلبه، وإن ضم إلى نية القلب التلفظ .. كان أفضل.
انتهى 131.
ولا يجب التعرض لنية الفرضية جزمًا، كما اقتضاه كلام البندنيجي والماوردي 132؛ لأنه لو نوى النفل .. وقع فرضًا.
1428 - قول " التنبيه " [ص 71]: (ولا يستحب أن يذكر ما أحرم به في تلبيته) فيه أمران:129130
الحديث: 1426 - الجزء: 1 - الصفحة: 585
أحدهما: أن الأحسن: أن يقول: ويستحب ألَّا يذكر ما أحرم به في تلبيته؛ فإنه لا يلزم من عدم استحباب الذكر استحباب عدم الذكر.
ثانيهما: محل ذلك: في غير التلبية الأولى، فيستحب في الأولى التي عند الإحرام تسمية ما أحرم به، حكاه في " شرح المهذب " عن الشيخ أبي محمد، وجزم به ابن الصلاح في " المناسك " والنووي في " الأذكار "، وصوبه السبكي 133، قال في " المهمات ": لكن في " التقريب " عن النص في " الإملاء " وغيره: أنه لا يستحب التعيين في التلبية الأولى أيضًا، فثبت أن الصواب: هو الإطلاق.
انتهى.
واعلم: أنهم عللوا كونه لا يذكر ما أحرم به في تلبيته: بأن إخفاء العبادة أفضل، قال في " المهمات ": وهو تعليل عجيب؛ فإن الحج والعمرة من العبادات التي لا يتأتى فيها الإخفاء، سلمنا، لكن إظهار العبادة الواجبة أفضل، فينبغي التفرقة.
1429 - قول " الحاوي " [ص 244]: (والسنة الغسل للإحرام ولو في الحيض) كذا النفاس، فلو لم يذكر هذه الزيادة كما في " التنبيه " و" المنهاج " .. لكان أبعد من الإيهام، ومقتضى إطلاقهم استحبابه للمجنون والصبي غير المميز، قال في " المهمات ": وهو صحيح.
1430 - قول " التنبيه " [ص 71]: (فإن لم يجد الماء .. تيمم) كذا لو امتنع استعماله لمرض أو احتاج إليه لعطش، فلو قال: (فإن عجز) كما في " المنهاج " و" الحاوي " 134 .. لكان أحسن، فإن وجد بحض ما يكفيه .. توضأ، حكاه الرافعي عن " التهذيب "، وأقره 135، واعترضه النووي، فقال: إن أراد: يتوضأ، ثم يتيمم .. فحسن، وإن أراد: الاقتصار على الوضوء .. فليس بجيد؛ لأن المطلوب الغسل، فالتيمم يقوم مقامه دون الوضوء.
انتهى 136.
ونص الشافعي يقتضي الاقتصار على الوضوء؛ حيث قال: (فإن لم يجد ماء يكفيه للغسل .. توضأ، فإن لم يجد ماء بحالٍ .. تيمم) فيقوم ذلك مقام الغسل والوضوء، حكاه المحاملي والماوردي 137.
1431 - قولهم: (ولدخول مكة) 138 يستثنى منه: ما إذا خرج من مكة، فأحرم بالعمرة من التنعيم، واغتسل لإحرامه، ثم أراد دخول مكة .. فلا يغتسل، بخلاف ما إذا أحرم من مكان
الحديث: 1429 - الجزء: 1 - الصفحة: 586
بعيد، كالجعرانة والحديبية، قاله الماوردي 139، قال ابن الرفعة: ويظهر أن يقال بمثله في الحج إذا أحرم به من التنعيم ونحوه، لكونه لم يخطر له إلا ذلك الوقت.
1432 - قول " الحاوي " [ص 244]: (بذي طوى) محله: إذا كانت طريقه، وإلا .. فيغتسل من نحو تلك المسافة.
واعلم: أن استحباب هذا الغسل لا يختص بالمُحْرِم، بل هو مستحب للحلال أيضًا، كما نقله الشافعي في " الأم " عن فعله عليه الصلاة والسلام عام الفتح 140، وكذا يستحب لدخول المدينة أيضًا، كما في كتاب " الأقسام والخصال " لأبي بكر الخفاف، وفيه: أنه يستحب لدخول الحرم أيضًا.
1433 - قول " الحاوي " [ص 244]: (ومزدلفة) أي: غداة النحر، كما صرح به "المنهاج " 141.
1434 - قول " التنبيه " [ص 20]: (والغسل للرمي) أي: أيام التشريق، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 142، ولا يستحب لرمي جمرة العقبة يوم النحر، وجزم الخفاف في " الخصال " باستحبابه، وهو غريب، وإنما يستحب في أيام التشريق الثلاثة إن لم يتعجل، فإن تعجل .. ففي اثنين فقط.
1435 - قول " التنبيه " [ص 20]: (والغسل للطواف) أي: طواف الركن، كما قيده في " الكفاية "، وهو قول قديم، وجزم به النووي في " مناسكه " 143، لكن الصحيح 144: المنع؛ ولذلك لم يذكره " المنهاج " و" الحاوي "، وجزم النووي في " مناسكه " أيضًا باستحبابه لطواف الوداع 145، وأجرى القاضي أبو الطيب القول القديم في طواف القدوم أيضًا.
1436 - قول " المنهاج " [ص 196]: (وأن يُطَيِّب بدنه للإحرام، وكذا ثوبه في الأصح) تبع فيه " المحرر " 146، وهو ظاهر قول " التنبيه " [ص 71]: (وتطيب) وقول " الحاوي " [ص 244]: (والتطيب)، لكن الذي في " الروضة " وأصلها حكاية الخلاف في الثوب في الجواز، وتصيم الجواز، وتوجيه المنع: بأنه ينزع، ثم يلبس، فلبسه ثانيًا حرام 147، فليحترز من ذلك على الوجه
الحديث: 1432 - الجزء: 1 - الصفحة: 587
المصحح، وفي " شرح المهذب ": أنه لا يُندب جزمًا، وأغرب المتولي، فحكى فيه خلافًا 148، قال في " المهمات ": وسبقه إليه شيخه القاضي حسين.
قلت: فعلى الأول تحمل عبارة " التنبيه " و" الحاوي " على تطييب البدن خاصة.
1437 - قول " المنهاج " [ص 196]: (وأن تُخَضِّب المرأة للإحرام بدها) و" الحاوي " [ص 244]: (والمرأة تخضب كل اليد) أي: إلى الكوعين فقط، ويندب أيضًا: أن تمسح وجهها بحناء، والخنثى هنا كالرجل، فيحرم عليه الاختضاب، ذكره في " شرح المهذب " 149.
1438 - قول " التنبيه " [ص 71]: (ويتجرد عن المخيط) أي: الرجل، كما قيده " المنهاج " من زيادته على " المحرر " 150، قال في " الكفاية ": وكأن الشيخ أهمله لوضوحه، وقد ضبط النووي في " المنهاج " قوله [ص 196]: (يَتَجَرَّدُ) بخطه بضم الدال؛ أي؛ لأنه واجب، فلا يعطف على السنن، ويوافقه أن الرافعي لما حكى عن الغزالي التجرد بالصفة المذكورة .. قال: وأما مجرد التجرد، فلا يمكن عده من السنن؛ لأن ترك لبس المخيط في الإحرام لازم، ومن ضرورة ذلك لزوم التجرد قبل الإحرام 151.
قال السبكي: وفيما قاله نظر؛ لأنه لم يحصل سبب الوجوب قبل الإحرام، وإنما يجب عليه النزع إذا أحرم، ولا يكون عاصيًا بنزعه، وتقديم النزع قبل الإحرام سنة، قال: فصح أن يقرأ: (ويتجرد) بالنصب، وهو أحسن.
انتهى.
ويؤيده قول الرافعي والنووي في الصيد: إنه لا خلاف أنه لا يجب عليه إزالته عن ملكه قبل الإحرام 152، ويوافقه أيضًا: أنه لو قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق .. لا يمتنع وطئها على الصحيح، ويجب النزع بمجرد الإيلاج.
وقول " التنبيه " [ص 71]: (عن المخيط) أحسن من قول " المنهاج " [ص 196]: (عن مخيط الثياب) لتناوله الخف والنعل؛ فهما مخيطان وليسا من الثياب، ويرد عليهما معًا: أن في معنى المخيط: اللبد والمنسوج ونحوهما مما له استدارةٌ، فلو عبرا بـ (المُحيط) بضم الميم وبالحاء المهملة .. لكان أحسن وأعم.
1439 - قول " التنبيه " [ص 71]: (في إزار ورداء أبيضين جديدين أو نظيفين) قد يفهم مساواة المغسول للجديد، وليس كذلك.
الحديث: 1437 - الجزء: 1 - الصفحة: 588
1440 - قولهم: (ويصلى ركعتين) 153 يستثنى منه: وقت الكراهة، فلا يفعلهما فيه على الأصح.
1441 - قول " الحاوي " [ص 245]: (وتأدّت بفريضةٍ) كذا في " الروضة " وأصلها 154، وقال في " شرح المهذب ": فيه نظر؛ لأنها مقصودة، فلا تندرج كسنة الصبح.
انتهى 155.
ويشهد له قوله في " الأم ": (أَحْبَبْتُ له أن يصلي نافلة، فإن أَهَلَّ في إِثْرِ مكتوبةٍ أو في غير إثر صلاةٍ .. فلا بأس) 156.
وكذا تتأدى بالسنة الراتبة كما ذكره القاضي حسين، وعليه الإشكال المتقدم، وفي " الكفاية " عن الماوردي وغيره: أن استحباب الركعتين إذا لم يكن إحرامه في وقت فريضة أو راتبة، وإلا .. صلى ذلك، ثم أحرم 157.
1442 - قول " المنهاج " [ص 196]: (الأفضل: أن يُحْرِمَ إذا انبعثت به راحلته أو توجه لطريقه ماشيًا) عبارة " المحرر ": (دابته) 158 وهي أشمل، ولكن أراد في " المنهاج ": التبرك بلفظ الحديث، وتناول ذلك كله قول " التنبيه " [ص 71]: (فإذا بدأ بالسير .. أحرم)، ويستثنى من ذلك: الإمام الذي يخطب يوم السابع؛ فإنه يندب أن يخطب محرمًا، فيتقدم إحرامه على سيره بيوم، قاله الماوردي 159.
1443 - قولهما: (ويستحب إكثار التلبية) 160 قال " الحاوي " [ص 245]: (لا في طواف القدوم) أي: فإنه لا يستحب التلبية فيه، وذكره في " المنهاج " بعد ذلك 161، وكذا السعي وطواف الإفاضة والوداع أيضًا، وخص القدوم بالذكر للخلاف فيه، ولو حُذِفَ القدوم وأُطْلِقَ الطواف .. لكان أحسن، كما في " التنبيه "، ولا يلبي في الطواف، قال القاضي أبو الطيب: وتكره التلبية في الأخلية ومواضع النجاسات.
1444 - قول " المنهاج " [ص 196]: (وَرَفْعُ صَوْتهِ بها) محله: في الرجل، أما المرأة ..
الحديث: 1440 - الجزء: 1 - الصفحة: 589
فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها، وقد صرح به " التنبيه " و" الحاوي " 162، وقد يفهم من تذكير " المنهاج " الضمير في قوله: (صوته) فهو أحسن من تعبير " المحرر " بـ (الصوت) 163، والخنثى كالمرأة، قاله في " البيان " 164، فإن جهرت .. لم يحرم؛ لأن صوتها ليس بعورة على الصحيح، كذا في " الروضة " وأصلها عن الروياني من غير مخالفة، قال النووي: بل يكره 165، قال الدارمي: ويحتاج إلى الفرق بينه وبين الأذان حيث صححوا تحريم رفع صوتها به 166، وفي " شرح مسلم " للنووي: ليس لها الرفع بالتلبية؛ فإنه يخاف الفتنة بصوتها.
انتهى 167.
وظاهره: التحريم، وفي الرافعي: (كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة) 168، ومقتضى التشبيه بالصلاة: جهر المرأة بها إذا كانت وحدها أو بحضرة زوج أو محرم؛ لأن الصحيح في الصلاة: الجهر لها في هذه الأحوال.
واستثنى الشيخ أبو محمد من الرفع: التلبية المقترنة بالإحرام، فلا يجهر بها، وأقره النووي عليه 169، وهو مفهوم من قول " المنهاج " [ص 196]: (في دوام إحرامه).
1445 - قوله: (وخاصة عند تغاير الأحوال) 170 ليس في " المحرر ".
1446 - قولهما: (وإذا فرغ من تلبيته .. صلئ على النبي صلى الله عليه وسلم) 171 قد يفهم أنه يرفع صوته به كالتلبية، وقد قال النووي: يأتي بها بصوت أخفض من صوت التلبية 172.
1447 - قولهما: (وإذا رأى شيئًا يعجبه .. قال: " لبيك إن العيش عيش الآخرة ") 173 كذا إذا رأى شيئًا يكرهه.
الحديث: 1445 - الجزء: 1 - الصفحة: 590
باب دخول مكّة
1448 - كذا بوب في " المنهاج " من زيادته على " المحرر " 174، وتبويب " التنبيه " (باب صفة الحج) أولى 175، لعمومه دخول مكة وغيره من صفة الحج.
1449 - قول " الحاوي " [ص 244]: (إن الغسل لدخول مكة بذي طوى) محله: إذا كانت طريقه، وإلا .. فيغتسل من نحو تلك المسافة، كما في " شرح المهذب " وغيره 176، وقد ذكر " المنهاج " ذلك بقوله [ص 197]: (وأن يغتسل داخلها من طريق المدينة بذي طوى).
واعلم: أنها هي أيضًا طريق الشام ومصر والمغرب وغيرها، وقد أعاد " المنهاج " ذكر الغسل هنا؛ لبيان موضعه لا لأصل مشروعيته؛ فإنه قدم ذكره، وقوله في " التوشيح ": (ليس فيه تصريح باستحبابه لكل داخل) مردود؛ فقد صرح به في الباب قبله بقوله: (ولدخول مكة) 177.
1450 - قول " المنهاج " [ص 197]: (ويدخلها من ثنية كَدَاءٍ) أي: داخلها من طريق المدينة ونحوها، كذا في " المحرر " 178، وحكاه الرافعي في " الشرح " عن الأصحاب، وأنهم قالوا: إن الآتي من غير تلك الطريق لا يؤمر أن يدور ليدخل منها، وأن دخوله عليه الصلاة والسلام منها كان اتفاقيًا؛ لكونها على طريقه، لكن صحح النووي: استحباب الدخول منها لكل آت من كل جهة 179، وهو مقتضى إطلاق " التنبيه " و" الحاوي " 180، قال السبكى: وهو الحق، ومنع الشيخ أبو محمد كونها على طريقه، بل عدل إليها قصدًا، والمشاهدة تشهد له، وزاد " التنبيه " و" الحاوي ": أنه يخرج من ثنية كُدَى - بضم الكاف والقصر - وهي أسفل مكة، والمعنى فيه: الذهاب من طريق والرجوع في أخرى، كالعيد وسائر العبادات؛ ليشهد له الطريقان، ذكره النووي في " رياض الصالحين " 181، واختصت العُلْيا بالدخول؛ لكون الداخل يقصد موضعًا عالي المقدار، والخارج عكسه، ذكره في " المهمات "، وأيضًا: فإن إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ كان على كَدَاءٍ الممدود، كما روي عن ابن
الحديث: 1448 - الجزء: 1 - الصفحة: 591
عباس 182، فاستحب الدخول منها؛ لذلك قال السهيلي: ويحتمل أن ذلك لبعدها بالنسبة إلى أكثر البلاد، فاستحب الدخول من البعيدة والخروج من القريبة، كما قالوا في قاصد العيد ونحوه: إنه يذهب في أبعد الطريقين؛ لزيادة الأجر، والله أعلم.
1451 - قول " المنهاج " [ص 197]: (ويقول إذا أبصر البيت)، و" التنبيه " [ص 75]: (إذا رأى) قد يفهم أن الأعمى والداخل في ظلمة لا يقول ذلك، والظاهر: أنهما كغيرهما، وخرج ذكر الرؤية على الغالب؛ ولذلك عبر " الحاوي " بـ (لقاء البيت) 183.
1452 - قول " التنبيه " في الدعاء المذكور [ص 75]: (زد هذا البيت تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا ومهابةً وبرا) كذا في " الوجيز " أيضًا 184، وقال الرافعي: إنه لم يره إلا للغزالي، وإنه لا ذكر له في الخبر ولا في كتب الأصحاب، قال: بل البيت لا يتصور منه برٌّ.
انتهى 185.
ولذلك لم يذكر " المنهاج " و" الحاوي " هذه اللفظة، لكن اعترض النووي في " تهذيبه " على الرافعي: بأن الأزرقي قد روى فيه هذه اللفظة بإسناد مرسل من حديث مكحول، وهو مُتصوّر من البيت مجازًا، وهو أن بِرّه زيارته، كما أن من بر الوالدين والأقارب زيارتهم، فمعناه: الدعاء بكثرة زائريه 186.
1453 - قول " المنهاج " [ص 197]: (ثم يدخل المسجد من باب بني شيبة) أي: سواء أجاء من جهته أم لا، بخلاف ما تقدم في دخول مكة؛ فإن فيه الخلاف السابق، وقد تفهم عبارة " المنهاج " التسوية بينهما في ذلك، وأنه معطوف عليه.
1454 - قولهما: (ويبتدئ بطواف القدوم) 187 يستثنى منه: ما لو خاف فوت المكتوبة، أو وجد جماعتها قائمة، أو خاف فوت سنة مؤكدة، وكذا لو تذكر فائتة مكتوبة، كما في " شرح المهذب " عن الأصحاب 188، وكذا المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز للرجال إذا قدمت نهارًا .. فإنه يندب لها تأخيره إلى الليل، كما في " شرح المهذب " وغيره 189، ونص الشافعي في " الأم " على هذا المستثنى كله 190، كما حكاه شيخنا الإمام البلقيني، ويستثنى أيضًا: ما إذا كان له عذر ..
الحديث: 1451 - الجزء: 1 - الصفحة: 592
فيبدأ بإزالته قبل الطواف، كما حكاه في " الكفاية " عن الماوردي 191.
1455 - قول " المنهاج " [ص 197]: (ويختص طواف القدوم بحاجٍّ دخل مكة قبل الوقوف) فيه أمور:
أحدها: اعترض على تعبيره: بأنه مقلوب، وصوابه: (ويختص حاج دخل مكة قبل الوقوف بطواف القدوم) فإن الباء تدخل على المقصور 192.
ثانيها: مقتضاه: أنه غير مشروع للمعتمر، لكن في " الروضة " وأصلها أن المعتمر إذا طاف للعمرة .. أجزأه عن طواف القدوم، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد 193، وهذا يقتضي أن المعتمر يندب له طواف القدوم، لكنه يسقط بالفرض، وينبغي حينئذ .. أن الحاج الداخل مكة بعد الوقوف يشرع له طواف القدوم، ويسقط بطواف الإفاضة، وقد صرح بذلك السبكي، وقال شيخنا ابن النقيب: الذي يظهر أن المعتمر والحاج بعد الوقوف لا يؤمران بطوافٍ يخص القدوم مع خطابهما به، فيحصل لهما ثوابه في ضمن الواجب 194، وذكر شيخنا في " المهمات " نحوه.
ثالثها: مقتضى كلامه: أن غير المحرم إذا دخل مكة .. لا يشرع له طواف قدوم، والذي في " الروضة " وأصلها: أنه يأتي به كل من دخلها، سواء أكان تاجرًا أو حاجًا أو غيرهما 195، قال في " شرح المهذب ": إلا من دخل محرمًا بعمرة أو حج بعد الوقوف كما سبق 196، وقال بعضهم: إنما أراد " المنهاج ": الاحتراز عن الداخل بعمرة.
1456 - قول " التنبيه " في أول الحج [ص 69]: (ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة، إلا أن ينذر، أو يدخل إلى مكة لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة .. فيلزمه الإحرام بالحج أو العمرة في أحد القولين، ولا يلزمه ذلك في الآخر) فيه أمور:
أحدها: الأصح: أنه لا يلزمه ذلك، وإنما يستحب، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " بقوله في ذكر السنن: (ويُحْرِم بنسك غير مريده لدخولها) 197، لكن صحح النووي في " نكت التنبيه ": الوجوب، وقال في " البيان ": إنه الأشهر 198.
الحديث: 1455 - الجزء: 1 - الصفحة: 593
ثانيها: لا يختص ذلك بدخول مكة، فدخول مطلق الحرم كذلك، كما نقله الرافعي عن بعضهم (1)، وصوبه النووي ونقل اتفاق الأصحاب عليه، قال: وصرح به خلائق، وعد جماعة (2)، وهذا وارد على تعبير " المنهاج " أيضًا تبعًا " للمحرر " بقوله: (ومن قصد مكة) (3)، وعلى قول " الحاوي " [ص 245]: (لدخولها).
ثالثها: يشترط في الوجوب أيضًا: أن يكون الداخل حرًا، فلا يلزم العبد وإن أذن سيده على المذهب، وأن يدخلها من الحل، وألَّا يكون دخوله لقتال، ولا هو خائف من قتال أو ظالم أو غريم يحبسه، وهو معسر لا يمكنه معه الظهور لأداء النسك، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا.
رابعها: يرد على الحصر في النذر ودخول مكة: إفساد النسك؛ فإنه من العوارض الموجبة لتكرر الإحرام، وقد استثناه الرافعي (4).
فصلٌ [شروط الطواف]
1457 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فيشترط ستر العورة، وطهارة الحدث والنجس) 203 فيه أمور:
أحدها: أن مرادهم: اشتراط الطهارة عن النجاسة في بدنه وثوبه والمكان الذي يمشي عليه في طوافه، لكن عمت البلوى بغلبة النجاسات في المطاف، قال الرافعي: ولم أر للأئمة تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنقل ماشيًا أو راكبًا، وهو تشبيه لا بأس به 204، قال السبكي: إن صح هذا التشبيه .. فقضيته أنه لا يبطل الطواف بوطء الطائف؛ أي: عن غير تعمد، أو إيطائه دابته النجاسة الكثيرة، وهو مخالف لإطلاق الأصحاب، لكنه رخصة عظيمة؛ لعموم البلوى بنجاسة موضع الطواف من الطير وغيره.
انتهى.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: لا يصح التشبيه المذكور، والفرق: أن الطرق الممتدة المطروقة يعسر فيها الاحتراز من ذلك، بخلاف المطاف حول المسجد الأعظم؛ فإنه يحترز فيه عن ذلك غالبأ، ويُنَظّف ويُكنس ... إلى غير ذلك من الأمور الواضحة في الفرق.199200201202
الحديث: 1457 - الجزء: 1 - الصفحة: 594
قلت: الصورة غلبة النجاسة بذرق الطير مطلقًا، وبغيره من النجاسات في أيام الموسم.
وقد ذكر النووي في " شرح المهذب ": أن المختار عند جماعة من المحققين: العفو عما يشق الاحتراز عنه من ذلك إذا غلبت النجاسات.
انتهى 205.
وهو أسهل من بحث الرافعي، ومن المعلوم أنه يستثنى من عبارتهم: النجاسة المعفو عنها، وهذه معفو عنها عند القائل به.
ثانيها: محل اشتراط ذلك: مع القدرة، فأما مع العجز .. فقال في " المهمات ": إن كان الطواف نفلًا أو للوداع .. فلا شك في جواز فعله بدون الطهارة والستارة، وإن كان طواف الركن .. جاز للعاري؛ لأنه لا إعادة عليه على المشهور، والقياس: مغ المتيمم والمتنجس منه؛ لأن الصلاة كذلك تجب إعادتها، فالطواف كذلك، وإنما فُعِلت الصلاة كذلك؛ لحرمة الوقت، وهو مفقود هنا؛ لأن الطواف لا آخر لوقته، والتحلل لا يحصل، والطواف في ذمته، ثم حكى عن الرويانى وجهين في الإعادة فيما لو طاف بالتيمم لعدم الماء ثم وجده 206، قال في " المهمات ": وهو يقتضي الجزم بالجواز، ولا سبيل إليه، وبتقدير جوازه لا سبيل إلى قضائه.
انتهى.
ثالثها: قال في " الكفاية ": يندرج فيه عدم صحة طواف النائم؛ لأنه محدث على الصحيح.
انتهى.
ومحله: إذا لم يكن قاعدًا مفضيًا بمحل الحدث إلى الأرض؛ فإنه كذلك لا يحصل به نقض الوضوء، وقد يطوف كذلك، وصحح في " الروضة " من زيادته: صحته 207، وفي الرافعي عن الإمام: يجوز أَنْ يقطع بوقوعه موقعه 208.
1458 - قول " المنهاج " [ص 198]: (فلو أحدث فيه .. توضأ وبنى) لو قال: (تطهر) .. لكان أحسن؛ لأن قوله: (أحدث) يتناول الأكبر والأصغر، ولكن جرى في ذكر الوضوء على الغالب، وقد عبر " الحاوي " بقوله [ص 242]: (وإن أحدث .. بنى) وسكت عن التطهر؛ لأنه معلوم.
1459 - قول " التنبيه " [ص 76]: (وإن طاف من غير نية .. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) فيه أمور:
أحدها: الأصح: الأول؛ لأن نية الحج تأتي عليه؛ ولذلك لم يذكر " المنهاج " و" الحاوي " في واجبات الطواف النية.
الحديث: 1458 - الجزء: 1 - الصفحة: 595
نعم؛ يشترط عدم الصارف إلى قصد آخر؛ كطلب غريم على الأصح.
ثانيها: لا يختص ذلك بالطواف، بل هو جابى في سائر الأركان هل يجب إفرادها بنية كما حكاه الرافعي عن المتولي؟ 209.
ثالثها: الخلاف خاص بطواف الركن حجًا كان أو عمرة، فأما طواف الوداع والمنذور والنفل .. فلا بد له من نية، كما ذكره ابن الرفعة، قال: وطواف القدوم يحتمل إجراء الخلاف فيه؛ لأنه من سنن الحج الداخلة فيه، فشملته نية الحج.
انتهى.
قال السبكي: وهذا ظاهر في طواف الوداع إن قلنا: ليس نسكًا، هالا .. فيظهر مجيء الخلاف فيه.
قلت: والأصح: أنه نسك، فلا يحتاج حينئذٍ إلى نية، والله أعلم.
وأهمل " التنبيه " من الشروط: كون الطواف داخل المسجد، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 210، واستنبطه ابن الرفعة من إطلاقه الطواف بالبيت؛ لأنه إذا كان خارجه .. كان طائفًا بالمسجد لا بالبيت، فلو طاف على سطح المسجد، وكان أعلى من البيت .. ففي " العدة " وغيرها: أنه لا يجوز، واختاره السبكي، واستبعده الرافعي 211، وصوب في " شرح المهذب " قول الرافعي 212.
1460 - قولهم: (وأن يجعل البيت عن يساره) 213 فيه أمور:
أحدها: يستثنى منه: استقبال الحجر الأسود في ابتداء الطواف؛ فإنه يندب أن يمر مستقبله حتى يجاوزه، ثم يجعل البيت عن يساره حينئذٍ، ذكره النووي في " شرح المهذب " 214، قال في " مناسكه ": ولا يجوز الاستقبال إلا في هذه الحالة فقط، وهي في ابتداء الطوفة الأولى فقط، قال: وهو غير الاستقبال عند لقاء الحجر قبل ابتداء الطواف؛ فإن ذلك سنة مستقلة قطعًا.
انتهى 215.
ولم يذكر الأكثرون هذا الاستقبال في مروره، بل أنكره جماعة.
ثانيها: تناول إطلاقهم: ما لو طاف منكوسًا رأسه إلى أسفل ورجلاه إلى فوق، أو مستلقيًا على
الحديث: 1460 - الجزء: 1 - الصفحة: 596
قفاه، أو على وجهه، مع مراعاة كون البيت على يساره، فمقتضى كلامهم: الصحة في ذلك، وقال في " المهمات ": المتجه: البطلان؛ لمنابذة أو لمغايرة الشرع، وقال شيخنا ابن النقيب: الذي يظهر: صحته مع العذر؛ فإن المريض المحمول قد لا يتأتى حمله إلا كذلك، بل قد لا يتأتى حمله إلا ووجهه أو ظهره إلى البيت؛ لتعذر اضطجاعه إلا كذلك 216.
ثالثها: تناول إطلاقهم أيضًا: ما إذا رجع القهقرى إلى جهة الركن اليماني، والبيت على يساره، ولا شك في البطلان في هذه الصورة، فينبغي أن يزاد على كون البيت على يساره؛ أن يمشي تلقاء وجهه إلى جهة الباب؛ لتخرج هذه الصورة.
رابعها: مقتضى كلامهم: البطلان فيما لو مشى القهقرى إلى جهة الباب، وهو الأصح، وجزم الروياني بالصحة مع الكراهة 217، وقد ذكر في " المهمات " انقسام هذه المسألة إلى اثنين وثلاثين قسمًا، وبسط ذلك.
1461 - قول " المنهاج " [ص 198]: (مبتدئًا بالحجر الأسود) لو عبر كما في " المحرر " و" التنبيه " بقوله: (ويبتدئ بالحجر) 218 .. لكان أولى؛ فإن عبارته لا تدل على اشتراط البداءة بالحجر، بل غاية ما تدل عليه جعل البيت على اليسار في حال الابتداء بالحجر، وذلك لا يدل على وجوبه، وعبارة " الحاوي " [ص 242]: (من أول الحجر الأسود)، وفيها زيادة على التعبير بمطلق الحجر، وهو اعتبار أن يكون ذلك من أوله.
1462 - قول " المنهاج " [ص 198] و" الحاوي " [ص 242]: (محاذيًا له) فيه ما تقدم في قوله: (مبتدئًا)، فلو قالا: (ويحاذيه) كما في " التنبيه " 219 .. لكان أولى كما تقدم.
