كتابُ التفليس
2142 - قول "التنبيه" فيما إذا حصلت على رجل ديون حالة [ص 101]: "وإن كان له مال لا يفي بديونه، فسأل الغرماء الحاكم الحجر عليه .. حجر عليه) فيه أمور:
أحدها: أنه لا يخفي أن التعبير بالرجل مثال لا مفهوم له؛ فالمرأة كذلك؛ ولذلك عبر "المنهاج" و"الحاوي" بعبارة تتناولهما 1.
ثانيها: تعبيره وتعبير "المنهاج" بالديون مثال أيضًا جريا فيه على الغالب؛ فالدين الواحد إذا زاد على المال كذلك؛ ولذلك عبر "الحاوي" بالدين 2.
ثالثها: تعبيرهم جميعًا بالمال يقتضي عدم الحجر إذا لم يكن له مال، وتوقف فيه الرافعي، وقال: قد يقال: يجوز منعًا له من التصرف فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب والظفر بركاز وغيرها 3.
رابعها: تناول إطلاقهم دين الآدمي ودين الله تعالى كالزكاة ونحوها، والمراد: الأول، فلا حجر بدين الله تعالى، كما في الرافعي في (الأيمان) بعد ذكر الأقوال في اجتماعهما؛ حيث قال: ولا تجري هذه الأقوال في المحجور عليه بالفلس إذا اجتمعت حقوق الله ما دام حيًا.
انتهى 4.
وعليه يدل تعبيرهم بسؤال الغرماء، وقول "المنهاج" و" التنبيه" بعد ذلك: (قسم بين الغرماء) 5، وقول "المنهاج" [ص 250]: (فإذا حُجِرَ .. تعلق حق الغرماء بماله).
خامسها: نقل شيخنا الإسنوي في "شرح المنهاج" عن الرافعي: تصحيح الحجر بالتماس الغرماء ولو زاد ماله على الدين إذا امتنع من وفائه، ولو صح ذلك .. لورد على الكتب الثلاثة، لكن الذي في الرافعي إطلاق كونه له مال 6، فليحمل على ما إذا كان الدين أزيد من المال.
سادسها: لا يتقيد ذلك بسؤال جميع الغرماء، بل لو سأل بعضهم ذلك، ودينه قدر يُحْجَر به .. حُجِر أيضًا، وقد ذكره "المنهاج" 7، ولا يختص أثر الحجر بطالبه، بل يعم الكل، بل حكي
الحديث: 2142 - الجزء: 2 - الصفحة: 5
النووي عن جماعة: إطلاق الحجر إذا عجز ماله عن ديونه، وطلبه بعضهم، ولم يعتبروا دين الطالب، وقال: إنه قوي 8، وقد يوافقه تعبير "الحاوي" بـ (الغريم) 9، وقد يُدعي فيه العموم أيضًا؛ لكونه جنسًا معرفًا بالألف واللام.
سابعها: في معنى سؤال الغرماء أو بعضهم: سؤال المفلس فيحجر بطلبه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 10، قال السبكي: وصورته: أن يثبت الدين بدعوي الغرماء والبينة أو الإقرار أو علم القاضي، فيطلب المديون الحجر دون الغرماء، وإلا .. لم يكف طلبه ولو لم يدع الغرماء، فمقتضي كلام ابن الرفعة: تخريج الحجر على الحكم بالعلم.
انتهى.
ثامنها: مقتضي كلامه: أنه لا يحجر بغير طلب، وقد صرح بذلك "المنهاج" 11، لكن محله: في الرشيد، أما المحجور عليه لصبًا أو جنون أو سفه .. فيحجر له بسؤال وليّه، فإن لم يسأل .. حجر الحاكم بغير سؤال أحد، وقد ذكره "الحاوي 12.
تاسعها: عبارته وعبارة "المنهاج" تقتضي أنه إنما يكون الحجر على من عليه الدين، ويرد عليه: ما إذا كان الذي زاد دينه على ماله صبيًا ونحوه؛ فإن الحجر إنما يُضرَبُ على وليه في مال محجوره لا مطلقًا، وقد توقف شيخنا الإسنوي في الحجر في هذه الصورة، وقال: إن رأينا الحجر به .. ضُرب على الولي، ومراده: في مال محجوره لا مطلقًا كما ذكرته، لكن لا معنى لهذا التوقف؛ فإطلاق المطولات والمختصرات يقتضي الحجر في هذه الصورة، وهو الفقه، لكن الحجر على الولي كما ذكرته، وأما من عليه الدين .. فإنه محجور عليه بأصل الشرع، وعبارة "الحاوي" لا تنافي ذلك؛ لأنه لم يصرح بمن يحجر عليه.
عاشرها: تعبير الكتب الثلاثة يحتمل جواز الحجر، ووجوبه، والأول هو الذي في "المحرر" تبعًا للإمام وغيره 13، والثاني هو الذي صرح به في "الروضة" من زيادته، وقال: إنه صرح به أصحابنا، وعد جماعةً، قال: ونبهت عليه؛ لأن عبارة كثير منهم: فللقاضي الحجر، ولم يريدوا: أنه مخير فيه.
انتهى 14.
وقال السبكي: لعل الإمام ومن وافقه يقولون: إن القاضي يفعل المصلحة من الحجر والبدار
الجزء: 2 - الصفحة: 6
إلى البيع، وقال في "شرح المهذب": إن الوجوب ظاهر إذا تعذر البيع في الحال، فإن أمكن .. فينبغي ألَّا يجب الحجر، ويوفي الدين كما لو كان المال زائدًا.
حادي عشرها: يشترط أيضًا: أن يكون الدين لازمًا لا كنجوم الكتابة، وهو مفهوم من كلامهم في الكتابة، وأورد النشائي في "نكته" على "التنبيه": اشتراط حلول الدين 15، ولا يرد ذلك عليه؛ لذكره له في صدر كلامه.
2143 - قول "المنهاج" [ص 250]: (وإذا حجر بحَالٍّ .. لم يَحِلَّ المؤجل في الأظهر) عبر في "الروضة" بالمشهور 16.
2144 - قول "التنبيه" فيمن عليه دين مؤجل [ص 101]: (فإن أراد السفر .. لم يمنع منه، وقيل: يمنع من سفر الجهاد) فيه أمور:
أحدها: يستثني من هذا الوجه: ما إذا أتي بكفيل .. فلا منع منه حينئذ.
ثانيها: أنه لا يختص بالجهاد، بل كل سفر مخوف كالبحر كذلك في الأصح.
ثالثها: رجح الشيخ هذا الوجه في قتال المشركين؛ فإنه اعتبر الإذن في الجهاد، وجعل التفصيل بين المؤجل وغيره وجهًا مرجوحًا.
وقد جُمع بين كلاميه: بأن الذي تكلم فيه في قتال المشركين الجهاد، وهنا السفر، وليسا شيئًا واحدًا، ولا متلازمين.
2145 - قوله: (وإن كانت حالّةً وله مال يفي بها .. طولب بقضائها) 17، قال في "الكفاية": أفهم أن المعسر لا يمنع من السفر، لكن قوله في قتال المشركين: (ولا يجاهد من عليه دين إلا بإذن غريمه) 18 يشمل سفر الجهاد مع الإعسار، والصحيح في "أصل الروضة": أنه لا يمنع؛ إذ لا مطالبة في الحال 19، لكن في "الكفاية": قال الأصحاب كما قال الماوردي: يمنع رجاء يساره 20، وهو ظاهر إطلاق "الحاوي" قوله [ص 306]: (كمنع السفر).
2146 - قول "المنهاج" [ص 250]: (وأُشْهِدَ على حجره) أي: استحبابًا، كما صرح به "التنبيه" 21.
الحديث: 2143 - الجزء: 2 - الصفحة: 7
2147 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فإذا حجر عليه .. لم ينفذ تصرفه في المال) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول التصرف في الذمة، ولا منع منه؛ ولذلك قال في "الحاوي" [ص 307]: (لا في الذمة)، وهو أحسن من قول "المنهاج" [ص 250]: (فلو باع سلمًا أو اشتري في الذمة .. فالصحيح: صحته، ويثبت في ذمته) لتناوله البيع الوارد على الذمة وليس سلمًا، والقرض وإجارة الذمة، بخلاف عبارة "المنهاج"، وأيضًا: فتعبيره بالصحيح مردود؛ لأن الخلاف قولان، فينبغي أن يقول: (المشهور).
ثانيها: أن ظاهر قوله: (في المال) إرادةُ المال الحاصل، كما أشار إليه في "الكفاية"، فيخرج ما حدث بعد الحجر باصطياد ووصية ونحوهما، والأصح: تعدي الحجر إليه، وقد ذكره "المنهاج" 22، لكن شرطه: أن يكون ملكه عليه مستقرًا؛ ليخرج ما لو وُهب له أبوه أو ابنه، أو أُوصي له به، فقبل الهبة وقبض، أو قبل الوصية وهو محجور عليه بالفلس .. فإنه يعتق على المفلس وليس للغرماء تعلق به، ونص الشافعي يشهد له، ولا يرد ذلك على قولط "الحاوي" [ص 307]: (حُجِرَ من تصرفٍ ماليٍّ مفوتٍ) لصدق التصرف المالي على التصرف في الحادث، ولكن يرد عليه: التدبير والوصية؛ فإنه لا حجر عليه فيهما، كما جزم به الرافعي والنووي هنا 23، وقالا في (باب التدبير): إن تدبيره كإعتاقه 24، ومقتضي ذلك: بطلانه، فعلى الصحة ينبغي أن يزيد "الحاوي": (في حال الحياة)، ولم يذكر "المنهاج" لذلك ضابطًا، وإنما قال: (ولو باع أو وهب أو أعتق .. فالأظهر: بطلانه)، ثم قال: (ويصح نكاحه وطلاقه وخلعه واقتصاصه وإسقاطه) 25 ففهم من الأمثلة منع التصرف المالي دون غيره، فعبارة "التنبيه" و"الحاوي" من جهة ذكر الضابط أحسن لولا ما ورد عليهما، ومراد "المنهاج": خلع الزوج، أما الزوجة أو الأجنبي: فلا ينفذ منهما.
واعلم: أن ظاهر كلامهم تعدي الحجر إلى الحادث ولو زاد ماله بالحادث على الديون، وهو مشكل، ويمكن حمله على ما إذا استمر على النقص اعتبارًا بالابتداء.
ثالثها: أورد على "التنبيه" أيضًا: أنه يتناول الإقرار بمال في الذمة إذا أسنده لما قبل الحجر بمعاملة أو إتلاف، أو لما بعد الحجر بإتلاف، والأصح: القبول في حق الغرماء، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 26، لكن قوله عطفًا على المحجور فيه: (وإقرارٍ بدينِ معاملةٍ
الحديث: 2147 - الجزء: 2 - الصفحة: 8
لاحقةٍ) 27 قد يخرج الإقرار بدين المعاملة مع الإطلاق؛ أي: لا يبين تقدمها على الحجر ولا تأخرها عنه، والإقرار بدين مطلق؛ أي: لا يبين هل هو عن معاملة أو إتلاف؟ مع أنهما داخلان في الحجر أيضًا، فلا يقبل في حق الغرماء، وقد ذكر الثانية "المنهاج" بقوله [ص 251]: (وإن أسند وجوبه إلى ما بعد الحجر بمعاملةٍ او مطلقًا .. لم يُقبل في حقهم)، وقال الرافعي في الأولى: قياس المذهب: تنزيله على الأقل، وجعله كإسناده إلى ما بعد الحجر 28، قال في "الروضة": وهو ظاهر إن تعذرت المراجعة، وإلا .. فينبغي أن يراجع.
انتهى 29.
وهذا البحث يجيء في الصورة الأخرى، فهما صورتان؛ في "الروضة" واحدة، وفي "المنهاج" أخرى.
قال السبكي: ولو قال "المنهاج": (إن أطلق أو أسند وجوبه إلى معاملة بعد الحجر) .. لكان أحسن من العبارتين؛ أي: لتناوله صورتي الإطلاق.
وقول "المنهاج" [ص 251]: (وجب قبل الحجر) أحسن من قول "الروضة" وأصلها: (لزم) 30 لتناوله ما وجب، وتأخر لزومه إلى ما بعده؛ كثمن مبيع شرط فيه الخيار.
وفي قول "المنهاج" [ص 251]: (وإن قال: عن جنايةٍ .. قبل في الأصح) فيه نظر؛ لتعبيره في "الروضة" بـ (المذهب) 31، فالأحسن: التعبير به أو بالأظهر، وذكر في "الكفاية" أن "التنبيه" احترز بالتصرف في المال عن الإقرار بالمال، وقال النشائي في "نكته": إنه غلط، قال: بل هو شامل له؛ فإنه تصرف كما في الرافعي 32.
قلت: وقد ذكر "التنبيه" إقرار المفلس بالمال في (باب الإقرار)، وقال: (فيه قولان، أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز في الحال) 33، وأشار بقوله: (في الحال) إلى أن الخلاف في قبوله في حق الغرماء، وقد عرفت أن الأصح: قبوله على ما فيه من التفصيل، والله أعلم.
رابعها: أنه يتناول الرد بالعيب مع أن له ذلك إن كانت الغبطة في الرد، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 34، ومقتضي عبارتهما: جواز الرد في هذه الحالة دون لزومه، وبه صرح القاضي حسين.
الجزء: 2 - الصفحة: 9
واستشكل: بأن من اشتري في الصحة ثم مرض واطلع على عيب، والغبطة في الرد فلم يرد .. فما نقصه العيب محسوب من الثلث، فدل على أنه تفويت، ومقتضاه: وجوب الرد في هذه المسألة، وتعبير "المنهاج" بقوله [ص 251]: (وله أن يرد بالعيب ما كان اشتراه) يوهم المنع فيما اشتراه بعد الحجر بثمن في الذمة، وصححناه، قال شيخنا الإسنوي: والمتجه: التسوية، قال شيخنا ابن النقيب: بل الرد فيه أولي؛ ولعل سكوتهم عنه لذلك 35.
قلت: ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" عطفًا على المحجور فيه [ص 307]: (ورد بعيبٍ بلا غبطةٍ) لأنه لم يأت بعبارة تدل على تقييده بما إذا تقدم شراؤه.
واعلم: أنه يستفاد من عبارة "المنهاج" و"الحاوي" مسألة حسنة ليست في "الروضة"، وهي منع الرد حيث لا غبطة في الرد ولا في الإمساك، لكن في "المهمات": أن المنقول في نظيره - وهو الرد بالخيار تفريعًا على اعتبار الغبطة فيه -: الجواز عند الاستواء، ذكره في "النهاية"، قال: إلا أن يفرق باستقرار الملك على المعيب دون زمن الخيار 36.
خامسها: ويتناول أيضًا الرد بالخيار مع أنه له ذلك وإن لم يكن فيه غبطة، وقد ذكره "الحاوي" 37.
سادسها: يستثني من منع "التنبيه" و"الحاوي" التصرف المالي: الاستيلاد؛ ففي "خلاصة الغزالي": نفوذه 38، قال شيخنا الإمام البلقيني: ويظهر القطع به؛ لأن حجر الفلس دائر بين حجر السفه والمرض، وكلاهما ينفذ معه الاستيلاد حتى تكون في مسألة المريض من رأس المال 39.
سابعها: محله أيضًا: ما إذا كان المال له، فإن لم يكن له؛ كإعراضه عن نصيبه في الغنيمة قبل القسمة وقبل اختيار التملك .. فإنه ينفذ، وكذا إذا أجاز ما فعل مورثه مما يحتاج إلى الإجازة .. فإنه ينفذ على قولنا: إنه تنفيذ، وهو الأصح، ذكره شيخنا الإمام البلقيني، وقال: لم أر من تعرض لذلك، قال: فينبغي أن يقال: في ماله.
ثامنها: يستثني من كلامهما أيضًا: طهارته بالماء الذي عنده، وشربه منه، وسكناه في بيته قبل بيعه، ونحو ذلك لا سيما فيما إذا دخل وقت الصلاة عليه قبل حجر الفلس، وقد تعين للطهارة، ذكره شيخنا الإمام البلقيني أيضًا، وهو واضح، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 10
2148 - قول "المنهاج" [ص 250]: (فلو باع ماله لغرمائه بِدَيْنِهم .. بطل في الأصح) فيه أمران:
أحدهما: قال شيخنا الإسنوي: صورة المسألة: أن يكون دينهم من نوع واحد، وباعهم بلفظ واحد، فإن ترتبوا .. فالبطلان واضح، وإن وقع بلفظ واحد، وتنوعت ديونهم .. فهو كما لو كان لهما عبدان لكل منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، وأصح القولين فيها: البطلان لمعنى آخر.
ثانيهما: محله: إذا لم يأذن فيه القاضي، فإن أذن فيه .. صح.
2149 - قوله تفريعًا على تعدي الحجر إلى الحادث بعده بالشراء إن صححناه عطفًا على الأصح: (وأنه ليس لبائعه أن يفسخ ويتعلق بعين متاعه إن علم الحال، وإن جهل .. فله ذلك ((1) يوهم أن الجاهل يفسخ قطعًا، والخلاف في العالم، وليس كذلك، بل الخلاف ثلاثة أوجه: الفسخ، وعدمه، والتفصيل، وهو الأصح.
2150 - قوله: (وأنه إذا لم يمكن التعلق بها .. لا يُزاحم الغرماء بالثمن) (2) فيه أمران:
اْحدهما: قال السبكي: عبارة "المحرر": (وأنه إذا لم يكن له) (3)، فحذف المصنف (له) اختصارًا، والتبس على بعض النساخ، فكتب: (إذا لم يمكن) (4).
ثانيهما: أن عبارته توهم المزاحمة على الوجه المرجوح في جميع المال، وكذا تقتضيه عبارة الرافعي تبعًا لـ "الوسيط" و "الوجيز" (5)، لكن صرح في "البسيط" تبعًا للإمام بأن المزاحمة في المبيع فقط (6)، وجعل ذلك السبكي خلافًا محققًا، وفيه نظر؛ فالظاهر: أن ذلك من خلل العبارة، والصواب: ما في "البسيط"، والله أعلم.
فَصْلٌ [بيع مال المفلس وقسمته وما يتعلق به]
2151 - قول "المنهاج" [ص 251]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 308]: (يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله) فيه أمور:404142434445
الحديث: 2148 - الجزء: 2 - الصفحة: 11
أحدها: أنه لا يفهم منه أن ذلك واجب أو مستحب، والذي في "الروضة" وأصلها تبعًا لـ "البسيط" أنه مستحب 46، لكن في "الوسيط" و"الوجيز": (وعلى القاضي) 47، وهو يفهم الوجوب، واختاره السبكي.
ثانيها: لا بد من التنبيه على أنه لا يفرط في المبادرة بحيث يقل الثمن.
ثالثها: لا بد في البيع من ثبوت كونه ملكه، ذكره الماوردي وابن الرفعة 48، وحكي السبكي في ذلك وجهين، ورجح: الاكتفاء باليد.
رابعها: أورد أن ظاهره بيع الجميع، وإنما يبيع بقدر الدين، وفيه نظر؛ لأنه إنما يحجر إذا كان الدين زائدًا علي المال، إلا أن يفرض ذلك فيما إذا كانت أمواله وقت الحجر أقل من ديونه، ثم زادت أمواله بارتفاع الأسعار قبل البيع.
خامسها: لا يختص هذا الحكم بالمفلس، بل كل مديون ممتنع يبيع القاضي عليه، وقد ذكره "الحاوي" معه فقال [ص 308]: (ومال المديون الممتنع)، وكذا ذكره "التنبيه" 49، لكن غير المفلس لا يتعين فيه البيع، بل القاضي مخير بينه وبين إكراهه على البيع، كما في "الروضة" عن الأصحاب 50، ولذلك اقتصر "المنهاج" على المفلس؛ لتعين ذلك فيه، قال السبكي: والذي يظهر أن تخييره إنما هو عند طلب المدعي الحق من غير تعيين طريق، فإن عينه .. تعين على القاضي، وعزي ذلك للقفال الكبير، وفيه نظر؛ فحق المدعي في خلاص حقه لا في تعيين طريق بعينها، فينبغي أن تكون الخيرة في ذلك للحاكم ولو عين المدعي طريقًا كما هو مقتضي إطلاقهم 51.
سادسها: استثني العبادي مما يباع: كتب العلم للعالم، وفيه نظر.
2152 - قول "المنهاج" [ص 251]: (وَقَسْمِهِ بين الغرماء) أي: بنسبة ديونهم، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 52، لكن المكاتب إذا حُجر عليه وعليه نجومٌ وأرشُ جنايةٍ ودينُ معاملةٍ .. فالأصح: تقديم دين المعاملة ثم الأرش ثم النجوم، وقد تقدم أنه لا حجر بنجوم الكتابة، وهذا بخلاف المديون إذا كان غير محجور عليه .. فيقسم كيف شاء، هذا هو المنقول، وقال السبكي:
الحديث: 2152 - الجزء: 2 - الصفحة: 12
وهو ظاهر بالنسبة إلى صحة التصرف، ولكن ينبغي إذا استووا وطالبوا وحقهم على الفور .. أن تجب التسوية 53.
2153 - قول "المنهاج" [ص 251]: (ويُقَدِّم ما يُخاف فساده) أحسن من قول "التنبيه" [ص 101]: (ما يسرع إليه الفساد) فقد يتهيأ بيع الحيوان قبل فساد ما يتسارع فساده .. فيقدم.
2154 - قولهما: (ثم الحيوان) 54 محله: إذا لم يكن في ماله ما تعلق الحق بعينه؛ كمرهون وجان ومال قراض، فإن كان .. قُدِّم بيعه بعد ما يُخشي فساده؛ فإن فضل منه شيء .. قسم، أو بقي للمرتهن أو المقارض شيء .. ضارب به، قال السبكي: والأحسن: تقديم ما تعلق به حق، ثم ما لم يتعلق به، ويقدم منهما ما يخاف فساده 55.
2155 - قول "التنبيه" [ص 101]: (ثم بالعقار) يرد عليه سائر المنقول، فيقدم بيعه على العقار، وقد ذكره "المنهاج" 56، قالوا: وتُقدّم الثياب على النحاس ونحوه، والبناء على الأراضي.
2156 - قول "الحاوي" [ص 308]: (بحضوره) أهمل حضور غرمائه أيضًا، وقد ذكره "التنبيه" و"المنهاج" 57، وفي معنى حضوره: حضور وكيله، وقد ذكره "التنبيه" 58، وهو مستحب.
2157 - قولهما: (كل شيء في سوقه) 59 مستحب أيضًا، ومحله كما قال الماوردي: إذا لم تكثر مؤنة نقله، وإلا .. استدعي أهل السوق إليه إن رآه مصلحة 60.
2158 - قول "المنهاج" [ص 251]: (بثمن مثله، حالًا، من نقد البلد) أي: وجوبًا، وعبارته توهم التسوية بين ذلك وبين البيع بحضوره كل شيء في سوقه، وليس كذلك؛ فالأولان مستحبان كما تقدم، وهذا واجب، لكن لو رأي الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوقهم - أي: بنوعه - أو رضي المفلس والغرماء بغير نقد البلد أو بمؤجل .. جاز.
2159 - قوله: (فيما إذا كان الدين غير جنس النقد ورضي به الغريم .. جاز صرف النقد إليه إلا
الحديث: 2153 - الجزء: 2 - الصفحة: 13
في السلم) 61 في معناه: المنفعة في إجارة الذمة على الأصح، وذلك لامتناع الاعتياض عنه.
وأورد شيخنا ابن النقيب عليه: النجوم؛ فليس للسيد الاعتياض عنها في الأصح 62، ولا ترد؛ لأن النجوم لا يحجر لأجلها، فليمست مرادة هنا، والله أعلم.
2160 - قوله: (ولا يسلم مبيعًا قبل قبض ثمنه) 63 يفهم أنه لو فعل ذلك .. ضمن؛ للمخالفة، وبه صرح في "الروضة" 64.
وقال السبكي: هذا في الولي والوكيل والوصي والعدل، أما الحاكم: فلم أر تصريحًا به، قال: وينبغي إن اعتقده باجتهادٍ أو تقليد صحيح .. لا يضمن، وإن فعله جهلًا أو معتقدًا تحريمه .. ضمن وانعزل.
انتهى.
وفي قول السبكي: (لم أر تصريحًا بالحاكم) نظر؛ لأن كلام "الروضة" هنا إنما هو في الحاكم، وقد صرح بذلك شيخنا في "المهمات" فقال: قوله: (ثم لو خالف) يعني: الحاكم، وكنت سمعت شيخنا الإمام البلقيني سُئل عن تسليم أمين الحكم المبيع على اليتيم قبل قبض ثمنه؟ وأفتي فيه بعدم الضمان، وهما من وادٍ واحد.
2161 - قول "التنبيه" [ص 101] و "الحاوي" [ص 308]: (وقسم بين الغرماء) قد يفهم أنه لا يقسم بينهم إلا بعد بيع الجميع، وفي "المنهاج" [ص 252]: (وما قبض .. قسمه بين الغرماء إلا أن يَعْسُرَ لقلته فيؤخر ليجتمع)، وهذا هو المعتمد، ومع ذلك ففيه شيئان:
أحدهما: أن ذلك على طريق الاستحباب دون الوجوب، فلو طلبوا قسمة ما يعسر .. قال الإمام والعراقيون: يجيبهم 65، واختاره السبكي، وقال الرافعي: الظاهر: خلافه 66.
ثانيهما: محل التأخير فيما عسرت قسمته لقلته: ما إذا كان لجماعة، فإن كان الغريم واحدًا .. سلمه إليه أولًا فأولًا، ذكره في "الكفاية"، وهو مفهوم من لفظ (القسمة) إذ لا قسمة على شخص واحد.
2162 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ولو خرج شيءٌ باعه قبل الحجر مستحقًا والثمن تالف .. فكدينٍ ظهر) ينبغي أن يقول: (فدين ظهر)، ولا معنى لهذه الكاف؛ بل هي زائدة.
الحديث: 2160 - الجزء: 2 - الصفحة: 14
2163 - قوله: (ويُنفق على من عليه نفقته) 67 يتناول نفسه؛ فهي مقدمة في النفقة على كل أحد، فقول "التنبيه" [ص 101]: (أنفق عليه وعلى عياله) زيادة إيضاح، والمراد بعياله: من عليه نفقته، وزاد ذلك "الحاوي" إيضاحًا بقوله [ص 308]: (ويُنفق عليه وعلى من عليه مؤنته من الزوجة والقريب، ويكسوهم بالمعروف).
واعلم: أنه يدخل في الأقارب ولدٌ تجدد بعد الحجر، ولا يدخل في الزوجاتِ زوجةٌ نكحها بعده، قاله الرافعي في (النكاح) 68، وهل ينفق على الزوجة كمعسر أم كموسر؟ رجح النووي وابن الرفعة تبعًا للإمام: الأول، والرافعي تبعًا للروياني: الثاني؛ بعلة: أنه لو أنفق كمعسر .. لما أنفق على الأقارب 69.
