كتابُ البيع
1660 - قول "التنبيه" [ص 87]: (باب ما يتم به البيع)، قال في "الكفاية": إنها ترجمة زائدة على ما في الباب؛ لأن الأمور المعتبرة في البيع: الصيغة، والعاقد، والمعقود عليه، مع أن هذا الأمر الثالث إنما هو مذكور في الباب الذي يليه.
وأجيب عنه: بأن المقصود في البيع: المعقود عليه، فكان غيره بالتتمة أليق.
1661 - قول "المنهاج" [ص 210]: (شرطه: الإيجاب، والقبول) موافق لاختيار الرافعي في "شرحيه" أن الصيغة والعاقد والمعقود عليه ليست أركانًا 1، لكن الظاهر: أنَّها أركان، وهو الذي في "شرح المهذب" تبعًا للغزالي 2، وسواء جعلنا الصيغة شرطًا أو ركنًا .. فيستثنى من اعتبارها: البيع الضمني؛ كقوله: أعتق عبدك عني بألفٍ، فلا يعتبر فيه إيجاب وقبول، بل يكفي الالتماس والجواب، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا، وقد ذكروه في بابه، والمختار: صحة البيع بالمعاطاة فيما يعد فيه بيعًا، والأحسن في الترتيب: تقديم العاقد، ثم المعقود عليه، ثم الصيغة، وبدأ في "المنهاج" و"الحاوي" بالصيغة، ثم العاقد، ثم المعقود عليه 3، وبدأ في "التنبيه" بالعاقد، ثم الصيغة، ثم المعقود عليه 4.
1662 - قول "التنبيه" [ص 87]: (بعتك أو ملكتك) أحسن من قول "المنهاج" [ص 210]: (وملكتك) بالواو، وهما معا أحسن من قول "الحاوي" [ص 259]: (بعت) فإن في تعبيرهما بكاف الخطاب إشارة إلى مسألة الوكيل في الشراء، فإنه المخاطب بالإيجاب، فلو قال: (بعت موكلك) .. لم يصح، بخلاف وكيل قبول النكاح، وأيضًا: فلو قال المشتري لصاحب السلعة: (بعت هذا بكذا)، فقال: (بعت) بغير كاف الخطاب .. فقيل: لم يصح، قاله شيخنا جمال الدين في "شرح المنهاج"، لكن لو قال المتوسط بينهما: (بعت هذا بألف)، فقال: (بعت أو نعم) .. فالأصح: أنَّه إيجاب صحيح، وهذه الصورة قد ترد على قول "التنبيه" [ص 87]: (وهو أن يقول البائع، ويقول المشتري).
1663 - قول "الحاوي" [ص 259]: (وشريت) تبع فيه الرافعي وغيره 5، لكن اختار السبكي أنَّه كناية.
الحديث: 1660 - الجزء: 1 - الصفحة: 678
1664 - قوله: (واشتر) 6 كذا صححه في "شرح المهذب"، وأطلق في "الروضة" وجهين 7.
1665 - قوله: (ولو مع: "إن شئت") 8 يقتضي بإطلاقه أنَّه لا فرق بين أن يقدمها على الإيجاب أو يؤخرها عنه، وقد قال السبكي: إن الصحة إنما هي فيما إذا أخرها، فقال: بعتك إن شئت، فلو قدمها فقال: (إن شئت بعتك) .. بطل قطعًا؛ لأن مأخذ الصحة أن المعلق تمام البيع لا أصله، فالذي من جهة البائع - وهو إنشاء البيع - لا يقبل التعليق، وتمامه - وهو القبول - موقوف على مشيئة المشتري، وبه يكمل حقيقة البيع.
انتهى.
ومقتضى عبارة "الحاوي": انحصار الإيجاب في الألفاظ التي ذكرها، وهي: (بعت وشريت وملكت واشتر)، ثم ذكر بعد ذلك (نعم) في جواب بعت، ثم ذكر لفظ الهبة، وذكر شيخنا جمال الدين في "شرحه" ألفاظًا نقل بعضها واستنبط بعضها؛ كقوله: وليتك، وأشركتك، وصالحتك بشرطه، وعوضتك، وهذا لك، وعقدت معك، والتقرير، والترك بعد انفساخ العقد، وكذا لفظ السلم في الأصح.
قلت: الأصح: البطلان في لفظ السلم، وقد ذكره "الحاوي" 9، واقتصر "التنبيه" و"المنهاج" على (بعت) و (ملكت) 10، ولم يحصرا الإيجاب فيهما.
1666 - قول "الحاوي" في عد صيغ الإيجاب [ص 259]: (اشتر) وفي صيغ القبول: (بِعْنِي) فيه نظر؛ فإن الأول ليس إيجابًا، وإنَّما يقوم مقامه، والثاني ليس قبولًا، وإنَّما يقوم مقامه.
1667 - قوله في القبول: (ونعم لجواب بعت واشتريت) 11 إنما يكون نعم قبولًا في جواب اشتريت، وأما في جواب بعت .. فهي إيجاب، فكان ينبغي ذكرها مع الإيجاب.
وجوابه: أن لفظ (نعم) يقوم مقام الإيجاب مرة ومقام القبول أخرى، فأخرها عن أمثلتهما جميعًا، ويرد على حصره ألفاظ القبول فيما ذكره قول المشتري: رضيت؛ فإنه يكفي، كما ذكره القاضي أَبو الطيب والروياني 12.
1668 - قوله: (وإن باع مال الطفل من نفسه، وعكسه) 13 أي: يجب القبول، كذا صححه
الحديث: 1664 - الجزء: 1 - الصفحة: 679
في "شرح المهذب" 14، وهو ظاهر إطلاق "التنبيه" و"المنهاج"، وأطلق في "الروضة" وجهين 15، قال الإمام: وموضعهما في القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل، كقوله: اشتريت لطفلي، أو اتهبت له، أما إذا قال: قبلت البيع والهبة .. فلا يمكن الاقتصار عليه بحال، حكاه عنه الرافعي في (الهبة)، وأقره 16، وحكى الماوردي ثالثًا: أنَّه لا حاجة للفظ، بل ينعقد بالرضا 17، قال في "المهمات": وهو قوي.
1669 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ويجوز تقدم لفظ المشتري) أي: في غير لفظ قبلت؛ فإنه لا يجوز تقديمه، كما صرح به الإمام 18، لكن في "الشرح" و"الروضة" في التوكيل في النكاح: صحة العقد به مع تقدم هذا اللفظ 19.
ويسثنى أيضًا: لفظ (نعم) إذا قبل بها، وهو مفهوم من قول "الحاوي" [ص 259]: (ونعم لجواب بعت واشتريت) فإنه يفهم عدم الاكتفاء به إذا لم يتقدمه أحد اللفظين.
1670 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ولو قال: "يعني"، فقال: "بعتك" .. انعقد في الأظهر)، كذا نقلهما في "الوسيط" منصوصين 20، وصوبه في "المهمات"، لكن صحح في "الروضة" و"شرح المهذب" تبعًا لـ"الشرح الصغير" أنهما وجهان 21، وقد يفهم من عبارته وعبارة "التنبيه": البطلان في قول البائع: اشتر مني، والأصح فيه: الصحة، كما ذكره في "الحاوي"، وقد تقدم 22.
1671 - قول "المنهاج" [ص 210] و"الحاوي" [ص 259]: (وينعقد بالكناية) أي: مع النية، ويستثنى: بيع الوكيل الذي شرط عليه فيه الإشهاد؛ فإنه لا ينعقد بالكناية جزمًا، لكن في "الوسيط": الظاهر في هذه الصورة: الصحة عند توفر القرائن 23، وأقره الرافعي والنووي 24، لكن أنكره في "المطلب" فقال: إنه مخالف لكلام الأئمة، وقول "المنهاج" [ص 210]:
الحديث: 1669 - الجزء: 1 - الصفحة: 680
(كـ "جعلته لك بكذا" في الأصح) يتعلق بقوله: (وينعقد بالكناية)، لا بالمثال الذي ذكره، فلو قدمه كما في "المحرر" 25 .. لكان أحسن، ثم محل الوجهين كما قال الإمام وأقره الرافعي والنووي: ما إذا عُدمت القرائن 26، فإن توفرت وأفادت التفاهم .. وجب القطع بالصحة 27، ولم يذكر "التنبيه" انعقاد البيع بالكناية، فيرد عليه.
ويرد على حصر "الحاوي" الكناية في الألفاظ التي ذكرها قوله: (سلطتك عليه) كما صححه النووي 28، وقوله: (باعك الله) كما في زيادة "الروضة" عن "فتاوى الغزالي" 29، والكتابة، فيصح بها البيع إذا كتب إلى غائب، فإن كتب لحاضر .. فوجهان، قال السبكي: ينبغي أن يكون أصحهما: الصحة.
1672 - قول "المنهاج" [ص 210]: (ويشترط ألَّا يطول الفصل) أي: بحيث يشعر بالإعراض عن القبول، ومقتضاه: اغتفار الفصل اليسير، ويخالفه قول "الحاوي" [ص 259]: (بلا فصل)، لكنه محمول على أن المراد: الفصل الطويل 30، وقول "المنهاج" [ص 210]: (بين لفظيهما)، لو قال: (بين الإيجاب والقبول) .. لكان أحسن؛ لئلا ترد الكتابة وإشارة الأخرس.
1673 - قول "الحاوي" [ص 259]: (وتخلل كلام أجنبي) مفتضاه: عدم الانعقاد ولو كان يسيرًا، وبه صرح في "شرح المهذب" 31، وصححه الرافعي في (النكاح) 32، لكنه صحح في (الطلاق والخلع): أنَّه لا يضر اليسير 33.
1674 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وأن يَقْبَلَ على وفق الإيجاب) أي: في المعنى، ولا يشترط اتفاق اللفظ، فلو قال: (بعتك)، فقال: (اشتريت) .. صح؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 259]: (موافق في المعنى)، ومقتضى كلامهما: البطلان فيما لو قال: بعتك بألف، فقال: قبلت نصفه بخمس مئة ونصفه بخمس مئة، لكن في "التتمة": إنه يصح، واستشكله الرافعي: بأنه أوجب عقدًا فقبل عقدين 34، قال في "شرح المهذب": والأمر كما قال
الحديث: 1672 - الجزء: 1 - الصفحة: 681
الرافعي من الإشكال، لكن الظاهر: الصحة 35.
قال في "المهمات": وإنَّما ساق الرافعي مقالة "التتمة" مساق الأوجه الضعيفة، ومقتضى كلامهما: البطلان أيضًا فيما لو باعه بألف فقبله بألف وخمس مئة، وبه جزم الرافعي في (كتاب الوكالة والخلع) 36، لكنه حكى هنا عن "فتاوى القفال" الصحة، واستغربه 37، والذي في أوائل "فتاوى القفال": الجزم بالبطلان، لكنه أعاد المسألة بعد ذلك بيسير، وقال فيها: جاز أن يوجد البيع مرة أخرى، وكأنه أشار بذلك إلى التفاء بوجود القبول على وفق الإيجاب مرة أخرى من غير إعادة الإيجاب، فلم يقف الرافعي على كلامه الأول، ووقف على أول الثاني ذاهلًا عن تتمته، قاله في "المهمات"، قال: وإذا قلنا بالصحة .. صح بالألف فقط، ولغا ذكر الخمس مئة، كما أشار إليه الإمام 38.
1675 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وإشارة الأخرس بالعقد كالنطق) ذكر في "الدقائق" أنَّه زاد على "المحرر" لفظة: (بالعقد) ليحترز عن إشارته في الصلاة وبالشهادة، فليس لها حكم النطق فيهما في الأصح.
انتهى 39.
ويلتحق بهاتين الصورتين ما إذا حلف الأخرس أنَّه لا يتكلم، فأشار إشارة مفهمة .. فالأصح: أنَّه لا يحنث، لكن ذكر السبكي أن هذه الزِّيادة مضرة؛ لأن الفسخ في ذلك كالعقد، قال غيره: وكذا الدعوى والإقرار إشارته بهما كالنطق، وذكر الشيخ فخر الدين محمد بنُ على المصري: أنَّه يحتاج أن يزيد فيه، فيقول: (كالنطق فيه)، وإلا .. يلزمه أن يكون قبول الأخرس البيع في الصلاة كقبوله بالنطق، فتبطل صلاته.
1676 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وشرط العاقد: الرشد، وعدم الإكراه بغير حق) ذكر في "الدقائق" أنَّه أصوب من قول "المحرر": (يعتبر في المتبايعين التكليف) لأنه يرد عليه ثلاثة أشياء، أحدها: أنَّه ينتقض بالسكران؛ فإنه يصح بيعه على المذهب مع أنَّه غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول، والثاني: أنَّه يرد عليه المحجور عليه لسفهٍ؛ فإنه لا يصح بيعه مع أنَّه مكلف، والثالث: المكره بغير حق؛ فإنه مكلف لا يصح بيعه، قال: ولا يرد واحد منها على "المنهال".
انتهى 40.
الحديث: 1675 - الجزء: 1 - الصفحة: 682
وقد اعترض عليه بأمور:
أحدها: أن ما ذكره من صحة بيع السكران مع أنَّه غير مكلف كلامان متنافيان لا يمكن اجتماعهما.
فالأول للفقهاء: صححوا تصرفاته النافعة له والمضرة به حتَّى ما يوجب الحد، ولا معنى للتكليف سوى هذا.
والثاني لأهل الأصول؛ قالوا: إنه غير مكلف، فلا أثر لتصرفاته عندهم لا النافعة ولا المضرة، فخلط النووي طريقة الفقهاء بطريقة الأصوليين.
ثانيها: أن الشَّافعي رضي الله عنه نص على أنَّه مكلف، فقال: وهذا - أي: السكران - آثمٌ مضروبٌ على السُّكْرِ غَيْرُ مرفوع عنه القَلَمُ.
انتهى 41.
وهو خلاف ما قاله النووي من أنَّه غير مكلف.
ثالثها: أن السفيه والمكره لا يردان على عبارة "المحرر" أيضًا؛ لأن معنى قوله: (ويعتبر في المتبايعين التكليف) أنَّه لا بد في كل بيع منه؛ أي: من التكليف، وهذا صحيح، ولا يلزم عكسه، وهو اعتبار بيع كل مكلف، لكن التعرض لهما أحسن، لكن لا يردان على "المحرر".
واعترض على تعبير المنهاج بـ (الرشد) بأمور:
أحدها: أنَّه يخرج السكران أيضًا كما أخرجه قيد التكليف عند الأصوليين، إلَّا أن يفرض في سكر لا يخرجه عن الرشد لجهل أو إكراه، وهو نادر.
ثانيها: أنَّه يرد عليه الفاسق؛ فإن بيعه صحيح، وليس برشيد؛ إذ الرشد صلاح الدين والمال.
ثالثها: أورد عليه أيضًا من طرأ سفهه بعد فك الحجر عنه؛ فإنه لا بد من إعادة الحجر عليه على الصحيح، فإذا باع قبل إعادة الحجر .. صح مع أنَّه ليس برشيد.
رابعها: أن عبارته تتناول الصبي؛ فإنه وصفه بالرشد في قوله في الصيام: (أو صبيانٍ رشداء) 42 مع أنَّه لا يصح بيعه، أورده الشيخ فخر الدين المصري، وقال: ولو قال: (شرطه: أن يكون مختارًا غير محجور عليه) .. لم يرد شيء.
واعترض على هذه العبارة: بأن السكران يصح بيعه ولا يتحقق أنَّه مختار، والمكره بحق يصح بيعه وليس بمختار، فالأحسن أن يقال: غير مكره بباطل ولا محجور، وعبر "التنبيه" بقوله [ص 87]: "لا يصح البيع إلَّا من مطلق التصرف غير محجور عليه).
ويرد عليه: عدم الإكراه بغير حق، وذكر في "الكفاية": أن مقتضى كلامه: تحقق الرشد،
الجزء: 1 - الصفحة: 683
حتَّى لو جهل رشده .. لا يصح، قال: ولم أره لأحد.
قلت: في اقتضاء عبارته لذلك نظر، وتعبير "المنهاج" بالرشد أقرب إلى اقتضاء ذلك من تعبير "التنبيه" بعدم الحجر، ولم يذكر "الحاوي" شيئا من هذه الشروط للعاقد.
وأجيب عنه: بأنه أهمل التكليف؛ لذكره له في الحجر، والاختيار؛ لتعرضه له في الطلاق.
1677 - قول "المنهاج" [ص 210]: (وعدم الإكراه بغير حق) فيه أمران:
أحدهما: يستثنى منه: ما لو أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع .. فإنه يصح، كما قاله القاضي حسين في (كتاب الطلاق)، وهو الأصح في نظيره من الطلاق، ولو أكره أجنبي الوكيل على بيع ما وكل فيه .. فأصح احتمالي أبي العباس الروياني عنده: البطلان، والثاني: الصحة.
ثانيهما: صوّر في "الروضة" الإكراه بحق بأن توجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه أو شراء مال أسلم إليه فيه، فأكرهه الحاكم عليه .. فإنه يصح بيعه وشراؤه 43، وقال السبكي: كان بعض شيوخنا يصوره بمن أمر عبده بالبيع، فامتنع، فأكرهه .. فإنه يصح؛ لأنه من الاستخدام الواجب، ورده شيخنا جمال الدين رحمه الله بإلزام الإبطال فيما إذا قال: بع عبدي وإلَّا قتلتك؛ إذ لا استخدام له عليه مع أنَّه يصح كما تقدم؛ لكونه أبلغ في الإذن، فكأنه ليس إكراهًا، بل هو إذن مؤكد.
قال شيخنا الإمام شهاب الدين بنُ النقيب: وفي الرد نظر؛ فإن قوله: (بع عبدي وإلَّا .. قتلتك) إكراه بغير حق، لا طريق إلى تصحيح البيع فيه إلَّا كونه إذنًا مؤكدًا، وأما هنا: فإنه إكراه بحق وعلة حَقّيَّتِه الاستخدام، فالمعلل هنا: كونه بحق، وصحة البيع مرتبة عليه، والمعلل هناك: صحة البيع؛ لكونه مأذونًا فيه، فافترقا.
انتهى 44.
وصورّه بعضهم: بما إذا أسلم عبدِ لكافر محجور عليه .. فإن الحاكم يجبر الولي على بيعه، وذكر شيخنا جمال الدين من صوره: ما إذا أذن شخص لعبد غيره في بيع ماله، قال: فللسيد إكراهه على بيعه.
1678 - قولهما - والعبارة لـ"التنبيه" -: (وإن باع عبدًا مسلمًا من كافر .. بطل البيع في أصح القولين) 45 فيه أمور:
أحدها: أن هذا إنما هو فيما إذا اشتراه لنفسه، فإن اشتراه لمسلم .. صح إن سمى الموكل، وكذا إن نواه، وقلنا: يقع الملك أولًا للموكل، وهو الأصح، ويشكل: بمنع توكيل المسلم كافرًا في قبول نكاح مسلمة.
الحديث: 1677 - الجزء: 1 - الصفحة: 684
ثانيها: أنَّه يلتحق ببيعه لكافر بيعه لمسلم يشتريه بطريق الوكالة لكافر .. فلا يصح، ولا ترد الصورتان على "الحاوي" لتعبيره بقوله [ص 260]: (وإسلام من يُشْتَرى له) فبين أن النظر للمُشْتَرَى له لا لمن يباشر الشراء كما اقتضته عبارتهما.
ثالثها: أفهم كلامهما صحة بيع المرتد من الكافر، وكذا أفهمه كلام "الحاوي"، وهو ظاهر قول الرافعي والنووي: إن الخلاف فيه كالوجهين في قتله بالذمي؛ لأن الأصح: قتله به 46، لكن صحح في "شرح المهذب": أنَّه لا يصح بيعه له؛ لبقاء علقة الإسلام 47.
را بعها: بيع بعضه ككله، والهبة والوصية كالشراء، وقد ذكرهما "الحاوي" 48.
خامسها: يستثنى من ذلك: ما إذا كان يعتق عليه .. فإنه يصح في الأصح، وقد ذكره "المنهاج" 49، وصحح في "شرح المهذب": القطع به، ثم قال: وقيل: على القولين.
انتهى 50.
فحكى طريقة الخلاف قولين، وهي في "المنهاج" وجهان، وذكره "الحاوي" أيضًا بقوله [ص 260]: (ومسلم لا يعتق بعده).
وقد يقال: إن هذا الكلام يتناول ثلاث صور:
شراء القريب: وقوله: أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض، فأجابه.
وإذا أقر بحرية مسلم في يد غيره ثم اشتراه؛ لأنه يعتق في الصور الثلاثة بعد الشراء.
وقد يقال: إنما تناول كلامهما الصورة الأولى فقط، فترد الثانية والثالثة، وفي "الروضة" من زيادته: قال المحاملي في "اللباب": لا يدخل عبدِ مسلم في ملك كافر ابتداءً إلَّا في ست مسائل:
إحداها: بالإرث.
والثانية: يسترجعه بإفلاس المشتري.
الثالثة: يرجع في هبته لولده.
الرابعة: إذا رد عليه بعيب.
الخامسة: إذا قال لمسلم: أعتق عبدك عني، فأعتقه وصححناه.
السادسة: إذا كاتب عبده الكافر، فأسلم العبد، ثم عجز عن النجوم .. فله تعجيزه، قال
الجزء: 1 - الصفحة: 685
النووي: وهذه السادسة فيها تساهل؛ فإن المكاتب لا يزول الملك فيه ليتجدد بالتعجيز.
وترك سابعة، وهي: ما إذا اشترى من يعتق عليه، والله أعلم 51.
قال في "المهمات": وافقه عليه ابن الرفعة في "المطلب" وغيره، وهو عجب 52! فقد تركا مسائل كثيرة تزيد على ثلاثين مسألة:
إحداها: أن يرجع إليه بتلف مقابله قبل القبض، وفي معناه: ما إذا أتلفه متلف .. فإنا نُخير البائع، فإذا خيرناه، فاختار الفسخ .. عاد الملك إلى البائع الكافر.
الثانية: أن يبيع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب، ثم يجد بالثوب عيبًا .. فله أن يرد الثوب ويسترد العبد على الصحيح، كما ذكره الرافعي والنووي في هذا الباب 53.
الثالثة: إذا تبايع كافران عبدًا كافرًا، فأسلم العبد قبل القبض .. فإن المشتري يثبت له الخيار إذا قلنا: يمتنع عليه قبضه، كذا قاله الإمام، وامتناع القبض قد صححه الرافعي والإمام 54، فإذا فسخ .. فقد دخل المبيع المسلم في ملك البائع الكافر.
الرابعة: إذا باع الكافر العبد المسلم لمسلم بشرط الخيار للمشتري .. فإن الصحيح: أن الملك لمن له الخيار، وبالفسخ يدخل في ملك الكافر.
الخامسة: أن يتبايع كافران كافرًا بشرط الخيار للبائع، فيُسلم العبد .. فانه يدخل في ملك الكافر بانقضاء خيار البائع.
السادسة: أن يرده عليه لا بالعيب، بل لفوات شرط كالكتابة والخياطة ونحوهما، ولو قيل: بأنه يمتنع على المشتري رده بالعيب إذا وقع الإسلام في يده .. لكان متجهًا؛ لما حدث عنده من السبب المقتضي لرفع يده ويد أمثاله من الكفار عنه.
السابعة: إذا اشترى ثمارًا بعبد كافر، فأسلم، ثم اختلطت الثمار وفسخ العقد كما هو مقرر في بابه.
الثامنة: إذا كان للكافر عبدِ مسلم مغصوب، فباعه ممن يقدر على انتزاعه، فعجز قبل قبضه .. فإن للمشتري أن يفسخ، ومثله: ما إذا باعه وهو غير مغصوب، فغصب قبل قبضه.
التاسعة: إذا باعه من مسلِم رآه قبل العقد، ثم وجده المسلم متغيرًا عما كان .. فله الفسخ.
العاشرة: أن يبيعه لمسلم وماله غائب في مسافة القصر .. فللكافر الفسخ؛ لتضرره بالصبر إلى إحضار الثمن.
الجزء: 1 - الصفحة: 686
الحادية عشر: أن يبيعه بصبرة من طعام، ثم يظهر أن تحتها دَكَّةً أو غيرها .. فله الفسخ؛ لأنه كالتدليس.
الثانية عشر: أن يبيع العبد المسلم لمسلم، ثم يتقايلا .. فلا يجوز إن جعلنا الإقالة بيعا، وإن جعلناها فسخًا - وهو الصحيح - .. فعلى الوجهين في الرد بالعيب كما قاله الرافعي 55.
الثالثة عشر: أن يجعل الكافر عبده المسلم رأس مال سلم، أو يجعل عبده الكافر كذلك، ثم يسلم العبد، وينقطع المسلم فيه .. فإن الفسخ جائز، وحينئذ .. فيعود المسلم إلى ملك الكافر على قياس ما سبق من المسائل.
الرابعة عشر: أن يُقرض عبده الكافر، فيُسلم العبد في يد المقترض .. فيجوز للمقرض الكافر أن يرجع فيه كما جوزنا له الرجوع في الهبة على ما سبق، بل أولى؛ لأن القرض وُضِع للرجوع في شيء؛ إما العين المُقْرَضَة أو مثلها، بخلاف الهبة؛ فإنها لم توضع لذلك، بل الغالب على الواهبين وإن كانوا أصولًا عدم الرجوع.
وهذه المسألة إنما تستثنى إذا فرعنا على أن ما لا مثل له يرد مثله صورة، وعلى أن المقترض يجوز له أن يرجع في عين ما أعطاه، وهو الصحيح فيهما، ولو أسلم في ملك الكافر، فأقرضه لمسلم، أو وهبه لولده المسلم .. فمقتضى إطلاقهم الأمر بإزالة الملك: أنَّه يكفي ذلك، وحينئذ .. فلا يختص جواز الرجوع بالمثال المتقدم.
نعم؛ في الاكتفاء بهما نظر ظاهر، ويحتمل التفاء، ويمنع الرجوع.
الخامسة عشر: ذكرها الرافعي في (الرَّهْن): إذا ورث الكافر عبدًا مسلمًا أو كافرًا فأسلم في يده، شم باعه، ثم ظهر دين على التركة، أو حدث بردّ مبيع بعيب ونحوه، فلم يقض الوارث الدين .. فإن الأصح: فسخ البيع فيه، ويعود إلى ملك الوارث متعلقًا به الدين 56.
السادسة عشر: أن يتوكل في شراء كافر معين أو غير معين، فاشتراه، ثم أسلم، وظهر أنَّه معيب، وأخر الوكيل الرد، فلم يرد المالك أيضًا .. فإنه يقع عن الوكيل كما أوضحوه في (باب الوكالة)، وحينئذ .. فقياس ما سبق من الصور عوده إلى الكافر.
السابعة عشر: أن يشتري العامل الكافر عبيدًا للقراض ثم يقسمان بعد إسلامهم .. فإن قياس المذهب: صحته، وحينئذ .. فيدخل المسلم في ملكه؛ لأن العامل لا يملك حصته إلَّا بالقسمة.
الثامنة عشر: أن يجعله أجرة أو جعلًا، ثم يقتضي الحال فسخ ذلك بسبب من الأسباب.
التاسعة عشر: إذا التقط ملتقط شخصًا محكومًا بكفره بشرطه المعروف وهو إما عدم التمييز،
الجزء: 1 - الصفحة: 687
أو في وقت النهب أو الغارة فأسلم، ثم أثبت كافر أنَّه كان ملكه .. فإنه يرجع فيه؛ فإنهم صرحوا بأن التملك بالالتقاط كالتملك بالقرض.
العشرون: أن يقف على كافر أمة كافرة، فَتُسْلِم، ثم تأتي بولد من نكاح أو زنا .. فإنه يكون مسلمًا تبعًا لأمه، ويدخل في ملك الكافر؛ لأن نِتَاج الموقوفة ملك للموقوف عليه على الصحيح.
الحادية والعشرون: أن يوصي لكافر بما تحمله أمته الكافرة من زوجها الكافر، فيقبل الموصى له الوصية بشرطه، ثم تسلِم الجارية، وتأتي بولد.
الثانية والعشرون: أن يتزوج المسلم بأمة لكتابي؛ فإنه يصح على الصحيح بالشروط المعروفة، وحينئذ: فإذا أتت بولد .. فإنه يكون مسلما مملوكا لسيد الأمة، وهكذا لو نكحها وهو كافر ثم أسلم.
الثالثة والعشرون: إذا وطئ الكافر جارية مسلمة لولده، أو لولده فيها البعض، وأولدها .. فإنها تنتقل إليه، وتصير مستولدة له، ذكره الرافعي والنووي 57.
الرابعة والعشرون: إذا وطئ مسلم أمة لكافر على ظن أنَّها زوجته الأمة .. فالولد مسلم مملوك للكافر، سواء كان الواطئ حرًا أو عبدًا.
الخامسة والعشرون: أن يصدق الكافر زوجته عبدًا كافرًا، فيسلم العبد، ثم يقتضي الحال رجوعه أو بعضه إلى الزوج؛ إما بطلاق أو بفسخ عيب، أو إعسار، أو إسلام، أو فوات شرط، أو بالتحالف.
السادسة والعشرون: أن يخالع الكافر زوجته الكافرة على عبدِ كافر، فيسلم، ثم يقتضي الحال فسخ الخلع فيه إما بعيب، أو فوات شرط، أو غيرهما .. فإنه يرجع إلى الكافرة.