1463 - قول " المنهاج " [ص 198] و" الحاوي " [ص 242]: (بجميع بدنه) اعترض عليه: بأنه يوهم اشتراط محاذاة جميع الحجر، وليس كذلك، بل لو حاذى بعضه بكل بدنه؛ كنحيف جعله عن يساره .. صح، وقد يفهم ذلك من اعتبار الكل في البدن دون الحجر، وذكر النووي أن كيفية المحاذاة: أن يستقبل البيت على جانب الحجر الذي يلي الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ومنكبه الأيمن عند طرف الحجر، فينوي، ثم يمر مستقبله، فإذا جاوزه .. انفتل، وجعل البيت على يساره، قال: ولو فعل هذا من الأول، وترك الاستقبال .. جاز 220.
الحديث: 1461 - الجزء: 1 - الصفحة: 597
واعلم: أن اعتبار الابتداء بالحجر ومحاذاته محله: إذا كان باقيا مكانه، فلو أزيل - والعياذ بالله - .. وجبت محاذاة موضعه، قاله القاضي أبو الطيب.
1464 - قول " الحاوي " [ص 242، 243]: (وستة أذرع من الحِجْر) أي: وخارج ستة أذرع من الحِجْر، فلو اقتحم الجدار وراء ذلك .. صح طوافه، كما جزم به الرافعى تفريعًا على الأصح في أن الذي من البيت منه قدر ستة أذرع 221، وقد يفهم ذلك قول " المنهاج " [ص 198]: (أو دخل من إحدى فتحتي الحِجْر وخرج من الأخرى .. لم تصح طوفته)، لكن الذي صححه النووي: عدم الصحة في الحجر مطلقًا وإن خَلّف منه ما قيل أنه من البيت للاتِّبَاع 222، وهو مقتضى إطلاق " التنبيه " أنه لو طاف على جدار الحجر .. لم يجزه 223.
1465 - قولهم في سنن الطواف: (أن يطوف ماشيًا) وعبر " التنبيه " و" الحاوي ": (بالترجل)، زاد " التنبيه ": (فإن طاف راكبًا .. جاز) 224 فيه أمران:
أحدهما: ظاهره: يقتضي أنه لا كراهة في طوافه راكبًا ولو كان بغير عذر، وكذا في " الروضة " وأصلها عن الأصحاب 225، وفي " شرح مسند الشافعي لا للرافعي: أن الشافعي نص في " الأم " على الكراهة 226، وذكر في " المهمات " أن نقل الرافعي عن الأصحاب عدم الكراهة .. مردود، والمعروف لأئمة المذهب الكراهة، ومنهم النووي في " شرح المهذب " 227، وابن الرفعة في " الكفاية "، ويؤيده أن إدخال الصبيان المسجد حرام مع غلبة التنجيس، ومكروه مع عدمها، وأقل مراتب البهائم: أن تكون كالصبيان في ذلك.
ثانيهما: قد يفهم من لفظ المشي: أن يكون قائمًا، مع أنه لو زحف مع قدرته على المشي .. صح مع الكراهة، كما في " شرح المهذب " 228.
1466 - قول " الحاوي " [ص 246]: (وتقبيل الحجر) أهمل أمرين آخرين:
أحدهما: استلامه؛ أي: مسه باليد، وقد ذكره " التنبيه " و" المنهاج "، إلا أن " التنبيه " قال: (فيستلمه بيده)، و" المنهاج " أطلق استلامه 229، فيمكن أن يحمل إطلاق " المنهاج " على
الحديث: 1464 - الجزء: 1 - الصفحة: 598
تقييد " التنبيه "، ويمكن أن يكون قول " التنبيه ": (بيده) مثالًا، وقد قال الرافعى: ولو لم يستلم بيده، ووضع عليه خشبة، ثم قَبَّلَ طَرَفَهَا .. جاز 230، قال في " الروضة ": الاستلام بالخشبة ونحوها مستحب إذا لم يتمكن من الاستلام باليد.
انتهى 231.
وإنما ذكرا ذلك في الاستلام عند العجز عن التقبيل؛ لأنهما لم يذكرا تقبيل ما يستلم به إلا في هذه الصورة، فأما تقبيل اليد بعد الاستلام بها مع تقبيل الحجر نفسه .. فلم يذكراه، كما سأذكره بعد ذلك، والظاهر: أنه لا فرق بين الاستلام المقرون بتقبيل الحجر والاستلام الخالي عن ذلك في أنه يكون بيده، فإن لم يتمكن .. فبخشبة ونحوها، فيكون تقييد " التنبيه " باليد؛ لأنه الأكمل، وإطلاق " المنهاج " لجواز كل منهما.
ثانيهما: السجود عليه، وقد ذكره " المنهاج " بقوله [ص 198]: (ويضع جبهته عليه) ولم يتعرض له " التنبيه "، وهو وارد عليه، ويرد عليهم جميعًا أمور:
أحدها: أنهم لم يذكروا تقبيل اليد بعد الاستلام بها مع تقبيل الحجر نفسه، وقال شيخنا ابن النقيب: الذي نص عليه الشافعي رحمه الله وتبعه جماعة: إطلاق أنه يقبلها ويقبل الحجر من غير تخصيص تقبيل يده بالعجز عن تقبيل نفس الحجر، كما خصه به الرافعي والنووي 232.
ثانيها: أنه يستثنى من الاستلام والتقبيل: المرأة، إلا إذا خلا المطاف ليلًا كان أو نهارًا، وخصه في " الكفاية " بالليل، وكأنه جرى على الغالب، فلو خلا المطاف نهارًا .. فالحكم كذلك.
ثالثها: أن الحكم إنما هو للركن، حتى لو أزيل الحجر من موضعه والعياذ بالله .. أستلم الركن وقبَّله وسجد عليه، وحكاه في " شرح المهذب " عن الدارمي 233، قال في " المهمات ": وهو نظير ما سبق في البداءة بالطواف، إلا أنه هناك واضح، وأما الاستلام: فمشكل.
1467 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فإن عجز .. استلم) 234 أي: ويقبل ما استلم به كما في " الروضة " وأصلها 235، ثم مقتضى كلامهم: الإتيان بذلك ولو آذى غيره لزحمة، لكن قال الشافعي في " الأم ": أحب الاستلام ما لم يؤذ غيره بالزحام، إلا في ابتداء الطواف .. فاستحب له الاستلام وإن كان بالزحام أو في آخر الطواف، حكاه البندنيجي، وذكر في " شرح المهذب ": أن
الحديث: 1467 - الجزء: 1 - الصفحة: 599
الأصحاب أطلقوا أنه لا يأتي به، ثم نقل هذا النص 236.
1468 - قولهما - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فإن عجز .. أشار بيده) 237 فيه أمران:
أحدهما: في معنى اليد: ما فيها من عصًا ونحوها؛ ولذلك أطلق " الحاوي " الإشاره 238.
ثانيهما: يستحب أن يقبل ما أشار به، كما ذكره النووي في " شرح المهذب " و" المناسك " تبعًا لابن الصلاح 239، ولم يذكره في " الحاوي " ولا في " الروضة " وأصلها.
1469 - قول " المنهاج " [ص 198]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 246]: (ويستلم اليماني) أي: ثم يقبل يده في الأصح، وقد ذكره " التنبيه " 240.
1470 - قولهما: (ولا يقبله) 241، وقول " المنهاج " [ص 198]: (ولا يقبل الركنين الشَّامِيَّيْنِ) معناه: أنه ليس بسنة، فإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت .. لم يكره، ولا هو خلاف الأولى، بل هو حسن، كما حكاه في " الاستقصاء " عن نص الشافعى أنه قال: وأيّ البيت قَبَّلَ فحسنٌ غير أنا نأمر بالاتباع.
انتهى 242.
وأحسن " الحاوي " في كونه لم يتعرض لنفي تقبيلهن، بل اقتصر على كونه لم يذكر تقبيلهن في السنن، ثم مقتضى كلامهم جميعًا: أنه إذا عجز عن استلام اليماني .. لا يشير إليه، وبه صرح ابن أبى الصيف في " نكته " و" مناسكه "، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في " مناسكه ": إنه يشير إليه، قال المحب الطبري: وهو أوجه، قياسًا على الأسود.
انتهى.
وقد يؤخذ ذلك من قول " الحاوي " [ص 246]: (ثم يشير) بعد ذكره تقبيل الحجر ومس اليماني.
1471 - قولهما: (وأن يقول أول طوافه: " بسم الله والله أَكبر ... إلى آخره") 243 كذا في " الروضة " وأصلها 244، والذي في " شرح المهذب ": أنه يُندب ذلك في كل طرفة، لكنه في الأولى آكد 245.
الحديث: 1468 - الجزء: 1 - الصفحة: 600
1472 - قول " المنهاج " في القول قبالة الباب [ص 198]: (وهذا مقام العائذ بك من النار) قيل: يعني إبراهيم عليه السلام، فيشير بيده إلى المقام، وقيل: يعني نفسه، فلا يشير، والأول أشهر، فتزاد سنة، وهي الإشارة حينئذ إلى المقام.
1473 - قول " التنبيه " [ص 75]: (ويقول في الأربعة منها: " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم؛ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار") لم يذكر " المنهاج " صدر هذا الدعاء، وذكر آخره غير مقيد له بالأربعة الأخيرة، بل قال: إنه يأتي به بين اليَمَانِيَّيْنِ، ولفظه: (اللهم؛ آتنا ... إلى آخره) 246، وكذا في " الروضة " 247، لكن الذي في كتب الرافعي و" شرح المهذب ": (ربنا آتنا) 248، وكذا رواه أبو داوود وغيره، وهو الموافق للقرآن 249، وقال في " شرح المهذب " فيما ذكره في " التنبيه ": نص عليه الشافعي والأصحاب، وعَجَبٌ إهمالُه في " المهذب " 250.
1474 - قول " المنهاج " [ص 198]: (وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى) لو قال: (في الطوفات) .. لكان أحسن؛ لأن الشافعي والأصحاب كرهوا تسميته شوطًا 251، وإن كان النووي اختار في " شرح المهذب " عدم الكراهة 252، وقد عبر " التنبيه " و" الحاوي " بالثلاثة دون ذكر الأشواط 253.
1475 - قول " المنهاج " [ص 199] و" الحاوي " [ص 246]: (ويختص الرمل بطوافٍ يعقبه سعي) زاد " المنهاج " [ص 199]: (وفي قول: بطواف القدوم) فيه أمور:
أحدها: أنه ينبغي تقييد السعي بكونه ركنًا؛ للاحتراز عما لو سعى عقب القدوم، ثم أراد السعي عقب الإفاضة .. فإنه لا يستحب له الرمل فيه على الأظهر؛ لكون هذا السعي ليس ركنًا، بل ولا مستحبًا، فلا عبرة به.
ثانيها: قال شيخنا الإمام البلقيني: ينبغي تقييد الطواف بكونه طواف قدوم أو إفاضة؛ احترازًا عن طواف الوداع إذا خرج؛ فإنه يجوز السعي بعده، ولا رمل فيه.
الحديث: 1472 - الجزء: 1 - الصفحة: 601
ثالثها: اختار السبكي القول القديم تبعًا للبغوي 254.
رابعها: ينبغي أن يقال في القول القديم: بطواف قدوم، أو ركن اندرج القدوم فيه، ويُقيّد طواف القدوم بكونه ضِمْنَ إحرام، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، قال: فإنَّ من قدم مكة غير محرم .. يسن في حقه طواف القدوم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، قال: ولم يذكر أحد أنه رمل في هذا الطواف، ولا حرك دابته؛ فإنه كان راكبًا.
خامسها: محل القولين: في حاج آفاقي دخل مكة قبل الوقوف، ولم يُرد السعي عقب القدوم، أما المعتمر .. فيرمل جزمًا، والحاج المكي يرمل على الأول دون الثاني، والحاج الآفاقي الداخل بعد الوقوف يرمل جزمًا، وإن دخل قبله وأراد السعي عقب القدوم .. يرمل جزمًا؛ لوجود المعنيين، وإن أراد تأخيره إلى الإفاضة .. رمل في القدوم على القديم، وفى الإفاضة على الجديد.
1476 - قول "المنهاج" [ص 199]: (وليقل فيه: "اللهم؛ اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا ") فيه أمران:
أحدهما: قيده في "التنبيه" بمحاذاة الحجر الأسود، وزاد في أوله التكبير فقال: (ويقول في رمله كلما حاذى الحجر الأسود: "الله أكبر ... إلى آخره") 255 ووافق في "المهمات" هذا التقييد والزيادة، وأنكرهما النشائي في "نكته"، ثم قال: (وكلام "المختصر" يفهمه؛ حيث قال بعد ذكر الرمل والاضطباع: وكلما حاذى الحجر الأسود .. كَبَّر، وقال في رمله: "اللهم؛ اجعله حجًا مبرورًا ... إلى آخره"، قال: لكن تأويله واضح؛ فإن حالة الرمل مغايرة لحالة الطائف عند الحجر، فلا ملازمة) 256.
ثانيهما: قوله: (حجًا مبرورًا) ينبغي أن يكون محله في الحاج، أما المعتمر .. فينبغي أن يقول: (عمرة مبرورة، أو نسكًا ونحوه)، وقال في "المهمات" بعد ذكره أن المناسب للمعتمر: أن يقول: عمرة مبرورة، ويحتمل استحباب التعبير بالحج مراعاة للحديث، ويقصد المعنى اللغوي، وهو القصد.
1477 - قول "التنبيه" [ص 75]: (ويضطبع) بيَّنَ في "المنهاج" محله فقال [ص 199]: (في جميع كل طواف يرمل فيه، وكذا في السعي على الصحيح) وقد يفهم الاضطباع في ركعتي الطواف، والآصح: خلافه؛ لكراهة هيئة الاضطباع فى الصلاة؛ ولذلك صرح به "الحاوي" فقال
الحديث: 1476 - الجزء: 1 - الصفحة: 602
بعد ذكر الرمل في الثلاثة الأولى [ص 246]: (بالاضطباع إلى آخر السعي، لا في الركعتين).
1478 - قولهما: (ولا ترمل المرأة، ولا تضطبع) 257 وكذا الخنثى كما في "شرح المهذب" 258، وعليه يدل قول "الحاوي" [ص 246]: (وَرَملَ الرجل) ثم إن عبارة "المحرر" قد تفهم تحريم ذلك عليهن؛ لقوله: (ليس للنساء رمل ولا اضطباع) 259، قال في "المهمات": والمعنى المقتضي للمشروعية وهو كونه دأب أهل الشطارة 260 يقتضي التحريم فيهن؛ لأن ذلك يؤدي إلى التشبه بالرجال، بل بأهل الشطارة منهم، والتشبه حرام.
1479 - قول "المنهاج" [ص 199]: (وأن يَقْرُب من البيت) وهو مفهوم من عبارة "الحاوي" أيضًا 261، فيه أمران:
أحدهما: أن محل ذلك: في الرجل، أما المرأة والخنثى: فيندب لهما حاشية المطاف.
ثانيهما: ومحله أيضًا: إذا لم يؤذ أحدًا، ولا تأذى بالزحمة، وإلا .. فالبعد أولى.
1480 - قول "المنهاج" [ص 199]: (ويصلي بعده ركعتين خلف المقام) أي: هو الأفضل كما صرح به "التنبيه" 262، فإن لم يكن .. ففي الحجر، وإلا .. ففي المسجد، وإلا .. فحيث شاء من الحرم وغيره، وقد صرح به "الحاوي" بقوله [ص 246]: (خلف المقام، ثم في الحجر، ثم في المسجد، ثم حيث شاء).
1481 - قول "المنهاج" [ص 199]: (ويجهر ليلًا) هو المنقول، وقال ابن الصلاح في "مناسكه": ينبغي أن يسر فيهما ليلًا ونهارًا؛ لأنها صلاة واحدة تقع ليلًا ونهارًا، فسن فيها الإسرار مطلقًا كصلاة الجنازة على المذهب الأصح، وقال شيخنا الإمام البلقيني: وهذا بحث صحيح.
1482 - قول "التنبيه" [ص 75، 76]: (وإن حمله محرم ونويا جميعًا .. ففيه قولان، أحدهما: أن الطواف للحامل، والثاني: أنه للمحمول) فيه أمور:
أحدها: أن معنى قوله: (ونويا جميعًا): نوى كلٌّ منهما الطواف عن نفسه، وحينئذ .. فالأصح: أن الطواف للحامل، وعليه يدل كلام "المنهاج" و"الحاوي" 263، وحكى في "الكفاية" عن "مناسك" النووي تصحيح أنه للمحمول، وهو وهم عليه 264، أما لو نويا أن يكون
الحديث: 1478 - الجزء: 1 - الصفحة: 603
الطواف للحامل .. وقع عنه قطعًا، أو للمحمول .. وقع عنه على الأصح، وكلام "المنهاج" و"الحاوي" دال على هذا، قال في "الكفاية" فيما إذا نوياه للمحمول: مقتضى كلام "التنبيه" أنه لا يجري فيه القولان، قال: وهو صحيح في طواف التطوع دون طواف الفرض.
ثانيها: مقتضى قوله: (ونويا جميعًا): أنه لو نوى أحدهما فقط .. كان الطواف لذلك الناوي قطعًا، قال في "الكفاية": ويظهر أن يُبْنَى على اشتراط النية، فإن اشترطت .. وقع عن الناوي، وإلا .. جاء القولان.
ثالثها: بقي من الصور: أن يقصد الحامل الطواف له وللمحمول، والأصح: وقوعه للحامل، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 265، قال في "المهمات": لكن نص الشافعي في "الأم" على وقوعه عن المحمول، وفي "الإملاء" على وقوعه عنهما، حكاه الروياني في "البحر" 266، فالنصان متفقان على نفي هذا المصحح، ونصه في "الأم" أقوى عند الأصحاب، وهو هنا بخصوصه أظهر من نصه في "الإملاء"، فيجب الأخذ به.
وبقي من الصور أيضًا: ألَّا يقصد الحامل شيئًا، ولم يذكره "المنهاج"، وذكر "الحاوي" تبعًا للرافعي أنه يقع للحامل 267، وهو واضح؛ لأن الشرط عدم الصارف، ولم يوجد.
رابعها: التقييد بما إذا كان الحامل محرمًا ليخرج ما إذا كان حلالًا؛ فإن الطواف حينئذ للمحمول، وفي معنى كونه حلالًا: أن يكون محرمًا قد طاف عن نفسه، وقد ذكر ذلك "المنهاج" و"الحاوي" 268، وفيه أمور:
أحدها: أنه لا بد من تقييد ذلك بألَّا يكون المحمول قد طاف عن نفسه طواف إحرامه من قدوم وركن، فلو كان المحمول المحرم قد طاف عن نفسه .. كان كالحلال.
ثانيها: أنهما أطلقا في هذه الصورة وقوعه للمحمول، وكذا في "الروضة" وأصلها 269، وينبغي أن يكون محله: ما إذا نواه الحامل له، أو لم يكن له نية، فأما إذا نواه لنفسه .. فينبغي تخريجه على القولين في أنه يقع عن الحامل فقط - لكونه فاعله، وهو الصحيح - أو لهما، ذكره في "الكفاية"، قال في "المهمات": وهو إشكال صحيح.
ثالثها: ينبغي أن يكون محله أيضًا: ما إذا لم يصرفه المحمول عن نفسه، فإن صرفه، أو لم
الجزء: 1 - الصفحة: 604
ينوه، وقلنا: تجب النية، وكان الحامل قد نوى .. وقع للحامل، وقد ذكره السبكي، وقال: إنه لاشك فيه.
رابعها: ينبغي أن يلتحق بالحلال والطائف عن نفسه ما إذا لم يكن دخل وقت طوافه؛ كمحرم بحج لم يطف عن نفسه حمل محرمًا بعمرة قبل انتصاف الليل ليلة النحر، فينبغي أن يكون الطواف هنا للمحمول؛ لأن هذا المحرم كالحلال بلا شك، ذكره في "المهمات".
خامسها: في بعض نسخ "المنهاج" بعد قوله [ص 199]: (ولو حمل الحلال محرمًا وطاف به .. حسب للمحمول بشرطه)، وليس في "المحرر"، والمراد به: اجتماع شروط الطواف في حق المحمول؛ من طهارة، وستر عورة، ودخول وقت، فإن فقد شرط من ذلك .. وقع للحامل؛ كما لو طاف بمحرم بحج قبل نصف ليلة النحر .. فذلك المحرم المحمول كالحلال عكس الصورة المتقدمة، وهنا تنبيهات:
أحدها: ظاهر إطلاقهم: أنه لا فرق بين أن يكون المحمول كبيرًا أو صغيرًا، ولا بين أن يكون الحامل له وليّه الذي أحرم به أم لا، وبه صرح الرافعي والنووي 270، قال في "المهمات": لكن المنقول فيما إذا طاف الصغير راكبًا .. أنه لا يجزئه إلا إذا كان الولي سائقًا أو قائدًا، كذا قاله صاحب "البحر" وغيره 271، وهو هنا أولى، قال: فتقييد الغزالي بالولي؛ للاحتراز عن غيره؛ فإن فيه هذا التفصيل 272.
ثانيها: صور "التنبيه" و"المنهاج" المسألة بما إذا كان المحمول واحدًا جريًا على الغالب، فلو كان المحمول اثنين فأكثر .. لم يختلف الحكم؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 243]: (ولو طاف حلٌّ، أو مَنْ طاف بمُحْرِمَيْن)، وعُلم حكم الواحد من طريق الأولى، وكذا لو كان الحامل اثنين فأكثر حَمَلا واحدًا، قُلْته تخريجًا، ويتفرّع عليه: ما لو حمل أكثرُ مِنْ واحد أكثرَ من واحد، وتتكثر المسائل.
ثالثها: لو لم يحمله، ولكن جعله في شيء موضوع على الأرض وجذبه .. فهل يلتحق بالمحمول؛ لم أر فيه نقلًا، وفيه نظر، وقد يتناوله قول "الحاوي" [ص 243]: (بمحرمين) فإن طوافه به أعم من حمله، فيتناول هذه الصورة، والله أعلم
رابعها: لم يذكروا الحمل إلا في الطواف، وقال شيخنا الإمام البلقيني: قضية كلام صاحب "الكافي" تعطي أنه لا فرق في أحكام المحمول بين الطواف والسعي، وفيه نظر.
قلت: بل هو واضح، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 605
فصلٌ [في السعي]
1483 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (يستلم الحجر بعد الطواف وصلاته) 273 لم يذكر " المحرر " الصلاة، بل اقتضى كلامه أن الاستلام بعد الطواف خاصة، والمنقول الأول؛ فلذلك ذكره " المنهاج "، لكن من غير تنبيه على أنه من زيادته، وكأن ذلك؛ لأنه مراد " المحرر "، وإنما أهمله؛ لوضوحه، والمنقول ذكر الاستلام خاصة، وكذا في " صحيح مسلم " من حديث جابر 274، ومقتضاه: أنه لا يستحب في هذه الحالة تقبيله ولا السجود عليه، قال في "المهمات": فإن كان كذلك .. فلعل سببه المبادرة إلى السعي.
1484 - قول " التنبيه" في السعي [ص 76]: (يفعل ذلك سبعًا) قد يفهم أن الذهاب من الصفا والعود إليها من المروة تحسب مرة واحدة، والصحيح خلافه، ولذلك أفصح عنه "المنهاج" بقوله [ص 199]: (ذهابُهُ من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه أخرى) و " الحاوي " بقوله [ص 243]: (الذَّهاب مرةٌ، والعود أخرى).
1485 - قول " المنهاج" [ص 199]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 243، 244]: (وأن يسعى بعد طواف ركن، أو قدوم) أخرج طواف الوداع؛ فإنه لا يتصور وقوع السعي بعده؛ لأنه إذا بقي السعي .. لم يكن طواف وداع، كما قاله الرافعي والنووي 275.
ورده في "المهمات": بتصوره فيما إذا أراد المحرم بالحج الخروج من مكة قبل الوقوف .. فيطوف للوداع، ثم يخرج لحاجته، فإذا عاد .. سعى، كما ذكره البندنيجي وصاحب "البيان"، وقالا: إنه مذهب الشافعي، وحكاه في "شرح المهذب" عنهما، وسلم التصوير، لكن نازع في الصحة، وقال: لم أر لغيرهما ما يوافقه، وظاهر كلام الأصحاب: عدم جوازه إلا بعد القدوم أو الإفاضة 276.
ورده في "المهمات"، وقال: ذكرهم للقدوم والإفاضة؛ لأنه الغالب، قال: ثم إنه إن كان طاف للإفاضة قبل ذلك .. صح السعي؛ لتقدم طواف الإفاضة عليه، وتراخيه عنه لا يقدح، وإن لم يطف .. وقع هذا الطواف عنه، كما صرح به الرافعي وغيره، قال: ولا يستقيم منع طواف الوداع مع بقاء شيء من المناسك؛ لأن السعي والحلق لا آخر لوقتهما، ويجوز للحاج الخروج من
الحديث: 1483 - الجزء: 1 - الصفحة: 606
مكة قبل فعلهما، فإن صححنا طواف الوداع .. بطل ما قاله، وإن لم نصححه .. لزم الخروج بلا وداع، أو وجوب السعي والحلق قبل الخروج.
انتهى.
وخرج بتعبيرهما: طواف النفل أيضًا، وبه صرح النووي في "شرح المهذب" 277، لكن صرح المحب الطبري بصحة السعي فيما إذا أحرم مكي بحج، ثم تنفل بطواف، وسعي بعده، ويوافقه قول ابن الرفعة: اتفقوا على أن من شرطه: أن يقع بعد طواف ولو نفلًا، إلا طواف الوداع، وتقديم "المنهاج" الركن في الذكر على القدوم قد يفهم أن إيقاع السعي بعده أرجح، وعليه يدل عبارة "الحاوي" فإنه بعد ذكره السعي بعد طواف الركن، قال: (وجاز بعد طواف القدوم) 278، وقد يقال: إن عبارة "المنهاج" تدل على استوائهما؛ لكونه خيّر بينهما، والتقديم في الذكر لا يدل على الرجحان؛ فإنه لا بد من ذكر أحدهما قبل الآخر، ولعل هذا أرجح، ولم يتعرض "التنبيه" لاشتراط ذلك للسعي، ولا بد منه.
1486 - قول "المنهاج" [ص 199، 200]: (بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة) أحسن من تعبير "المحرر" و "الروضة" وأصلها بـ (تخلل ركن) 279 لتناوله الحلق على المشهور في أنه ركن، مع أن المتجه: أنه لا يضر تخلله بين الطواف والسعي.
1487 - قول "المنهاج" [ص 200]- والعبارة له - و "الحاوي" [ص 243، 244]: (ومن سعى بعد قدوم .. لم يُعِدْهُ) أي: لا يستحب إعادته، كما في "الروضة" وأصلها وفي موضع من "شرح المهذب" 280، وفي موضع آخر منه: أنه يكره إعادته 281، وقد تفهم عبارتهما التحريم، ولا قائل به.
1488 - قول "المنهاج" [ص 200]: (ويستحب أن يَرْقَى على الصفا والمروة قدر قامةٍ) محله: في الرجل، أما المرأة: فلا ترقى، كما صرح به "التنبيه" 282، قال في "المهمات": ولا شك أن الخنثى كذلك، قال: ولو فصّل فيهما بين أن يكونا في خلوة أو بحضرة محارم، وبين ألَّا يكونا؛ كما قيل به في الجهر في الصلاة .. لم يبعد.
انتهى.
وعبارة "الحاوي" في ذلك مثل "المنهاج"، إلا أنه قيّد الرُّقي في الصفا بقامةٍ، وأطلقه في المروة 283، ولعل ذلك لفهمه مما تقدم في الصفا، ولم يقيد ذلك في "التنبيه" بقامةٍ، بل قال في
الحديث: 1486 - الجزء: 1 - الصفحة: 607
الصفا: (حتى يَرى البيتَ)، وقال في المروة: (حتى يصعد المروة، ويفعل مثل ما فعل على الصفا) (1)، ومن المعلوم أنه لا يرى البيت من المروة، وَرُقيّ قامة على الصفا مع رؤية البيت متلازمان غالبًا؛ ولذلك قال في "الروضة" وأصلها: ويرقى على الصفا بقدر قامة رجل، حتى يتراءى له البيت، وقال في المروة: يرقى عليها بقدر قامة رجل، ولم يقل: حتى يتراءى له البيت (2)، ولعل قول "التنبيه": (ويفعل مثل ما فعل على الصفا) لم يندرج فيه الرقي حتى يرى البيت، والله أعلم.
1489 - قول "التنبيه" [ص 76]: (ثم يدعوا بما أحب، ثم يدعوا ثانيًا وثالثًا) فيه أمران:
أحدهما: قال صاحب "المذاكرة": المعروف في كثير من الكتب المشهورة أنه لا يدعوا بما أحب إلا بعد أن يدعوا ثانيًا وثالثًا.
ثانيهما: أنه لم يذكر تكرير الذكر، وقد ذكره "المنهاج" من زيادته، فقال [ص 200]: (ويعيد الذكر والدعاء ثانيًا وثالثًا)، وجزم الرافعي في "الشرح" بأنه لا يعيد الدعاء ثالثًا (3).
1490 - قول "المنهاج" [ص 200]: (وأن يمشي أول المسعى وآخره ويَعْدُوَ في الوسط، وموضع النوعين معروفٌ) لم يُفصح عن موضع العدو، وقد أوضحه "التنبيه" بقوله [ص 76]: (ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحوُ ستة أذرع، فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذَين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد المروة)، وعبارة "الحاوي" بمعناه (4)، ومحل ذلك: في الرجل، أما المرأة: فتمشي ولا تسعى، كما صرح به "التنبيه" (5)، والخنثى كالمرأة، قاله أبو الفتوح.
فصلٌ [في الوقوف بعرفة]
1491 - قول "التنبيه" [ص 76]: (فإذا كان في اليوم السابع من ذي الحجة .. خطب الإمام بعد الظهر بمكة، وأمر الناس بالغدو إلى منى من الغد) فيه أمور: أحدها: المراد: الإمام الأعظم، أو نائبه في ذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" بـ (الإمام أو منصوبه) 289، وعلى هذا تحمل عبارة "الحاوي" أيضًا 290.284285286287288
الحديث: 1489 - الجزء: 1 - الصفحة: 608
ثانيها: المراد: صلاة الظهر، كما عبر به "المنهاج" 291، وذلك وارد على "الحاوي" أيضًا.