قال السبكي: وهو عَجَبٌ؛ لأنهم ذكروا في اليسار المعتبر في نفقة الزوجة غير المعتبر في نفقة القريب، فلا يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني.
وبقي ممن عليه مؤنته: أمهات أولاده، فلو لم يفصّل "الحاوي" واقتصر على الإجمال .. لكان أولي؛ لكونه فاته بعض التفصيل كما علمت.
قال الإمام: وإذا لم يكن سوي المرهون .. لا ينفق عليه وعلى عياله منه 70.
قال ابن الرفعة: وغير المرهون مما تعلق به حق؛ كالمبيع الذي لم يقبض ثمنه والجاني .. لم أر فيه نقلًا، والقياس: أنه كالمرهون.
2164 - قول "المنهاج" [ص 252]: (حتى يُقَسِّم ماله) عبر "الحاوي" عنه بقوله [ص 308]: (إلى الفراغ من بيع ماله) و"التنبيه" بقوله [ص 101]: (إلى أن ينفك الحجر) والأمور الثلاثة متلازمة، فإذا فرغ من بيع ماله .. قسم وفك حينئذ الحجر، فالمراد بالعبارات المختلفة شيء واحد.
2165 - قول "المنهاج" [ص 252]: (إلا أن يَسْتَغْنِيَ بكسب) أحسن من قول "التنبيه" [ص 101] و"الحاوي" [ص 308]: (إن لم يكن له كسبٌ) فإنه قد يكون له كسب ولا يستغني به؛ لكونه لم يجد من يستعمله، فلو وجد، فلم يعمل تقصيرًا .. فمقتضي عبارة "المنهاج": الإنفاق من ماله أيضًا؛ لصدق عدم الاستغناء بالكسب عند فوات العمل، واختاره شيخنا الإسنوي، وهو مقتضي كلام ابن الرفعة في "المطلب"، وإطلاق "التتمة" يقتضي أنه لا ينفق من ماله، واختاره السبكي.
الحديث: 2163 - الجزء: 2 - الصفحة: 15
قال شيخنا ابن النقيب: ولو فُصّل بين أن يتكرر ذلك منه ثلاث مرات فأكثر، وبين أن يوجد منه مرة أو مرتين .. لم يبعد.
انتهى 71.
ولا بد من تقييد الكسب بكونه لائقًا به.
2166 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ويباع مسكنه وخادمه) مفهوم من إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" بيع ماله 72، وقوله: (على الأصح) 73 ينبغي أن يقول: (على النص) فإنه منصوص، ومقابله مخرج من الكفارة، قال السبكي: اضطرب حكم السكن والخادم؛ ففي الفلس: يباعان في الأصح، وفي الكفارة: إن كانا لائقين به لزَمَانةِ أو منصبٍ .. بُقِّيا، وإلا .. فلا في الأصح، ويباع النفيسان إن لم يُؤْلَفَا، وفي الفطرة ونكاح الأمة: يُبقيان في الأصح، وفي زكاة المال: لا يسلبان اسم الفقر، وفي الحج: يبقيان لزمانةٍ أو منصبٍ، ويبدّل النفيسان، ونفقة القريب والزوجة وسراية العتق كالدين، وفي العاقلة: يبقيان، وفي ستر العورة: يبقيان وفاقًا لابن كج وخلافًا لابن القطان.
2167 - قول "المنهاج" [ص 252]: (ويُترك له) أي: لمن عليه نفقته من نفسه وعياله.
2168 - قولهْ (دَسْتُ ثوبٍ يليق به) 74 أي: في حال إفلاسه دون يُسْرته، قاله الإمام 75، ولو كان يلبس دون ما يليق به .. لم يرده عليه، والمراد: أنه إن كان ذلك في ماله، وإلا .. اشْتُري له، وعبارة "الحاوي" [ص 308]: (وترك دست ثوب لائق)، وفصّل ذلك "المنهاج" بقوله [ص 252]: (وهو: قميصٌ وسراويل وعمامةٌ ومكعبٌ، ويُزاد في الشتاء جُبَّة) وفيه أمور:
أحدها: أن الرافعي ذكر بدل العمامة: المنديل، ومراده: العمامة، وأهل تلك البلاد يسمون العمامة منديلًا، فعبر عنه النووي بالعبارة المشهورة فيه 76.
ثانيها: زاد في "الروضة" مع المكعب: نعلًا 77، وليس ذلك في "المحرر" و"الشرح"، والظاهر: أنهما شيء واحد.
ثالثها: بقي من التفصيل: أنه يترك له درَّاعة فوق القميص وطيلسان وخف إن كان ذلك لائقًا به، وللإمام في الخف والطيلسان احتمال 78.
الحديث: 2166 - الجزء: 2 - الصفحة: 16
رابعها: هذا في الرجل، أما المفلسة أو زوجة المفلس أو قريبته: فتزاد المقنعة 79 وغيرها مما يليق بها.
2169 - قول "المنهاج" [ص 252]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 308]: (ويُترك قوت يوم القسمة) أي: وليلته، كما صرح به البغوي، وحكاه عنه النووي، وارتضاه 80، زاد "الحاوي": سكني يوم القسمة أيضًا 81، وقد ذكره الغزالي 82، قال في "الروضة" وأصلها: فاستمر على قياس النفقة، لكن لم يتعرض له غيره 83.
قلت: وجزم به الرافعي في (العتق) عند الكلام على السراية، فقال: يصرف في السراية كل ما يباع ويصرف في الدين، وذكر أنه يبقي له سكني يوم 84.
2170 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب) يستثني منه: ما إذا لزمه الدين بسبب هو عاص به .. فيجب عليه الكسب لوفائه، حكاه ابن الصلاح في "فوائد الرحلة" عن محمد بن الفضل الفُراوي.
2171 - قوله: (والأصح: وجوب إجارة أم ولده وأرض موقوفة عليه) 85 أحسن من قول "الحاوي" [ص 308]: (ويُؤجرُ موقوفه ومستولدته) لأمرين:
أحدهما: تصريحه بوجوب الإجارة، ولا يؤخذ ذلك من "الحاوي" فعبارته تصدق بالجواز.
ثانيهما: أن عبارته توهم أن المراد: ما وقفه هو، وإنما المراد: ما وقف عليه، والإضافة في عبارته؛ لكونه وقف عليه لا لكونه وقفه، وهو خلاف المتبادر إلى الفهم، وليس في عبارتهما بيان مدة الإجارة، والمنقول: أنه يؤجر مرة بعد مرة إلى فناء الدين.
قال الرافعي: وقضيته دوام الحجر إلى فناء الدين، وهو كالمستبعد 86.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ليس هذا مقتضاه، وإنما مقتضاه أحد أمرين؛ إما أن يفك الحجر بالكلية، وإما أن يفك بالنسبة إلى غير الموقوف والمستولدة، ويبقي فيهما كما ذكر الرافعي والنووي تظير ذلك فيما إذا اشتري بثمن مؤجل، وقلنا: لا يباع.
انتهى.
الحديث: 2169 - الجزء: 2 - الصفحة: 17
ونبه شيخنا الإسنوي على أن تصريحهم بالإيجار إلى فناء الدين صريح في أن ملك المنفعة لا يمنع الحجر وإن كان ماله معها زائدًا على الدين 87.
واعلم: أن اقتصار "التنبيه" على بيع ماله يفهم أنه لا يؤجر أم ولده والوقف عليه، ورجحه الإمام 88، والأصح: خلافه، ثم إنه لا اختصاص لهذه الأحكام بالمحجور عليه، بل هي في كل مديون.
2172 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وإذا ادعي أنه معسرٌ أو قَسَمَ ماله بين غرمائه وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروا؛ فإن لزمه الدين في معاملة مالٍ كشراءٍ أو قرضٍ .. فعليه البينة، وإلا .. فَيُصَدَّق بيمينه في الأصح) فيه أمور:
أحدها: أنه قد يدخل في المعاملة الإجارة، وليست منقولة، وقال شيخنا الإمام البلقيني: الظاهر: أن الأجرة إن لزمت بسبب السكن .. فهي كالصداق، وإن حصل عقد إجارة .. فيحتمل أن يكون كذلك، ويحتمل أن يقال: لا يقبل قوله؛ لحصول اليسار بملك المنفعة، ويرجح الأول؛ بأن اليسار إنما يحصل بسبب أن يؤجر بأجرة، ومن يدعي ذلك يحتاج إلى البينة.
ثانيها: اقتصر "التنبيه" و "الحاوي" على الصورة الأولى، وهي: دعوي الإعسار، وفي الثانية إشكال؛ إذ الفرض أنه قد وجد مال وقسم .. فكيف يحتاج إلى بينة على الإعسار أو على هلاك مال المعاملة؟ ولعل المال الذي قسم هو مال المعاملة، فينبغي ألَّا يحتاج إلى البينة إلا عند نقص المال الموجود عن مال المعاملة.
ثالثها: لا يتقيد الاحتياج إلى البينة بأن يلزم الدين في معاملة، بل لو لزم في غير معاملة وعرف له مال قبل ذلك .. احتاج إلى البينة أيضًا؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 101]: (فإن كان قد عُرف له مال)، و"الحاوي" بقوله [ص 308]: (إن لم بُعهد ماله).
رابعها: قوله: (فعليه البينة) لم يفصح عما تقام عليه البينة، والمتبادر إلى الفهم منه أن المراد: البينة بالإعسار في الصورة الأولى، وبأنه لا يملك غيره في الثانية، وكذا صرح "التنبيه" و"الحاوي" بأن المعتبر: إقامة البينة على الإعسار 89، وفي معناها: بينة تلف المال؛ فهي تغني عن بينة الإعسار، بل هي آكد؛ فإنه لا يحلف معها على أنه لا يملك غيره بلا خلاف، كما صرح به الجرجاني في "المعاياة" وعلله: بأن فيه تكذيب البينة؛ ولهذا قال في "الكفاية": إن هذه الصورة مفهومة من طريق الأولى، قال النشائي في "نكته": وفيه انظر؛ فإن بينة الإعسار
الحديث: 2172 - الجزء: 2 - الصفحة: 18
أبلغ، وإن كان يحتمل أن مستندها تلفه 90.
2173 - قول "المنهاج" [ص 252]: (وشرط شاهده: خبرة باطنه) مراده: الجنس؛ فإنه يشترط شاهدان، فلو قال: (شاهديه) كما في "التنبيه" 91 .. لكان أحسن، ثم إنه إنما تشترط الخبرة الباطنة في الشاهد بالإعسار، أما الشاهد بتلف المال: فلا تشترط فيه الخبرة الباطنة، وفي "الكفاية": لا فرق في ذلك على ما حكاه الإمام بين أن تكون البينة معدلة أو لا.
قال السبكي: وهو غلط على الإمام لو استطعت .. لكشطته من "الكفاية"، بل لا بد من بينة عادلة جزمًا، ولم يذكر الإمام غيره 92، وإذا كان يحبس ابتداء في الدين بشاهدين لم يعدلا على الأصح مدةً يظهر للقاضي الجرح والتعديل احتياطا للحق وإن لم يثبت .. فلأن يستدام مع ثبوت الدين قبل ثبوت الإعسار أولي.
2174 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فإن قال: حلفوه أنه لا مال له في الباطن .. حلف في أحد القولين)، هو الأصح، وعليه مشي "الحاوي" فقال [ص 308]: (وحَلَّفه إن طُلِبَ) وتقدم عن الجرجاني: أنه إنما يحلف من لم يقم بينة على تلف ماله، فإن أقامها عليه .. لم يحلف بلا خلاف؛ لأن فيه تكذيب البينة.
2175 - قول "المنهاج" [ص 252، 253]: (وليقل: هو معسرٌ، ولا يُمحّض النفي) لابد أن يقول مع ذلك: (لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه) كما هو في "الروضة" وأصلها 93، وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذه الصفة ليست صحيحة؛ لأمور:
منها: أن ملك قوت يومه قد يصير به موسرًا إذا كان مستغنيًا عنه بالكسب الذي يصرفه لجهات المؤنة من نفقة نفسه وغيره، فلا يكتفي بالاستثناء مع الإبهام.
ومنها: أن ثياب بدنه قد تكون لائقة به وقد تكون زائدة على ما يليق به، والذي يترك له إنما هو الذي يليق به؛ فاستثناء ذلك على طريق الإبهام لا يكفي، ثم اللبد والحصير القليل القيمة يترك أيضًا، وليس من ثياب البدن.
ومنها: أنه قد يكون مالكًا لغير ذلك وهو معسر؛ بأن يكون له مال غائب مسافة القصر فما فوقها، فيصدق عليه أنه معسر؛ بدليل: أن الزوجة تفسخ، وتُعطي من الزكاة، كما ذكر في سهم ابن السبيل، ومع ذلك لا يصدق أنه لا يملك غير قوت يومه وثياب بدنه؛ إذ هو مالك لغيرهما،
الحديث: 2173 - الجزء: 2 - الصفحة: 19
لكن لا على وجه يصير به موسرًا في هذه الحالة.
ومنها: لو كان له دين مؤجل على شخص .. فهو مال؛ بدليل: أنه يحنث على الأصح فيما إذا حلف لا مال له وله دين مؤجل، ومع ذلك فلا يصير به موسرًا حتى لا يجب عليه الحج بسبب الدين المؤجل وقت الخروج، وللزوجة أن تفسخ إلا أن يكون الأجل قريبًا، وذكر النووي تبعًا لأصله في (النفقات): أنه ينبغي أن يضبط القرب بمدة إحضار المال الغائب فيما دون مسافة القصر 94، ومثل هذا قد يتخيل هنا، وقد يفرق، ومثل الدين المؤجل الدين على معسير أو جاحد ولا قدرة له على إثباته .. فهو مال، ولا يصير به موسرًا، والمستولدة مال، ولا يصير برقبتها موسرًا، فإذا كانت زَمِنة .. فلا منافع، ولا يصير بها موسرًا، والعبد الآبق الذي لا يصل إليه، ونحو ذلك كثير، فهذه الصفة ضيقت وأوقعت في محذور، فالذي يعتبر في ذلك - والله أعلم - أن يقول: (أشهد أنه معسر عاجز العجز الشرعي عن وفاء شيء من هذا الدين، أو أشهد أنه معسر لا مال له يجب وفاء شيء من هذا الدين منه)، فإن لم يكن هناك دين، بل المراد: ثبوت الإعسار من غير نظر إلى خصوص دين .. فيقول: (أشهد أنه معسر الإعسار الذي تحرم معه المطالبة بشيء من الدين).
انتهى كلام شيخنا رحمه الله 95.
وقال في "المهمات": ينبغي أن يضيف إلى هذا: ما يصرفه لسكني اليوم؛ فإنه مستثنى أيضًا، قال: وإذا كان مالكًا لما لا يتأتي صرفه إلى الدين؛ كالمغصوب والغائب .. فوجوده كعدمه؛ ولهذا جاز له أخذ الزكاة، فتسمع إقامة بينة الإعسار، ولا يتأتي إقامتها بالصيغة المذكورة هنا؛ لأنه مالك، بل يتعين التعبير بالقدرة أو الوصول ونحوهما، بل الغالب أن الشخص لا يعيش طول عمره من غير ظلامة تتعلق به، فينبغي التعبير بما قلناه.
انتهى.
2176 - قول "التنبيه" [ص 101]: (فيمن عرف له مال .. حبس) فيه أمور:
أحدها: أنه يتناول الوالد لدين ولده، وهو داخل أيضًا في عموم مفهوم قول "المنهاج" [ص 253]: (وإذا ثبت إعساره .. لم يجز حبسه)، وبه صرح "الحاوي" فقال [ص 308]: (ولو لولده)، وهو الذي صححه الغزالي 96، لكن الأصح في "التهذيب" وغيره: خلافه، كما في "الروضة" و"الشرحين" هنا 97، وأطلق في "الروضة" في (الشهادات) تصحيحه 98، وحكاه الإمام عن المعظم 99.
الحديث: 2176 - الجزء: 2 - الصفحة: 20
ثانيها: ظاهر قول "التنبيه" [ص 101]: (حبس إلى أن يقيم البينة على إعساره) أنه لا فرق في ذلك بين الغريب وغيره، لكن في "المنهاج" و"الحاوي": (إن الغريب العاجز عن بينة الإعسار .. يوكل القاضي به من يبحث عن حاله، فإذا غلب على ظنه إعساره .. شهد به) 100، فإن كان مرادهما: فعل ذلك معه وهو في الحبس - وهو الذي تقتضيه عبارة "الروضة" وأصلها - .. فلا فرق حينئذ بين الغريب وغيره، وكلام "التنبيه" على إطلاقه، وإن كان المراد: فعل ذلك معه قبل الحبس .. فيستثنى ذلك من عبارة "التنبيه"، والله أعلم.
ثالثها: يستثنى من الحبس: من وقعت الإجارة على عينه .. فيقدم حق المستأجر كما ذكره الغزالي في "فتاويه"، كما يقدم حق المرتهن لا سيما والعمل مقصود بالاستحقاق، والحبس لايستحق في نفسه، وإنما يتوصل به إلى غيره 101، وهذ إن صح وارد على "المنهاج" و"الحاوي" أيضًا، قال السبكي في "شرح المهذب": وهو غريب لم أره لغيره، ولكنه فقه جيد، وعلى قياسه لو استعدي على من وقعت الإجارة على عينه، وكان حضوره لمجلس الحكم يُعطل حق المستأجر .. ينبغي ألَّا يحضر، ولا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضار المرأة البرزة 102 وإن كانت ذات زوج وحبسها؛ لأن للإجارة أمدًا ينتظر 103.
رابعها: يستثني من كلامهم أيضًا: نجوم الكتابة، فلا حبس بها، كما ذكره الرافعي في آخر (أدب القضاء) 104، وهو واضح.
خامسها: قال الأصحاب: إن لم ينزجر بالحبس .. زاد في تعزيره بما يراه من الضرب وغيره 105، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 309]: (وضرب بالعناد)، وفي "أدب القضاء" لشريح الروياني وجهان في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا صبورًا على الحبس.
2177 - قول "الحاوي" [ص 308]: (وينفك بالقاضي) صحح القاضي حسين: أنه ينفك بنفسه، ورجحه شيخنا الإمام البلقيني أيضًا فقال: إنه الصواب، قال: ويوافقه نصه في "الأم" حيث قال: وليس بمحجور عليه بعد الحجر الأول وبيع المال؛ لأنه لم يحجر عليه لسفهٍ، إنما حجر في وقتٍ لبيع ماله، فإذا مضى .. فهو على غير الحجر.
انتهى 106.
الحديث: 2177 - الجزء: 2 - الصفحة: 21
وهو مفهوم من سكوت "التنبيه" و"المنهاج" عنه، واقتصارهما على البيع والقسمة.
فَصْلٌ [في رجوع نحو بائع المفلس عليه بما باعه له قبل الحجر ولم يقبض عوضه]
2178 - قول "المنهاج" [ص 253]: (من باع ولم بقبض الثمن حتى حُجر على المشتري بالفلس .. فله فسخ البيع واسترداد المبيع) فيه أمور:
أحدها: أن قوله: (ولم يقبض الثمن) أي: جميعه، وذلك صادق بألَّا يقبض منه شيئًا وبأن يقبض بعضه .. فله الفسخ أيضًا على الجديد كما ذكره بعد ذلك 107، لكن في البعض فقط بالنسبة، وينبّهُ على مثل ذلك في قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن كان فيهم من له عين مال باعها منه .. فهو بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء، وبين أن يفسخ البيع ويرجع فيها) فإنه وإن لم يصرح بأنه لم يقبض الثمن، لكن ذكره البائع مع الغرماء يقتضي أن له دينًا، وذلك صادق بجميع الثمن وببعضه، إلا أن قوله: (ويرجع فيها) وقول "المنهاج": (واسترداد المبيع) يقتضي أنه لم يقبض شيئًا من الثمن، وقد صرح "الحاوي" بمسألة قبض البعض بقوله [ص 309]: (بحصة غير مقبوض).
ثانيها: قوله: (حتى حجر) يقتضي اختصاص ذلك بالمبيع قبل الحجر دون ما اشتراه بعده، لكن الأصح فيه: جواز الفسخ أيضًا مع الجهل بالحال، وقد ذكره "المنهاج" قبل ذلك 108، وصرح به "الحاوي" هنا بقوله [ص 309]: (لا حال الحجر بالعلم)، وهذا وارد على ظاهر كلام "التنبيه" أيضًا؛ لأن قوله: (وإن كان فيهم) أي: في الغرماء المتقدم ذكرهم، وهم الذين حصل الحجر بسؤالهم، فلا يدخل في ذلك غريم تجدد بعد الحجر.
ثالثها: قد يقال: لِمَ لَمْ يقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على الفسخ، وأيّ حاجة إلى ذكر استرداد المبيع؟
وجوابه: ما ذكره السبكي: أن الفسخ وارد على العقد، ويتبعه الاسترداد؛ فلذلك جمع بينهما، وفي الرد بالعيب يعتمد المردود.
ويختص "التنبيه" بإيرادات:
أحدها: أن للفسخ شروطًا لم يتعرض منها لسوى واحد، منها: كون الثمن حالًّا، ومنها: كون المبيع باقيًا في ملك المشتري، وقد ذكرهما "المنهاج"، واقتصر "الحاوي" على الأول 109،
الحديث: 2178 - الجزء: 2 - الصفحة: 22
والجواب عن الثاني: أنه مفهوم من اشتراط عدم تعلق حق لازم به؛ لأنه إذا امتنع الرجوع لتعلق حق مع كونه في ملكه .. فأولي إذا خرج عن ملكه، ومنها: أن يكون الراجع من أهل تملكها، وسنتكلم عليه.
ثانيها: أنه خص ذلك بالبيع مع أن له الرجوع في سائر المعاوضات، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 110، وسنتكلم عليه.
ثالثها: ظاهر كلامه: أن هذا الخيار على التراخي، والأصح: أنه على الفور، وقد ذكره "المنهاج" و "الحاوي" 111.
2179 - قول "الحاوي" [ص 309]: (بفسختُ البيع ونقضته ورفعته) فيه أمران:
أحدهما: أنه لو عبّر بـ (أو) كما في "الروضة" 112 .. لكان أولي من الواو.
ثانيهما: أنه لا تنحصر صيغة الفسخ فيما ذكره، فلو قال: (رددت الثمن أو فسخت البيع فيه) .. حصل الفسخ على الأصح، فـ (فسخت البيع فقط) كاف قطعًا، وبزيادة: (في الثمن) مختلف فيه.
2180 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وله الرجوع في سائر المعاوضات) لا بد من تقييد المعاوضة بكونها محضة، كما في "الحاوي" 113، فلا يثبت للزوج إذا خالع استرداد البضع، ولا للمصالح عن دم العمد استيفاء النفس.
واعلم: أن من المعاوضة المحضة الإجارة، وقال في "المهمات": الإجارات المعتادة الآن - وهي التي يستحق فيها أجرة كل شهر عند انقضائه - لا فسخ فيها؛ لأن الفسخ من شرطه: أن يكون العوض حالًّا والمعوض باقيًا، فلا يتأتي الفسخ قبل الشهر؛ لعدم المطالبة بالأجرة، ولا بعده؛ لأن منفعته قد فاتت، فهي كالمبيع يتلف، وهكذا العمل في كل شهر، وحينئذ .. فلا يتصور فيها الفسخ، وإنما يتصور إذا كانت الأجرة كلها حالة، نبه عليه مع وضوحه ابن الصلاح في "فتاويه" 114.
قلت: يتصور مع كون الأجرة ليست كلها حالة؛ بأن تكون مقسطة، لكن لم يجعل كل قسط في مقابلة جزءٍ من المدة، بل جعلت أجرة السنة مثلًا على قسطين؛ أحدهما بعد مضي ستة أشهر والآخر سلخ السنة، ولم يجعل القسط الأول في مقابلة الأشهر الستة الأولى، ولا الثاني في مقابلة
الحديث: 2179 - الجزء: 2 - الصفحة: 23
الثانية، فإذا حجر على المستأجر بعد حلول القسط الأول وقد بقي من المدة ستة أشهر .. فله أن يفسخ منها بقدر ما يقابل الحال - وهو نصفها - وليس له الفسخ في جميعها؛ لأن الأجرة التي حلت والتي لم تحل كلاهما في مقابلة ما مضي وما بقي، فلا يمكن الفسخ فيما بقي مما تقابله الأجرة التي لم تحل إلى الآن، وإنما يفسخ فيما يقابل الحال خاصة، والله أعلم 115.
2181 - وقول "المنهاج" [ص 253]: (كالبيع)، قال السبكي: نبه به على أنه بالقياس لا بالنص، وعلى أن الأحكام التي ذكرها في البيع تجري فيها، وذلك زيادة على مقتضى ما في "المحرر" فإنه قال: (ولا يختص الرجوع بالمبيع، بل يثبت في سائر المعاوضات) 116، وقال غيره: قوله: (كالبيع) أي: بما شرطناه من كونه سابقًا على الحجر، وبما سيأتي من الشروط أيضًا 117.
2182 - قوله: (وله شروط؛ منها: كون الثمن حالًا) 118 قد يفهم اعتبار حلوله من الأصل، وليس كذلك، بل لو كان مؤجلًا فحل قبل الحجر .. رجع فيه في الأصح، وكذا لو حل بعده على الأصح في "الشرح الصغير" ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 309]: (حل ولو بعده).
2183 - قول "المنهاج" [ص 253] و"الحاوي" [ص 309]: (وأن يتعذر حصوله بالإفلاس) خرج به تعذره بانقطاع جنسه .. فلا فسخ إن جوزنا الاستبدال عن الثمن، وإلا .. ففيه الخلاف في انقطاع المسلم فيه، كذا في "الروضة" وأصلها 119، وقال في "المهمات": منع الفسخ مشكل لا يوافق القواعد؛ فإن المعقود عليه إذا فات .. جاز الفسخ؛ لفوات المقصود منه، وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع 120، وإذا جاز الفسخ لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه .. فبطريق الأولى عند فوات الجنس، قال: ومنقول الأصحاب في هذه المسألة لا يوافق المذكور في الرافعي، ثم أوضح ذلك.
2184 - قول "المنهاج" [ص 253]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 309]: (ولو قال الغرماء: "لا تفسخ ونُقدّمك بالثمن" .. فله الفسخ) كذا صححه في "الروضة" هنا 121، لكنه جزم بمقابله في آخر فرع في الباب 122.
الحديث: 2181 - الجزء: 2 - الصفحة: 24
2185 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وكون المبيع باقيًا في ملك المشتري) فيه أمران:
أحدهما: أن المتبادر إلى الفهم منه أن يكون لم يخرج عن ملكه أصلًا، فلو زال ملكه عنه ثم عاد إليه قبل الحجر .. لم يكن له الرجوع، وهو الذي صححه النووي في "الروضة" كما هو المصحح في الهبة للولد 123، لكن الذي صححه الرافعي في "الشرح الصغير": الرجوع، وهو مقتضي كلامه في "الكبير" فإنه شبهه بمثله في الرد بالعيب 124، والمصحح في تلك: جواز الرد، ومقتضاه هنا: جواز الرجوع، والمصحح في "المنهاج" في نظيره من الصداق: جواز الرجوع 125، وعلى ذلك مشي "الحاوي" فقال [ص 309، 310]: (إن كان في ملكه ولو بالعود).