السابعة والعشرون: إذا أسلم عبد الكافر بعد أن جنى جناية توجب ما لا يتعلق برقبته، وباعه بعد اختيار الفداء، فتعذر تحصيل الفداء، أو تأخر لإفلاسه، أو غيبته، أو صبره على الحبس .. فإنه يفسخ البيع، ويعود إلى ملك سيده الكافر، ثم يباع في الجناية، كما قاله الأصحاب 58.
الثامنة والعشرون: إذا حضر الكفار الجهاد بإذن الإمام، وكانت الغنيمة أطفالًا أو نساء أو عبيدًا، فأسلموا بالاستقلال أو بالتبعية، ثم اختار الغانمون التملك .. فقياس المذهب أن للإمام أن يرضخ للكفار مما وجد؛ لتقدم سبب الاستحقاق، وهو حضور الوقعة، وحصول الاختيار المقتضي للملك على الصحيح.
التاسعة والعشرون: أن يكون بين كافرين أو مسلم وكافر عبيد مسلمون، أو بعضهم مسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 688
وبعضهم كافر، فيقتسمون، وقلنا: القسمة إفراز .. فقياس المذهب: يقتضي الجواز، وحينئذ .. فيدخل المسلم أو بعضه في ملك الكافر.
الثلاثون: أن يعتق الكافر نصيبه من عبدِ مسلم؛ فإن الباقي يدخل في ملكه، ويُقَوّم عليه، كما نقله في (البيع) من "شرح المهذب" عن البغوي، وأقره عليه 59.
الحادية والثلاثون: إذا أسلمت أمة الكافر، ثم ولدت من غيره بنكاح أو زنا قبل زوال ملكه .. فإنه يدخل في ملكه.
الثانية والثلاثون: أن يكاتب الكافر عبده المسلم أو الكافر، فيسلم، ثم يشتري المكاتب عبدًا مسلمًا، أو تأتي أمته المسلمة بولد من نكاح أو زنا، ثم يعجز نفسه .. فإن أمواله تدخل في ملك السيد، ومن جملتها المسلم الذي اشتراه، وأولاد أمته.
الثالثة والثلاثون: أن تسلم مستولدته، ثم تأتي بولد من نكاح أو زنا .. فإنه يكون مملوكا له، ويثبت له حكم أمه.
انتهى كلام "المهمات".
وقد أهمل ما إذا أقر بحرية مسلم في يد غيره، ثم اشتراه، فليست هذه الصورة فيما ذكره النووي عند حصره الصور هنا، ولا فيما زاده شيخنا عليه مع أن الرافعي والنووي ذكراها هنا.
واستثنى في "الحاوي" من هذه المسائل: الإرث، والاسترداد بعيب أو إقالة 60.
1679 - قول "التنبيه" [ص 90]: (ويصح في الآخر، ويؤمر بإزالة الملك عنه) يرد عليه الكتابة؛ فإنها تكفي على الأصح أو الأظهر، وليس فيها إزالة ملك، وقد ذكرها "الحاوي" 61.
1680 - قول "الحاوي" [ص 260]: (والمودعِ) أي: لا يشترط إسلامه، فيجوز إيداع العبد المسلم عند الكافر.
قال السبكي: وفيه إشكال من جهة وضع يده عليه، لا سيما إذا كان صغيرًا، قال: والذي لا أشك فيه أنَّه لا يجوز إيداع المصحف عنده.
انتهى.
والإعارة كالإيداع.
1681 - قوله: (والمستأجر) 62 أي: لا يشترط إسلامه، ثم قال: (ويؤمر الكافر بإزالة ملكه عنه؛ ككتابته) قد يفهم أنَّه لا يؤمر بأن يزيل ملكه عن المنافع؛ بأن يؤجره مسلمًا، والأصح في "شرح المهذب": خلافه 63.
الحديث: 1679 - الجزء: 1 - الصفحة: 689
فرع: [لو حملت أمة كافرة من كافر فأسلم] أمة كافرة حملت من كافر، فأسلم .. فالحمل مسلم، فيحتمل أن يؤمر مالك الأمة الكافرة بإزالة ملكه عن الأم إن قلنا: الحمل يعطى حكم المعلوم، قاله في "البحر" 64.
1682 - قوله: (وتفريق المستولدة والمدبر) 65 محله: في المدبر إذا دَبَّرَه قبل إسلامه؛ فإنه لا يباع، بل يحال بينهما، فلو دبره بعد إسلامه .. لم يكف، ويباع، وقد أوضح "المنهاج" الصورتين في (التدبير) 66.
1683 - قول "الحاوي" [ص 261]: (إن امتنع - أي: الكافر من إزالة ملكه، أو الكتابة حيث أُمر بها - بِيع) أي: بثمن المثل، فإن لم يجد مشتريًا به .. صبر، وحيل بينهما، ويستكسب له، وتؤخذ نفقته منه.
1684 - قول "المنهاج" [ص 210، 211]: (ولا يصح شراء الكافر المصحف والمسلم في الأظهر) ينبغي أن يتعلق قوله: (في الأظهر) بالأخيرة فقط؛ فإن الأصح: القطع بأنه لا يصح شراؤه المصحف، وفرق الرافعي: بأن العبد يمكنه الاستغاثة ودفع الذل عن نفسه 67، وفرق الماوردي: بأن المصحف أكثر حرمة؛ بدليل حرمة مسه على المحدث 68، وفرق في "الأم": برجاء عتق العبد 69.
وينبني على هذه الفروق بيع العبد الصغير، وبيع غير المصحف مما منعناه، والله أعلم.
والعبرة بمن يُشْتَرَى له لا بمن يباشر الشراء كما تقدم في شراء المسلم، وبذلك عبرة "الحاوي" 70، وفي معنى المصحف: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره "الحاوي" 71، خلافًا للماوردي؛ فإنه لم يلحقه بالمصحف، كذا ذكره هنا، واقتصر الرافعي والنووي على حكايته عنه 72، لكنه فَصّل في عقد الذمة فقال: إن كان المذكور في كتب الحديث صفته وسيرته .. فيجوز قطعًا، وإن كان فيها كلامه من أمره ونهيه وأحكامه .. ففي المنع وجهان 73.
الحديث: 1682 - الجزء: 1 - الصفحة: 690
قال العراقيون: وكتب الفقه التي فيها آثار السلف لها حكم المصحف في هذا، قال السبكي: الأحسن: إطلاق المنع من بيع كتب العلم للكافر وإن خلت عن الآثار؛ تعظيمًا للعلم الشرعي، قال ولده شيخنا القاضي تاج الدين: وقوله: (تعظيمًا للعلم الشرعي) يفيد جواز بيعهم كتب علوم غير شرعية، وينبغي المنع من بيع ما يتعلق منها بالشرع؛ ككتب النحو واللغة وأمثالها.
انتهى.
وقال النووي: الخلاف في بيع العبد والمصحف والحديث والفقه إنما هو في صحة العقد مع أنَّه حرام بلا خلاف 74.
واعترضه في "المهمات" في نفي الخلاف بالنسبة إلى كتب الفقه؛ بأن في "الإيضاح" للصيمري: فأما إذا اشتروا كتب الفقه والطب والنحو .. فلا حرج عليهم، وزعم بعض أصحابنا أن النصراني إذا ابتاع كتاب "المزني" .. كان كمن ابتاع مصحفًا، والصحيح: خلافه.
انتهى.
1685 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا الحربي سلاحًا) وفي وجه: يصح مع التحريم، قال في "الوسيط": إنه منقاس 75.
قال الروياني: ويؤمر بإزالة الملك عنه 76، وصرحوا في صلاة الخوف بأن الترس والدرع ليسا من السلاح، وهو مقتضى قولهم في السَّلَب: كدرع وسلاح، لكن كلام الإمام يقتضي أنَّه منه؛ فإنه استدل على بيع السلاح ورهنه من الذِّمِّيُّ: بأنه عليه الصلاة والسلام توفي ودرعه مرهونة عند يهودي 77، فدل على أنَّه يسمى سلاحًا، ويظهر ترجيحه هنا؛ فإنهم يستعينون به على قتالنا.
1686 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن باع العصير ممن يتخذ الخمر، أو السلاح ممن يعصي الله تعالى به، أو باع ماله ممن أكثر ماله حرام .. كره) فيه أمور:
أحدها: أن قوله: (ممن يتخذ الخمر) أي: شأنه كذلك، فلو تحقق أنَّه يتخذه خمرًا .. حرم في الأصح في "الروضة" 78، وقيل: لا، وعليه الأكثرون، كما في "التتمة" و"البحر"، ونص عليه في "الأم" 79، وفي "المنهاج" في البيوع المنهي عنها [ص 217]: (وبيع الرّطَبِ والعِنَبِ لعَاصِرِ الخَمْرِ)، قال السبكي: ولا أستحضر فيه نهيًا خاصًا، لكن روى التِّرمِذي: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها ... ) الحديث 80.
الحديث: 1685 - الجزء: 1 - الصفحة: 691
وجه الاحتجاج: أن العاصر كالبائع في أن كلًا منهما مُعين على معصية مظنونة، فال: والمأخذ يقتضي أن تسليمه إليهم حرام، وذلك يقتضي فساد البيع، والأصحاب جزموا بصحته.
ثانيها: الأصح في "شرح المهذب": أنَّه إذا تحقق عصيانه بالسلاح .. حرم أيضًا 81.
ثالثها: يستثنى من العصاة: أهل الحرب؛ فبيع السلاح لهم حرام بالإجماع، وباطل على المشهور كما تقدم 82، وقد يقال: إن بين عبارة "التنبيه" و"المنهاج" عمومًا وخصوصًا؛ فإن الحربي قد يعصي به وقد لا يعصي، والعاصي قد يكون حربيًا وقد لا يكون.
رابعها: يستثنى من مسألتي العصير والسلاح: ما إذا كان ليتيم، وأراد الولي البيع، وهناك اثنان بدل أحدهما أكثر من الآخر، لكن يقصد جعله خمرًا أو آلة للقتل المحرم .. فهل يبيع منه أو من باذل الأقل؟ فيه احتمالان للروياني 83.
خامسها: يستثنى من المسألة الثالثة: إذا تحقق أخذ الحرام .. فإنه يحرم.
سادسها: مفهومه: أنَّه لا كراهة إذا لم يكن أكثر ماله حرام؛ بأن استوى الحرام والحلال، أو كان أكثره حلالًا، وليس كذلك، بل يكره مطلقا إذا لم يتحقق أخذ الحرام؛ ولعله إنما خص الأكثر بالذكر؛ لمخالفة شيخه أبي حامد؛ فإنه قال في صورة الأكثر: بالتحريم، وتبعه الغزالي في "الإحياء" 84.
سابعها: يستثنى منه: إذا علم حل ما يأخذه .. فإنه لا كراهة حينئذ ولو كان أكثر ماله حرامًا، والكراهة إنما هي مع الاشتباه، والله أعلم.
1687 - قولهم: (إن للمبيع شروطًا، فذكروا: الطهارة، والنفع، وإمكان التسليم، والمِلْك، والعلم) 85 فيه أمور:
أحدها: قال السبكي: الذي يتحرر منها الملك والمنفعة، فلا شرط له غيرهما، وأما اشتراط الطهارة: فمستفاد من المِلْك؛ لأن النجس غير مملوك، وأما القدرة على التسليم والعلم به: فشرط في العاقد، وكذا كون الملك لمن له العقد.
ثانيها: قال في "المهمات": هذه الشروط التي ذكروها موجودة في حَرِيمِ 86 المِلْك، مع أنَّه
الحديث: 1687 - الجزء: 1 - الصفحة: 692
لو باعه وحده .. لم يصح، حكاه الرافعي في (الإحياء) عن العبادي، وأقره 87.
ثالثها: اعترض في "المطلب" على حصرها في خمسة: بأن للرِّبَوِيَّاتِ شروطًا أخرى.
1688 - قول "المنهاج" [ص 211]: (طهارة عينه) وقول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يجوز البيع إلَّا في عين طاهرة) يرد على مفهومه: متنجس لا يطهر بالغسل؛ فإنه طاهر العين ولا يصح بيعه كما ذكراه بعد ذلك، وأفهم كلامهما: أن امتناع بيعه متفرع على اشتراط طهارة العين، وليس كذلك؛ فإنه طاهر العين ومع ذلك لا يصح بيعه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 262]: (طاهر، أو يَطْهر بالغسل) فلم يعتبر طهارة عينه، وإنَّما اعتبر ألاَّ يكون نجسًا نجاسة لا تطهر بالغسل.
1689 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكذا الدهن في الأصح) أي: لا يمكن تطهيره.
مقابله: أنَّه يمكن تطهيره؛ بأن يوضع على قلتين أو يصب عليه ماء يغمره، ثم يحرك حتَّى يصل إلى جميعه، وظاهر كلامه: صحة البيع إذا قلنا به، والأصح - تفريعًا عليه أيضًا -: المنع، ويشكل الفرق بينه وبين الثوب المتنجس؛ حيث صح بيعه قطعًا، والأصح: أن الماء المتنجس لا يصح بيعه.
والمسألة مكررة في "المنهاج" فإنها مذكورة في النجاسات 88، وكلامه يقتضي أن غير الدهن من المائعات لا يمكن تطهيره قطعًا، وهو المعروف، لكن في "الشرح الصغير": إنه لا يبعد طرد الخلاف في سائر المائعات؛ لأن إيصال الماء إلى أجزائها بالصّبِّ والتحريك ممكن، والغسالة طاهرة على الأصح، فلا يضر بقاؤها.
انتهى.
قال في "المهمات": وهو ضعيف؛ لأنه إن كان الماء قليلًا .. فلا يرد على جميع أجزائه إلَّا وهو متغير؛ لاختلاطه به، بخلاف الدهن، وإن كان كثيرًا جدًا بحيث يزول اسم المائع .. خرج عن المقصود؛ فإن الغرض أن يطهره ويبيعه على حاله.
انتهى.
وقول "المنهاج" [ص 211]: (الدهن) أعم من قول "التنبيه" [ص 88]: (الزيت النجس).
1690 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ويجوز بيع الثوب النجس) أي: إن لم يستتر بالنجاسة، فإن استتر بها .. خرج على بيع الغائب 89.
1691 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يصح إلَّا فيما فيه منفعة) مثل قول "المنهاج" [ص 211]: (الثاني: النفع) والمراد: منفعة مباحة شرعًا؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 261]: (في منتفعٍ به شرعًا).
الحديث: 1688 - الجزء: 1 - الصفحة: 693
1692 - قولهما: (لا يصح بيع الحشرات) 90 يستثنى منه: العَلَق؛ فيصح بيعه على الأصح؛ لمنفعة امتصاص الدم.
1693 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكل سَبُعٍ لا ينفع) أعم من قول "الحاوي" [ص 261]: (لا يصيد) ومن قول "التنبيه" [ص 88]: (لا تصلح للاصطياد) لأن المنفعة قد تكون لغير الصيد؛ كالقتال على الفيل وحراسة القرد .. فيصح بيعها لذلك.
1694 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وآلة اللهو) أي: المُحَرّم، وسيأتي في (الشهادات).
1695 - قوله: (وقيل: يصح في الآلة إن عُدَّ رِضَاضُها مالًا) 91 يفهم أنَّه إذا لم يُعّد مالًا؛ كمزمار صغير من قصب .. يمتنع جزمًا، وهو المعروف، وفيه وجه شاذ في "شرح المهذب" 92.
1696 - قول "الحاوي" في المنتفع به [ص 261]: (والبناء على السقف، وبهدمه يَغْرَم للفُرْقَة) محله: إذا كان الهدم قبل البناء، فإن كان بعده .. فالمذهب: أنَّه لا يلزمه إعادته، فلا قيمة للفرقة إلَّا بالهدم قبل البناء، وإن أطلقه "الحاوي".
1697 - قول "المنهاج" [ص 211]: (إمكان تسليمه) فيه أمران:
أحدهما: كان ينبغي التعبير ب (القدرة) بدل الإمكان، كما في "التنبيه" و"الحاوي" وسائر كتب الرافعي والنووي 93، فإنه لا يلزم من ثبوت إمكانه القدرة عليه؛ فإن الشيء قد لا يكون مستحيلًا، ومع ذلك فلا يتمكن الشخص منه.
ثانيهما: وكان ينبغي أيضًا التعبير بالتسلُّم - بضم اللام - لا بالتسليم؛ ليشمل مسألة بيع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه وتسلمه، والتسليم فعل البائع، ذكره في "المطلب"، وهذا وارد على "التنبيه" و"الحاوي" أيضًا.
1698 - قولهما: (إنه لا يصح بيع العبد الآبق) 94 فيه أمران:
أحدهما: إن ظاهر كلامهما منع بيعه مطلقًا، وهو المشهور، وفي وجه: أنَّه إن عرف موضعه وعلم أنَّه يصل إليه إذا أراد .. صح، واستحسنه الرافعي 95، وفي "الروضة" وأصلها: لو باع الآبق ممن يسهل عليه رده .. ففيه الوجهان في المغصوب 96، ومقتضاه: تصحيح الصحة، وكذا
الحديث: 1692 - الجزء: 1 - الصفحة: 694
صححه في "شرح المهذب" 97، ومشى عليه في "الحاوي" فقال [ص 262]: (والآبق، إلَّا أن يقدر المشتري على قبضه)، لكن رده شيخنا الإمام البلقيني، وقال: المذهب: أنَّه لا يجوز، والفرق بينه وبين المغصوب: أن المغصوب تحت يد شخص عليه عهدته، بخلاف الآبق؛ فإنه ليس تحت يد أحد، قال: فإن كان تحت يد شخص .. صار قريبًا من صورة الغصب.
ثانيهما: ذكر الثعالبي أنَّه لا يُطْلَق الآبق إلَّا على عبدِ ذهب من غير خوفٍ، ولا كدٍّ في العمل، فإن ذهب لذلك .. فهو هارب 98، فكان ينبغي التعبير بعبارة جامعة للنوعين، وهذا وارد على "الحاوي" أيضًا.
1699 - قول "المنهاج" و"الحاوي" في المغصوب: (إنه لو باعه لقادر على انتزاعه .. صح) 99 قال في "المطلب": ينبغي البطلان فيما لو كانت قدرة المشتري تحتاج إلى مؤنة، وقول "المنهاج" [ص 211]: (على الصحيح) عبر في "الروضة" بالأصح 100، فلو كان البائع قادرًا على انتزاعه .. انعقد قطعًا، قال في "المطلب": إلَّا إذا كان فيه كلفة .. فينبغي أن يكون فيه ما في بيع السمك في البركة، والأصح: عدم الصحة، قال: وهذا عندي لا مدفع له، وقد استشكل في "المهمات" المنع من بيع الضال والآبق والمغصوب: بأن إعتاقهم جائز، وقد صرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلَّا حصول الثواب بالعتق؛ كالعبد الزمن .. صح بيعه، وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح، ويكون قبضًا، قال: فلم لا صح بيع هؤلاء إذا كانوا زَمْنَى، بل مطلقًا؛ لوجود منفعةٍ من المنافع التي يصح لها الشراء.
انتهى.
قلت: الزمن ليست فيه منفعة قد حيل بين المشتري وبينها، بخلاف المغصوب ونحوه، والله أعلم.
1700 - قول "التنبيه" [ص 88]: (كالطير الطائر) أعم من قول "الحاوي" [ص 262]: (لا حمام البرج الخارج) لكن يستثنى منه: النحل، فالأصح: صحة بيعه خارج الكوارة إذا كان معلومًا.
1701 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا يصح بيع نصفٍ معينٍ من الإناء والسيف ونحوهما) أي: مما تنقص قيمته بكسره أو قطعه كثوب نفيس، وقد صرح به في "التنبيه" 101، وتعبير "الحاوي" بقوله [ص 262]: (وبعض معيّن ينقص بالفصل) يشمل الجميع، قال النووي: فطريقه
الحديث: 1699 - الجزء: 1 - الصفحة: 695
أن يقطعه مالكه قبل ذلك، ثم يشتريه منه، فيصح جزمًا.
انتهى 102.
وفي إباحة ذلك نظر، وفي الثوب وجه: أنَّه يصح، قال به صاحب "التقريب" والقاضي أَبو الطيب والماوردي وابن الصباغ 103، واختاره السبكي، وقال: قد يكون له فيه غرض صحيح.
انتهى.
وقال الرافعي: القياس: طرده في الإناء والسيف 104.
1702 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ويصح في الثوب الذي لا ينقص بقطعه في الأصح) عبر في "الروضة" بالمذهب، وقال: وبه قطع الجمهور 105.
1703 - قول "التنبيه" [ص 88]: (إنه لا يصح بيع المرهون) أي: بغير إذن مرتهنه، كما صرح به "المنهاج" 106، ويرد عليهما: أن ذلك إنما يمتنع بعد القبض، ولغير المرتهن، فلو باعه للمرتهن .. صح، وهذا الأخير قد يفهم من تجويز "المنهاج" بيعه بإذن المرتهن، والمسألة مكررة في (كتاب الرَّهْن) فيهما 107.
1704 - قول "التنبيه" [ص 88]: (وفي العبد الجاني قولان، وقيل: إن كانت الجناية خطأ .. لم يجز قولًا واحدًا، وإنَّما القولان في جناية العمد، وقيل: إن كانت الجناية عمدًا .. جاز قولًا واحدًا، وإنَّما القولان إذا كانت الجناية خطأ) الأصح: الطريقة الثالثة، والأصح من القولين: البطلان، لكن التعبير بالخطأ عبارة ناقصة، فلو كانت الجناية شبه عمدٍ، أو عمدًا لا قصاص فيه، أو فيه قصاص وعُفي على مال .. فهو كما لو كانت خطأ، وقد تناول هذه الصور قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا الجاني المتعلق برقبته مالٌ في الأظهر)، وقول "الحاوي" [ص 262]: (وجانٍ تعلق الأرش برقبته)، ثم في كلامهم أمور:
أحدها: أن محل المنع: إذا بيع بغير حق الجناية.
ثانيها: أن محله أيضًا: إذا استغرق المال قيمته، أو زاد، فإن نقص .. ففي "المطلب": يشبه أن يخرج على الخلاف في أن الدّين إذا تعلق بالتركة، وقلنا: هو كتعلق أرش الجناية .. هل يمنع التصرف في الكل، أو في قدره فقط؟
ثالثها: أن محل الخلاف: أن يبيعه وهو موسر، فإن باعه معسرًا .. بطل جزمًا، وقيل: بالقولين.
الحديث: 1702 - الجزء: 1 - الصفحة: 696
رابعها: ومحل الخلاف أيضًا: أن يبيعه قبل اختيار الفداء، فلو باعه بعد الفداء .. صح قطعًا، أو قبله ولكن بعد اختياره .. فقال البغوي: يصح أيضًا، حكاه عنه الرافعي والنووي، وأقراه 108، لكن مقتضى إطلاق الماوردي: أنَّه على الخلاف 109، قال السبكي: وهو الحق؛ لأن اختيار الفداء قبل الفداء يصح الرجوع عنه، والبغوي ممن يوافق على ذلك.
انتهى.
وقد حكى الإمام الاتفاق على أن له الرجوع عنه 110.
1705 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وكذا تعلق القصاص) أي: برقبته، فإن تعلق بعضوه .. صح بيعه قطعًا، كما سيأتي في (باب الخيار) في قوله: (كقطعه بجنايةٍ سابقةٍ) 111، وقوله: (في الأظهر) 112 الأصح: القطع به، فكان ينبغي التعبير ب (المذهب).
1706 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ولا يجوز بيع ما يبطل به حق آدمي؛ كالوقف وأم الولد) جوّز القفال بيع أم الولد من نفسها فقال: إنه الظاهر، حكاه عنه الرافعي في بابه، وأقره 113.
وفي كتاب "الخصال" لأبي بكر الخفاف: أنَّه لا يجوز بيع أم الولد إلَّا عند أربع خصال: المرهونة؛ أي: إذا كان معسرًا، وأن يكون الوطء في غير ملكه وتلده في ملكه، وأن يكون وطؤه بعد أن حجر عليه فيها، وأن تحمل منه وهو مكاتب .. فيجوز له بيعها بعد عتقه.
انتهى.
1707 - قول "المنهاج" [ص 211]: (الرابع: الملك لمن له العقد) هذا الضابط ذكره في "الوجيز"، فتبعه الرافعي والنووي 114.
ويدخل فيه: المالك، والوكيل، والولي، والقاضي في الممتنع، وملتقط الحيوان ونحوه، والظافر بغير جنس حقه.
وقصدوا إخراج بيع الفضولي، وليس خارجًا، بل داخل؛ فإن العقد يقع للمالك موقوفًا على إجازته عند من يقول به، ذكر هذا الإيراد في "المطلب" عن بعضهم، وهو ظاهر، وقد سلم من هذا الإيراد "الحاوي" بقوله [ص 262]: (يَلِيهِ العاقد) فخرج الفضولي العاقد؛ إذ ليس له عليه ولاية، و"التنبيه" بقوله [ص 88]: (ولا يجوز بغ ما لا يملكه إلَّا بولاية أو نيابة) وليس الفضولي ولي المالك، ولا نائبه، فتعبيرهما أحسن من تعبير "المنهاج".
الحديث: 1705 - الجزء: 1 - الصفحة: 697
1708 - قول "المنهاج" [ص 211]: (فبيع الفُضُوليِّ باطل) كذلك شراءه، وقد صرح به في "الحاوي" 115، وقوله: (بعين مال غيره) 116 كذا إذا اشتراه بثمن في ذمة غيره؛ بأن قال: اشتريت لفلان بألف في ذمته، وهو مفهوم من طريق الأولى؛ إذ لا سبيل له على ذمته بحال، وكذا لو اقتصر على قوله: اشتريت لفلان بألف، ولم يضف الثمن إلى ذمته، كما رجحه في "الوسيط" 117، لكن في "الروضة" وأصلها وجهان بلا ترجيح: هذا 118، والوقوع عن المباشر 119، وكذا "التنبيه" لم يذكر سوى البيع 120، ولو عبروا بـ (العقد) .. لشمل البيع والشراء.
1709 - قول "المنهاج" [ص 211]: (وفي القديم: موقوف؛ إن أجاز مالكه .. نَفَذَ، وإلَّا .. فلا) فيه أمور:
أحدها: أنَّه نص عليه في الجديد أيضًا، ذكره الجويني في "السلسلة" في (القضاء)، وسليم في "المجرد" والروياني كلاهما في (القراض) 121، ونص عليه في "الأم" في (الغصب) 122، كما حكاه في "المطلب"، ونص في "البويطي" على تعليقه على صحة حديث عروة البارقي 123، ونَقْلُ "الروضة" عن نص "البويطي" الصحة موقوفًا .. مردود، وإنَّما فيه التعليق، قال النووي: والقديم قوي في الدليل 124.
ثانيها: أن المراد: على القديم بالموقوف الملك، وأما الصحة: فناجزة، قاله الإمام 125، ويوافقه تصريح"المحرر " بأنه ينعقد موقوفًا 126، ولا معنى للانعقاد إلَّا الصحة.
ثالثها: المراد بالمالك في قوله: (إن أجاز مالكه): مالك التصرف فيه حال العقد، فلو باع
الحديث: 1708 - الجزء: 1 - الصفحة: 698
فضولي مال الطفل، ثم بلغ وأجاز .. لم ينفذ، وإنَّما ينفذ بإجازة الولي، وكذا لو باع ملك الغير، ثم ملكه البائع وأجاز .. لم ينفذ.
1710 - قول "المنهاج" [ص 211]: (ولو باع مال مُوَرِّثهِ) أعم من قول "الروضة": (مال أبيه) 127 ومثله: لو باع عبده الآبق أو المكاتب فبان راجعًا أو فاسخًا للكتابة، وقد تناولهما قول "الحاوي" [ص 262]: (وإن ظَنّ عَدَمَهَا) أي: عدم الولاية عليه، فهي أعم وأحسن، ولو باع شيئًا ظنه لغيره فبان له .. جزم الإمام بالصحة 128؛ لأن الجهل في تلك الصور استند إلى أصل، وهو بقاء ملك المورث، فبطل على قول، ولو زوج أمة أبيه، فبان ميتًا .. جرى الخلاف، ومقتضاه: تصحيح الصحة.
واستشكل لأجل الاحتياط في البضع، وقد قالوا: لو تزوج الخنثى امرأة .. بطل ولو بأن رجلًا، وكذا لو تزوج من يظن أنَّها مُحَرّمة عليه فبانت حلالًا.
1711 - قول "المنهاج" [ص 211]: (صح في الأظهر) يقتضي أن الخلاف قولان، وهو المشهور، وصوبه في "المهمات"، وحكاه جماعة وجهين، وصححه النووي في المسح على الخفين من "شرح المهذب" 129، وذكر الشيخ أَبو حامد أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الباطن، وأما في الظاهر: فإنه مؤاخذ به.
1712 - قوله: (الخامس: العلم به) 130 أي: لا من كل وجهٍ، بل جنسًا وصفةً وقدرًا، واستثنى بعضهم من ذلك صورًا:
إحداها: لو اختلط حمام برج بآخر .. فلأحدهما البيع من صاحب الآخر في الأصح مع الجهل.
الثانية: إذا باع صاعًا من صُبْرَةٍ مجهولةٍ .. فإن المبيع واحد مبهم.