ثالثها: ذكر الظهر في عبارة الثلاثة جريٌ على الغالب، فلو كان يوم جمعة .. خطب بعد صلاة الجمعة، ولا تكفي عنها خطبة الجمعة.
رابعها: قد يتوهم من إطلاقه أنه يخطب خطبتين، وليس كذلك، بل يأتي بخطبةٍ فردةٍ، كما صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 292.
خامسها: تعبيرهم بالغدو يقتضي أن يكون خروجهم إلى منى بكرة النهار قبل الزوال، وهو المرجح في "الروضة" وأصلها هنا، فقال: المشهور: استحباب الخروج بعد الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى 293، وقال في الباب قبله في المتمتع الواجد للهدي: يستحب أن يحرم بالحج يوم التروية، وهو الثامن، ويتوجه بعد الزوال إلى منى 294.
سادسها: يستثنى من خروجهم بعد الصبح: ما إذا كان يوم جمعة؛ فإنهم يخرجون قبل الفجر على المشهور، قال شيخنا ابن النقيب: كذا أطلقوه، وهو محمول على من تلزمه الجمعة كالمكي، والمقيم بها إقامة مؤثرة، أما حاج لم يقم بها الإقامة المؤثرة .. فله الخروج بعد الفجر 295.
قلت: وكذا إذا أمكنه إقامة الجمعة بمنى.
سابعها: اقتصر "التنبيه" على أمرهم بالغدو إلى منى، وزاد "المنهاج" و"الحاوي": تعليمهم ما أمامهم من المناسك 296، وهو محمول على ما أمامهم من المناسك إلى الخطبة الثانية، كما في "الروضة" وأصلها في الكلام على الخطبة الثانية المشروعة بنمرة أنه يخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المناسك إلى الخطبة الأخرى 297.
قال في "المهمات": وهو خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه نص على استحباب تعليم الجميع في هذه الخطبة، فقال في "الإملاء": يخطب يوم السابع بمكة بعدما يصلي الظهر، فيأمر الناس بالمضي إلى منى، والإحرام، والصلاة بمنى، والمسير إلى عرفة، وحضور الصلاة بعرفة، وغير ذلك من حجه.
انتهى.
الجزء: 1 - الصفحة: 609
1492 - قول "المنهاج" [ص 200]: (فإذا طلعت الشمس .. قصدوا عرفات) و"الحاوي" [ص 246]: (وسار إلى عرفات بعد الطلوع) يعتبر مع الطلوع إشراق الشمس على ثبير، وبه عبر "التنبيه"، وهو جبل كبير بمزدلفة على يمين الذاهب إلى عرفات، وتعبيرهما بعرفات أولى من قول "التنبيه" [ص 76]: (سار إلى الموقف) لأنه قال بعد ذلك: (ثم يروح إلى الموقف) 298، وفي قوله: (واغتسل للوقوف، وأقام بنمرة) 299 ما يوهم تقديم الاغتسال على الإقامة بنمرة، وليس كذلك؛ فإن الغسل إنما يكون عند التوجه إلى الموقف، والواو لا تقتضي ترتيبًا، وعبارة "الحاوي" توهم استمرار سيرهم إلى عرفات، وليس كذلك، بل يقيمون بنمرة بقرب عرفات حتى تزول الشمس، كما صرح به "التنبيه" و"المنهاج" 300، لكن ليس في عبارته تصريح بأن الخطبتين والصلاتين بنمرة، وصرح "التنبيه" بذلك، فعبارته أحسن.
1493 - قول "التنبيه" [ص 76] و"الحاوي" [ص 246]: (أنه يفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ الأذان) صححه النووي والرافعي في "الشرح الصغير"، وحكى النووي في "الروضة": أن الرافعي صحح أن يفرغ منها مع فراغ الإقامة، ثم استدركه عليه 301، وهو وهمٌ؛ فلم يصحح الرافعي في "الشرح الكبير" شيئًا.
1494 - قولهم: (ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعًا) 302 قد يوهم أن هذا الجمع للنسك؛ لكونه لم يخصُّه بالمسافر، وكذا صححه النووي في "مناسكه" 303، لكن الأصح في "الروضة" وأصلها وغيرهما: أنه للسفر، فلا يجوز للحاضر، ولا للمكي في الأصح؛ لقصر سفره 304.
1495 - قول "المنهاج" [ص 200]: (ويقفوا بعَرَفَةَ إلى الغروب) بالنصب عطفًا على (يخطب) من قوله [ص 200]: (يستحب للإمام أو منصوبه أن يخطب) اعترض عليه بأمرين:
أحدهما: أنه قد يفهم أن الوقوف مستحب، وهو ركن، وجوابه: أنه مقيد بالاستمرار إلى الغروب، وذلك مستحب على الصحيح، وقيل: واجب.
الثاني: أن معناه يؤول إلى أنه يستحب للإمام أو منصوبه أن يقفوا، فكان الأولى: أن يُفْرد، فيقول: (ويقف)، وكذا ما بعده من قوله: (ويذكروا الله ... إلى آخره) 305.
الحديث: 1492 - الجزء: 1 - الصفحة: 610
1496 - قول "التنبيه" [ص 76]: (والأفضل: أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام) محله: في الرجل، أما المرأة: فيندب لها الجلوس في حاشية الموقف، كما ذكره النووي في "شرح المهذب" و"المناسك" عن الماوردي، وأقره 306، قال في "المهمات": وقياسه: استحباب ذلك للخنثى أيضًا، ويكون على ترتيب الصلاة، قال: ثم يتعدى النظر إلى الصبيان عند اجتماعهم مع البالغين، ثم قال: إنه يتجه أنه لا يستحب لها قصد الوقوف مع الرجال عند الصخرات، وأما أمرها بمفارقة أهلها وخيامها الساترة لها، والوقوف في حاشية الموقف المؤدي غالبا إلى ضياع بعضهم من بعض .. فيبعد جدًا، وليس نظير الصلاة.
انتهى.
1497 - قوله: (وأن يكون راكبًا في أحد القولين) 307 فيه أمور:
أحدها: أن هذا هو الأصح.
ثانيها: محل ذلك: في الرجل، أما المرأة: فيستحب لها أن تكون قاعدة؛ لأنه أستر لها، قاله الماوردي 308، وجزم به النووي في "تصحيحه" فقال: (وأن الوقوف راكبًا أفضل، إلا المرأة .. فقعودها أفضل) 309، واعترضه النشائي في "نكته": بأنه استثناء في غير موضعه، ومحله إذا قلنا: الترجل أفضل .. فتكون المرأة قاعدة لا واقفة، وإلا .. فالراكب قاعد غالبًا 310.
قال في "المهمات": ولا شك في قعودها إذا لم تكن في هودج ونحوه، فإن كانت كما هو الغالب .. ففيه نظر، والمتجه: الوقوف، قال: والخنثى كالمرأة.
ثالثها: محل الخلاف أيضًا: فيمن من لا يحتاج إلى ظهوره ليُستفتى ويقتدى به، فإن كان .. فالأفضل في حقه: الركوب قطعًا، وكذا إذا شق عليه الوقوف ماشيًا، أو ضعف به عن الدعاء، قاله في "شرح المهذب" 311.
1498 - قول "المنهاج" [ص 200، 201]: (ويكثروا التهليل) أي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) إلى (قدير)، قاله في "التنبيه" 312.
1499 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) 313 فيه أمران:
الحديث: 1496 - الجزء: 1 - الصفحة: 611
أحدهما: أنه يوهم أن الجمع للنسك؛ لعدم تخصيصه بالمسافر، كما تقدم في جمع الظهر والعصر، والمشهور: أنه للسفر، كما تقدم في نظيره، فيحمل كلامهم على من سفره بعيد في الأصح.
ثانيهما: أنهم أطلقوا ذلك تبعًا للأكثرين، وقال الدارمي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والطبري والعمراني: إن ذلك إذا لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء، فإن خشي ذلك .. جمع بالناس في الطريق، ونص عليه الشافعي 314.
قال في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين محمول على ما لم يخش فوت وقت الاختيار؛ ليتفق قولهم مع نص الشافعي وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة 315.
واستنبط في "المهمات" من قول الشافعي في "الإملاء": (وأكره للرجل إذا دفع من عرفة أن يعرج حتى يأتي المزدلفة، فإن فعل .. لم يصل المغرب والعشاء حتى يأتي المزدلفة، إلا أن يدركه نصف الليل ... إلى آخره) أن استحباب التأخير إنما هو لمن قصد الدخول إليها، فإن لم يقصد .. فلا يستحب له هذا الجمع بناء على أن قول الشافعي: (فإن فعل) أي: أتى المزدلفة، قال: وهي مسألة حسنة ومتجهة في المعنى؛ لأنه إن كان غريبًا .. فهو في المنزل في وقت الأولى، والسنة فيه تقديم الثانية إليها، فلا يرحل حتى يصلي، وتأخيره عليه الصلاة والسلام لمعنى مناسب، وهو اشتغاله بقصد النسك، وإن كان مقيمًا .. فهو إنما يجمع على قولٍ للنسك وهو قصدُ مزدلفة، وذلك مفقود، ونازعه والدي رحمه الله في ذلك، وقال: الظاهر: أن مراد الشافعى بقوله: (فإن فعل) أي: عرّج للنزول قبل المزدلفة، فلا تؤخذ منه هذه المسألة.
1500 - قول "المنهاج" [ص 201]: (وواجب الوقوف: حضوره بجزءٍ من أرض عرفات، وإن كان مارًا في طلب آبقٍ ونحوه) أشار بقوله: (وإن كان مارًا) إلى أنه لا يشترط المكث، وليس ذلك في "المحرر"، قال الإمام: ولم يخرجوا ذلك على الخلاف في صرف الطواف إلى جهة أخرى، ولا يمتنع طرده، والظاهر: عدمه 316.
1501 - قولهم: (إنه لا يصح وقوف المغمى عليه) 317 كذا في "المحرر" و"الشرحين" 318، ووهم النووي، فصحح في "أصل الروضة": الصحة، وصرح في "شرح المهذب" بأن الرافعي
الحديث: 1500 - الجزء: 1 - الصفحة: 612
صححه، ثم استدرك عليه فصحح المنع من زوائده 319.
ويؤخذ المنع في المجنون من طريق الأولى، وصرح به في "المحرر" 320، قيل: والمراد بعدم الإجزاء: أنه لا يقع فرضًا؛ فإن المتولي قال: إذا وقف مجنونًا .. يقع حجه نفلًا، حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقرّاه 321، فالمغمى عليه أولى بذلك، وقد اعتمد ذلك شيخنا الاسنوي في "تصحيحه" 322، لكنه قال في "المهمات": إنه خلاف مذهب الشافعي؛ فإنه قال في "الإملاء": فاته الحج، وكان كمن لم يدخلها في أنه لا حج له، وفي "الأم" نحوه؛ ولذلك أطلق "التنبيه" أنه إذا وقف مغمى عليه .. فاته الحج 323.
قال الأصحاب: وتشترط الإفاقة أيضًا عند الإحرام والطواف والسعي 324، ولم يتعرضوا للحلق، وقياس كونه نسكًا: اشتراطها فيه.
1502 - قول "المنهاج" [ص 201]: (والصحيح: بقاؤه إلى الفجر) كان ينبغي التعبير بـ (المذهب) كما في "المحرر" 325، وكذا في "الروضة": صح على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: في صحته قولان 326.
1503 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ومن أدرك الوقوف بالنهار .. وقف حتى تغرب الشمس، فإن دفع قبل الغروب .. لزمه دم في أحد القولين) الأصح: أنه لا يلزمه دم، ولكن يستحب؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 201]: (أراق دمًا استحبابًا)، وعد "الحاوي" الوقوف إلى الغروب من السنن 327.
لكن صحح النووي في "مناسكه": الوجوب 328، ومحلهما: إذا لم يَعُدْ، فإن عاد فكان بها عند الغروب .. فلا دم، وكذا إن عاد ليلًا في الأصح، ذكره "المنهاج" 329، وصحح في "شرح المهذب": القطع به 330، فينبغي على طريقته التعبير بالمذهب.
الحديث: 1502 - الجزء: 1 - الصفحة: 613
1504 - قول "التنبيه" وهو في (باب الفوات والإحصار) [ص 80]: (وإن أخطا الناس في العدد فوقفوا في غير يوم عرفة .. أجزأهم) يتناول ما لو وقفوا الحادي عشر، ولا يجزئهم قطعًا، والثامن، ولا يجزئهم أيضًا، فإن علموا قبل فوت الوقوف .. وجب الوقوف في الوقت، وإن علموا بعده .. وجب القضاء في الأصح، ذكره "المنهاج" 331.
فلذلك فرض "المنهاج" المسألة في وقوف اليوم العاشر، و"الحاوي" فيما بين زوال الشمس يوم النحر والفجر 332، فدخل في عبارته ليلة الحادي عشر، ولم تتناولها عبارة "المنهاج"، وذكرها السبكي بحثًا، فقال: الذي يظهر أنها كالعاشر؛ فإنها من تتمته، وقد عرفت أنها منقولة، وصحح القاضي الحسين: عدم الإجزاء فيما إذا وقفوا فيها.
وبين عبارة "المنهاج" و"الحاوي" تفاوت آخر، وهو أن "المنهاج" عبر بقوله [ص 201]: (ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا) و"الحاوي" بقوله [ص 242]: (ولكثيرين كالطين)، فاقتضت عبارة "المنهاج" فيما لو تبين لهم الحال قبل الزوال، فوقفوا عالمين الصحة بناء على أن قوله: (غلطًا) مفعولًا له؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك لأجل الغلط، وإن كانوا حالة الوقوف عالمين بالحال، واقتضت عبارة "الحاوي" في هذه الصورة: البطلان وعدم الاحتساب؛ لأنهم لم يقفوا غالطين، بل عالمين، والأول هو الذي عليه عامة الأصحاب، كما حكاه الرافعي، وصححه في "شرح المهذب" 333، والثاني هو الذي قال البغوي: إنه المذهب 334، وأطلق القاضي حسين في ذلك وجهين من غير ترجيح، وإذا أعربنا قول "المنهاج": (غلطًا) مصدرًا في موضع الحال .. استوت عبارته مع عبارة "الحاوي" في ذلك.
واعلم: أن الرافعي صوّر المسألة بما إذا غم هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين، ثم قامت البينة - إما بعد وقوفهم، أو في أثنائه -[أن الهلال كان قد أهل] 335 ليلة الثلاثين، وفي إطلاق الغلط والخطأ في العدد على هذا التصوير نظر، وإنما هو جهل، والتعبير بالغلط يتناول ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب، وكذا يتناوله تعبير "التنبيه" بالخطأ في العدد مع أنه لا يجزئ كما صرح الرافعي في الكلام على الغلط بالتقديم، وحينئذٍ .. فما اقتضاه كلامهم ليس الحكم فيه كذلك، وما الحكم فيه ذلك .. لا يقضيه كلامهم، والله أعلم.
الحديث: 1504 - الجزء: 1 - الصفحة: 614
فصلٌ [في المبيت بمزدلفة وأعمال ليلة النحر]
1505 - قول "المنهاج" [ص 201]: (ومن دفع منها - أي: من مزدلفة -: بعد نصف الليل أو قبله وعاد قبل الفجر .. فلا شيء عليه، ومن لم يكن بها في النصف الثاني .. أراق دمًا) يقتضي أن الواجب من المبيت ساعة من النصف الثاني؛ سواء كان بها في شيء من النصف الأول أم لا، وهو الذي صححه النووي 336، ويوافقه قول "التنبيه" [ص 77]: (فإن دفع قبل نصف الليل .. لزمه دم في أحد القولين)، وصحح الرافعي: أن الواجب: مبيت معظم الليل؛ كما في مبيت ليالي منى، ثم استشكله من جهة أنهم لا يَصِلونَ إليها حتى يمضي نحو ربع الليل مع أن الدفع منها بعد نصف الليل جائز 337، وأطلق "التنبيه" قولين في وجوب الدم، وقال في "المنهاج" [ص 201]: (وفي وجوبه القولان) أي: المتقدمان فيمن نفر من عرفة قبل الغروب ولم يعد إليها، فيكون الأصح: الاستحباب كما في تلك المسألة، وعليه مشى "الحاوي" 338، لكن استدرك النووي في "الروضة" على الرافعي فقال: (الأظهر: وجوبه) 339، ولم يستدرك ذلك في "المنهاج"، وقال السبكي: الوجوب هو المنصوص في "الأم"، فهو الصحيح من جهة المذهب 340، وذكر في "المهمات" أن هذا الموضع من المواضع التي يسأل عنها في "المنهاج" لأنه ذكر المسألة في أول فصل، بحيث لم يتقدم فيه ذكر للقولين.
ومحل القولين: عند عدم العذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منى .. فلا دم عليه، ومن هنا استنبط شيخنا الإمام البلقيني أنه لو بات من شرط مبيته في مدرسة مثلًا خارجها؛ لخوف على نفس أو زوجة أو مال ونحوها .. أنه لا يسقط من جامكيته شيء، كما لا يجبر هنا ترك المبيت للمعذورين بالدم، وقال: هو من القياس الحسن، ولم أسبق إليه.
انتهى.
وكذلك لا دم على من جاء عرفة ليلًا فاشتغل بالوقوف عنه، ولو أفاض من عرفة إلى مكة، فطاف للإفاضة بعد نصف الليل، ففاته المبيت لذلك .. فعن القفال وصاحب "التقريب": أنه لا دم عليه؛ لاشتغاله بالوقوف، وفيه احتمال للإمام؛ لعدم الضرورة إلى ذلك 341، وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن مبيت مزدلفة ركن في الحج، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وقواه
الحديث: 1505 - الجزء: 1 - الصفحة: 615
السبكي، وأطلق "التنبيه" و"الحاوي" استحباب المبيت بمزدلفة إلى طلوع الفجر (1)، ومحله: في غير النساء والضعفة أما هم: فيسن تقديمهم بعد نصف الليل إلى منى، ذكره "المنهاج" (2)، وهو المنقول، وقال السبكي: الأحاديث تدل على أن ذلك رخصة، وليس نسكًا، وتعبيرهم بأنه سنة لعلهم أرادوا؛ لأن السنة للإمام: تقديمهم، وأما هم: فلا يندب لهم.
قلت: ويدل لذلك تعبيرهم بقولهم: (يسن تقديم النساء)، ولم يقولوا: (تقدمهن)، لكن عبر شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بعبارة تقتضي استحباب ذلك لهن، فقال: (والصواب في غير الأقوياء كالنساء والضعفة: استحباب دفعهم من مزدلفة بعد نصف الليل، ولا يقيمون بها كغيرهم إلى طلوع الفجر) (3).
1506 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ثم يصلي الصبح في أول الوقت) و"المنهاج" [ص 102]: (مُغَلِّسين) هو مستحب كل يوم، لكن في هذا اليوم هناك أشد استحبابًا.
1507 - قولهما: (ويأخذ منها حصى الجمار) (4) يقتضي أخذ جميعها، وهو سبعون حصاة لجميع الرمي، وهو وجه، والأصح: أنه يأخذ سبع حصيات ليوم النحر فقط.
1508 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ومن حيث أخذ .. جاز) إن أراد: الجواز المستوي الطرفين .. ورد عليه أنه يكره من المسجد والحُشِّ (5) والمرمى، وزاد في "شرح المهذب": ومن الحل (6)، ولم يذكره الرافعي وصاحب "الكفاية"، ونص عليه الشافعي (7)، قال السبكي: وينبغي تحريم أخذه من المسجد إن كان جزءًا منه، أو للمسجد به نفع.
قلت: وصرح بذلك النووي في (باب الغسل) من "شرح المهذب" فقال: ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحصاة وحجر وتراب وغيره (8).
تنبيهٌ [متى يلتقط حصى الجمار؟ ]
قال الجمهور: يتزود الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبح، وقال البغوي: يؤخر أخذها عن342343344345346347348349
الحديث: 1506 - الجزء: 1 - الصفحة: 616
الصلاة 350، قال في "المهمات": وهو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم" و"الإملاء" 351، وروى النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للفضل غداة يوم النحر: "التقط لي حصىً ... " 352 الحديث.
انتهى.
ويوافقه قول "المنهاج" [ص 201]: (ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) إن جعلناه معطوفًا على قوله قبله: (ثم يدفعون إلى منىً) 353 .. فإن ذلك بعد صلاة الصبح، لكن الظاهر: أنه معطوف على قوله في أول الفصل: (ويببتون) 354 لأنه يلزم من عطفه على قوله: (يدفعون) 355 قَصرُ الاستحباب على غير الضعفة والنساء، وهو يعمهم.
1509 - قولهم: (ويقف بالمشعر الحرام) 356 أي: الأفضل ذلك، ولو وقف في غيره من المزدلفة تأدَّى أصل السنة على الأصح، وكذا لو مَرّ ولم يقف .. كفاه؛ كما في "الكفاية" عن القاضي حسين، وأقره، وصرح "التنبيه" بأن قزح هو المشعر الحرام 357، وقال الرافعي: هو جبل بالمشعر 358، وقال النووي تبعًا لابن الصلاح: هو جبل صغير في آخر المزدلفة، قالا: وقد استبدل الناس به الوقوف على بناء محدث هناك يظنونه المشعر الحرام، وليس كما يظنون، لكنه يحصل بالوقوف عنده أصل السنة كما تقدم 359.
وقال المحب الطبري: هو بأوسط المزدلفة، وقد بني عليه بناء، ثم حكى كلام ابن الصلاح، ثم قال: والظاهر: أن البناء إنما هو على الجبل، والمشاهدة تشهد له، قال: ولم أر ما ذكره - يعني: ابن الصلاح - لغيره.
1510 - قولهم: (ويقطع التلبية مع أول حصاة) 360 محله: إذا جعله أول أسباب التحلل، كما هو الأفضل، أما إذا قدم الطواف أو الحلق عليه .. قطع التلبية من حينئذ، وأما المعتمر: فيقطع التلبية عند ابتداء الطواف.
الحديث: 1509 - الجزء: 1 - الصفحة: 617
1511 - قول "التنبيه" [ص 77]: (ويرفع يده حتى يُرى بياض إبطيه) محله: في الرجل، أما المرأة: فلا ترفع، صرح به الماوردي 361، وذكره النووي في "تصحيحه" بلفظ: (الأصح) 362، ومقتضاه: أن فيه وجهًا: أنها ترفع، قال النشائي وغيره: (ولم أره) 363، ويظهر أن الخنثى في ذلك كالمرأة.
1512 - قوله: (فإذا رمى .. ذبح هديًا إن كان معه) 364 الهدي المتطوع به لا يدخل وقت ذبحه بالفراغ من الرمي إلا إذا رمى في الوقت المسنون؛ لأن الأصح: اختصاصه بوقت الأضحية، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك 365.
1513 - قول "المنهاج" [ص 202]: (والحلق أفضل) هذا في الحج، وكذا العمرة، كما هو ظاهر إطلاق الشافعي والأصحاب، وأطلق النووي في "شرح مسلم": أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج؛ لأنه أكمل العبادتين، وفصّل الشافعي في "الإملاء" فقال: إن قدم قبل وقت الحج بزمن لو حلق حَمَّمَ رأسه حتى يأتي يوم النحر وثم شعر يُحْلَق .. أحببت له الحلق، وإن قدم يوم التروية أو عرفة في وقت لو حلق لم يحمّم رأسه .. اخترت له أن يقصّر؛ ليحلق يوم النحر، واعتمد في "المهمات" هذا النص، وقال: إنها مسألة نفيسة 366.
1514 - قولهم: (وتقصّر المرأة) 367 زاد "التنبيه" [ص 77]: (ولا تحلق)، وفي "شرح المهذب" وجهان، أصحهما: أنه مكروه لها، والثاني: حرام 368، وقيد في "المهمات" الكراهة بثلاث شروط:
أحدها: أن تكون المرأة كبيرة، وقال: المتجه في صغيرة لم تنته إلى سن يترك فيه شعرها: أنها كالرجل في استحباب الحلق.
الثاني: أن تكون حرة؛ فالأمة إن منعها السيد من الحلق .. حرم، وكذا إن لم يمنع ولم يأذن على المتجه.
الثالث: أن تكون خليّة عن الأزواج؛ فالمتزوجة إن منعها الزوج الحلق .. احتمل الجزم
الحديث: 1511 - الجزء: 1 - الصفحة: 618
بامتناعه؛ لأن فيه تشويهًا، واحتمل تخريجه على الخلاف في إجبارها على ما يتوقف عليه كمال الاستمتاع، والأصح: الإجبار، قال: وفي التحريم عليها عند منع الوالد نظر، والأوجه: إثباته.
انتهى.
وفي "شرح المهذب" عن العجلي: أن الخنثى كالمرأة 369.
1515 - قول "التنبيه" [ص 77]: (وهل الحِلاق نسك أم لا؟ قولان) الأظهر كما في "الروضة": أنه نسك 370، وفي "المنهاج": أنه المشهور 371، وبينهما في اصطلاحه تناف، وقد حكى "التنبيه" هذا الخلاف أيضًا في (باب فرض الحج والعمرة وسننهما) وجعل بدل كونه نسكًا: أنه من الواجبات 372، والأظهر: أنه ركن، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك، وعليه مشى "الحاوي" 373.
1516 - قولهم: (وأقله: ثلاث شعرات) 374 ظاهره: أنه لا فرق بين أن يأخذها دفعة أو متفرقًا، وهو المذهب في "شرح المهذب"، وجزم به في "المناسك" 375، لكن كلام "الروضة" وأصلها قبل موانع الحج يقتضي تصحيح أنه لا يكفي أخذها متفرقًا؛ فإنه خرجه على تكميل الدم بذلك، والأصح: عدم التكميل، بل يجب ثلاثة أمداد.
1517 - قول "المنهاج" [ص 202]: (حلقًا أو نتفًا أو تقصيرًا أو إحراقًا أو قصًّا) محله: إذا لم يَنذِرِ الحلقَ، فإن نذره وقلنا بوجوبه وهو الأصح .. تعين استيعابه بالحلق، وقد ذكره "الحاوي" 376.
1518 - قولهما: (ومن لا شعر برأسه .. يستحب إمرار الموسى عليه) 377 يقتضي كما في "المهمات" أنه إذا كان على بعض رأسه شعر .. لا يستحب إمرار الموسى على الباقي، قال: والقياس: خلافه.
1519 - قول "التنبيه" [ص 77، 78]: (ثم يخطب الإمام بالناس بمنى بعد الظهر، قال: ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل ويطوف طواف الزيارة) فيه أمران:
الحديث: 1515 - الجزء: 1 - الصفحة: 619
أحدهما: أنه صريح في أنه لا يستحب أن يذهب لمكة لطواف الزيارة إلا بعد الظهر، وليس كذلك، بل يستحب أن يذهب لها ضحوة ثم يعود إلى منى قبل صلاة الظهر بحيث يصليها بمنى؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 202]: (فإذا حلق أو قصر .. دخل مكة وطاف طواف الركن) فظاهره: فعل ذلك بعد الحلق من غير تأخير إلى بعد الظهر.
ثانيهما: استحباب الغسل لطواف الركن قول قديم جزم به النووي في "مناسكه الكبرى" 378، والجديد: خلافه.
1520 - قولهم: (ويدخل وقتها بنصف ليلة النحر) 379 أي: بشرط تقديم الوقوف عليها، فلو فعل شيئًا منها قبله .. لم يعتد به.
1521 - قول "المنهاج" [ص 202]: (ويبقى وقت الرمي إلى آخر يوم النحر) كذا صححه في "الروضة" وأصلها 380، وقيل: يمتد تلك الليلة إلى الفجر، وصححه النووي في "مناسكه" عند الكلام على رمي التشريق 381.
1522 - قول "المنهاج" [ص 202]: (ولا يختص الذبح بزمن) يُبيّن أن إطلاق دخول وقتها بنصف ليلة النحر محله: في غير الذبح، ثم استدرك فقال: (الصحيح: اختصاصه بوقت الأضحية، وسيأتي في آخر باب "محرمات الإحرام" على الصواب) 382.
واعْتُرض عليه: بأن الهدي يطلق على دم الجبران والمحظور، وهذا لا يختص بزمان؛ كالدين، وهو المراد هنا، وفي قوله أولًا: (ثم يذبح من معه هدي) 383، وعلى ما يساق تقربًا إلى الله تعالى، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر محرمات الإحرام، فلم يتوارد الكلامان على محل واحد حتى يُعَد ذلك تناقضًا، وقد أوضح الرافعي ذلك في (باب الهدي) من "شرحه الكبير"، فذكر أن الهدي يقع على الكل، وأن الممنوع فعله في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، فظن النووي أن المراد بالهدي هنا: ما يساق فقط، عكس مراد الرافعي على ما بينه في "الشرح"، فاستدركه عليه، وكيف يجيء الاستدراك مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد 384؟ وقد اعترض بهذا شيخنا الإسنوي في "المهمات" و"شرح
الحديث: 1520 - الجزء: 1 - الصفحة: 620
المنهاج"، لكنه في "الجواهر" وافق النووي، وعدّه تناقضًا، ووافقه شيخنا ابن النقيب، وقال: ما استدركه النووي متوجه من وجهين: أحدهما:
أن المساق هو الظاهر عند إطلاق لفظ الهدي.
والثاني: أنه اللائق بما يفعل يوم النحر؛ فإن دم المحظور قد لا يجوز تأخيره إلى يوم النحر؛ لكون سببه محرمًا، وقد لا يكون وُجِد بعدُ؛ فإنه قد يفعل سببه بعد ذلك، وذلك يقوي أن قوله أولًا: (ثم يذبح من معه هدي) أنه المساق تقربًا، وحينئذ .. فيرجع قوله: (ولا يختص الذبح بزمن) إلى ذبح الهدي المُساق؛ فيتوجه الاستدراك على ظاهر لفظ "المحرر" هنا مأخوذًا من إتيانه به على الصواب في محرمات الإحرام، وأما كون الرافعي في "الشرح" ذكر أن الهدي يطلق على الكل .. فلا يدفع الإيراد عن "المحرر" مع ظهور غير المراد منه.