ثانيهما: يستثني من اعتبار هذا الشرط مسائل:
منها: ما لو باعه وحجر عليه في زمن الخيار .. فإنه يجوز الرجوع، ولو قلنا: بزوال ملكه كما يجوز للمفلس، قاله الماوردي 126، قال شيخنا الإمام البلقيني: ويلزم عليه ما إذا باعه المشتري لآخر بثمن ثم أفلسا وحجر عليهما .. أن للبائع الأول الرجوع، ولا بُعْدَ في التزامه 127.
ومنها: لو أقرض المشتري العين المشتراة لشخص وأقبضه إياها .. فللبائع استرجاعها من يد المقترض، كما كان للمشتري بعد قرضه وإقباضه، ذكره الماوردي أيضًا 128.
ومنها: لو وهب المشتري العين المشتراة لولده وأقبضه إياها، ثم أفلس .. فللبائع استرجاعها من يد الولد، كما لوالده استرجاعها منه، ذكره شيخنا الإمام البلقيني تخريجًا على الفرع المتقدم، قال: ويدل على صحة هذا: أنه لو وهب لأجنبي ولم يقبضه .. كان للبائع الرجوع، صرح به الماوردي 129.
قلت: في هذه الصورة لم يملك الموهوب له تلك العين، ولم يخرج عن ملك المشتري بحال، والله أعلم.
2186 - قول "المنهاج" [ص 253]: (فلو فات أو كاتب العبد .. فلا رجوع) وكذا لو كاتب
الحديث: 2185 - الجزء: 2 - الصفحة: 25
الأمة أو بعضهما، وكذا الاستيلاد كما في "الروضة" وأصلها (1)، ووقع في "فتاوي النووي": أنه يرجع (2)، وهو غلط من الناقل عنه؛ فإنه ذكر في "تصحيحه": أنه لا خلاف في عدم الرجوع في الاستيلاد (3). 2187 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولا يمنع التزويج) (4) قال شيخنا الإسنوي: لا حاجة لهذه المسألة؛ لأنه عيب في العبد والأمة، وهو مذكور بعده.
تنْبِيهٌ [بقية شروط الرجوع]
بقي للرجوع شروط أهملها "المنهاج":
أحدها: ألَّا يتعلق به حق لازم لثالث؛ كشفعة ورهن وجناية، وقد ذكره "التنبيه" و"الحاوي" 134، ولكن لا بد من تقييد الرهن بكونه مقبوضًا، فله الرجوع قبل القبض، كما صرح به الماوردي 135، وإذا زال التعلق .. جاز الرجوع.
ثانيها: أن يكون الراجع من أهل تملكها، فلو كان مُحْرِمًا والمبيع صيد .. فالأصح: المنع، قال شيخنا الإمام البلقيني: فلو حل من إحرامه .. فقياس الفقه: أن يرجع.
قلت: لا شك فيه ما لم يُبَعْ لحق الغرماء، وعبارة النووي في "تصحيحه": "لم يرجع ما دام مُحْرِمًا) 136، وهي تقتضي ذلك، ويشكل على هذا الفرع: أن في "الروضة" عن المحاملي: جواز رجوع الكافر فيما إذا كان المبيع عبدًا مسلمًا 137، لكن منع مجلي الرجوع هنا كالمسألة المتقدمة، وهو الحق، ورأي ابن الرفعة تخريجه على الرد بالعيب، وهذا وارد أيضًا على "التنبيه" و"الحاوي".
ثالثها: ألَّا يضمن المشتري بالثمن ضامن، فإن ضمنه به ضامن بإذنه .. فلا فسخ، أو بغير إذنه .. فوجهان، وقد لا يرد هذا على "المنهاج" و"الحاوي" لاعتبارهما تعذره بالإفلاس،130131132133
الحديث: 2187 - الجزء: 2 - الصفحة: 26
وهذا لم يتعذر؛ لحصوله من جهة الضامن، وهو وارد على "التنبيه" قطعًا، ولو مات المفلس وقال وارثه: أؤدي من مالي .. ففيه وجهان، الذي في "التتمة" منهما: منع الرجوع، فإن ترجح ما في "التتمة" .. فهذا شرط لم يتعرضوا له، وهو: عدم أداء الوارث من ماله فيما إذا مات المشتري مفلسًا.
2188 - قول "المنهاج" [ص 253]: (وجناية المشتري كآفةٍ في الأصح) كان ينبغي أن يقول: (على الأظهر) أو (المذهب) فإن في "الروضة" طريقين: أصحهما عند الإمام: أنه كالأجنبي، وقطع البغوي وغيره بأنه كجناية البائع على المبيع قبل القبض، ففي قول: كالأجنبي، وعلى الأظهر: كالآفة، قال النووي: المذهب: كالآفة.
انتهى 138.
فإن اقتصر على طريقة البغوي .. عبر بـ (الأظهر)، أو أراد حكاية الطريقين .. عبر بـ (المذهب).
2189 - قوله - والعبارة له - و"الحاوي": (ولو تلف أحد العبدين ثم أفلس .. أخذ الباقي وضارب بحصة التالف) 139 يفهم أنه ليس له الفسخ في البعض مع بقاء الجميع، وليس كذلك، بل له ذلك كرجوع الأب في البعض، ولا يبالي بتفريق الصفقة هنا؛ لأن مال المفلس لا يُقتنى، بل يباع كله.
2190 - قول "المنهاج" في تمثيل الزيادة المتصلة التي يفوز بها البائع [ص 254]: (كالسمن والصنعة) كذا في "الروضة" وأصلها هنا 140، لكن في "الروضة" وأصلها بعد ذلك في الكلام على الضرب الثاني في الصفة: أن تعلّم العبد القرآن والحرفة .. قيل: كالسمن، والأصح: أنها من صور القولين 141، يعني: الآتيين في الطحن والقصارة، وقال شيخنا في "المهمات": إن العمدة عليه.
2191 - قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن زاد زيادة متميزة؛ كالولد والثمرة .. رجع فيها دون الزيادة) قد يفهم جواز التفريق بين الجارية وولدها مع صِغَره بالرجوع بالفلس، وهو وجه حكاه جماعة، ولم يستحضره الرافعي، فقال: لم يحكوه هنا، والأصح: أنه إن بذل البائع قيمته .. أخذه مع أمه، وإلا .. بيعا معًا، واختص بحصة الأم من الثمن 142، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي"، لكن تعبير "المنهاج" بقوله [ص 254]: (وتصرف إليه حصة الأم) أحسن من قول
الحديث: 2188 - الجزء: 2 - الصفحة: 27
"الحاوي" [ص 309]: (وخُصَّ بقيمة الأم)، وقول "المنهاج" [ص 254]: (وقيل: لا رجوع) أي: إن لم يبذل البائع القيمة، فإن بذلها .. أخذه جزمًا، ولا يأتي هذا الوجه 143. 2192 - قول "التنبيه" [ص 102]: "وإن كانت الزيادة طلعًا غير مؤبر .. ففيه قولان، أحدهما: يرجع، والثاني: لا يرجع) أظهرهما: الرجوع، وعليه يدل كلام "المنهاج" و"الحاوي" 144. 2193 - قول "المنهاج" [ص 254]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 309]: (ولو كانت حاملًا عند الرجوع دون البيع أو عكسه .. فالأصح: تعدي الرجوع إلى الولد) عبر في "الروضة" بـ (الأظهر) 145، ومدرك الخلاف البناء على أن الحمل هل يعلم أم لا؟ وحينئذ .. فالتصحيح في المسألة الأولى مشكل، وكذا هو مصحح في "التنبيه"، وقياس تصحيح أن الحمل يعلم: تصحيح عدم الرجوع كما صححوه في نظائره من الرد بالعيب والرهن ورجوع الوالد في الهبة من أن الحمل لا يتبع، لكنهم نظروا هنا إلى أنه زيادة متصلة 146. 2194 - قول "المنهاج" [ص 254]: (واستتار الثمر بكِمَامِهِ وظهوره بالتأبير قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله، وأولي بتعدي الرجوع) أي: فتجيء فيه الأحوال الأربعة المذكورة في الجنين، لكن هنا طريقة جازمة باستقلال الثمرة حتى تكون للبائع قطعًا إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع، وللمشتري قطعًا في عكسه؛ لأنها وإن كانت مستترة .. فهي مشاهدة تفرد بالبيع، وعبر عن ذلك في "الوجيز" بقوله: (وأولي بالاستقلال)، قال الرافعي: أشار به إلى طريقة القطع تارة بالإثبات وتارة بالنفي 147، فقول "المنهاج" تبعا لأصله: (وأولي بتعدي الرجوع) 148 معترض في مسألة العكس؛ فإنها أولى بعدم تعدي الرجوع 149. 2195 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي" فيما لو غرس أو بني: (له أن يرجع ويتملك الغراس والبناء بقيمته، وله أن يقلعه ويغرم أرش نقصه) 150 كذا صححه في "الروضة" 151، وهو نظير تصحيحه في "الروضة" في (العارية) 152، وسيأتي في "المنهاج" في (العارية)
الحديث: 2192 - الجزء: 2 - الصفحة: 28
تصحيح التخيير بين التبقية بأجرة والقلع وضمان أرش النقص 153، وفي "الحاوي" التخيير بين الثلاثة 154، وسنبسط هناك ما وقع في ذلك من الاضطراب في الأبواب إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن عبارة "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" هنا: (له أن يرجع على أن يتملك) بصيغة الشرط 155، فينظر هل بينهما وبين عبارة "المنهاج" و"الحاوي" تفاوت في المعنى أم لا؟
2196 - قول "الحاوي" [ص 310]: (وتُرِكَ زَرْعُهُ) أي: إلى أوان الحصاد إذا أجره أرضًا لزراعة، ومحله: إذا لم يتفق الغرماء والمفلس على القطع قبل أوانه، فإن اتفقوا عليه .. قطع، وإن اختلفوا فيه؛ فإن كان للمقطوع قيمة .. أجيب من يدعو إلى القطع، وإلا .. فمن يدعو إلى الإبقاء، نبه عليه الرافعي 156.
قال في "التعليقة": وإنما لم يتعرض "الحاوي" للقطع عند المصلحه؛ لأن المرعيّ مصلحة المفلس والغرماء.
2197 - قول "التنبيه" [ص 102]: (أو خلطه بما هو أجود منه) لا بد من تقييد ذلك بكونه مثليًا، وإلا .. فلا يؤثر الخلط فيه شيئًا، وقول "المنهاج" [ص 254]: (وإن كان المبيع حنطة) و"الحاوي" [ص 310]: (وخُلِطَ الزيت) مثالان، فالضابط: كونه مثليًا كما تقدم.
ويستثني من ذلك: ما لو قل الخليط جدًا .. فقال الإمام: الوجه: القطع بالرجوع إن كان القليل للمشتري، وبعدمه إن كان للبائع 157.
2198 - قول "المنهاج" فيما لو طحنها أو قَصَّرَ الثوب [ص 254]: (وإن زادت - أي: القيمة - .. فالأظهر: أنه يباع وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد)، قد يفهم أن البائع لو أراد أخذه ودفع حصة الزيادة للمفلس .. لم يمكن من ذلك، والأصح في "الروضة" هنا من زيادته: أن له ذلك 158، وصححه الرافعي أيضًا بعد ذلك 159، فكان ينبغي أن يقول كما في "المحرر": (أصح القولين: أن المفلس شريك فيه، فيباع) 160، وكذا في "الحاوي" [ص 311]: (فشريك بالزائد)، فحاصل ذلك أن محط الأظهر: الشركة، والبيع أحد فرعيه قطعًا، والفرع الآخر: إمساك البائع له ودفع
الحديث: 2196 - الجزء: 2 - الصفحة: 29
حصة الزيادة، ويوافق ذلك أيضًا قول "التنبيه" [ص 102]: (رجع في العين، وكانت الزيادة للمشتري)، فهي دالة على الشركة كما تقدم، والله أعلم.
2199 - قول "المنهاج" [ص 255]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 311]: (ولو صبغه بصبغِهِ؛ فإن زادت القيمة قدر قيمة الصبغ .. رجع، والمفلس شريك بالصبغ) فيه أمران:
أحدهما: أن المراد: ما إذا كانت زيادة القيمة بسبب الصنعة، وهو المتبادر إلى الفهم من العبارة، أما إذا زادت بارتفاع سوقهما أو سوق أحدهما .. فالزيادة لمن ارتفع سعر سلعته.
ثانيهما: في كيفية الشركة وجهان لا ترجيح فيهما في "الروضة" وأصلها:
أحدهما: أن كل الثوب للبائع، وكل الصبغ للمفلس كما لو غرس.
والثاني: يشتركان فيهما كخلط الزيت 161.
قال شيخنا الإمام البلقيني: وللوجهين التفات على قاعدة الحصر والإشاعة.
2200 - قول "المنهاج" [ص 255]: (أو أكثر .. فالأصح: أن الزيادة للمفلس) لا يعرف منه مقا بل الأصح، وهو وجهان، أحدهما: أنها للبائع، والثاني: أنها توزع عليهما.
2201 - قوله فيما لو اشتراهما من اثنين: (وإن زادت بقدر قيمة الصبغ .. اشتركا) 162 كذا إذا لم تبلغ الزيادة قدر قيمة الصبغ، لكن النقص عليه 163.
2202 - قوله: (وإن زادت على قيمتهما .. فالأصح: أن المفلس شريكٌ لهما بالزيادة) 164، قال شيخنا ابن النقيب: أي: فيما إذا اشتراهما من واحد أو من اثنين 165، وفيما قاله انظر؛ فكيف يصح تحميل عبارته صورة ما إذا اشتراهما من واحد مع قوله: (شريك لهما)؟
2203 - قول "التنبيه" في الصورة المذكورة [ص 102]: (وإن نقصت قيمتهما .. حسب النقصان من قيمة الصبغ، ويرجع صاحب الثوب في ماله، وصاحب الصبغ بالخيار إن شاء .. رجع فيه ناقصًا، وإن شاء .. ضرب مع الغرماء) ظاهره: أنه لا يضارب بباقي الثمن إذا رجع فيه ناقصًا، وصححه في "الروضة" 166، وبحث فيه في "الكفاية".
2204 - قول "الحاوي" [ص 311]: (وللقصّار الحبس) 167 أي: حبس ما استؤجر على قصارته
الحديث: 2199 - الجزء: 2 - الصفحة: 30
ليقبض الأجرة، لكن ليس له حبسه في يده، بل عند عدل، نص عليه الشافعي، كما حكاه في "الروضة" من زيادته، قال: وليس مخالفًا لما سبق، فإن جعله عند العدل .. حبس 168.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: تقييده بما إذا كان العمل قد زادت به القيمة، فإن لم تزد، أو نقصت .. فلا يحبس، ويأخذه المالك كما لو عمل المفلس، ويضارب المستأجر بأجرته في مال المفلس، وسبقه إلى ذلك البارزي في "توضيحه الكبير".
2205 - قول "التنبيه" [ص 102]: (وإن كان للمفلس دين وله به شاهد ولم يحلف .. فهل يحلف الغرماء؟ فيه قولان) فيه أمور:
أحدها: صورة المسألة: أن يكون المفلس قد ادعي وأقام الشاهد شهادته بطلبه، فلو لم يدع .. فليس للغرماء الدعوي والتحليف على الأصح.
ثانيها: العين في ذلك كالدين.
ثالثها: في معنى ما إذا كان له شاهد: ما إذا ردت اليمين عليه فنكل.
رابعها: الأظهر: عدم الحلف، بل الأرجح: القطع به، وأن الخلاف في الوارث خاصة، وقد سلم "الحاوي" من هذه الإيرادات بقوله [ص 307]: (وإن نكل المفلس أو وارثه عن اليمين المردودة أو مع شاهد .. لم يحلف الغريم، كما لا يدعي).
الحديث: 2205 - الجزء: 2 - الصفحة: 31
بابُ الحَجْر
2206 - قول "المنهاج" [ص 256]: (منه: حجر المفلس لحق الغرماء، والرهن للمرتهن، والمريض للورثة، والعبد لسيده، والمرتد للمسلمين) ليس في عبارته ما يدل على حصر الحجر لمصلحة الغير في هذه الأنواع الخمسة، وعبارة "الروضة" وأصلها تقتضي حصره فيها 169.
وزاد ابن الرفعة في "الكفاية" عليها: الحجر على السيد في المكاتب، وفي الجاني، وعلى الورثة في التركة.
وزاد في "المطلب": الحجر الغريب على المشتري في جميع ماله حتى يوفي الثمن، وعلى الأب إذا أعفّه ابنه بجارية حتى لا يبيعها، قاله القاضي حسين والمتولي.
وزاد السبكي: الحجر على الممتنع من وفاء دينه وماله زائد إذا التمسه الغرماء في الأصح.
وزاد شيخنا الإسنوي: إذا رد بعيب .. فله حبس السلعة، ويحجر على البائع في بيعها حتى يؤدي الثمن، قاله المتولي.
وعلى من غنم مال حربي مديون قد استرق حتى يوفي، وعلى المشتري في المبيع قبل القبض، قاله الجرجاني.
وعلى العبد المأذون للغرماء، وعلى السيد في نفقة الزوجة حتى يعطيها بدلها، وعلى مالك دار قد استحقت العدة فيها بالحمل أو الأقراء، بخلاف الأشهر، وعلى من اشتري عبدًا بشرط العتق، وفي المستولدة، وفيما إذا أعتق شريكه الموسر نصيبه في الأصح إذا قلنا: لا يسري إلا بدفع القيمة، وفيما استؤجر على العمل فيه حتى يفرغ ويُعطي أجرته، وفيما إذا قال شريكان لعبد بينهما: (إذا متنا .. فأنت حر) فمات أحدهما .. فليس لوارثه التصرف فيه بالبيع ونحوه، ونصيب اللآخر مدبر حتى يموت، فيعتق جميعه.
وفيما إذا نعل المشتري الدابة ثم اطلع على عيبها وقلْعه يُعَيِّبُهَا، فردها، وترك له النعل .. جُبر على قبوله، وهو إعراض عنه في الأصح، فيكون للمشتري لو سقط، ويمتنع عليه بيعه؛ كدار المعتدة.
وفيما إذا أعار أرضًا للدفن .. فيمتنع بيعها قبل بلاء الميت، وفيما إذا خلط المغصوب بما لا يتميز .. فعليه بدله، ويحجر عليه فيه إلى رد البدل، وفيما إذا أوصي بعين تخرج من الثلث وباقي ماله غائب .. فيحجر على الموصي له في الثلثين؛ لاحتمال التلف، وفي الثلث على الأصح؛ لعدم تمكن الوارث من الثلثين.
الحديث: 2206 - الجزء: 2 - الصفحة: 32
وفيما إذا أقام شاهدين على ملك ولم يعدلا .. فيمتنع على صاحب اليد البيع ونحوه بعد حيلولة الحاكم وقبلها على أحد الوجهين، وفيما إذا اشترى عبدًا بثوب وشرطا الخيار لمالك العبد .. فالملك لا فيه، ويبقي الثوب على ملك الآخر؛ لئلا يجتمعا في ملك واحد، ولا يجوز لمالكه التصرف فيه.
وفيما إذا أحبل الراهن المرهونة وهو معسر .. فلا ينفذ الاستيلاد، ومع ذلك لا يجوز بيعها في الأصح؛ لأنها حامل بحرّ، ولا بعهد الولادة حتى تسقيه اللبأ ويجد مرضعة خوفًا من سفر المشتري بها، فيهلك الولد.
وفيما إذا أعطى الغاصب القيمة للحيلولة ثم ظهر المغصوب .. فله حبسه إلى استرداد القيمة, كما في الرافعي في (الغصب) عن النص، ثم مال إلى خلافه 170، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه فيه بطريق الأولى.
وفي بدل العين الموصى بمنفعتها إذا تلفت .. فيمتنع على الوارث التصرف فيه؛ لأنه يستحق عَليه أن يشتري به ما يفوم مقامه، وفيما إذا أعطي لعبده قوته ثم أراد عند الأكل إبداله .. لم يكن لي ذلك، كما قال الروياني، وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل 171.
وفيما إذا نذر إعتاق عبده، فليس له التصرف فيه وإن لم يخرج عن ملكه إلا بالإعتاق, وفيما إذا دخل وقت صلاة وعنده ما يتطهر به ... لم يصح بيعه ولا هبته.
وفيما إذا وجبت عليه كفارة على الفور وفي ملكه ما يكفر به .. فقياس ما سبق امتناع تصرفه فيه، قاله الإسنوي؛ قال: ومن عليه دين لا يرجو وفائه، أو وجبت عليه كفارة .. لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل .. ففي صحته نظر.
انتهى.
فهذه خمس وثلاثون مسألة، وبقيت مسائل أخر؛ منها: الحجر على المالك قبل إخراج الزكاة؛ وعلى الوارث في العين الموصي بها قبل القبول, وعلى السيد فيما بيد العبد المأذون إذا ركبته ديون بغير إذن الغرماء، وكذا بغير إذن العبد في الأصح، وإذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا وأقبض الثمن .. فله الحبس إلى استرداد الثمن على قول أو وجه، حكاه الرافعي في البيوع المنهي عنها عن الإططخري 172، واقتضى كلامه في موضعين من الضمان ترجيحه 173، واختار السبكي فيما حكاه عنه ابنه: التفصيل بين أن يكون فاسدًا بشرط .. فله الحبس، أو لكونه ملك الغير .. فلا حبس.
انتهى.
الجزء: 2 - الصفحة: 33
ويلزم من الحبس امتناع التصرف كما تقدم، وحجر القاضي على من ادعي عليه بدين في جميع ماله إذا اتهم بحيلة، وقد أقام المدعي شاهدين ولم يزكيا، كما قاله القاضي الحسين، والأصح: خلافه، والحجر على النائم، قاله القاضي الحسين، وعلى المشتري إذا خرس في مجلس البيع .. فإن الحاكم ينصب عنه قيمًا، قاله الرافعي 174، وعلى الواقف في الموقوف وإن قلنا: إنه ملكه، فهذه ثماني صور، والله أعلم.
2207 - قول "التنبيه" [ص 102]: (لا يجوز تصرف الصبي والمجنون في مالهما) قد يخرج به إسلام المميز، وجوابه السلام على جمع هو فيهم، وإخباره وهو مشكل بميله إلى الرجال أو النساء، وأمانُهُ كافرًا، ووقوع الطلاق المعلق بمشيئته، بقوله: (شئت)، وإخباره بنجاسة أحد الإناءين، وشهادته بهلال رمضان، وشهادة الصبيان بأن فلانًا قتل فلانًا .. هل يكون لوثًا؟ وقوله للشاهد يجهل عين المشهود عليها: هي هذه، والأصح في الكل: المنع؛ ولذلك قال في "الحاوي" [ص 312]: (المجنون محجور إلى الإفاقة، والطفل إلى البلوغ من الإيمان وغيره).
لكن يستثنى من ذلك: أنه يصح من المميز إحرامه وعبادته، ويعتبر قوله في إذن الدخول، وإيصال الهدية، وله إزالة المنكر، ويثاب عليه كالبالغ كما في "الروضة" من زيادته في (الغصب) 175، وفي "المنهاج" [ص 256]: (فبالجنون تنسلب الولايات واعتبار الأقوال)، وسكت عما يحجر على الصبي فيه؛ كأنه للاكتفاء بما ذكره في المجنون، وهو كذلك إلا ما يستثني، واقتضي كلامه اعتبار فعله، وهو كذلك في الإتلاف، ومنه إحباله، بخلاف غيره؛ كالهدية والصدقة.
2208 - قول "الحاوي" [ص 312]: (والمميز يُبعد به عن أهله) أي: استحبابًا، كما رجحه الرافعي في (اللقيط) 176، أو وجوبًا، كما هو ظاهر كلامه في (الحضانة) 177.
2209 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأونس منهما الرشد .. انفك الحجر عنهما) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا يتوقف انفكاك الحجر عن المجنون على إيناس الرشد، بل ينفك عنه بمجرد الإفاقة؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 312]: (إلى الإفاقة) و"المنهاج" [ص 256]: (ويرتفع بالإفاقة)، لكن يستثنى منه: ولاية القضاء ونحوها، فلا تعود إلا بولاية جديدة؛ فلعل المراد:
الحديث: 2207 - الجزء: 2 - الصفحة: 34
عود الأهلية، وحمل ابن الرفعة كلام "التنبيه" على المجنون الذي جُن في صباه، أو بعد بلوغه وقبل إيناس الرشد، وقد قال بعد ذلك: (وإيناس الرشد: أن يبلغ مصلحًا لدينه وماله) 178، ولم يذكر الإفاقة.
ورده السبكي: بأن الباقي فيما إذا لم يؤنس منه الرشد حجر السفه لا حجر الجنون.
ثانيهما: أن ما ذكره في الصبي موافق لقول "المنهاج" [ص 256]: (وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا)، لكن في "الحاوي" [ص 312]: (والطفل إلى البلوغ) ولم يذكر الرشد، قال الرافعي: وليس خلافًا محققًا، ومراد الأول: الإطلاق الكلي، والثاني: المخصوص بالصبي، وهذا أولي؛ لأن كلًا من الصِّبَا والتبذير سبب مستقلٌ.
انتهى 179.
وعلى هذا .. فالرشد غير محتاج إليه في ارتفاع حجر الصبي؛ فإن حجر الصبي يرتفع بالبلوغ مطلقًا، ويخلفه حجر السفه، وله أحكام تخصه، فهذا يرتفع بالرشد، قال السبكي: وللبحث مجال في أن حجر الصبي للسفه الذي هو مظنته فاتحدا وإن اختص الصبي بإلغاء أقواله جملة، وحكي في "التوشيح" عن والده: أنه أفتي في يتيم غائب علم وليّه أنه بلغ، ولم يعلم هل بلغ رشيدًا؟ بأنه لا يجوز له التصرف في ماله، ولا إخراج زكاته استصحابًا لحكم الحجر، واحتج بقول الأصحاب: إذا أجر الولي الصبي مدة يبلغ فيها بالسن .. لم يصح فيما زاد على البلوغ، قال: فهذا يدل على أنهم لا يكتفون في العقود بالأصل.
2210 - قول "الحاوي" [ص 312]: (بخمس عشرة سنة) قد يوهم حصول البلوغ بالطعن فيها، وهو وجه، والأصح: اعتبار استكمالها، وصرح به "التنبيه" و"المنهاج" 180، وابتداؤها من خروج جميع الولد، وهي تحديد، كما ذكره النووي في "الأصول والضوابط"، فقال: الأصح: القطع به 181.