الثالثة: لو باع المال الزكوي بعد الوجوب .. فإن الأصح: البطلان في قدر الزكاة، والصحة في غيره وهو مجهول العين.
1713 - قوله: (وكذا إن جُهلت في الأصح) 131 حكاه الرافعي عن النص، قال: وهو الأظهر في المذهب على ما حكاه المعتبرون، ولكن القياس: البطلان كما لو فرقها وباع واحدًا منها 132.
الحديث: 1710 - الجزء: 1 - الصفحة: 699
1714 - قوله: (ولو باع بِمِلءِ ذا البيت حنطةً ... إلى آخره) 133 لو علم قدر ذلك قبل العقد .. صح، ويكون صورة الصحة في مسألة الفرس أن يقول: بمثل ما باع، أو يقصد المثلية، وإلَّا .. ففيه الخلاف في قوله: (أوصيت له بنصيب ابني) كما ذكره الرافعي في (الوصية) 134.
وقوله: (بملء) كذا في "المحرر" مجرور بالحرف 135، فيكون من صور الثمن، والذي في "الروضة" وأصلها: (ملء) منصوب، ولا حرف معه 136، فيكون من صور المبيع، وهو أحسن؛ لأن الكلام فيه، وصورته: إذا كان الثمن في الذمة، كما يمتنع في السلم كذلك ما إذا قال: بعتك بملء هذا الكوز من هذه الدراهم .. فلا يظهر إلَّا الصحة كالمثمن؛ فإنه لو قال: بعتك ملء هذا الكوز من هذه الحنطة .. صح في الأصح؛ لإمكان الاستيفاء به قبل التلف، ففي الثمن أولى، كما قاله ابن الرفعة وغيره، وقد فهم ذلك من قول "الحاوي" [ص 263]: (والقدر في الذمة) فإنه يدل على أنَّه إنما يشترط العلم بالقدر إذا كان في الذمة، فإن كان معينًا .. فلا، وكذا في "الشرح" و"الروضة" ما كان في الذمة من العوضين اشترط كونه معلوم القدر 137.
1715 - قول "المنهاج" [ص 212]: (ولو باع بنقدٍ) كذا لو باع بعرض وغلب في البلد نوع منه .. فالأصح: تنزيله عليه، مثل: أن يبيعه ثوبًا بصاع حنطة، والمعروف في البلد نوع منها، فلو عبر بـ (الثمن) بدل (النقد) .. لكان أشمل.
1716 - قوله: (وفي البلد نقدٌ غالبٌ) 138 يندرج فيه ما لو كان في البلد دراهم عددية ناقصة الوزن؛ كالمسعودية بمكة، أو زائدة، والأصح: تنزيل العقد عليها، ولو غلبت الفلوس .. حمل العقد عليها أيضًا، وفي "فتاوى البغوي": أنَّه لو باع بوزن عشرة دراهم فضة، ولم يبين أمضروبة هي أم تبر؟ بطل العقد؛ لتردده بينهما، ولا يحمل على النقد الغالب؛ ولعل تعبير "المنهاج" بـ (النقد) دون الدراهم والدنانير لهذا.
وقوله: (أو نقدان لم يَغْلِبْ أحدهما .. اشترط التعيين) 139، كذا أطلقه الرافعي والنووي، وصوّره في "البيان" بما إذا اختلفت قيمتهما، وإلَّا .. فأصح الوجهين: أنَّه لا يجب التعيين، وجزم به الرافعي في نظيره من الصحاح والمُكَسّرة 140.
الحديث: 1714 - الجزء: 1 - الصفحة: 700
1717 - وقوله: (اشترط التعيين) 141 أي: باللفظ، فلو عينا بالنية .. لم يكف، ويكفي ذلك في نظيره من الخلع في الأصح 142، وأيضًا فالأصح: أنَّه إذا قال من له بنات: زوجتك بنتي، ونويا واحدة .. الصحة، فيحتاج إلى الفرق.
1718 - قوله: (ولو باعها بمئة درهمٍ كُلَّ صاعٍ بدرهمٍ .. صح إن خرجت مئة، وإلَّا .. فلا على الصحيح) 143 يقتضي ضعف الخلاف، وأنه وجهان، وعبر في "الروضة" بالأظهر 144، فهو يخالفه من وجهين.
1719 - قول "التنبيه" [ص 88]: (وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان) يقتضي القطع بالبطلان في التي لم يرها البائع، وهي طريقة، والأصح: طرد القولين فيها أيضًا، وهو مقتضى قول "المنهاج" [ص 212]: (والأظهر: أنَّه لا يصح بيع الغائب) لأن إطلاقه يتناول الغائب عن البائع وعن المشتري، لكن مقتضاه: القطع بأنه لا يصح بيع الحاضر إذا لم يُرَ، وهي طريقة، والأصح: طرد القولين في الحاضر أيضًا، وهو المجزوم به في "الشرح" و"الروضة" 145، وهو مقتضى عبارة "التنبيه".
1720 - قول "المنهاج" [ص 212]: (والثاني: يصح) أي: إذا وصفها، كما صرح به "التنبيه" 146، والمراد بالوصف: ذكر الجنس والنوع فقط؛ كالفرس العربي والعبد الحبشي، فلو كان له من نوع اثنان .. تعين الوصف بما يُمَيّز، وقيل: يشترط مع الجنس والنوع وصفها؛ كالدعوى، وقيل: كالسلم، وقيل: يكفي ذكر الجنس، وقيل: لا يشترط شيء، فيصح: بعتك ما في كمي.
1721 - قولهما على هذا القول: (إنه يثبت الخيار عند الرؤية) 147 قد يقتضي أنَّه لا يثبت قبلها لا الفسخ ولا الإجازة، والأصح: نفوذ الأول دون الثاني، وقد يفهم من قول "التنبيه" [ص 88]: (إذا رآها)، وقول "المنهاج" [ص 212]: (عند الرؤية) أن الخيار يتقيد بحالة الرؤية على الفور، والأصح: أنَّه يمتد ما دام في المجلس.
1722 - قول "التنبيه" [ص 88]: (ويثبت للمشتري الخيار إذا رآها) قد يخرج البائع، فيقتضي
الحديث: 1717 - الجزء: 1 - الصفحة: 701
أنه لا يثبت له الخيار عند الرؤية إذا لم يكن رآها، وقد صححه في "أصل الروضة" موهماً أنه عند الرافعي، وليس كذلك 148، فقد أطلق الرافعي هنا وجهين من غير ترجيح، لكنه صحح في الكلام على شراء الأعمى: ثبوت الخيار له 149، وهو مقتضى إطلاق "المنهاج" في قوله [ص 212]: (ويثبت الخيار عند الرؤية).
ويستثنى من اشتراطهم الرؤية مسألتان:
إحداهما: بيع الفقاع في كوزه صحيح على الأصح، لمشقة رؤيته.
ثانيهما: الأعمى يصح أن يشتري نفسه من سيده؛ لأنه لا يجهل نفسه، بل البصير لا يرى وجه نفسه.
1723 - قول "المنهاج" [ص 212]: (وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد، دون ما يتغير غالباً) فيه أمران:
أحدهما: إذا احتمل التغير وعدمه على السواء .. فالأصح: الصحة، ومفهوم "المنهاج" فيها متدافع؛ فإن مفهوم أول كلامه: البطلان، ومفهوم آخره: الصحة، ومقتضى عبارة "الحاوي": الصحة؛ حيث قال [ص 264]: (لا قبله إن غلب تغيره) أي: لا يكفي الرؤية قبل العقد إن غلب التغير، فمفهومه أنها تكفي إذا غلب عدم التغير أو استوى الاحتمالان، وقول "التنبيه" [ص 88]: (فإن رآها قبل العقد وهي مما لا يتغير .. جاز) لا يفهم منه الحكم في صورة الاستواء، إلا أن بعضهم قال: إن قوله: (وهي مما لا يتغير) أي: غالباً، وحينئذ .. فيكون مفهومه البطلان في صورة الاستواء، وهو خلاف الأصح؛ ولهذا أورده عليه النووي وشيخنا الإسنوي في "تصحيحهما" 150.
ثانيهما: قال الماوردي: صورة الاكتفاء بالرؤية السابقة: أن يكون ذاكراً لأوصفها حالة البيع، فلو نسيها .. فهو كمن لم ير 151، وقال في "شرح المهذب": إنه غريب، ولم يتعرض له الجمهور 152.
قلت: لكن تبعه الروياني فيه 153، وجزم به في "الكفاية"، وقال النشائي: إنه ظاهر النص 154.
الحديث: 1723 - الجزء: 1 - الصفحة: 702
1724 - قول "المنهاج" [ص 212]: (أو كان صِوَاناً للباقي خِلقةً) كذا قيد تبعاً لـ"المحرر" الصوان بكونه خِلقة؛ ليحترز به عن جلد الكتاب 155، فإن رؤيته لا تكفي، لكنه ينتقض بالخشكنان 156، فإنه يصح بيعه مع أن قشره صوان غير خلقي، وفي "شرح المهذب": يصح بيع الخشكنان قطعاً وإن لم يدل قشره على باطنه؛ لأنه صوان له 157، وذكر بعضهم أنه ينتقض أيضاً بالفقاع 158، فيصح بيعه كما صححه النووي، والحق: أن هذه الصورة لا ترد هنا؛ لأن المبيع هو نفس الفقاع، وليس كوزه داخلاً في البيع، وإنما يستثنى من اشتراط الرؤية كما قدمته، وَلِمَا ذكرناه من النقض لم يقيد "الحاوي" الصوان بكونه خِلقةً، وكذا لم يذكر هذا القيد في "الروضة" وأصلها 159. 1725 - قول "المنهاج" [ص 212]: (ويصح سَلَمُ الأعمى) أي: بشرط كون رأس المال موصوفاً في الذمة، ثم يحضر في المجلس، فإن كان معيناً .. لم يصح، وإذا صح سلمه .. لم يصح قبضه في الأصح، بل يوكل.
الحديث: 1724 - الجزء: 1 - الصفحة: 703
بابُ الرِّبا
1726 - قول "التنبيه" [ص 90]: (فمتى باع شيئاً من ذلك بجنسه .. حرم فيه التفاضل والنَّساء والتفرق قبل التقابض) فيه أمور:
أحدها: أنه لا يلزم من تحريم هذه الأمور عدم صحة العقد عند وجود أحدها، وذلك مفهوم من تعبير "المنهاج" بالاشتراط و"الحاوي" بعدم الانعقاد 160، لكن لا يفهم من عبارتهما تحريم تعاطي ما خلا منها؛ ففي كلا التعبيرين نقص، والتعبير الكامل: اشترط كذا وكذا، وحرم تعاطي ما خلا منه.
ثانيها: كذا عبر "المنهاج" و"الحاوي" أيضاً بالتقابض 161، ولو عبروا بـ (القبض منهما) .. لكان أحسن؛ لأنه يشترط القبض لا الإقباض، فلو كان العوض معيناً، فاستقل بقبضه .. كفى.
ثالثها: يرد عليه وعلى "المنهاج" أيضاً: أن التخاير في معنى التفرق، فلو تخايرا في المجلس قبل التقابض .. بطل العقد، ذكره "الحاوي" 162 وصححه في "الروضة" وأصلها هنا 163، لكنهما قالا فيما ينقطع به الخيار: لو تقابضا في الصرف، ثم أجازا في المجلس .. لزم العقد، فإن أجازاه قبل التقابض .. فوجهان:
أحدهما: تلغوا الإجازة، فيبقى الخيار.
والثاني: يلزم العقد، وعليهما التقابض، وصححه في "شرح المهذب" 164، ولم يتعرضا للمذكور هنا من البطلان.
1727 - قول "المنهاج" [ص 213]: (والطعام ما قُصِدَ للطُّعْمِ اقتياتاً اْو تَفَكُّهاً أو تداوياً) فيه أمور:
أحدها: قوله: (قُصد للطعم) أي: للآدميين، لا للجن والبهائم.
ثانيها: لو حذف قوله: (للطعم) .. لجاز.
ثالثها: عبارة "الروضة": (ما يُعد للطعم غالباً تقوتاً أو تأدماً أو تفكهاً أو غيرها) 165، فأسقط "المنهاج" التقييد بالغلبة والتأدم، وسيأتي في (الأيمان) أن الطعام يتناول القوت والفاكهة والأدم
الحديث: 1726 - الجزء: 1 - الصفحة: 704
والحلوى، ولم يذكروا التداوي؛ لأن العرف لا يقتضيه، فمأخذ البابين مختلف.
رابعها: أورد على الضابط: الماء؛ فإنه ربوي في الأصح، وقد يدعى دخوله في قوله: (تقوتاً)، وفيه نظر.
1728 - قول "التنبيه" [ص 91]: (وكل شيئين جمعهما اسم خاص؛ كالتمر المعقلي والبرني .. فهما جنس واحد) يستثنى من ذلك: البطيخ الأصفر مع الأخضر - وهو الهندي - فهما جنسان في الأصح، وقد ذكره "التصحيح" 166، وزيت الزيتون مع زيت الفجل، والتمر المعروف مع التمر الهندي أجناس على المذهب، وقد ذكر "الحاوي" الأولين بقوله [ص 266]: (والزيت والبطيخ يخالف زيت الفجل والهندي).
1729 - قول "المنهاج" - والعبارة له - و"الحاوي": (وما جُهِلَ يُرْعَى فيه عادة بلد البيع) 167 ثم حكى "المنهاج" بقية الأوجه، ومحلها: إذا لم يكن أكبر جرماً من التمر، فإن كان أكبر .. فالاعتبار فيه بالوزن، لا بِعَادةِ بلد البيع ولا غيرها، حكاه في "الروضة" وأصلها عن المتولي، وجزم به في "الشرح الصغير" وكذا في "الكبير" في آخر الباب، فقال: ثم المعيار في الجوز الوزن؛ لأنه أكبر جرماً من التمر 168.
ونقل السبكي ضبط محل الوفاق: بما زاد على جرم التمر عن القفال والقاضي حسين أيضاً، قال: وقال الجُوريُّ: محل الخلاف: فيما كاله قوم ووزنه قوم، أما ما اتفقوا فيه على شيء .. فهو أصله؛ كالسكر لم يكن بالمدينة، واتفق الناس على وزنه، وأغرب ابن أبي الدم، فحكى وجهاً عن أبي إسحاق: أن السكر مكيل.
انتهى.
1730 - قول "التنبيه" [ص 90]: (فأما الذهب والفضة: فإنه يحرم فيهما الربا بعلة واحدة، وهي أنهما قيم الأشياء)، قال في "شرح المهذب": أنكره القاضي أبو الطيب وغيره على من قاله من أصحابنا؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا، وليس مما يقوم بها، قال: والعبارة الصحيحة عند الأصحاب - وهي التي نقلها الماوردي وغيره عن النص -: كونها جنس الأثمان غالباً.
انتهى 169.
ويرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 213]: (والنقد بالنقد كطعامٍ بطعامٍ) لأن النقد خاص بالمضروب، فيخرج عنه الأواني والتبر والحلي والسبائك، وقد سلم من ذلك "الحاوي" بقوله [ص 264]: (وجوهَرَي الثّمَنِيَّةِ).
الحديث: 1728 - الجزء: 1 - الصفحة: 705
1731 - قول "المنهاج" [ص 213]: (فلو باع جزافاً تخميناً .. لم يصح)، وقول "الحاوي" [ص 264]: (فيبطل بيع صبرةٍ بصبرةٍ جزافاً) أي: مع اتحاد الجنس؛ فإنَّ بيع صبرة حنطة بصبرة شعير جزافاً صحيح، وقول "المنهاج": (تخميناً) يحتمل أن يدل على البطلان في الجزاف بلا تخمين من طريق الأولى، ويحتمل أنه احترز به عما إذا علما تماثل الصبرتين، ثم تبايعا جزافاً .. فإنه يصح، كما حُكي عن القاضي الحسين، ولا يحتاج في قبضها إلى كيل، وعلى هذا الاحتمال الثاني ترد هذه الصورة على عبارة "الحاوي".
1732 - قول "المنهاج" [ص 213]: (وقد يُعتبر الكمال أولاً) عُدَّ من مشكلاته؛ لعسر الاهتداء للمراد به، والظاهر: أنه أراد به: إدخال عصير الرطب والعنب؛ فإنه يباع بعضه ببعض متماثلاً، ولا يتوقف الحال على الكمال الأخير، وهو صيرورته تمراً وزبيباً، ذكره السبكي وقال: فكأنه قال: يعتبر الكمال ولو أولاً.
انتهى.
ويدخل في ذلك اللبن أيضاً؛ فإنه كامل في أول أحواله، وهو الحليب، ورجح شيخنا جمال الدين: أنه أشار به للعرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في التماثل وإن وجد لكنه لم يوجد آخراً؛ أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولاً؛ أي: في حال الرطوبة، فيباع حال رطوبته بمثله إذا جف، فقوله: (وقد يعتبر الكمال) أي: الجفاف.
1733 - قول "المنهاج" [ص 213]: (فلا يباع رُطَبٌ بِرُطَبٍ ولا بتمرٍ) يستثنى منه: العرايا، وقد صرح باستثنائها هنا "التنبيه" فقال [ص 91]: (ولا رطْبِهِ بيابِسِهِ إلا في العرايا) واستثناها "الحاوي" معنى فقال بعد اعتبار الجفاف في الثمار: (والعرايا ... رخصة) 170، وذكرها "المنهاج" في آخر (باب الأصول والثمار) 171.
1734 - قول "التنبيه" [ص 91]: (وإن كان مما لا يكال ولا يوزن .. ففيه قولان، أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعضر، والثاني: يجوز إذا تساويا في الوزن) صحح النووي في "التصحيح": الأول 172.
وأُورِد على إطلاقه: الجوز والبيض؛ فإن الأصح: الجواز فيهما مع عدم الكيل والوزن.
وأجيب عنه: بأن معيارهما الوزن، وفيه نظر؛ لأن المراد: أنهما لا يوزنان عادة، ثم محل القولين: فيما لا يجفف؛ كالقُثَّاء 173 ونحوه، فأما ما يجفف؛ كالبطيخ الذي يفلق وحب الرمان
الحديث: 1731 - الجزء: 1 - الصفحة: 706
الحامض .. فإنه يباع بعضه ببعض جافاً على الصحيح؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 214]: (وما لا جفاف له كالقثَّاء والعنب الذي لا يَتَزَبَّبُ لا يباع أصلاً، وفي قول: تكفي مماثلته رطباً) ففرض القولين فيما لا جفاف له، ومع ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن المراد: أنه لا يباع بعضه ببعض رطباً، وفي تعبيره بقوله: (لا يباع أصلاً) إيهام.
ثانيها: أنه قد يفهم أنه لو جفف على ندور .. لا يباع جافاً، قال السبكي: والأقيس: الصحة.
ثالثها: يستثنى من كلامه: الزيتون؛ فإنه لا يجفف، ومع ذلك فيجوز بيع بعضه ببعض، كما جزم به في "الوسيط"، وحكاه الإمام عن صاحب "التقريب"، ووافقوه عليه 174.
1735 - قول "المنهاج" [ص 214]: (وفي اللبن: لبناً أو سمناً أو مخيضاً) وقول "الحاوي" [ص 265]: (كاللبن والسمن والمخيض) في جعلهما المخيض قسيماً للبن نظر؛ فإنه قسم منه، وجواز بيع اللبن باللبن وارد على قول "التنبيه" [ص 91]: (ولا رطْبهِ برطْبِهِ).
1736 - قول "التنبيه" [ص 91]: (ولا مطبوخِهِ بمطبوخِهِ) أَحسن منه قول "المنهاج" [ص 214]: (ولا تكفي مماثلة ما أثّرت فيه النار بالطبخ أو القلي أو الشي، ولا يضر تأثير تمييزٍ كالعسل والسمن) وقول "الحاوي" [ص 265]: (ومعروض النار لا للتمييز) وقد دخل في عبارتهم: بيع السكر والفانيذ والقَنْد والدِّبس بمثله 175، والأصح: منعه، لكن صحح في "التصحيح": صحة السلم فيها، وقال: إن نارها لطيفة 176.
واستشكل الفرق بينهما، إلا أن يفرق بضيق باب الربا.
ويجوز بيع الماء المغلي بمثله، صرح به الإمام 177.
1737 - قول "الحاوي" [ص 265]: (والجوز واللوز وزناً) فيه أمران:
أحدهما: أن هذا إذا كانا جافين.
الثاني: ما ذكره في اللوز وجه حكاه صاحب "البحر" 178، والذي جزم به الرافعي: أنه يباع اللوز باللوز كيلاً 179.
الحديث: 1735 - الجزء: 1 - الصفحة: 707
1738 - قول "المنهاج" [ص 214]: (وإذا جَمَعَتِ الصفقة ربوياً من الجانبين ... إلى آخره) فيه أمور:
أحدها: أنه يخرج ما إذا تعددت الصفقة؛ وذلك يكون بتفصيل الثمن؛ بأن جعل الدرهم مقابلاً بالدرهم والمدّ بالمدّ؛ فهنا يصح، ويكون بتعدد البائع أو المشتري، وفي هاتين لا يصح أيضاً، فيرد على مفهوم عبارته وعبارة "الحاوي" 180، ولا يرد ذلك على "التنبيه" فإنه قال [ص 92]: (وما حرم فيه الربا لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض ... إلى آخره)، فتناول تعدد العاقد واتحاده، كذا أورد، وهو ضعيف؛ لأنه متى كان البائع للدرهم كير البائع لمد العجوة .. فلا شك في صحته وإن كان البائعان باعا مجموع الأمرين، فلم تخرج الصفقة الواحدة عن اشمالتها على ربوي من الجانبين ومع أحدهما جنس آخر.
ثانيها: قوله: (ربوياً من الجانبين) لا بد من تقييد الربوي من الجانبين بكونه جنسا واحداً، فيقول: (جنساً ربوياً)، وإلا .. ورد عليه بيع ذهب وفضة بحنطة فقط، أو بشعير فقط، أو بهما وما أشبه ذلك؛ فإنه يجوز مع دخوله فيما ضبط به المنع؛ ولذلك عبر "المحرر" بقوله: (وإذا اشتملت الصفقة على جنس واحد من أموال الربا من الجانبين) 181 و"التنبيه" بقوله [ص 92]: (لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض) و"الحاوي" بقوله [ص 266]: (وإن جمع عقد جنساً ربوياً في طرفيه).
ثالثها: قوله: (واختلف الجنس) ليس المراد: الجنس الربوي المعتبر وجوده من الجانبين؛ فإن ذاك متحد كما تقدم، وإنما المراد: اختلف جنس المبيع؛ بأن يكون مع الربوي جنس آخر كما يظهر ذلك من مثاله، ولو عبر بقوله: (واختلف المبيع جنساً) .. لاستقام، وأوضح من ذلك قول "التنبيه" [ص 92]: (ومع أحد العوضين جنس آخر)، وقول "الحاوي" [ص 266]: (واختلاف الجنس)، لكن تقييد "التنبيه" الجنس الآخر بقوله [ص 92]: (يخالفه في القيمة) يفهم أنه لو باع مد عجوة ودرهماً بمدّي عجوة، وقيمة المد درهم .. صح، قال في "الكفاية": ولم أعثر على ما يوافقه، والمنقول في الرافعي وغيره: المنع؛ فإن التقويم تخمين، والجهل بالمماثلة كحقيقية المفاضلة.
نعم؛ إن عُلم اتحاد القيمة بأن كان المدان من نخلة والدرهمان من ضرب واحد .. ففيه وجه مشهور، وفي حمل كلام الشيخ عليه بعد.
انتهى 182.
الحديث: 1738 - الجزء: 1 - الصفحة: 708
وقال ابن الصلاح في "فتاويه": هو وصف لازم لاختلاف الجنس؛ لأن اختلاف الجنس مظنة اختلاف القيمة، فمهما وجد اختلاف الجنس .. مَنَعْنَا وإن قضى المقومون باتفاق القيمة؛ لأن التقويم أمر مظنون 183.
رابعها: قوله: (منهما) وكذا من أحدهما، وعليه يدل تمثيله بمد ودرهم بمدين أو درهمين.
خامسها: لا فرق في الجنس الآخر بين أن يكون ربوياً أم لا، وهو مقتضى إطلاق "التنبيه" و"المنهاج"، لكن لو مثَّلا بدرهم وثوب بدرهم وثوب أو درهمين .. لكان أولى؛ لأن تمثيلهما قد يفهم أنه يعتبر في الجنس الآخر كونه ربوياً.
سادسها: يشترط كون الجنس الآخر مقصوداً؛ فإن الأصح: الصحة فيما إذا باع داراً فيها بئر ماء عذب بمثلها، وقلنا: إن الماء ربوي؛ لأنه تابع، وكذلك لو باع داراً بذهب، فظهر فيها معدن ذهب، بخلاف بيع دار مُوّهت بذهب تمويهاً يحصل منه شيء بذهب .. فإنه لا يصح، وقد صرح بذلك "الحاوي" 184، وهذا وارد على "التنبيه" أيضاً؛ فإنه لم يذكره، ويحتمل أنه احترز عنه بقوله: (يخالفه في القيمة) 185 فإنه إذا كان تابعاً لغيره .. فهو غير متقوم ولا منظور إليه، وما ذكرناه في بيع دار بذهب فظهر فيها معدن ذهب هو الذي صححه الرافعي والنووي هنا 186، لكنهما قالا فيما يدخل تحت لفظ الدار من الألفاظ المطلقة: لا يجوز من جهة الربا 187.
قال البارزي: ويمكن أن يقال: الأول: إذا لم يعلم أن فيها معدناً، والثاني: إذا علم.
وقال في "المهمات": ليس بين الصورتين فرق إلا أن الأولى: فرضها عند عدم العلم، ولا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا مطلقاً.
سابعها: قوله: (أو النَّوع؛ كصحاحٍ ومُكَسَّرَةٍ) 188 لو مثَّل: بـ (المعقلي والبرني) .. لكان أحسن؛ فإن الصحة والتكسير اختلاف صفة لا اختلاف نوع، وإن كان اختلاف الصفة مضراً .. فيحمل النوع في عبارته على ما ليس بجنس؛ ليشمل اختلاف الصفة، فيصح التمثيل؛ ولذلك مثل "التنبيه" للنوع بمثالين القاساني والنيسابوري والصحيح والقراضة.
ثامنها: يشترط كون قيمة المكسر أقل من الصحيح، وإلا .. لم يضر، وهذا يرد على "التنبيه" أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 709
تاسعها: يشترط تميز أحد النوعين عن الآخر، فلو باع صاعاً من رديء وجيد مخلوطين بمثله أو جيد أو رديء .. جاز؛ لأن التوزيع عند التمييز، وهذا وارد على "التنبيه" أيضاً، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 266]: (مع تمييز أحد النوعين عن الآخر).
عاشرها: ذكر صاحب "التتمة" أنه إذا باع مداً ودرهماً بمدين .. بطل في المد المضموم إلى الدرهم وفيما يقابله من المدين، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة؛ ولذلك في جميع صوره قال الرافعي: ويمكن تنزيل إطلاقهم عليه 189.
قال السبكي: وفيه نظر؛ لأن التقسيط لو اعتبر هنا .. لصح فيما إذا اتفقت القيمة؛ أي: فيما إذا كان المدان من نخلة واحدة والدرهمان من ضرب واحد، والرافعي موافق للجمهور على المنع منه.
انتهى.
وقال في "المطلب": وجه عدم تخريج هذه القاعدة على تفريق الصفقة: أن التفريق إنما يكون عند فوات شرط بعض المعقود عليه، وهنا الفساد للهيئة الاجتماعية كالعقد على خمس نسوة؛ فإنه يبطل في الكل.
انتهى.
وما ذكره المتولي تبعه عليه الروياني في "البحر" 190، قال السبكي: والعبارة المحررة: أن تجمع الصفقة جنساً ربوياً من الجانبين، ويختلف العوضان، أو أحدهما جنساً أو نوعاً أو صفة، وإن شئت قلت: أن يبيع ربويًّا بجنسه ومع أحدهما غيره، سواء أكانت المغايرة في الجنس أم النوع أم الصفة، وسواء أكان المضموم ربوياً أم غيره.
انتهى.
ويرد على ما ذكره: أنه لا بد من تقييده بكونه مقصوداً، ولا بد من التقييد عند اختلاف الصفة باختلاف القيمة كما تقدم.
ومن الفروع الغريبة الداخلة في هذه القاعدة: لو كان لبنته مئة درهم، فقال لغيره: زوجتك بنتي وملكتك هذه المئة بهاتين المئتين لك .. فالبيع والصداق باطلان، كما نقله الرافعي في الباب الثاني من أبواب الصداق عن نصه في "الأم" 191.
1739 - قول "التنبيه" [ص 92]: (ولا يباع نوعان مختلفا القيمة من جنس بنوع واحد منه متفق القيمة) في قوله: (مختلفا القيمة) ما تقدم في قوله: (يخالفه في القيمة) 192، وتقييده النوع الآخر بكونه متفق القيمة ليس شرطاً، بل ذكره لدفع توهم اشتراط اختلافهما كالنوعين، وقال
الحديث: 1739 - الجزء: 1 - الصفحة: 710
النووي في "نكته": اتفاق القيمة زيادة لا فائدة فيها.
1740 - قول "التنبيه" [ص 92]: (وفي بيعه بحيوان كير مأكول قولان) أظهرهما: المنع، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 193.