انتهى 385.
1523 - قوله: (والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها) 386 أي: ويبقى محرمًا حتى يأتي بها، صرح به في "شرح المهذب"، لكن يكره تأخير الطواف عن يوم النحر، وكراهته عن أيام التشريق أشد، وإذا أخره عن أيام التشريق .. لا يوصف بأنه قضاء، خلافًا للمتولي 387.
قال ابن الرفعة: الذي يظهر لي امتناع تأخيره لمن لم يتحلل التحلل الأول، بل يمتنع تأخير التحلل الأول إلى العام القابل؛ لأنه يصير محرمًا بالحج في غير أشهره، وأيده بأن من فاته الحج .. يلزمه التحلل على الفور، لكن المحصر لا يجب عليه التحلل.
قال شيخنا ابن النقيب: ولم يظهر لي تعليل ابن الرفعة وغيره منع التأخير بكونه محرمًا بالحج في غير الأشهر، ووقت الحج يخرج بفجر يوم النحر، ولا يجب التحلل قبله قطعأ، بل الأفضل: تأخيره عنه 388.
قلت: ويظهر أن الممنوع منه ابتداء الإحرام بالحج في غير أشهره، لا دوامه وإن كان المنقول خلافه.
1524 - قول "التنبيه" [ص 78]: (وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان، أصحهما: أنه يحل بالأول ما سوى النساء، ويحل بالثاني النساء) إن أراد بالنساء: وَطْأَهُنَّ خاصّة .. خرج به عقد النكاح، والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، فيحلان بالتحلل الأول، وهو المصحح في "الشرح الصغير" فيهما، وفي "المحرر" في العقد، وعليه مشى "الحاوي" 389، وإن أراد: كل ما حرم
الحديث: 1523 - الجزء: 1 - الصفحة: 621
مما يتعلق بهن .. دخل فيه العقد والمباشرة، فيحرمان إلى التحلل الثاني، وهو المحكي في "الشرح الكبير" عن الأكثر، وعليه مشى في "الروضة" (1)، واستدركه في "المنهاج" فقال [ص 203]: (وحل به اللبس والحلق والقلم، وكذا الصيد وعقد النكاح في الأظهر.
قلت: الأظهر: لا يحل عقد النكاح).
ويرد على عبارة "المنهاج": الطيب؛ فإنه مما يحل بالتحلل الأول على المذهب، ولم يذكره، بل يندب قبل التحلل الثاني، وكذا يرد على تعبير "التنبيه" عن القول الثاني: بأنه يحل بالأول لبس المخيط والحلق وتقليم الأظفار، ويحل بالثاني الباقي، ويرد عليه أيضًا: الصيد؛ فإنه يحل بالأول على الأظهر كما تقدم، ولا يرد شيء من ذلك على "الحاوي" لأنه ذكر حل المحظورات بالأول، ولم يستثن منها سوى الجماع، ولم يذكر الحلق في "المحرر"، وذكر ستر الرأس، فأسقطه "المنهاج" ولعله لدخوله في اللبس، ووجه المرأة كرأس الرجل، وتساهل في كونه لم يبين أن الحلق من زيادته؛ لعدم الخلاف فيه، والله أعلم.
فصلٌ [المبيت بمنى ليالي التشريق]
1525 - قول "المنهاج" [ص 203]: (إذا عاد إلى منى .. بات بها ليلتي التشريق) أي: وجوبًا، كما يدل عليه عبارة "الحاوي" 391، وصححه النووي بعد أن نقل عن الرافعي استحبابه 392، والذي قاله الرافعي: أنهم اتفقوا على تشبيه القولين بالقولين في النفر من عرفة قبل الغروب، وقد تقدم ترجيح الاستحباب، فيشبه أن يكون هنا مثله، وبه صرح ابن كج وغيره، وكلام الأكثرين يميل إلى ترجيح الإيجاب.
انتهى.
فأسقط النووي ذلك، وأطلق حكاية تصحيح الاستحباب، وفيه نظر، والمعتبر فيه معظم الليل، كما رجحه الرافعي، وأقره النووي، ولم ينازعه إلا في مبيت مزدلفة كما تقدم.
1526 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث .. لزمه دم في أحد القولين) هو الأظهر عند النووي، وحكى عن الرافعي تصحيح الاستحباب 393، وقد عرفت ما فيه، والتصوير في الليالي الثلاث مختص بمن لم ينفر في اليوم الثاني.390
الحديث: 1525 - الجزء: 1 - الصفحة: 622
1527 - قوله: (وفي ليلة .. الأقوال الثلاثة التي في الحصاة) 394 أي: وهي ثلث دم أو مد أو درهم، والأصح: مد.
1528 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر قبل غروب الشمس .. جاز وسقط مبيت الليلة الثالثة وَرَمْيُ يومها) 395 شرطه: أن يكون قد بات الليلتين قبله، وإلا .. لم يجز النفر إن كان قد ترك مبيتهما بغير عذر، كذا نقله الروياني عن الأصحاب، وحكاه عنه النووي في "شرح المهذب" وأقره 396، وأطلق الماوردي أنه لا يجوز النفر إلا لمن بات الليلتين، ولم يفصّل بين المعذور وغيره 397.
1529 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (فإن لم ينفر حتى غربت .. وجب مبيتها وَرَمْيُ الغد) 398 أي: إن لم يشرع في شيء من أسباب الرحيل، أما لو ارتحل فغربت الشمس قبل انفصاله من منى .. لم يلزمه المبيت، وفيه وجه ضعيف، وكذا إن غربت بعد أخذه في شغل الارتحال أو نفر قبل الغروب، فعاد لشغل قبله أو بعده في الأصح، فلو تبرع في هذه الحالة وبات .. لم يلزمه الرمي في الغد كما حكي عن نص الشافعي 399.
1530 - قول "التنبيه" [ص 78]: (ويجوز لأهل سقاية العباس ورعاء الإبل أن يدعوا المبيت ليالي منى، ويرموا يومًا، ويدعوا يومًا، ثم برموا ما فاتهم) فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يختص بسقاية العباس؛ فلو أحدثت سقاية للحاج .. فللقيِّم بشأنها ترك المبيت، كما صححه النووي 400، وحكاه الرافعي عن البغوى، وحكى عن ابن كج وغيره: أنه ليس له ذلك 401، قال في "المهمات": وهو الصحيح؛ فقد نقله المارودي والرويانى عن نص الشافعي، والمشهور كما أشعر به لفظ الرافعي 402.
ثانيها: أن المراد: إبل الحجيج، كما دل عليه تعليل الرافعى بأن شغلهم ينفع الحجيج عامةً 403 ,
الحديث: 1527 - الجزء: 1 - الصفحة: 623
وقال النشائي: خصوه بالإبل، فإن كان لمصلحة الحاج .. فواضح، وإلا .. فالغالب الإبل؛ فلا مفهوم له 404.
قلت: ولو كان لمصلحة الحاج .. لا ينبغي اختصاصه بالإبل؛ فقد يكونون رعاة الغنم التي يسوقها الحاج للأكل منها.
ثالثها: لا يتعين البداءة برمي يوم، بل لو بدأوا بتركه .. جاز.
رابعها: لا يختص ذلك بمبيت منى؛ فمبيت مزدلفة كذلك كما أشعر به صدر كلام الرافعى والنووي 405، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية"، وحكاه المحب الطبري عن صاحب "الفروع".
1531 - قوله: (ومن ترك المبيت لعبد أبق، أو أمر يخاف فوته .. كان كالرعاء وأهل السقاية على المنصوص) 406 فيه أمور:
أحدها: أن مقابله منصوص أيضًا كما حكاه الماوردي 407، فالمسألة ذات قولين لا وجهين، كما في "الروضة" وأصلها 408.
ثانيها: قال في "الكفاية": أفهم اختصاص الخلاف بذلك، وأطبقوا على جريانه في مريض منعه مرضه البيتوتة بمنى، قال الماوردي: والحائض.
ثالثها: قال في "المهمات": إن كلام الأصحاب يوهم أن الخلاف في جواز ترك المبيت، والصواب: أنه في وجوب الدم مع القطع بجواز الترك، فكيف يجب عليه أن يبيت ويترك المريض ضائعًا، أو المال تالفًا، أو يمكث لمن يقتله 409، ونحو ذلك؟
رابعها: أن الثعالبي قال في "سر اللغة": إنه لا يقال للعبد: آبق إلا إذا كان ذَهَابُهُ من غير خوفٍ، ولا كدٍّ في العمل، وإلا .. فهو هاربٌ 410.
1532 - قول "المنهاج" [ص 203]: (ويدخل رمي التشريق بزوال الشمس، ويخرج بغروبها، وقيل: يبقى إلى الفجر) أي: كل يوم يدخل وقت رميه بالزوال، ويخرج بالغروب، ومحل الوجه بالبقاء إلى الفجر: في غير اليوم الثالث، أما الثالث: فيخرج وقت رميه بغروب شمسه قطعًا، وينافي المذكور هنا ما صححه في "الروضة" وأصلها: من بقاء وقت الرمي في جميع الأيام إلى
الحديث: 1531 - الجزء: 1 - الصفحة: 624
انقضاء أيام التشريق 411، وهو ظاهر "المنهاج" وصريح "الحاوي" كما سيأتي 412، وحمل ابن الرفعة الأول على الاختيار، والثاني على الجواز.
1533 - قول "التنبيه" في جمرة العقبة [ص 77]: (فيرمى إليها سبع حصيات واحدة واحدة، لا يجزئه غيره) ثم قال في بقية الجمرات: (كل جمرة سبع حصيات كما وصفنا) 413، وعبارة "المنهاج" مثله 414، وفيهما أمور:
أحدها: أنه يشترط كون الرمي باليد؛ ليخرج الرمي بالقوس والدفع بالرجل، وسكتا عنه، وكذا "الحاوي" لأنه المتبادر إلى الفهم والمعتاد، فاستغنى بذلك عن التصريح به.
ثانيها: يقوم مقام الحصى كل ما يسمى حجرًا، كما صرحا به بعد ذلك، حتى حجر الحديد والياقوت والعقيق والفَيرُوزَج 415 والزمرد والبلور والزبرجد على الأصح، لا الذهب ونحوه من المنطبعات، ولا اللؤلؤ، وما ليس من طبقات الأرض، وعبارة "الحاوي" [ص 247]: (بحجر وياقوت لا إثْمد)، ولو قال: (ياقوت) بغير عطف .. لكان أحسن؛ لأن الياقوت داخل في اسم الحجر.
ثالثها: أفهم كلامهما: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى أم لا؟ أنه يجزئه؛ لجعلهما الواجب الرمي إلى الجمرة، وهو قول قديم، والجديد: المنع، وكذا يرد على "الحاوي".
رابعها: وأفهم أيضًا: أنه لو رمى بحصاة ثم أخذها ورمى بها ... وهكذا سبعًا .. أنه لا يجزئه، وهو وجه رجحه الإمام، وقواه ابن الصلاح 416، لكن الأصح: الإجزاء، حكاه الرافعي عن تصحيح البغوي، وصححه في "الشرح الصغير" 417، وهو المصحح في "أصل الروضة"، ونقله في "شرح المهذب" عن اتفاق الأصحاب 418.
خامسها: لا يشترط رميها واحدة واحدة، فلو رمى جملة السبعة سبع مرات .. أجزأه مع انتفاء صفة الوحدة، ولا يرد ذلك على "المحرر" لقوله: (ويشترط رمي الحصيات السبع في سبع
الحديث: 1533 - الجزء: 1 - الصفحة: 625
دفعات) 419، وكذا عبارة "الروضة": يشترط أن يرمي الحصيات في سبع دفعات 420، ولا يرد هذا والذي قبله على "الحاوي" لقوله [ص 247]: (سبع رميات).
نعم؛ يرد عليهم: ما إذا رمى حصاتين دفعة واحدة؛ أحدهما باليمنى، والأخرى باليسرى .. فإنه لا يحسب له إلا واحدة بالاتفاق، كما قال النووي في "شرح المهذب" 421.
سادسها: يرد على قول "التنبيه" [ص 77]: (يرمي إليها)، و"الحاوي" [ص 247]: (إلى جمرة العقبة): أنه لو وقف في طرف منها ورمى إلى طرف آخر .. أجزأه، كما جزم به الرافعي والنووي 422، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 203]: (ولا كون الرامي خارجًا عن الجمرة).
سابعها: أورد في "الكفاية" على قول "التنبيه" [ص 78]: (كما وصفنا) أنه يقتضي استحباب أن يكون في رمي أيام التشريق راكبًا كما في رمي يوم النحر، والأصح المنصوص: أنه يستحب أن يرمي في اليومين الأولين ماشيًا وفي الثالث راكبًا؛ لأنه يسير بعده، قال النشائي: وفيه نظر؛ فإن اللفظ ظاهر في صفة الرمي وهي واحدة واحدة دون صفة الرامي، وإلا .. لورد كيفية الوقوف من كونه يوم النحر مستدبر القبلة على ما قال الرافعي، أو مجانبًا لها بيساره على ما رجحه النووي، وأيام التشريق مستقبلها، وإن لم يَصِفْه 423. وقال شيخنا الإمام البلقيني: نص "الأم" يقتضي أنه إنما يسن الركوب عند رمي جمرة العقبة خاصة 424.
1534 - قول "المنهاج" [ص 203]: (وترتيب الجمرات) و"الحاوي" [ص 247]: (بالترتيب) عبارة مبهمة لا يفهم المراد منها إلا العارف بالمناسك، وقد أوضح ذلك "التنبيه" فقال [ص 78]: (فيرمي الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، ويقف قدر "سورة البقرة"، ويدعو الله تعالى، ثم يرمي الجمرة الوسطى، ويقف ويدعو كما ذكرنا، ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، ولا يقف عندها).
1535 - قول "التنبيه" [ص 78]: (والأولى: أن يكون بحصى الخَذْفِ) قد يفهم: أنه يرمي به على هيئة الخذف، فيضع الحجر على بطن الإبهام ويرميه برأس السبابة، وكذا قال الرافعي 425،
الحديث: 1534 - الجزء: 1 - الصفحة: 626
لكن صحح النووي أنه يرمي لا على هيئة الخَذْفِ 426، ولذلك قال "المنهاج" [ص 203]: (بقدر حصى الخَذْفِ)، فيحمل كلام "التنبيه" على أنه بقدره لا على هيئته، وهو دون الأنملة طولًا وعرضُا، وذلك قدر الباقلا.
1536 - قولهما: (ومن عجز عن الرمي .. استناب) 427 ليس المراد: العجز الذي ينتهي إلى اليأس كما في استنابة الحج، وإنما المراد: العجز في الحال إذا لم يرج زواله قبل خروج وقت الرمي؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 247]: (ويُنِيبُ عاجز لا يقدر في وقته) سواء أكان العجز بمرض أو حبس أو غيرهما، وسواء حبس بحق أم بغيره بالاتفاق كما في "شرح المهذب" 428، لكن شرط ابن الرفعة: أن يحبس بغير حق، وذكر أن البندنيجي حكاه عن "الأم"، ويشترط أيضًا: أن يكون النائب قد رمي عن نفسه في الأصح، وإلا .. وقع له.
1537 - قول "التنبيه" [ص 78]: (ويُكبّر هو)، قال في "الكفاية": هذا إذا كان حاضرًا، فإن عجز عن الحضور معه .. كَبَّر الرامي، حكاه القاضي أبو الطيب وغيره.
1538 - قول "الحاوي" [ص 247]: (ولا ينعزل بإغمائه) قد يستشكل؛ لأنه وكيل، والوكيل ينعزل بإغماء الموكل في الأصح.
وجوابه: أن هذا توكيل لعذر، فسومح ببقائه مع حدوث الإغماء.
1539 - قول "المنهاج" [ص 203]: (وإذا تَرَكَ رَمْيَ يومِ .. تداركه باقي الأيام على الأظهر ولا دم) فيه أمور:
أحدها: قال شيخنا ابن النقيب: أي: من أيام التشريق؛ فإن كلامه فيه، قال: وكذلك لو ترك رَمْيَ يوم النحر .. فإنه يتداركه كغيره في الأصح، وقيل: لا يتداركه قطعًا، وعلى هذه الطريقة يصح ما قدمناه من أن وقت رمي يوم النحر ينقضي بيومه، وقيل: يمتد إلى الفجر، وإن قلنا بالطريقة الأولى - وهي الأصح - وقلنا: بالأداء - كما سيأتي تصحيحه - .. امتد وقته إلى آخر أيام التشريق، فيخالف ما تقدم، وقد يقال: يجوز تداركه قضاءً أو أداء مع القول بتحريم التأخير، فلا مخالفه.
انتهى 429.
ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 247]: (والمتروك يتدارك) فإنه شامل للجميع، ولم يسبق منه ما يخالفه، والله أعلم.
الحديث: 1536 - الجزء: 1 - الصفحة: 627
ثانيها: لو ترك رمي يومين .. كان كذلك، كما في "الروضة" وأصلها 430، وقد دخل في عبارة "الحاوي" المتقدمة، وهو مشكل مع قولهم: أرباب الأعذار يجوز لهم تأخير رمي يوم واحد، وليس لهم تأخير يومين، فكيف يمتنع مع العذر تأخير رمي يومين مع جوازه بلا عذر؟
ثالثها: الأصح: أن هذا المتدارك أداء، ذكره "الحاوي" 431، وحينئذ .. فيشكل مع ما تقدم من خروج رمي التشريق بالغروب، وقد تقدم هذا الاستشكال وجوابه من كلام ابن الرفعة.
1540 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك الرمي حتى مضت أيام التشريق .. لزمه دم) قد يفهم أنه لا يلزم الدم بدون ذلك، وفي "المنهاج" [ص 203]: (والمذهب: تكميل الدم في ثلاث حصيات) ولهذا قال "الحاوي" [ص 247]: (وفي كل وثلاثٍ .. دمٌ).
1541 - قول "التنبيه" [ص 78]: (فإن ترك حصاة .. ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: يلزمه ثلث دم، والثاني: مد، والثالث: درهم (الأظهر: مد، وعليه مشى "الحاوي" 432، وصورة المسألة: أن تكون الحصاة من الجمرة الأخيرة يوم النفر، وإلا؛ فإذا فرعنا على إيجاب الترتيب بين الأداء والقضاء - وهو الأصح - .. فما بعد المتروك مُطَّرَح حتى يكمل.
1542 - قول "التنبيه" [ص 78]: (وإن أراد الخروج بعد قضاء النسك .. طاف للوداع)، و"المنهاج" [ص 203]: (إذا أراد الخروج من مكة .. طاف للوداع) فيه أمران:
أحدهما: أن ظاهر كلامهما: أنه لا فرق بين أن يريد الخروج إلى مسافة القصر أو دونها، وهو الذي صححه في "شرح المهذب" 433، لكن في "الروضة" وأصلها: تقييده بالخروج إلى مسافة القصر 434، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 248]: (على قاصد سفر القصر)، والصحيح عند السبكي: التعميم فيمن سافر إلى منزله، أما من سافر إلى دون مسافة القصر على قصد الرجوع ولم يكن منزله .. فلا وداع عليه.
ثانيهما: ظاهر كلامهما: اختصاصه بمن أتى بنسك، بل صرح به "التنبيه" في قوله [ص 78]: (بعد قضاء النسك)، لكن الأصح: مشروعيته وإن لم يكن بعد نسك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 248]: (ويجب طواف الوداع على قاصد سفر القصر من مكة)، فلم يذكره من جملة أفعال النسك، ويستثنى من كلام من لا يفرق بين سفر القصر وما دونه: المعتمر يخرج للتنعيم لا وداع
الحديث: 1540 - الجزء: 1 - الصفحة: 628
عليه عند الشافعي كما قال ابن المنذر 435، ونقله في "البيان" عن الشيخ أبي نصر 436، وأما الخارج يوم التروية: فيستحب له الوداع، ولم يثبت فيه حديث، ذكر ذلك شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
ويختص "التنبيه" بأن عبارته صريحة في أن طواف الوداع ليس من النسك، وهو الذي صححه الرافعي والنووي 437، ولهذا لا يؤمر به المكي، لكن صحح السبكي: أنه من المناسك، وقال: تظافرت عليه نصوص الشافعي والأصحاب، قال: ولم أر من صرح بأنه ليس من المناسك إلا صاحب "التتمة"، وتبعه على ذلك في "المهمات"، وبسطه، وهو موافق لعد "التنبيه" له في (باب فروض الحج والعمرة وسننهما) من واجبات الحج على أحد القولين، ويختص "المنهاج" و"الحاوي" بأنه لا يختص ذلك بالخروج من مكة، فلو أراد الرحيل من منى إلى بلده .. لم يجز حتى يطوف.
1543 - قول "المنهاج" [ص 203]: (ولا يمكث بعده) و"التنبيه" [ص 79]: (ولم يقم بعده، فإن أقام .. لم يعتد بطوافه عن الوداع) يستثنى منه: مكثه بسبب الرحيل؛ كشراء زاد وشد رحل ونحوهما .. فالأصح فيه: أنه لا يعيده؛ كما لو حضرت صلاة فصلاها .. فإنه لا يعيد، كما جزم به في "الروضة" 438 ولهذا قال "الحاوي" [ص 248]: (فإن وقف لا لشغل السفر .. بطل).
1544 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ومن ترك طواف الوداع .. لزمه دم في أحد القولين) هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 439، وفي "الكفاية": إن هذا هو الخلاف المذكور في أنه من واجبات الحج، وخالفه النشائي، وقال: الخلاف في الرافعي وغيره في أنه واجب من حيث هو، لا بخصوص النسك 440.
ويستثنى من ذلك: المتحيرة إذا تركت الوداع .. فلا دم، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: فيه احتمال في "البحر" 441.
1545 - قول "المنهاج" [ص 204]: (وفي قول: سُنَّةٌ لا تجبر) أي: لا تجبر بالدم وجوبًا، بل تجبر ندبًا؛ فإنه يجبر به قطعًا، وفي وجوبه الخلاف المتقدم.
الحديث: 1543 - الجزء: 1 - الصفحة: 629
واعلم: أن جبره بالدم وجوبًا أو ندبًا ظاهر على القول بأنه من المناسك، أمّا إذا قيل بالمصحح: أنه ليس منها .. فليس واضحًا، فينبغي ألَّا يجبر، ويؤيده أن طواف القدوم لا يجبر به على المذهب، قال السبكي: ولا أظن أحدًا يقول به إذا لم يقع عقب نسك، فإن قيل به .. فهو في غاية الإشكال.
1546 - قوله: (فإن أوجبناه، فخرج بلا وداعٍ فعاد قبل مسافة القصر .. سقط الدم) 442 واضح - على ما تقدم عن "الروضة" وأصلها - من أن الخروج إلى دون مسافة القصر لا يقتضي وداعًا 443، وأما على ما في "شرح المهذب" أنه يقتضيه 444 .. فينبغي ألَّا يسقط، ثم محل السقوط: إذا طاف بعد عوده، وقد صرح به في "المحرر" 445، فلو عاد فمات قبل أن يطوف .. لم يسقط.
1547 - وقوله: (أو بعدها .. فلا على الصحيح) 446 عبر في "الروضة" بالأصح 447، وذلك يقتضي قوة مقابله، لكن في "شرح المهذب" أن الجمهور قطعوا بالسقوط 448، وذلك يقتضي ضعف مقابله، كما في "المنهاج"، ولم يتعرض "الحاوي" لسقوط الدم، وإنما ذكر وجوب العود، فقال [ص 248]: (والعود قبل مسافته له).
1548 - وقوله: (لا إن طهرت الحائض) 449 أي: لا يجب عليها العود إذا طهرت.
يستثنى منه: ما إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، وقيل: في الحرم .. فيجب عليها العود.
1549 - قولهم: (وللحائض النفر بلا وداعٍ) 450 كذلك النفساء.
1550 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ويكون آخر عهده بالبيت إذا خرج .. النظر إليه إلى أن يغيب عنه) يقتضي أنه لا يوليه ظهره، بل يمشي القهقرى، والأصح: خلافه، والمختار: أنه لا يلتفت أيضًا.
1551 - قول "المنهاج" [ص 204]: (ويسن شرب ماء زمزم) قد يوهم أن ذلك بعد فراغه من طواف الوداع؛ لذكره عقبه، وليس كذلك؛ ولهذا أطلق "التنبيه" استحبابه لكل حاج، ولم
الحديث: 1546 - الجزء: 1 - الصفحة: 630
يذكره بعد طواف الوداع، وزاد: (شربه لما أحب، والتضلع منه) (1) ومع ذلك فَذِكْرُ الحج مثال، فلا اختصاص لهذه السنة وما ذكر بعدها بالحاج، وقد أطلق في "المهذب" و"شرحه" الاستحباب، وهو الصواب (2)، وفهم في "الكفاية" التقييد فقال: أي: أو اعتمر، وتعجب منه النشائي في ذلك (3)، وقال المتولي: إنه يستحب شرب ماء زمزم عقب طواف الإفاضة كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، قال الماوردي: ويغسل وجهه وصدره، ويصب على رأسه (4).
1552 - قول "المنهاج" [ص 204]: (وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الحج) لا يختص استحبابها بذلك، بل هي مستحبة مطلقًا بعد الحج أو العمرة أو قبلهما أو لا مع نسك ألبتة، وإنما ذكرت عقب الحج جريًا على الغالب.
1553 - قول "التنبيه" [ص 79]: (ويستحب لمن حج أن يدخل البيت) محله: ما إذا لم يُؤذ أو يتأذى بزحمة كما في "الروضة" (5).
1554 - قوله: (ويصلي فيه) (6)، قال في "الكفاية": أي: النفل، والقياس: أن صلاة الفرض خارجها أفضل؛ فإن مالكًا لا يرى الصحة (7)، وذكر النووي أنه إن رُجي في الفرض كثرة جماعة .. فخارجها أفضل، وإن لم يُرج .. فداخلها أفضل، ذكره في "الروضة" في استقبال القبلة (8).
فصلٌ [أركان الحج والعمرة]
1555 - قول "التنبيه" [ص 80]: (أركان الحج أربعة) لم يذكر الحلق، وحكى بعد هذا قولين في أنه واجب أو استباحة محظور، والأظهر: أنه نسك، وهو ركن؛ ولذلك عدها "المنهاج" و"الحاوي" خمسة، وذكرا منها: الحلق 459، وأحسن "الحاوي" بالتخيير بينه وبين التقصير 460.451452453454455456457458
الحديث: 1552 - الجزء: 1 - الصفحة: 631
قال الرافعي: ولم يعدوا الترتيب ركنًا، وهو معتبر بتقديم الإحرام على الكل، والوقوف على طواف الركن والحلق، وطواف صحيح على السعي، فجاز عده ركنًا كما في الصلاة، ولا يقدح عدم الترتيب بين الحلق والطواف، كما لا يقدح عدم الترتيب بين القراءة والقيام 461.
1556 - قول "التنبيه" [ص 80]: (وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق) هو قول، والأظهر: أن الحلق ركن فيها أيضًا، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 462.
1557 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فالإفراد: أن يحج، ثم يخرج إلى أدنى الحل، ويحرم بالعمرة) الاقتصار على أدنى الحل هو أقل ما يكون، ولكن الأفضل: أن يخرج إلى الجعرانة؛ فإنها أفضل جهات الحل للإحرام منها بالعمرة، ثم التنعيم، ثم الحديبية على ما تقدم، فصارت عبارة "التنبيه" تتناول الأقل دون الأكمل، وكأنه بناه على اختياره أن أفضل جهات الحل: التنعيم، كما تقدم ذلك عنه، والتنعيم أدنى الحل، وقول "المنهاج" [ص 204]: (بأن يحج، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي ويأتي بعملها) متناول للأقل والأكمل، فهو أحسن.
ومقتضى عبارتهما: أن الإفراد لا يصدق بدون ذلك، ومقتضى عبارة "الحاوي": صدقه بدون ذلك؛ حيث قال [ص 244]: (والإفراد أفضل منهما إن اعتمر في سَنَة الحج)، فتقييد الأفضلية باعتماره في سَنَة الحج يدل على صدق اسم الإفراد بدونه، ويوافقه عبارة "الروضة" وأصلها: (فأما الإفراد فمن صوره: أن يحرم بالحج وحده ويفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة، وسيأتي باقي صوره في شروط التمتع) 463، لكنهما لما ذكرا شروط التمتع - وهي ثمانية وفاقًا وخلافًا - .. قالا: إن هذه الشروط معتبرة لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان، أشهرهما: لا تعتبر؛ ولهذا قال الأصحاب: يصح التمتع والقران من المكي، خلافًا لأبي حنيفة.
انتهى 464.
فدل على أن بقية صور الإفراد إنما هي على وجه مرجوح، وأما على الأشهر .. فالإفراد منحصر فيما تقدم، لكنهما قالا في حج الأجير إذا استأجره للتمتع فأفرد: نظر: إن قدم العمرة وعاد للحج إلى الميقات .. فقد زاد خيرًا.
انتهى 465.
فاستعملا لفظ الإفراد في هذه الصورة، وهو مخالف لما قالا: إنه الأشهر، وقال في "الكفاية": هذا غير شامل لحقيقة الإفراد؛ فإنه لو اعتمر قبل أشهر الحج، ثم حج من
الحديث: 1556 - الجزء: 1 - الصفحة: 632
الميقات، أو لم يحرم إلا بالحج في عامه .. كان إفرادًا بلا خلاف، ذكره القاضي حسين والإمام 466، وذكر مثله السبكي، وقال في الصورة الأولى: هي أولى باسم الإفراد من صورة "المنهاج" لوقوع العمرة قبل أشهر الحج إجماعًا، وتلك وقعت في أشهره عند جماعة، وقال شيخنا ابن النقيب في عبارة "المنهاج": هو تفسير للإفراد الذي هو أفضل 467.
1558 - قول "المنهاج" [ص 204]: (الثاني: القران؛ بأن يحرم بهما من الميقات، ويعمل عمل الحج فيحصلان) فيه أمران:
أحدهما: كون الإحرام بهما من الميقات هو أكمل، لكنه ليس شرطًا؛ لصدق اسم القران، فلو أحرم بهما من دون الميقات .. كان قرانًا صحيحًا بلا خلاف، وعليه دم الإساءة.