2211 - قول "التنبيه" [ص 103]: (بالاحتلام) و"الحاوي" [ص 312]: (والحلم) أراد به: خروج المني في نوم أو جماع أو غيرهما، فلو عبرا بـ (خروج المني) كما في "المنهاج" 182 .. لكان أوضح؛ ولذلك قال النووي في "تحرير التنبيه": (لو قال: بالإنزال .. لكان أصوب) 183.
الحديث: 2210 - الجزء: 2 - الصفحة: 35
وجوابه: أن هذا هو المراد؛ وقد قال الماوردي: إن الاحتلام: إنزال المني في نوم أو جماع أو غيرهما 184.
2212 - قول "التنبيه" [ص 103]: (أو بإنبات الشعر الخشن في العانة في أظهر القولين) فيه أمران: أحدهما: أن ذلك إنما هو في حق ولد الكافر دون المسلم في الأظهر، وعلى ذلك مشي "المنهاج" و"الحاوي" 185.
ثانيهما: أنه ليس نفس البلوغ، وإنما هو علامة عليه في الأظهر؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 256]: (ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر)، وهذا وارد على قول "الحاوي" [ص 312]: (وإنبات العانة لطفل الكفار) فإن ظاهره أنه بلوغ أيضًا، وتظهر فائدة الوجهين فيما لو شهد عدلان بأنه لم يستكمل خمس عشرة سنة مع نبات العانة، فإن قلنا: حقيقة .. فبالغ، وإن قلنا: دلالة .. فلا، ذكره الماوردي 186.
واعلم: أن عبارتهم تقتضي تعميم هذه العلامة في الذكر والأنثى، وهو المشهور، فهو أحسن من تعبير "المحرر" بـ (صبيان الكفار) 187، ونقل السبكي عن الجوري: أنه ليس علامة في حق النساء؛ لأنهن لا يقتلن، وإنما يكون علامة في حق الخنثى إذا كان على فرجيه، كما صرح به الماوردي 188، وفيه شيء، كما قال شيخنا الإمام البلقيني.
ويرد على "المنهاج" و "الحاوي": أنهما لم يقيدا الشعر بكونه خشنًا، ولا بد منه.
2213 - قول "الحاوي" [ص 312]: (وحُلّف إن قال: استعجلته بالدواء) محله: في ولد الحربي إذا سُبي، فإن كان ولد ذمي، وطولب بالجزية، فادعي مثل ذلك .. ففي "الكفاية" عن العبادي: أنه لا يسمع منه.
2214 - قولهم في بلوغ المرأة: (والحبل) 189 أي: يتبين بالولادة البلوغ قبلها بستة أشهر ولحظة، فإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحق الزوج .. حكم ببلوغها قبل الطلاق بلحظة، والمشهور: أنه ليس ببلوغ، ولكنه علامة، قاله في "الكفاية"، وهو مفهوم من قول الرافعي: لأنه مسبوق بالإنزال 190.
الحديث: 2212 - الجزء: 2 - الصفحة: 36
تنبيه [بلوغ الخنثى]
قد يفهم من سكوتهم عن الخنثى مساواته لما ذكر؛ لأنه إما ذكر أو أنثى، لكن إن أمنى بذكره وحاض بفرجه .. حكم ببلوغه في الأصح، وإن وجد أحدهما .. فلا عند الجمهور، وقال الإمام: إنه بلوغ، قال الرافعي: وهو الحق، فإن ظهر من الآخر ما يخالفه .. غيرنا الحكم 191، واستحسن في "الروضة" قول المتولي: إنه يحكم به إن تكرر 192، وتقدم قول الماوردي: إن الإنبات إنما يكون علامة إذا كان على فرجيه معًا 193.
2215 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإيناس الرشد: أن يبلغ مصلحًا لدينه وماله) لا معنى لتقييد ذلك بالبلوغ؛ فالرشد: صلاح الدين والمال، كما عبر به "المنهاج" 194، وهو معنى تعبير "الحاوي" بـ (الصلاح دينًا ودُنيا) 195، ولا فرق بين أن يقارن البلوغ أم لا، ومال الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى الاكتفاء في الرشد بالمال وحده، وهو وجه.
2216 - قول "المنهاج" [ص 256]: (والأصح: أنَّ صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تلبق بحاله ليس بتبذيرٍ) فيه أمور:
أحدها: أن ذكر وجوه الخير بعد الصدقة من ذكر العام بعد الخاص؛ ففيه تكرير لا يليق بالمختصرات، فكان ينبغي الاقتصار على الثاني، كما قال في "الحاوي" [ص 313]: (لا في الخير).
ثانيها: مقابل الأصح في مسألة وجوه الخير قاله الجويني، وشرطه عنده: أن يقارن البلوغ، لا إن طرأ، وعبارة "المنهاج" توهم عمومه.
ثالثها: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو مقتضي المنقول، ويشكل تسفيه من تصدق بفلس ونحوه.
رابعها: مقابل الأصح في مسألة المطاعم والملابس قاله الإمام والغزالي 196، والخلاف فيه مفرع على القول بعدم التحريم، كما هو ظاهر "الروضة" وأصلها هنا 197، لكن في "الشرحين"
الحديث: 2215 - الجزء: 2 - الصفحة: 37
و"الروضة" عند الكلام على الغارم في الزكاة الجزم بتحريمه، فهو حينئذ تبذير قطعًا، وقد صحح السبكي: أنه تبذير.
2217 - قوله: (ويختبر رشد الصبي) 198 قد يخرج المرأة؛ ولذلك لم يقيده "التنبيه"، بل قال [ص 103]: (ولا يسلم إليه المال حتى يختبر) أي: المحجور مطلقًا، وقد يقال: لفظ الصبي متناول للأنثي، كما نقله ابن حزم الظاهري 199، والاختبار يكون في الدين وفي المال، فقول "المنهاج" بعده [ص 256]: (ويختلف بالمراتب) أي: اختبار المال دون الدين.
2218 - قوله: (فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) 200 كذا في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 201، وهو يقتضي صحة البيع والشراء منه، والأصح: خلافه.
2219 - قوله: (وولد الزَّرَّاع) 202 أعم من قول "المحرر": (المزارع) 203 فإنه الذي يدفع أرضه إلى من يزرعها، والزراع يتناوله ويتناول من يزرع بنفسه.
2220 - قول "التنبيه" [ص 103]: (إما قبل البلوغ أو بعده) الأصح: قبله، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 257]: (ووقته: قبل البلوغ، وقيل: بعده)، قال الرافعي في توجيهه؛ لأن تصرف الصبي باطل 204، وهو يفهم أن محله: في الاختبار بالتجارة، وبه صرح في "الاستقصاء"، وهو الأقرب في "الكفاية"، لكن الجمهور أطلقوه، قال الجرجاني: إن قلنا: إن الاختبار قبله .. فالمخاطب به كل ولي، وإن قلنا: بعده .. فوجهان، أحدهما: كذلك، والثاني: الحاكم فقط 205.
2221 - قوله: (فعلى الأول: الأصح: أنه لا يصح عقده) 206 فيه أمران:
أحدهما: أنه يفهم أنه على الثاني بخلافه، ولم يصرحوا به، ويظهر بناؤه على صحة تصرفه بالإذن، وأولي بالصحة؛ لعدم تحقق سفهه حسًا.
ثانيهما: ظاهر كلامه: أن مقابل الأصح: صحة عقده مطلقًا، وكذا أطلقه في
الحديث: 2217 - الجزء: 2 - الصفحة: 38
"الروضة" 207، وقيده في "الكفاية" بالإذن.
2222 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (فإن كان سفيهًا في دينه أو ماله .. استديم الحجر عليه) 208 أي: جنس الحجر؛ فإن حجر الصبي زال بالبلوغ، وخلفه حجر السفه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 312]: (والطفل إلى البلوغ من الإيمان وغيره، ثم من تصرفٍ ماليٍّ ... إلى آخر كلامه).
2223 - قولهما - والعبارة لـ "التنبيه" -: (وإن كان مصلحًا لدينه وماله .. انفك الحجر عنه، وقيل: لا ينفك إلا بالحاكم) 209 لا يختص الفك على الوجه الثاني بالحاكم، بل ينفك أيضًا بالأب أو الجد، وفي الوصي والقيم وجهان، كذا في "الروضة" وأصلها 210، وفي "الحاوي" و"البحر" في (الوصية): أنه إن كان الولي أبًا أو جدًا .. انفك بنفس البلوغ والرشد، وإن كان حاكمًا .. فلا بد من فكه هو للحجر، وإن كان وصيًا .. فوجهان 211، وقال الشيخ أبو حامد: إن كان أبًا أو جدًا .. انفك بالبلوغ رشيدًا، وإن كان حاكمًا .. فوجهان.
قال بعضهم: ولذلك قال "التنبيه" أولًا [ص 103]: (وإذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، وأونس منهما الرشد .. انفك الحجر عنهما) ثم قال بعد ذلك: (وإن كان مصلحًا لدينه وماله .. انفك الحجر عنه، وقيل: لا ينفك إلا بالحاكم) فحمل الأول على ما إذا كان وليه أبًا أو جدًا، والثاني على ما إذا كان الحاكم، وهو أولي من قول النووي في "نكته": إنها مكررة.
2224 - قول "المنهاج" [ص 257]: (فلو بذَّر بعد ذلك .. حُجر عليه) لم يتبين الحاجر عليه، وهو القاضي كما صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 212، فإن عاد رشيدًا .. لم ينفك إلا بالحاكم على المذهب.
2225 - قول "التنبيه" [ص 103]: (فإن فك الحجر عنه ثم سفه في الدين دون المال .. فقد قيل: يعاد الحجر عليه، وقيل: لا يعاد) الأصح: الثاني، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 213، وعلى الأول: فظاهر كلامهم وجوب إعادة الحجر عليه، والذي في "البسيط": جوازه للحاكم إن رآه مصلحة.
الحديث: 2222 - الجزء: 2 - الصفحة: 39
2226 - قول "المنهاج" فيمن حجر عليه لسفهٍ [ص 257]: (وقيل: وليُّهُ في الصغر) محله: إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، وإلا .. لم ينظر إلا القاضي قطعًا، فطريقة الوجهين مبنية على وجه ضعيف، قاله الرافعي 214، لكن في "الإشراف" للهروي حكاية الوجهين مع حجر القاضي، وتبعه في "الكفاية".
2227 - قولهم: (إنه لا يصح من محجور عليه لسفهٍ بيع ولا شراءٌ) 215 محله: إذا كان ذلك لنفسه، فإن توكل في ذلك لغيره .. ففيه وجهان.
مقتضي تصحيح الرافعي: المنع أيضًا 216، لكنه صحح في (الوكالة): جواز توكيله في قبول النكاح 217، واستشكل في "المهمات" جريان الخلاف في توكله لغيره في البيع؛ لأنه مطالب بالثمن، ولو اعترف البائع بوكالته في الأصح .. فهو كالضامن، ولا يصح من المحجور ضمان، وقد أنكر النووي على الرافعي تخريجه إذا كان بإذن الولي على البيع بإذنه؛ لما في الضمان من الغرر 218.
2228 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ولا إعتاقٌ) أي: في الحياة، فأما بعد الموت؛ كالتدبير والوصية بالعتق .. فالمذهب: الصحة، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 312]: (لا وصيةٍ وتدبيرٍ) ومقتضي ذلك أنه في الكفارة يصوم كالمعسر، لكن صحح في "المطلب" في القتل: أن الولي يعتق عنه.
2229 - قول "المنهاج" [ص 257]: (وهبةٌ) أي: أن يهب شيئًا من ماله، زاد في "الروضة" وأصلها: لا بشرط الثواب ولا دونه 219.
واعترضه في "المهمات": بأنه إذا شرط ثوابًا معلومًا .. كان بيعًا على الأصح تجري عليه أحكام البيع كلها، نظرًا للمعنى، قال: فينبغي أن يجوز ذلك حيث يجوز البيع، وبه صرح الإمام، وحكاه عنه الرافعي في (الهبة)، وأقره، وجزم به في "الروضة".
انتهى 220.
أما إذا وُهب له .. فوجهان، صحح النووي: الصحة 221، ومقتضي كلام الرافعي أن الوجهين
الحديث: 2226 - الجزء: 2 - الصفحة: 40
إذا أذن له الولي؛ فإنه ذكرهما فيما إذا أذن له في البيع، ثم قال: ويجريان في اتهابه وقبوله الوصية لنفسه 222، وأطلق الماوردي أنه لا يسلم إليه الموهوب 223، وقال ابن الرفعة: إن كان هناك من يأخذها منه عقب قبضها من ولي أو حاكم .. لم يمتنع دفعها إليه، وإلا .. ففيه توقف.
وتجويز الاتهاب وارد على إطلاق "التنبيه" استدامة الحجر و"الحاوي" منع التصرف المالي 224.
2230 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ونكاحٌ بغير إذن وليه) يعود إلى النكاح فقط؛ فإنه الذي يصح بالإذن دون التصرف المالي، كما ذكره بعد ذلك.
2231 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإن أذن له في البيع .. فقد قيل: يصح، وقيل: لا يصح) الثاني هو الأصح، وعليه مشي "المنهاج" بقوله [ص 257]: (لا التصرف المالي في الأصح)، ومحل الوجهين: إذا عين له الولي قدر الثمن، وإلا .. بطل جزمًا، والحق في "المطلب": تعيين المبيع بتقدير الثمن، ويتقدر بثمن المثل، ولو وجب عليه قصاص، فصالح بغير إذن الولي على الدية أو أكثر .. صح، وإن وجب له قصاص .. فله العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب، والأصح: صحة قبضه دينه بإذن وليه، وهذا وارد أيضًا على إطلاق "الحاوي" المنع من تصرف مالي و"التنبيه" استدامة الحجر 225.
2232 - قول "المنهاج" [ص 257]- والعبارة له - و"الحاوي" في (الوديعة) [ص 441]: (فلو اشتري أو اقترض وقبض وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه .. فلا ضمان) محله: إذا أقبضه إياه البائع أو المقرض الرشيد أو غير الرشيد بإذن وليه، وإلا .. فيضمنه، وألَّا يطالبه البائع به، فإن طالبه فامتنع .. ضمن، كما ذكره الداوودي في "شرح المختصر"، حكاه في "المهمات"، قال: وهو ظاهر، ثم إن هذا في الظاهر، وهل يضمن فيما بينه وبين الله تعالى؟ صحح الإمام والغزالي: المنع أيضًا 226، وصحح الروياني: أنه إن جهل البائع الحجر وأتلفه السفيه .. وجب، وإلا .. فلا.
2233 - قول "المنهاج" [ص 257]: (ولا يصح إقراره بدين قبل الحجر أو بعده) هما ظرفان لما أوجب الدين؛ أي: سواء أسنده إلى ما قبل الحجر أو بعده .. فلا يلزمه وإن فك الحجر عنه، وهو
الحديث: 2230 - الجزء: 2 - الصفحة: 41
ظاهر إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" منع الإقرار بالمال 227، وهذا في الدنيا، فأما بينه وبين الله تعالى .. فيلزمه بعد فك الحجر إن كان صادقًا فيه.
2234 - قول "المنهاج" [ص 257]: (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كذا حكي الخلاف في "المحرر" و"الروضة" وأصلها هنا قولين 228، وحكياهما في (القسامة) وجهين، وقالا: سبقا في الحجر 229، وهذا يقتضي أن المعتمد هو المذكور هنا.
2235 - قوله: (ويصح نفيه النسب بلعانٍ) 230 لا حاجة لتقييده باللعان؛ لأن له نفيه من أمته بالحلف، ولا لعان هناك.
2236 - قوله: (وحكمه في العبادة كرشيد) 231 أي: الواجبة، أما المالية التي ليست واجبة؛ كصدقة التطوع وغيرها .. فليس هو فيها كرشيد.
2237 - قوله: (وإذا أحرم بحجٍّ فرضٍ .. أعطي الوليّ كفايته لثقةٍ يُنفق عليه في طريقه) 232 فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم أنه لا يعطي قبل الإحرام، وليس كذلك، بل إذا سافر لذلك وأخر الإحرام للميقات .. أعطي أيضًا.
ثانيها: تناول حج الفرض حجة الإسلام والقضاء والنذر قبل الحجر، وكذا النذر بعده إن جعلناه كواجب الشرع، وفي القضاء الواجب في السفه وجهان.
ثالثها: ينبغي حذف اللام من قوله: (لثفة) لأن (أعطي) يتعدي لاثنين بنفسه.
2238 - قوله: (وإن أحرم بتطوع وزادت مؤنة سفره على نفقته المعهودة .. فللولي منعه) 233 فيه أمران:
أحدهما: أن صورة المسألة: أن يحرم به حال الحجر، فلو أحرم به قبله ثم حجر عليه .. فكالفرض.
ثانيهما: أن تعبيره تبعًا للرافعي هنا يقتضي منعه من السفر 234، وعبرا في الحج: بأن له
الحديث: 2234 - الجزء: 2 - الصفحة: 42
تحليله، وعبر الإمام والغزالي: بمنعه من زائد المؤنة (1)، أي: لا نفس المضي، ومال إليه في "المطلب".
2239 - قوله: (ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدلٌ) (2) أي: وهو الأصح، فإن قلنا: لا بدل له، بل يبقي في ذمة المحصر .. فلم يتعرض الرافعي والنووي للتصريح بالتفريع عليه، وقال في "المطلب": يظهر أن يبقي في ذمة السفيه أيضًا.
2240 - قوله: (ولو كان له في طريقه كسبٌ قَدْرَ زيادةِ المؤنةِ .. لم يجز منعه) (3) كذا لو لم يكن، ولم تزد المؤنة على مؤنته في الحضر.
فصْلٌ [فيمن يلي نحو الصبي مع بيان كيفية تصرفه في ماله]
2241 - قول "المنهاج" [ص 258]: (ولي الصبي: أبوه، ثم جده، ثم وصيهما، ثم القاضي) فيه أمور:
اْحدها: أن ذلك لا يختص بالصبي؛ فالمجنون كذلك، وقد صرح به "التنبيه" و"الحاوي" 238، وكذا من بلغ سفيهًا كما دلت عليه عبارتهما أيضًا، وحكاه في "الكفاية" عن القاضي مجلي.
ثانيها: المراد بالجد: أبو الأب، وهذا وارد على إطلاق "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
ثالثها: المراد بوصيهما: وصي من تأخر موته منهما؛ فإنه لا يتصور اجتماعهما، وأطلق "التنبيه" و"الحاوي" الوصي 239.
رابعها: اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على القاضي 240، وفي "التنبيه": الحاكم أو أمينه 241، والمراد: القاضي الذي في ولايته اليتيم وماله، فلو كان اليتيم ببلد وماله في آخر .. فأولي الوجهين عند الغزالي وأقره الرافعي: يتصرف حاكم بلد المال، كما أنه الذي يحفظه ويتعهده، ويفعل ما فيه مصلحته عند الإشراف على الهلاك 242.235236237
الحديث: 2239 - الجزء: 2 - الصفحة: 43
خامسها: يشترط في ولاية الأب: الإسلام ولو كان الولد كافرًا كما صرح به الماوردي والروياني 243، لكن صحح في "الذخائر" تبعًا للإمام: ولاية الكافر على مال طفله الكافر 244، ويعضده مسألة وصية الذمي إلى الذمي على أطفاله الذميين، والجزم بصحة وصية الذمي إلى المسلم على الولد الكافر يدل على ذلك أيضًا.
ويشترط: ظهور عدالة الأب والجد، وفي ثبوتها وجهان، قال في "الروضة" وينبغي الاكتفاء بالعدالة الظاهرة 245، ومقتضى ما ذكره ابن كج في ولاية الإجبار في النكاح: أن شرطها عدم العداوة .. أن يطرد ذلك في ولاية المال.
سادسها: ذكر النووي في "شرح المهذب" في إحرام الولي عن الصبي: أن للعصبات كالأخ والعم الإنفاق من مال الصبي في تأديبه وتعليمه وإن لم يكن لهم عليه ولاية؛ لأنها قليلة، فسومح بها 246.
2242 - قول "التنبيه" [ص 102]: (ولا يبيع لهما شيئًا بدون ثمن المثل) كذا لا يبيع أيضًا بثمن المثل إذا وجد زيادة، وحكمه في ذلك حكم الوكيل.
2243 - قوله: (ولا أن يغرر بمالهما في المسافرة) 247 فلو غلبت السلامة .. جاز في الأصح، إلا في البحر في الأصح، لكن روي الشافعي رحمه الله: (أن عائشة رضي الله عنها كانت تُبْضِعُ مال بني محمد بن أبي بكر في البحر) 248، وذلك يشعر باختيار الشافعي الجواز.
2244 - قوله: (ويتخذ لهما العقار) 249 شرطه: أن يشتريه من ثقة، وألاَّ يكون في موضع قد أشرف على الخراب أو يخشى هلاكه بزيادة الماء ونحوه، قال الماوردي: وأن يحصل له من ريعه الكفاية، وإلا .. فالتجارة أولي عند الأمن وعدل السلطان 250.
2245 - قولهما: (ويَبْنِيه) 251، قال ابن الصباغ: بشرط أن يساوي بعد الفراغ ما أنفق عليه، وهذا في زمننا نادر، قال بعضهم: وإنما يبنيه إذ لم يكن الشراء أحظّ، وهو ظاهر.
الحديث: 2242 - الجزء: 2 - الصفحة: 44
2246 - قولهما: (بالطين والآجُر) 252، زاد "المنهاج" [ص 258]: (لا اللبن والجص)، وكذا في "المحرر" و"الروضة" 253، وعبارة "الشرح" عطف الجص بـ (أو) 254، وصوبه شيخنا ابن النقيب؛ فإن كلًا منهما ممتنع، قال: فلو اقتصر على قوله: (بالطين والآجر)، . لأخذ امتناع ما سوى ذلك من المفهوم 255.
2247 - قول "التنبيه" [ص 103]: (ولا ببيع العقار عليهما إلا لضرورةٍ أو غبطة) عبر "المنهاج" بقوله [ص 258]: (إلا لحاجةٍ أو غبطةٍ ظاهرةٍ) والحاجة أخف من الضرورة، وهي المعتبرة وإن لم ينته الحال للضرورة، وقد عبر بالحاجة الشافعي وأكثر الأصحاب، وتقييد الغبطة: بكونها ظاهرة ليس في "المحرر" ولا في "الروضة" وأصلها، لكن فيهما تفسير الغبطة: بأن يكون ثقيل الخراج، أو رغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن المثل وهو يجد مثله ببعض ذلك الثمن 256، وذكر في "المهمات": أَنَّ وجدان مثله ليس شرطًا، ولم يعتبره الأكثر، وبتقدير اشتراطه: فلو وجد خيرًا منه بذلك الثمن .. كان كذلك، صرح به الشيخ أبو حامد وآخرون، فإن وجد مثله بمثله .. فالمتجه: المنع، فإن لم يجد بصفته؛ احتمل أنه إن كان الغالب وجدانه في الحال أو بعده بقليل .. جاز، وإلا .. فلا، وفسر "التنبيه" الغبطة: بأكثر من ثمن المثل بزيادة كثيرة 257.
وضبطها الإمام: بألَّا يستهين بها العقلاء بالنسبه إلى شرف العقار 258، وفي معنى العقار: آنية القنية من صفر وغيره، قاله البندنيجي.
قال في "الكفاية": وما عدا ذلك من سائر أمواله لا يباع إلا لغبطة أو حاجة، لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل، بخلاف العقار.
2248 - قوله: (ولا يبيعه بنسيئة إلا لضروةٍ أو غبطةٍ، وهو: أن يبيع بأكثر من ثمن المثل ويأخذ عليه رهنًا) 259 فيه أمران:
أحدهما: اقتصر "المنهاج" في البيع بالنسيئة على كونه مصلحة، قال: (وإذا باع نسيئة ..
الحديث: 2246 - الجزء: 2 - الصفحة: 45
أشهد وارتهن به) 260، ولا بد أن يكون الرهن وافيًا بالثمن.
واعلم: أن الرافعي جزم في الإقراض بعدم وجوب الارتهان، وإنما يفعل ما يراه مصلحة 261، وذكر ابن الرفعة: أن البيع نسيئة كالإقراض، فحصل من مجموع ذلك أن الارتهان في البيع نسيئة غير واجب.
ويستثنى من الاحتياج إلى الرهن: ما لو باع مال ولده من نفسه نسيئة، وحكى في "الروضة" في (الرهن): أن شرط البيع نسيئة: كون المشتري ثقة موسرًا ويكون الأجل قصيرًا، ثم قيل: الأجل الذي لا تجوز الزيادة عليه سَنَة، وقال الجمهور: لا يتقدر بها، بل يعتبر عرف الناس 262.
وأما الإشهاد: فالأصح في الوصية: أنه لا يجب، وجزم النووي في (الرهن) بأنه واجب 263، وفي اشتراطه قولان، وقد يحمل كلامه في الوصية على البيع حالًا، وهذا في البيع نسيئة، وفي الرافعي في (الوكالة) في أثناء تعليل: أن الوصي لا يبيع إلا بنقد البلد حالًا 264، وهو محمول على المذكور هنا.
ثانيهما: الظاهر: أن أخذ الرهن خاص بالصورة الثانية، أما الضرورة: فلا يشترط فيها الرهن؛ لخروجها عن الضبط، لكن حكى ابن الرافعة عن القاضي أبي الطيب والمتولي: أن في الاحتياج إلى الرهن في صورة الضرورة الخلاف فيما إذا أقرضه في مثل هذه الحالة، وفي "الروضة" وأصلها في (الأطعمة): أنه يجوز للولي بيع مال المحجور نسيئة للمضطر، وأنها إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة 265، وقد يُدعى دخول هذه الصورة في عبارة " التنبيه "، وأن الضرورة تتناول ضرورة المحجور وضرورة المضطر، ولا يمكن توقف هذا البيع على رهن إذا لم يكن مع المضطر ما يرهنه.
2249 - قول "التنبيه" [ص 103]: (وإن وجب لهما شفعة وفي الأخذ بها غبطة .. لم يجز له تركها) مفهومه: تركها إذا لم يكن أخذها غبطة، وهذا صادق بكون الغبطة في ترك الأخذ بها، وباستواء الأمرين، فأما الأولى: فقد ذكرها "المنهاج" بقوله [ص 258]: (ويأخذ له بالشفعة أو يترك بحسب المصلحة)، و " الحاوي " بقوله بعد ذكر التصرف بالغبطة [ص 312]: (وفي الشفعة وتركها)، وأما الثانية: فما اقتضاه كلامه فيها هو مقتضى كلام الرافعي في آخر (الشفعة) 266.
الحديث: 2249 - الجزء: 2 - الصفحة: 46
2250 - قول " المنهاج " [ص 258]: (ويُنفق عليه بالمعروف) وكذا على قريبه، لكن بعد طلبه، إلا أن يكون القريب صغيرًا أو مجنونًا 267.