1741 - قول "التنبيه" [ص 92]: (ولا يجوز بيع اللبن بشاة في ضرعها لبن) أطلق اللبن، والمراد: لبن شاة أما إذا كان لبن إبل أو بقر، وقلنا: الألبان أجناس وهو الأظهر .. ففيه قولا الجمع بين مختلفي الحكم، والأصح: الجواز.
ونظير المسألة: بيع بيض بدجاجة فيها بيض، كذا في "الروضة" وأصلها 194، وحكى الماوردي فيها قولين مبنيين على أن الحمل هل يأخذ قسطاً من الثمن أم لا؟ فيبطل على الأول دون الثاني، والفرق بينه وبين بيع لبن بشاة في ضرعها لبن حيث جزموا هناك بالبطلان: قُدْرَةُ صاحب اللبن علي أخذه، فهو كالموجود، فيقابل بقسط من الثمن قطعا، بخلاف البيض؛ فإنه كالحمل؛ لأنه لا يقدر على أخذ كل منهما، والله أعلم 195.
1742 - قوله: (وإن اصطرف رجلان وتقابضا، ووجد أحدهما بما قبض عيباً؛ فإن وقع العقد على العين ورده .. انفسخ البيع، ولم يجز أخذ البدل) 196 كونه لا يجوز أخذ البدل مفهوم من قوله: (انفسخ العقد)، والقصد به: التنبيه على تعين النقد بالتعيين خلافاً لأبي حنيفة 197.
1743 - قوله: (وإن كان على عوض في الذمة .. جاز أن يرده، ويطالب بالبدل قبل التفرق، وبعد التفرق قولان، أحدهما: أنه يرده ويأخذ بدله) 198 هو الأصح، لكن يشترط: قبض البدل في مجلس الرد، قال في "الكفاية": ومقتضى كلامه: أن له خيار الفسخ وبه صرح القاضي أبو الطيب، لكن ينبغي إذا جُوّز أخذ البدل .. خلافه؛ لبقاء المبيع في الذمة كالمسلم فيه، وبه صرح المتولي وابن التلمساني في "شرحه".
الحديث: 1740 - الجزء: 1 - الصفحة: 711
بابُ البيوع المنهيّ عنها الباطلة
1744 - قول "المنهاج" في عَسبِ الفَحْلِ [ص 215]: (فيحرم ثمن مائه، وكذا أجرته في الأصح) يقتضي أن الخلاف في الإجارة وجهان، وصرح بذلك "التنبيه" في (باب الإجارة) 199، وكذا هو في "الروضة" و" الشرحين" 200، وحكاهما في "المحرر" قولين 201، والأول هو المعتمد.
1745 - قول "التنبيه" في (باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز) [ص 89]: (وبيع حَبَل الحَبَلة في قول الشافعي، وهو أن يبيع بثمن إلى أن تحبل هذه الناقة، وتلد، ويحبل ولدها) اعترض عليه: بأن المنقول عن الشافعي: ويلد ولدها 202، وكلاهما باطل؛ للجهالة، وما ذكره الشيخ هو في "الصحيحين" عن ابن عمر 203.
1746 - قوله: (ولا يجوز تعليق البيع على شرط) 204 استثني منه: ما إذا قال: إن كان ملكي .. فقد بعتكه؛ فإنه يصح كما في "زوائد العمراني" في (الوكالة).
1747 - قول "المنهاج" [ص 215]: (والملامسة؛ بأن يلمس ثوباً مطوياً ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، أو يقول: "إذا لمسته .. فقد بعتكه") فسرها الشافعي، وتبعه الرافعي في كتبه والنووي في "الروضة" بأن يلمس ثوباً مطوياً، فيقول صاحبه: بعتكه بشرط قيام لمسك مقام نظرك 205، وفيه مخالفة لما في "المنهاج"، وجزم "التنبيه" بالتفسير الثاني، فقال [ص 89]: (وهو أن يقول: "إذا لمسته .. فقد وجب البيع") ومعناه: انعقد، ولا يصح أن يكون المراد: لزم؛ لكونه ذكره مثالاً لتعليق البيع على شرط.
1748 - قول "المنهاج" [ص 215]: (وبيع الحصاة؛ بأن يقول: "بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه"، أو يجعلا الرمي بيعاً، أو "بعتك ولك الخيار إلى رميها") فيه أمران:
الحديث: 1744 - الجزء: 1 - الصفحة: 712
أحدهما: أن قوله ثانياً: (بعتك) معطوف على قوله أولاً: (بعتك)، وفصل بينهما بقوله: (يجعلا)، فلو قدّمه عليه .. لكان أولى، وإذا أخره عنه .. فكان ينبغي أن يزيد فيه لفظة: (يقول) ليصح عطفه على (يجعلا)، وينتظم المعنى.
ثانيهما: قوله: (ولك الخيار) مثال، فلو قال: (ولي الخيار) .. كان كذلك، وكذا لو قال: (لزيد الخيار) فيما يظهر.
1749 - قوله: (ولو اشترى زرعاً بشرط أن يحصده البائع، أو ثوباً ويخيطه .. فالأصح: بطلانه) 206 فيه أمران:
أحدهما: أنه ينبغي على اصطلاحه التعبير بالمذهب؛ فإن المرجح في "الروضة": القطع بالبطلان، وقيل: قولان 207، فاقتصر "المنهاج" على طريقة الخلاف، وهي ضعيفة، وحكاها وجهين، وهي قولان.
ثانيهما: عبر "المحرر" بقوله: (بشرط أن يخيطه) 208 كما في الزرع، وعبر "المنهاج" في كل منهما بعبارة؛ تنبيهاً على جواز كل منهما في كل منهما، قال في "شرح المهذب": سواء قال: على أن يحصده أم ويحصده، وقال أبو حامد: لا يصح الأول قطعاً، وفي الثاني الخلاف 209.
1750 - قول "التنبيه": في المقبوض ببيع اقترن بشرط فاسد [ص 90]: (وإن هلك عنده .. ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف) يقتضي وجوب القيمة وإن كان المبيع مثلياً، وكذا أطلقه الرافعي، وصرح به الماوردي 210، والذي حكاه غيرهم: أن هذا في المتقوم، أما المثلي: ففيه المثل، ويوافقه قول "الحاوي" [ص 268]: (وحيث فسد لو قبض المشتري .. فهو كالمغصوب).
1751 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن كانت جارية فوطئها .. لزمه المهر وأرش البكارة إن كانت بكراً) المهر اللازم فيما إذا كانت بكراً: مهر بكر كما ذكره الرافعي والنووي هنا 211، وقالا في (الجنايات): مهر ثيب 212، قالا في (الغصب): وهو ما رجحوه 213، وصححا في الرد
الحديث: 1749 - الجزء: 1 - الصفحة: 713
بالعيب: وجوب مهر بكر فقط، واندراج الأرش فيه 214.
1752 - قوله: (فإن أولدها .. فالولد حر) 215 محله: إذا جهل المشتري، أو كان العوض مقصوداً، بخلاف الدم والميتة.
1753 - قوله: (وإن وضعته ميتاً .. لم يلزمه قيمته) 216 أي: بغير جناية، فإن كان بجناية .. وجبت الغرة على عاقلة الجاني، وعلى المشتري الأقل من قيمته يوم الولادة لو كان حياً، والغرة، ويطالب به المالك من شاء منهما.
1754 - قوله: (وإن شرط ما فيه مصلحة للعاقد؛ كخيار الثلاثة والأجل والرهن والضمين .. لم يفسد العقد) 217 فيه أمور:
أحدها: أن كلامه يقتضي جواز الاسترسال في اشتراط ما فيه مصلحة للعاقد، وقد صرح الإمام بأنه ممتنع، بل يتبع فيه توقيف الشارع كالخيار وما في معناه 218، فإن هذه الأشياء في المعاملات كالرخص في العبادات.
ثانيها: يشترط في كل من الأجل والمرهون والضامن أن يكون معلوماً؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 267]: (ومعلوم أجل ورهن وكفيل)، و"المنهاج" [ص 216]: (والأجل والرهن والكفيل المُعَيَّنَاتِ) ولو قال: (المعينين) تغليباً للعاقل، وهو الكفيل .. لكان أولى، وتعبير "الحاوي" بـ (العلم) أحسن من تعبير "المنهاج" بـ (التعيين) فإنه يكفي في الرهن الوصف بصفات السلم، وحينئذ .. يكون معلوماً وليس معيناً، وقالوا في الكفيل: إن المعتبر المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف، وفيه احتمال للرافعي، وجعل الاكتفاء بقوله: (موسر ثقة) أولى من مشاهدة من لا يعرفه 219.
ثالثها: يشترط فيها أيضاً: أن يكون الثمن في الذمة، كما صرح به "المنهاج" 220، واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 267]: (بالثمن) ولم يقيده بكونه في الذمة، ولا بد منه، بل لو عكس واقتصر على ذكر الذمة من غير تقييد بالثمن، فقال: (لعوضٍ في الذمة) .. لكان أشمل؛ لتناوله المبيع في الذمة، مثل: اشتريت منك صاع بُرّ في ذمتك صفته كذا، فيصح اشتراط الثلاثة فيه،
الحديث: 1752 - الجزء: 1 - الصفحة: 714
وذلك يرد على قول "المنهاج" أيضًا [ص 216]: (الثمن في الذمة).
رابعها: أطلق الثلاثة اشتراط الأجل، وقال الروياني: لو أجل الثمن ألف سنة .. بطل العقد؛ للعلم بأنه لا يعيش هذه المدة 221، قال الرافعي: فعلى هذا يشترط في صحة الأجل: احتمال بقائه إليه 222.
قال النووي: لا يشترط احتمال بقائه إليه، بل ينتقل إلى وارثه، لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاء الدنيا إليه فاسد 223.
قلت: إنما ينتقل إلى الوارث مؤجّلاً إذا كان الذي مات هو البائع، أما إذا مات المشتري .. فإنه يحل الدين ويسقط الأجل، فأيّ فائدة في أجل يقطع بسقوطه قبل انتهائه؟ !
خامسها: لو قال: (صح الشرط) .. كان أحسن من قوله: (لم يفسد العقد) فإنه لا يلزم من عدم فساد العقد صحة الشرط.
سادسها: لا بد من تقييد الرهن بأن يكون غير المبيع، فلو شرطا رهنه .. لم يصح على المذهب؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري إلا بعد الشرط؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 267]: (ورهن غير المبيع)، ولم يتعرض "المنهاج" أيضاً لذكر ذلك هنا.
1755 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن شرط العتق في العبد .. لم يفسد العقد) فيه أمور:
أحدها: لا يلزم من كون العقد لا يفسد أن يصح الشرط؛ ولذلك قال "المنهاج" [ص 216]: (فالمشهور: صحة البيع والشرط)، وهو مفهوم من قول "التنبيه" [ص 90]: (فإن امتنع من العتق .. أجبر عليه).
ثانيها: تناول كلامه ما إذا شرط مع العتق الولاء للبائع، والبيع في هذه الصورة باطل، وقد ذكرها "المنهاج"، إلا أنه عطفها على ما عبر فيه بالأصح 224، فاقتضى أن الخلاف فيها وجهان، وعبر في "الروضة" بقوله: المذهب، وبه قطع الجمهور 225، ولم يتعرض لها "الحاوي"، فهي واردة عليه أيضاً.
ثالثها: وتناول كلامه أيضاً ما إذا شرط إعتاقه بعد شهر مثلاً، والأصح فيها: البطلان، وقد ذكرها "المنهاج" و"الحاوي" 226.
الحديث: 1755 - الجزء: 1 - الصفحة: 715
رابعها: يستثنى من كلام الثلاثة: ما إذا شرط إعتاقه عن البائع .. فالعقد باطل، كما صرح به في "شرح المهذب" و"المطلب" (1)، وما إذا اشترى أباه بشرط إعتاقه .. فإنه يبطل قطعاً؛ لتعذر الوفاء به؛ فإنه يعتق قبل إعتاقه، قاله القاضي حسين، وللنووي فيه احتمال (2).
خامسها: قد تتناول عبارتهم ما لو باع عبداً بشرط أن يبيعه بشرط الإعتاق، أو بشرط أن يعلق عتقه بصفة، والأصح في الصورتين: البطلان.
سادسها: ظاهر كلام "التنبيه" و"المنهاج": أنه لا بد من شرط عتق جميع العبد، فلو باع بعض عبد بشرط إعتاقه .. لم يصح، وحكي ذلك عن صاحب "المعين" اليمني، لكن مقتضى قول "الحاوي" [ص 267]: (وعتق المبيع) يقتضي الصحة في هذه الصورة.
سابعها: قوله: (فإن امتنع من العتق .. أجبر عليه) (3) ظاهره: أنه يحبس لأجله إن امتنع، وهو احتمال للإمام، وله احتمال آخر: أنه كالمولي، فيعتقه القاضي في قولٍ كما يُطَلِّق (4)، وهو المذكور في "تعليق القاضي الحسين" و"التتمة".
فَائِدَةٌ [بيع الرقيق بشرط العتق]
قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": بيع الرقيق بشرط العتق إنما استفيد من حديث بريرة 231، وقد كانت مكاتبة، فعلى هذا .. يجوز بيع المكاتب بشرط العتق، رضي بالبيع أم لم يرض، أما إذا رضي .. فقد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث" وغيره 232، وأمّا إذا لم يرض .. فلأنه عليه الصلاة والسلام أجاز لعائشة شراء بريرة، ولم يعتبر رضاها، ولم يجيء في الحديث بيع غير المكاتب بشرط العتق، ومحل الحديث لا يخرج، وهو قريب من العموم الوارد على سبب؛ فإن السبب لا يُخرج كما في "الولد للفراش"؛ فإن السبب كان في أمه.
انتهى.
1756 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ولو شرط مقتضى العقد كالقبض والرد بالعيب .. صح)227228229230
الحديث: 1756 - الجزء: 1 - الصفحة: 716
أي: العقد؛ ولذلك اقتصر "التنبيه" على قوله [ص 90]: (لم يفسد العقد)، وهو مفهوم قول "الحاوي" عطفاً على البطلان [ص 267]: (أو بشرط فيه غرض لا يوجبهُ).
وأما الشرط: ففي كلام أبي الطيب والمحاملي ما يقتضي صحته أيضاً، ويكون مُؤكداً لمقتضى العقد، وقد يفهم ذلك من تعبير "المنهاج"، وقال الرافعي وغيره: إنه لا يضر ولا ينفع 233، وقال الإمام: الشرط هو ما اقتضى زيادة على مقتضى العقد 234، قال السبكي: وهو بحث لفظي.
1757 - قول "التنبيه" [ص 90]: (وإن شرط ما سوى ذلك مما ينافي موجب العقد، وليس فيه مصلحة للعاقد .. لم يصح العقد) أورد عليه: ما إذا شرط ما لا غرض فيه؛ كشرط ألاَّ يأكل إلا الهريسة، أو لا يلبس إلا الحرير؛ فإنه يلغو ولا يفسد العقد به، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 235، وحكاه الرافعي عن الإمام والغزالي، ثم قال: لكن في "التتمة": أنه لو شرط ما يقتضي التزام ما ليس بلازم؛ كما لو باع بشرط أنه يصلي النوافل .. فإنه يفسد العقد؛ لأنه أوجب ما ليس بواجب، قال الرافعي: وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهريسة والحرير.
انتهى 236.
ونص في "الأم" على البطلان فقال: (فإذا باع الرجلُ الرجلَ العبد على ألاَّ يبيعه من فلان، أو على أن يبيعه من فلانٍ، أو على ألاَّ يستخدمه، أو على أن يُنفق عليه كذا وكذا، أو على أن يخارجه .. فالبيع كله فيه فاسد)، حكاه في "المهمات" وغيرها 237.
واختار ابن الصلاح وابن الرفعة في قوله: (لا يأكل) أن يُقرأ بالتاء - ثالثة الحروف - خطاباً للمشتري؛ فإنه حينئذ لا غرض فيه ألبتة، وأما إذا قرئ بالياء - آخر الحروف - .. فقد ينازع في عدم الغرض، ويتخيل فيه الإفساد؛ لأنه ينفع العبد، فأشبه شرط إعتاقه 238.
1758 - قوله: (وان باع جارية وشرط حملها .. ففيه قولان) 239 فيه أمران:
أحدهما: الأصح: الصحة، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 240.
ثانيهما: ذكر الجارية مثال، فكل حيوان كذلك، وعبر "المنهاج" بالدابة 241، وهو مثال
الحديث: 1757 - الجزء: 1 - الصفحة: 717
أيضاً، وقد اندرجت جميع الصور في قوله أولاً: (ولو شرط وصفاً يُقْصَد) 242، وعبارة "الحاوي" [ص 268]: (ووصف مقصودٍ كالحامل)، وهي حسنة؛ لعمومها قاعدة ومثالاً.
1759 - قول "المنهاج" [ص 216]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 268]: (ولو قال: "بعتكها وحملها" .. بطل في الأصح) كذا في "الروضة" بالواو، وقال: لو قال: (بعتك الجبة بحشوها) بالباء .. فقيل: على الخلاف، وقيل: يصح قطعاً، وصحح القطع بالصحة في "شرح المهذب" لأن الحشو داخل في مسمى الجبة، فذكره تأكيد 243.
وقال السبكي: استقرَّ رأي على الفرق بين الواو والباء، فمع الواو يبطل مثل: وحملها وحشوها وأساسها، ومع الباء يصح مثل: بحملها وحشوها وأساسها، واللغة تقتضيه، وكلام الشافعي والأصحاب لا يخالفه إلا في الأساس؛ فلعل قائله لم يحرر العبارة.
وقال شيخنا الإمام جمال الدين: الصحة في مع والباء أظهر منها في الواو؛ لأنهما للحال؛ أي: كائنة بحملها، أو مع حملها، فهو وصف محض، بخلاف الواو؛ فإنها ظاهرة في التغاير.
1760 - قولهم: (لا يصح بيع الحامل بِحُرٍّ) 244 استشكل مع تصحيح جواز بيع الدار المستأجرة؛ لأنه يدل على أن المستثنى شرعاً ليس كالمستثنى شرطاً، بل هو كالمعدوم.
1761 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ولو باع حاملاً مطلقاً .. دخل الحمل في البيع) محله: إذا كان مملوكاً لمالك الأم، وإلا .. بطل البيع، ومحله أيضاً: إذا بيعت باختيار المالك، فلو بيعت في حق المرتهن بغير اختياره .. ففي دخوله قولان.
1762 - قول "التنبيه" [ص 89، 90]: (ولو باع شاة إلا يدها .. بطل)، قال في "الكفاية": هذا إذا كانت حية، فإن كانت مُذَكَّاةَ والقطع معلوماً؛ كالأكارع .. جاز.
الحديث: 1759 - الجزء: 1 - الصفحة: 718
بابُ بيع الحاضر للبادي وتلقّي الرّكبان, والبيع على البيع والنّجش وغيرها
1763 - قول "المنهاج" [ص 216]: (ومن المنهِيِّ عنه ما لا يبطل) قال السبكي: ضُبط بضم الياء، فتكون الطاء مفتوحة، والضمير في (رجوعه) للنهي المفهوم من المنهي، وأما كسرها: فإنما يصح أن لو قال: من المناهي، فيكون أحسن؛ ليندرج فيه ما لا يوصف ببطلان ولا بعدمه؛ كتلقي الركبان ونحوه، ولو قرئ بضمها مع فتح الياء .. لصح، والضمير بحاله.
انتهى.
1764 - قوله: (كبيع حاضرٍ لبادٍ؛ بأن يَقْدَمَ غريبٌ بمتاعٍ تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول بلديٌّ: "اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى") 245 فيه أمران:
أحدهما: قوله: (غريب) مثال جرى فيه على الغالب؛ ولهذا عبر "التنبيه" بقوله [ص 96]: (رجل).
ثانيهما: قوله: (تعم الحاجة إليه) اقتصر في "التنبيه" على قوله [ص 96]: (يحتاج إليها)، وعموم الحاجة قدر زائد على مطلق الحاجة، وحكى في "المطلب" في ذلك وجهين، وقال: إن ظاهر النص أنه لا فرق بين أن تعم الحاجة أم لا.
وقال السبكي: لم يتعرض لعمومها إلا القاضي حسين والبغوي والرافعي، ويحتاج إلى دليل، والذي ذكره غيرهم: احتياج الناس إليه 246.
وعبر "الحاوي" بقوله [ص 268، 269]: (والتربص بسلعة البادي لرفع الثمن) فلم يعتبر الحاجة إلى تلك السلعة، ولا شك في اعتباره، فلو كان عدم الاحتياج إليها لقلتها وكبر البلد، أو لوجودها ورخصها، أو لعدم الاحتياج إليها في الحال .. ففي التحريم وجهان، أوفقهما للحديث: التحريم، وعبارة "الحاوي" تتناول تربص البادي نفسه؛ فإنه لم يقيد التربص بكونه من الحاضر، ولا شك في جواز الأول، بل لو قصد البادي التربص به، فسأله الحاضر تفويضه إليه .. جاز، إلا على احتمال لابن خيران، ولو ابتدأه البدوي بذلك .. فلا تحريم، ولو استرشده .. فهل يرشده إلى الادخار؟ فيه خلاف.
1765 - قول "التنبيه" [ص 96]: (وَيَحْرُم تَلَقي الركبان؛ وهو أن يتلقى القافلة ويخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم) فيه أمور:
أحدها: مقتضى كلامه وكلام "المنهاج" 247: أنه لوخرج لشغل آخر من اصطياد وغيره،
الحديث: 1763 - الجزء: 1 - الصفحة: 719
فاشترى منهم .. لم يحرم، والأصح: خلافه.
ثانيها: تعبيره بالقافلة وتعبير "المنهاج": بـ (طائفة) 248 مثال؛ فالواحد كذلك؛ ولهذا عبر "الحاوي" بقوله [ص 269]: (وشراء متاع غريبٍ) فلم يعتبر التلقي ولا الجمع.
ثالثها: إخبارهم بكساد ما معهم ليس شرطاً؛ ولذلك لم يذكره "المنهاج" و"الحاوي".
رابعها: ظاهر تعبيره بالتلقي أنه لا بد من الخروج عن البلد، وعليه يدل قول "المنهاج" [ص 217]: (قبل قدومهم) ولذا قال الأصحاب: إنما يثبت الخيار إذا كان التلقي خارج البلد، فلو تلقاهم في البلد قبل دخولهم السوق .. فلا خيار.
قال السبكي: ولم يتعرضوا للتحريم ولا لعدمه، لكن جماعة من أهل الفقه والحديث - منهم ابن المنذر - قالوا: (لا يجوز التلقي خارج السوق، ولا بأس به في أول السوق) انتهى 249.
واقتصر "الحاوي" على قوله [ص 269]: (وشراء متاع غريبٍ لم يعرف السعر) ومقتضاه: ثبوت التحريم والخيار ولو كان بعد دخول السوق؛ متى كان صاحب المتاع غريباً لم يعرف السعر، قال السبكي: فإن كان ظاهره مراداً .. فيحتاج إلى سلف له فيه.
خامسها: لم يصرح "التنبيه" بالمقصود - وهو الشراء - مع ذلك؛ لفهمه من السياق، والمراد: ليغبنهم فيما اشتراه منهم.
1766 - قوله: (فإن قدموا، وبان لهم الغبن .. كان لهم الخيار) 250 مقتضاه: أنه لا يثبت الخيار إذا تبين لهم الغبن من غير قدومهم، والظاهر: خلافه؛ ولذلك اقتصر "المنهاج" و"الحاوي" على معرفة الغبن 251، وعبارتهم شاملة لما إذا لم يعرفوا الغبن حتى رخص السعر، وصار كما أخبرهم به، وفيه وجهان حكاهما الماوردي منشؤهما اعتبار الابتداء والانتهاء 252.
1767 - قوله: (وإن لم يغبنهم .. فقد قيل: يثبت لهم الخيار، وقيل: لا يثبت) 253 الثاني هو الأصح، وهو مفهوم "المنهاج" و"الحاوي" 254.
1768 - قول "التنبيه" [ص 96]: (ويحرم أن يدخل على سوم أخيه، ويحرم أن يبيع على بيع أخيه) تبرك بلفظ الحديث في التعبير بالأخ، لكن المشهور: أن الذمي كالمسلم في السوم، وفي
الحديث: 1766 - الجزء: 1 - الصفحة: 720
معناه: البيع والشراء؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 217]: (غيره) ويوافقه قول "التنبيه" في تفسير البيع: (وهو أن يقول لمن اشترى) 255 وفي تفسير السوم: (وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة) 256، فجمع بين التبرّك بلفظ الخبر، والتنبيه على أن حكم غير المسلم كحكمه، فعد ذلك من محاسنه.
1769 - قوله: (وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة بثمن، فيزيده ليبيع منه) 257 في معناه: أن يقول للمستام: أبيعك مثله بأقل أو أجود منه بمثل الثمن، ولا يخفى أن ذكر الرجل مثال.
1770 - قوله في تفسير البيع على البيع: (وهو أن يقول لمن اشتري شيئاً بشرط الخيار: افسخ البيع؛ فإني أبيعك مثله بأقل من هذا الثمن) 258 فيه أمور:
أحدها: لو قال: (في الخيار) .. لكان أحسن؛ ليتناول خيار المجلس؛ ولذلك عبر "المنهاج" بقوله [ص 217]: (قبل لزومه) لكن لو اطلع بعد اللزوم على عيب، ولم يكن التأخير مضراً؛ بأن كان في ليل .. فقال شيخنا الإمام جمال الدين: المتجه: التحريم وإن كان بعد اللزوم.
انتهى.
والظاهر: أن "المنهاج" إنما أراد: حالة جوازه سواء كانت مسبوقة بلزوم أم لا، ولم يتعرض "الحاوي" لذكر ذلك، وكأنه لوضوح أنه إنما يحصل به الضرر في حالة جواز العقد دون لزومه.
ثانيها: في معنى ما ذكره قوله: (أبيعك أجود منه بمثل الثمن)، أو يقول للبائع: (افسخ لأشتريه منك بأزيد)، وعبارة "المنهاج" كـ"التنبيه" إلا أنه لم يقل: (بأقل من هذا الثمن).
ثالثها: عبر "المنهاج" و"التنبيه" بصيغة الأمر، قال السبكي: وليس الأمر شرطاً، والذي قاله الأكثرون: أن يعرض عليه سلعة مثلها بأرخص أو أجود منها بمثل الثمن، بل نص في "اختلاف الحديث" على أنه نُهي أن يبيعه في المجلس سلعة مثلها؛ خشية أن يرد الأولى 259، وقال الماوردي: يحرم أن يطلب السلعة من المشتري بزيادة بحضور البائع 260.
رابعها: أطلق الثلاثة المسألة، وشرط ابن كج: ألاَّ يكون المشتري مغبوناً غبناً مفرطاً، فإن كان .. جاز تعريفه وبيعه نصحاً له، قال النووي: وهو منفرد به؛ فالمختار: خلافه؛ لإطلاق الحديث 261.
الحديث: 1769 - الجزء: 1 - الصفحة: 721
خامسها: قد ظهر بتفسيرهم البيع على البيع والشراء على الشراء: أن ذلك ليس بيعا ولا شراءً، وإنما هو تسبب إليهما، فيحرم لذلك، أو لكونه إفساداً للعقد الأول، قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: وهل شرط التحريم تحقيق ما وعد به من البيع والشراء؟ يظهر اشتراطه على التعليل الأول دون الثاني (1).
سادسها: قال السبكي: يشترط أن يكون قاصداً أن يبيعه عند أمره بالفسخ، فلو أمره، وليس مقصوده أن يبيعه شيئاً .. فهو كالناجش.
سابعها: يستثنى من كلامهم: ما إذا أذن له البائع الأول؛ فإنه يرتفع التحريم في الأصح.
1771 - قول "المنهاج" [ص 217]: (والنجش؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبةٍ بل ليخدع غيره) انتفاء الرغبة وخداع غيره متلازمان، فالجمع بينهما تأكيد؛ ولذلك اقتصر "الحاوي" على الأول، و"التنبيه" على الثاني (2)، وقيد في "الكفاية" الزيادة في الثمن بقوله: أي: عما تساويه العين، ومقتضاه: أنه لو زاد عند نقص القيمة ولا رغبة له .. جاز، وكلام غيره يخالفه.
1772 - قول "المنهاج" [ص 217]: (والأصح: أنه لا خيار) محلهما: عند مواطأة البائع للناجش، وإلا .. فلا خيار قطعاً.
تَنْبيِهٌ [الجهل بتحريم النجش لا يسقط الإثم]
قال الرافعي: أطلق الشافعي - أي: في "المختصر" - القول بتحريم النجش، وشرط في البيع على بيع غيره: أن يعلم النهي عنه، وفرقوا؛ بأن النجش خديعة، وتحريمها معلوم من الألفاظ العامة وإن لم يعلم هذا الحديث، بخلاف غيره لا يعرف تحريمه إلا من هذا الخبر، قال الرافعي: والبيع على بيع غيره إضرار أيضاً، وتحريم الإضرار معلوم، قال: والوجه تخصيص التعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص 264. وما بحثه الرافعي قد نص عليه الشافعي في "اختلاف الحديث"، فقال: (من نجش .. فهو عاص بالنجش إن كان عالماً بنهي النبي صلى الله عليه وسلم) 265، وصرح باشتراط ذلك القاضي أبو الطيب في "تعليقه".262263
الحديث: 1771 - الجزء: 1 - الصفحة: 722
قال السبكي: والنزاع إنما هو في العلم بالنهي الخاص، أما العلم بالتحريم .. فلا بد من اشتراطه في الإثم عند الله قطعاً، وأما في الحكم الظاهر للقضاة: فما اشتهر تحريمه .. لا يحتاج فيه إلى الاعتراف بالعلم، بخلاف الخفي.