ثانيهما: اقتصاره على أعمال الحج ليس شرطًا في صورة القران، والمراد: أن للقارن الاقتصار عليها، ولا يحتاج إلى عمل النسكين، وقد سلم "التنبيه" من الأول، فاعتبر الجمع بينهما في الإحرام، ولم يقيد ذلك بكونه من الميقات 468، وسلم "الحاوي" من الأمرين، فاقتصر على قوله [ص 244]: (بأن يحرم بهما).
1559 - قول "المنهاج" [ص 204]: (ولو أحرم بعمرةٍ في أشهر الحج، ثم بحج قبل الطواف .. كان قارنًا) يقتضي أنه لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج في أشهره .. أنه لا يصح، ولا يكون قرانًا، وهو ما حكاه الرافعي عن اختيار الشيخ أبي على، وأنه حكاه عن عامة الأصحاب، ولكن حكى عن اختيار القفال وقطع ابن الصباغ وغيره: الصحة 469، وصححه النووي في زيادة "الروضة" و"شرح المهذب" 470، وكذلك لم يقيد "التنبيه" و"الحاوي": العمرة بكونها في أشهر الحج 471، وعلى هذا .. فكان الأحسن: لو قدم في "المنهاج" وأخر فقال: (ولو أحرم بعمرة، ثم بحج قبل الطواف في أشهر الحج .. كان قارنًا)، ولو عبر الثلاثة في هذه الصورة بابتداء الطواف .. لكان أولى؛ فإنه قد يتوهم أن المراد: تمامه، مع أنه لو شرع فيه ولو بخطوة .. امتنع حينئذ إدخال الحج، بل لو استلم الحجر الأسود بنية الطواف .. ففي صحة الإحرام بالحج بعده وجهان، قال في "شرح المهذب": وينبغي أن يكون أصحهما: الصحة؛ لأنه مقدمة للطواف 472.
الحديث: 1558 - الجزء: 1 - الصفحة: 633
1560 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فإن أهَلّ بالحج، ثم أدخل عليه العمرة .. ففيه قولان، أحدهما: يصح ويصير قارنًا، والثاني: لا يصح)، الأظهر: الثاني، وأشار "المنهاج" إلى ترجيحه بقوله [ص 204]: (إنه الجديد) فإن الأصل ترجيح الجديد إلا ما اسْتُثْنِيَ، ومشى عليه "الحاوي" 473.
1561 - قول "التنبيه" [ص 70]: (والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحج من عامه) و"الحاوي" [ص 244]: (بأن يحرم بالعمرة أشهر الحج من على مسافة القصر من الحرم، ثم بالحج سَنَتَها بلا عودٍ إلى ميقاتٍ) يرد عليه: أن كون العمرة في أشهر الحج، وكون الحج من عامِهِ، وبقية القيود إنما هي شروط لوجوب الدم مع صدق اسم التمتع بدونها على الأشهر، كما تقدم بما فيه، قال السبكي: وقد أطلقوا الوجهين، وينبغي أنه إن وقعت العمرة في أشهر الحج في سَنتِهِ .. فهو تمتع وإن فاتت بقية الشروط، وإلا .. فهو إفراد؛ لأنه أفرد الحج في أشهره عن العمرة.
انتهى.
وقد سلم "المنهاج" من ذلك بقوله [ص 204]: (بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغ منها، ثم ينشئ حجًا من مكة) لكن يرد عليه أمران:
أحدهما: أن التقييد بميقات بلده تبع فيه "المحرر"، وهو في "الروضة" وأصلها هنا 474، لكن حكى الرافعي عند الكلام على وجوب دم التمتع عن النص: أن من جاوزه مريدًا للنسك وأحرم دونه بالعمرة .. أن دم التمتع لا يجب، وإنما يلزمه دم الإساءة، فأخذ بإطلاقه قوم، وحمله الأكثرون على ما إذا بقي بينه وبين مكة أو الحرم دون مسافة القصر، فإن بقي أكثر .. وجب الدمان.
انتهى 475.
فعلى ما حكاه عن الأكثرين .. ليس كون الإحرام من ميقات بلده شرطًا، وذكر في "المهمات" أن هذا النص قديم، وحكاه عن صاحبي "التقريب" و"التهذيب" 476.
الثاني: تقييد الحج بكونه من مكة ليس شرطًا لصدق اسم التمتع، بل لوجوب الدم خاصة؛ فإن الأشهر: أنه لو عاد إلى الميقات وأحرم منه بالحج .. أنه يسمى متمتعًا، ولكن لا دم عليه.
1562 - قولهما: (وأفضلهما: الإفراد) 477 قيده المتكلمون عليهما: بأن يحرم بالحج من عامه، وإلا .. فالتمتع والقران أفضل منه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 244]: (إن اعتمر في سَنَة
الحديث: 1560 - الجزء: 1 - الصفحة: 634
الحج) ولا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأنهما فسرا الإفراد بذلك كما تقدم، فإن كان الإفراد لا يصدق عندهما بدونه .. فلا كلام، وإن صدق بدونه وكان تفسيرًا للإفراد الذي هو أفضل كما تقدم عن بعضهم .. فلا إيراد أيضًا، ثم إنهما قيدا مطلق الإفراد أو الإفراد الذي هو أفضل بأن يعتمر بعد الحج، وكذا ذكره الماوردي والنووي في "شرح المهذب" 478، واعتبر "الحاوي" الاعتمار في سنة الحج 479، وظاهره: أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون العمرة بعده أو قبله وقبل أشهر الحج، وكذا أطلق في "الروضة" وأصلها 480، وصرح به المحب الطبري فقال: لا فرق بين أن يعتمر بعد حجه من أدنى الحل أو قبله من الميقات ثم يحج من الميقات أيضًا؛ في أن كلًا منهما إفراد، قال: بل الثاني أفضل من الأول، وقد تقدم ذلك عن ابن الرفعة والسبكي، بل ذهب القاضي حسين والمتولي إلى تفضيل الإفراد ولو أتى بالعمرة في سنة أخرى، وضعفه النووي في "شرح المهذب" 481، ومال القاضي حسين بعد نقله ذلك عن المذهب إلى خلافه؛ لأن للتأخير آفات، لكن اختاره السبكي، ونازع في قول الرافعي والنووي: أن تأخير العمرة عن سَنَة الحج مكروه 482، فقال: الإفراد وصف مقصود للحج في نفسه حتى لا يخلطه بعمرة ولا يقدمها عليه في أشهره، فإذا أتى به كذلك .. كان كاملًا، وكذلك العمرة أيضًا كمالها: أن تنفرد عن الحج في غير أشهره، ونحن إذا فَضّلنا الإفراد عليهما نُريد: تفضيل حج وقع مختلطًا بعمرة أو متأخرًا عنها في أشهره، لا تفضيل عبادة على عبادتين، ولا عمل قليل على كثير، فهو حينئذ أفضل مطلقًا سواء اعتمر في سَنَتِهِ أم في غيرها، وكيف يُشترط في تفضيله أن يعتمر بعدها ولم يُنقل ذلك عن فعله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد ممن كان معه في حجة الوداع إلا عائشة، وكانت قارنة؟ وكذلك إذا نظرنا إلى العمرة من حيث هي .. فإفرادها أفضل.
وإن نظرنا إليهما جميعًا، وأن عبادتين أفضل من عبادة، فوقعت كل عبادة على الوجه المقصود منها وهو هنا الإفراد .. فلا شك أنه أفضل، وكأن الأصحاب نظروا إلى ترجيح عبادتين على عبادة، وإلى تعجيل العمرة على تأخيرها، ولم ينظروا إلى صفة الكمال في كل منهما، وكمالهما: إفرادهما كما سبق، وأن يُنشئ لكل منهما سفرًا من بلده، كما فُسِّر به قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فهو أفضل من إتيانه بالعمرة تبعًا، ولا شك أن من عاد بعد الحج إلى بلده واعتمر منه أفضل ممن اعتمر عقبه من التنعيم ونحوه، وذلك لا يمكن في سَنَتِهِ إذا بعدت بلده كالكوفة مثلًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 635
ويمكن إذا قَرُبت كالمدينة مثلًا، قال: فهذا أفضل فيما ظهر لي، ثم يليه جمعهما في سفرة إفرادًا أو تمتعًا أو قرانًا، ثم الاقتصار على الحج.
انتهى.
وأورد في "المهمات" على تفضيلهم الإفراد: أنه إذا قرن واعتمر بعده أيضًا .. ينبغي أن يكون أفضل من الإفراد؛ لاشتماله على المقصود مع زيادة عمرة أخرى، قال: وهو نظير ما قالوه في (التيمم): أنه إذا رجي الماء، فصلى أولًا بالتيمم على قصد إعادتها بالوضوء .. فإنه أفضل لا محالة، قال: وكذلك إذا اعتمر المتمتع بعد الحج أيضًا، خصوصًا إذا كان مكيًا أو عاد لإحرام الحج إلى الميقات؛ فإن فوات هذه الشروط لا يخرجه عن كونه متمتعًا، وإنما سقط الدم.
قلت: إنما ذكر الأصحاب هذا التفضيل عند تأدِيَةِ نسكين فقط، وفي هاتين الصورتين قد أَدّى ثلاثة نسك، فليست هي الصورة المتكلم عليها، والله أعلم.
1563 - قولهما: (وعلى المتمتع دم) 483 المراد به: شاة تجزئ في الأضحية، وكذلك جميع الدماء التي في الحج، إلا جزاء الصيد، وقد ذكر ذلك "الحاوي" 484، ويقوم مقام الشاة سُبع بدنة وسُبع بقرة.
1564 - قول "التنبيه" [ص 70]: (وحاضروا المسجد الحرام أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة) الضمير في قوله: (منه) يعود إلى الحرم، فالمسافة معتبرة منه، كما رجحه الرافعي في "شرحيه"، فقال في "الكبير": إنه الدائر في عبارات العراقيين 485، وفي "الصغير": إنه أشبه الوجهين، وصححه النووي في كتبه، وعليه مشى "الحاوي" 486، لكن في "المحرر" اعتبارها من مكة، فقال: وإنما يجب على المتمتع إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وهو مَنْ سَكَنُه من مكة فوق مسافة القصر.
انتهى 487.
وفي هذه العبارة خلل؛ لأن مقتضاها: أن من هو على مسافة القصر من مكة .. من حاضري المسجد الحرام، وليس كذلك، فالصواب: حذف لفظة: (فوق) ولذلك غيّره "المنهاج" فقال [ص 205]: (وحاضروه: مَنْ دون مرحلتين من مكة)، ثم استدرك عليه فقال: (قلت: الأصح: مِن الحَرَمِ)، لكن في "المهمات": أن الفتوى على ما في "المحرر"، فقد نقله صاحب "التقريب" عن النص فقال: حاضر المسجد الحرام عند الشافعي: مَنْ بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، نص عليه في "الإملاء"، وأيّده الشافعي بأن اعتبار ذلك من الحرم يؤدي إلى
الحديث: 1563 - الجزء: 1 - الصفحة: 636
إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب؛ لاختلاف المواقيت.
انتهى.
وفي عبارة "المحرر" شيء آخر، وهو أن تعبيره بالسكن يقتضي اعتبار الاستيطان في سقوط الدم بخلاف عبارة غيره، ويدل على عدم اعتبار الاستيطان ما تقدم قريبا عن الرافعي أنه حكى عن الأكثرين فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك ثم أحرم بعمرة، وهو على دون مسافة القصر من مكة أو الحرم: أنه لا يجب عليه دم التمتع، لكنه قبل ذلك بنحو ثلاثة أوراق نازع الغزالي في قوله: إن الآفاقي 488 لو جاوز الميقات غير مريد نسكًا، فلما دخل مكة اعتمر، ثم حج .. لم يكن متمتعًا؛ إذ صار من الحاضرين، وقال: إن كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نص "الإملاء" والقديم ظاهر في اعتبار الاستيطان 489.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إن الكلام الذي حكيته أولًا هو المعتمد عليه، قال: ويلزم منه أن من دخل مكة في غير أشهر الحج، ثم اعتمر في أشهر الحج .. لا يلزمه دم، وهو كذلك؛ إما قطعًا، أو على خلاف ضعيف.
انتهى.
وفي "شرح السبكي" بعد تطويل الكلام في هذه المسألة ما حاصله: أن فيها قولين، القديم: أن الحاضر كل من حصل هناك سواء استوطن أم لا وهو الذي قاله الغزالي 490، فلا دم إذا أحرم من مكة أو قريبًا منها بالعمرة سواء أجاوز الميقات مريدًا للنسك أم غير مريد، وأظهرهما: أنه المستوطن، وعلى هذا يلحق به من في معناه، وهو مَنْ بمكة أو قريبًا منها إذا لم يجاوز الميقات مريدًا للنسك، فإن جاوزه مريدًا .. ففيه نظر، والأقرب: أنه لا يلحق به، ثم قال: فإن قلت: فإذا ألحقت به من في هذه المسافة .. فلا فائدة للخلاف حينئذ، والخلاف في التسمية فقط .. قلت: بل من فوائده: أنه إذا خرج المستوطن والآفاق الذي وصل مكة ولم يستوطنها إلى الميقات وتمتعا منه .. وجب الدم على الآفاق دون المستوطن.
انتهى.
1565 - قولهما: (وألا يعود لأحرام الحج إلى الميقات) 491 ظاهره: إرادة الميقات الذي أحرم منه بالعمرة، ولا يختص به، فلو عاد إلى مثل مسافته وأحرم منها .. فلا دم، وكذا لو عاد إلى ميقات أقرب منه، أو أحرم من مكة، ثم عاد إليه محرمًا على الأصح فيهما، وقيده في "المهذب"
الحديث: 1565 - الجزء: 1 - الصفحة: 637
و"التهذيب" و"البحر" بأن يكون قبل الوقوف 492، ولا يرد شيء من ذلك على "الحاوي" لقوله [ص 244]: (بلا عودٍ إلى ميقات)، وذكر البغوي والفوراني: أنه لو ذهب إلى مسافة القصر وأحرم .. فلا دم 493.
1566 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ووقت وجوب الدم: إحرامه بالحج) يفهم أنه لا يجوز تقديمه عليه، وليس كذلك، فالأصح: جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة، وقد ذكره "التنبيه" فقال [ص 70]: (فإن ذبح المتمتع بعد الفراغ من العمرة، والقارن بعد الإحرام بالحج .. جاز على ظاهر المذهب) و"الحاوي" فقال [ص 257]: (وقدّم إن اعتمر) وقد توهم عبارته إرادة الإحرام بالعمرة، وهو وجه، فعبارة "التنبيه" أوضح، لكن قوله: (على ظاهر المذهب) يعود للمتمتع فقط؛ فإن القارن في صورة إدخال الحج على العمرة إذا ذبح هديه بعد الإحرام بالحج .. جاز بلا خلاف؛ لأنه خوطب به.
1567 - قول "التنبيه" [ص 70]: (فإن لم يجد الهدي) تبع فيه لفظ القرآن 494، وعبر "المنهاج" بقوله [ص 205]: (فإن عجز عنه في موضعه) وهو أحسن؛ لتناوله العجز الحسي؛ بألَّا يجده أصلًا، أو لا يجد ثمنه، والشرعي؛ بأن يجده ومعه ثمنه، لكنه محتاج إليه، أو يجده غاليًا؛ أي: لا يبيعه صاحبه إلا بأكثر من ثمن مثله .. فلا يجب عليه شراؤه بذلك الثمن، وينتقل للصيام كما في نظائره، وأيضًا: فإنه بيّنَ أن المراد: العجز عنه في موضعه، وهو الحرم، ولا التفات إلى وجوده في غيره.
ولو أحرم بحج ولا هدي، ثم وجده قبل الشروع في الصوم .. نص في "الأم" على وجوبه 495، وبنوه على أن الاعتبار بوقت الوجوب أو الأداء أو الأغلظ، وإن وجده بعد الشروع فيه .. نُدب، ولا يجب، ولو أحرم واجدًا له، ثم أعسر .. فهو على الخلاف المتقدم.
1568 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ثلاثة في الحج) لا بد من تقييده بأن ذلك قبل يوم النحر، فلو أخر التحلل عن أيام التشريق، ثم صامها .. أثم، وصارت قضاء على الصحيح وإن صدق أنها في الحج؛ لندوره، فلا يراد بقوله تعالى: ﴿في الحج﴾ ولهذا قال "الحاوي" [ص 257]: (بين الإحرام والنحر).
1569 - قولهم: (وسبعةً إذا رجع إلى أهله) 496 أي: إن أراد: الرجوع إليهم، فإن أراد:
الحديث: 1566 - الجزء: 1 - الصفحة: 638
الإقامة بمكة .. صامها بمكة، قاله الروياني في "البحر" 497، وقياسه: أنه لو أقام ببلد آخر .. صامها فيه.
1570 - قول "المنهاج" [ص 205]: (ولو فاته الثلاثة في الحج .. فالأظهر: أنه يلزمه أن يُفَرِّقَ في قضائها بينها وبين السبعة) فيه أمران:
أحدهما: تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف قولان، وكذا في "المحرر"، ورجحه في "أصل الروضة" 498، ورجح الرافعي في "الشرح الصغير": أنه وجهان.
ثانيهما: أنه يقتضي الاكتفاء بمطلق التفريق ولو بيوم واحد، وهو قول نص عليه في "الإملاء"، لكن الأظهر: أنه يجب أن يفرق بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وذلك أربعة أيام، ومدة سيره إلى بلده؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 257]: (وفرق القضاء بقدرِهِ) أي: بقدر التفريق في الأداء.
1571 - قول "التنبيه" [ص 70]: (ولا يجب ذلك على القارن إلا أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام، ولا على المتمتع إلا أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات، ولا يكون من حاضري 499 المسجد الحرام) يقتضي أن الشرط المذكور في المتمتع أولًا ليس شرطًا في القارن، وليس كذلك، فالأصح: أن القارن إذا عاد قبل الوقوف إلى الميقات .. لا دم عليه، فكان ينبغي التسوية بينهما في اعتبار الشرطين، ويرد ذلك على "الحاوي" أيضًا؛ فإنه اعتبر عدم العود إلى الميقات في حقيقة التمتع كما تقدم، ولم يعتبر ذلك في القران، فغاير بين حكمهما، وقال في "المحرر" بعد استيفاء الكلام على المتمتع: (وعلى القارن دم كدم المتمتع) 500، فاستدرك عليه "المنهاج" وقال [ص 205]: (بشرط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام) وهو غني عن هذا الاستدراك، فقوله: (كدم المتمتع) يغني عنه، وإذ قد استدرك هذا .. فكان ينبغي استدراك الشرط الآخر، وهو: عدم العود إلى الميقات.
الحديث: 1570 - الجزء: 1 - الصفحة: 639
بابُ محرَّمات الإحرام
1572 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره) فيه أمور:
أحدها: أن ذلك في الرجل، وقد ذكر حكم المرأة في آخر الباب 501.
ثانيها: قد تفهم عبارته أن المُحَرَّم ستر جميع الرأس، وليس كذلك، فستر بعضه كذلك، وضبطه الإمام والغزالي بستر قدر يُقْصَدُ ستره لغرضٍ؛ كشد عصابة ولصوق شجة 502، وأبطله الرافعي باتفاقهم على أنه لو شد خيطًا على رأسه .. لا فدية عليه، مع أنه يقصد لمنع الشعر من الانتشار، فالوجه: الضبط بتسميته ساترًا 503.
ثالثها: قد تتناول عبارته: ستره باليد، ولا منع منه في يد نفسه قطعًا، ولا في يد غيره على المذهب، وبالانغماس في ماء، ولا منع منه، وبالاستظلال بِمَحْمِلٍ أو هودج، ولا منع منه إن لم يصب رأسه، وكذا إن أصابه خلافًا للمتولي في الحالة الثانية، قال الرافعي والنووي: ولم أره لغيره، وهو ضعيف 504، وقال شيخنا الإمام البلقيني: نصه في "الأم" يدل له، قال: وَيستَظِل المُحْرِمُ على المحمل والراحلة والأرض بما شاء ما لم يَمسَّ رأسَهُ 505.
قلت: ليس فيه الاستظلال بالمحمل، وإنما فيه الاستظلال، وهو في المحمل أو على الراحلة بلا محمل أو على الأرض، والله أعلم.
وقال في "المهمات": جزم به جماعات منهم الروياني في "البحر" والخوارزمي في "الكافي" فقالا: له أن يستظل بما لا يباشر رأسه من الخيمة والمحمل 506.
قلت: قد تكون (مِنْ) بَيانِيّة، والخيمة والمحمل لا يباشران غالبًا، قال: واستدلال القاضي حسين يقتضيه، وصرح به أبو الخير سلامة بن جماعة في كتابه "الوسائل"، وفرق بينه وبين حمل الزنبيل؛ حيث نقل فيه خلافًا بأن المحمل يُقْصَد به الستر، بخلاف الزنبيل.
انتهى 507.
وقد تتناول عبارة "التنبيه" وضع الزنبيل والحِمْل على الرأس، ولا منع منه على المذهب، وفي "المهمات" عن الفوراني أن محله: إذا لم يقصد به الستر، فإن قصده .. حرم، قال والدي
الحديث: 1572 - الجزء: 1 - الصفحة: 640
رحمه الله: وحكاه في "البحر" عن "الحاوي"، واستحسنه 508، ويتناول تطيين الرأس وطليه بحناء أو مرهم أو غيرهما، وإنما توجب الفدية إذا كان ثخينًا ساترًا، فإن كان رقيقًا لا يستر .. فلا فدية.
رابعها: أن كلامه هنا يتناول حالة العذر، لكنه ذكرها بعد ذلك في قوله: (وإن احتاج إلى اللبس لحرٍ أو بردٍ .. جاز، وعليه الكفارة) 509 وقد سلم من ذلك جميعه "المنهاج" بقوله [ص 206]: (سَتْرُ بعض رأس الرجل بما يُعَدُّ ساترًا إلا لحاجةٍ) وهو أشمل من قول "المحرر" (إلا لحاجة مداواة) 510 لتناوله الحر والبرد، إلا أن يقال: التغطية لهما من المداواة، وفيه بعد، واقتصار "التنبيه" على الحر والبرد لا يتناول المداواة، وعبر "الحاوي" بقوله [ص 249]: (ستر الرأس بما يُعَدّ ساترًا كطين، لا خيطٍ وحِمْلٍ وماءٍ)، وقد عرفت مما تقدم ما يرد عليه.
1573 - قول "التنبيه" [ص 72]: (حرم عليه لبس المخيط في جميع بدنه) هو في الرجل، وقد ذكر حكم المرأة بعد ذلك 511، ولا يختص التحريم بالمخيط، بل كل مُحيط ولو بنسيج أو عقد أو إلزاق بعضه ببعض أو غيرها كذلك؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 249]: (والبدن بمحيطٍ بخياطةٍ ونسجٍ وعقد لِبْدٍ كخريطة اللحية ولف إزارٍ على ساقٍ وعَقْدهِ) 512، وعبارة "المنهاج" [ص 206]: (وَلُبْسُ المخيط أو المنسوج أو المعقود في سائر بدنه) فلم يأت بما يشمل جميع أنواع المحيط، واستعمل لفظة: (سائر)، فإن أراد: الباقي .. فلم يتقدم حكم شيء منه حتى يكون هذا حكم باقيه؛ فإن الرأس قسيم البدن لا بعضه، فهذا الحكم ثابت لجميع البدن، وإن أراد: الجميع .. فهذا المعنى لا يعرف لـ (سائر)، وإن ذكره الجوهري وتبعه الغزالي 513، فقد أنكره ابن الصلاح وغيره 514، والمراد: جميع أجزائه على البدل؛ فإنه لا يشترط في التحريم أن يعم المخيط جميع البدن، فلو اتخذ لساعده شيئًا مخيطًا أو للحيته خريطةً لخضاب ونحوه .. حرم في الأصح؛ كالقفازين، ويعرف ذلك من تمثيل "الحاوي".
1574 - قول "المنهاج" [ص 206]: (إلا إذا لم يجد غيره) أي: لفقده من ملكه، وتعذر شراؤه بثمن مثله، وإجارته بأجرة مثله، واستعارته، ومقتضاه: المنع لحاجة الحر والبرد
الحديث: 1573 - الجزء: 1 - الصفحة: 641
والمداواة، والمنقول في كلام الرافعي والنووي وغيرهما: الجواز، لكن مع الفدية 515، فلو عبر بـ (الحاجة) كما في المسألة قبلها .. لكان أولى، وكذلك فعل "الحاوي" فقال بعد ذكر المسألتين [ص 250]: (ولحاجة بدم) و"التنبيه" 516، فاللبس يتناولهما؛ ولعل "المنهاج" إنما خص هذه الحالة بالذكر؛ لأنه لا فدية فيها، ودخل في كلامه: لُبس الخف لفقد النعل، والسراويل لفقد الإزار، لكنه يجب في الأول قطعه أسفل من الكعب اتباعًا للحديث 517، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 518، ولا يجب في السراويل قطعه فيما جاوز العورة، كما صرحوا به، وهو مقتضى إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" 519، لكن لو تأتى له الاتزار بالسراويل .. امتنع لبسه على هيئته، ولزم الاتزار به، صرح به النووي في "شرح المهذب" تبعًا لجماعة 520.
1575 - قولهم: (إنه يحرم على المرأة ستر وجهها) 521 يستثنى منه: ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلا به، احتياطًا للستر، وفي "شرح المهذب": أن الأمة كالحرة على المذهب، وقيل: كالرجل 522.
قلت: وينبغي أن يستثنى من ذلك: أن الأمة لا تستر شيئًا من الوجه للاحتياط لستر الرأس؛ لأن رأسها ليس بعورة، ولو ستر الخنثى المشكل وجهه ورأسه .. لزمته الفدية، أو أحدهما .. فلا؛ فإنا لا نوجب بالشك.
1576 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه الطيب في بدنه وثيابه) قد يفهم منه اختصاص ذلك بالرجل كالمذكور قبله من المخيط وستر الرأس، وكذلك توهمه عبارة "الحاوي" لذكره بعد قوله [ص 249]: (وعلى الرجل ستر الرأس)، وليس كذلك؛ فتحريم الطيب عام للرجال والنساء، وكذا بقية المحرمات إلا اللبس؛ فهو الذي يفترق فيه الرجل والمرأة، فيحرم عليه: ستر الرأس والمخيط في البدن، وعليها: ستر الوجه، ويشتركان في تحريم القفاز، وقول "الحاوي" [ص 250]: (والتطيب) ليس معطوفًا على قوله [ص 249]: (ستر الرأس) بل على قوله أول الفصل [ص
الحديث: 1575 - الجزء: 1 - الصفحة: 642
249]: (لبس القفازين)، ولو عبر "التنبيه" بـ (أو) كقول "المنهاج" [ص 206]: (استعمال الطيب في ثوبه أو بدنه) .. لكان أحسن، ومراد "التنبيه": أن كلًا منهما محل للتحريم، لا أنه يتوقف التحريم على اجتماعهما في التطيب، زاد "الحاوي" [ص 250]: (قصدًا بما يُقصد به رائحته).
واحترز بالأول: عما لو ألقته الريح عليه، أو أكره عليه، أو جهل تحريمه، أو نسي كونه محرمًا .. فلا فدية، وكذا لو جهل كون الممسوس طيبًا على الأصح، بخلاف ما لو علم تحريمه، وجهل الفدية فيه .. فيجب، وينبغي في ناسي الإحرام تقييده بما إذا لم يكثر ذلك منه، كما في الكلام أو الأكل ناسيًا في الصلاة.
وبالثاني: عما لا تقصد رائحته وإن كانت له رائحة طيبة، إما لكونه يطلب للأكل أو للتداوي غالبًا كالقرنفل وسائر الأبازير 523 والتفاح والسفرجل والأترج ونحوها، أو لكونه ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم 524، وفي معناها: نور الأشجار والعصفر والحناء .. فلا فدية في شيء من ذلك؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 250]: (لا الفواكه والدواء وزهر البادية).
1577 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة) عبر في "المهذب" وغيره بالاستعمال 525، وهو أولى، واستعمالها إنما هو باستهلاكها دون شمها، وقد صرح الرافعي والنووي بأن شم ماء الورد لا يحرم 526، وحكى ابن يونس في "النبيه" فيه وجهين، وصحح: التحريم، واستهلاك الأدهان المطيبة داخل في قول "المنهاج" [ص 206]: (استعمال الطيب) و"الحاوي" [ص 250]: (والتطيب)، وقد ذكره في الأمثلة فقال: (ودهن البنفسج) 527.
1578 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وأكل ما فيه طيب ظاهر) يُحمَل على ظهور الأوصاف الثلاثة أو الرائحة وحدها، وكذا الطعم وحده على الأظهر، بخلاف اللون وحده؛ فإنه لا يضر على الأظهر؛ ولهذا قال "الحاوي" [ص 250]: (كأكل طعامٍ فيه رائحته)، ويرد عليه: الطعم، وأكل ما فيه طيب داخل في عبارة "المنهاج" لأنه تطييب للبدن من داخل.
1579 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وشم الرياحين كالورد والياسمين والورسِ والزعفران) بخلاف ما دل عليه كلامه في (الأيمان): أن الورد والياسمين ليسا من الرياحين 528، ولعلهما منه
الحديث: 1577 - الجزء: 1 - الصفحة: 643
لغة لا عرفًا، ثم إن محل تحريم شمها: أن تكون بيده، أو بما هو ملصق بيده، فلو شمها من بُعد؛ كدكان الفكاه والبستان .. لم يمتنع، فإن وضعها بين يديه على هيئة معتادة وشمها .. فإطلاق "التنبيه" وغيره يقتضي المنع، لكن قال شيخنا ابن النقيب: الذي يظهر: عدم التحريم، وقد يقال: إن عبارة "المنهاج" لا تتناول الرياحين من وجهين:
أحدهما: أنها مشمومة لا طيب.