2251 - قول " التنبيه " [ص 103]: (ولا يقرض من مالهما شيئًا، إلا أن يريد سفرًا يخاف عليه .. فيكون إقراضه أولى من إيداعه) فيه أمور:
أحدهما: أنه لا يتقيد جواز الإقراض بالسفر، فيجوز في الحضر أيضًا إذا خيف عليه من نهب أو حريق أو نحوهما، كما جزم به في " الروضة " 268، واغتر بذلك شيخنا الإسنوي، فعبر عنه في " تصحيحه " بـ (الصواب) 269، وليس كذلك؛ ففيه وجه في " الكفاية " بالمنع في الحضر مطلقًا.
ثانيها: قد يتوهم من عبارته أنه مخير بين الإقراض والإيداع، وليس كذلك، بل لا يجوز الإيداع مع القدرة على الإقراض.
ثالثها: محل ذلك: في غير القاضي، أما القاضي: فله إقراض مال المحجور مطلقًا على الأصح، وصحح السبكي: المنع عند عدم الضرورة، وقال: لم أر الجواز لغير البغوي والرافعي 270.
2252 - قوله: (وإن احتاج الوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئًا .. أكله ورد البدل، وقيل: لا يرد) 271 فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يتقيد بالوصي، بل الأب والجد أولى بذلك، وهما مفهومان من طريق الأولى، فذكر ابن الرفعة: أنه لا خلاف أنهما عند الحاجة يأخذان قدر الكفاية، وسواء كانا صحيحين أم لا؛ لأنهما وإن كانا صحيحين قادرين على التكسب .. لكنه قد تعذر ذلك عليهما بسبب حفظ المال؛ ولذلك أطلق " الحاوي " قوله [ص 313]: (ويأكل الفقير بالمعروف) لكن دخل في عبارته الحاكم، وهو مستثنى من جواز الأخذ، استثناه صاحب " التعليقة ".
ثانيها: أورد عليه النشائي في " نكته ": أنه يشترط مع فقره: انقطاعه عن كسبه بسبب القيام باليتيم 272، ولا يرد ذلك عليه؛ لكونه مفهومًا من لفظ (الحاجة) فإنها لا تصدق إلا باجتماع الفقر والاشتغال بالمال عن الكسب.
الحديث: 2250 - الجزء: 2 - الصفحة: 47
نعم؛ يرد ذلك على اعتبار " الحاوي " الفقر خاصة.
ثالثها: تعبيره وتعبير " الحاوي " بـ (الأكل) ليس المراد به حقيقته، وإنما خص بالذكر؛ لأنه أعم وجوه الانتفاعات.
رابعها: ظاهره أنه يأخذ قدر النفقة، وهو الذي رجحه الرافعي 273، ورجح النووي: أنه يأخذ أقل الأمرين من النفقة وأجرة المثل، فقال: إنه المعروف في كتب العراقيين، ونص عليه الشافعي 274، وقد يفهم من قول " الحاوي ": [ص 313]: (بالمعروف) اعتبار أجرة المثل، وهو الذى ذكره الماوردي 275.
خامسها: ظاهره أنه يستبد بالأخذ من غير مراجعة حاكم، وبه صرح ابن الصلاح في " فتاويه " 276، وقياسه: أنه يستبد برده أيضًا على القول برد البدل، وهو ظاهر كلام " التنبيه " أيضًا، لكن صرح الرافعي في (الوصايا) بأنه إنما يرده للحاكم؛ لأنه لا يبرئ نفسه بنفسه 277.
سادسها: الأصح: أنه لا يرد البدل، وهو ظاهر كلام " الحاوي " لسكوته عنه.
سابعها: لا يختص باليتيم؛ فالمجنون البالغ والسفيه كذلك؛ ولذلك أطلقه " الحاوي ".
2253 - قول " الحاوي " [ص 313]: (ويجب حفظ مال الطفل) كذلك المجنون والسفيه.
2254 - قوله: (واستنماؤه قدر النفقة) 278 أي: والزكاة ومؤن الملك إن أمكن ذلك دون المبالغة فيه، وطلب الغاية.
2255 - قول " التنبيه " [ص 103]: (وإن بلغ الصبي وادعى أنه باع العقار من غير غبطة ولا ضرورة؛ فإن كان الولي أبًا أو جدًا .. فالقول قولهما، وإن كان غيرهما .. لم يقبل إلا ببينة) فيه أمران:
أحدهما: أنه لا يختص ذلك بالعقار؛ فسائر أمواله كذلك على الأصح؛ ولذلك عبر " المنهاج " بقوله [ص 258]: (ادعى بيعًا بلا مصلحة)، لكن اختار السبكي التفصيل، فيصدق على غير الأب والجد في العقار خاصة، ويصدق الولي في غير العقار؛ للاحتياط في العقار.
ثانيهما: دخل في قوله: (غيرهما): الحاكم، وقال السبكي: لم أر للأصحاب تصريحًا به، ثم ذكر أنه هو المصدق بلا يمين إن كان على ولايته، وإن كان بعد عزله .. ففيه نظر، وحكى
الحديث: 2253 - الجزء: 2 - الصفحة: 48
في " التوشيح " عن والده: أنه قال في جواب سؤال: هذا ما ذكرت في " شرح المنهاج "، والذي يظهر لي الآن: أنه كسائر تصرفات الحاكم محمولة على السداد حتى يعلم فسادها، فالحق: أنه لا فرق بين أن يكون باقيًا على ولايته أو لا، وأنه يقبل قوله؛ لأنه حين تصرف كان نائب الشرع.
انتهى 279.
وعبر " المنهاج " بقوله [ص 258]: (وإن ادّعاه على الوصي والأمين) فخرج بذلك الحاكم.
2256 - قول " التنبيه " [ص 103]: (وإن ادعى أنه دفع إليه المال .. لم يقبل إلا ببينة) يشمل الأب والجد، وأقره النووي في " التصحيح " 280، وصرح به ابن الرفعة، ولم يذكره في " الروضة " وأصلها إلا في الوصي 281.
الحديث: 2256 - الجزء: 2 - الصفحة: 49
بابُ الصُّلْح
2257 - قول " التنبيه " [ص 103]: (الصلح بيع) لا ينحصر في البيع، بل يكون إجارة أيضًا فيما إذا صالح على منفعة، ويجمعهما صلح المعاوضة، وإبراء فيما إذا صالح من الدين على بعضه، وهبة فيما إذا صالح من العين على بعضها، ويجمعهما صلح الحطيطة، وقد ذكر " المنهاج " و" الحاوي " هذة الأقسام الأربعة 282، وبقيت عليهما أقسام أخرى:
أحدها: أن يكون عارية، كما إذا صالحه عن الدار المدعاة على أن يسكنها سنة .. ففي "الروضة" وأصلها: أنه إعارة للدار يرجع فيها متى شاء، وليس بمعاوضة؛ لأن الرقبة والمنافع ملكه 283.
ثانيها: أن يكون فسخًا، كما لو صالح من المسلم فيه على رأس المال قبل القبض، قاله ابن جرير الطبري، قال في " المهمات ": وهو صحيح ماش على القواعد، كما قال الأصحاب: إن بيع المبيع قبل القبض للبائع بمثل الثمن الأول إقالة بلفظ البيع.
ثالثها: أن يكون سلمًا؛ بأن يجعل العين المدعاة رأس مال سلم، ذكره ابن جرير أيضًا.
رابعها: أن يكون جعالة؛ كقوله: (صالحتك من كذا على رد عبدي).
خامسها: أن يكون خلعًا؛ كقولها: (صالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة).
سادسها: أن يكون معاوضة عن دم العمد؛ كقوله: (صالحتك من كذا على ما أستحقه عليك من قصاص في نفس أو طرف).
سابعها: أن يكون فداء؛ كقولك للحربي: (صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير)، ذكر هذه الأربعة في " المهمات "، وقال: أهملها الأصحاب، وهي واردة عليهم جزمًا 284.
2258 - قول " المنهاج " [ص 259] (فإن جرى: على عين غير المدعاة .. فهو بيعٌ) كذا في " المحرر " 285، وهو مخرج لما إذا صالح من عين على دين، وأول عبارة الرافعي في " الشرح " تتناول هذه الصورة؛ حيث قال: على غير العين المدعاة، وآخرها يخرجها؛ حيث قال: هذا إذا صالح على عين أخرى 286، واقتصر في " الروضة " على العبارة الأولى 287، فتناولها، ويوافقه قول
الحديث: 2257 - الجزء: 2 - الصفحة: 50
" الحاوي " [ص 314]: (الصلح على غير المُدَّعَى بيعٌ) لكن تقدم عن ابن جرير الطبري: أنه سماه سلمًا، ومقتضاه: أن لا يجري فيه أحكام البيع من خيار الشرط ونحوه.
2259 - قول " التنبيه " [ص 103]: (يصح ممن يصح منه البيع) يقتضي أنه لا يفتقر لسبق خصومة بين المتصالحين كالبيع، وهو وجه، والأصح: خلافه، فلو قال من غير سبق خصومة: (صالحني عن دارك بكذا) .. لم يصح، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 288، قال الرافعي: وكأنه عند عدم النية، فإن نويا به البيع .. كان كناية بلا شك؛ ففيه خلاف البيع بالكناية 289، وخالفه صاحب " المطلب ".
وأورد بعضهم على قول " الحاوي " [ص 314]: (ولغا دون سبق خصومةٍ) صلح الأجنبي لنفسه مع إقرار المدعى عليه؛ فإنه يصح، ولا يعتمد خصومة على المذهب؛ لترتبه على دعوى وجواب.
وجوابه: أن كلامه في الصلح الجاري بين المتداعيين لا بين المدعي وأجنبي كما صرح به " المنهاج ".
2260 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن صالح من دين على عينٍ أو على دينٍ .. لم يجز أن يتفرقا من غير قبض) محله: إذا اتفقا في علة الربا، فإن لم يكونا ربويين، أو لم يتفقا في علة الربا .. جاز التفرق من غير قبض، وإنما يشترط تعيين الدين في المجلس، وعلى ذلك مشى " المنهاج " بقوله [ص 259]: (ولو صالح من دينٍ على عينٍ .. صح؛ فإن تواقفا في علة الربا .. اشترط قبض العوض في المجلس) وقوله: (على عين) كذا في نسخة المصنف تبعًا لـ " المحرر " 290، وقال الشيخ برهان الدين بن الفركاح في " حواشيه ": وكأنه تصحيف، قال: وصوابه: (على غيره) بغين معجمة، ثم ياء، ثم راء، ثم هاء؛ أي: على غير ذلك الدين؛ احتراز مما إذا صالح على بعضه كما سيذكره بعده، وأما لفظة: (عين) فغلط؛ لأنها تنافي تفصيله الآتي بقوله: (فإذا كان العوض عينًا) إلى قوله: (أو دينًا) 291 وذلك لا يستقيم إذا فرضت أولًا في الصلح على عين، بخلاف لفظة: (غيره) فإنها تصدق على الدين والعين.
انتهى 292.
وتصدق على المنفعة أيضًا، فيصح الصلح على منفعة ويكون إجارة كما تقدم؛ ولذلك عبر في
الحديث: 2259 - الجزء: 2 - الصفحة: 51
" الروضة " وأصلها بـ (غيره) 293، وهو أعم من تعبير " التنبيه " أيضًا بـ (العين والدين)، وقال السبكي: إن في بعض نسخ " المحرر ": (على عوض)، قال: وهو الصواب؛ لتقسميه إياه بعد إلى عينٍ ودينٍ.
2261 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن صالح من ألف على خمس مئة .. لم يصح، وقيل: يصح) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " بقوله في الصلح من الدين على بعضه [ص 260]: (ويصح بلفظ الصلح في الأصح) وهو مفهوم من إطلاق " الحاوي " صحة الصلح على بعض المُدَّعى 294.
2262 - قول " المنهاج " [ص 260]: (فإن عجَّل المؤجل .. صح الأداء) محله: إذا لم يظن صحة الصلح ووجوب التعجيل، فإن ظن ذلك .. استرد قطعًا، كمن ظن أن عليه دينًا فأداه، فبان خلافه، قاله السبكي، ويوافقه ما في " الروضة " وأصلها في (الكتابة) أن المكاتب لو عجل نجمًا قبل المحل على أن يبرئه عن الباقي، فأخذه وأبرأه .. لم يصح القبض والإبراء، ولو قال: (أبرأتك عن كذا بشرط أن تعجل الباقي)، أو (إذا عجلت كذا .. فقد أبرئتك عن الباقي) فعجل .. لم يصح القبض ولا الإبراء 295، وقال في " المهمات ": تظافرت نصوص الشافعي على البطلان، فلتكن الفتوى عليه، ولا عبرة بما عداه.
2263 - قوله: (النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المُدَّعَى، وكذا إن جرى على بعضه في الأصح) 296 فيه أمور:
أحدها: أن الصلح على سكوت كالصلح على إنكار، كما صرح به سليم وغيره، وهذا وارد أيضًا على اقتصار " التنبيه " و" الحاوي " على الإنكار 297.
ثانيها: أن عبارتهم تتناول ما إذا جرى على إنكار ثم أقر بعد ذلك، فمقتضاها: استمرار البطلان، وبه صرح الماوردي 298، لكن استشكله السبكي، وخالفه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: الذي يظهر أنها لا تخرَّج على مسألة من باع مال أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا؛ لأن المدعى عليه الذي صار مشتريًا يدعي العين لنفسه، فكيف يُعاوض ملكه بملكه على معتقده ظاهرًا؟ فمن أجل هذا إقراره بعد ذلك لا يصح له الصلح؛ لأنه كان له مندوحة عن ذلك بأن يقر ثم يصالح، فلما
الحديث: 2261 - الجزء: 2 - الصفحة: 52
قصر .. كان الصلح باطلًا، بخلاف تلك المسألة؛ فإن المشتري لا يدعي العين لنفسه، وليس منه تقصير، فكان الأصح فيه: الصحة 299.
ثالثها: دخل في عبارتهم أيضًا: ما إذا أقام المدعي بعد الإنكار بيّنة، والذي صرح به الماوردي في هذه الصورة: صحة الصلح؛ لثبوت الحق 300، ووافقه الغزالي بعد القضاء بالملك، واستشكله قبله؛ لأن له سبيلًا إلى الطعن.
رابعها: قوله: (على نفس المدعى) لا يستقيم؛ فإن (على) و (الباء) يدخلان في باب الصلح على المأخوذ، و (من) و (عن) على المتروك، وصوابه: (على غير المدعى) بالغين المعجمة والراء، وكذا هو في " المحرر " و" الروضة " وأصلها 301، والذي في " المنهاج " تصحيف، وفي " التنبيه " [ص 104]: (ثم صالح منه على شيء)، وأطلق " الحاوي " بطلان الصلح على الإنكار لا مع الأجنبي 302.
خامسها: محل الخلاف المذكور هنا فيما إذا جرى على بعضه: ما إذا كان المدعى به عينًا، فأما إذا كان المدعى به دينًا؛ فإن صالح منه على عين .. ففيه خلاف مرتب، وأولى بالبطلان، فلا ينبغي التعبير فيه بـ (الأصح) لضعف مقابله، وإنما ينبغي التعبير فيه بـ (الصحيح)، وإن صالح منه على دين .. بطل جزمًا، فتستثنى هذه الصورة من محل الخلاف، والله أعلم.
2264 - قول " المنهاج " [ص 260]: (وقوله: " صالحني عن الدار التي تدعيها " ليس إقرارًا في الأصح) يستثنى من الخلاف: ما إذا قال: (عن دعواك الكاذبة، أو عن دعواك فقط، أو صالحني فقط) .. فلا يكون إقرارًا قطعًا.
2265 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن صالح عنه أجنبي؛ فإن كان المدعى دينًا .. جاز الصلح، وإن كان عينًا .. لم يجز حتى يقول: " هو لك وقد وكلني في مصالحتك") فيه أمور:
أحدها: أنه لا فرق بين الدين والعين، فاعتبر في العين أن يقول: (هو لك وقد وكلني في مصالحتك)، ولم يعتبر ذلك في الدين، والذي في " الروضة " وأصلها التسوية بينهما في اشتراط قول الأجنبي: (وكلني المُدَّعى عليه في الصلح وهو مقرٌ لك) 303، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " 304.
الحديث: 2264 - الجزء: 2 - الصفحة: 53
وقال شيخنا الإسنوي في " تصحيحه ": الصواب: بطلان صلح الأجنبي عن الدين أيضًا إذا أنكره المدعى عليه حتى يقول الأجنبي للمدعي: (حقك ثابتٌ) 305.
ثانيها: مقتضى عبارتهم جميعًا: أنه لا يكفي قوله: (وكلني في مصالحتك)، وهو ماش على الأصح في أن قوله: (صالحني عما تدعيه) ليس إقرارًا، فإن قلنا: إنه إقرار .. فقياسه: الاكتفاء بالوكالة هنا، ويوافقه تصحيح الماوردي الصحة فيما لو قال المنكر للأجنبي: (وكلتك في الصلح) لقطع الخصومة 306.
ثالثها: أنه اكتفى بقوله: (هو لك)، وكذا ذكره القاضي أبو الطيب، وصححه الماوردي 307، وسكت عليه النووي في " تصحيحه "، والذي في " المنهاج " و" الحاوي" أن يقول: (هو مقر لك) 308، وحمل ابن يونس كلام " التنبيه " عليه، وفي " الروضة " وأصلها: لو قال في العين: هو منكر، ولكنه مبطل، فصالحني له على عبدي هذا؛ لتنقطع الخصومة بينكما .. فوجهان، قال الإمام: أصحهما: لا يصح؛ لأنه صلح إنكار، فإن كان دينًا .. فالمذهب: القطع بالصحة، والفرق: أنه لا يمكن تمليك الغير عين مال بغير إذنه، ويمكن قضاء دينه بغير إذنه 309.
رابعها: في " الروضة " من زوائده: لو قال: (صالحني عن الألف الذي لك على فلان على خمس مئة) .. صح، سواء كان بإذنه أم لا؛ لأن قضاء دين غيره بغير إذنه جائز.
انتهى 310.
وهذا يقتضي أنه لا يعتبر التوكيل في المصالحة، وهو إن صح وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
واعلم: أن عبارة " المنهاج " في هذه المسألة [ص 260]: (فإن قال: " وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر لك " .. صح)، ثم قال: (ولو صالح لنفسه والحالة هذه .. صح)، وعبارة " المحرر ": (فإن قال الأجنبي: " إن المدعى عليه وكلني في الصلح وهو مقرٌّ في الظاهر، أو غير مقر إلا أن الأجنبي قال: إنه أقر عندي ووكلني .. صح الصلح، وإن صالح لنفسه والمدعى عليه مقرٌ .. صح) 311.
الجزء: 2 - الصفحة: 54
قال السبكي: والوافي بالاختصار أن يقول: فإن قال: (وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقر)، أو قال: (هو مقرٌّ لك) .. صح، ولو صالح لنفسه في الحالة الأولى .. صح، ولو أسقط قوله: (لك)، فقال: (وهو مقر) .. صح، لكن فيه إسقاط المسألة الثانية؛ أعني: إقراره في الباطن، والإتيان بالأولى، وهو الإقرار ظاهرًا، ولو بقينا ما في " المنهاج " .. انعكس الحال، وسقط الشراء لنفسه من المسألة الأولى، وهي: الإقرار ظاهرًا، وذكره في الثانية، وهي: الإقرار باطنا، وليس ذلك في " المحرر " ولا في " الشرح " و " الروضة ". انتهى.
وقال شيخنا الإسنوي: كلامه يقتضي أنه لا فرق في الصحة بين أن يقر ظاهرًا أو باطنًا، وهو في الظاهر مسلم، وأما في الباطن: فلم يصرح الرافعي ولا " المصنف " بحكمه في شيء من كتبهما، حتى في " المحرر "، وصرح بها الإمام، واقتضى كلامه: أنه كشراء المغصوب، وهو واضح.
انتهى 312.
ثم محل الصحة: ما إذا كان المُدَّعى عينًا، فإن كان دينًا .. فهو بيع الدين لغير من هو عليه، وقد تقدم في " المنهاج " أن الأظهر: بطلانه 313، وصحح في " الروضة " من زوائده: صحته، وقد تقدم 314.
وقول " المنهاج " في هذه الصورة: (وكأنه اشتراه) قال شيخنا ابن النقيب: إنه أحسن من قوله في " الروضة ": (كما اشتراه) فإنه شراء حقيقة، فلا معنى للتشبيه 315.
قلت: التشبيه موجود في العبارتين معًا، والمراد: كما لو اشتراه بلفظ الشراء لا بلفظ الصلح، والله أعلم.
2266 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن قال: " هو لك وصالحني عنه على أن يكون لي " .. جاز) محله: ما إذا كان قادرًا على انتزاعه لأنه مغصوب؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 260]: (فهو شراء مغصوب، فيفَرَّقُ بين قدرته على انتزاعه وعدمها) وهو معنى قول " التنبيه " عقبه [ص 104]: (فإن سلم له .. انبرم، وإن لم يسلم .. رجع فيما دفع) أي: إن سلم له بقبضه من غاصبه .. انبرم؛ أي: لزم، وإن لم يسلم لعجزه عن قبضه .. رجع فيما دفع إن اختار فسخ العقد، ولكنها عبارة غير مفصحة عن المقصود.
وقد أورد شيخنا الإسنوي وغيره على " التنبيه ": أن عبارته تتناول ما إذا كان دينا مع أنه باطل
الحديث: 2266 - الجزء: 2 - الصفحة: 55
كما تقدم على اضطراب فيه، والحق: أنه لا يرد؛ لأن كلام " التنبيه " في العين.
نعم؛ يرد ذلك على " المنهاج " لإطلاقه، إلا أن يؤخذ أن كلامه في العين من قوله في بعض نسخه: (انتزاعها)، وكذا في " المحرر " (1)، ولكن في بعض نسخ " المنهاج ": (انتزاعه)، وقد سلم من ذلك " الحاوي " بقوله [ص 315]: (ولنفسه في العين إن قال: " مبطلٌ "، وقدر على الانتزاع) لكن ظاهر قوله: (وقدر) أنه لا يكفي مجرد ظنه القدرة، بل لا بد من حصول القدرة، وهو وجه، والأصح: الاكتفاء.
2267 - قول " المنهاج " [ص 260]: (وإن لم يقل: " هو مبطل " .. لغا الصلح) يتناول ثلاث صور:
أحدها: هو محق.
والثانية: لا أعلم حاله.
والثالثة: أن يقول: (صالحني) ولا يذكر شيئًا، وهذه الثالثة ليست في " الروضة " وأصلها، وقال السبكي: إن الأمر فيها كما يفهمه إطلاق " المنهاج "، وقواه بكلام للماوردي (2).
فصلٌ [الصلح والتزاحم على الحقوق المشتركة]
2268 - قول " المنهاج " [ص 260]: (الطريق النافذ لا يُتصرف فيه بما يضر المارة) نبه في " الدقائق " على أنه أحسن من تعبير" المحرر ": (بما يبطل المرور) لأن كل ما أبطل ضر، بخلاف العكس، فتعبير " المنهاج " أعم 318.
قلت: لكن قوله بعد: (ولا يشرع فيه جناحٌ ولا ساباطٌ يضرهم) 319 غير محتاج إليه؛ لدخوله في عبارته أولًا، وانما ذكره في " المحرر " لأنه لم يدخل في عبارته أولًا، فلو قال: (فيشترط ارتفاع الجناح والساباط ... إلى آخره) .. لاستقام.
وقال السبكي: ذكر الجناح والساباط في " المنهاج " نخصيص بعد تعميم، بخلافهما في " المحرر " 320.316317
الحديث: 2267 - الجزء: 2 - الصفحة: 56
2269 - قول " التنبيه " [ص 104]: (ويجوز أن يشرع الرجل جناحًا إلى طريق نافذ إذا كان عاليًا لا تستضر به المارة) فيه أمور:
أحدها: أنه لا يخفى أن لفظ (الرجل) لا مفهوم له في ذلك؛ فالمرأة والخنثى كذلك.
ثانيها: أنه لم يذكر للعلو الذي اعتبره ضابطًا، وضبط ذلك " المنهاج " بقوله [ص 260، 261]: (بحيث يمر تحته - أي: الماشي - منتصبًا.
وإن كان ممر الفرسان والقوافل .. فليرفعه بحيث يمر تحته المحمل على البعير مع أخشاب المظلة) وهو معنى قول " الحاوي " عطفًا على الممتنع [ص 315]: (وضار بالمار منتصبًا والمحمل مع الكنيسة إن وسع) 321، واعتبر الماوردي في غير ممر الفرسان مع إمكان مرور الماشي منتصبًا: أن يسعه وفوق رأسه الحمولة العالية 322، ومال إليه في "المطلب ".
ثالثها: ظاهره أنه لا يعتبر انتفاء ضرر المارة إلا من جهة عدم العلو خاصة، وليس كذلك، فمقتضى لفظ الشافعي والأكثرين أن يشترط أيضًا: ألَّا يُظْلِم الموضع 323، وصرح به منصور التميمي، وقيل: لا أثر لذلك، وقيل: إن مهنعه ألبتة .. منع، وإلا .. فلا، وهذا وارد على " المنهاج " و" الحاوي " أيضًا.
رابعها: يستثنى من عبارتهم جميعًا: الذمي، فيمنع من إشراع الجناح إلى شارع نافذ وإن جاز له استطراقه؛ لأنه كإعلاء البناء، صححه في " الروضة " وقال: إنه من المهمات المستفادة 324، قلت: وأفتيت بمنعه من البروز ببنائه في البحر على المسلمين قياسًا على منع الإعلاء والجناح، ولم أره منقولًا.
2270 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ويحرم الصلح على إشراع الجناح، وأن يبني في الطريق دَكَّةً، أو يغرس شجرة) لا يتخيل في قوله: (وأن يبني) أنه معطوف على (إشراع) فإنه لا يلزم منه تحريم أصل البناء، والحكم تحريمه، فهو معطوف على (الصلح) معمول لـ (يحرم) أي: يحرم الصلح وبناء دكة، وأوضح من ذلك قول " الحاوي " [ص 315]: (ولا يتصرف في الشارع بغرس، وبناء دكة)، ويشكل على ذلك: أنه يجوز غرس الشجر في المسجد مع الكراهة، كما في " الروضة " من زيادته في آخر شروط الصلاة 325.
الحديث: 2269 - الجزء: 2 - الصفحة: 57
وقال السبكي: ينبغي القول بجواز بناء الدكة عند فقد الضرر إذا كانت بفناء داره؛ لأنها في حريم الملك؛ ولأن الناس مازالوا يتخذون المساطب على دورهم من غير إنكار، قال: ولم أر من صرح بالمسألة.
2271 - قول " المنهاج " [ص 261]: (وغير النافذ يحرم الاشراع إليه لغير أهله، وكذا لبعض أهله في الأصح إلا برضا الباقين) فيه أمور:
أحدها: لو قال: (إلا برضا المستحقين أو أهله) .. لكان أولى؛ ليعود للمسألة الأولى أيضًا، وهي: ما إذا كان المشرع من غير أهله؛ فإنه لا يصح التعبير فيها بالباقين.