انتهى.
1773 - قول "المنهاج" [ص 217]: (وبيع الرُّطَب والعنب لعاصر الخمر) فيه أمور: أحدها: قال السبكي: لا أستحضر فيه نهياً خاصاً، لكن روى الترمذي: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها ... الحديث) 266 وجه الاحتجاج: أن العاصر كالبائع في أن كلاً منهما معين على معصية مظنونة.
قلت: ورد في حديث ضعيف رواه ابن حبان في "الضعفاء" عن بريدة مرفوعاً: "من حبس العنب زمن القطاف حتى يبيعه ممن يعلم أنه يتخذه خمراً .. فقد أقدم على النار على بصيرة"، قال الذهبي: إنه موضوع 267.
ثانيها: كونه منهياً عنه محتمل للتحريم والكراهة؛ لصدقه بكل منهما، لكن ظاهره التحريم، ولا سيما وقد عطفه على أمور كلها محرمة، واقتصر "التنبيه" على الكراهة فقال [ص 90]: (وإن باع العصير ممن يتخذ الخمر .. كره)، ويمكن حمل كلام "التنبيه" على ما إذا توهم ذلك، وكلام "المنهاج" على ما إذا تحققه، وقد صحح في "الروضة" في صورة التحقق: التحريم 268، لكن في "التتمة" و"البحر" حكاية الكراهة عن الأكثرين، وحكي عن النص 269، قال في "المطلب": والمراد بالتحقق هنا: غلبة الظن.
ثالثها: جزم الأصحاب بصحة البيع ولو قلنا بالتحريم، قال السبكي: والماخذ يقتضي أن تسليمه إليهم حرام، وذلك يقتضي فساد البيع.
رابعها: الرطب والعنب مثالان، فبيع الحنطة والشعير لمن يتخذهما مزراً أو الخبز ونحوه مثل ذلك.
خامسها: لليتيم عصير أو سيف وأراد الولي بيعه، وهناك اثنان بذل أحدهما أكثر من صاحبه، لكن يقصد جعله خمراً أو آلة للقتل المحرم .. فهل يبيع منه، أو من باذل الأقل؟ فيه احتمالان للروباني 270.
الحديث: 1773 - الجزء: 1 - الصفحة: 723
1774 - قول "التنبيه" [ص 90]: (أو السلاح ممن يعصي الله به) أي: كره، قد يخالفه قول "المنهاج" [ص 211]: (ولا يصح شراء الحربي سلاحاً) لكن بين الصورتين عموم وخصوص من وجه؛ فإن العاصي به قد يكون حربياً وقد يكون غيره، والحربي قد يعصى به وقد لا، وفي "أصل الروضة": وبيع السلاح للبغاة وقطاع الطريق مكروه، ولكنه يصح 271، وفي "شرح المهذب": إن تحقق فعل الحرام .. فوجهان، أصحهما: التحريم 272، وهو موافق لما تقدم في بيع العنب للعاصر.
1775 - قول "التنبيه" [ص 90]: (أو باع ماله ممن أكثر ماله حرام .. كره) أي: إذا لم يتحقق أن الثمن حرام، والكراهة ثابتة ولو كان الأقل الحرام، وعبارة "أصل الروضة": وتكره مبايعة من اشتملت يده على حلال وحرام سواء كان الحلال أكثر أو بالعكس، فلو بايعه .. صح.
انتهى 273.
ولعله إنما قيد بكون الحرام أكثر؛ ليصرح بمخالفة شيخه أبي حامد؛ فإنه ذهب في هذه الصورة إلى التحريم، وكذا قاله الغزالي في "الإحياء" كما حكاه في "شرح المهذب"، وضعفه، وقال: هذا شاذ مردود، وليس من مذهبنا، وإنما حكاه أصحابنا عن الأبهري المالكي.
انتهى 274.
1776 - قوله: (وإن فرق بين الجارية وولدها قبل سبع سنين .. بطل البيع) 275 إنما ذكر السبع؛ لأنها مظنة التمييز، والضابط: التمييز؛ ولذلك عبر به "المنهاج" و"الحاوي" 276، وعبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بالصواب 277، فاقتضى أن مقابله خطأ، لكن عبارة الرافعي والنووي في "شرح المهذب": إلى سن التمييز، وهو سبع أو ثمان تقريباً 278، ومقتضاه: الضبط بالسن كما في "التنبيه".
قال النشائي: والعبارتان - أعني: السن والتمييز - متقاربتان؛ لغلبة تلازمهما.
انتهى 279.
قلت: أما التمييز: فلا بد من اعتباره ولو تأخر عن السبع أو الثمان، والكلام إنما هو في الاكتفاء به إذا تقدم على السبع، وحاصل ذلك أن من عَبّر بالتمييز .. اعتبره خاصة، ومن عبر بالسبع .. اعتبر الأمرين معاً، والله أعلم.
الحديث: 1774 - الجزء: 1 - الصفحة: 724
وزاد "المنهاج" التصريح بتحريم التفريق، فقال [ص 217]: (ويحرم التفريق بين الأم والولد حتى يُمَيِّز، وفي قولٍ: حتى يبلغ، وإذا فُرِّق ببيعٍ أو هبةٍ .. بطلا في الأظهر)، لكن في عبارته أشياء:
أحدها: أن مقتضاها: تحريم التفريق مطلقاً، واختصاص البطلان بما إذا كان ببيع أو هبة، والمنقول: أنه لا يحرم التفريق بالعتق، وكذا بالوصية على المذهب، وقد ذكرهما "الحاوي" 280، وفي الرد بالعيب خلاف، الأصح: منعه، وصحح ابن الرفعة: جوازه، وجوز صاحب "التنبيه" في كتابه المسمى "بالنكت والعيون" في الخلاف: جوازه بالفسخ، حكاه عنه في "الروضة" تبعاً لأصله، وأقره 281، واستبعده السبكي.
وفي "المطلب": المشهور: منع التفريق بالتقايل 282، وعن "فتاوى الغزالي": أن التفرقة بالسفر كالتفرقة بالبيع 283، واقتصر "التنبيه" على حكم التفرقة بالبيع، وضم "المنهاج" و"الحاوي" إليه الهبة، وزاد "الحاوي" القسمة، واعترض عليه: بأن منع التفريق بالقسمة مفرع على أنها بيع، فعلى القول بأنها إقرار .. يجوز قولاً واحداً، ذكره ابن داوود، فهي حينئذ داخلة في البيع، فلا حاجة لعطفها عليه، والعذر له: أنها في الصورة، واللفظ غير البيع، وإن كانت بيعاً حكماً.
الشيء الثاني: في كلام "المنهاج" إتيانه بضمير التثنية في قوله: (بطلا) مع العطف بـ (أو)، والصواب: الإفراد؛ لأن (أو) لأحد الشيئين، وقد وقع له هذا في مواضع.
الثالث: تعبيره بالأظهر يقتضي أن الخلاف قولان، وهو الصواب، لكن في "المحرر" وجهان 284.
الرابع: محل القولين: بعد سقيه اللبأ 285، قاله أبو الفرج الزاز، زاد الماوردي: ووجود مرضعة 286، وفي عبارتهما معاً أمران:
أحدهما: الاقتصار على الأم، والأصح: أن كلًّا من الجدة - أم الأمِّ - والأبِ كالأم عند عدمها، لا مع وجودها، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 266]: (أو بتفريق الأم ثم أمها، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 725
الأب والولد)، فلو اجتمع الأب وأم الأم مع فقد الأم .. فعبارة "الحاوي" التي حكيناها تقتضي التسوية بينهما حتى يباع مع أيهما كان، وكذا في "البسيط"، فإن لم يكن أبوان .. ففي الجد والجدة أوجه، ثالثها: يجوز التفريق في الجد دون الجدة، ويظهر تصحيح المنع، وهو الذي أورده المتولي والجرجاني، وأما الجد للأم: فقال المتولي: إنه كأب الأب، وقال الماوردي: كسائر المحارم 287، فيكون المشهور: الجواز، ورُجِّح الأول، وقوى السبكي تحريم التفريق بينه وبين سائر المحارم؛ للأحاديث الواردة فيه، قال: والظاهر: اختصاص ذلك بمن كان ذا رحم محرم، وأما بنو العم: فلا يمتنع التفريق بينهم وفاقاً.
ثانيهما: المجنون البالغ كالصغير حتى يفيق، وقد دخل في قول "الحاوي" [ص 266]: (إلى التمييز)، ويشكل على دخوله في قول "المنهاج" [ص 217]: (حتى يميز) تعقيبه ذلك بقوله: (وفي قول: حتى يبلغ) 288، فدل على أن المراد: التمييز المتقدم على البلوغ.
ويرد على عبارتهم جميعاً: أن بيع بعض أحدهما فقط، أو بيع أحدهما مع بعض الآخر كالكل، وسكوتهم عن هذه الصورة لندورها، وخرج بتعبير"التنبيه" بـ (الجارية)، وتعبير "المنهاج" و"الحاوي" بـ (التمييز) غير الآدمي؛ فيجوز فيه التفريق بعد استغنائه عن اللبن، لكن مع الكراهة، وفيه وجه بالتحريم، قال النووي: ويجوز بذبح أحدهما بلا خلاف 289، ووافقه السبكى في ذبح الولد، وقال: أما ذبحها مع بقائه: فيظهر أنه كغير الذبح.
1777 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وفيما بعد ذلك إلى البلوغ قولان) الأصح: عدم البطلان، وهو مفهوم "المنهاج" و"الحاوي" 290، واستثنى صاحب "الاستقصاء" من التفريق: ما إذا أسلم الأب المملوك وطلقت الأم وبينهما صغير، والمالك كافر .. فإنه يؤمر بإزالة الملك في الوالد والولد، ويجوز التفريق، قال الشيخ نجم الدين البالسي: وينبغي لو مات الأب .. أن يباع الابن؛ للضرورة.
1778 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع في البيع بين حر وعبد، أو بين عبده وعبد غيره) وقول "المنهاج" [ص 217]: (باع خلاً وخمراً، أو عبده وحراً، أو عبد غيره، أو مشتركاً بغير إذن الآخر) أمثلة، والضابط لها قول "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ حلاً وحُرُماً) ثم صورة العبد والحر أو الخل والخمر كما نقل عن الشيخ أبي حامد أن يقول: (بعتك هذين العبدين أو
الحديث: 1777 - الجزء: 1 - الصفحة: 726
الخلين)، فلو قال: (هذا العبد والحر، أو هذه الخمر والخل) .. فيبطل جزماً، واختار السبكي أنه لا فرق، قال: ولا شك أن هذين كهذين العبدين، وفي معنى عبد غيره: مكاتبه، أو مستولدته، أو وقف، وطرد "المنهاج" القولين في المشترك اختيار منه للعلة المصححة في البطلان؛ وهي: الجمع بين الحلال والحرام، أما إذا عللنا بجهالة الثمن .. فيصح هنا جزماً.
1779 - قول "التنبيه" [ص 89]: (ففيه قولان، أحدهما: يبطل العقد فيهما، والثاني: يصح في الذي يملك) الثاني هو الأظهر، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 291، لكن ذكر الربيع في "الأم" قبل (كتاب اللقطة الصغير) أن البطلان هو آخر قولي الشافعي، وقال في موضع آخر: إن الشافعي رجع عن تفريق الصفقة، وقال: تبطل كلها 292، ولهذا قال ابن المنذر في "الإشراف": إنه مذهب الشافعي 293، وصححه الشيخ أبو محمد في "السلسلة"، وقد تقرر أنه إذا كان للمجتهد في المسألة قولان وعلم المتأخر منهما .. كان الأول مرجوعا عنه، والثاني هو مذهبه.
واستثنى في "المهمات" من تصحيح الصحة في المملوك مسائل:
الأولى: إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على مَحِل الدين .. فصحح الرافعي في (الرهن): بطلان الكل 294، وخرجه الماوردي والمتولي على تفريق الصفقة 295، وينبغي أن يتخرج مثل ذلك فيما لو وكل في إجارة داره مدة، فزاد الوكيل عليها في عقد واحد، أو شرط الواقف ألاَّ يؤجر الوقف أكثر من سنة مثلاً فأجره الناظر أكثر من تلك المدة المشروطة.
الثانية: إذا استعار شيئاً ليرهنه بدين، فزاد عليه .. بطل في الكل، كما صححه الرافعي 296، وقيل: بتخريجه على هذا الخلاف.
الثالثة: إذا فاضل في الربويات حيث منعناه؛ كصاع بصاعين .. بطل في الجميع، قال في "المهمات": والقياس: تخريجه على هذه القاعدة إذا قلنا: يُجيز بكل الثمن حتى يبطل العقد في صاع، وفي الباقي القولان.
الرابعة: إذا زاد في العرايا على القدر الجائز - وهو خمسة أوسق أو دونها - .. بطل في الكل، ولم يخرجوه على هذه القاعدة.
الحديث: 1779 - الجزء: 1 - الصفحة: 727
ويستثنى من إجراء الخلاف: ما إذا أوصى من لا وارث له بأكثر من الثلث .. فإنه يصح في الثلث قطعاً.
1780 - قول "التنبيه" [ص 89] و"الحاوي" [ص 269]: (وللمشتري الخيار) أي: إن جهل، كما صرح به "المنهاج" 297، ولا خيار له مع العلم بالحال، وهذا الخيار على الفور؛ لأنه خيار نقص، قاله في "المطلب".
1781 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن شاء .. أمضاه فيما يصح بقسطه من الثمن في أحد القولين، وبجميع الثمن في القول الآخر) الأول هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 298، ويتعين فيما لو باع ربوياً بجنسه، فخرج بعض أحدهما مستحقاً، وصححنا العقد في الباقي، فأجاز المشتري .. فالواجب حصته بلا خلاف؛ لأن الفضل بينهما حرام، كذا في "الروضة" تبعاً لأصله 299، لكن في "الكافي" للخوارزمي تخريجه على الخلاف، وهو غريب عجيب! .
1782 - قول "المنهاج" [ص 218]: (فَبِحِصَّتِهِ من المسمى باعتبار قيمتهما) ظاهر في أنا نعتبر قيمة الخمر والخنزير عند من يرى لهما قيمة، وهو احتمال للإمام، صححه الغزالي 300، وقال السبكي: إنه الصحيح والصواب، وصحح النووي: تقدير الخمر خلاً، والخنزير شاة 301.
1783 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بينهما فيما لا عوض فيه؛ كالرهن والهبة .. فقد قيل: يصح فيما يحل قولاً واحداً، وقيل: على قولين) صحح في "شرح المهذب": الطريقة الأولى 302.
1784 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بين حلالين) أعم من قول "المنهاج" [ص 218]: (ولو باع عبديه)، وقولهما: (فتلف أحدهما) 303 أخرجا به إباق أحدهما قبل القبض .. فلا يبطل في الباقي قطعا، وسكت "التنبيه" عن ذكر الخيار في هذه الصورة، وقال في "المنهاج" [ص 218]: (بل يتخير)، فإن أجاز .. فبالحصة قطعاً، وتبع في دعوى القطع "المحرر" ففيه بلا خلاف 304، لكنه في "الشرح الكبير" حكى في أثناء المسألة عن أبي إسحاق المروزي طرد القولين
الحديث: 1780 - الجزء: 1 - الصفحة: 728
فيه 305، وقال في "شرح المهذب": وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين، وذكره جماعة من العراقيين منهم القاضي أبو حامد والقاضي أبو الطيب والدارمي والماوردي وابن الصباغ وآخرون 306.
1785 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن كان لرجلين عبدان لكل واحد منهما عبد، فباعاهما بثمن واحد، ولم يعلم كل واحد منهما ما له من الثمن .. بطل البيع في أحد القولين) هو الأصح في "التصحيح" و"شرح المهذب" 307، وحكاه الرافعي في (الصداق) عن النص 308، وعليه مشى "الحاوي" في قوله [ص 263]: (لا عبيد جمعٍ بثمنٍ) ولم يصحح في "الروضة" شيئاً، لكنه قال: إن عللنا بالجمع بين حلال وحرام .. صح، وإن عللنا بالجهالة .. فلا.
انتهى 309.
ومقتضاه: تصحيح الصحة؛ لأن الأصح: التعليل بالجمع بين حلال وحرام، وتقييد "التنبيه" في قوله: (ولم يعلم كل واحد منهما ما له من الثمن) ليس في "الروضة"، وهو يقتضي أنه إذا علم .. صح، وليست هذه المسألة في "المنهاج"، لكن ذكر في (الصداق) نظيرها في قوله: (ولو نكح نسوةً بمهر .. فالأظهر: فساد المهر) 310 وهنا أمران:
أحدهما: يستثنى: ما لو اختلط حمام برج بغيره، ولم يتميز .. فيجوز لأحدهما بيع نصيبه لصاحبه في الأصح؛ للضرورة، ذكره الرافعي في الصيد 311، وكذا البيع لثالث على كلام فيه للرافعي، قال: وهكذا إذا انصبت حنطته على حنطة غيره، أو مائعه على مائعه، لكن لو باع نصيبه لثالث .. لم يجز 312.
ثانيهما: بحث في "المهمات" أنه ينبغي الجزم هنا بالبطلان؛ لأن المسألة في عقد واحد، وهنا عقدان؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع قطعاً، وبتعدد المشتري على الصحيح.
1786 - قول "التنبيه" [ص 89]: (وإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم) نحو قول "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ عقدين مختلفين)، إلا أن "الحاوي" صرح بأن الجمع بينهما في عقد واحد، وهو مفهوم من لفظ الجمع، فلم يحتج "التنبيه" للتصريح به، وأطلق "الحاوي"
الحديث: 1785 - الجزء: 1 - الصفحة: 729
الاختلاف، وصرح "التنبيه" بأن المراد: الاختلاف في الحكم، قال في "المهمات": ثم إن التقييد بكون العقدين مختلفي الحكم .. هل هو تكرار أم احتراز عن شيء؟ فليتأمل.
قلت: قد ذكر السبكي أنه ليس المراد: مطلق الأحكام، بل أسباب الفسخ والانفساخ؛ فإن الإجارة شرطها: التأقيت، وهو مبطل للبيع، والسلم يجب قبض رأس المال فيه في المجلس، بخلاف الإجارة والبيعِ، والتقابضُ المجلس يجب في الصرف دون غيره، وذلك يدل على أن اختلاف الأحكام قدر زائد على مطلق العقدين، وحذف "المنهاج" لفظة: (عقدين)، واقتصر على مختلفي الحكم 313، لئلا يرد عليه البيع والصرف، وكذا صاع شعير وثوب بصاع حنطة، وما إذا باع عبدين وشرط الخيار في أحدهما دون الآخر، أو شرطه في أحدهما يوما وفي الآخر يومين .. فإن ذلك كله عقد واحد، ومع ذلك ففيه القولان؛ لاختلاف الحكم، لكن يرد عليه بيع ثوب، وشقص من دار؛ فإنه يصح جزماً مع اختلاف الحكم، ولا يرد ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" وغيرهما؛ لاتحاد العقد، ثم يرد عليهم جميعاً شيئان:
أحدهما: أن شرط القولين: ألاَّ يكون أحد العقدين لازماً والآخر جائزاً؛ كبيع وجعالة، فمتى كان كذلك .. لم يصح جزماً، ذكره الرافعي في (المسابقة) 314.
ثانيهما: أنه لو خلط ألفين بألف لغيره، وقال: شاركتك على إحداهما وقارضتك على الأخرى، فقبل .. صح، ولا يُخرّج على القولين، كما ذكره الرافعي في (القراض) عن المتولي؛ وعلله: بأنهما راجعان إلى الإذن في التصرف 315، وذلك شاهد لما قدمناه عن السبكى: أنه ليس المراد: اختلاف مطلق الأحكام، بل الأحكام التي هي أسباب الفسخ والانفساخ، وليس ذلك موجوداً في الشركة والقراض.
1787 - قول "التنبيه" [ص 89]: (كالبيع والإجارة، والبيع والنكاح، والبيع والكتابة، والبيع والصرف .. ففيه قولان، أحدهما: يبطل العقد فيهما، والثاني: يصح، ويقسط الثمن عليهما على قدر قيمتهما) فيه أمران:
أحدهما: أن مقتضى كلامه جريان الخلاف في صحة النكاح، والذي في كلام الرافعي والنووي الجزم بصحة النكاح وَرَدُّ الخلاف إلى الصداق 316، وعلى ذلك مشى "المنهاج" فقال [ص 218]: (صح النكاح، وفي البيع والصداق القولان) انتهى.
الحديث: 1787 - الجزء: 1 - الصفحة: 730
وهو بناء على المشهور أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق، أما إذا فرعنا على مقابله الضعيف .. جرى الخلاف في النكاح أيضاً.
ثانيهما: قال في "التصحيح": الأصح: الصحة إلا في البيع المضموم إلى الكتابة 317، وعبارة "الروضة": (البيع باطل، وفي الكتابة القولان) 318، وهو يفهم أن مراده: القولان في الجمع بين مختلفي الحكم، لكن في الرافعي في (باب الكتابة): فيه طريقان، أحدهما: قولا مختلفي الحكم، وأظهرهما: بطلان البيع، وفي الكتابة قولان؛ لأنه جمع بين ما يجوز وما لا يجوز.
انتهى 319.
وهو صريح في أن مراده: قولا الجمع بين حلال وحرام، لا قولا مختلفي الحكم، وعبارة "الحاوي" [ص 269]: (ولو جمع عقدٌ عقدين مختلفين، أو حلاً وحُرُماً؛ ككتابة وبيع) فيحتمل أن يكون مثالاً للأول فيوافق الطريقة الأولى، وأن يكون مثالاً للثاني فيوافق الطريقة الثانية، وبتقدير أن يكون مثالاً للأول .. فمقتضاه: الصحة فيهما، وهو خلاف المنقول في البيع كما تقدم، وهنا تنبيهان:
أحدهما: صورة الجمع بين بيع ونكاح: أن يتحد المستحق؛ بأن يقول: زوجتك بنتي، وبعتك عبدها بكذا إذا كانت محجورته أو وكلته في البيع، أو زوجتك أمتي وبعتك عبدي بكذا إذا كان ممن تحل له الأمة، فلو قال: زوجتك بنتي وبعتك عبدي .. فهو كما لو باع عبدين أحدهما له والآخر هو وكيل فيه .. فالأصح عند النووي: البطلان فيهما 320، فلا يحسن التصوير به إلا على القول الضعيف.
ثانيهما: قال صاحب "المعين": محل الخلاف في البيع والإجارة: إذا كانا في عينين بعوض واحد، فإن كانا في عين واحدة .. بطل قطعاً، وإن كانا في عينين بعوضين .. صح قطعاً وإن كان القبول واحداً.
انتهى، وهو واضح.
1788 - قول "المنهاج" [ص 218]: (وتتعدد الصفقة بتعدد البائع، وكذا بتعدد المشتري في الأظهر) هذا في غير الشفعة والعرايا؛ ففيهما تتعدد بتعدد المشتري قطعاً، وكذا بتعدد البائع في الأظهر عكس ما تقرر هنا، فإذا اشتريا شقصين من واحد .. فللشفيع أخذ أحدهما، ولو اشترى واحد شقصين من اثنين .. فكذا في الأصح.
الحديث: 1788 - الجزء: 1 - الصفحة: 731
1789 - قوله: (ولو وكلاه أو وكلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل) 321 فيه أمران:
أحدهما: كذا حكاه الرافعي عن الأكثرين 322، لكنه صحح في "المحرر": أن الاعتبار بالموكل 323، فعدل عنه "المنهاج" إلى الوكيل، وهو كذلك في بعض نسخ "المحرر".
ثانيهما: الاعتبار في الشفعة بتعدد الموكل دون الوكيل، وكذلك في الرهن، فلو وكل اثنان واحداً في رهن عبدهما عند زيد بما له عليهما من الدين، ثم قضى أحد الموكلين دينه .. فالمذهب: القطع بانفكاك نصيبه، ولا نظر لاتحاد الوكيل، والله أعلم.
الحديث: 1789 - الجزء: 1 - الصفحة: 732
بابُ الخيار
1790 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وإذا انعقد البيع .. ثبت لهما الخيار) مثل قول "المنهاج" [ص 219]: (يثبت خيار المجلس في أنواع البيع)، وعبارة "الحاوي" [ص 270]: (الخيار في المعاوضة المحضة) ومراده بالمعاوضة المحضة: التي تفسد بفساد العوض، ويستثنى مسائل:
إحداها: إذا اشترى من يعتق عليه، وفرعنا على أن الملك في زمن الخيار للمشتري .. فلا خيار له، وقد ذكره "المنهاج" 324، ولم يحتج "الحاوي" لذكره؛ لأنه على رأي مرجوح؛ فإن الأصح: أنه موقوف.
الثانية: الحوالة؛ فالأصح: أنه لا خيار فيها وإن جعلت بيعاً.
الثالثة: بيع العبد من نفسه، كما صححه في "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" 325، وقد استثناهما "الحاوي" 326.
الرابعة: القسمة لا خيار فيها على الأصح وإن قلنا: إنها بيع.
1791 - قول "المنهاج" في أمثلة ما يثبت فيه الخيار [ص 219]: (وصلح المعاوضة) قد يتناول الصلح على المنفعة، ولا خيار فيه على الأصح؛ لأنه إجارة، وقد ذكر بعد ذلك أنه لا خيار فيها، ويرد عليه أيضاً: الصلح عن دم العمد، ولا خيار فيه، قاله القاضي حسين.
1792 - قوله: (ولا خيار في الهبة ذات الثواب في الأصح) 327 فيه أمران:
أحدهما: أنه مخالف لما ذكروه في (باب الهبة) من ثبوت الخيار فيها تفريعاً على الأصح: أنها بيع، وقد وقع الموضعان كذلك في كتب الرافعي والنووي 328، فعد تناقضاً، وحمل السبكي كلامهما هنا على ما إذا فرعنا على أنها هبة، كما هو وجه ضعيف في اقتضاء مطلقها الثواب، أو قيدت بثواب مجهول، وكذا بمعلوم إن قلنا بالضعيف: إنها هبة، وحمل كلامهما في الهبة على ما إذا قلنا: لا يقتضي مطلقها ثواباً، فشرط ثواباً معلوماً، وقلنا بالصحة، وهو الأصح، قال: فهو بيع حقيقة، فيثبت فيه الخيار وسائر الأحكام، وكذا قال شيخنا الإمام سراج الدين رحمه الله: إنه يحتمل حمله على ذلك، قال: وإذا حمل على ذلك .. لم يضطرب كلامه.
ثانيهما: قال المتولي وغيره: ومحل الخلاف: بعد القبض، أما قبله: فلا خيار قطعاً، قال
الحديث: 1790 - الجزء: 1 - الصفحة: 733
شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: وهو واضح حيث جعلت هبة، أما على القول بالبيع .. ففيه نظر 329.
1793 - قول "المنهاج" [ص 219] و"الحاوي" [ص 270]: (إنه لا خيار في الشفعة) أي: للشفيع.
تبعا فيه "المحرر" هنا 330، لكنه صحح في "الشرح الكبير" في (كتاب الشفعة): الثبوت 331، فاستدركه في "الروضة" فصحح منعه، وحكاه عن الأكثرين 332، ولم يصححا هنا في "الروضة" وأصلها شيئاً.
ومعنى الخيار في الشفعة: أنه إذا أخذ وملك .. له الرد ما دام في المجلس، هذا هو الأصح، وقيل: معناه: إذا قلنا: هي على الفور .. فهو مخير بين الأخذ والترك ما دام في المجلس، وأما إذا أخذ ولم يحكم بالملك؛ بأن لم يوجد بعد قوله: تملكت بالشفعة، واحد 333 من توفير الثمن، أو الرضى بذمته، أو الحكم بها .. فالظاهر: أن له الرد جزماً، نبه عليه شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي رحمه الله.
وقولي أولاً: إن المراد: نفي الخيار للشفيع، حملت عليه كلام "المنهاج" لكونه قال: (في الأصح)، وعدم ثبوت الخيار للمشتري لا خلاف فيه، وأما عبارة "الحاوي": فهي متناولة لهما؛ لكونه لا يحكي الخلاف.
1794 - قول "المنهاج" [ص 219]: (ولا خيار في الإجارة في الأصح) كذا في أكثر كتبه تبعاً للرافعي 334، لكنه صحح في "تصحيح التنبيه": ثبوته في الإجارة إذا كانت مقدرة بمدة 335، وذكر "التنبيه" المسألة في الإجارة، فقال [ص 123]: (وما عقد على مدة .. لا يجوز فيه شرط الخيار، وفي خيار المجلس وجهان، وما عقد على عمل معين .. يثبت فيه الخياران، وقيل: لا يثبتان، وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون الشرط) وقد عرفت أن الأصح: عدم ثبوته مطلقاً.