والثاني: لقوله: (في بدنه أو ثوبه) 529 فإنها إنما يحرم فيها الشم كما في "التنبيه"، ويقوي الإيراد على "المنهاج" إذا أخذنا بإطلاق "التنبيه" أنه يحرم شمها عند وضعها بين يديه؛ فإنه في هذه الصورة ليس مستعملًا لها في بدن ولا ثوب، وأيضًا: فلو ألصقها ببدنه بلا شم .. لم يحرم مع استعمالها في البدن 530.
1580 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويجوز له شم النَّيْلَوْفَر والبنفسج) 531 وجهه:
أن المقصود منهما: التداوي، ولا يتخذ من يابسهما طيب، لكن المذهب في "أصل الروضة": التحريم كبقية المشموم 532.
1581 - قوله: (وفي الريحان الفارسي قولان) 533 أظهرهما: التحريم، وعليه مشى "الحاوي" 534.
1582 - قول "الحاوي" [ص 250]: (والنوم في فراش مُطَيَّبٍ) محله: ما إذا أفضى ببدنه أو ملبوسه إليه، فإن فرش فوقه ثوبًا ونام عليه .. فلا فدية، لكنه إن كان الثوب رقيقًا .. كره.
1583 - قوله عطفًا على المنفي: (والْبَانِ وَدُهْنِهِ) 535 تبع فيه كون الإمام والغزالي نقلاه عن النص 536، لكن حكى الرافعي عن إطلاق الجمهور: أن كلًا منهما طيب، ثم قال: ويشبه ألَّا يكون خلافًا حققًا، بل هما محمولان على توسط - حكاه صاحبا "المهذب" و"التهذيب" - وهو أن
الحديث: 1580 - الجزء: 1 - الصفحة: 644
دهن البان المنشوس، وهو المغلي في الطيب طيبٌ، وغير المنشوس ليس بطيب 537، وقال النووي في "شرح المهذب": هو كما قال الرافعي 538.
قال في "المهمات": ذكراه بحثًا، وقد صرح به الشافعي في "الأم" فقال فيما فيه الفدية: مثل الْبَانِ المنشوش بالطيب، ثم قال: ودهن ليس بطيبٍ مثل سليخة البان غير منشوش.
انتهى 539.
وهو بالنون والشين المعجمة المكررة، ثم إن هذا التفصيل إنما يأتي في دهن البان، ولا يمكن إتيانه في نفس البان، فالخلاف فيه محقق.
1584 - قوله عطفًا على المنفي: (وجهل طيبه) 540 أي: لا فدية إذا جهل كون الممسوس طيبًا، كما تقدم ذكره.
1585 - وقوله: (لا عَبقه) 541 أي: تجب الفدية إذا جهل عبقه مع علمه بأنه طيب؛ بأن يكون رطبًا، فيظنه يابسًا، فيمسه، فيعلق منه بيده شيء، وهذا أحد القولين، ورجحه الإمام والغزالي 542، ورجح طائفة: عدم الوجوب، وذكر صاحب "التقريب" أنه القول الجديد، كذا في "أصل الروضة" 543، وزاد في "شرح المهذب": أن الدارمي ذكر أنه الجديد أيضًا، وأن الأول هو القديم، ثم قال النووي: وعدم الوجوب أصح؛ لأنه نصه في الجديد؛ ولأنه غير قاصد، وصححه في "مناسكه" أيضًا 544.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: نص في "الأم" على ما يدل عليه، فقال مضمرًا لأنواع الطيب: (فإن مَسَّاهَا وهما لا يعلمان أنها رطبة، فَعَلِقَتْ بأيديهما .. غسلا ذلك، ولا شيء عليهما، وإن عَمَدَا أن يَمَسَّاها رطبةً فَعَلِقَتْ بأيديهما .. افتديا)، قال شيخنا: وحينئذ .. ترجح عدم الوجوب.
انتهى 545.
لكن نازعَ في "المهمات" في الحكاية عن صاحب "التقريب" وقال: إنه حكى وجهين من غير ترجيح، ثم نقل عن "المختصر" و"الأم" كلامًا، وتردد في حمله.
الحديث: 1584 - الجزء: 1 - الصفحة: 645
1586 - قول "المنهاج" [ص 206]: (ودَهْنُ شعر الرأس أو اللحية) لا يحسن إدراجه في قسم التطيب؛ لأنه يحرم بغير المطيب كالزيت ونحوه، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" فلم يجعلاها أقسامًا، ويدرجاه في التطيب، بل ذكراه ذكرًا مبتدأً، وعبرا بالرأس، فاحتاجا لاستثناء من لا شعر على رأسه، ولم يحتج "المنهاج" لذلك؛ لتعبيره بشعر الرأس، وقد استثناه "الحاوي" فقال [ص 251]: (وإن حُلِق لا للأصلع) وفهم الأقرع من طريق الأولى، ولم يذكر "التنبيه" الاستثناء .. فَوَرَدَ عليه، وإطلاقهم اللحية يتناول لحية المرأة، وقد صرح بها القاضي حسين، وقد يفهم جواز دهن غيرها من شعور الوجه كالحاجب والشارب والعنفقة والعذارين، وقال المحب الطبري: الظاهر: أنها في معنى اللحية، وفي "المهمات": إنه القياس.
وقال شيخنا ابن النقيب: التحريم ظاهر فيما اتصل باللحية؛ كالشارب والعنفقة والعذار، وأما الحاجب والهُدبُ وما على الجبهة: ففيه بُعد 546.
وقال الماوردي في "الإقناع": يحرم دهن شعر البدن أيضًا 547، ولا يخفى أن المراد: دهن المحرم شعر نفسه.
1587 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ويحرم عليه تقليم الأظفار وحلق الشعر) لا يختص ذلك بالحلق؛ فالنتف والقص والإحراق وبالنورة حكمها كالحلق، ولا بالتقليم؛ فالقطع والكسر كالقلم؛ لذلك عبر "المنهاج" بالإزالة، و"الحاوي": بالإبانة 548.
ويستثنى من إزالة الظفر: ما لو انكسر بعضه وتأذى به .. فله قطع المنكسر خاصةً.
ومن الشعر: ما لو نبتت شعرة أو شعرات داخل جفنه وتأذى بها، أو طال شعر حاجبيه أو رأسه وغطى عينيه .. فله قلع القدر المغطى، وفي الصور كلها لا فدية، وقد استثنى "الحاوي" الثانية فقال [ص 251]: (لا من داخل الجفن)، وذكرها "التنبيه" بعد ذلك.
ولا فدية أيضًا فيما لو قطع إصبعه وعليها شعر أو ظفر، أو كَشَطَ جلدة رأسه وعليها الشعر؛ للتبعيّة، وقد ذكرها "الحاوي" فقال [ص 251]: (وقطع ما عليه الشعر).
ولا فدية أيضًا فيما لو حلق المغمى عليه رأسه أو المجنون أو الصبي الذي لا يميز على الأصح في "شرح المهذب" 549، ولا يفهم من تعبيرهم بالشعر: تحريم إزالة الشعرة الواحدة، مع أنه حرام، لكن يفهم من ذكرهم: ما يجب في حلق شعرة واحدة.
الحديث: 1586 - الجزء: 1 - الصفحة: 646
1588 - قول "التنبيه" [ص 73]: (وإن حلق رأسه مكرهًا أو نائمًا .. وجبت الفدية على الحالق في أحد القولين، وعلى المحلوق في الثاني، ويرجع بها على الحالق) الأظهر: الأول، وعليه مشى "الحاوي" 550، وأطلق "التنبيه" على الثاني أن يرجع بها على الحالق، وفصّل الرافعي والنووي فقالا: إن فدى بالهدي أو الإطعام .. رجع عليه، ولكن بأقل الأمرين منهما؛ لأنه متطوع بالزيادة، وإن فدى بالصوم .. فلا رجوع في الأصح 551، وفي "شرح المهذب" عن الأصحاب: أن محل جواز فدائه بالصوم: إذا غاب الحالق أو أعسر 552، وينبغي أن يكون محل القولين: ما إذا لم يدخل وقت الحلق، فإن دخل وقته .. فقال المحب الطبري: الظاهر: أنه لا فدية قطعًا، ولا يبعد تأثيمه؛ لافتياته، وإن حلقه وهو ساكت قادر على الدفع .. فكالآمِر، وقيل: على القولين في النائم، ومن هنا .. يعلم أن ما تقدم في الحلق من نفسه كما تقدم في الدهن، وهو واضح.
1589 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (وتكمُلُ الفديةُ في ثلاثِ شعراتٍ) 553 محله: ما إذا أزالها متواليًا في مكان واحد، فإن تعدد الزمان أو المكان .. فطريقان، أصحهما: في كل شعرة ما فيها لو انفردت، وهو مد في الأظهر، والطريقة الثانية قولان كمن كرر اللبس.
1590 - قول "التنبيه" [ص 73]: (فإن حلق شعرة أو قلم ظفرًا .. فيه ثلاثة أقوال، أحدها: يجب ثلث دم، والثاني: درهم، والثالث: مد) الأظهر: الثالث، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 206]: (والأظهر: أن في الشعرة مُدَّ طعامٍ، وفي الشعرتين مُدَّين) ومشى عليه "الحاوي" 554.
ومحل الأقوال: إذا اختار الدم في الشعرات الثلاث، فإن اختار الصوم فيها .. صام يومًا، أو الآصع .. أخرج صاعًا، قاله العمراني في "مشكل المهذب"، وبه يندفع الإشكال المشهور أنه إذا حلق الثلاث .. خيّر بين دم وثلاثة آصع وصيام ثلاثة أيام، فينبغي إذا حلق شعرة .. خيّر بين ما يخصها من الخصال، فكيف يأتي الخلاف؟ وتبع العمراني على ذلك ابن أبي الصيف في "نكت التنبيه" والمحب الطبري، وقال: إنه مما لا يمكن دفعه.
وقال في "المهمات": إنه متعين لا محيد عنه.
وقال ابن الرفعة: ما قاله العمراني إن ظهر على قولنا: الواجب ثلث دم أو درهم .. لم يظهر
الحديث: 1588 - الجزء: 1 - الصفحة: 647
على قولنا: مدّ؛ إذ يرجع حاصله إلى أنه مخير بين المد والصاع، والشخص لا يخير بين الشيء وبعضه، قال: وجوابه: المنع؛ فإن المسافر يخير بين القصر والإتمام، وبين الظهر والجمعة.
انتهى.
ولو قصر الشعرة .. فهو كحلقها، وقيل: توزع الفدية عليها، وصححه الماوردي 555، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه القياس، ويقاس به الظفر.
1591 - قول "التنبيه" [ص 73]: (وإن لبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب في مجالس قبل أن يكفر عن الأول .. كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد القولين، ويلزمه لكل واحد كفارة في الثاني) الأظهر: الثاني، وعليه مشى "الحاوي"، وعبارته [ص 256]: (وتداخل الجزاء إن اتحد النوع والزمان في الاستمتاع بلا تخلُّلِ تكفير) وفيه أمور:
أحدها: أن مقتضى كلامه: أنه إذا لبس ثوبًا مطيبًا .. تعدد الجزاء؛ لاختلاف النوع وإن اتحد الزمان، وكذا صححه الرافعي 556، لكن قال النووي: الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه يكفيه فدية واحدة؛ لاتحاد الفعل وتبعية الطيب 557.
ثانيها: لا بد أيضًا من الاتحاد في المكان، ولا يغني ذكر الزمان عنه؛ إذ قد يتتابع الفعل مع الانتقال من مكان إلى مكان.
ثالثها: محل ما ذكره: في غير الجماع، فلو أفسد نسكه به، ثم جامع ثانيًا .. لزمه شاة، وهو داخل في قوله: (وفي الحرام سوى المفسد والصيد شاةٌ) 558.
1592 - قولهم في محرمات الإحرام: (الجماع) 559 يتناول ما إذا كان في القبل أو الدبر ولو من رجل وبهيمة، وكما يحرم الجماع على المُحْرِم .. يحرم على المرأة الحلال تمكين المُحْرِم في الأصح، قاله الرافعي في (الإيلاء) 560، ويحرم على الحلال أيضًا حال إحرام المرأة، كما ذكروه في الإحصار.
ولم يذكر "المنهاج" تحريم الاستمتاع بشهوة، وذكره "التنبيه" فقال [ص 72]: (والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة والاستمناء) وخرج بقوله: (بشهوة) مجرد اللمس، فلا يوجب الفدية في الأصح، ويشترط في الاستمناء: الإنزال، بخلاف المباشرة، و"الحاوي" فقال [ص 251]:
الحديث: 1591 - الجزء: 1 - الصفحة: 648
(ومقدماته الناقضة)، وتبع في هذه العبارة الغزالي 561، وهو شاذ، بل غلط، كما قاله في زيادة "الروضة" 562؛ لأن اللمس بغير شهوة لا يحرم، وقال في "شرح المهذب": اتفقوا على أنه سهو من الغزالي، وليس وجهًا 563.
قلت: ومقتضى هذه العبارة: وجوب الفدية باللمس ناسيًا أو جاهلًا كالنقض، وأنها لا تجب بالمعانقة بشهوة بحائل، وليس كذلك.
واعلم: أن مقدمات الجماع ليست مثله في إفساد الحج وإيجاب البدنة، وإنما الواجب فيها: فدية؛ كالحلق وغيره من الاستمتاعات.
1593 - قولهما: (وتَفْسُدُ به العمرة) 564 فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: العمرة المفردة؛ فهي التي تفسد بالجماع مطلقًا، أما التي في ضمن حج في القران .. فهي تابعة له في الصحة والفساد، فإذا جامع بعد تحلله الأول .. لم يفسد الحج، وكذا العمرة تبعًا وإن لم يأت بأعمالها؛ لما بيناه من التبعيّة.
ولو قدم القارن مكة، فطاف وسعى ووقف، ثم حلقَ قبل الرمي، ثم جامع .. فسد حجه وعمرته وإن كان بعد أفعال العمرة كلها، ففسدت العمرة تبعًا كما صحت فيما تقدم تبعًا، وقد ذكره "الحاوي" بمثاليه، وأحسن بذكر الحلق في المثال الثاني 565، فإن الرافعي والنووي لما ذكراه .. لم يذكرا الحلق 566، فاعترض على قولهما: إن هذا الجماع بعد أفعال العمرة كلها؛ لأنه قد بقي منها الحلق، لكن فيه شيء آخر، ذكره شيخنا ابن النقيب فقال: وهذا الكلام يدل على أن طواف العمرة يندرج في طواف قدوم الحج، لا في الإفاضة، وفيه نظر، واندراجه في المفروض أولى 567.
وذكره شيخنا الإمام البلقيني على طريق الجزم فقال: والطواف المذكور قد يكون للقدوم .. فلا يجزئ عن طواف العمرة، فالمجزئ عن طواف العمرة في القران إنما هو طواف الإفاضة، وإنما هذا سنة، وحينئذ .. فلم يقع الجماع بعد أعمال العمرة.
ثانيهما: شرط فساد الحج والعمرة بالوطء: أن يكون عاقلًا عامدًا عالمًا بالتحريم، فإن لم يكن
الحديث: 1593 - الجزء: 1 - الصفحة: 649
كذلك .. لم يفسد على الجديد، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 251]: (وعمدُهُ بعلم الحُرْمَة).
1594 - قولهما: (وتجب به: بدنة) 568 قد يفهم أن على كل من الرجل والمرأة بدنة؛ أي: فيما إذا لم تكن مكرهة ولا نائمة، وهذه طريقة، والطريقة الأخرى: أن فيه الخلاف في الصيام، وهذا أشهر، كما قال النووي في "شرح المهذب" 569، ومقتضاه: ترجيح وجوب بدنة واحدة عليه خاصة، وعبارة "أصل الروضة" تفهم ترجيح هذه الطريقة أيضًا؛ فإنه قال: هل يجب على كل واحد منهما بدنة، أم يجب على الزوج فقط بدنة عن نفسه، أم عليه بدنة عنه وعنها؟ فيه ثلاثة أقوال كالصوم، وقطع قاطعون بإلزامها البدنة.
انتهى 570.
فجزمه أولًا بطريقة الخلاف يدل على ترجيحها، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 252]: (وإن فسد للزوجة أيضًا)، واقتصر "المنهاج" على وجوب بدنة، ومراده: الترتيب على ما ذكره "التنبيه" و"الحاوي" وهو: أنه إن لم يجد .. فبقرة، فإن لم يجد .. فسَبعْ من الغنم، فإن لم يجد .. قوّم البدنة دراهم، والدراهم طعامًا، وتصدق به، فإن لم يجد .. صام عن كل مد يومًا 571، وقد يفهم من التقييد بالأمداد: أنه لو انكسر بعض الأمداد .. طرح، وليس كذلك، بل يكمل المنكسر.
1595 - قول "التنبيه" [ص 73]: (وإن تكرر منه الجماع ولم يكفر عن الأول .. كفاه عنهما كفارة واحدة في أحد الأقوال، ويلزمه بدنة في الثاني، وشاة في الثالث) الأظهر: الثالث، وعليه مشى "الحاوي" 572 وأراد "التنبيه" بالتكرر: مرتين؛ بدليل قوله: (عنهما)، فلو تكرر أكثر من ذلك .. عُرف حكمه مما تقدم.
1596 - قوله: (وإن جامع بعد التحلل الأول .. لم يفسد حجه، وعليه بدنة في أحد القولين وشاة في الآخر) 573 الأظهر: الثاني، وعليه مشى "الحاوي" 574.
1597 - قول "المنهاج" [ص 206] و"الحاوي" [ص 252]: (ويجب القضاء) يتناول الفرض والتطوع، ومحله: ما إذا كان الذي أفسده غير قضاء، أما إذا أفسد القضاء بالجماع .. فإنه لا يقضي هذا القضاء، وإنما يقضي الذي أفسده أولًا؛ لأن المقضي واحد، وقد صرح به
الحديث: 1594 - الجزء: 1 - الصفحة: 650
"التنبيه" فقال [ص 73]: (وإن أفسد القضاء .. لزمه البدنة دون القضاء) ومراده: دون قضاء القضاء، أما قضاء الأصل: فلا بد منه.
1598 - قولهما: (والأصح: أنه على الفور) 575 و"الحاوي" [ص 252]: (مُضَيَّقًا) أحسن من قول غيرهم: من قابل؛ فإن هذا يشمل العمرة؛ فإنها ممكنة على الفور، ويشمل الحج أيضًا إذا أمكن في سنة الإفساد؛ بأن يحصر عن إتمام الفاسد سواء جامع ثم أحصر أو أحصر ثم جامع قبل التحلل، فيتحلل، ثم يزول الحصر والوقت باق، فيلزمه القضاء في سنته.
واستشكل تسميته قضاء؛ لوقوعه في وقته، فهو كمن أفسد الصلاة ثم أعادها في الوقت .. فالأصح: أنها أداء.
وأجاب السبكي بأمرين:
أحدهما: أنه أطلق القضاء على معناه اللغوي.
ثانيهما: أنه يتضيق وقته بالإحرام وإن لم تتضيق الصلاة؛ لأن آخر وقت الصلاة لم يتغير في حقه بالشروع، فلم يكن بفعلها بعد الإفساد موقعًا لها في غير وقتها، والحج بالشروع يضيق وقته ابتداءً وانتهاءً؛ فإنه ينتهي بوقت الفوات، ففعله في السنة الثانية خارج وقته، فصح وصفه بالقضاء.
انتهى.
أما من فاته الحج .. فحكى في "شرح المهذب" عن ابن المرزبان: أن له حكم من تحلل التحلل الأول، فإن وطئ .. لم يفسد إحرامه، وإن تطيب أو لبس .. لم يلزمه فدية؛ لأنه لما فاته الوقوف .. سقط عنه الرمي، فصار كمن رمى، ثم حكى النووي عن القاضي أبي الطيب والروياني والدارمي: أن هذا على قولنا: الحلق ليس بنسك، فإن قلنا: إنه نسك .. احتاج إليه أو إلى الطواف حتى يحصل التحلل الأول 576.
ورد شيخنا الإمام البلقيني على ابن المرزبان بنص الشافعي في "الأم" على أن من فاته الحج قبل الإحلال كاملُ الإحرام، تجب عليه الفدية فيما فيه الفدية، والفساد فيما فيه فساد لا يختلف ذلك؛ لأن الإحرام قائم عليه 577.
1599 - قول "التنبيه" [ص 73]: (ويجب عليه القضاء من حيث أحرم) فيه أمور:
أحدها: أنه يستثنى منه: ما لو كان في الأداء جاوز الميقات مُسيئًا؛ لكونه مريدًا للنسك .. فلا خلاف أنه لا يسيء ثانيًا، بل يحرم من الميقات.
الحديث: 1598 - الجزء: 1 - الصفحة: 651
ثانيها: وكذا لو جاوزه غير مريد للنسك، ثم بدا له فأحرم .. فإنه لا يُحْرِم في القضاء من ذلك الموضع، بل يتعين الميقات، كما صححه في "أصل الروضة" 578، مع أن الرافعي إنما نقله عن صاحب "التهذيب" وغيره، وحكى مقابله عن الشيخ أبي على 579، وصرح في "الشرح الصغير" بتصحيح مقابله، وهو: أنَّه يحرم في القضاء من حيث أحرم في الأداء، لكن صحح السبكي الأول، فقوى بذلك تصحيح النووي، قال الرافعي والنووي: والوجهان فيمن لم يرجع إلى الميقات، فلو رجع ثم عاد .. فلا بد من الإحرام من الميقات 580، وقال شيخنا الإمام البلقيني: إنه ممنوع؛ لأن ميقاته حيث أحرم، فعوده لا يخرج الأول عن كونه ميقاته لذلك الإحرام، فيبقى القضاء على الخلاف، قال: ولو سُلِّم .. لكان مقتضاه: الفرق بين أن يعود قبل التلبس بنسك أم لا.
ثالثها: لا يتعين حيث أحرم، فلو عدل لمثل مسافته .. جاز، وفي زيادة "الروضة": أنَّه لا خلاف فيه 581، لكن فيه في "الكفاية" وجه عن حكاية الماوردي 582.
رابعها: اقتصر على اعتبار المكان، وهو يقتضي أن الزمان لا يعتبر، فله تأخير الإحرام بالقضاء عن الزمن الذي أحرم فيه بالأداء؛ لأن الاعتناء بالميقات المكاني أكمل، لكن يستثنى منه: الأجير؛ فعليه رعايته إن كان أبعد.
1600 - قوله: (وعليه نفقة المرأة في القضاء، وقيل: عليها النفقة) 583 الخلاف في النفقة الزائدة بسبب السفر، أما نفقة الحضر: فلا تعلق لها بهذا، والكلام في الزوج، أما لو كان الواطئ أجنبيًا بشبهة أو زنا .. فالمؤنة عليها قطعًا.
1601 - قوله: (وإن قضى الحج وهي معه .. فالمستحب أن يفترقا في الموضع الذي جامعها فيه، وقيل: يجب ذلك) 584 تعبيره يفهم أن هذا وجهٌ، وهو قول قديم مشهور، وظاهر كلامه: اختصاص الافتراق بذلك الموضع، لكن في "شرح المهذب": أنَّه يمتد إلى أن يتحلل التحللين سواء قلنا بوجوبه أو باستحبابه 585، قال الماوردي: ويعتزلها في السير والمنزل 586.
الحديث: 1600 - الجزء: 1 - الصفحة: 652
1602 - قوله: (ويحرم عليه الصيد المأكول) 587 فيه أمور:
أحدها: لا بد من تقييده بأن يكون برِّيًا، كما فعل "المنهاج" و"الحاوي" 588 ليخرج البحري، فيحل ولو في الحرم، وفي "البحر" عن الصيمري: أنَّه يحرم صيد بحر الحرم 589، ونص الشَّافعي يخالفه صريحًا، فقال: وكل ما كان فيه صيدٌ في بئرٍ كان أو في ماءٍ مستنقع أو في عين .. فهو بحرٌ، وسواءٌ كان في الحل أو الحرم .. يُصاد ويؤكل.
انتهى 590.
والمراد بالبحري: ما لا يعيش إلَّا في البحر، فإن عاش فيهما .. فهو بري.
ثانيها: لو عبر بالمصدر .. كان أولى من التعبير باسم المفعول، وإن كان لفظ الآية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾، فهو فيها محتمل للمصدر ولاسم المفعول، وأما في لفظ المصنِّف: فهو متعين للمفعول؛ ولذلك عبر "المنهاج" بـ (اصطياد) 591، وأحسن منه تعبير "الحاوي" بقوله [ص 253]: (تَعَرُّضُ) فإنه يتناول: تنفيره، والإعانة عليه بدلالة أو إعارة آلة، ووضع اليد عليه بتملك أو إعارة أو غيرهما، وأن يتعرض لجزئه وشعره وريشه وبيضه ولبنه، وقد ذكر "التنبيه" و"الحاوي" بعد ذلك البيض 592، ومحله: في غير المذر 593، أما المذر: فلا يحرم كسره، ولا يضمن إلَّا أن يكون بيض نعام؛ لأن لقشره قيمة، ومسألة الدلالة ذكرها الغزالي في "الوجيز"، وتبعه "الحاوي" 594، وأهملها الرافعي والنووي في "الروضة"، لكنه ذكرها في "شرح المهذب" 595، وهي مشكلة؛ لأنه دلالة على مباح، وليس في القواعد ما يقتضي اشتراط جواز تعاطي الشيء في جواز الدلالة عليه.
ويرد على عبارة "التنبيه" أيضًا: ما لو صال عليه الصيد، فقتله دفعًا لصياله .. فإنه لا يضمنه، ولا يرد ذلك على تعبير "المنهاج" بالاصطياد؛ لأن دفع الصائل ليس اصطيادًا.
ثالثها: لا بد من تقييده أيضًا بأن يكون وحشيًا، وقد ذكره "الحاوي" 596. وأجيب عن كون "المنهاج" لم يذكره: بأن لفظ الاصطياد يقتضيه؛ فإنه الأخذ بحيلة، وذلك إنما يكون في
الحديث: 1602 - الجزء: 1 - الصفحة: 653
الوحشي، وعن "التنبيه" بأن الإنسي لا يسمى صيدًا.
رابعها: محل التحريم: أن يكون ذلك عمدًا، وقد ذكره "الحاوي" 597، ولا بد من العلم بالتحريم؛ ليخرج الجاهل به، ولم يذكر "المنهاج" أيضًا ذلك.
1603 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وما تولد من مأكول وغير مأكول) يخرج عنه المتولد من مأكولين أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الظباء والشياه، ولا نزاع في تحريم صيده، ويدخل فيه المتولد بين وحشي غير مأكول؛ كالذئب، وإنسي مأكول؛ كالشاة، ولا نزاع في جواز صيده، وكذلك المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول؛ كالبغل، ولا نزاع في أنَّه لا يحرم التعرض له، فتعبيره معترض طردًا وعكسًا، إلَّا أن يقال في الصورة الثالثة: هذا ليس صيدًا.
وعبارة "الحاوي" [ص 253]: (تَعَرُّضُ بري متوحش مأكول، أو في أصله أحدهما) أي: في أصل البري أحدهما إما متوحش وإما مأكول، وعبارة "أصل الروضة" مثلها؛ حيث قال: (أو في أصله مأكول ليس مائيًا وحشيًا كان أو في أصله وحشي) 598، ويدخل في هذه العبارة ثلاثة أنواع لا نزاع في أنَّه لا يحرم التعرض لها:
أحدها: المتولد بين وحشي غير مأكول؛ كالذئب، وإنسي مأكول؛ كالشاة.
الثاني: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الحمار والزرافة.
الثالث: المتولد بين أهليين أحدهما لا يؤكل كالبغل؛ فإن الأول في أصله وحشي ومأكول، والثاني في أصله وحشي، والثالث في أصله مأكول، وقد يقال: لا ترد الأولى؛ لأنه اعتبر وجود أحدهما، وقد وجد فيها كلاهما، فكان صواب العبارة: (أو في أحد أصليه هو) أي: متوحش مأكول، وقد عبر به هو في "اللباب"، واعتذر بعضهم عنه: بأن مراده: أو في أصله أحدهما مع الوصف الآخر، وهو عجيب! لأن موضوع أحدهما لأحد الشيئين، فكيف يجعلها لهما معًا" وعبارة "المنهاج" بعد قوله [ص 206]: (اصطياد كل مأكول بري): (وكذا المتولد منه ومن غيره) 599، قال في "الدقائق": يدخل في قوله: (منه ومن غيره) شيئان:
أحدهما: المتولد من مأكول وغير مأكول.
والثاني: المتولد من شاة وضبع أو ظبي؛ فإنه متولد من صيد وغيره، وهو حرام بلا خلاف، وقَلّ مَنْ نَبَّه عليه 600.
الحديث: 1603 - الجزء: 1 - الصفحة: 654
قال شيخنا ابن النقيب: وضابطه: أن ما حرم التعرض لأحد أصليه .. حرم؛ كبين ذئب وضبع، وبين ظبي وشاة، وبين حمار وحشي وحمار إنسي، وما جاز التعرض لكل منهما .. جاز؛ كبين حمار وزرافة، وبين حمار وفرس، وبين ذئب وشاة 601.
وبسط ذلك في "المهمات"، وذكر أن المتولد من البري ستة أقسام، فالثلاثة الأولى حرام؛ لأن كلًا منهما في أصله المأكول والمتوحش في ذات واحدة، والثلاثة الأخيرة لا يحرم؛ لأن كلًا منهما لا يحرم التعرض لكل واحد من أصليه، لكن اقتضى كلام شيخينا المذكورين أنَّه لا يرد على الرافعي والنووي من هذه الصور إلَّا المتولد بين ذئب وشاة، وليس كذلك، فالأخريان تردان عليهما وعلى "الحاوي" كما قدمته.
1604 - قول "المنهاج" [ص 207]: (ويحرم ذلك في الحرم على الحلال) فالمحرم إما أن يؤخذ من طريق الأولى وإما من عموم ما سبق، وأفصح به "التنبيه" فقال [ص 74]: (وصيد الحرم حرام على الحلال والمُحْرِم) ولا فرق بين أن يكون في الحرم الصائد أو المصيد، فلو وقف في الحل ورمى صيدًا في الحرم أو عكسه .. حرم، بل لو رمى من الحل إلى صيد في الحل، فاعترض السهم في الحرم .. حرم في الأصح، بخلاف إرسال الكلب إذا أرسله من الحل إلى صيد في الحل، فاعترض في الحرم 602، وقد ذكره "الحاوي" 603.