ثانيها: المراد: رضاهم مجانًا، ولا يجوز بأجرة، وقد صرح به " التنبيه " في قوله [ص 104]: (فإن صالحه مالكه على ذلك بعوض .. لم يجز)، وقد ذكره " المنهاج " في الشارع، وكان ذكره هنا أولى؛ لفهم تلك من هذه، بخلاف العكس، ويمكن أن يكون قول " المنهاج " [ص 261]: (ويحرم الصلح على إشراع الجناح) عامًا في الطريق النافذ وغير النافذ والأرض المملوكة، وإن كان إنما ذكره في قسم الطريق النافذ، وعبارة " التنبيه " [ص 104]: (ولا يجوز أن يشرع إلى درب غبر نافذ إلا بإذن أهل الدرب، وقيل: يجوز) وهو سالم من هذين الاعتراضين، لكن يرد عليه: أنه يفهم جريان وجه الجواز فيما إذا لم يكن من أهله، وليس كذلك، بل هو خاص بما إذا كان من أهله كما ذكره " المنهاج ".
ثالثها: يرد عليهما وعلى " الحاوي ": ما إذا كان في غير النافذ مسجد؛ فإن الرافعي نقل عن ابن كج وأقره: أنه لا يجوز في هذه الصورة لأهل الدرب سدّ بابه وقسمة الصحن بينهم؛ لأن المسلمين كلهم يستحقون الاستطراق إليه 326، ثم قال الرافعي: وعلى قياسه لا يجوز الإشراع عند الإضرار فين رضي أهل السكة؛ لحق سائر المسلمين 327.
قال في " المطلب ": وهذا يفهم أن أهل السكة إذا رضوا حيث لا ضرر .. جاز الإشراع، والذي يظهر أن يقال: إن كان الزقاق حيث أحْيِيَ .. أحيِيَت بقعة المسجد مسجدًا، فالأمر كما يفهمه كلامه، بل ينبغي جواز الإشراع حيث لا ضرر وإن لم يأذن أهل السكة؛ لأنه بمنزلة الشارع العام، لكن إن كان المسجد في أسفله .. ثبت الحكم المذكور في كله، فين كان في أوله أو وسطه .. ثبت الحكم المذكور من أول المسجد إلى أول الزقاق، وإن كانت بقعة المسجد أحييت ملكًا ثم وقفت مسجدًا .. فلا يجوز الإشراع إليه بغير رضا من في السكة وإن لم يكن ضرر، وعند إذنهم .. هل يجوز أم لا؟ فيه نظر، والأشبه: المنع، هذا كلام ابن الرفعة، ونازعه شيخنا الإمام
الحديث: 2271 - الجزء: 2 - الصفحة: 58
البلقيني في قوله: (الأشبه: المنع)، وقال: الصحيح: الجواز إذا لم يضر، وزاد حالة ثالثة، وهي: ما إذا لم يُعْلَم هل أحييت مسجدًا أو ملكًا ثم وقفت مسجدًا؟ وقال: هو محل نظر، والأقرب: أنه لا منع؛ لتحقق ملك فاتح الباب لجداره، والشك في لْبوت حق لمانعه، قال: ولم أره منقولًا.
رابعها: المتبادر إلى الفهم من عبارتهم: أن المراد باهل الدرب: ملاكه، فلا يعتبر حينئذ إذن المستأجر، لكن في " الكفاية " عن أبي الفضل التميمي: اعتباره أيضًا إن تضرر به.
2272 - قول " المنهاج " [ص 261]: (وهل الاستحقاق في كلها؟ ) كان ينبغي أن يذكر الضمير كما فعل فيما قبله، فيقول: (في كله) لعوده على غير النافذ.
وقوله: (لكلهم) 328، لو قال: (لكل منهم) .. لكان أحسن.
2273 - قول " التنبيه " فيمن ظهر داره إلى درب لا ينفذ [ص 104]: (وإن فتح لغير الاستطراق .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) الأصح: الجواز، وعليه مشى " المنهاج " و " الحاوي "، لكنهما عبرا بقولهما: (إذا سمَّره) 329 فتعبير " التنبيه " أعم منهما؛ لتناوله ما إذا فتحه للاستضاءة، وحكمهما سواء، وصححه أيضًا النووي في " تصحيح التنبيه " 330، ونسب الرافعي تصحيحه إلى الكرخي فقط 331، فقال النووي: صححه أيضًا صاحب " البيان " والرافعي في " المحرر "، وصحح الجرجاني والشاشي: المنع، وهو أفقه 332، وقال في " المهمات ": الفتوى على الجواز؛ فقد نقله ابن جرير عن الشافعي.
2274 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ومن له فيه بابٌ ففتح آخر أبعد من رأس الدرب .. فلشركائه منعه) فيه أمران:
أحدهما: أن (مِنْ) هذه هي المعدية لأبْعَدَ، وحذفت (من) التي يُجَرُّ بها المُفَضّل عليه هي ومجرورها؛ أي: أبعد من رأس الدرب من بابه، فكان ينبغي أن يأتي بهذه الزيادة، أو يقول: (أبعد عن رأس الدرب) ليزول هذا الإلباس 333.
وقد سلم من ذلك قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن كان في أول الدرب فأراد أن يؤخره إلى وسطه أو آخره .. لم يجز)، وإطلاق " الحاوي " الاحتياج إلى الإذن إذا لم يكن أقرب بسد الآخر 334.
الحديث: 2272 - الجزء: 2 - الصفحة: 59
ثانيهما: عبارته توهم أن لجميع شركائه المنع، وليس كذلك، بل يختص ذلك بمن بابه أبعد من باب الفاتح دون من بابه أقرب إلى رأس الدرب على الأصح، وهو مفهوم مما صححه " المنهاج " فيما تقدم: أنه تختص شركة كل واحد بما بين رأس الدرب وباب داره 335، وقول " الحاوي " [ص 315]: (وغير النافذ ملك كلٍ إلى بابه) ولم يتعرض لذلك " التنبيه ".
بقي: مَنْ بابُهُ مقابل المفتوح لا فوقه ولا تحته .. هل له المنع؟ لم يتعرض الرافعي لذلك، ونقل في " الروضة " من زيادته عن الإمام: أنه كمن هو أقرب إلى رأس السكة .. ففيه الوجهان؛ أي: والأصح: أنه لا منع له، وأقره على ذلك 336.
وتعقبه شيخنا الإمام البلقيني، وقال: المقابل مشارك على هذا الوجه في القدر الذي فتح فيه الباب .. فله المنع.
وقال في " المهمات": إن ما نقله عن الإمام ظاهر، والمراد بالمفتوح: الباب القديم، قال: ولو كان المراد: الجديد .. لكان المنع متفقًا عليه.
2275 - قول " التنبيه " في المسألة [ص 104]: (فأراد أن يقدمه إلى وسطه أو أوله .. جاز) قيده في " الكفاية " بما إذا سد الأول، فإن لم يسده .. منع كما في " المنهاج " وأصله و" الحاوي " 337، ولا حاجة لهذا القيد؛ لأن هذا زيادة باب لا تقديمٌ له، ويشترط مع السد: ألَّا يجعل المسدود دهليزًا لداره إذا كانت داره آخر الدرب عند من يجعل الشركة في جميع السكة للجميع، فإن فرعنا على الأصح: أن شركة كل واحد تختص بما بين رأس الدرب وباب داره .. فليس لهم منعه، ذكره في زيادة " الروضة " 338.
2276 - قول " المنهاج " [ص 261]: (ومن له داران تفتحان إلى دربين مسدودين، أو مسدودٍ وشارعٍ، ففتح بابًا بينهما .. لم يُمنع في الأصح) هو معنى قول " الحاوي " [ص 316]: (ولا في داره من أخرى) أي: فإنه لا يحتاج إلى إذن، قال الرافعي: موضع الوجهين: ما إذا سد باب إحداهما وفتح الباب لغرض الاستطراق، أما إذا قصد اتساع ملكه ونحوه .. فلا منع قطعًا 339.
قال النووي: هذه العبارة فاسدة؛ فإنها توهم اختصاص الخلاف بما إذا سد باب إحداهما، وذلك خطأ، بل الصواب: جريان الوجهين إذا بقي البابان نافذين، وكل الأصحاب مصرحون به، قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة وترك بابيهما على حالهما .. جاز
الحديث: 2275 - الجزء: 2 - الصفحة: 60
قطعًا، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا القاضي أبو الطيب في " تعليقه "، فالصواب: أن يقال: (موضع الوجهين إذا لم يقصد اتساع ملكه)، قال: وقوله: (الأصح: الجواز) تابع فيه صاحب " التهذيب "، وخالفه أصحابنا العراقيون، فنقلوا عن الجمهور: المنع، بل نقل القاضي أبو الطيب اتفاق الأصحاب على المنع، قال: وعندي أنه يجوز، هذا كلام "الروضة" 340.
واعترضه شيخنا الإمام البلقيني، فقال: ليس ذلك بخطأ؛ فقد صرح به المتولي في " التتمة " في (إحياء الموات)، فقال: إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما ويجعلهما دارًا واحدة ويترك البابين على ما كانا ويستطرق من كل واحد منهما إلى داره .. فليس لأحد منعه؛ لأنه متصرف في خالص ملكه، وكذلك لو أراد أن يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى .. فالحكم كذلك، فأما إن أراد أن يرفع الحاجز بينهما، أو يفتح بابًا من إحداهما إلى الأخرى ويسد أحد البابين ويستطرق إلى الدارين من أحد الدربين .. فهل لأهل الدرب منعه؟ اختلف أصحابنا فيه، فحكى الوجهين، وصحح: أنه ليس لأهل الدرب المنع.
انتهى.
قال شيخنا البلقيني: وعجب من النووي كيف خطَّأ الإمام في شيء ثم ما تم له جملة الاستدلال إلا وهو يستدل على نفسه؟ ! حيث قال: قال أصحابنا: ولو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارًا واحدة ويترك بابيهما على حالهما.
. جاز قطعًا، وذلك عين ما قال الإمام.
انتهى.
2277 - قولهما - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وحيث مَنعَ فَتْحَ الباب فصالحه أهل الدرب بمالٍ .. صح) 341، قال ابن الرفعة: هذا إذا لم يكن فيه مسجد، فإن كان فيه مسجد؛ فإن للمسلمين فيه حقًا .. فلا تجوز المصالحة عليه؛ أي: على ما يتعلق بالمسجد، ويبقى النظر في أنه هل يجوز من غير إذن؟
قلت: والظاهر: الجواز من غير استئذان يخص المسجد بعد أن يأذن الشركاء بالنسبة لبيوتهم؛ لأنه بالنسبة إلى المسجد كشارع مطروق.
2278 - قول " المنهاج " [ص 261]- والعبارة له - و " الحاوي " [ص 316]: (ويجوز فتح الكَوَّات) قيده صاحب " الشافي " بما إذا كانت عالية لا يقع النظر فيها على دار جار.
2279 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن حصلت أغصان شجرته في هواء غيره فطولب بإزالتها .. لزمه ذلك، فإن امتنع .. كان لصاحب الدار قطعها) محله: فيما إذا لم يمكن ليُّها لكونها يابسة، فإن كانت رطبة .. فلا يقطعها، بل يلويها.
الحديث: 2277 - الجزء: 2 - الصفحة: 61
2280 - قوله: (فإن صالح عنه على عوض .. لم يجز) 342 محله: فيما إذا صالح على الهواء، وكذا لو كانت الأغصان مستندة لجداره وهي رطبة في الأصح، فإن كانت يابسة .. فيجوز الصلح.
2281 - قول " المنهاج " في الجدار المختص [ص 261]: (ليس للآخر وضع الجُذُوع عليه في الجديد، ولا يُجْبَر المالك) فيه أمور:
أحدها: قد يفهم من تعبيره وتعبير " التنبيه " بالوضع اختصاص الخلاف بذلك، وأنه لا يجوز إدخال الجذوع في الحائط قطعًا 343، وليس كذلك، بل الخلاف جار فيه أيضًا.
ثانيها: عبارته تقتضي أن مقابله قديمٌ محضٌ، وليس كذلك، بل هو منصوص عليه في " الجديد " أيضًا، حكاه البويطي عن الشافعي، وهو من رواة الجديد، قال البيهقي في (إحياء الموات): لم نجد في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعارض هذا الحديث؛ أي: في النهي عن منع الجار من ذلك، قال: ولا يصح معارضته بالعمومات، وقد نص الشافعي في القديم والجديد على القول به، فلا عذر لأحد في مخالفته 344.
ثالثها: أطلق هو و" التنبيه " القول القديم، وله شروط: ألَّا يحتاج مالكه إلى وضع جذوعه عليه، وألَّا يزيد الجار في ارتفاع الجدران، ولا يبني عليه أَزَجًا 345، ولا يضع عليه ما يضره، وألَّا يملك شيئًا من جدران البقعة التي يسقفها، أو لا يملك إلا جدارًا واحدًا 346.
وعكس الإمام، فقال: إن كانت الجدر كلها لغيره .. فلا يضع، وإن كان له ثلاثة والرابع لجاره .. وضع 347.
ووافقه المتولي، وزاد: إذا لم يكن له إلا جانب أو جانبان .. فوجهان جاريان فيما إذا لم يملك إلا الأرض.
انتهى 348.
وكيف يقال: إن المتولي وافق الإمام مع تصريحه بإجراء الوجهين فيما إذا لم يملك إلا الأرض؟ ! أي: ولم يملك شيئًا من الجوانب، والإمام جازم في هذه الصورة بأنه لا يضع، والله أعلم.
رابعها: استثني من القولين: الساباط إذا أراد بناءه على شارع أو درب غير نافذ، وأن يضع
الحديث: 2280 - الجزء: 2 - الصفحة: 62
طرف الجذوع على حائط جاره المقابل، فلا يجوز ذلك إلا بالرضا قطعًا، قاله المتولي وغيره 349، ومشى عليه في " المطلب "، وهذا وارد أيضًا على إطلاق " التنبيه " حائط جاره؛ لشموله الملاصق والمقابل، وقد لا يرد على " المنهاج " لوضعه المسألة في الجدار بين مالكين، وهذا الجدار ليس بين مالكين، بل بين مالك وشارع.
خامسها: قد يفهم من قول " المنهاج ": (ولا يجبر المالك) أن هذا الحكم مجزوم به، وأن القولين إنما هما في الجواز ابتداء، وليس كذلك، فحذفه أولى، وجوابه: أن هذا مفرع على الجديد.
2282 - قول " المنهاج " [ص 262]: (فلو رضي بلا عوض .. فهو إعارة؛ له الرجوع قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصح) يخالفه قول الرافعي في الكلام على بيع الشجر: وقد يستحق [على] 350 المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذوع عليه 351، والمعتمد هو المذكور هنا.
2283 - قوله: (وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يبقيه بأجرةٍ أو يقلع ويغرم أرش نقصه) 352 كذا صححه في " الروضة " هنا 353، وسيأتي في " المنهاج " نظيره في العارية للبناء والغراس ومخالفة " الروضة " وغيرها له، قال الرافعي هنا: ولا تجيء الخصلة الثالثة فيمن أعار أرضًا للبناء، وهي التملك بالقيمة؛ لأن الأرض أصل، فاستتبع 354.
2284 - قوله: (فإن أَجَّرَ رأس الجدار للبناء .. فهو إجارةٌ) 355 قد يفهم أنه على قياس الإجارات في اشتراط بيان المدة، والأصح: خلافه.
2285 - قوله: (ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه .. فللمشتري إعادة البناء) 356 لو حذف لفظ (الإعادة)، وقال: (فللمشتري البناء) .. لكان أولى؛ ليتناول ابتداء البناء إن لم يكن بنى.
2286 - قوله: (وله أن يستند إليه ويسند متاعًا لا يضر) 357 لفظة: (لا يضر) ليست في " المحرر "، ولا بد منها.
الحديث: 2282 - الجزء: 2 - الصفحة: 63
2287 - قوله: (وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد) 358 فيه أمران:
أحدهما: قال في " الروضة ": لم يبين الرافعي الأظهر من القولين، وهو من المهمات، والأظهر عند جمهور الأصحاب: الجديد، وصحح صاحب " الشامل ": القديم، وأفتى به الشاشي، وقال الغزالي في " الفتاوى ": الأقيس: أنه لا يجبر، والاختيار: أنه إن ظهر للفاضي أن امتناعه مضارة .. أجبره، وإن كان لإعسار أو لغرض صحيح أو شك فمه .. لم يجبر، قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الغزالي وإن كان أرجح من إطلاق القول بالإجبار .. فالمختار الجاري على القواعد: أن لا إجبار مطلقًا.
انتهى 359.
وممن صحح الإجبار صاحبا " الذخائر " و" المرشد "، وأفتى به ابن الصلاح 360، وصحح عدم الإجبار صاحب " التنبيه "، ومشى عليه " الحاوي " 361، والحق: أن الرافعي لا يحتاج إلى بيان الأظهر؛ فإن المقرر أن الجديد هو المعمول به إلا إذا بين خلاف ذلك.
ثانيهما: أطلق " التنبيه " و" المنهاج " القولين، وكذا في " الروضة " وأصلها 362، وقيدهما الإمام والغزالي بعمارة يختل الملك بتركها 363، ولا إجبار في الزيادة على ذلك قطعًا، وقيدهما ابن داوود بما لا يقسم، فإن أمكنت القسمة .. فلا إجبار قطعًا.
2288 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (فإن أراد إعادة منهدمٍ بآلةٍ لنفسه .. لم يمنع) 364 قيده في " التعليقة " على " الحاوي " بما إذا اختص بالأسِّ، وتبعه على ذلك البارزي، والمنقول خلافه، وقد قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: أساس الجدار مشترك بينهما، فكيف جوزتم له بناءه بآلة نفسه، وأن ينتفع به بغير إذن شريكة؛ فالجواب: أن له حقًا في الحمل .. فكان له إعادته لأجل ذلك 365.
2289 - قول " المنهاج " [ص 263]: (ولو قال الآخر: " لا تنقضه وأغرم لك حصتي" .. لم تلزمه إجابته) هذا مفرع على الجديد، فأما على القديم - وهو لزوم العمارة - .. فعليه إجابته.
2290 - قول " التنبيه " [ص 104]: (فإن أراد أحدهما أن يبني .. لم يمنع منه) يتناول ما إذا بناه
الحديث: 2287 - الجزء: 2 - الصفحة: 64
بالآلة المشتركة؛ فإنه قال بعده: (وإن بناه بما وقع من الآلة .. فهو مشترك بينهما) 366، وكذا صرح به في " المهذب " 367، قال في " الكفاية ": وهو مقتضى كلام غيره من العراقيين والخراسانيين، وقال في " المطلب ": إنه الأشبه، وحكى الإمام اتفاق الأصحاب عليه 368، لكن جزم في " الروضة " و" المحرر " و" المنهاج " بالمنع من الإعادة بالنقض المشترك 369، وهو مفهوم قول " الحاوي " [ص 316]: (ولا تركها بآلته) فإنه يفهم أنه يلزم بترك العمارة بالمشترك، قال الرافعي في " الشرح ": وهو الظاهر من المنقول، والمتوجه من جهة المعنى، مع أنه نقل المنع عن الإمام والغزالي 370، وأسقط ذلك من " الروضة " ذهولًا عنه؛ لكونه مذكورًا في الكلام على ألفاظ " الوجيز "، ورجح السبكي: أنه ليس لصاحب السفل منع صاحب العلو، وللشريك في الجدار المشترك المنع.
وظاهر قول " التنبيه " [ص 104]: (فهو مشترك بينهما) أي: كما كان، وصرح به " المنهاج " فيما إذا تعاونا على إعادته بنقضه، ثم قال: (ولو انفرد أحدهما وشرط له الآخر زيادة .. جاز، وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) 371.
واعترض عليه: بأنه إن كان التصوير في الإعادة بالنقض المشترك .. فشرطه: أن يجعل له الزيادة من النقض في الحال، فإن شرطه بعد البناء .. لم يصح؛ لأن الأعيان لا تؤجل، قاله الإمام 372، وفيه بحث للرافعي، وهو تخريجه على الخلاف فيما لو شرط للمرضعة جزءًا من الرقيق المرتضع في الحال 373، ووافقه ابن الرفعة إذا ورد بصيغة الإجارة دون ما إذا ورد بصيغة الجعالة؛ لأن المحذور في الإجارة العمل في خالص ملكه.
ورده السبكي: بأن الإمام علل بأن الأعيان لا تؤجل، وهو لازم في الجعالة لزومه في الإجارة، هذا كله إن صورت بالإعادة بالمشترك، فإن صورت بالإعادة بآلة أحدهما .. خرج على قولي الجمع بين بيع وإجارة.
2291 - قول " الحاوي " [ص 316]: (وإن ادعى على اثنين ملكًا، وصدّق واحد وصالح ..
الحديث: 2291 - الجزء: 2 - الصفحة: 65
للمكذب الشفعة) اعترض عليه: بأنه مخالف لما في " الروضة " وأصلها في آخر (الإيلاء) في داربين اثنين ادعى أحدهما جميعها والآخر نصفها، فصدقنا الثاني بيمينه؛ لليد، ثم باع مدعي الكل نصيبه من ثالث، فاراد الآخر أخذه بالشفعة، وأنكر المشتري ملكه .. أنه يحتاج إلى البينة، ويمينه في الخصومة مع الشريك أفادت دفع ما يدعيه الشريك لا إثبات الملك له.
انتهى 374.
وعلى الأول: فيستثنى منه: ما إذا تعرض المكذب لكون الشريك المصدق مالكًا لنصيبه في الحال .. فإنه لا يأخذ بها؛ فقد قال الرافعي في " الشرح الصغير " و" التذنيب ": إنه القياس 375، وقال في " الكبير ": ينبغي القطع به 376، وقال النووي: إنه الصواب، وقطع به القاضي أبو الطيب في " تعليقه " 377.
2292 - قول " التنبيه " [ص 104]: (وإن استهدم فنقضه أحدهما .. أجبر على إعادته، وقيل: هو أيضًا على قولين) أي: القولان السابقان.
ذكر في " الروضة " وأصلها عن " التهذيب " وغيره: أن النص: إجبار الهادم على إعادته، وأن القياس: أنه يغرَّم نقصه، ولا يجبر على البناء؛ لأن الجدار ليس مثليًا 378، وذكر في " المهمات ": أن الحائط متقومة بلا نزاع، وأن الصواب: ما قاله في " الكفاية " و" المطلب ": أن المراد من نص الشافعي: إنما هو الإجبار على أن يبني مع شريكه، وعبارة النص: (ويُؤخذ صاحب السُّفل بالبناء إذا كان هَدَمَه على أن يبنيه، أو هدمه لغير علةٍ) 379، قال في " المهمات ": وهذا حق لا شك فيه، وهو الذي فهمه صاحب " التعجيز " في اختصاره لـ" التنبيه "، والنص محتمل للأمرين، والأدلة القطعية تقتضي ما قلناه؛ فتعين المصير إليه، وجزم به الرافعي في (كتاب الغصب)، فقال في أثناء تعليل: فصار كما لو هدم جدار الغير لا يكلف إعادته، ونص عليه الشافعي في " البويطي " نصًا صريحًا.
انتهى 380.
وقال شيخنا الإمام البلقيني بعد ذكر نص " البويطي ": فصار حينئذ في المسألة قولان للشافعي، والنووي قال في " فتاويه ": إن الفتوى على إيجاب الإعادة، وإنه المنصوص
الحديث: 2292 - الجزء: 2 - الصفحة: 66
والمذهب 381، قال شيخنا: والظاهر: أنه إنما قال: إن الفتوى على ذلك؛ من أجل النص، ولو اطلع على النص الآخر .. لقال: إنه المفتى به؛ لموافقة القياس.
انتهى.
وفي " المطلب " عن الإمام: أن التسوية ممكنة إذا كان بغير طين ونحوه من الأحجار، بل بعضها فوق بعض مرصوصًا على هيئة البناء 382، ثم قال ابن الرفعة: إنه يجبر في هذه الحالة على إعادته، كما في طم البئر بترابها، قال في " المهمات ": والذي قاله واضح 383.
وقال السبكي: إن التسوية بين صورة العلو والسفل والحائط المشترك شيء ذكره المحاملي والشيخ أبو إسحاق والبغوي، وأن النص إنما هو في العلو والسفل، وأن الفرق بينه وبين الجدار المشترك واضح؛ لأن صاحب العلو يستحق الحمل على السفل، وأحد الشريكين لا استحقاق له على الآخر؛ ألا ترى أن له أن يقاسمه، وأيضًا: فإنه لم يلتزم له شيئًا، بخلاف العلو؛ فإن صاحب السفل التزمه، فليست مسألة الجدار منصوصة للشافعي، ولا في معنى ما نص عليه، ثم مسألة الجدار المشترك غير جدار الغير، والرافعي سوّى بينهما فقال فيما إذا باع أرضًا وفيها حجارة: في وجوب الإعادة على هادم الجدار خلاف يُذكر في (الصلح) 384 كأنه فهم أن علة المنصوص: أنه من ضمان الجنايات، والصواب: أنه إنما هو لصون الأملاك.
انتهى.
2293 - قول " المنهاج " [ص 263]: (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء وإلقاء الثلج في مِلْكِه على مالٍ) فيه أمران:
أحدهما: أنه هو و" التنبيه " أطلقا الماء 385، والمراد به: الحاصل على سطحه من مطر إذا لم يكن له مصرف، أو المجلوب من نهر ونحوه إلى أرضه، فأما غسالة الثياب والأواني .. فلا يجوز الصلح على إجرائها على مالٍ، كما في " الروضة " وأصلها 386.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: مسألة الغسالات انفرد بذكرها المتولي في " التتمة "، وعبارته: فلو شرط أن يُجْرَى عليه الماء الذي يغسل به الثياب والأواني .. لم يصح الصلح؛ لأنه مجهول، والحاجة لا تدعو إلى تجويزه، قال شيخنا: وما المانع منه إذا بيَّن قدر الجاري إذا كان على السطح، وبيَّن موضع الجريان إذا كان على الأرض؛ والحاجة إلى ذلك أكثر من الحاجة إلى البناء، فليس كل الناس يبني، وغسل الثياب والأواني لا بد منه لكل الناس أو الغالب، وهو بلا شك يزيد
الحديث: 2293 - الجزء: 2 - الصفحة: 67
على حاجة البناء، فمن بنى حمامًا وبجانبه أرض لغيره، وأراد أن يشتري منه حق ممر الماء .. فلا توقف في جواز ذلك، بل الحاجة إليه آكد من حاجة البناء على الأرض؛ فلعل مراد المتولي من ذلك: حيث كان على السطح ولم يحصل البيان في مقدار ما يُصَبُّ.
انتهى.
ثانيهما: أنه سوّى بين إجراء الماء وإلقاء الثلج، مع أن الأولى تصح في الأرض والسطح، والثانية لا تصح إلا في الأرض خاصة.