1795 - قولهم: (إلى التخاير) 336 فسره "المنهاج": بأن يختارا لزومه 337، وهو معنى قول
الحديث: 1793 - الجزء: 1 - الصفحة: 734
"التنبيه" [ص 87]: (وهو أن يقولا: اخترنا إمضاء البيع)، وقد يخرج ما لو قالا: اخترنا إبطال الخيار أو إفساده، لكن الأصح في "شرح المهذب": أنه كاختيار إمضاء البيع (1)، وقد تفهم عبارة "التنبيه" أنه لو ألزم أحدهما العقد .. لا يلزم لأحد، والأصح: أنه يسقط حقه فقط، ويبقى خيار الآخر، وقد ذكره "المنهاج"، ووقع في أكثر نسخ "التنبيه" بعد قوله: (إمضاء البيع): (أو فسخه)، وليست صحيحة؛ فإن فسخ أحدهما كافٍ بلا خلاف، فلا يحتاج لاجتماعهما عليه.
1796 - قول "التنبيه" [ص 87]: (ما لم يتفرقا) أي: ببدنهما كما صرح به "المنهاج" (2)، طوعاً كما صرح به "الحاوي" (3)، فلو حُمِلَ أحدهما مكرهاً .. لم يبطل خياره في الأصح، والأصح: بطلان خيار الماكث إن لم يُمنع من الخروج، وإن أُكرها حتى تفرقا بأنفسهما .. فقولا الحنث، ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر مع التمكن .. بطل خياره، وإلا .. فخيار الهارب فقط، قاله البغوي، واقتصر الرافعي على حكايته عنه (4)، وأطلق جماعة بطلان خيارهما بلا تفصيل، وصححه النووي (5)، والأصح: لزوم العقد في متولي الطرفين، وهو الأب أو الجد مع طفله بمجرد مفارقته مجلس العقد، وقد تخرج هذه الصورة بقول "التنبيه" [ص 87]: (يتفرقا)، وبقول "المنهاج" [ص 219]: (ببدنهما)، وقد لا تخرج باقتصار "الحاوي" على التفرق، والحق: أن هذا اللفظ خرج مخرج الغالب في أن العقد إنما يقع بين اثنين، فلا مفهوم له، وأيضاً: فهذه صورة نادرة، فلا ترد.
1797 - قوله: (ولو مات في المجلس أو جُن .. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) (6) عدم انتقاله إلى الولي ضعيف جداً، كما أشار إليه في "شرح المهذب" (7)، وهو مخرج، فالتعبير عن مقابله بـ (الأصح) فيه نظر.
فَصلٌ [في خيار الشرط]
1798 - قول "المنهاج" [ص 219]: (لهما ولأحدهما شرط الخيار) يوهم جواز انفراد أحدهما338339340341342343344
الحديث: 1796 - الجزء: 1 - الصفحة: 735
بالشرط، وليس كذلك، بل لا بد من اجتماعهما عليه، ولم يُرد "المنهاج": بيان الشارط، وإنما أراد: بيان المشروط له، لكن عبارته لا توفي بمقصوده، فلو قال: (يجوز شرطهما الخيار لهما ولأحدهما) .. لأفاد مقصوده، ويمكن رد عبارته إلى الصواب؛ بألاَّ يجعل قوله: (لهما ولأحدهما) خبراً عن قوله: (شرط الخيار)، وإنما هو متعلق بالخيار، والخبر قوله: (في أنواع البيع) أي: شرط الخيار الكائن لهما ولأحدهما ثابت في أنواع البيع، ومع ذلك فيرد عليه أمور:
أحدها: أنه ليس فيه بيان الشارط.
ثانيها: أنه يوهم أنه لا يجوز شرطه لأجنبي، وليس كذلك، فيجوز في الأظهر، قال والد الروياني: إلا أن يكون كافراً والمبيع عبد مسلمٌ لمسلمٍ، أو مُحْرِماً والمبيع صيد، وخالفه ولده 345.
ثالثها: أنه قد يوهم جواز اشتراط وكيل البائع الخيار للمشتري، وجواز اشتراط وكيل المشتري الخيار للبائع، وليس كذلك، وكذا لا يجوز للوكيل شرطه لأجنبي في الأصح إلا بإذن موكله، ويجوز أن يشرطه لموكله على الأصح في "أصل الروضة" هنا، ولنفسه على الأصح في "الروضة" من زوائده في بابه 346، وقد ذكره "الحاوي" 347، وعبارة "التنبيه" [ص 87]: (وإن تبايعا بشرط الخيار)، فلم يبين الشارط ولا المشروط له، وكذا قول "الحاوي" [ص 271]: (وبشرطه) أي: الخيار، وقد يقال: لا يحتاج إلى ذكر الشارط؛ لما تقرر من أنه لا بد من اجتماعهما على الشرط، ولا يكفي انفراد أحدهما به، وسكوتهما عن ذكر المشروط له يقتضي جوازه لهما ولأحدهما ولأجنبي، فلا يرد عليهما حينئذ إلا كونه لا يجوز لوكيل أحدهما شرطه للآخر، والله أعلم.
1799 - قول "التنبيه" [ص 87]: (إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام) يستثنى: السلم أيضاً، وقد ذكره في بابه 348، وذكره "المنهاج" و"الحاوي" هنا 349، والضابط: اشتراط القبض في المجلس؛ إما من الجانبين كالربوي، أو من أحدهما كالسلم.
ويستثنى أيضاً: ما إذا اشترى من يعتق عليه .. فإنه لا يجوز شرطه للمشتري وحده، وقد ذكره "الحاوي" 350، وتبعه شيخنا الإمام البلقيني في "التدريب"، وقال في العتق من "تصحيح المنهاج": ليست المسألة مذكورة في غير "الحاوي"، والذي ترجح عندنا الآن: أنه يصح
الحديث: 1799 - الجزء: 1 - الصفحة: 736
الشرط، ويعتق، وينقطع خيار المشتري ويملك المشترى مع آخر العقد أو عقبه، ثم يعتق، قال: ولو شرطا ذلك في خيار المجلس .. صح؛ إذ لا عتق الآن؛ لكون الخيار لهما، فإذا انفرد المشتري بخيار الشرط .. عتق وانقطع الخيار.
انتهى.
ويستثنى أيضاً: الحوالة، لا يجوز شرط الخيار فيها وإن قلنا: إنها بيع، واستثنى الجوري في "شرح المختصر": المصراة، فقال: لا يجوز اشتراط خيار الثلاث فيها للبائع؛ لأنه يمنع الحلب، وتركه يضر بالبهيمة، حكاه عنه في "المطلب" في (باب التصرية).
1800 - قول "التنبيه" [ص 87]: (إلى ثلاثة أيام فما دونها) يشترط: كونها معلومة، وقد ذكره "المنهاج" 351.
متصلة بالعقد، وقد ذكره مع الذي قبله "الحاوي" عند ذكر الشروط 352.
وأن يكون المبيع لا يفسد في المدة، كما صححه في "الروضة" 353، وهما واردان على "المنهاج"، ولم يتعرض "الحاوي" لذكر المدة المشروطة أصلاً، وهو عجيب!
وفي "المهمات": يدخل في الأيام المشروطة ما اشتملت عليه من الليالي؛ للضرورة، كما في "شرح المهذب" 354، ومقتضي العلة: أنه لو عقد وقت طلوع الفجر .. لا يثبت الخيار في الليلة الثالثة، بخلاف نظيره من مسح الخف، وكلام الرافعي في أول مواقيت الحج يوهم خلافه؛ فإنه قال: وقال عليه الصلاة والسلام: "واشْتَرِط الخيار ثلاثاً"، والمراد: الأيام والليالي.
انتهى 355.
والذي في "شرح المهذب": عن المتولي وغيره فيما لو باع نصف النهار بشرط الخيار يوماً .. ثبت إلى نصف اليوم الثاني، ويدخل الليل في حكم الخيار للضرورة 356، فكأنَّ شيخنا في "المهمات" أخذه من هذا.
1801 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في الثالث) قال في "المنهاج" [ص 220]: (الأظهر: أنه إن كان الخيار للبائع .. فملك المبيع له، وإن كان للمشتري .. فله، وإن كان لهما .. فموقوف)،
الحديث: 1800 - الجزء: 1 - الصفحة: 737
وعليه مشى "الحاوي" بقوله [ص 271]: (والملك لمن خُيّر، ويوقف فيما لهما)، قال شيخنا الإمام شهاب الدين بن النقيب: بقي ما لو شرطاه لأجنبي، لم أر من تعرض فيه لمالك المبيع، والذي يظهر - تفريعاً على المرجح - أنه موقوف؛ لأنا إن أثبتنا الخيار للشارط مع الأجنبي .. فهو لهما، فالملك موقوف، وإلا - وهو الأصح - .. فلا مزية، أو يقال: هو للمشتري؛ لأنه لازم من جهتهما، فأشبه ما بعد الخيار 357.
قلت: الظاهر: أن الملك لمن كان ذلك الأجنبي من جهته، وابتدأ باشتراط الخيار له؛ لوثوقه بنظره، فساعده الآخر عليه، فإن كان من جهتهما، وذكراه لوثوقهما به .. فهو كما لو كان الخيار لهما، فيكون الملك موقوفاً، وقول شيخنا: (إن أثبتنا الخيار للشارط مع الأجنبي .. فهو لهما، فالملك موقوف) عجيب! ؛ لأن الوقف إنما يجيء إذا كان الخيار لهما؛ أي: المتبايعين، وهنا ليس للمتبايعين، وقوله: (وإن لم نثبته للشارط .. فلا مزية) ممنوع، بل المزية للشارط موجودة؛ لأنه إنما فعل لغرضه ومصلحته؛ ولهذا كان الأصح: أنه إذا مات ذلك الأجنبي في زمن الخيار .. ثبت الخيار من ذلك الوقت للشارط، والله أعلم.
1802 - قول "المنهاج" [ص 220] و"الحاوي" [ص 271، 272]: (إن وطئ البائع .. فسخ) اسْتثُني منه: إيلاج البائع في فرج الخنثى، فلا حكم له في الفسخ والإجازة، حكاه في (باب الأحداث) من "شرح المهذب" عن البغوي 358.
1803 - قول "المنهاج" [ص 220]: (والأصح: أن هذه التصرفات من المشتري إجازة) أي: الوطء والإعتاق والبيع والإجارة والتزويج، ومحل الوجهين في الوطء والإعتاق: إذا لم يأذن فيهما البائع، فإن أذن .. كان إجازة منهما جزماً، ومحلهما في العتق أيضاً: إذا قلنا: بعدم نفوذه منه، فإن قلنا: ينفذ .. فهو إجازة قطعاً.
وأما البيع والإجارة والتزويج: فإن لم يأذن فيه البائع .. لم ينفذ، لكنه إجازة من المشتري في الأصح، وإن أذن فيه .. فالأصح: صحته، وهو إجازة قطعاً عند ابن الصباغ، قال الرافعي: وقياس ما سبق إنا إذا لم ننفذها .. أن يجيء الوجهان 359، ومنع شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني رحمه الله هذا القياس، قال؛ لأن التراضي هنا من الجانبين حاصل، فلزم العقد قطعاً، وما سبق في تصرف واحد وإسقاط خياره.
انتهى.
ولم يصرح "المنهاج" بحل الوطء للمشتري حيث كان الخيار له وحده، وذكره "الحاوي"
الحديث: 1802 - الجزء: 1 - الصفحة: 738
بقوله [ص 271]: (وحل الوطء لمن خُيّر) وكذا في الروضة وأصلها (1)، واستشكل؛ لأن حل الوطء يتوقف على حصول الاستبراء، والأصح في (باب الاستبراء): أنه لا يعتد به في زمن الخيار؛ لضعف الملك، وصحح الإمام والغزالي: الاكتفاء به (2)، وذكر في "الوجيز" الحل هنا على قاعدته المخالفة للمرجح هناك، فتبعه الرافعي على ذلك من غير بحث عنه (3)، وأجاب عنه في "المطلب": بأنه زال التحريم المستند لعدم الملك، وبقي التحريم المستند لعدم الاستبراء.
فصَلٌ [خيار العيب]
1804 - قول المنهاج [ص 220]: (للمشتري الخيار بظهور عيبٍ قديمٍ) أراد بقدمه: كونه كان موجوداً عند العقد أو حدث قبل القبض، كما عبر به في "التنبيه" 363، وقد ذكره "المنهاج" بعد ذلك في قوله [ص 220]: (سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) والاقتصار على ما قبل القبض كما فعل "الحاوي" مغن عن ذكر وجوده عند العقد، ويستثنى من الرد فيما إذا حدث العيب قبل القبض: ما إذا كان تعيبه بفعل المشتري، وقد صرح به "الحاوي" 364.
ويرد عليهم جميعاً: المفلس إذا كانت الغبطة في الإمساك، وكذا الولي، وكذا في القراض إذا تنازع المالك والعامل، وصورة الوكيل إذا رضيه الموكل، فليس للوكيل الرد، وقد يتناول قول "التنبيه" [ص 94]: (وإذا علم بالمبيع عيباً كان موجوداً عند العقد أو حدث قبل القبض) ما إذا لم يعلم به إلا بعد زواله، والأصح: سقوط الرد في هذه الصورة، وقد يرد ذلك على قول "المنهاج" [ص 220]: (بظهور عيب قديم)، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 273]: (ولا إن زال قبل فسخه).
1805 - قول "المنهاج" [ص 220]: (كخصاء رقيقٍ) تبع فيه "المحرر" و"الشرح" 365، وهو يفهم أنه ليس عيباً في البهائم، وصرح الجرجاني بأنه عيب فيها؛ ولذلك لم يقيده في "الروضة" بالرقيق، بل أطلقه 366، وهو ظاهر قول "الحاوي" [ص 273]: (أو خصياً) أي: المبيع، وإن360361362
الحديث: 1804 - الجزء: 1 - الصفحة: 739
كان شراحه حملوه على كون العبد خصياً، فليس في عبارته ما يدل على هذا التقييد.
1806 - قولهما: (والزنا والسرقة) 367 قد يفهم أن المراد: قيام هذا الوصف به لإصراره عليه، وليس كذلك، بل هو عيب ولو تاب وحسنت حاله، كما حكاه الرافعي والنووي عن الأصحاب 368، لكن في "الإشراف" للهروي: لو وجدت هذه الأشياء في يد البائع، وارتفعت مدة مديدة بحيث يغلب على الظن زوالها، ثم وجدت في يد المشتري .. قال الثقفي وأبو على الزجاجي: لا يجوز الرد؛ لاحتمال أن تلك المعاني ارتفعت ثم حدثت في يد المشتري، فصار كالمرض الحادث في يد المشتري.
انتهى.
وقد يفهم أن المراد: اعتياده لذلك، وهو قول الغزالي وغيره 369، والمشهور: الاكتفاء بمرة واحدة كما تقدم.
1807 - قول "المنهاج" [ص 220]: (وبوله بالفراش) له شرطان: الاعتياد في الأصح، والكبر؛ وضبط بسبع سنين، أو بمن يحترز مثله عنه.
1808 - قولهما: (والبخر) 370 أي: الناشئ من المعدة، كذا قيده الرافعي والنووي 371، بخلاف الناشئ من قلح الأسنان، وذكر القاضي مجلي: أن ذلك لا يسمى بخراً.
1809 - قول "المنهاج" [ص 220]: (والصنان) أي: المستحكم دون ما يكون لعارض.
1810 - قول "التنبيه" [ص 95]: (أما إذا اشترى جارية، فوجدها ثيباً أو مسنة أو كافرة .. لم يجز ردها) محله في الثيب: إذا كان سنها يحتمل الثيوبة، لا صغيرة تَنْدُر ثيابتها، وفي الكافرة: أن يحل وطؤها، لا مجوسية ووثنية ونحوهما، فله حينئذ الرد، وكذا لو وجدها كتابية، أو وجد العبد كافراً أيّ كفر كان إن كان في بلاد الإسلام بحيث تقل الرغبة فيه، فإن كان قريباً من بلاد الكفر بحيث لا تقل الرغبة فيه .. فلا رد.
وقوله: (لم يجز ردها) أي: قهراً، وفي نفي الجواز مطلقا تَجَوُّزٌ، وكلام "الحاوي" - فيما لوشرط تهوّد جارية، أو تنصّرها، فخرجت مجوسية - يقتضي أن التمجس ليس عيباً؛ لكونه إنما ذكر الرد به بخلف الشرط.
1811 - قول "الحاوي" [ص 273]: (أو مُحْرِمَة) أي: بإذن السيد، فإن كان بغير إذنه .. فلا
الحديث: 1806 - الجزء: 1 - الصفحة: 740
رد؛ لأن له تحليلها، كما استدركه النووي في "الروضة" 372، لكن قال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب - بمقتضى نص الشافعي -: ثبوت الخيار ولو كان يمكنه تحليلها.
انتهى.
1812 - قوله: (أو خنثى) 373 أي: مشكلاً أو واضحاً، لكن في (الأحداث) من "شرح المهذب": لو اشترى خنثى وبان رجلاً، فَوُجِدَ يبول بفرجيه .. فهو عيب؛ لأن ذلك لاسترخاء المثانة، ولو كان يبول بفرج الرجل فقط .. فليس بعيب.
انتهى 374.
1813 - قول "المنهاج" [ص 220]: (وكل ما ينقص العين أو القيمة نقصاً يفوت به غرضٌ صحيحٌ إذا غلب في جنس المبيع عدمه) بعد ذكره ما تقدم من العيوب .. من ذكر العام بعد الخاص، والتقييد بفوات غرض صحيح يتعلق بنقص العين خاصة، والاحتراز به عن قطع جزء يسير من الفخذ واندمل بلا شين، والختان بعد الاندمال؛ فإنه فضيلة لا عيب، فلو ذكره عقبه .. لكان أولى؛ إما بأن يقدم ذكر القيمة، كما فعل في "الحاوي"؛ حيث قال [ص 273]: (بعيب منقص القيمة أو العين مُفَوّت غرضٍ غالبِ العدم في أمثاله)، أو يُجعل هذا التقييد عقب نقص العين قبل ذكر القيمة، وهو أحسن، ولم يعتبر في "التنبيه" شيئاً من ذلك، بل ضبطه بالعرف فقال [ص 95]: (والعيب: ما يعده الناس عيباً).
1814 - قول "المنهاج" [ص 220]: (ولو حدث بعده .. فلا خيار) يتناول حدوثه في زمن الخيار، وهو مقتضى مفهوم "التنبيه" و"الحاوي" 375، وقال ابن الرفعة: القياس: بناؤه على ما لو تلف حينئذ .. هل ينفسخ؟ والأرجح كما قال الرافعي عند الكلام على أقوال الملك: إن قلنا: الملك للبائع .. انفسخ، وإلا .. فلا، فإن قلنا: ينفسخ .. فحدوثه كوجوده قبل القبض 376.
1815 - قول "المنهاج" [ص 220]: (إلا أن يستند إلى سببٍ متقدمٍ؛ كقطعه بجنايةٍ سابقةٍ - أي: على القبض - فيثبت الرد في الأصح) أي: إن جهل المشتري السبب، فأما إذا علمه .. فلا رد ولا أرش في الأصح، وقد صرح به "الحاوي" بقوله [ص 274]: (إن جهل).
1816 - قول "المنهاج" [ص 220]: (بخلاف موته بمرضٍ سابقٍ في الأصح) محل الخلاف: أن يكون المشتري جاهلاً به، ثم ليس المراد: نفي الرد؛ لتعذره بالموت، بل المراد: أنه مات
الحديث: 1812 - الجزء: 1 - الصفحة: 741
من ضمان المشتري، فلا ينفسخ العقد؛ ولذلك عبر به "الحاوي" 377، وفي تعبير "المنهاج" بـ (الأصح) نظر؛ لأن المرجح: القطع به، فينبغي التعبير بـ (المذهب)، والخلاف عند البغوي في المرض المخوف، أما غيره .. فلا ينسب الموت إليه، والجراحة السارية كالمرض، وكذا الحامل إذا ماتت من الطلق.
1817 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ولو باع وشرط البراءة من العيوب) 378 أي: كلها، أما لو عين شيئاً منها وشرط البراءة منه: فإن كان مما لا يشاهد؛ كالإباق والسرقة .. برئ منه، وإن كان مما يشاهد؛ كالبرص: فإن أراه إياه .. برئ منه، وإلا .. ففيه الخلاف في الإطلاق؛ لاختلاف الغرض بقدره وموضعه.
1818 - قول "التنبيه" [ص 95]: (ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: يبرأ، والثاني: لا يبرأ، وعلى هذا يبطل البيع، وقيل: لا يبطل) الأصح - تفريعاً على عدم البراءة -: عدم البطلان، وعبارة "التنبيه" تقتضي ترجيح البطلان، وكذا تقتضيه عبارة "الحاوي" حيث قال في الشروط التي لا تبطل العقد: (وبراءة عيب، لا يعلم البائع في الحيوان) 379 فإنها تقتضي البطلان حيث فقد شرط صحة الشرط.
1819 - قول "التنبيه" [ص 95]: (والثالث: أنه يبرأ من كل عيب باطن في الحيوان لم يعلم به البائع، ولا يبرأ مما سواه) هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، لكنهما لم يشترطا كونه باطناً 380، وعبارة "المنهاج" [ص 221]: (فالأظهر: أنه يبرأ عن عيبٍ بالحيوان لم يعلمه دون غيره) وفي بعض نسخه: (عن عيب باطن بالحيوان)، فلا إيراد عليه إذاً، وقال شيخنا ابن النقيب: قد رأيت لفظة: (باطن) مخرجة على حاشية أصل المصنف، لكن لا أدري هل هي بخطه أم لا؟ وليست في "المحرر" 381.
1820 - قول المنهاج [ص 221]: (ولو هلك المبيع) أعم من قول التنبيه [ص 94]: (مات)، وقوله: (أو أعتقه) 382 في معناه: الوقف - وقد ذكره "التنبيه" 383 - والاستيلاد، فكلها إتلاف
الحديث: 1817 - الجزء: 1 - الصفحة: 742
حكمي، والضابط: اليأس من الرد، كما ذكره "الحاوي" 384، ويستثنى من الرجوع بالأرش فيما إذا أعتقه مسائل:
إحداها: لو كان العتق مشروطاً في بيع فأعتقه، ثم وجد به عيباً .. فلا أرش له، كما قال ابن القطان، وخالفه ابن كج فقال: عندي له الأرش، وصححه السبكي.
ثانيها: لو اشترى من يعتق عليه، ثم وجد به عيباً .. حكى فيه ابن القطان وجهين، وقال ابن كج: له الأرش، وصححه السبكي، وقد يقال: لا ترد هذه على عبارتهم وإن لم يجعل له الأرش؛ لأن الموجود فيها العتق لا الإعتاق، قال في "المهمات": وهذا الكلام مقتضاه حصول العتق جزماً، وأن التردد في وجوب الأرش، ويخالفه ما ذكره الرافعي في (الوكالة) فيما إذا اشترى الوكيل من يعتق على موكله وكان معيباً: أن للوكيل رده؛ لأنه لا يعتق على الموكل قبل الرضا بالعيب، ذكره في "التهذيب" 385.
قال في "المهمات": وليس بين المذكور هنا وفي الوكالة فرق إلا مباشرته، ولا أثر لها قطعاً مع صحة البيع في الموضعين والجهل بالعيب.
ثالثها: لو كان العبد كافراً .. فقال شيخنا الإسنوي: لا يرجع بالأرش؛ لأنه لم ييأس من الرد؛ فإنه قد يلتحق بدار الحرب، فيسترق، فيعود إلى ملكه.
قلت: وفيه نظر؛ فإنما ينظر إلى ما يقع غالباً، وهذا أمر نادر، ويفرض مثله في الوقف؛ بأن يستبدل به عند من يراه، فيصير ملكاً له، ولا نظر إلى مثل ذلك، والله أعلم.
ويستثنى من الرجوع بالأرش في جميع الصور: ما إذا كان العيب الذي علم به الخصاء .. فلا أرش؛ إذ لا ينقص به القيمة، بل تزيد، وقد يقال: لا حاجة لاستثنائها؛ لأن الرجوع بالأرش يستدعي نقصاً، وهو مفقود هنا، ومنع شيخنا الإمام البلقيني قولهم: إنه لا أرش في هذه الصورة، وقال: الذي أعتقده أحد أمرين: إما أن الخصاء 386 ليس بعيب، كما أفتى به القاضي الحسين في مسألة الحمار والفرس؛ لأن الناس لا يعدونه عيباً، وهو الذي اعتبره صاحب "التنبيه" وغيره، قال: وبتقدير أنه عيب .. فالتحقيق لزوم الأرش؛ أي: قبل اندمال الجرح، واستشهد له بمسألة الحر إذا جنى عليه جان جناية لا توجب أرشاً، وقومناه بعد الاندمال، فلم ينقص القيمة .. فإن الأصح: أنه يقوم في حال سيلان الدم، ويجب الأرش.
1821 - قول "المنهاج" [ص 221]: (وهو جزء من ثمنه نِسْبَتُهُ إليه نسبة ما نَقَصَ العيبُ من
الحديث: 1821 - الجزء: 1 - الصفحة: 743
القيمةِ لو كان سليماً) زاد في "المحرر" بعد قوله: (القيمة): (إلى تمامها) 387، وكذا في "الروضة" تبعاً لـ"الشرح" 388، ولابد منه؛ لأن النسبة لابد لها من منسوب ومنسوب إليه، وهي مذكورة هنا مرتين، فالأولى كاملة، والثانية ذُكر فيها المنسوب فقط، وهو القدر الذي نَقَّصَه العيب من القيمة، فيقال: نأخذ نسبة هذا القدر من ماذا؟ فيقال: من تمام القيمة، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 276]: (بنسبة نقصان أقل قيمتي العقد والقبض إليه).
1822 - قول "المنهاج" [ص 221]: (والأصح: اعتبار أقل قِيَمِهِ من يوم العقد إلى القبض) يقتضي اعتبار النقص الحاصل بينهما، وبه صرح في "الدقائق" 389، لكن الذي في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": أقل القيمتين من يوم البيع ويوم القبض، وعليه مشى "الحاوي" 390، ويوافق الأول تعبير "الروضة" وأصلها فيما إذا تلف الثمن .. أنه يأخذ مثل الثمن، أو قيمته أقل ما كانت من العقد إلى القبض، ولا فرق بينهما، وفي تعبيره بـ (الأصح) مناقشة؛ لأن المرجح: القطع به، فينبغي التعبير بالمذهب.
1823 - قول "المنهاج" [ص 221]: (ولو علم العيب بعد زوال ملكه إلى غيره .. فلا أرش في الأصح) ينبغي التعبير بـ (الأظهر) أو (المشهور) لأن المرجح منصوص، ومقابله تخريج ابن سريج، وذكر شيخنا الإمام البلقيني: أنه منصوص في "البويطي".
1824 - قوله: (فإن عاد الملك .. فله الرد، وقيل: إن عاد بغير الرد بعيب .. فلا) 391 طريقة الإمام والغزالي 392، ولم يجر الأكثرون الخلاف فيما إذا كان زواله عن ملكه بغير عوض.
ويستثنى من كلامهم: ما إذا أجاز المشتري الثاني العقد ورضي بالعيب .. فإنه يستقر سقوط الأرش والر د، حكاه في "الكفاية " عن الماوردي 393.
1825 - قولهم - والعبارة لـ"المنهاج" -: (والرد على الفور) 394 فيه أمران:
أحدهما: محله: في بيع الأعيان، أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجد به عيباً .. فقال الإمام: إن قلنا: لا يملكه إلا بالرضا .. فليس الرد فيه على الفور، وإن ملكناه بالقبض ..
الحديث: 1822 - الجزء: 1 - الصفحة: 744
فيحتمل أنه على الفور، والأوجه: المنع؛ لأنه ليس معقوداً عليه، وإنما يجب الفور فيما يؤدي رده إلى رفع العقد، حكاه عنه الرافعي في (الكتابة)، وأقره عليه 395.
ثانيهما: يستثنى: قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة إذا ادعى الجهل بأن له الرد، وكذا لو ادعى أنه لا يعرف كونه على الفور، كما ذكره الرافعي 396، وقال النووي في الصورة الثانية: إنما يقبل ممن يخفى على مثله 397، وقال السبكي: ينبغي أن يقبل ممن يخفى عليه، ومن مجهول الحال.
1826 - قول "المنهاج" [ص 221]: (فلو علمه وهو يصلي أو يأكل .. فله تأخيره حتى يَفْرُغَ) أهمل من "المحرر" ما لو كان يقضي حاجته 398، وفي معنى الاشتغال بهذه الأمور: حضور وقتها، وكذا لو كان في الحمام، كما في "المنهاج" في (الشفعة) 399، وكل ما قيل في أحد البابين يجيء في الآخر؛ لاستوائهما في المعنى.
1827 - قوله: (أو ليلاً .. فحتى يصبح) 400 كذا أطلقه الرافعي والنووي 401، وأفهم كلام المتولي تقييده بمن لم يتمكن من الحاكم ولا الشهود ولا البائع، وصرح به ابن الرفعة، وقال: إذا تمكن من المسير بغير كلفة .. فكالنهار، ولا يكلف سرعة السير.
قلت: أخرج كلامه مخرج الغالب في الانقطاع عن التصرفات ليلاً، فلو كان هو والبائع مجتمعين في مكان واحد .. انتفى ذلك، وكذا لو كان العلم به في أوائل الليل بحيث لم تنقطع تصرفات الناس في حوائجهم غالباً، والله أعلم.