1605 - قول "المنهاج" [ص 207]: "فإن أتلف صيدًا .. ضمنه" فيه أمور:
أحدها: أنَّه قد يخرج ما إذا لم يتلفه، بل أزمنه وأزال امتناعه، والأصح: أنَّه يضمن بكمال الجزاء، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 604، لكن تعبير "التنبيه" ب (قيل) يقتضي أن الخلاف وجهان، وقد صرح في "المهذب" بأنه قولان 605.
ثانيها: وقد يخرج ما إذا لم يتلفه، بل وضع يده عليه فتلف مع أنَّه مضمون أيضًا، وقد ذكره "التنبيه" 606، لكن يستثنى منه: ما إذا كان إنما وضع يدَهُ عليه لمداواته فتلف .. فلا ضمان، وقد ذكره "الحاوي" فقال [ص 254]: (وتلف في يده لا لمداواةٍ) ومثلها: ما إذا خلصه من سبع أو هرة أو نحوهما.
ثالثها: تناول كلامه: ما إذا فَعله ناسيًا للإحرام أو مخطئًا أو جاهلًا بالتحريم، وقد صرح به
الحديث: 1604 - الجزء: 1 - الصفحة: 655
"الحاوي" 607، لكن صحح النووي من زوائده: أنَّه لا جزاء على المجنون 608، وهو مشكل؛ لأنه إتلاف، والمجنون فيه كالعاقل؛ ولهذا لما صححه في "شرح المهذب" .. قال: إن الأقيس: خلافه 609، ويؤيده ما في "الروضة" وأصلها في حج الصبي: أنَّه إذا ارتكب محظورًا عمدًا .. لزمته الفدية بناء على الأظهر: أن عمده عمد، ثم قالا: إن حكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز 610.
رابعها: قد يتناول ما إذا قتله دفعًا لصياله عنه مع أنَّه لا ضمان فيه، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 611.
1606 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وإن افترش الجراد في طريقه فقتله .. ففيه قولان) الأظهر: أنَّه لا جزاء عليه، وعليه مشى "الحاوي" وعبر بقوله [ص 253]: (لا إن عمت الجراد فتخطاها) وهو أحسن، فإنها قد تفترش في طريقه ولا تعمها بحيث يجد عنها معدلًا.
1607 - قولهما: (وفي الغزال: عنزٌ) 612 حكاه الرافعي عن بعض الأصحاب، ومنهم أَبو القاسم الكرخي، وأنه زعم أن الأنثى غزال، ثم قال: قال الإمام: وهذا وهم، بل الصحيح: أن في الظبي عنزًا، وهو شديد الشبه بها، فإنه أجرد الشعر، متقلص الذنب، وأما الغزال: فولد الظبي، فيجب فيه ما يجب في الصغار 613، وجزم في "الشرح الصغير" بهذا المحكي عن الإمام، وقال في "الروضة": قول الإمام هو الصواب، قال أهل اللغة: الغزال ولد الظبية إلى حين يقوى ويطلع قرناه، ثم هي ظبية، والذكر ظبي.
انتهى 614.
فعبارتهما معترضة من وجهين:
أحدهما: أن العنز كبيرة، والغزال صغير.
والثاني: أنَّها أنثى، والغزال يشمل الذكر والأنثى، وحينئذ .. فالواجب فيه إن كان ذكرًا: جَدْيٌ، وإن كان أنثى: عَنَاقٌ 615، وقد تبع "الحاوي" ما ذكره الإمام والرافعي والنووي، فقال: (والظبي عنز) 616، وهو معترض أيضًا، فإن الظبي ذكر كما حكاه النووي عن أهل اللغة، والعنز
الحديث: 1606 - الجزء: 1 - الصفحة: 656
أنثى كما قاله أهل اللغة، وممن ذكره النووي، فوقعوا في أحد الاعتراضين على "التنبيه" و"المنهاج" على وجه هو أشد؛ لأن الغزال قد تكون أنثى، والظبي لا يكون إلَّا ذكرًا، فالصواب: (وفي الظبي: تيس)، وقد عبر به بعضهم.
1608 - قول "التنبيه" [ص 74] و"الحاوي" [ص 255]: (والضبع: كبش) كذا ذكره غيرهما، واعترضه في "المهمات": بأن الضبع هو الأنثى، وأما الذكر: فإنه ضِبْعان - بكسر الضاد وإسكان الباء - كما في "الصحاح" و"المحكم" وغيرهما 617، فالصواب: (وفي الضبع: نعجة)، لكن في كلام ابن التياني وابن هشام الخضراوي: أنَّه يطلق على الذكر والأنثى، وحينئذ .. فلا يستقيم قوله: (كبش) لتعينه للذَّكَر.
1609 - قولهما أيضًا: (والأرنب: عَنَاقٌ، واليربوع: جفرةٌ) 618 ذكر الرافعي والنووي أن العناق: الأنثى من المعز من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة: الأنثى من ولد المعز، تفطم، فتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أشهر، قالا: هذا معناهما في اللغة، لكن يجب أن يكون المراد بالجفر هنا: ما دون العناق؛ فإن الأرنب خير من اليربوع 619.
1610 - قول "الحاوي" [ص 254]: (والأنثى للذكر، لا عكسه) أي: لا يجزئ إخراج الذكر عن الأنثى، لكن الأصح من زيادة "الروضة": الإجزاء؛ لأن لحمه أطيب، قال الإمام: ومحل الإجزاء في الذكر والأنثى: ما لم ينقص اللحم في القيمة ولا في الطيب، فإن كان واحد من هذين النقصين .. لم يجز قطعًا 620.
1611 - قول "التنبيه" [ص 74]: (فإن فدى الذكر بالأنثى .. فهو أفضل على المنصوص) الأصح: أن فِداء الذكر بالذكر أفضل، ذكره في زيادة "الروضة" وغيرها 621.
1612 - قوله: (وإن أتلف ظبيًا ماخضًا .. ضمنه بقيمة شاة ماخض) 622 الظبي خاص بالذكر كما تقدم، فلا يمكن أن يكون ماخضًا؛ أي: حاملًا، وصوابه: ظبية، ثم إن الشاة تنطلق على الضأن والمعز وعلى الذكر والأنثى، فالصواب: عنز، ولا يجوز ذبحها وتفرقة لحمها كما أفهمه كلامه؛
الحديث: 1608 - الجزء: 1 - الصفحة: 657
لأن لحم غير الحامل أطيب، ولا يخرج تلك القيمة، بل يعرف ما يتحصل بها من الطَّعام، فيتصدق به، كذا في "أصل الروضة" 623، ولا يتعين ذلك، بل له أن يصوم عن كل مد يومًا، قاله في "شرح المهذب" 624، وأشار "الحاوي" إلى هذه المسألة بقوله [ص 254 - 255]: (كالحامل لها) وهو اختصار مجحف.
1613 - قول "التنبيه" [ص 74]: (وإن جرح صيدًا له مثلٌ فنقص عشر قيمته .. لزمه عشر قيمة المثل، وقيل: عشر المثل إلَّا ألَّا يجده) الأصح: الثاني، قاله جمهور الأصحاب 625، قالوا: وإنَّما ذكر الشَّافعي القيمة؛ لأنه قد لا يجد شريكًا في ذبح شاة، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 254]: (وجزؤه لجزئه).
1614 - قول "التنبيه" [ص 74]: (وإن أمسكه محرم فقتله محرم آخر .. وجب الجزاء بينهما نصفين) الأصح: وجوب الجزاء على القاتل وحده، صححه الرافعي والنووي في وجه ثالث يطالب كل منهما به، والقرار على القاتل كنظيره من الغصب، ورجحاه أيضًا في موضع آخر 626.
1615 - قول "الحاوي" [ص 254]: (مثله من النعم بحكم عدلين) محله: فيما لا نقل فيه، أما ما فيه نقل عن الشارع أو عن صاحبين أو عن عدلين من التابعين فمن بعدهم .. فإنه يتبع ما حكموا به، بل لو حكم به صحابي وسكت الباقون .. اتبع كما قاله في "الكفاية"؛ ولهذا قال "المنهاج" [ص 207]: (وما لا نقل فيه .. يحكم بمثله عدلان" قال الرافعي: وليكونا فقيهين كَيِّسَيْنِ 627، والمراد بالكيس: الفطن، ولا شك في وجوبه، وأما الفقه: ففي "شرح المهذب" عن الشَّافعي والأصحاب: أنَّه مستحب 628، ونقل الماوردي عن الشَّافعي: وجوبه 629، وصوبه في "المهمات"، وقال: قياسه: أن لا يكتفي بالمرأة والعبد، وقد ذكر "التنبيه" الرجوع إلى عدلين في المثل وفي القيمة أيضًا فقال [ص 74]: (ويرجع في معرفة المثل والقيمة إلى عدلين)، ولم يتعرض لذلك الرافعي والنووي في القيمة.
1616 - قول "المنهاج" [ص 207]: (وفيما لا مثل له .. القيمة) يستثنى منه: الحمام؛ ففيه شاة وإن كان لا مثل له من النعم، وقد استثناه "التنبيه"، لكنه عبر بقوله [ص 74]: (إلَّا الحمام،
الحديث: 1613 - الجزء: 1 - الصفحة: 658
وكل ما عب وهدر) 630، وكان ينبغي أن يقول: (وهو كل ما عب وهدر) كما في "المهذب" 631 لأن هذا هو الحمام على المشهور، فعطفه عليه يقتضي أنَّه غيره، ثم الهدير ملازم للعب، فلا حاجة لاعتباره.
وأطلق "الحاوي" وجوب قيمة غير المثلي، وعد الحمام في أمثلة ما له مثل، وهو الشاة 632، ولعله مَيْل إلى أحد الوجهين أن سبب وجوبها فيها: شبهها بها في أن كلًا منهما يألف البيوت ويأنس بالناس، لكن الأصح: أن سببه اتباع الآثار عن السلف؛ لتوقيفٍ بلغهم فيه، ونص عليه الشَّافعي 633.
1617 - قول "التنبيه" [ص 72]: (فإن ذبح الصيد .. حرم عليه أكله، وهل يحرم على غيره؟ فيه قولان) أظهرهما: نعم، وهو الجديد، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 255]: (وَمَذْبُوحُهُ مَيْتَةٌ) وحكم البيض إذا كسره والجراد إذا قتله حكم الصيد إذا ذبحه، كما في زوائد "الروضة" عن الروياني عن الأصحاب، واختار الشيخ أَبو حامد والقاضي أَبو الطيب: حل البيض لغيره قطعًا؛ لأن حله لا يتوقف على فعله، وصححه الروياني أيضًا 634.
1618 - قول "التنبيه" [ص 72]: (ولا يملك الصيد بالبيع والهبة) أعم منه قول "الحاوي" [ص 253]: (ولا يصح تملكه اختيارًا)، فيتناول قبول الوصية والخلع والرجوع بالإفلاس وإن كان إطلاقهم في التفليس يقتضى خلافه.
1619 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وهل يملك بالإرث؟ فقد قيل: يملك، وقيل: لا يملك) الأصح: الأول، وعليه مشى "الحاوي" فقال [ص 253]: (ويرث، ويزول مِلْكُه، فيرسله) وما ذكره من زوال ملكه عن الموروث تبع فيه الإمام والغزالي 635، وفي "التهذيب" وغيره خلافه 636، وصححه في "شرح المهذب" فقال: إنه الصحيح المشهور الذي قطع به المحاملي وآخرون، قال المحاملي: إذا قلنا: إنه يملكه بالإرث .. كان ملكًا له يملك التصرف فيه كيف شاء إلَّا القتل والإتلاف 637.
الحديث: 1617 - الجزء: 1 - الصفحة: 659
واعلم: أن في "شرح المهذب" عن أبي الطيب والمتولي: أن الإرث إنما يتصور إذا قلنا: إن الإحرام لا يزيل الملك عن الصيد، فإن قلنا: يزيله .. لم يملكه، وعن الإمام عن العراقيين عكسه: أن محل الوجهين إذا قلنا: الإحرام يقطع الملك، ثم قال النووي: إن الجمهور لم يتعرضوا لذلك، قال: وما نقله عن العراقيين غريب 638.
قال في "المهمات": ومقتضاه: عدم الإنكار على أبي الطيب والمتولي، فيكون الراجح: عدم الإرث.
1620 - قول "التنبيه" [ص 72]: (وإن كان في ملكه صيد فأحرم .. زال ملكه عنه في أحد القولين) هو الأظهر؛ ولعل هذه هي مراد "الحاوي" بقوله [ص 253]: (ويزول ملكه، فيرسله) وإن لم تكن هي بعينها مراده .. فهي داخلة في عبارته.
واعلم: أن النووي قال في "تصحيحه": الأصح: أنَّه إذا أحرم وفي ملكه صيد .. لزمه إرساله 639، وهذه غير مسألة "التنبيه"، بل هي أصلها، والتي في "التنبيه" متفرعة عليها؛ ففي "الروضة": أن الإرسال واجب على الصحيح، فإن لم نوجبه .. لم يزل ملكه، وإن أوجبناه .. فقولان، أظهرهما: يزول.
انتهى 640.
فلم نستفد من "التصحيح" الراجح في مسألة "التنبيه"، وإنما استفدنا منه مسألة أخرى هي أصلها، ولا يلزم من الترجيح في التي ذكرها التصحيحُ في الأخرى كما عرفت، فلو مات الصيد قبل إمكان الإرسال .. وجب الجزاء في الأصح، في "أصل الروضة" 641.
قال في "المهمات": وهو مشكل؛ فإنه لا يجب تقديم الإرسال على الإحرام بلا خلاف، فلم يوجد إتلاف ولا تقصير في الإرسال؛ يؤيده أنهم قالوا بعدم الضمان فيما إذا نذر التضحية بشاة معينة، فماتت يوم النحر قبل إمكان الذبح، وفرّق والدي رحمه الله بينهما: بتمكنه من إرسال الصيد قبل الإحرام وإن لم يلزمه، بخلاف التضحية ليس متمكنا منها قبل وقتها، وله تأخير التضحية ما دام الوقت باقيًا، وليس له تأخير الإرسال بعد الإحرام.
1621 - قول "التنبيه" [ص 74]: (ويحرم على الحلال والمحرم قطع شجر الحرم) يفهم تحريم القلع من طريق الأولى، وأورد في "الكفاية" لفظ "التنبيه": (القلع) 642، ثم قال "التنبيه" [ص 74]:
الحديث: 1620 - الجزء: 1 - الصفحة: 660
(وقيل: لا يحرم قلع ما أنبته الآدمي، والأول هو المنصوص) وهذا يقتضي أن الثاني وجه، لكنه قولٌ، ثم قال "التنبيه" [ص 74]: (ويحرم قطع حشيش الحرم) قال النووي في "التحرير": كان ينبغي أن يعبر بالقلع عوضًا عن القطع؛ فإن الحشيش هو اليابس، ولا يحرم قطعه، وإنَّما يحرم قلعه خاصة 643، أي: بلا خلاف، بخلاف الرطب، فإنه يحرم قطعه وقلعه، فلو عبر بـ (الخلا) .. لكن أولى، لكن حكي عن أبي عبيدة معمر بنُ المثنى: أن الحشيش يكون للرطب واليابس 644، وخرج بهذه العبارة: الزروع، كالحنطة، والشعير والقطنية والخضروات ونحوها .. فيجوز قلعها سواء نبتت بنفسها أوزرعت.
وعبر "المنهاج" عن الشجر وغيرها بعبارة واحدة فقال تبعًا "للمحرر": (ويُحْرُمُ قطع نبات الحرم الذي لا يُسْتَنْبَت) 645، ثم استدرك فقال: (والمستنبت كغيره على المذهب) 646، وهذا الاستدراك إنما يصح في الشجر، أما غيرها: فيفرق فيه بين المستنبت وغيره كما تقدم، ولهذا أطلق "التنبيه" الشجر، وخص التحريم بالحشيش، وأراد به: ما لا يستنبت، فكلام "المحرر" صحيح في غير الشجر، وكلام "المنهاج" صحيح في الشجر.
ويرد على "التنبيه" و"المنهاج": أن التحريم في الشجر إنما هو في الرطب، أما اليابس: فلا شيء في قطعه، كما لو قَدّ صيدًا ميتًا نصفين، هذه عبارة " أصل الروضة" 647، وقد يفهم تحريم القلع كما في الحشيش، وليس كذلك، فقد صرح النووى في "نكت التنبيه" بأنه لا شيء في قلعه أيضًا، والفرق بينهما: أن الحشيش اليابس يستخلف، بخلاف الشجر اليابس، ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 255]: (ويحرم قطع نبات رطب حرميٍّ وقَلْعُهُ) ويرد عليه مع ذلك شيئان:
أحدهما: أنَّه يتناول المستنبت من غير الشجر مع أنَّه لا يحرم فيه كما تقدم.
ثانيهما: أنَّه يستثنى من مفهومه: قلع اليابس غير المستنبت من غير الشجر؛ فإنه يحرم أيضًا كما تقدم.
1622 - قول "المنهاج" [ص 207]: (والأظهر: تعلق الضمان به وبقطع أشجاره) الضمير في قوله: (به) يعود للنبات، وهو شامل للشجر، فلا حاجة لقوله - تبعًا لـ"المحرر" 648 -: (وبقطع أشجاره)، فهو وإن كان من ذكر الخاص بعد العام .. فيه إيهام، وعبارته تقتضي أنَّه لا يتوقف
الحديث: 1622 - الجزء: 1 - الصفحة: 661
وجوب البقرة والشاة على القلع، بل يحصل بمجرد القطع، وكذا عبارة "الحاوي" فإنه بعد تحريم القطع والقلع قال [ص 255]: (ويجب في الشجرة الكبيرة: بقرة)، وكذا عبر "التنبيه" في التحريم والضمان بالقطع 649، إلَّا أن ابن الرفعة حكى عنه التعبير بالقلع.
قال في "المهمات": وتعبير الرافعي بالتامة مشعر به، إلَّا أن يقال: إن التامة للاحتراز عن الغصن، قلت: هو كذلك بلا شك، قال الرافعي: وسواء نقل من الحرم إلى الحل، أو إلى الحرم .. يُنظر: إن يبِسَتْ .. لزمه الجزاء، وإن نبتت في الموضع المنقول إليه .. فلا جزاء، فلو قلعها قالع .. لزمه الجزاء؛ إبقاء لحرمة الحرم 650.
قال السبكي: وهذا إذا كان الموضوع المنقول إليه من الحرم، أما إن كان من الحل .. فقد صرح جماعة بلزوم الجزاء وإن نبتت، ما لم يعدها إلن مكانها، وفي "المهمات": إن الضمير في قوله: (لزمه الجزاء) يعود للأول كما قال الجرجاني والخوارزمي، وللثاني كما قال سليم والبغوي، وقال البندنيجي: بمطالبتهما كالمغصوب إذا أُتْلِفَ، واقتصر في "الكفاية" عليه، وفي "المهمات": إنه واضح متعين.
1623 - قولهم: (ففي الشجرة الكبيرة: بقرةٌ) 651، قال الإمام: والبدنة في معناها بلا شك 652، وقال السبكي: وفيه نظر.
1624 - قولهم: (والصغيرة: شاةٌ) 653 ضبط الإمام الصغيرة بقدر سُبع الكبيرة، فإن صغرت جدًا .. ففيها القيمة، وجزم به في "أصل الروضة" 654، وفي "الاستقصاء في شرح المهذب" أنَّه لا يشترط في البقرة إجزاؤها في الأضحية، بل يكفي فيها تبيع، وهو ابن سنة، بخلاف الشاة لا بد أن تكون في سن الأضحية، ووجَّهَه في "المهمات" بأن الشاة لم يوجبها الشرع إلَّا في هذا السن، بخلاف البقرة؛ بدليل التبيع في الثلاثين منها، قال: وهو يؤخذ من كلام الرافعي في موضع آخر، وإطلاقه في الدماء يقتضي خلافه.
1625 - قول "التنبيه" [ص 74]: (وإن قطع غصنًا منها .. ضمن ما نقص) يستثنى منه: الغصن الصغير، فلا يضمن، وما لو انتشرت الأغصان ومنعت الناس من الطَّرِيقِ وآذتهم .. فإنه يجوز قطع المؤذي منها.
الحديث: 1623 - الجزء: 1 - الصفحة: 662
1626 - قوله: (فإن عاد الغصن .. سقط عنه الضمان في أحد القولين ولا يسقط في الآخر) 655 الأظهر: أنَّه لا يسقط، وهو كالخلاف في عود سن المثغور 656، وفي التعبير بالعود تَجوّز؛ لأن العائد مثله لا هو، ومحل القولين: إذا عاد في سنة أخرى، فإن عاد في تلك السنة لكون الغصن لطيفًا كالسواك .. فلا ضمان، وقد يفهم ذلك من قوله: (ما نقص) فإن مثله لا ينقص، وقد يقال: لا بد من نقص وإن قل، والحق: أنَّه إنما أريد: نقص القيمة، ومثل ذلك لا ينقص القيمة، ويجوز الإقدام على قطعه، كما في "شرح المهذب" 657. 1627 - قوله: (ويحرم قطع حشيش الحرم إلَّا الإذخر والعوسج) 658 في استثناء العوسج من الحشيش نظر؛ فإنه من الشجر، وعبارة "المنهاج" أعم؛ فإنه قال [ص 207]: (وكذا الشوك كالعوسج وغيره عند الجمهور)، وأعم منه قول "الحاوي" [ص 255]: (لا مؤذ) فإنه يتناول الأغصان المنتشرة المؤذية كما تقدم، وعبارة "الروضة" في العوسج: الصحيح الذي قطع به الجمهور، لكنه صحح في "شرح مسلم": تحريمه، واختاره في "تصحيح التنبيه" و"تحريره" من حيث الدليل؛ أي: وهو إطلاق الخبر، كما في "أصل الروضة" 659، وفاته فيه ورود النص فيه في "الصحيحين"، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "ولا يعضد شوكها" 660، وقد استدل به في "شرح المهذب"، ثم قال: وللقائلين بالمذهب أن يجيبوا عنه: بأنه مخصص بالقياس على الفواسق الخمس 661. ورده السبكي: بأن الشوك لا يتناول غيره، فكيف يجيء التخصيص؟ ! قال: نعم؛ التخصيص ممكن في رواية: "لا يعضد شوكها"، واقتصر "التنبيه" على استثناء الإذخر والعوسج، وقال "المنهاج" [ص 207]: (والأصح: حِلُّ أخذ نباته لعلف البهائم والدواء) والعلف هنا بسكون اللام؛ لأن المراد هنا: المصدر - وهو بالفتح - الشيء الذي يُعلف به، قال في "شرح المهذب": ولو أخذه ليبيعه ممن يَعْلِف به .. لم يجز 662، ومقتضاه: أن الدواء كذلك لا يجوز أخذه للبيع،
الحديث: 1626 - الجزء: 1 - الصفحة: 663
وظاهر إطلاق الماوردي: الجواز مطلقًا 663، ومقتضى عبارته: أنَّه لا يتوقف الأخذ للدواء على وجود السبب، بل يجوز تحصيله وادخاره له، ومقتضى تعبير " أصل الروضة" بقوله: (ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء) 664 خلافه، ونازع في "المهمات" في الخلاف في جواز الأخذ للدواء، وقال: الخلاف في الضمان، وأما الأخذ: فجائز قطعًا، وعبر "الحاوي" بعبارة تتناول العلف والدواء فقال [ص 255]: (ولحاجةٍ)، وتتناول أمرين آخرين:
أحدهما: لو قطع غير الإذخر للحاجة التي يُقطع لها الإذخر؛ كتسقيف البيوت .. فهو كقطعه للدواء كما قاله الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" 665، قال في "المهمات": وقلّ من تعرض لهذه المسألة.
ثانيهما: ما يُتغذى به؛ كالرجلة والنبات المسمى في الحجاز بالبقلة ونحوها، فذكر المحب الطَّبري: أنَّه يجوز قطعه؛ لأنه في معنى الزرع، وهو داخل في التعبير بالحاجة، ومقتضى اقتصارهم على النبات: أن ذلك لا يتعدى لغيره، لكن صحح النووي: تحريم إخراج تراب الحرم إلى الحل وأحجاره، ونص عليه الشَّافعي، وأطلق الرافعي كراهته، قال في "شرح المهذب": وهي عبارة كثيرين، أو الأكثرين 666.
1628 - قولهما: (ويحرم صيد المدينة) 667 فيه أمران:
أحدهما: أنَّه كان ينبغي التعبير بحرم المدينة، كما في "المحرر" و"الروضة" 668 فإن التحريم لا يختص بالمدينة، وهو في العَرْضِ: ما بين لابتيها؛ أي: الحرتين، وهي: الحجارة السود، وفي الطول: من عَيْر إلى ثور، كما ثبت في "الصحيح" 669.
وأنكر بعضهم ثورًا، وقال: إنه لا يعرف بالمدينة، وقال: وصوابه: أُحد.
وَرُدَّ: بأن ثورًا جبل صغير وراء أُحد، يعرفه أهل المدينة، فأُحُدٌ داخل في الحرم.
ثانيهما: أن ذلك لا يختص بالصيد؛ فالنبات كذلك، كما نقله في "شرح المهذب" عن الشَّافعي والأصحاب 670، وسلم "الحاوي" من الأمرين، فقال بعد ذكر تحريم الصيد والنبات:
الحديث: 1628 - الجزء: 1 - الصفحة: 664
(وحرم المدينة وَوَجّ الطائف كمكة في الحرمة فقط) 671، وزاد عليهما: وَجّ الطائف، وهو بفتح الواو وتشديد الجيم: وادٍ بصحراء الطائف، واحترز بقوله: (فقط) عن الضمان، وهو الجديد كما قال "المنهاج" 672، قال في "التنبيه" [ص 75]: (وفيه قول آخر: أنَّه يُسلَب الفاعل)، وهذا القول اختاره النووي من جهة الدليل في "تصحيح التنبيه " و"شرح المهذب" 673، والأكثرون على أنَّه كسلب قتيل الكفار، وقيل: ثيابه فقط، وقيل: إنه يترك له ساتر العورة، وصوبه في زيادة "الروضة"، وصححه في "شرح المهذب" 674، وقال الشيخ أَبو حامد: يُعطاه إلى أن يقدر على ساتر عورته، فإن قدر .. استعيد منه، وظاهر إطلاق الأئمة: أن السلب لا يتوقف على إتلافه، بل بمجرد الاصطياد، وتوقف الإمام فيما إذا أرسله 675، ثم هو للسالب، وقيل: لفقراء المدينة كجزاء الصيد، وقيل: لبيت المال.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه النظر: أنَّه لا يسلب ثيابه إذا كان عبدًا؛ فإنه لا ملك له، وكذلك لو كان عليه ثوب مستأجر أو مستعار .. فإنه لا يسلب، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
وقال في "التوشيح": يستثنى: من ليس عليه إلَّا سلب مغصوب .. فلا يسلبه بلا خلاف.
1629 - قول "المنهاج" [ص 207]: (ويتخير في الصيد المثلي بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم) فيه تنبيه على الفقراء من طريق الأولى.
1630 - قوله: (وَبَيْنَ أن يُقَوِّمَ المِثْلَ دَرَاهِمَ) 676 منصوب على نزع الخافض، وتقديره: بدراهم، وذكر الدراهم تمثيل، فلا يختص التقويم بها، بل يكون بالنقد الغالب منها ومن الذهب.
1631 - وقوله: (ويشتري بها طعامًا) 677 وكذا عبر "التنبيه" 678، وهو مثال، فلا يخفى أن الشراء غير متعين، فلو أخرج مما هو عنده ذلك القدر .. جاز؛ ولذلك لم يذكر "الحاوي" الشراء، والمراد: الطَّعام المجزئ في الفطرة، كما صرح به الإمام 679، وعدل "المنهاج" عن قوله: (وبين أن يصوم) إلى قوله: (أو يصوم) للتنبيه على أنَّه مخير بين شيئين أولًا؛ الذبح
الحديث: 1629 - الجزء: 1 - الصفحة: 665
والتقويم، ثم إذا قوّم .. تخيَّر بين شراء الطَّعام للصدقة، وبين أن يصوم يومًا لكل مد، وجعله "التنبيه" و"الحاوي" مخيرًا بين ثلاثة أشياء 680، والمعنى لا يختلف.
وقد يفهم من "التنبيه" و"المنهاج" أنَّه لو بقي من الطَّعام أقل من مد .. لم يصم عنه شيئًا؛ لأن الصوم لا يتبعض، وليس كذلك، بل يكمل المنكسر، ويصوم عنه يومًا، وقد صرح به "الحاوي" 681، ثم إن إدخال الصوم في التخيير محله: في المسلم، أما الكافر: فلو دخل الحرم، فقتل فيه صيدًا .. فلا مدخل للصوم فيه، ويتخير بين شيئين فقط، وقد يفهم من "التنبيه" و"المنهاج" استواء التقويم في المثلي وغيره، وليس كذلك، فالأصح في المثلي: اعتبار قيمته بمكة يوم الإخراج، وفي غيره: اعتبار قيمته موضع الإتلاف وزمانه، وقد صرح به "الحاوي"، فقال في المثلي: (بقيمة النعم بمكة)، وقال في غيره: (حيث أتلف) 682.
1632 - قول "المنهاج" [ص 208]: (ويتخير في فدية الحلق بين ذبح شاة، والتصدق بثلاثة آصعٍ لستة مساكين، وصوم ثلاثة أيام) فيه أمور:
أحدها: لا يختص ذلك بالحلق؛ فالتطييب واللبس والمباشرة فيما دون الفرج والادهان والقَلْم كذلك، وقد صرح بها كلها "التنبيه" 683، وكذلك شاة الجماع الثاني، والجماع بين التحللين في الأصح، وقد تناول ذلك كله قول "الحاوي" [ص 258]: (وفي الحرام سوى المفسد والصيد).
ثانيها: إطلاقهم الشاة محمول على ما يجزئ في الأضحية، وكذا حيث وجبت هي أو البدنة إلَّا في جزاء الصيد، ويجزئ عن الشاة: سُبع بدنة أو سُبع بقرة.