الجزء: 2 - الصفحة: 68
بابُ الحَوالة
2294 - قول " التنبيه " [ص 105]: (الحوالة بيع) كذا صححه الرافعي والنووي، وصحح السبكي أنها استيفاء، وفسر الرافعي والنووي الاستيفاء: بأن المحتال كأنه استوفى ما على المحيل، وأقرضه المحال عليه 387، ورد السبكي تقدير الإقراض، وتردد في معنى استيفاء ما على المحيل بين احتمالين، أرجحهما عنده: تقدير ما في ذمة المحيل منتقلًا إلى ذمة المحال عليه، وبالعكس، فيسقط ويبقى ما للمحتال في ذمة المحيل كأنه قبضه ثم أودعه في ذلك المحل.
2295 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (يشترط لها رضا المحيل والمحتال) 388 قد يقال: لم اقتصر على اشتراط رضاهما، ولم يُعتبر الإيجاب والقبول كسائر العقود؟
وجوابه: أن المراد بالرضا هنا: الإيجاب والقبول، كما في " الروضة " وأصلها 389؛ فإنهما دليل الرضا، وإنما عُبر هنا بالرضا توطئة لما بعده من أنه لا يشترط رضا المحال عليه.
قال في " الروضة " وأصلها: ولو قال المحتال: أحلني، فقال: أحلتك .. ففيه الخلاف السابق في مثله في البيع، وقيل: ينعقد هنا قطعًا؛ لأن مبناها على الرفق والمسامحة.
انتهى 390.
وقال في " التتمة ": لا بد في العقد من لفظ الحوالة أو لفظ يؤدي معناها؛ بأن يقول: (نقلت حقك إلى فلان)، أو (جعلت ما أستحقه على فلان لك)، أو (ملكتك الدين الذي عليه بحقك)، قال: وهل يجوز بلفظ البيع؟ يُبْنَى على أن لفظ العقد إذا استعمل في غيره يراعى اللفظ أو المعنى؟ فإن راعينا اللفظ .. لم ينعقد، أو المعنى .. انعقد كالبيع بلفظ السلم.
انتهى.
وفي " الكافي ": لو قال: (أحلتك على فلان بكذا)، ولم يقل: (بالدين الذي لك عليّ) .. قيل: هو صريح في الحوالة، وقيل: كناية، فلا يكون حوالة إلا بالنية.
2296 - قول " المنهاج " [ص 264]: (لا المحال عليه في الأصح) يقتضي أن الخلاف وجهان، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (ولا يفتقر إلى رضا المحال عليه على المنصوص)، وحكى الرافعي عن ابن القاص: أن مقابله منصوص 391، فالخلاف حينئذ قولان، لكن أوّل السبكي ما في " التنبيه " على إرادة نصه على أنها بيع، فيتفرع عليه عدم اشتراط رضاه لا أن عدم الاشتراط منصوص عليه، وقال أيضًا: إن نقل ابن القاص مؤوّل، فالخلاف حينئذ وجهان، كما في
الحديث: 2294 - الجزء: 2 - الصفحة: 69
" المنهاج "، ومحلهما: إذا أحال على من له عليه دين، فإن أحال على من لا دين له عليه وصححناه .. فلا بد من رضاه، كما ذكره بعد ذلك.
2297 - قول " المنهاج " [ص 264]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 318]: (وتصح بالدين اللازم وعليه) قال في " الروضة ": أطلقه الرافعي تبعًا للغزالي، وليس كذلك؛ فإن دين السلم لازم، ولا تصح به ولا عليه على الصحيح، فينبغي أن يقول: (الدين المستقر) ليخرج هذا.
انتهى 392.
وقد ذكر الرافعي أيضًا: أنه لا يكفي لصحة الحوالة لزوم الدين، بل لا بد فيه من الاستقرار؛ لأن دين السلم لازم مع أن الأصح: أنه لا تصح الحوالة به ولا عليه.
انتهى 393.
ولذلك قال " التنبيه " [ص 105]: (ولا تصح إلا بدين مستقر وعلى دين مستقر، فأما ما ليس بمستقر؛ كمال الكتابة ودين السلم .. فلا تصح الحوالة به ولا عليه) كذا قال، لكن الأصح: صحة الحوالة بمال الكتابة لا عليه، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 394.
وقد يدخل في عبارتهما: ما إذا كان للسيد عليه دين معاملة، فأحال عليه، والأصح في هذه الصورة: الصحة، ولا نظر إلى سقوطه لعجزه، وقد يقال: إنها لا تَرِد؛ إذ ليست مال كتابة، ولو قالا: (لا عليه بها) .. لم ترد هذه الصورة قطعًا، على أن شيخنا الإمام البلقيني قد رجح: أنه لا تصح الحوالة بمال الكتابة، كما في " التنبيه " لمساواته لدين السلم في منع الاستبدال عنه وزيادته عليه؛ بأنه لا يلزم أبدًا ودين السلم لازم، وقال: الفرق بينهما صعب، قال: وعلى ذلك جرى القاضي والبغوي 395، وهو الأصوب، قال: ونص الشافعي في " الأم " على الجواز مفرع على أن الحوالة ليست بيعًا 396، ثم قال شيخنا: والذي يمكن أن يقال في الفرق: أن السيد إذا احتال بالنجم على مديون المكاتب .. لا يتطرق إليه أن يصير الدين لغير السيد؛ لأنه إن قبضه قبل التعجيز .. فلا كلام، وإن لم يقبض حتى حصل التعجيز .. فهو من جملة أموال المكاتب التي للسيد، بخلاف دين السلم؛ فإنه قد ينقطع المسلم فيه فيؤدي ذلك إلى أن لا يصل المحتال إلى حقه.
قال في " المهمات ": وما أطلقه الرافعي والنووي من اشتراط الاستقرار لا يستقيم 397؛ لأن الأجرة قبل مضي المدة، والصداق قبل الدخول والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ونحو ذلك غير مستقرة كما صرحوا به، ومع ذلك تصح الحوالة بها وعليها، ويكفي في إخراج السلم أن يقال
الحديث: 2297 - الجزء: 2 - الصفحة: 70
كما في " الكفاية ": يصح الاستبدال عنه، أو كما في " المطلب ": لا يتطرق إليه السقوط بتعذره في نفسه، وقد تفهم عبارة " التنبيه " أنه لا تصح الحوالة بالثمن مدة الخيار، ولا عليه، والأصح: صحته، وقد ذكره " المنهاج " 398، وأشار إليه " الحاوي " بقوله [ص 318]: (لازم أو أصله اللزوم).
وقد أورد على " التنبيه " و" المنهاج " في ذكرهما مع هذه المسألة: كونها لا تصح على من لا دين عليه، وقيل: تصح برضاه؛ لأنها إذا لم تصح مع وجود الدين بدون الاستقرار أو اللزوم .. فما ظنك مع العدم؟ فهو تكرار.
وأجيب: بأنهما ذكرا ذلك؛ ليحكيا فيه الخلاف.
وقد يجاب عنه: بأن المراد بالدين: ما يصح كونه دينًا وإن لم يوجد، وصوب في " التوشيح ": تعبير " المنهاج " بـ (المستقر)، وأنه لا يرد عليه دين السلم؛ إذ لا حصر فيه.
2298 - قول " المنهاج " [ص 264]: (ويشترط العلم بما يحال به وعليه قدرًا وصفة) وهو مفهوم من قول " الحاوي " بعد ذكر تساوي الدينين [ص 318]: (قدرًا وصفة بعلمهما).
أهملا الجنس، وقد يقال: هو مفهوم من العلم بالصفة، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (ولا يجوز إلا بمالٍ معلوم)، ولم يبين ما يحصل به العلم، والمعتبر: صفات السلم.
2299 - قول " المنهاج " [ص 264]: (ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا) لم يذكر الصفة، ولا بد منها، وقد عرفت أن " الحاوي " ذكر القدر والصفة، ولم يذكر الجنس، واعتبر " التنبيه " الاتفاق في الصفة والحلول، وقد يفهم من اعتبار التساوي في الصفة أنه إذا كان أحد الدينين به رهن أو ضامن .. لا بد أن يكون الآخر كذلك، ولا قائل به.
نعم؛ لو كان بأحدهما رهن أو ضامن .. قال شيخنا ابن النقيب: يبرأ الضامن وينفك الرهن، ولا ينتقل بصفة الضمان والرهن، وفي " الاستقصاء " ما يقتضي خلافه في المحال به، وخالف البارزي في المحال عليه.
انتهى 399.
وقال شيخنا الإسنوي في " التنقيح ": كثيرًا ما تقع الحوالة على دين به رهن أو كفيل، ولم أجد فيها نقلًا، وأجاب فيها البارزي: بانتقالهما إلى المحال؛ لأنهما من صفات الدين، فأشبه الحلول والتأجيل، وقياسًا على الوارث، قال شيخنا: وقد يمنع بأن الراهن والكفيل ربما رضيا بشخص دون شخص، وأما الوارث: فإنه خليفة المورث، ويده كيده، وأما الحلول والتأجيل: فلأن الدين لا يمكن انتقاله إلا بأحدهما.
انتهى.
الحديث: 2298 - الجزء: 2 - الصفحة: 71
وذكر في " التوشيح ": أن قول " التنبيه " [ص 105]: (وصار الحق في ذمة المحال عليه) قد يفهم أن الدين لا ينتقل بصفته من رهن أو كفيل، بخلاف قول " المنهاج " [ص 264] و" الحاوي " [ص 318]: (ويتحول حق المحتال إلى ذمة المحال عليه) فإن الرهن والكفيل من حق المحتال، وفيه نظر؛ فإن الحق المطلق في " التنبيه " هو حق المحتال، فلا تفاوت حينئذ بين العبارتين، ثم حكى في " التوشيح " عن والده: أنه صوب: أن الدين لا ينتقل بصفته، بل ينتقل مجردًا عن الرهن والكفيل، قال: وقد قاله ابن الصباغ والمتولي والرافعي فيما إذا أحال من له على اثنين ألف، وهما متضامنان على أن يأخذ المحتال من كل واحد خمس مئة؛ إذ قالوا: إنه يبرأ كل منهما عما ضمن، وقاله أيضًا الرافعي في (باب الضمان) فيما إذا كانت الألف على أحدهما والآخر ضامن، فأحال على الأصيل فقط إذ قال: يبرأ الضامن 400، وصرح المتولي بالانفكاك في الرهن أيضًا.
2300 - قول " الحاوي " [ص 318]: (فإن أفلس، أو جحد .. لم يرجع) فيه أمور: أحدها: أنه لو شرط الرجوع بذلك .. فهل تصح الحوالة والشرط، أم الحوالة فقط، أم لا يصحان؟ أوجه لا ترجيح فيها في " الروضة " وأصلها 401، فيرد ذلك على عبارته بتقدير رجحان الوجه الأول، وكذا يرد أيضًا على " التنبيه " و" المنهاج ".
ثانيها: أنه لو عبر بالإنكار .. لكان أعم؛ فإن الجحد لغةً: إنكار مع العلم 402، وقد عبر بالجحد أيضًا " المنهاج " 403، واقتصر " التنبيه " على تعذر الرجوع، ولم يمثله 404.
ثالثها: أنه اقتصر على الإفلاس والجحد، وزاد " المنهاج " [ص 264]: (نحوهما)، وليس ذلك في " الروضة "، ولا في شيء من كتب الرافعي، وأراد به: امتناعه، أو موت البينة بعد موته موسرًا، وهو داخل في قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن تعذر من جهته .. لم يرجع) وهل يدخل في ذلك الإقالة حتى لو صدر بين المحيل والمحتال تقايل في الحوالة .. لم يرجع على المحيل؟ يُبنى ذلك على صحة الإقالة في الحوالة، وقد قال شيخنا الإمام البلقيني: إنه كشف عن ذلك مصنفات كثيرة، فلم يجد التصريح بها، وأن الذي ظهر له: الجواز؛ لأن الصحيح: أنها بيع، وأن الخوارزمي صرح بالخلاف في ذلك وبتصحيح الجواز، وقيد المسألة: بأن يكون ذلك بدون إذن المحال عليه، ومقتضاه: أنه إن كان بإذنه .. صح وجهًا واحدًا.
قلت: وقد جزم الرافعي بأنه لا تجوز الإقالة في الحوالة، ذكر ذلك في أوائل (التفليس) في
الحديث: 2300 - الجزء: 2 - الصفحة: 72
أثناء تعليل في الكلام على موت المشتري مفلسًا قبل وفاء الثمن 405، وقد ظهر بذلك أنه لا يمكن مع تصحيح الإقالة عدم الرجوع على المحيل، بل متى صحت .. رجع عليه، والله أعلم.
2301 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن أحال المشتري البائع بالثمن على رجل، ثم وجد المشتري بالمبيع عيبًا فرده؛ فإن كان بعد قبض الحق .. لم تنفسخ الحوالة، بل يطالب المشتري البائع بالثمن، وإن كان قبل قبض الحق .. فقد قيل: تنفسخ، وقيل: لا تنفسخ) فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح: أنه لا فرق بين أن يكون ذلك بعد قبض الحق أو قبله، والأصح في الصورتين: الانفساخ، وعلى ذلك مشى " المنهاج " و" الحاوي " 406.
ثانبهما: ذكر الرد بالعيب مثال، فلو رده بخيار أو إقالة أو تحالف .. كان الحكم كذلك، وقد ذكر " الحاوي " هذه الصور كلها 407، واقتصر " المنهاج " أيضًا على الرد بالعيب 408.
واعلم: أن البطلان مبني على أن الحوالة استيفاء، ومقابله مبني على أنها بيع، فالترجيح في الفرع يخالف الترجيح في الأصل، ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا أحالها بصداقها ثم انفسخ النكاح واقتضى الحال الرجوع .. فإن الأصح: أن الحوالة لا تنفسخ، وقد فرقوا: بأن الصداق أثبت من غيره، وفيه نظر 409.
2302 - قول " الحاوي " [ص 319]: (وينفسخ بثبوت حرية المبيع) فيه أمور:
أحدها: أنه يفهم من تعبيره بالانفساخ: أنها صحت ثم انفسخت، وليس كذلك؛ فلم تنعقد هذه الحوالة من أصلها، وتعبير " التنبيه " و" المنهاج " بـ (البطلان) أرادا به ذلك 410.
ثانيها: أنه لم يبين ما تثبت به حرية المبيع، وفصل ذلك " المنهاج " بقوله [ص 265]: (ولو باع عبداً وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينةٍ .. بطلت الحوالة، وإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلّفاه على نفي العلم)، وصورة ثبوتها ببينةٍ: أن تشهد حسبة، أو يقيمها العبد، لا المتبايعان كما حكاه الرافعي عن البغوي والروياني، وأقرهما 411، وجزم به في " الشرح الصغير " لأنهما كذباها بالمعاقدة عليه، لكن الذي حكاه الروياني عن النص، وعليه يدل كلام الرافعي والنووي في الدعاوى، وصححه في " المهمات ": سماع البينة ممن لم يصرح قبل ذلك بالملك.
الحديث: 2301 - الجزء: 2 - الصفحة: 73
ثالثها: ذكر حرية المبيع مثال، فكل ما يمنع الصحة كذلك، ولذلك عبر " التنبيه " بـ (خروجه مستحقًا 412.
2303 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن اختلف المحيل والمحتال، فقال المحيل: " وكلتك في القبض "، وقال المحتال: " بل أحلتني " .. فالصحيح: أن القول قول المحيل، وقيل: القول قول المحتال) فيه أمور:
أحدها: في تعبيره بـ (المحيل والمحتال) تجوز؛ لأنه موضع النزاع، والصحيح: أنه لا يثبت بذلك كونه محيلًا؛ ولذلك عبر " المنهاج " بـ (المستحق عليه والمستحق) 413.
ثانيها: أن صورة المسألة: أن يتفقا على أن المستحق عليه قال: (أحلتك)، ولكنه قال: (أردت الوكالة)، وقال الآخر: (الحوالة)، أما لو اختلفا في صدور لفظ الحوالة .. فالمصدق النافي قطعًا، وقد أوضح " المنهاج " المسألتين، وبين أن الأولى هي موضع الوجهين 414.
ثالثها: محل تصديق المستحق عليه في الصورة الأولى: ما إذا قال: (أحلتك بمئة على زيد، أو بالمئة التي لي على زيد)، فلو قال: (أحلتك بالمئة التي لك عليّ على المئة التي لي على زيد) .. صدق المستحق قطعًا؛ لأنه لا يحتمل غير الحوالة، وهذا وارد على " المنهاج " أيضًا، وعلى قول " الحاوي " في (الدعاوى) [ص 687]: (والحوالة وإن جرى لفظها) أي: حلف مستحق الحوالة.
وتبعت في القطع الرافعي والنووي 415، لكن في " النهاية ": أن بعضهم جعل هذا وجهًا ثالثًا، ثم خالفه الإمام، ورأى الجزم بجعله حوالة 416.
2304 - قول " التنبيه " [ص 105]: (وإن قال المحيل: " أحلتك "، وقال المحتال: " بل وكلتني، وحقي باق عليك " .. فالأظهر: أن القول قول المحتال، وقيل: القول قول المحيل) يعود فيه ما سبق من التجوّز في التعبير بالمحيل والمحتال، ومن أن صورة مسألة الوجهين: أن يتفقا على صدور لفظ الحوالة، ويختلفا في المراد به، فلو تنازعا في اللفظ الصادر، هل هو لفظ الحوالة أو الوكالة؟ صدق المستحق قطعًا، ولم ينبه في " المنهاج " على هذا في هذه الصورة، وكأنه اكتفى بما سبق في الأولى.
الحديث: 2303 - الجزء: 2 - الصفحة: 74
بابُ الضَّمان
2305 - قول " المنهاج " [ص 266]: (شرط الضامن: الرشد) أورد عليه أمور:
أحدها: أنه يقتضي صحة ضمان المكاتب؛ لأنه رشيد، وليس كذلك؛ إذ ليس أهلًا للتبرع؛ ولذلك قال " الحاوي " [ص 320]: (صح ضمان أهل التبرع)، فأخرج المكاتب، وفي " التنبيه " قولان في ضمانه بإذن السيد 417، والأصح: صحته، وهو داخل في عموم قول " المنهاج " في (الكتابة) في مطلق التبرع [ص 598]: (ويصح بإذن سيده في الأظهر).
واعلم: أن الخلاف إنما هو في صحة ضمانه فيما في يده، كما أوضحه في " الكفاية "، واعتبر في " الروضة " صحة العبارة، وأهلية التبرع، واحترز بالأول: عن غير المكلف 418، ولا حاجة به إليه؛ لأن غير المكلف ليس أهلًا للتبرع، فهو حشو، ومع ذلك فأورد عليه: الأخرس المفهوم الإشارة .. فالأصح: صحة ضمانه، ولا عبارة له، وفيه نظر؛ فإن إشارته المفهومة يحصل بها التعبير عن مراده، فهي عبارة له وإن لم تكن لفظًا.
وذكر الرافعي: أن الإمام والغزالي احترزا بأهلية التبرع عن السفيه، ثم قال: إنما يظهر كون الضمان تبرعًا حيث لا رجوع، فإن ثبت .. فهو إقراض لا محض تبرع؛ بدليل النص على أن الضمان في مرض الموت بإذن المديون من رأس المال 419.
واعترضه في " الروضة ": بأن قوله: (إنه ليس تبرعًا) فاسد؛ فإنه لو سُلّم أنه كالقرض .. كان القرض تبرعًا 420، وذكر في " المهمات " أن التبرع إنما هو الأداء.
ثانيها: ينبغي أن يقول: (والاختيار) ليخرج المكره، فلا يصح ضمانه ولو كان المكره السيد لعبده، وهو وارد على " الحاوي " أيضًا.
ثالثها: أنه يصح الضمان من السكران المتعدي في الأصح وليس برشيد، فإن التزم أنه رشيد إسقاطًا للعارض الزائل - كما هو مقتضى كلامه في البيع - .. لزم صحة ضمان غير المتعدي بسكره من باب أولى، وليس كذلك.
وجوابه: أن المراد بالرشد: جواز التصرف، والمتعدي بسكره جائز التصرف، بخلاف المعذور.
الحديث: 2305 - الجزء: 2 - الصفحة: 75
رابعها: أن من سفه بعد الرشد ولم يحجر عليه .. يصح ضمانه وغيره من التصرفات، وليس برشيد.
وجوابه: أن المذكور رشيد حكمًا، فتناولته عبارته، ولا يرد هذان الأمران على " الحاوي " لأن المتعدي بسكره ومن طرأ له السفه قبل الحجر أهلان للتبرع، وعبارة " التنبيه " [ص 105]: (من صح تصرفه في ماله بنفسه .. صح ضمانه)، فلا يرد عليه سوى الإيراد الأول، وقد ذكر بعد ذلك في ضمانه بإذن السيد قولين، والأصح: صحته، وذكر في " الكفاية ": أنه احترز بقوله: (بنفسه) عن السفيه؛ لأنه يصح تصرفه في ماله بإذن وليه في الأصح، كذا قال، وهو مخالف لما قدمه في الحجر.
2306 - قول " المنهاج " [ص 266]: (وضمان محجورٍ عليه بفلسٍ كشرائه) أي: بثمن في الذمة، فالأصح: الصحة، وقد أفصح بذلك " التنبيه " بقوله [ص 105]: (والمحجور عليه بالإفلاس يصح ضمانه، ويطالب به إذا انفك الحجر عنه).
2307 - قولهما: (إنه لا يصح ضمان العبد بغير إذن سيده في الأصح) 421 يستثنى منه: المبعض إذا كان بينهما مهايأة، وضمن في نوبته .. فإنه يصح ضمانه.
2308 - قولهما: (إنه يصح ضمانه بإذنه) 422 محله: ما إذا لم يكن الدين لسيده؛ لأن الكسب المؤدى منه ملكه، بخلاف ضمان ما على السيد؛ فإنه يصح 423.
2309 - قول " المنهاج " [ص 266]: (فإن عيَّن للأداء كسبه أو غيره .. قُضِيَ منه) دخل في قوله: (غيره) مال التجارة الذي في يده، ومحله: ما إذا لم يكن على المأذون دين، فإن كان .. فالأصح عند النووي: أنه لا يؤدي إلا مما يفضل، وقيل: يشارك، وقيل: يبطل 424.
ومحل الأوجه: إذا لم يحجر عليه بطلب الغرماء، وإلا .. لم يؤد مما بيده قطعًا؛ ولذلك قال " التنبيه " [ص 106]: (وإن قال للمأذون له: " اضمن في مال التجارة " .. لزمه القضاء منه إلا أن يكون عليه دين) لكن ظاهره: أنه لا يقضي من مال التجارة إذا كان عليه دين مطلقًا مع أنه يؤدي ما فضل عن الدين كما تقدم، ثم إن مال التجارة لا يختص بالتعيين، فلو عيّن للأداء كسبه أو شيئًا من أموال السيد .. كان الحكم كذلك كما في " المنهاج ".
2310 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ويصح بإذنه، ويتبع به إذا عتق، وقبل: يؤديه من كسبه أو
الحديث: 2306 - الجزء: 2 - الصفحة: 76
من مال التجارة إن كان مأذونًا له فيه) الثاني هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " بقوله [ص 266]: (وإلا - أي: أذن ولم يعين - .. فالأصح: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة .. تعلق بما في يده وما يكسبه بعد الإذن، وإلا .. فبما يكسبه)، وفي عبارة " المنهاج " شيئان:
أحدهما: أن قوله: (بما في يده) يتناول كسب يديه باحتطاب ونحوه، لكن صرح في " المطلب " بعدم دخوله، ويوافقه أن الرافعي قيد ما في يده برأس المال والربح 425، وتعبير " التنبيه " بمال التجارة، وكسب يده ليس من مال التجارة.
ثانيهما: أنه قيد الكسب بما بعد الإذن، وكذا في " الروضة " وأصلها 426، وقيده ابن الرفعة بما بعد الضمان، وهو موافق لما ذكروه في الإذن في النكاح من أن المؤن فيما يتجدد بعد النكاح لا بعد الإذن، واستشكل الفرق على الأول، وفرق بينهما: بأن مؤن النكاح إنما تجب بعد النكاح، والدين ثابت قبل الضمان.
2311 - قول " المنهاج " [ص 266]: (والأصح: اشتراط معرفة المضمون له) أي: معرفة الضامن المضمون له، كما أفصح به " التنبيه " و" الحاوي " 427، فأضاف " المنهاج " المصدر إلى المفعول، وهو قليل، والمراد: معرفة العين لا النسب، قاله الماوردي 428.
ومعرفة وكيل المضمون له كمعرفته، وسواء ذكر الموكل وأضاف إليه أو نواه، قاله ابن الصلاح.
2312 - قوله: (وأنه لا يشترط قبوله ورضاه) 429 لو قال: (ولا رضاه) كما في " المحرر " 430 .. لكان أحسن؛ لأن بعضهم يشترط الرضا دون القبول.
2313 - قوله: (ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا) 431 كذا في كتب الرافعي والنووي تبعًا للإمام 432، وفيه وجه في " تعليق القاضي حسين ".
2314 - قوله: (ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) 433 أي: حقًا ثابتًا، كما في " الروضة "
الحديث: 2311 - الجزء: 2 - الصفحة: 77
وأصلها و" المحرر " و" الحاوي " 434، فيشمل الأعيان المضمونة بناء على الأصح، وهو: صحة ضمان الأعيان، وصحح " التنبيه " خلافه، وعبارته [ص 106]: (ولا تصح الكفالة بالأعيان كالغصوب والعواري، وقيل: تصح)، ولو عبر كما في " الحاوي " بـ (عينٍ تلزم مؤنة ردها) 435 .. لكان أحسن؛ ليدخل فيه المغصوب والمستعار والمستام، ويخرج عنه المودع والمستأجر والوكيل؛ فإنه لا يصح ضمان ما في أيديهم، وقد صرحوا بأن العين المستأجرة بعد المدة أمانة شرعية يجب ردها، فينبغي تجويز ضمان ردها على الأصح، ذكره الأمام السبكي، قال: اللهم إلا أن يقال: الواجب في الأمانة الشرعية إما الرد أو الإعلام.
ثم اعلم: أن المراد بضمان الأعيان: ضمان ردها، أما ضمان قيمتها لو تلفت .. فالأصح: منعه، والمراد: ثبوته باعتراف الضامن وإن لم يئبت على المضمون عنه؛ ففي الرافعي في أواخر (الإقرار): لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف، وأنا ضامنه، فأنكر عمرو .. فلزيد المطالبة في الأصح 436.
2315 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ويصح ضمان الدرك على المنصوص) شرطه: أن يكون بعد قبض البائع الثمن، كما صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 437.
2316 - قول " المنهاج " [ص 266]: (وهو: أن يضمن للمشتري الثمن إن خرج المبيع مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة) فيه أمران:
أحدهما: أنه يرد عليه ضمان الدرك للبائع، وهو: أن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقًا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة، وليس في عبارة " الحاوي " تخصيص ذلك بكون الضمان للمشتري، إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: (بعد قبض الثمن) 438.