1828 - قوله: (فإن كان البائع بالبلد .. رده عليه بنفسه أو وكيله أو على وكيله) 402 فيه أمور:
أحدها: اعترض عليه: بأن فيه نقصاً عما في "المحرر" فإن لفظه: (رد بنفسه أو وكيله عليه أو على وكيله) 403 أي: لكل منهما الرد على كل منهما، فقدم في "المنهاج" لفظة: (عليه)، ففاته النص على التخيير عند الرد على الوكيل.
ثانيها: محل الرد بوكيله: إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير.
الحديث: 1826 - الجزء: 1 - الصفحة: 745
ثالثها: بقي عليه: أن له الرد على وارث البائع أيضاً بعد موته، وعلى الموكل إن قلنا: يطالب بالعهدة، كما هو المذهب، والرد على البائع فيما إذا كان وكيلاً مبني على مطالبته بالعهدة، كما نبه عليه السبكي، وهو واضح.
1829 - قوله: (ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم .. فهو آكد) 404 اقتصر في "الحاوي" على التخيير بين الرد على المالك والرفع إلى الحاكم، ولم يذكر أنه آكد 405، وصحح الإمام: أن العدول إلى الحاكم مع حضور الخصم تقصير 406، وقال الغزالي: يُبدأ بالبائع، فإن عجز .. أشهد، فإن عجز .. فالحاكم 407، وقال ابن الرفعة: إذا علم بحضرة أحدهم .. فالتأخير لغيره تقصير، ولم يذكر "التنبيه" الرفع إلى الحاكم، واقتضى كلامه تعيين الرد على المالك.
واعلم: أنه ليس المراد بالرفع إلى الحاكم: الدعوى؛ لأن غريمه غائب عن المجلس، وهو في البلد، وإنما يفسخ بحضرته، ثم يستعديه على غريمه، فإذا قلنا: إن القاضي لا يقضي بعلمه .. فأيّ فائدة لفسخه بحضرته مع غيبة غريمه؟ ! فلعل ما ذكروه مفرع على القضاء بالعلم، قاله السبكي رحمه الله.
1830 - قول "المنهاج" [ص 221]: (وإن كان غائباً .. رَفَعَ إلى الحاكم) أي: يتعين ذلك، والمراد: غيبته وغيبة وكيله، وطريقه في الرفع: أن يدعي الشراء ويبين العيب، ويثبت ذلك ببينة، ويفسخ به، ويحلف؛ لأنه قضاء على غائب، ويأخذ القاضي المبيع منه، ويضعه تحت يد عدل، ويعطيه الثمن من مال الغائب، فإن لم يجد سوى المبيع .. باعه فيه، كذا في "الروضة" وأصلها عن القاضي حسين 408.
قال في "المهمات": وهو يوهم أو يقتضي أن المشتري إذا فسخ بالعيب .. ليس له حبس المبيع لاسترداد الثمن، وليس كذلك، بل له حبسه إلى قبضه، كما نقله الرافعي في حكم المبيع قبل القبض "التتمة"، وأقره 409، وبَنَى عليه امتناع تصرف البائع فيه.
واعلم: أن إطلاقهم الغيبة يتناول المسافة القريبة، وذكرهم التحليف يقتضي أن المراد: المسافة التي يحكم فيها على الغائب، ومال ابن الرفعة إلى الأول.
1831 - قول "المنهاج" [ص 221]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 275]: (والأصح: أنه يلزمه
الحديث: 1829 - الجزء: 1 - الصفحة: 746
الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) فيه أمور:
أحدها: المراد: إشهاد اثنين، كما ذكره الغزالي 410، قال ابن الرفعة: وهو احتياط؛ لأن الواحد مع اليمين كاف، ومال في نظيره من الشفعة إلى عدم الاكتفاء به، وحكاه عن "البحر"، ثم قال: ولا يبعد الاكتفاء به على رأي 411.
ثانيها: ما صرح به في "المنهاج" من أن الإشهاد على الفسخ لم يتعرض له "الحاوي"، وهو مقتضى كلام الغزالي، لكن الذي يقتضيه كلام الرافعي في (الشفعة): أنه يشهد على طلب الفسخ 412.
ثالثها: ينبغي إذا أشهد على الفسخ أن يكتفى بذلك، ولا يحتاج بعده إلى إتيان حاكم، ولا بائع إلا للمطالبة، لكن قوله: (حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) ينافيه، كذا بحثه شيخنا ابن النقيب 413.
وجوابه: أن الاكتفاء بالإشهاد إنما هو عند تعذر البائع والحاكم؛ ولا تعذر هنا، فلا يكفي العدول إلى البدل مع القدرة على الأصل.
رابعها: ذكر الرافعي والنووي في نظيره من (الشفعة): أنه لا يجب الإشهاد 414، والبابان مستويان في المعنى، وهو مقتضى عبارة "التنبيه" هنا؛ حيث لم يذكر الإشهاد.
1832 - قول "المنهاج" [ص 221]: (فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح) هو مفهوم من كون "الحاوي" لم يذكره، وهو في "الروضة" وأصلها محكي عن تصحيح الإمام والبغوي 415، وصححه في "الشرح الصغير"، لكن قال في "المهمات": الراجح: أنه لا بد منه؛ فقد حكاه صاحب "التتمة" عن عامة الأصحاب، قال: وهو صريح في حكايته عن الأكثرين.
قلت: ليس الترجيح بالكثرة، بل بالدليل، ولا دليل على وجوب التلفظ بالفسخ في هذه الصورة، وليس هو أمراً يتعبد به، وإنما هو معاملة يعتبر فيها خطاب الغير، والله أعلم.
1833 - قوله: (فلو استخدم العبد) 416 أي: في ذهابه لرده أو في المدة المغتفرة، وقد يخرج
الحديث: 1832 - الجزء: 1 - الصفحة: 747
بذلك ما إذا خدمه العبد من غير طلب منه، لكنه سكت، والظاهر: أنه لا يبطل حقه بذلك من الرد، كما لا يحنث إذا حلف لا يستخدمه، وقد يُدَّعَى دخول هذه الصورة في قول "الحاوي" [ص 275]: (وترك الانتفاع) لحصول الانتفاع بخدمته من غير طلب، وقد يقال: الانتفاع: طلب النفع، فهي حينئذ كعبارة "المنهاج"، وقد يتناول لفظ الاستخدام ما إذا طلب منه الخدمة، فلم يخدمه، وفيه بعد.
وقد يرد على "الحاوي": ما إذا علم بعيب الثوب في الطريق وهو لابسه، فلم ينزعه؛ فإنه انتفاع، لكنه يعذر به، كما حكاه الرافعي عن الماوردي، وأقره؛ معللاً بأن نزع الثوب في الطريق غير معتاد 417.
قال في "المهمات": ويتعين تصويره في ذوي الهيئات؛ فإن غالب المحترفة لا يمتنعون من ذلك.
1834 - قول "المنهاج" [ص 221]: (أو ترك على الدابة سرجها) أي: إن لم يضرها وضعه، وفي معناه: الإكاف 418، وقد ذكره "الحاوي" 419.
لا العذار 420، فلا ينزعه، وقد ذكره "الحاوي" 421.
1835 - قول "الحاوي" [ص 275]: (لا الركوب إن عَسُرَ القَوْدُ) أي: والسَّوْقُ، فمتى أمكن سَوقُها .. لا يعذر في ركوبها، وقد ذكره "المنهاج" 422، وكان عذر "الحاوي" في كونه لم يذكره: أنه إذا عسر القَوْدُ .. فالسَّوْقُ أعسر غالباً، إلا في حق إبل العرب ونحوها، وذكر الماوردي والروياني أنه لا يضر الانتفاع اليسير؛ كاسقني ونحوه 423، ورجح السبكي: أنه لا يضر الانتفاع ما لم يدل على الرضا كلبس الثوب والوطء، قال: ومحل الكلام في هذا: إذا لم نوجب التلفظ بالفسخ.
1836 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو حدث عنده عيبٌ .. سقط الرد قهرا) مثل قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن وجد العيب وقد نقص المبيع عند المشتري) وفيه أمران:
الحديث: 1834 - الجزء: 1 - الصفحة: 748
أحدهما: محل هذا: إذا لم يستند ذلك إلى سبب متقدم عند البائع؛ كقطع العبد بجناية سابقة .. فلا يمنع الرد، وهو مأخوذ من قول "المنهاج" فيما تقدم [ص 220]: (أن للمشترى الرد بالعيب الحادث بعد القبض إذا استند إلى سببٍ متقدم)، وذكره "الحاوي" أيضاً 424، فإذا كان له الرد به .. فلأن لا يمنع الرد بغيره من طريق الأولى.
ثانيهما: إنما يسقط الرد إذا استمر ذلك العيب الحادث، فلو زال قبل علمه بالعيب القديم .. فله الرد فى الأصح، فلو لم يزل الحادث إلا بعد أخذ أرش القديم .. لم يكن له الفسخ ورد الأرش على الأصح، وكذا لو زال بعد قضاء القاضي بالأرش وقبل أخذه على الأصح في "أصل الروضة"، وحكاه الرافعي عن البغوي، وأقره 425، خلافاً لقول "الحاوي" [ص 276، 277]: (وقبله بعد القضاء بالأرش .. جاز).
1837 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ثم إن رَضِيَ به البائع .. رده المشتري أو قَنِعَ به) أي: بلا أرش، وقد أوضحه "التنبيه" بقوله [ص 94]: (فإن قال البائع: أنا آخذه منك معيباً .. سقط حقه من الأرش) والمراد: أخذه معيباً بدون الأرش، أما لو طلب البائع رده مع أخذ أرش الحادث، وطلب المشتري الإمساك مع أخذ أرش القديم أو بالعكس .. فالأصح: إجابة من طلب الإمساك مع أخذ أرش القديم بائعاً كان أو مشترياً، وقد ذكره "المنهاج" 426.
ويستثنى من ذلك: ما لو كان ربوياً بيع بجنسه كالحلي، ثم اطلع على عيب قديم بعد حدوث آخر .. فالأصح: أنه يتعين الفسخ مع إعطاء المشتري للبائع أرش العيب الحادث، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 277]: (والرد بأرش الحادث في ربوي بيع بجنسه).
1838 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ويجب أن يُعْلِمَ المشتري البائع على الفور بالحادث) يستثنى منه: ما إذا كان الحادث قريب الزوال؛ كالرمد والحمى .. ففي اعتبار الفور في الإعلام قولان، لا تصحيح فيهما في كلام الرافعي والنووي، ولم يتعرض في "التنبيه" للمبادرة بالإعلام، ولابد من التنبيه عليهما في قوله: (وله أن يطالب بالأرش) 427.
1839 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو حدث عيبٌ لا يُعْرَفُ القديم إلا به ككسر بيضٍ ورانجٍ، وتقوير بطيخٍ مُدَوِّدٍ .. رَدَّ ولا أرش عليه في الأظهر) 428 فيه أمور:
الحديث: 1837 - الجزء: 1 - الصفحة: 749
أحدها: المراد: بيض النعام؛ فإنه يبقى له بعد كسره قيمة، بخلاف بيض الدجاج ونحوه؛ فإنه لا قيمة لمذره بعد الكسر، فلا يتأتى فيه الأرش، وهذا وارد على قول "الحاوي" أيضاً [ص 275]: (وإن نقص بما توقف عليه الوقوف) أي: على العيب؛ فإنه يتناول بيضة الدجاجة المذرة، ولا رد في هذه الصورة، بل يتبين بطلان البيع على الصحيح؛ لوروده على غير متقوم، وقد ذكر ذلك "التنبيه" بقوله [ص 94]: (وإن لم يكن لما بقي قيمة .. رجع بالثمن كله).
ثانيها: المراد: البطيخ المُدَوّد بعضه، أما المدود جميعه .. فهو كبيضة الدجاجة المذرة، فيرجع بجميع الثمن؛ لفساد البيع، وأطلق "التنبيه" ذكر البطيخ، والمراد: المُدَوّد، أما الحامض: فالغرز فيه كاف؛ لحصول المعرفة بذلك.
ثالثها: قوله: (في الأظهر) يحتمل عوده إلى الأرش ففط مع القطع بالرد، وهو ظاهر عبارة "المحرر" 429، قال السبكي: ولكنها طريقة لم أعلم من قال بها وإن خرجت من الأقوال الثلاثة.
انتهى.
ويحتمل عوده إليهما؛ أي: رد على الأظهر، ولا أرش إذا رد على الأظهر؛ فإن فيه أقوالاً حكاها في "التنبيه" من غير ترجيح، المرجحُ الرد مع الأرش، وعدم الرد، قال في "التصحيح": والأصح: أن له رده، ولا أرش عليه 430.
1840 - قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيباً .. رده، وأمسك الآخر في أحد القولين) الأصح: خلافه، بل إما أن يمسكهما أو يردهما، وقد ذكره "المنهاج" بقوله [ص 222]: (ردهما لا المعيب وحده في الأظهر) ومحل المنع: إذا لم يتراضيا عليه، فيجوز حينئذ في الأصح، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 274]: (فيرد حصّة عقدٍ، وبالرضا بعضاً).
واعلم: أن الرافعي والنووي حكيا وجهين في رد بعض المبيع قهراً إذا لم ينقص بالتبعيض كالحبوب، ولم يرجحا منهما شيئاً 431، وقال شيخنا الامام البلقيني: الأصح: الجواز، ونص عليه الشافعي في "البويطي"، قال شيخنا: وعلى هذا يرد على "الحاوي" إطلاق: (وبالرضا بعضاً) أي: على مفهومه، فيقال: ويرد البعض بدون الرضا فيما إذا لم ينقص بالتبعيض كالحبوب ونحوها، ومحل الخلاف المتقدم: فيما لا يتصل منفعة أحدهما بالآخر، أما نحو: زوجي خف، ومصراعي باب .. فلا يجوز الإفراد قطعاً، وشذ بعضهم فحكى القولين، فلو باع بعض المبيع للبائع، ثم اطلع على عيب .. فهل له رد ما بقي على ملكه؟ حكى فيه البغوي في "فتاويه" قبل سجود السهو وجهين:
الحديث: 1840 - الجزء: 1 - الصفحة: 750
أحدهما: لا يجوز؛ لتفريق الملك في المعنى.
الثاني: يجوز؛ إذ لا تفريق في الصورة، وجعل ذلك نظير من صلى قاعداً لعذر فنسي التشهد الأول، وقرأ (الفاتحة) .. هل له أن يعود إلى التشهد؟ فيه وجهان، الأصح: لا، حكاه شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه".
1841 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو اشترياه .. فلأحدهما الرد في الأظهر) بعد قوله: (ولو اشترى عبدَ رجلين معيباً .. فله رد نصيب أحدهما) يقتضي أن صورة المسألة: أنهما اشتريا عبد رجلين، وحينئذ .. تكون الصفقة في حكم أربعة عقود، وكان كل واحد اشترى الربع من هذا والربع من ذاك، ولكل منهما أن يرد بالعيب على أحد البائعين دون الآخر، وهذه مسألة صحيحة، لكن مسألة "المحرر" فيما لو اشترى اثنان من واحد 432، فقول "المنهاج": (ولو اشترياه) أي: المبيع من رجل واحد، ولا يعود الضمير على المتقدم ذكره، وهو: (عبد رجلين)، وعبارة "التنبيه" في ذلك واضحة؛ حيث قال [ص 94]: (ولو اشترى اثنان عيناً، ووجدا بها عيباً .. جاز لأحدهما أن يرد نصيبه دون الآخر).
1842 - قول "المنهاج" [ص 222]: (ولو اختلفا في قِدَمِ عيب .. صُدِّق البائع بيمينه) فيه أمور:
أحدها: المراد: ما إذا احتمل صدق كل منهما، أما إذا قطعنا بما ادعاه أحدهما .. فهو المصدق، وهذا يرد أيضاً على قول "الحاوي" [ص 277]: (والقول للبائع في حدوثه)، وعن ذلك احترز "التنبيه" بقوله [ص 95]: (يمكن حدوثه) فخرج بذلك ما إذا قُطع بالقدم أو الحدوث.
ثانيها: تناولت عبارته ما إذا ادعى البائع حدوثه حتى لا يُرَدّ عليه، وادعى المشتري قدمه ليرد، وهي مراده، وعكسه، وصورته في البيع: بشرط البراءة من العيوب، فيدعي المشتري حدوثه قبل القبض ليرد به؛ فإنه لا يبرأ منه، ويدعي البائع قدمه، والحكم فيها كالأولى على الظاهر، وقيل: المصدق المشتري، وخرجت هذه الصورة بقول "التنبيه" [ص 95]: (فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: بل كان عندك)، وبقول "الحاوي" [ص 277]: (والقول للبائع في حدوثه)، فلم يتعرضا لهذه الصورة؛ لندورها.
ثالثها: تناولت عبارة "المنهاج" أيضاً ما إذا اختلفا في حدوث عيب يمنع الرد، فادعى البائع حدوثه، وادعى المشتري أن العيبين قديمان، لكن ذكر ابن القطان في مطارحاته: أن المصدق هنا المشتري، وجعلها قاعدةً، فحيث كان العيب .. يثبت الرد، فالمصدق البائع، وحيث كان يبطله .. فالمصدق المشتري، فهذه واردة على عبارة "المنهاج" وعلى عبارة "الحاوي" أيضاً؛
الحديث: 1841 - الجزء: 1 - الصفحة: 751
لأن البائع يدعي الحدوث، ومع ذلك فالمصدق المشتري، وعلى عبارة "التنبيه" أيضًا، فليس في لفظه ما يخرجها.
رابعها: إذا صدقنا البائع في حدوث العيب، فحلف، ثم جرى الفسخ بعده بتحالف، فطالب المشتري بأرشه، وزعم أنه أثبت حدوثه بيمينه .. فلا نجيبه إليه؛ لأن يمينه وإن صلحت للدفع عنه فلا تصلح لشغل ذمة المشتري، بل للمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث، ذكره في "الوسيط" تبعا للقاضي والإمام 433، فقولهم: بتصديق البائع؛ أي: في دفع الرد عليه لا في تغريم المشتري الأرش إذا حدث عوده إليه.
1843 - قول "التنبيه" [ص 95]: (وإن باعه عصيرًا وسلمه إليه، فوجد في يد المشتري خمرًا، فقال البائع: عندك صار خمرًا، وقال المشتري: بل كان عندك خمرًا .. ففيه قولان، أحدهما: القول قول البائع، والثاني: القول قول المشتري) الأصح: الأول، وصورة المسألة: أنه مضى زمن يمكن انقلابه فيه، وفي تعبيره أولًا بالعصير تجوّز، فإذا فرض المقبوض عصيرًا .. لم يحسن الاختلاف.
وجوابه: أنه عصير حقيقة إن صدق البائع، ومجازًا باعتبار ما كان إن صدق المشتري، وأحسن منه جواب آخر سيأتي ذكره.
فإن قلت: لم لا اسْتُغني في "التنبيه" بالمسألة قبلها، وهي الاختلاف في قدم عيب عن هذه المسألة، كما فعل "المنهاج" و"الحاوي"؟
قلت: الاختلاف هناك فيما يقتضي الرد مع صحة عقد، والاختلاف هنا في مبطل؛ فإن الخمر لا يصح بيعه.
فإن قلت: فهذا هو الخلاف في دعوى أحد المتبايعين صحة العقد والآخر فساده.
قلت: الظاهر: أنه غيره، وأن الكلام هناك في مقارنة المفسد للعقد، وهنا في مقارنته للقبض، وبهذا يظهر أنه لا تَجَوّز في قوله: (وإن باعه عصيرًا) فالمبيع عصير بلا شك، والنزاع في أنه صار خمرًا قبل القبض أو بعده.
1844 - قولهم - والعبارة لـ "المنهاج" -: (والزيادة المنفصلة كالولد لا تمنع الرد) 434 يستثنى منه: ولد الأمة؛ فالأصح: منع التفريق بينهما في الصغر بالرد بالعيب، كما ذكره الرافعي والنووي في (التفليس) 435، وصحح ابن الرفعة: جوازه.
الحديث: 1843 - الجزء: 1 - الصفحة: 752
1845 - قول "المنهاج" [ص 223]: (ولو باعها حاملًا فانفصل .. رده معها في الأظهر) وهو معلوم من تمثيل "الحاوي" للزيادة المتصلة بـ (الحمل عند العقد) 436، وقد يفهم ذلك من قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن لم يعلم بالعيب حتى حَدَثَتْ له منها فوائد في ملكه .. أمسكها ورد الأصل) لأن الحمل الموجود عند العقد لم يحدث في ملكه، ومحل ذلك: إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت .. امتنع الرد، ذكره الرافعي والنووي 437.
وقال ابن الرفعة: إذا قلنا: العيب الذي تقدم سببه من ضمان البائع كما هو الأصح .. فينبغي أن يرد، ومحل ما بحثه ابن الرفعة: إذا كان جاهلًا بحملها، كما نبه عليه السبكي.
846 ا - قول "المنهاج" [ص 223]: (ولا يمنع الرد وطء الثيب) أي: إذا كان من المشتري، أما وطء غيره إذا كانت زانية به .. فهو عيب حادث يمنع الرد، ولا يرد ذلك على قول "الحاوي" [ص 275]: (وَوَطِئَ الثيب) لكونه أتى به فعلًا، فاسند الوطء للمشتري، وكذا لا يرد على مفهوم قول "التنبيه" [ص 94]: (بأن كانت جارية بكرًا فوطئها) لما ذكرناه.
1847 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وافتضاض البكر بعد القبض نقصٌ حَدَثَ) فيه أمران:
أحدهما: أن زوال البكارة بأيّ طريق كان ولو بوثبة كذلك.
الثاني: أن المفهوم من كونه نقصًا حدث: منع الرد، ويستثنى منه: ما إذا كان ذلك بزواج سابق، ويرد الأول على "التنبيه"، بل الإيراد عليه أبلغ؛ لقوله: (بأن كانت جارية بكرًا فوطئها) 438، فلم يذكر إلا وطأه هو خاصةً، فخرج به وطء غيره لها.
ويختص بإيراد آخر، وهو أنه قد يطأ ولا تزول البكارة؛ لكونها غوراء، والمدار في سقوط الرد على زوال البكارة كما تقدم، ولا يرد عليه الثاني؛ لكونه إنما تكلم على وطئه هو، ولا يمكن أن يكون ذلك بزواج سابق، وصرح "الحاوي" بالمسألة بقوله [ص 274]: (وافتراع بنكاح) 439.
1848 - قول "التنبيه" [ص 94]: (ومن علم بالسلعة عيبًا .. لم يجز أن يبيعها حتى يبين عيبها) كذلك غير البائع إذا علم بالعيب .. وجب عليه بيانه.
1849 - قوله: (وإن تراضيا على أخذ الأرش .. فقد قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز) 440 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "الحاوي" 441، وقد تفهم عبارة "التنبيه" بقاء الخيار تفريعًا عليه، وهو
الحديث: 1845 - الجزء: 1 - الصفحة: 753
كذلك إن جهل فساد المصالحة في الأصح، وإلا .. فلا، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 276]: (وبطل به الرد إن علم فساده).
فصلٌ [في التصرية]
1850 - قول "المنهاج" [ص 223]: (التصرية حرام) 442 ظاهره: أنه لا فرق بين أن يريد البيع أم لا، وبه صرح المتولي؛ لما فيه من إيذاء الحيوان، وتعليل الرافعي بالتدليس يقتضي اختصاصه بما إذا أراد البيع 443. 1851 - قوله: (تثبت الخيار) 444 يقتضي نفيه إذا ترك حلبها ناسيًا أو تحفلت بنفسها، وكذا تقتضيه عبارة "التنبيه" 445، وصرح به "الحاوي" فقال عطفًا على المنفي [ص 273]: (وتحفله)، وسبقه إليه الغزالي 446، لكن صحح البغوي: ثبوت الخيار أيضًا 447، وسبقه إليه شيخه القاضي حسين، وليس في "الروضة" وأصلها تصريح بترجيح 448. 1852 - قول "المنهاج" [ص 223]: (على الفور، وقيل: يمتد ثلاثة أيامٍ) يقتضي أنه وجه، وهو قول كما في "الروضة" وأصلها 449، نص عليه الشافعي في اختلاف العراقيين كما قاله القاضي أبو الطيب و"الإملاء" كما حكاه الروياني 450. وقال ابن المنذر: إنه مذهب الشافعي 451. واختاره السبكي وقال: هو خيار شرعٍ، لا عيبٍ، وشيخنا الإسنوي وقال: إن البغوي صحح الفور، فتبعه الرافعي والنووي، وهو خلاف مذهب الشافعي 452، وشيخنا الإمام البلقيني وقال: ظاهر السنة الصحيحة يشهد له، وهل ابتداؤها من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط،
الحديث: 1850 - الجزء: 1 - الصفحة: 754
وقال شيخنا الإمام البلقيني: الصواب: اعتبارها من وقت ظهور التصرية، ولم يتعرض "التنبيه" و"الحاوي" للتصريح بكونه على الفور إلا أن يجعل قول "التنبيه" بعد ذكر خيار العيب [ص 94]: (فإن أخر الرد من غير عذر .. سقط حقه من الرد)، و"الحاوي" [ص 274]: (حال العلم) يعود لخيار التصرية أيضًا.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه إن علم به قبل الثلاث .. امتد ثلاثًا، وإن علم به بعدها .. كان على الفور، حكاه في "المهمات" عن الجوري والفوراني وغيرهما.
1853 - قول "المنهاج" [ص 223]: (فإن رَدَّ بعد تلف اللبن .. رد معها صاع تمر) تبع فيه "المحرر" 453، ولا يتقيد ذلك بتلف اللبن، بل له رد الصاع مع بقائه؛ ولذلك لم يقيد "التنبيه" بالتلف فقال [ص 94]: (ويرد معها صاعًا من تمر بدل اللبن) وقيد "الحاوي" بتلف اللبن أو بعدم تراضيهما على رده 454، وهي عبارة حسنة؛ فإنهما لو تراضيا على رده .. جاز ذلك من غير صاع تمر، وكذا لو تراضيا على غيره من قوت أو غيره، وقد يرد ذلك على اقتصار "التنبيه" على ذكر صاع تمر، وليس للبائع إجباره على رد اللبن؛ لحدوثه على ملكه، ولا للمشتري رده على البائع قهرًا في الأصح؛ لذهاب طراوته، وحينئذ .. فلابد من صاع تمر، فلو قال "المنهاج": (بعد الحلب) كما في "الروضة" 455 .. لاستقام؛ فإنه إذا رد قبله .. لا شيء عليه.
وذكر بعضهم: أن كلامهم يفهم أن الواجب صاع مطلقًا وإن تعددت المصراة، قال السبكي: ولم أقف لأصحابنا على نقل فيما إذا تعددت، لكن نقل ابن قدامة الحنبلي عن الشافعي تعدد الصاع بتعدد المصراة.
انتهى 456.
وفي إفهام كلامهم ذلك نظر، بل الذى يقتضيه كلامهم أن الواجب في كل مصراة: صاع، كما هو المحكي عن الشافعي 457، والله أعلم.
وإطلاقهم صاعَ تمرٍ قد يفهم تخيير المُخْرَج في ذلك، مع أنه يتعين أن يكون من وسط تمر البلد.
1854 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وقيل: يكفي صاع قوتٍ) يفهم التخيير بين الأقوات، وهو وجه، والأصح - تفريعًا على هذا الوجه -: أنه يتعين غالب قوت البلد، وفي "الكفاية":
الحديث: 1853 - الجزء: 1 - الصفحة: 755
إطلاق أن الرافعي صححه، وقد عرفت أنه إنما صححه تفريعًا على الضعيف 458.
1855 - قول "التنبيه" [ص 94]: (إذا اشترى ناقة أو بقرة أو شاة مصراة) يفهم اختصاص ذلك بالنعم، والصحيح خلافه؛ ولذلك قال "الحاوي" [ص 272]: (وتصرية الحيوان)، وفي "المنهاج" عطفًا على الأصح [ص 223]: (وأن خيارها لا يختص بالنعم)، وفى تعبيره بالأصح نظر؛ ففي "الروضة": أن مقابله شاذ 459، فينبغي التعبير عنه بالصحيح.
1856 - قول "التنبيه" [ص 94]: (وإن اشترى جارية مصراة .. فقد قيل: لا يَرُدُّ، وقيل: يَرُدُّ إلا أنه لا يرد بدل اللبن) الأصح: الثاني، وهو مفهوم من إطلاق "الحاوي" الرد في الحيوان، وتقييد صاع التمر بالمأكول 460، وصرح "المنهاج" بذلك، لكنه بعد ذكر الرد في الجارية والأتان، وأنه لا يَرُدُّ معهما شيئًا، قال: (وفي الجارية وجه) 461 أي: أنه يَرُدُّ معها صاع تمر، وهو يفهم أنه لا يجري في الأتان، وطرده الإصطخري فيها؛ لأنه عنده طاهر مشروب، وفي التعبير فيهما بالأصح نظر؛ فقد عبر في "الروضة" عن الخلاف في الأتان بالصحيح مع تعبيره في الجارية بالأصح 462، وجزم "التنبيه" برد الأتان، وحكى الخلاف في رد الجارية 463، ولو عكس .. لكان أولى؛ لأن الراجح: نجاسة لبن الأتان، وطهارة لبنها، وقد يفهم من عبارته: أنا إذا قلنا: لا يَرُدّ الجارية .. لا غرم، والأصح - تفريعًا عليه -: وجوب الأرش، حكاه الرافعي عن البغوي 464، وصححه في "الكفاية".