ثالثها: أن قول "التنبيه" [ص 73]: (لكل مسكين نصف صاع)، أَنَصُّ على المقصود من تعبير "المنهاج" و"الحاوي" بثلاثة آصع لستة مساكين؛ فإن ذلك يصدق مع التفاوت وتفضيل بعضهم على بعض، وهو وجه.
1633 - قول "المنهاج" [ص 208]: (والأصح: أن الدم في ترك المأمور - كالإحرام من الميقات - دم ترتيبٍ، فإذا عجز .. اشترى بقيمة الشاة طعامًا وتصدق به، فإن عجز .. صام لكل مد يومًا) كان ينبغي أن يضم إلى قوله: (دم ترتيب): وتعديل؛ لأن الوجه الآخر موافق لهذا الوجه في أنَّه دم ترتيب، إلَّا أنَّه يقول: وتقدير، وقد تبين أن مراده الأول بقوله: (فإن عجز .. اشترى بقيمة الشاة طعامًا ... إلى آخره)، فإن الوجه القائل بالتقدير يقول: إذا عجز .. صام ثلاثة أيام في
الحديث: 1632 - الجزء: 1 - الصفحة: 666
الحج وسبعة إذا رجع كدم التمتع، وقد تبع "المنهاج" و"المحرر "الإمام والغزالى في أنَّه دم ترتيب وتعديل 684، وصحح في "الروضة" و"شرح المهذب" تبعًا "للشرحين" "والتذنيب": أنَّه دم ترتيب وتقدير، وعليه مشى "الحاوي" 685، وقال في "المهمات": إن به الفتوى.
فإن قيل: مقابل الأصح في "المنهاج": أنَّه لا ترتيب فيه، بل هو كجزاء الصيد في التخيير والتعديل.
قلت: هذا الوجه شاذ ضعيف كما قال في "الروضة" 686، فلا ينبغي التعبير عن مقابله بالأصح، ولهذا قال شيخنا الإسنوي: كان الأحسن: أن يقول: والصحيح: أن الدم في ترك المأمور دم ترتيب، والأصح: أنَّه إذا عجز عنه ... إلى آخره.
قال شيخنا ابن النقيب: وجوابه: أنا بيّنا أن مراده: أنَّه دم ترتيب وتعديل، وبيّن هو مراده: بقوله عقبه: (فإذا عجز .. اشترى بقيمة الشاة ... إلى آخره)، وحينئذ .. فله مقابل قوي، وهو ما صححه في "الروضة"، فصح التعبير بالأصح 687.
1634 - قول "الحاوي" [ص 257]: (وعلى الأجير إن خالف) أي: تجب الشاة على الأجير إن خالف أمر المستأجر.
يستثنى من ذلك: ما إذا أمره بالتمتع، فقرن وعدد الأفعال .. فإن الدم على المستأجر، ولا يُحط شيءٌ من المسمى.
1635 - قوله: (وتقرّر) 688 أي: دم التمتع في ذمته.
لو أخره عن المذكورات بعده .. لكان أحسن؛ لأن الحكم لا يختص بالمتمتع.
1636 - قول "التنبيه" في الفوات [ص 80]: (ودم التمتع في الحال، وقيل: يجب الدم في القضاء) هذا الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" فقال [ص 208]: (ويذبحه في حجة القضاء في الأصح) وتعبيره عنه بـ (الأصح)، يوافق تعبير "التنبيه" عنه بـ (قيل) في الدلالة على أنَّه وجه، لكنه عبر في "الروضة" بـ (الأظهر) 689، فاقتضى أن الخلاف قولان، ورجحه في "شرح المهذب" فقال: فيه قولان، وقيل: وجهان 690.
الحديث: 1634 - الجزء: 1 - الصفحة: 667
1637 - قول "المنهاج" [ص 208]: (والدم الواجب بفعل حرامٍ أو ترك واجبٍ لا يختص بزمان) فيه أمور:
أحدها: إذا كان السبب مُحَرّمًا، وقلنا: إن كفارة ما سببه محرم على الفور .. فينبغي أن يجب البدار هنا، فإن أخر .. أجزأ مع التأثيم، فيحمل ما أطلقوه هنا على الإجزاء، وأما الجواز: فأحالوه على ما قرروه، كذا ذكره السبكي.
ثانيها: أن تعبيره وتعبير "الحاوي" بالحرام أراد به: ما أصله حرام وإن لم يكن في تلك الحالة حرامًا؛ فإن الحلق والطيب واللبس مع العذر ليس حرامأ الآن، ومع ذلك يختص ذبح دمها بالحرم.
ثالثها: أن ذكر هذا الحكم في الدم الواجب بترك واجب أو فعل محرم، ومقتضاه: أن دم التمتع والقران ليس كذلك، ولا شك أنَّه كذلك، وأما دم الإحصار .. فسيأتي.
1638 - قول "المنهاج" [ص 208]: (ويجب صرف لحمه إلى مساكينه) لا يختص ذلك باللحم، فيجب صرف الجلد أيضًا إليهم، فلو قال: (يجب صرفه) .. لكان أخصر وأعم، وكذا قد يرد على قول "التنبيه" [ص 75]: (وما وجب على المحرم من طعام .. وجب تفرقته على مساكين الحرم)، فقد يخرج الجلد بلفظ الطَّعام، وقد لا يخرج، وعُرف الصرف إلى الفقراء من طريق الأولى، ويكفي دفعه إلى ثلاثة، وفيه احتمال لابن الرفعة في وجوب استيعابهم إذا انحصروا؛ كالزكاة بجامع منع النقل.
قال السبكي: وقد يفرق: بأن المقصود هنا حرمة البلد، وهناك سَدّ الخَلّة، وتجب النية عند التفرقة، قاله الروياني وغيره 691.
1639 - قول "المنهاج" [ص 208] و"الحاوي" [ص 258]: (وأفضل بقعة لذبح المعتمر المروة) محله: في غير المتمتع؛ فالأفضل: أن يذبح دم تمتعه يوم النحر بمنى.
1640 - قول "المنهاج" [ص 208]: (وكذا حكم ما ساقا من هدي مكانًا، ووقته وقت الأضحية على الصحيح) أي: ساقاه تقربًا لا بسبب محظور في الإحرام، أما الدماء الواجبة بسبب محظورات الإحرام: فلا تختص بزمان كما تقدم بيانه، وتناول قوله: (ووقته وقت الأضحية) ما ساقه المعتمر، وفي "المهمات": إنه لا يختص، ويدل له قولهم: إن الأفضل للمعتمر: الذبح بالمروة.
1641 - قول "التنبيه" [ص 75]: (وما وجب من هدي .. وجب ذبحه في الحرم) كذلك هدي التطوع، وكلامه على الغالب.
الحديث: 1637 - الجزء: 1 - الصفحة: 668
باب الإحصار والفوات
1642 - قول "المنهاج" [ص 209]: (من أُحصر .. تحلل) فيه أمور:
أحدها: أن مراده: ما إذا أحصره عدو، كما صرح به "التنبيه" 692، فاما حصر المرض: فسيذكره بعده.
وقد اعترض عليهما: بأن الأشهر في اللغة - كما قال النووي -: أنَّه يقال: أحصره المرض إحصارًا، فهو محصر، وحصره العدو حصرًا فهو محصور، فكان ينبغي أن يقولا: (من حُصِر)، وكذلك يرد على تعبير "الحاوي" ب (المحصر) 693.
وأجيب عنه: بأن المفهوم من كلام أهل اللغة - كما ذكره السبكي -: أن الإحصار: المنع من المقصود سواء منع منه مرض أو عدو أو حبس، والحصر: التضييق؛ ويؤيده: أن الآية نزلت في منع العدو مطلقًا زمن الحديبية، وقد عبر فيها بالإحصار.
ثانيها: أن المراد: التحلل جوازًا، والأولى للمعتمر: الصبر، وكذا للحاج إن اتسع الوقت، وإن ضاق .. فالأولى: التعجيل.
استثنى منه الماوردي: ما إذا تيقن انكشاف العدو؛ لعلمه بأنهم لا يمكنهم الإقامة، فإن كان في الحج، وعلم أنَّه يمكنه بعد انكشافهم إدراكه، أو كان في العمرة وتيقن انكشافهم إلى ثلاثة أيام .. لم يجز التحلل 694.
ويستثنى منه أيضًا: ما إذا أحاط العدو بهم من جميع الجوانب، وهم فرقة واحدة .. فلا يجوز التحلل، كما استنبطه في "المهمات" من تعليل الرافعي ما صححه من جواز التحلل ولو أحاط بهم العدو من جميع الجوانب: بأنهم يستفيدون به الأمن من العدو الذي بين أيديهم 695.
ثالثها: أنَّه يتناول من أحصر عن الوقوف دون البيت، وعكسه، كما صرح به "الحاوي" 696، لكنه لا يتحلل في الحال؛ ففي الأولى: يدخل مكة ويتحلل بعمل عمرة، كما في "أصل الروضة" في آخر الباب 697، وفي الثانية: يقف، ثم يتحلل، كما في "شرح المهذب" عن الماوردي، وأقره 698،
الحديث: 1642 - الجزء: 1 - الصفحة: 669
وفي الصورتين لا قضاء، واستنبط شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله من الإحصار عن الطواف: أن الحائض إذا لم تطف للإفاضة، ولم يمكنها الإقامة حتَّى تطهر، وجاءت بلدها وهي محرمة، وعدمت النفقة، ولم يمكنها الوصول إلى البيت .. أنَّها كالمحصر، فتتحلل بالنية والذبح والحلق، وأيده بأن في "شرح المهذب" عن صاحب "الفروع" والروياني والعمراني وغيرهم فيمن صد عن طريق، ووجد آخر أطول: إن لم يكن معه نفقة تكفيه لذلك الطَّرِيقِ .. فله التحلل 699، وهو استنباط حسن.
أما لو أحصر عن غير الأركان؛ كالرمي والمبيت .. لم يجز التحلل، كما في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره؛ لتمكنه من التحلل بالطواف والحلق، ويجزيه، والرمي والمبيت يجبران بالدم 700.
رابعها: أنَّه يتناول ما إذا احتاج في الدفع إلى قتال أو بذل مال .. فلا يجبان، بل له التحلل، وقد صرح به "الحاوي" 701، لكن استثنى منه السبكي: الإحرام الذي يحصل به إحياء الكعبة إذا لم تقم به طائفة قبلهم في تلك السنة، قال: فينبغي أن يجب قتالهم كسائر فروض الكفايات.
1643 - قول "المنهاج" [ص 209]: (وقيل: لا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ) يقتضي أنَّه وجه، وعبارة "الروضة": جاز التحلل على المذهب، وبه قطع العراقيون، وقال المراوزة: فيه قولان، أظهرهما: الجواز، ومحل ذلك: مع العذر؛ كمن حبس ظلما أو بدين يعجز عنه، أما غيره؛ كالقادر على أداء دين حبس به .. فلا يتحلل 702.
1644 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (ولا تحلل بالمرض، فإن شرطه .. تحلل به) 703 لا يختص ذلك بالمرض، فلو شرطه لعذر آخر؛ كضلال الطَّرِيقِ، ونفاد النفقة .. كان كذلك في الأصح، وعبارتهم تقتضى لزوم الهدي في الاشتراط، وهو كذلك إن شرطه بهدي، فإن شرطه بغير هدي .. لم يلزم شيء، وكذا إن أطلق في الأصح، وإنما يحتاج إلى التحلل إذا شرط التحلل، فلو قال: (إن مرضت .. فأنا حلال) .. صار حلالًا بنفس المرض على الأصح، ولو قال: (إن مرضت .. قلبت حجي عمرة) .. فالمذهب المنصوص: الصحة، وهو أولى بالصحة من شرط التحلل، وقول "المنهاج" [ص 209]: (على المشهور) كان ينبغي أن يقول: (على المذهب (فإن في "الروضة" طريقين، قال الجمهور: يصح في القديم، وفي الجدبد قولان، أظهرهما:
الحديث: 1643 - الجزء: 1 - الصفحة: 670
الصحة، والطريق الثاني: القطع بالصحة 704، وجعلها في "شرح المهذب" الصواب؛ لصحة حديث ضباعة فيه، وقال: إن الطَّرِيقِ الأولى أشهر 705.
1645 - قول "التنبيه" في المحصر [ص 80]: (ذبح هديًا، وتحلل) يقتضي حصول التحلل بمجرد ذلك، وليس كذلك، بل لا بد من نية التحلل، ومن الحلق إن جعلناه نسكا، وهو الأظهر، وكذا يرد ذلك على قول "المحرر": (ومن تحلل .. ذبح شاة) 706، ويرد عليه أيضًا: أن ظاهره: تأخر الذبح عن التحلل، وليس كذلك، فيحمل على أن مراده؛ ومن أراد التحلل؛ ولذلك استدرك "المنهاج" فقال [ص 209]: (إنما يحصل التحلل بالذبح ونية التحلل، وكذا الحلق إن جعلناه نُسكًا)، وفي "الحاوي" [ص 257]: (بالنية والحلق وذبح شاة)، وتعبير "التنبيه" بالهدي أحسن من تعبيرهما بالشاة؛ لتناوله البدنة والبقرة وسُبعْ أحدهما، ودلالة لفظ الهدي على السن المعتبر فيه شرعًا بخلاف لفظ الشاة.
ويشترط: تأخر الحلق عن الذبح كما في "المهمات" عن الماوردي وغيره 707، ومقارنة نية التحلل للذبح، وكذا مقارنتها للحلق، كما حكاه ابن الرفعة عن الأصحاب، وجزم به في "الروضة" عند الكلام في تحلل العبد 708، وسكت الأكثرون عن اشتراطه، وقال في "المهمات": إنه متجه فيما إذا لم يقدر على الذبح، فإن قدر عليه .. كفت مقارنته له، كما يكفي اقتران النية بأول الوضوء والصلاة وغيرهما.
1646 - قول "المنهاج" [ص 209] و"الحاوي" [ص 257]: (حيث أحصر) يفهم أنَّه لو أراد الذبح في موضع من الحل غير موضع الإحصار .. لم يجز، وهو الذي في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره 709، ويفهم جواز الذبح في موضعه إذا أحصر في الحل ولو تمكن من بعض الحرم، وهو الأصح في "أصل الروضة" 710، لكن رجح شيخنا الإمام البلقيني مقابله، وقال: إن الماوردي قال: إنه المذهب، وحكاه عن البصريين، وأن الشيخ أبا حامد حكاه عن نص الشَّافعي،
الحديث: 1645 - الجزء: 1 - الصفحة: 671
ثم حكى شيخنا النص، وعبارته: فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة .. لم يجز إلَّا بها، وإن لم يَقْدِر .. ذبح حيث يَقْدِر.
انتهى 711.
وليس في هذا النص مطلق الحرم، وإنَّما فيه موضع مخصوص منه، وهو مكة، ومتى قدر على مكة .. لزمه الدخول إليها والتحلل بعمل عمرة كما تقدم، فليس في هذا النص ما ينافي المصحح في "الروضة"، والله أعلم.
1647 - قول "التنبيه" [ص 80]: (وإن لم يكن معه هدي .. ففيه قولان، أحدهما: لا بدل للهدي، والثاني: له بدل) الأظهر: الثاني، لكن قال "التنبيه" [ص 80]: (وهو الصوم)، وهو قول مرجوح، والأظهر: أن بدله طعامٌ بقيمة الشاة، فإن عجز .. صام عن كل مذ يومًا، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 712.
1648 - قول "التنبيه" - تفريعًا على ما جزم به من أن بدله الصوم -[ص 80]: (وفيه ثلاثة أقوال، أحدها: صوم التمتع، والثاني: صوم الحلق، والثالث: صوم التعديل عن كل مد يومًا) صحح الفارقي: الثالث، ولم يصحح الرافعي ولا النووي واحدًا منها.
1649 - قوله: (وفي تحلله قبل أن يصوم في أحد القولين وقبل أن يهدي في القول الآخر .. قولان) 713 الأظهر: الجواز، وقال النووي في "شرح المهذب": وحكى الأكثرون الخلاف وجهين 714، قال النشائي: ولا حرج فيه؛ لأن الخلاف فيه مرتب على القولين في الذبح وأولى بالتحلل 715.
1650 - قول "المنهاج" [ص 209]: (وله التحلل في الحال في الأظهر) غير الخلاف الذي في "التنبيه" لأن ذلك مفرع على ضعيفين؛ إما على أن الهدي لا بدل له، وإما على أن بدله الصوم، والذي في "المنهاج" تفريع على الأظهر: أن بدله الطَّعام، فإن عجز .. فصوم التعديل، فله التحلل قبل فراغه من الصوم على الأظهر، لتضرره بطوله، وكذا صحح في "شرح المهذب" 716، ولم يفصح في "الروضة" بتصحيح، وإنَّما قال: وإن قلنا: له بدل " فإن كان يطعم .. توقف التحلل عليه كالذبح، وإن كان يصوم .. فكذلك مع ترتب الخلاف، ومنع التوقف هنا أولى؛ للمشقة بطول مدة الصوم 717.
الحديث: 1647 - الجزء: 1 - الصفحة: 672
قال السبكي: ووقع في كلام الرافعي و"الروضة" خلل؛ فإنهما لم يحكيا القول بالتحلل قبل الذبح للقادر، وحكيا الترتيب المذكور، فكأن الرافعي اشتغل أولًا عن حكاية القول بشرح المسألة وتقسيمها، ثم ذكر الترتيب في آخرها؛ لِمَا في ذهنه من "الوجيز"، فصار ترتيبًا على غير مذكور في كلامه وإن كان مذكورًا في الجملة، ولخصه في "الروضة" من غير تأمل.
انتهى.
وعبر "المنهاج" عن عدم الهدي معه بقوله [ص 209]: (فإن فُقِد الدم)، والمراد: الفقد الحسي أو الشرعي؛ لاحتياجه إلى ثمنه أو وجدوه غاليًا.
1651 - قولهما: (وإذا أحرم العبد بغير إذن مولاه .. جاز له أن يحلله) 718 فيه أمور:
أحدها: أن الأمة كذلك، وقد ذكر ابن حزم أن لفظ العبد يتناولها لغة 719.
ثانبها: لا يختص ذلك بالقن، فالمبعض والمكاتب كذلك.
ثالثها: معنى تحليل السيد له: أن يأمره به، فيتحلل بالنية والحلق، وليس معناه: أن السيد يتعاطى الأسباب، فإن امتنع .. كان للسيد أن يعامله معاملة الحلال، فيطأ الأمة، ويستعمله في ذبح الصيد ونحوه.
ولا يرد شيء من ذلك على قول "الحاوي" [ص 256]: (وللسيد منع المحرم بغير إذنه، وتحلل)، لكنه سوى بينه وبين المحصر في التحلل بالنية والحلق والذبح، وليس كذلك، فالأصح: القطع بأنه لا يتوقف تحلله على الذبح، بل يكفي في تحلله النية والحلق إن جعلناه نسكًا.
رابعها: أورد عليهم: أن مفهوم كلامهم أنَّه إذا أحرم بالإذن .. لا يحلله، فإن أريد: مطلق الإحرام .. تناول ما لو أحرم قبل الوقت المأذون فيه؛ بأن أذن له في الإحرام في ذي القعدة، فأحرم في شوال مع أن له تحليله قبل دخول ذي القعدة لا بعده، وكذلك المكان، وإن أريد: الإحرام بصفاته المأذون فيها .. تناول ما لو أذن له في الحج، فأحرم بالعمرة أو قرن مع أنَّه ليس له تحليله في هاتين الصورتين، بخلاف ما لو أذن له في العمرة، فأحرم بالحج .. فله تحليله.
1652 - قولهما: (وإن أحرمت المرأة بحج التطوع بغير إذن زوجها .. جاز له أن يحللها) 720 المراد بذلك: أمرها به كما تقدم في العبد، لكن التحلل هنا يكون بالنية والحلق والذبح، فإن أبت .. ففي "الروضة" وأصلها: أن الإمام نقل عن الصيدلاني: أن له وطئها، وتوقف فيه؛ لأنه
الحديث: 1651 - الجزء: 1 - الصفحة: 673
حق الله تعالى 721، لكنه في "شرح المهذب" قال: إنه المذهب 722، ولذلك عبر "الحاوي" [ص 256]: (بأن للزوج مَنعَ المحرم بغير إذنه)، وتناولت عبارته العمرة أيضًا، وليس له تحليل الرجعية، ولكن له حبسها، وحبس البائن للعدة.
1653 - قول "التنبيه" [ص 80]: (وفي حجة الإسلام قولان) أظهرهما: أن له ذلك، وعليه مشى "الحاوي"، فأطلق المنع 723، و"المنهاج" فقال [ص 209]: (وكذا من الفرض في الأظهر)، وتعبيره بالفرض أعم من تعبير "التنبيه" بحجة الإسلام؛ لتناوله القضاء، وقد ذكره في "شرح المهذب" بحثًا 724، لكن حكى فيه البغوي والمتولي وجهين 725، وبناهما المتولي على الفور في القضاء، ومقتضاه: ترجيح أنَّه ليس له المنع؛ لأن الأصح: أنَّه على الفور كما سيأتي، ويتناول المنذورة أيضًا، وهي كحجة الإسلام، كما في "شرح المهذب" عن الدارمي والجرجاني 726، وقال في "المهمات": يتجه أنَّه ليس له المنع منه إن كان النذر قبل النكاح وتعلق بزمان بعينه، كما صرح به الرافعي في (النفقات) في نذر الصوم؛ لسبقه حقه، وإن تعلق بزمن غير معين؛ فإن كان قبل النكاح أو بعده ولكن بإذنه .. فعلى الخلاف في حجة الإسلام، وإن كان بعده وبغير إذنه .. فله المنع قطعا؛ لتعديها، وأطلق الرافعي في نظيره من الصوم أن له المنع على الصحيح.
واقتصروا على التحليل 727، وفي "المحرر" حكاية الخلاف فيه وفي المنع من ابتداء الإحرام، فقال: (وله منعها من حج الفرض في أصح القولين، والتحليل إن أحرمت بغير إذنه) 728، فسوى بينهما، وفي "الروضة" وأصلها في المنع ابتداءً قولان، فإن جوزناه له .. ففي التحليل إن لم يأذن قولان.
وأطلق في "الروضة" وأصلها هنا: أنَّه يستحب لها أن لا تحرم إلَّا بإذنه، لكنه قال بعده: إن الأمة المزوجة لا يجوز لها الإحرام إلَّا بإذن السيد والزوج جميعًا 729، وهو صريح في وجوب استئذان الزوج، وكونها حرة أو أمة لا أثر له في ذلك، وهو قياس ما تقرر في الصوم والاعتكاف
الحديث: 1653 - الجزء: 1 - الصفحة: 674
المتطوع بهما أنهما لا يفعلان إلَّا بإذن الزوج، وحكاه شيخنا ابن النقيب عن المحاملي وغيره، وقال: إنه الذي يظهر (1)، وفي "المهمات": يتجه أن محل الخلاف: إذا أحرمت من الميقات أو من مكة يوم التروية، فإن أحرمت قبله .. فله المنع جزمًا.
تَنْبِيْهٌ [التحليل لو كانت المرأة رقيقة متزوجة]
أطلقا تحليل السيد والزوج، ففهم منه أنَّه لو اجتمعا في الرفيقة المتزوجة .. فلكل منهما التحليل، وهو كذلك، وأصرح منه في الدلالة على هذا قول "الحاوي" [ص 256]: (وللسيد والزوج منع المحرم بغير إذنه) وقد تقدم من كلام الرافعي والنووي أنَّه ليس لها الإحرام إلَّا بإذنهما.
تَنْبِيْهٌ آخَر [في إذن الزوج للزوجة بالحج]
قال السبكي: قولنا: (لا تحرم إلَّا بإذن الزوج)، والنص: (أن الحصر الخاص لا يمنع وجوب الحج) 731 يؤخذ منهما: أن إذن الزوج ليس شرطًا للوجوب، بل الحج واجب 732، فإذا أخرت لمنع الزوج، وماتت .. قُضِيَ من تركتها، ولا تعصي للمنع، إلَّا أن تكون تمكنت قبل التزويج، فتعصي إذا ماتت، وفي كلام القاضي أبي الطيب الاتفاق على وجوب الحج عليها، وإنَّما الخلاف في أنَّه هل للزوج" منعها أم لا؟ .
1654 - قول "الحاوي" [ص 256]: (وللوالد من التطوع) يشمل الأم أيضًا، والظاهر: أن الأجداد عند عدمهما كهما، ويراعى الأقرب إليه فالأقرب.
1655 - قول "التنبيه" [ص 80]: (ومن تحلل بالإحصار .. لم يلزمه القضاء)، وكذا أطلق "الحاوي" أنَّه لا يقضي 733، وفي "المنهاج" [ص 209]: (ولا قضاء على المحصر المتطوع، فإن كان فرضًا مستقرًا .. بقي في ذمته، أو كير مستقرٍّ .. اعتبرت الاستطاعة بَعْدُ)، وقال السبكي: كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون مرادهم في الحصر العام، أما الخاص: فقد قدمنا في أول (الحج)، وهنا عند الكلام في تحليل الزوجة ما يقتضي أنَّه لا يمنع الاستقرار.
انتهى.730
الحديث: 1654 - الجزء: 1 - الصفحة: 675
قال في "الكفاية": (يستثنى: ما لو أفسد النسك، ثم أحصر)، وهذا غير محتاج إليه؛ لأن القضاء في هذه الصورة للإفساد لا للإحصار.
1656 - قول "الحاوي" [ص 252]: (والتحلل با لأحصار) أي: يوجب الانقلاب إلى الأجير، مخالف لتصحيح الرافعي والنووي: أنَّه يقع عن المستأجر، كما لو مات؛ إذ لا تقصير 734.
1657 - قول "الحاوي" [ص 257]: (ومن فاته) أي: الوقوف، كما صرح به "المنهاج" 735، وفواته؛ بأن يطلع الفجر يوم النحر، كما صرح به "التنبيه" 736، ولا فرق بين أن يكون بعذر أو غيره.
1658 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (تحلل بطوافٍ وسعي وحلقٍ) 737 فيه أمور:
أحدها: أن المراد: التحلل الثاني، وأما الأول: ففي "شرح المهذب": أنَّه يحصل بواحد من الحلق أو الطواف؛ يعني: مع السعي على ما فيه من الخلاف؛ لأنه لما فاته الوقوف .. سقط عنه حكم الرمي، وصار كمن رمى 738.
ثانيها: هذا التحلل واجب بخلاف ما تقدم في الإحصار، وقد تفهم عبارتهم التسوية بينهما، وعبارة ابن الرفعة دالة على وجوبه كما قدمته، وحكاه عن الماوردي، وعلله: بأن الاستدامة كالابتداء، وفي "شرح المهذب": قال الشيخ أَبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم: ليس لصاحب الفوات أن يصبر على إحرامه إلى السنة القابلة؛ لأن استدامة الإحرام كابتدائه، وابتداؤه لا يصح، ونقله أَبو حامد عن النص وإجماع الصحابة 739، وحكاه في "المهمات" عن صاحب "التقريب" أيضًا، وأنه نقله عن النص، وكذا قال شيخنا الإمام البلقيني: لو أراد البقاء على إحرامه .. لم يكن له ذلك، ويأثم به، نص عليه في "الأم" 740، فلو ارتكبه وبقي محرمًا إلى قابل، فحج بذلك الإحرام .. لم يجزئه، كما حكاه ابن المنذر في "الإشراف" عن الشَّافعي 741.
ثالثها: أن محله ما إذا لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن سعى مع طواف القدوم .. لم يحتج إلى إعادته، كما حكاه في "شرح المهذب" عن الأصحاب 742، لكن جزم في "الكفاية" بإعادته.
الحديث: 1656 - الجزء: 1 - الصفحة: 676
رابعها: لا ينبغي أن يفهم أن هذا المأتي به من طواف وسعي وحلق عمرة؛ ولهذا قال "التنبيه" [ص 80] و" الحاوي " [ص 257]: (بأفعال العمرة)، ولم يقو لا: (بالعمرة)، ويترتب على هذا أنَّه لا يجزئه عن عمرة الإسلام، وكذا في "أصل الروضة" 743، وأن المكي لو أحرم بالحج من مكة، ثم فاته .. لم يجب عليه الخروج لأدنى الحل، وقد نص على ذلك الشَّافعي كما حكاه شيخنا البلقيني، وعلله الشَّافعي: بأنه لم يكن معتمرًا، إنما يخرج بأقل ما يخرج به من عمل الحج، وصرح به أيضًا البغوي في "التهذيب" 744.
1659 - قولهم: (وعليه القضاء) 745 فيه أمور:
أحدها: قيد في "الروضة" وأصلها وجوب القضاء بالتطوع، فإن كان فرضًا .. فهو باق في ذمته كما كان، وكذا عبارة "المحرر" 746، وحينئذ .. فإطلاق القضاء مدخول، لكنه موافق لما ذكروه في الإفساد أن المأتي به قضاء، فإن فرّق بتعدي المفسد .. ففي الفرق نظر؛ فإن الفوات قد يكون بتعد، فيكون كالإفساد.
ثانيها: لا يفهم من عبارتهم تضيُّق القضاء، والأصح: أنَّه على الفور، لكن حكى شيخنا الإمام البلقيني عن النص: أنَّه إن حج من قابل .. كان أحبّ إليّ، فإن أخر ذلك فأداه بعد .. أجزأه عنه، كما يؤخر حجة الإسلام بعد بلوغه أعوامًا، فيؤديها عنه متى أداها، متى كان 747، قال شيخنا: وهذا يقتضي أن الفور غير واجب كما هو أحد الوجهين.
ثالثها: محل وجوب القضاء: إذا لم ينشأ الفوات عن الحصر، فلو أُحْصِر وكان له طريق أخرى .. لزمه سلوكها وإن علم الفوات، فإن فاته .. لم يقض في الأصح؛ لتولده عن الحصر، وقد ذكره "الحاوي" في الإحصار 748، والله أعلم.
الحديث: 1659 - الجزء: 1 - الصفحة: 677