ثانيهما: أن قوله: (أو ناقصًا) أي: المبيع، فيه نقص عما تشمله عبارة " المحرر " فمانها تشمل:
الصنجة الموزون بها المبيع، فيضمن نقصها للمشتري.
والموزون بها الثمن، فيضمن نقصها للبائع.
وكذا يتناول الصورتين قول " الحاوي " [ص 320]: (ونقصان الصنجة) وصور الرافعي الصورة
الحديث: 2315 - الجزء: 2 - الصفحة: 78
الأولى: بأن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا؛ فإنه إذا خرج دونه .. بطل البيع في قولٍ، وثبت الخيار في قولٍ 439.
وألجأه إلى ذلك كون المسألة في ضمان الثمن عند نقص المبيع، لكن اعترض عليه: بأنه لا يطابق قولنا: نقص لنقص الصنجة، وإنما نقص عما ذكره.
ومن صور نقص الصنجة: أن يقول: (بعتك رطلًا من هذا)، ويزنه بصنجة يدعي أنها رطل، فيضمن له ضامن نقصها، لكنه لا يكون ضامنًا للثمن، بل لما نقص.
2317 - قول " الحاوي " [ص 321]: (ويشملها ضمان الدرك) يقتضي أنه إذا لم يعين الضامن جهة، بل أطلق ضمان الدرك .. طولب إذا بأن الفساد بشرطٍ أو غيره، أو رُدّ بعيبٍ، والأصح عند الرافعي في " الشرح الصغير " والنووي في " الروضة ": خلافه 440.
2318 - قول " المنهاج " [ص 266]: (لازمًا) زاد " الحاوي " [ص 321]: (أو أصله اللزوم)، وعبارة " التنبيه " [ص 106]: (أو يؤول إلى اللزوم).
- 2319 - قول " المنهاج " [ص 266]: (لا كنجوم كتابة)، قال شيخنا ابن النقيب: الإتيان بالكاف يشعر بغير هذه الصورة، ولم أره.
نعم؛ لو ضمن عن المكاتب غير النجوم لأجنبي .. صح، أو للسيد؛ فإن قلنا: دينه يسقط بعجزه وهو الأصح .. لم يصح، وإلا .. فيصح؛ فهذه صورة ثانية على وجه.
انتهى 441. وكذا عبارة " التنبيه " [ص 106]: (فأما ما ليس بلازم ولا يؤول إلى اللزوم؛ كدين المكاتب .. فلا يصح ضمانه).
2325 - قول " المنهاج " [ص 266]: (ويصح ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصح) وعبارة " التنبيه " [ص 106]: (أو يؤول إلى اللزوم كثمن المبيع في مدة الخيار)، قال المتولي: محل الخلاف إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده .. فيصح قطعًا؛ لأن الدين لازم في حق من هو عليه، وأفره عليه الرافعي والنووي 442. واستشكله في " المهمات ": بأنه إذا كان الخيار للبائع .. فالملك في المبيع له بلا خلاف، أو على الصحيح .. فلا ثمن حينئذ على المشتري فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يصح ضمانه بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟ انتهى.
الحديث: 2317 - الجزء: 2 - الصفحة: 79
ويوافقه ما أشار إليه الإمام أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، وإلا .. فهو ضمان ما لم يجب؛ أي: إذا كان الخيار للبائع وحده، فالأصح: أن ملك المبيع له، وملك الثمن للمشتري (1).
2321 - قول " التنبيه " [ص 106]: (ومال الجعالة) أي: قبل فراغ العمل.
هو وجه، الأصح: خلافه، ولا يصح أن يُعد مال الجعالة مما يؤول إلى اللزوم؛ فإنه لا يؤول إلى اللزوم بنفسه؛ ولذلك قال " المنهاج " [ص 266]: (وضمان الجُعْلِ كالرهن به) أي: فيصح بعد الفراغ خاصة.
تَنْبِيْه [شروط المضمون]
اقتصر " التنبيه " و" المنهاج " و" الحاوي " على ذكر ثلاثة شروط للمضمون: كونه ثابتًا، ولازمًا، ومعلومًا، وكذا في " الروضة " وأصلها 444، وأهملوا شرطًا رابعًا نبه عليه الغزالي، وهو: كونه قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره، فيخرج القصاص وحد القذف ونحوهما 445. 2322 - قول " المنهاج " [ص 266]: (والإبراء من المجهول باطلٌ في الجديد) مأخذهما أنه تمليك أو إسقاط، فالجديد على الأول، والقديم على الثاني، ومقتضى البناء: تصحيح أنه تمليك، ولكن الصحيح: أنه لا يشترط علم المديون، وبنوه على أنه إسقاط، وجزم الرافعي في موضع بالإسقاط 446، وقال النووي في (باب الرجعة) من زوائده: المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد منهما، بل يختلف بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين 447. وقال السبكي: الصحيح: أنه إسقاط، ولكن اختلفوا، هل هو محض إسقاط كالإعتاق، أم تمليك للمديون ما في ذمته، فإذا ملكه .. سقط؟ على طريقين في " التتمة "، سماهما الرافعي رأيين 448، قال السبكي: فهو إسقاط فيه شائبة التمليك؛ ولهذا صح بلفظ التمليك، وجاز بيع الدين ممن عليه، وانتقل إلى الوارث، ولكن شائبة الإسقاط أغلب، ولا خلاف في أن المقصود به443
الحديث: 2321 - الجزء: 2 - الصفحة: 80
الإسقاط، وأن هذا المقصود حاصل منه، وإنما الخلاف في حقيقته في ذاته، ولا يترتب على تحقيق ذلك كبير فائدة، وإنما الفائدة في التفاريع، فمنها: الإبراء عن المجهول، قال الرافعي: إن قلنا: إسقاط .. صح، أو تمليك .. فلا، وهو ظاهر المذهب (1)، قال السبكي: يعني: عدم صحة الإبراء عن المجهول، لا أن الإبراء تمليك؛ لأن المشهور خلافه، ثم بسط ذلك.
2323 - قول " التنبيه " [ص 106]: (وقيل: يصح ضمان إبل الدية) هو الأصح، وعليه مشى " المنهاج " و" الحاوي " (2).
2324 - قول " المنهاج " [ص 267]: (ولو قال: " ضمنت مِمَّا لك على زيدٍ من درهمٍ إلى عشرةٍ " .. فالأصح: صحته) يقتضي أن الخلاف وجهان وكذا في " المحرر "، ورجحه في " أصل الروضة " (3)، لكن رجح في " الشرح الصغير ": أن الخلاف قولان.
2325 - قوله: (وأنه يكون ضامنًا لعشرة) (4) كذا في " المحرر " (5)، واستدرك عليه " المنهاج " فقال [ص 267]: (الأصح: لتسعة)، وكذا في " الحاوي " وقال [ص 321]: (كالإقرار)، وصحح في " المحرر " في (الإقرار): لزوم تسعة (6)، ولم يصحح في " الشرحين " في البابين شيئًا، بل نقل تصحيح العشرة هنا وهناك عن البغوي، ونقل هناك: تصحيح التسعة عن العراقيين والغزالي (7).
وفي نظيره من الطلاق من واحدة إلى ثلاث: ظاهر ترجيح " أصل الروضة ": وقوع الثلاث (8)، وفي " التنبيه ": يقع ثنتان، وأقره في " التصحيح " (9).
فصلٌ [في شروط صحة كفالة البدن]
2326 - قول " التنبيه " [ص 106]: (وفي كفالة البدن قولان، أصحهما: أنها تصح) شرطه فيما إذا كان على المكفول ببدنه مال:449450451452453454455456457
الحديث: 2323 - الجزء: 2 - الصفحة: 81
أن يكون ذلك المال مما يصح ضمانه، فلا تصح ببدن المكاتب للنجوم، وقد ذكره " المنهاج " و" الحاوي " 458.
وأن يكون المكفول ببدنه يستحق حضوره مجلس الحكم عند الاستعداء، وقد ذكره " الحاوي " 459.
2327 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن تكفل بجزءٍ شائع من الرجل، أو بما لا يمكن فصله عنه - أي: مع الحياة - فالكبد والقلب .. صح) أقره عليه النووي في " تصحيحه " 460، واقتصر " الحاوي " على الصورة الثانية، فقال [ص 321]: (وبما لا يبقى دونه).
وفي " الروضة " وأصلها في هذه الصورة أربعة أوجه بلا ترجيح:
البطلان، وبه قال أبو حامد وأبو الطيب وابن الصباغ.
والصحة.
والفرق بين ما يبقى البدن دونه أم لا، وصححه البغوي.
والفرق بين ما يعبر به عن جميع البدن؛ كالرأس والرقبة .. فيصح، وإلا .. فلا، وصححه القفال، ثم ذكر أن الجزء الشائع كالجزء الذي لا يبقى البدن دونه، فيكون فيه الوجهان، ثم زاد في " الروضة ": أن صاحب " الحاوي " قطع بالصحة فيما لا يحيى دونه أو جزء شائع 461.
2328 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن تكفل ببدن من عليه قصاص أو حد قذف .. صح) تعبير " المنهاج " بـ (عقوبة لآدمي) 462 أعم؛ لدخول التعزير فيها، ويوافقه تعبير " الحاوي " لأنه لم يستثن سوى حق الله تعالى 463.
2329 - قول " التنبيه " [ص 106، 107]- والعبارة له - و" المنهاج " [ص 267]: (وإن تكفل ببدن من عليه حد لله تعالى .. لم يصح) قد يقتضي جواز التكفل ببدن من عليه تعزير لله، وقد خرج ذلك بقول " الحاوي " [ص 321]: (لا لحق الله) لكن يرد عليه الزكاة؛ فإنه يصح ضمانها عمن هي عليه على الصحيح مع أنها حق الله تعالى.
2330 - قول " المنهاج " [ص 267]: (وتصح ببدن صبيٍ ومجنونٍ) أي: بإذن وليهما؛ لأنه قد
الحديث: 2327 - الجزء: 2 - الصفحة: 82
يجب إحضارهما ليشهد على صورتهما في الإتلاف وغيره، وحينئذ .. فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة 464.
2331 - قوله: (وغائب) 465 فيه أمران:
أحدهما: أن محله على الأصح: ما إذا تقدم منه الإذن.
ثانيهما: ظاهر إطلاقه أنه لا فرق بين أن يغيب إلى موضع يلزمه الحضور منه أم لا؛ بأن غاب إلى فوق مسافة العدوى وثم حاكم 466، وبه صرح الرافعي، لكنه حكى في موضع آخر عن الإمام: الجزم بعدم الصحة من مسافة القصر، وأقره، لكنه قال بعد ذلك: إنه تفريع على أنه لا يلزمه الحضور منه 467، والأصح: خلافه، ومال في " المطلب " إلى عدم الصحة؛ لأنه التزام ما لا يلزم.
وقال السبكي: إن ما في " المنهاج " ظاهر إذا كان دون العدوى أو فوقها وتكفل بإحضاره إلى مكان يلزمه الحضور فيه، وإلا .. فالصحيح: أنه إنما يلزمه الحضور من مسافة العدوى إذا لم يكن ثم حاكم، ففوقها أو ثم حاكم فيها .. لا ينبغي أن يصح بلا شك إذا لم يأذن، فإن أذن .. فقد يقال: لا يصح أيضًا؛ لأنه التزام ما لا يلزم، وإذنه لا يغير الحكم.
انتهى 468.
2332 - قوله: (وميتٍ ليُحْضِرَهُ فَيشْهَدَ على صورته) 469 فيه أمور:
أحدها: أن محل ذلك: إذا لم يعرف بنسبه.
ثانيها: أن محل ذلك: قبل الدفن، وإلا .. لم تصح الكفالة وإن لم يتغير كما دل عليه كلامهم فيما إذا مات بعد الكفالة، قاله شيخنا الإسنوي.
ثالثها: قال في " المطلب ": إذا شرطنا إذن المكفول ببدنه .. فيظهر اشتراط إذن الوارث 470.
قال في " المهمات ": سكت عمن يعتبر إذنه، والظاهر: أنه جميع الورثة.
الحديث: 2331 - الجزء: 2 - الصفحة: 83
2333 - قول " المنهاج " [ص 267]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 322]: (ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم بلا حائلٍ كمتغلبٍ) يقتضي عدم البراءة بتسليمه في غير مكان التسليم، وهو كذلك إذا كان للمضمون له غرض في الامتناع، فإن لم يكن له غرض .. قال الرافعي: فالظاهر: لزوم قبوله، فإن أبى .. رفعه إلى الحاكم؛ ليتسلمه عنه، فإن لم يكن حاكم .. أشهد شاهدين أنه سلمه له 471.
ونظير ذلك قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن أحضره قبل المحل وليس عليه ضرر في قبوله .. وجب قبوله) فلو قال: (ضمنت إحضاره كلما طلبه المكفول له) .. فهذا قد يتبادر إلى الفهم أنه يتكرر، ولا يخرج عن العهدة ما دام طلبه ثابتًا على المكفول ببدنه.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الذي يقتضيه النظر السديد: أنه لا يلزم غير المرة الواحدة، وأنه يكون مقتضى التكرير تعليق الضمان على طلب المكفول له، وتعليق الضمان باطل 472.
2334 - قول "التنبيه " [ص 107]: (وإن سلّم المكفول به نفسه .. برئ الكفيل) شرطه أن يقول: (سلّمت نفسي عن جهة الكفيل) ولا يكفي مجرد تسليمه نفسه، صرح به " المنهاج " و"الحاوي " 473.
وقد يفهم من عبارتهم: أن الكفيل لا يبرأ بتسليم أجنبي للمكفول، وليس على إطلاقه، بل يبرأ أيضًا بتسليمه عن الكفيل بإذنه، وكذا بلا إذن إن قبل المكفول.
2335 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن غاب .. لم يطالبه حتى يمضي زمان يمكن المضي فيه إليه) لا بد من اعتبار مدة الرجوع أيضًا، وقد صرح به " المنهاج " و" الحاوي " 474، وشرط إلزامه بإحضاره: أمن الطريق، وألَّا يكون ثم من يمنعه منه.
2336 - قول " المنهاج " [ص 267]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 322]: (فإن مضت ولم يُحضره .. حُبِسَ) شرط الحبس: ألَّا يؤدي الدين، وإذا أدَّى ثم حضر المكفول ببدنه .. فالمتجه - كما قال شيخنا الإسنوي -: أن له استرداده 475.
2337 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن مات .. سقطت الكفالة) فيه أمران:
أحدهما: أن الأصح عند الرافعي والنووي: أنه إذا لم يكن مشهور النسب واحتيج إلى إقامة الشهادة على عينه .. أنه يطالب بإحضاره ما لم يدفن 476، ولهذا قال " المنهاج " [ص 268]:
الحديث: 2333 - الجزء: 2 - الصفحة: 84
(والأصح: أنه إذا مات ودفن .. لا يطالب الكفيل بالمال)، لكن الحق: أن التقييد بالدفن إنما يحتاج إليه إذا كان الكلام في سقوط الكفالة كما في " التنبيه "، فأما إذا كان الكلام في عدم المطالبة بالمال كما في " المنهاج " .. فلا يحتاج إليه، بل يستوي في الوجهين قبل الدفن وبعده؛ ولهذا لم يذكر " الحاوي " هذا القيد لما كان كلامه في لزوم المال، وقد ذكر ذلك شيخنا الإسنوي، لكن في " شرح السبكي " ما يخالفه، ويميل إلى تصويب التقييد.
ثانيهما: في معنى موته في عدم المطالبة بالمال: هربه وتواريه، وقد ذكره " الحاوي " (1)، ولم يذكره " المنهاج "، وقد يقال: إنما لم يذكره " التنبيه " لأنه قال: (سقطت الكفالة)، والكفالة لا تسقط بهربه وتواريه، وإنما تتأخر المطالبة، لكنه يرد على " المنهاج " فإنه قال [ص 268]: (لا يطالب بالمال)، وهذا مشترك بين الصور كلها.
2338 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وقيل: يطالب الكفيل بما عليه من الحق) فيه أمران:
أحدهما: ظاهر كلامه: أن هذا الوجه مطلق، وقال السبكي والإسنوي: ظاهر كلامهم أن محله: إذا لم يخلِّف المكفول وفاءً، وهذا ينكت به على إطلاق " المنهاج " الوجهين أيضًا.
ثانيهما: أن تعبيره بالحق يتناول العقوبة مع أنه لا يطالب بها جزمًا؛ ولذلك عبر " المنهاج " و" الحاوي ": بالمال (2)، وقال النووي في " الروضة " - تفريعًا على المطالبة -: المختار: المطالبة بالدين (3).
2339 - قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن تكفل به بغير إذنه .. لم يصح، وقيل: يصح)، وعبارة " المنهاج " [ص 268]: (وأنها لا تصح بغير رضا المكفول) محل الوجه المرجوح: ما إذا تكفل بعد ثبوت المال، أما قبله: فلا يصح بدون إذن قطعًا، حكاه في " الكفاية " عن القاضي حسين، ولا بد من التنبيه هنا على ما تقدم من أن الكفالة ببدن الصبي والمجنون يعتبر فيها إذن وليه، وببدن الميت يعتبر فيها إذن وارثه.
فصلٌ [شروط الضمان والكفالة]
2340 - قول " المنهاج " [ص 268]: (يشترط في الضمان والكفالة لفظٌ يُشعر بالالتزام) يخرج الخط وإشارة الأخرس مع أن الضمان ينعقد بهما، وهذا يرد أيضًا على قول " الحاوي " [ص 322]:477478479
الحديث: 2338 - الجزء: 2 - الصفحة: 85
(بلفظ الالتزام)، وقول " المنهاج " تبعًا لـ" المحرر ": (يشعر) 480 قال السبكي: إنه أحسن من قول " الروضة " وأصلها: (صيغة دالة) 481 لأن الضمان بالكناية صحيح؛ إما قطعًا، وإما على الأصح، وهي مشعرة لا دالة 482.
2341 - قول " المنهاج " [ص 268] و" الحاوي " [ص 322]: (كـ " ضمنت دينك ") زاد في " المحرر " و" الشرح " و" الروضة ": (لك) 483.
2342 - قولهما أيضًا - والعبارة لـ" المنهاج " -: (ولو قال: " أُؤدي المال أو أُحضر الشخص " .. فهو وعدٌ) 484 محله: عند عدم القرينة، أما معها .. فقال في " المطلب ": ينبغي أن يصح، قال: ولكني لم أره، وأيده السبكي بشيء من كلام الماوردي وغيره 485.
2343 - قول " المنهاج " [ص 268]: (والأصح: أنه لا يجوز تعليقهما بشرطٍ) أورد عليه: أنه لا يحسن التعبير فيهما بالأصح؛ إذ ليس الخلاف فيهما على السواء، وعبارة " الروضة " في تعليق الضمان: لم يصح على المذهب، كما لا يصح مؤقتًا، وعن ابن سريج: إذا جاز على القديم ضمان المجهول وما لم يجب .. جاز التعليق، وأما الكفالة: فإن جوزنا تعليق ضمان المال .. فأولى، وإلا .. فوجهان كتعليق الوكالة، والفرق: أن الكفالة مبنية على الحاجة.
انتهى 486.
2344 - قول " الحاوي " [ص 323]: (لا تأخيرٍ معلومٍ في الإحضار) أحسن من قول " المنهاج " [ص 268]: (ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا .. جاز) لتصريح " الحاوي " بأنه لا بد من العلم بالأجل، وذلك مأخوذ من قول " المنهاج ": (شهرًا)، وهما معًا أحسن من قول " التنبيه " [ص 107]: (وإن شرط فيه أجلًا .. طولب به عند المحل) فإنه ليس فيه تصريح باشتراط كون الأجل معلومأ؛ فإنه قد يتناول ما إذا أجل بالحصاد والقطاف، وهو باطل في الأصح.
2345 - قول " الحاوي " [ص 323]- والعبارة له - و" التنبيه " [ص 107]: (بلا شرط خيار) أي: للضامن، فإن شرط للمضمون له .. لم يضر كما في " الروضة " وأصلها 487، ويوافقه تقييد " التعليقة " ذلك بما إذا شرطه لنفسه، ووقع في " توضيح البارزي الكبير ": أنه لا يصح بشرط الخيار لنفسه أو غيره، وهو مردود.
الحديث: 2341 - الجزء: 2 - الصفحة: 86
2346 - قول " المنهاج " [ص 268] و" الحاوي " [ص 323]: (ويصح ضمان الحال مؤجلًا) زاد " المنهاج " [ص 268]: (أجلًا معلومًا) وهو أحسن من قول " المحرر ": (ضمان المال الحال) 488 لشمول عبارتهما من تكفل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة.
2347 - قول " المنهاج " [ص 268]: (وللمستحق مطالبة الضامن والأصيل) أعم من قول " المحرر " و" الروضة ": (وللمضمون له) 489 فإنه يشمل الوارث، ولكنه يدخل المحتال مع أنه لا يطالب الضامن؛ لأن ذمته قد برئت بالحوالة 490.
2348 - قولهم: (وإن أبرأ الأصيل .. برئ الكفيل) 491 لو قالوا: (وإن برئ الأصيل) .. لكان أكثر فائدة؛ لشموله ما إذا برئ الأصيل من غير إبراء، بل بأداء أو حوالة أو اعتياض.
2349 - قولهم: (ولو مات أحدهما .. حل عليه دون الآخر) 492 أحسن من قول " المحرر ": (ولو حل على أحدهما بموته) 493 لإفادة العبارة الأولى الحلول بالموت مطلقًا 494.
2350 - قول " المنهاج " [ص 268]- والعبارة له - و" الحاوي " [ص 323]: (وإذا طالب المستحق الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) قد يفهم من مطالبته: جواز حبسه، والأصح: خلافه، وعليه مشى " الحاوي " فقال [ص 323]: (ولا حبسه إن حبس)، وهو مشكل؛ لأنه إذا انتفى الحبس .. لا يبقى للمطالبة فائدة؛ فإنه لا يبالي بها لا سيما وقد زاد ابن الرفعة في " المطلب " على ذلك: أنه لا يرسم عليه أيضًا؛ ولذلك صحح السبكي: جواز حبسه، وكذا قال شيخنا في " المهمات ": المتجه عند من أثبت له المطالبة بالخلاص: أن يجوز حبسه عند امتناعه من هذا الحق.
انتهى.
ولو ضمن بإذن الولي في صورة الصغير والمجنون .. طالب الولي 495، فلو اتفق ذلك بعد رشدهما .. فالمتجه: مطالبتهما، وإذن الولي في حالة الحجر يقوم مقام إذنهما، ولم أر من تعرض لذلك، والله أعلم.
2351 - قول " المنهاج " [ص 269]: (وللضامن الرجوع [على الأصيل] 496 إن وُجد إذنه في
الحديث: 2346 - الجزء: 2 - الصفحة: 87
الضمان والأداء) ليس فيه تصريح بوجود الأداء، مع أن الرجوع متوقف عليه بلا شك؛ ولهذا قال في " المحرر ": (إذا ضمن وأدى بإذنه) 497 وصدر " التنبيه " المسألة بقوله [ص 106]: (وإن قضى الكفيل الدين).
2352 - قولهم - والعبارة لـ " المنهاج " -: (وإن أذن في الضمان فقط .. رجع في الأصح) 498 صورة المسألة: أن يسكت عن الأداء، فلو نهاه عنه .. قال شيخنا الإسنوي: يتجه أنه إن نهاه بعد الضمان .. لم يؤثر، أو قبله؛ فإن انفصل عن الإذن .. فهو رجوع، أو اتصل به .. أفسده.
انتهى 499.
ويستثنى منه: ما إذا كان الضمان بالإذن قد ثبت بالبينة وهو منكر، كما إذا ادعى على زيد وعلى غائب ألفًا، وأن كلًا منهما ضمن ما على الآخر، فأنكر زيد، فأقام المدعي بذلك بيّنة، وأخذ من زيد .. فالأصح: أن زيدًا لا يرجع على الغائب بالنصف إذا كان مكذبًا للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه، فلا يطالب غير ظالمه.
2353 - قولهم فيما إذا أذن في الأداء دون الضمان: (إنه لا يرجع) 500 يستثنى منه: ما إذا أذن في الأداء بشرط الرجوع .. فصحح النووي: أنه يرجع، وهو أحد احتمالي الإمام 501، وحكاه في " الكفاية " عن الماوردي 502.
2354 - قولهم - والعبارة لـ" المنهاج " -: (أو صالح عن مئةٍ بثوبٍ قيمته خمسون .. فالأصح: أنه لا يرجع إلا بما غَرِمَ) 503 خرج به ما إذا باعه الثوب بمئة ثم تقاصا .. فإنه يرجع بالمئة قطعًا، ولو باعه الثوب بما ضمنه له عن فلان .. فالمختار في " الروضة " من زوائده: أنه يصح البيع، ويرجع بما ضمنه لا بالأقل 504، وادعى في " التوشيح " ورود هذه الصورة على قول " التنبيه " [ص 106]: (وإن دفع إليه عن الدين ثوبًا) دون تعبير " المنهاج ": بالمصالحة، وهو محتمل.
2355 - قول " المنهاج " [ص 269]: (ثم إثما يرجع الضامن والمؤدِّي إذا أشهدا بالأداء رجلين أو رجلًا وامرأتين) يكفي كونهما مستورين - وقد ذكر ذلك "الحاوي " 505 - ولو بأن فسقهما في الأصح.
الحديث: 2352 - الجزء: 2 - الصفحة: 88
قال السبكي: وعندي أنه لا بد أن يعدلهما حاكم، لكن لو كان يعلم عدالتهما، وكانا ممن يزكيان عند الحاجة .. كفى، ولا يكفي إشهاده من يُعْلَم سفره عن قرب 506.
2356 - قول " المنهاج " [ص 269]: (وكذا رجلٌ ليحلف معه في الأصح) محلهما: أن يموت الشاهد، أو يغيب، أو ترفع الواقعة إلى حنفي لا يقضي بشاهد ويمين، أما لو حضر وشهد وحلف معه عند من يحكم به .. رجع قطعًا، حكاه في " المطلب " عن جماعة 507.
2357 - قوله: (فإن لم يُشْهِد .. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذبه، وكذا إن صدقه في الأصح) 508 محلهما: إذا لم يأمره الأصيل بالإشهاد، فإن أمره به، فلم يفعل .. لم يرجع جزمًا، وإن أذن له في تركه .. رجع، ذكرهما الروياني في " البحر " 509.
2358 - قوله: (فإن صدقه المضمون له أو أدى بحضرة الأصيل .. رجع على المذهب) 510 عبر في " الروضة " في الأولى بـ (الأصح)، وفي الثانية بـ (الصحيح) 511.
2359 - قول " التنبيه " [ص 106]: (فإن شرط ضمانًا فاسدًا في بيع .. بطل البيع في أحد القولين) هو الأصح.
2360 - قوله: (فإن قال: " ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه " فألقاه .. لزمه ضمانه) 512 أطلق الضمان، وشرطه: أن تشرف السفينة على الغرق، وأن يكون فيها غير مالك المتاع.
الحديث: 2356 - الجزء: 2 - الصفحة: 89