1857 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وَحَبْسُ ماء القناة أو الرحى يُرسل عند البيع) لم يذكر "الحاوي" الرحى؛ ولعله لدخوله في القناة، ولا قوله: (يُرسل عند البيع)، وهو أشمل؛ لدخول إرساله عند الإجارة في ذلك، قال السبكي: ومحل ذلك: إذا دلس البائع أو من واطأه، وإلا .. فعلى الخلاف فيما لو تحفلت الشاة بنفسها.
قلت: وذلك مفهوم من التعبير بالحبس.
1858 - قول "المنهاج" [ص 223]: (وتجعيدُه) زيادة على "المحرر"، قاله شيخنا الإسنوي، قال شيخنا ابن النقيب: وقد رأيتها في نسخة منه، والمراد بالتجعيد هنا: ما فيه التواءٌ
الحديث: 1855 - الجزء: 1 - الصفحة: 756
وانقباض، فإنه يدل على قوة البدن لا مفلفل السودان 465.
1859 - قول "الحاوي" في أمثلة فقد وصف مقصود مشروط [ص 272]: (وتهود الجارية أو تنصرها، فبانت مجوسية) ذكر المجوسية مثال؛ فسائر الجواري الممتنع وطؤهن في معناها، ويرد عليه أيضًا: أنه يقتضي أن التمجس ليس عيبًا يرد به مطلقًا، وليس كذلك كما تقدم.
1860 - قوله: (أو ثيابتها) 466 أي: فبانت بكرًا .. فله الخيار، هذا وجه، والأصح عند الرافعي والنووي: أنه لا خيار له؛ لأنها أفضل 467، وعليه مشى "التنبيه" فقال [ص 94]: (لم يرد، وقيل: يرد).
قوله: (والإقالة فسخٌ لا تُجَدِّدُ الشفعة) 468 سائر أحكام البيع كالشفعة، فهي مثال.
الحديث: 1859 - الجزء: 1 - الصفحة: 757
بابٌ [ضمان المبيع]
1861 - قول المنهاج [ص 224]: (المبيع قبل قبضه من ضمان البائع) أي: وإن عرضه على المشتري، فامتنع من قبوله، قال الرافعي في أوائل (الصداق): لكن لو وضعه بين يديه عند امتناعه من قبوله .. برئ في الأصح 469.
وقوله: (قبل قبضه) يفهم أنه بعده ليس من ضمانه، وصرح به "التنبيه" بقوله [ص 87]: (ولا يدخل المبيع في ضمان المشتري إلا بالقبض) ولا يستثنى من ذلك: ما إذا تلف بعد القبض في زمن الخيار، وقلنا: الملك للبائع .. فإنه ينفسخ؛ لأنه لا يلزم من انفساخه أن يكون من ضمان البائع، بل هو من ضمان المشتري؛ ولذلك يغرم للبائع قيمته، ويسترد منه الثمن، فقول شيخنا ابن النقيب في تلفه بعد القبض: (فيه - أي: في ضمانه - تفصيل) 470 مردود؛ فلا تفصيل في ضمانه، إنما التفصيل في انفساخ العقد بذلك، والله أعلم.
وقد يقال: إنما ضمنه المشتري ضمان يد، وأما ضمان العقد: فعلى البائع، ويستثنى من قولنا: إن المبيع قبل قبضه من ضمان البائع ثلاث مسائل:
إحداها: إذا اشترى أمة فوطئها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها، ثم ماتت.
قال السبكي في تعليق له كما حكاه ولده في "التوشيح": مقتضى الفقه أنها تتلف من كيس المشتري؛ لأنها بالعلوق قدر انتقالها إلى ملك الأب، ومن ضرورة ذلك تقدير القبض وإن لم تحصل صورته، وقال: سألني عن هذة المسألة الوجيزي، فظهر لي فيها ذلك، فقال لي: إنه هو الذي ظهر له فيها أيضًا، ولم ير فيها نقلًا، وإنها إحدى ثلاث مسائل: يكون المبيع قبل القبض فيها من ضمان المشتري، هذه إحداها.
والثانية: إذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا، ثم عجز المكاتب نفسه قبل قبض السيد العين المبيعة.
والثالثة: إذا اشترى الوارث من مورثه عينًا، ثم مات الموروث قبل القبض.
انتهى.
1862 - قول "التنبيه" [ص 87]: (ولا يستقر ملكه علبه إلا بالقبض) ليس المراد: قبض المبيع، بل قبض المقابل، والمراد باستقرار الملك: الأمن من الانفساخ، ومتى لم يقبض البائع الثمن .. أمكن تلفه، فينفسخ البيع.
الحديث: 1861 - الجزء: 1 - الصفحة: 758
1863 - قولهم فيما إذا تلف المبيع قبل القبض: (انفسخ البيع) 471 أي: بآفة سماوية، ويستثنى منه: ما لو طلبه المشتري، فمنعه منه وهو ظالم في منعه، فتلف .. فهو كما لو أتلفه البائع، كما حُكي عن القاضي حسين، وفيه احتمال للإمام 472.
ومفهوم كلامهم أنه بعد القبض لا ينفسخ ولو في الخيار، ويستثنى: ما إذا قلنا: الملك للبائع .. فالصحيح: انفساخه كما تقدم، وفي معنى التلف: وقوع الدرة في البحر، وانفلات الطير، وتعبير "المنهاج" بقوله [ص 224]: (فإن تلف .. انفسخ البيع) أحسن من قول "المحرر": (ومعناه: أنه إذا تلف .. انفسخ) 473 فإنه فسره بذلك، ولا ينحصر فيه، فإن تَعَيُّبَهُ أيضًا يثبت الخيار، فهو من أحكامه أيضًا.
1864 - قول "المنهاج" فيما لو أبرأه المشتري عن الضمان [ص 224]: (ولم يتغير الحكم) تبع فيه "المحرر" 474، ولا فائدة فيه مع قوله: (لم يبرأ) إلا مجرد التأكيد 475.
1864 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وإن أتلفه المشتري .. استقر عليه الثمن) بمعنى قول "المنهاج" [ص 224] و"الحاوي" [ص 273]: (وإتلاف المشتري قبضٌ)، وتناول تعبير "التنبيه" و"الحاوي" حالتي علمه بأنه المبيع وجهله بذلك، وفصل "المنهاج" بقوله [ص 224]: (إن علم، وإلا .. فقولان كأكل المالك طعامه المغصوب ضيفًا) والأصح: براءة الغاصب، فيكون هنا قبضًا، ومقابله: أنه كإتلاف البائع إن قدمه إليه البائع، وكإتلاف الأجنبي إن قدمه إليه أجنبي، فإن لم يقدمه إليه أحد .. فالظاهر: الجزم بأنه قبض، وعموم "المنهاج" يقتضي قولين.
ويستثنى من كونه قبضًا مسألتان:
الأولى: ما لو قتله لصياله عليه .. فالأصح عند النووي: أنه ليس قبضًا 476.
الثانية: ما إذا ارتد، وكان المشتري هو الإمام، فقتله للردة، فإن كان المشتري غيره، فقتله .. كان قبضًا، قاله البغوي في "فتاويه"، وأقره الرافعي عليه 477، وفيه إشكالان:
أحدهما: أنه كما أن للإمام قتل العبد إذا ارتد .. كذلك للسيد؛ لأن الأصح: أن له إقامة الحد على عبده، فينبغي ألاَّ يستقر عليه الثمن بقتله كالإمام.
وجوابه: أنه لو قتله، وقلنا: له ذلك ..
الحديث: 1863 - الجزء: 1 - الصفحة: 759
لم يكن قاتلًا إلا بحكم الملك؛ فالملك هو الذي سلطه على ذلك، فلو قلنا: ينفسخ، ولا يستقر عليه الثمن .. لكنا قد تبينا بالآخرة أنه قتل غير مملوك له؛ فلذلك جعلنا قتله إياه قبضًا، ذكره في "التوشيح".
ثانيهما: أن المرتد غير مضمون على قاتله، فكيف يكون قتله قبضًا؟ ذكره في "المهمات"، قال: والقياس: أن تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن كذلك، وصورته: أن يزني كافر حر، ثم يلتحق بدار الحرب، ويُسْتَرَقُّ، قال: وفي الثلاثة الإشكال المتقدم.
قال ابن الرفعة في "المطلب": ولو قتله المشتري قصاصًا .. فيظهر أنه كالآفة السماوية.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هل يكون ذلك قبضًا حتى يستقر الثمن، أم لا يكون ويجعل بمنزلة ما لو صال على المشتري فقتله دفعًا؟ لم أقف على نقل فيها، لكن ما نقله النووي في (الغصب) قبل الكلام على نقل التراب فيما إذا قتل العبد المغصوب سيده وهو في يد الغاصب: أن لورثة السيد قتله، وأخذ قيمته من الغاصب، فكذلك يكون هنا، ولم يظهر لي بينهما فرق.
انتهى 478.
1866 - قول التنبيه [ص 88]: (فإن أتلفه البائع .. انفسخ البيع، وقيل: هو كالأجنبي) رجح طريقة القطع، والصحيح: الطريقة الثانية، وأصح القولين: الانفساخ، لكن صحح الرافعي في "الشرح الصغير" في أوائل الصداق مقابله، وتعبير "لمنهاج" بقوله [ص 224]: (والمذهب: أن إتلاف البائع كتلفه) لا يفهم منه ترجيح طريقة القطع ولا الخلاف؛ لأن اصطلاحه في ذلك الدلالة على أن في المسألة طريقين أو طرقًا، ولا يفهم منه ترجيح طريقة بعينها، لكن يكون المرجح: ما ذكره في الجملة.
1867 - قول التنبيه [ص 87، 88]: (وإن أتلفه أجنبي .. ففيه قولان، أحدهما: ينفسخ البيع، والثاني: لا ينفسخ، بل يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء، والرجوع على الأجنبي يالقيمة) الثاني هو الأصح، ورجحه "المنهاج"، فقال [ص 224]: (إنه الأظهر)، واعترض عليه: بأنه كان الأحسن: حذف (الأظهر)، وعطفه على (المذهب) في مسألة إتلاف البائع؛ فإن فيه طريقة قاطعة بأنه فسخ، فيكون أخصر وأفيد.
قال شيخنا الإمام البلقيني في "حواشيه": ويستثنى من إتلاف الأجنبي المقتضي لما ذكره: ما إذا كان حربيًا، أو قتله بحق من قصاص وغيره، وحينئذ .. ينفسخ البيع في ذلك، ويستثنى ذلك في الصرف أيضًا، وما إذا استولد الأب جارية اشتراها ابنه قبل القبض، لكن في هذه الأخيرة يكون قبضًا.
انتهى.
وهذا الخيار مقتضى كلام القفال: أنه على التراخي؛ ففي "الروضة" وأصلها عنه: أنه لو
الحديث: 1866 - الجزء: 1 - الصفحة: 760
أتلف الأجنبي المبيع قبل القبض، وأجاز المشتري ليتبع الأجنبي، ثم أراد الفسخ .. فله ذلك، لكن قال القاضي حسين: فيه نظر، وينبغي ألاَّ يتمكن من الرجوع؛ لأنه رضي بما في ذمة الأجنبي، فأشبه الحوالة 479.
1868 - قول "المنهاج" [ص 224]: (ولو عيبه الأجنبي .. فالخيار، فإن أجاز .. غرم الأجنبي الأرش) إنما يغرمه الأرش بعد قبض المبيع؛ لجواز تلفه في يد البائع، فينفسخ، حكاه الرافعي عن الماوردي، وأقره 480، والمراد: الأرش الآتي في الجنايات؛ ففي يد العبد نصف القيمة، وفي يديه كمال القيمة.
1869 - قوله (ولو عيبه البائع .. فالمذهب: ثبوت الخيار لا التغريم) 481 الخلاف إنما هو في التغريم، وأما الخيار: فلا خلاف فيه، فإن ألحقناه بالأجنبي .. فله أن يجيز، ويغرمه، أو بالآفة - وهو المذهب - .. فلا تغريم، فكان ينبغي أن يقول: (ثبت الخيار ولا تغريم على المذهب).
1870 - قول "التنبيه" [ص 87]: (ولا يملك المشتري التصرف في المبيع حتى ينقطع خيار البائع ويقبض المبيع) يستثنى منه: الإعتاق والاستيلاد والتزويج؛ فتصح من المشتري قبل القبض، وقد ذكرها في "الحاوي" 482، واقتصر "المنهاج" على الإعتاق 483.
ويستثنى أيضًا:
القسمة، فتجوز قبل القبض، وإن قلنا: إنها بيع، كما في "الروضة" وأصلها في أواخر هذا الباب عن "التتمة" من غير مخالفة 484.
والوقف، كما صححه في "شرح المهذب" 485، وفي "الروضة" عن "التتمة" من غير مخالفة: أنه ينبني على القبول 486، وقد علم أن الجهة العامة لا يشترط فيها القبول، وكذا المعين، كما اختاره في "الروضة" في (كتاب السرقة) 487.
والصدقة، كما ذكره في "الكفاية"، لكن الذي في الرافعي: أنها كالهبة، فتمتنع قبل
الحديث: 1868 - الجزء: 1 - الصفحة: 761
القبض 488، ولم يذكر في "المنهاج" في ذلك قاعدة، بل منع البيع والإجارة والرهن والهبة، وجوز الإعتاق 489، وكذا "الحاوي" إلا أنه زاد على الأربعة المذكورة: الكتابة، وضم إلى الإعتاق: الإيلاد والتزويج كما تقدم 490، وقد دخل في تعبير "التنبيه" 491 بالتصرف جعله أجرة أو صداقًا أو عوض مصالحة أو رأس مال سلم، وكذا التولية والإشراك.
وفي معنى المبيع: كل ما كان في يد الغير مضمونًا عليه ضمان عقد، وهو المضمون بما يقابله من العوض، أما ما كان في يد الغير أمانة؛ كالمودع، أو مضمونًا ضمان يد، وهو المضمون بالقيمة؛ كالمستعار .. فيصح بيعه قبل القبض، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 280]: (فيما يضمن بالعقد).
ويستثنى من عبارة "التنبيه": ما لو باع في مدة الخيار أو وقف أو وهب أو أعتق بإذن البائع أو باع للبائع نفسه في مدة الخيار .. فإنه يصح على الأصح.
1871 - قول "المنهاج" [ص 224]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 280]: (والأصح: أن بيعه للبائع كغيره) وهو داخل في عموم منع "التنبيه" التصرف 492.
محله: إذا باعه له بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة، وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع، كما في "الروضة" وأصلها عن المتولي من غير مخالفة 493، لكن ذكر شيخه القاضي الحسين: أن في هذه الصورة وجهين مرتبين على الصورة الأولى، وأنهما مبنيان على أن العبرة في العقود باللفظ أو المعنى، ومقتضى ذلك تصحيح البطلان أيضًا؛ لأن الأصح كما في الرافعي في أوائل (السلم): أن العبرة باللفظ 494، ويختص "المنهاج" بإيراد في تعبيره بـ (الأصح)، وكذا في "الروضة" لأنه جعل في "شرح المهذب" مقابله شاذًا ضعيفًا 495، فينبغي حينئذ التعبير عنه بـ (الصحيح).
1872 - قوله: (والثمن المعيّن كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه) 496 لا حاجة لهذه الزيادة، بل قد تضر؛ فإنها توهم جواز غير البيع؛ ولهذا عبر في "المحرر" بالتصرف؛ لتعم 497،
الحديث: 1871 - الجزء: 1 - الصفحة: 762
وكذا "التنبيه" بقوله [ص 87]: (ولا ينفذ تصرف البائع في الثمن إن كان معينًا حتى ينقطع خيار المشتري ويقبض الثمن) وهو داخل في قول "الحاوي" [ص 280]: (فيما يضمن بالعقد)، ثم زاد إيضاحًا، فمثل به بقوله [ص 280، 281]: (كمُعَيَّن الثمن).
1873 - قول "المنهاج" [ص 225]: (ولا يصح بيع مسلم فيه) فيه نقص؛ لأن المبيع في الذمة إذا عقد عليه لا بلفظ السلم .. ليس سلمًا، ولا يصح بيعه ولا الاعتياض عنه، وأما قول "الحاوي" [ص 281]: (ودين السلم) .. فهو مثال مع دخول هذه الصورة في قوله أولًا: (فيما يضمن بالعقد) 498.
1874 - قول "التنبيه" [ص 87]: (وإن كان الثمن في الذمة .. فهل يجوز قبل القبض؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يجوز) تناول كلامه ما إذا كان بيعه للمشتري، وهو الاستبدال، وما إذا كان لأجنبي.
فأما الأول: فالجديد: جوازه، لكن يشترط القبض في المجلس فيما إذا استبدل موافقًا في علة الربا؛ كدراهم عن دنانير، وقمح عن شعير، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 499، فإن استبدل غير موافق في علة الربا .. لم يشترط ذلك، لكن يشترط تعيين العوض في المجلس وإن لم يشترط عند العقد، ولم يتعرض لذلك "الحاوي"، وهو مفهوم قول "المنهاج" [ص 225]: (لا يشترط التعيين في العقد، وكذا القبض في المجلس) فدل على اشتراط التعيين في المجلس، والله أعلم.
والتصرف قبل القبض بالإبراء جائز، ولا يتصور الإبراء إلا قبل القبض.
وأما الثاني: فلا خلاف في منع بيعه بدين، فإن باعه بعين .. بطل أيضًا على الأصح عند الرافعي 500 والنووي في "المنهاج" حيث قال [ص 225]: (وبيع الدين لغير من عليه باطلٌ في الأظهر)، وهو مفهوم قول "الحاوي" [ص 281]: (يباع ممن عليه)، لكن صحح النووي في "الروضة" من زوائده هنا، وفي (الخلع) في "أصل الروضة": صحته، لكن بشرط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن عليه، وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس، فإن تفرقا قبل قبض أحدهما .. بطل العقد 501.
قال السبكي: لم أره لغير البغوي والرافعي، وينبغي ألاَّ يشترط إلا القبض من أحد الجانبين، بل يكفي التعيين.
انتهى.
وقال ابن الرفعة في "المطلب": مقتضى كلام الأكثرين مخالفتهما.
انتهى.
الحديث: 1873 - الجزء: 1 - الصفحة: 763
وكذلك لا يجوز رهن الثمن، ولا هبته؛ لأن الديون لا ترهن ولا توهب، كما هو الصحيح في موضعه.
1875 - قول "المنهاج" [ص 225]: (ولو استبدل عن القرض وقيمة المتلف .. جاز)، اعترض عليه: بأنه يشعر بأن الإتلاف إذا أوجب المثل في المثلي، أو ما ليس قيمة للمتلف ولا مثلًا له؛ كالنقد في الحكومة .. لا يصح الاستبدال عنه، وليس كذلك، ولا يرد ذلك على "المحرر" لتعبيره بدين القرض والإتلاف 502، وكذا لا يرد على تعبير "الحاوي" بقوله [ص 281]: (وغير المعاوضة كالقرض)، وإنما نشأ الخلل من تخصيص "المنهاج": دين التلف بالقيمة.
1876 - قول "الحاوي" [ص 278]: (وقبض العقار بالتخلية) فيه أمران:
أحدهما: أنه يشترط مع ذلك: فراغه من أمتعة البائع، وقد ذكره "المنهاج" 503.
ثانيهما: العقار - كما قال الجوهري -: الأرض والنخيل والضياع 504، أي: الأبنية، وفي "الروضة" وأصلها: وفي معنى الأرض: الشجر النابت، والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجداد.
انتهى 505.
فليست الثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجداد من العقار وإن كان لها حكمه، فلم يتناولها لفظ "الحاوي" ولا "المنهاج"، ولا يرد ذلك على "التنبيه" لقوله: (وفيما سواهما - أي: المنقول والمتناول باليد - التخلية) 506، فدخلت فيه هذه الثمرة؛ فإنها لا تنقل ولا تتناول باليد في العادة الغالبة قبل أوان الجداد، وفيه نظر، ويرد عليه الإيراد الأول؛ فإنه لم يذكره، وتعبير "المنهاج" بأمتعة البائع يخرج ما عداه؛ كأمتعة المشتري والمستأجر والغاصب والمستعير، قال شيخنا الإسنوي: وفي هذا التعميم نظر.
1877 - قول "المنهاج" [ص 225]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 278]: (وَقَبْضُ المنقول: تحويله) فيه أمران:
أحدهما: يستثنى من المنقول: الشيء الخفيف الذي يتناول باليد في العادة، فقبضه بالتناول؛ كالثوب ونحوه، وقد ذكره "التنبيه" بقوله [ص 88]: (وفيما يتناول باليد التناول) وحكاه في "الروضة" من زوائده عن جماعة 507، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه 508.
الحديث: 1875 - الجزء: 1 - الصفحة: 764
ثانيهما: خرج بذلك استخدام العبد وركوب الدابة والجلوس على الفراش، فلا يكون قبضًا، وقد ذكره في "الروضة" من زوائده، فقال: فلا يكفي استعماله وركوبها بلا نقل، وكذا وطء الجارية على الصحيح، ذكره في "البيان" 509، لكن في الرافعي في أوائل (الغصب): لو ركب المشتري الدابة أو جلس على الفراش .. حصل الضمان، ثم إن كان ذلك بإذن البائع .. جاز له التصرف أيضًا وإن لم ينقله، وإن لم يكن بإذنه .. لم يجز له التصرف.
انتهى 510.
وأسقطه النووي من "الروضة"، وهو وارد على "التنبيه" أيضًا إن صح ما ذكره الرافعي في ذلك، ويختص "التنبيه" بإيراد، وهو أنه أطلق النقل ولم يبين المحل المنقول إليه 511، وأوضحه "المنهاج" بقوله [ص 225]: (فإن جرى البيع بموضع لا يختص بالبائع.
.كفى نقله إلى حيز، وإن جرى في دار البائع .. لم يكف ذلك إلا بإذن البائع فيكون مُعِيرًا للبقعة)، وفيه أمور:
أحدها: أنه تبع "المحرر" في التعبير بقوله: (فإن جرى البيع) 512 ولا يستقيم؛ فإن جريان البيع لا مدخل له فيما نحن فيه، بل العبرة بوجود المبيع؛ ولهذا عبر الرافعي بقوله: (وإذا كان المبيع) بالميم، وكذا في "الروضة " 513، ذكره شيخنا الإسنوي، فينبغي أن يقول: (فإن جرى البيع والمبيع بموضع لا يختص بالبائع)، ويُقَدَّر بعد قوله: (إلى حَيِّزٍ) أي: منه؛ فإن المعتبر أن يكون المكان المنقول إليه لا يختص بالبائع، ولا نظر إلى المكان المنقول منه.
ثانيها: اعترض عليه بأن قوله: (لا يختص بالبائع) مقلوب، وصوابه: (لا يختص البائع به) لأن الباء تدخل على المقصور الذي لا يتعدى 514.
ثالثها: دخل فيما لا يختص به البائع ما اختص به المشتري بملك أو إجارة أو إعارة، وما لا يختص به أحد؛ كمسجد وشارع وموات، وتناول أيضًا: المغصوب من أجنبي، قال شيخنا ابن النقيب: وفي الاكتفاء به نظر 515.
رابعها: في تعبيره بدار البائع نظر؛ فالمدار على الموضع المختص به، وإن لم تكن دارًا.
خامسها: قوله: (لم يكف ذلك) أي: النقل إلى حيز منها؛ فإنه لو كان في دار البائع، فنقله إلى موضع لا يختص البائع به .. كفى.
الجزء: 1 - الصفحة: 765
سادسها: قوله: (لم يكف ذلك) أي: في التصرف، ولكن يدخل في ضمانه، قال السبكي في (باب الغصب): ولا يكون غاصبًا قطعًا حتى لو خرج المبيع مستحقًا .. ليس للمالك مطالبته، وقال هنا: لا ينتقل ضمان العقد إليه، ولكن يدخل في ضمانه حتى يطالب به إذا خرج مستحقًا لوضع يده عليه، قال: وعبارة البغوي والرافعي غير صريحة في ضمان العقد 516، أي: في أنه المراد، وما صرحت به من أنه المراد لم أره منقولًا، لكن فهمته من فقه الباب، فاعتمده، وإطلاق "المنهاج" ظاهر فيه.
سابعها: قوله: (إلا بإذن البائع) أي: في القبض والنقل، فإن لم يأذن إلا في النقل .. فأطلق الإمام والغزالي أنه لا يحصل القبض 517؛ لأن الإذن في النقل لا يقتضي العارية، قال السبكي: ويحتمل أن يقال: إن كان بعد توفير الثمن .. كفى، قال: والظاهر: قول الإمام.
انتهى.
وتوسَّط ابن الرفعة في "المطلب"، فقال: إن قبض الثمن، أو لم يقبضه ولكن علم أنه لا يثبت له حق الحبس .. فالذي يظهر: تضمنه للإعارة.
ثامنها: يستثنى من كلامه: ما لو وضعه في أمتعة سواء كانت له أم مستعارة من البائع، قاله القاضي حسين، وما قبضه بالتناول كالثياب، فماذا قبضها ووضعها شيئًا فشيئًا .. قال في "المطلب": فالذي يظهر أنه يكفي، وجزم به السبكي، وعبارة "الحاوي" [ص 278]: (ومن بيت من دار البائع إلى آخر بإذنه)، وقد عرفت ما يرد عليه مما تقدم.
ويستثنى من كلامهم جميعًا أمور:
أحدها: محل ذلك: ما إذا كان المبيع جزافًا غير مقدر بكيل ولا وزن ولا ذرع ولا عدٍّ، فإن كان مقدرًا .. فلا بد في حصول القبض مع ذلك من الذرع أو الكيل أو الوزن أو العد، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" بعد ذلك 518، لكن لم يذكر "المنهاج" العد، قال في "الكفاية": ويشترط رؤية المقبوض لصحة القبض، وخرجه الإمام على بيع الغائب 519.
ثانيها: محل ذلك أيضًا: إذا لم يكن المبيع تحت يد المشتري، فإن كان تحت يده ولو كانت يد ضمان فإن كان حاضرًا .. كان مقبوضًا بنفس العقد ولا يحتاج فيه إلى إذن البائع وإن كان له حق الحبس على الأصح، وإن كان غائبًا .. اشترط مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصح لا النقل.
نعم؛ يشترط إذن البائع إن كان له حق الحبس.
الجزء: 1 - الصفحة: 766
ثالثها: يستثنى من ذلك: القسمة، فلا حاجة إلى التحويل فيها ولو جُعلت بيعًا؛ إذ لا ضمان فيها حتى يسقط بالقبض، ذكره ابن الرفعة في بابها.
رابعها: يستثنى من ذلك: إتلاف المشتري المبيع؛ فإنه قبض كما سبق مع أنه ليس فيه صورة القبض المذكورة، والله أعلم.
1878 - قول "الحاوي" [ص 278]: (ويَسْتَبدُّ بالقبض إن وَفَّر الثمن أو كان مؤجلًا) أحسن من قول "المنهاج" [ص 225]: (للمشتري قبض المبيع) فإنه قد لا تفهم عبارته استقلاله بذلك، ومرادهما: ما إذا كان مؤجلًا في ابتداء العقد وإن حل قبل التسليم، وقد ذكره "الحاوي" بعد ذلك، لكن قال في "المهمات" فيما إذا حل قبل التسليم: أن الصواب: جواز الحبس، كما رجحه في (الصداق)، فقد نص عليه الشافعي في مسألة البيع، كما نقله القاضي أبو الطيب في (كتاب الصداق) عن حكاية المزني في المنثور، ونسب خلافه إلى الخطأ.
انتهى 520.
والمراد بتسليم الثمن: تسليم جميعه كما هو ظاهر العبارة، فأما إذا سلّم بعضه .. فلا أثر له في الأصح.
1879 - قول المنهاج [ص 226]: (ولو كان له طعام مقدَّرٌ على زيد، ولعمرو عليه مثله .. فليكتل لنفسه ثم يكيل لعمرو) الأصح: أن استدامته في المكيال كالتجديد، وقد ذكره "الحاوي"، وذكر الطعام مثال، فغيره من المقدرات مثله؛ ولهذا ذكره "الحاوي" بعد ذكر مطلق المقدرات 521.
1880 - قول المنهاج [ص 226]: (ولو قال: "اقبض من زيد ما لِيَ عليه لنفسك" ففعل .. فالقبض فاسد) أي: القبض الثاني، وهو تقدير انتقاله من يده إلى نفسه؛ لاتحاد القابض والمقبض، أما قبضه الأول من زيد لبكر .. فصحيح في الأصح، قال الرافعي: وهما مبنيان على القولين فيما إذا باع نجوم الكتاب وقبضها المشتري .. هل يعتق المكاتب؟ انتهى 522.
والأصح هناك: أنه لا يعتق تفريعًا على المذهب: أنه لا يصح بيعها، ومقتضاه: أنه لا يصح القبض هنا، وقد ذهب إلى ذلك شيخنا الإمام البلقيني، وقال: ما صححه هنا ممنوع؛ لتصحيحهم هناك عدم العتق، ولا فرق بين أن يأذن السيد للمكاتب بالإقباض أو للمشتري بالقبض، أو يقتصر على مجرد البيع، قال شيخنا: وأيضًا: فالإذن في الفاسد لا أثر له، كما لا أثر له في نقله عن ضمان الغصب، قال: وقد صحح الرافعي والنووي في (الحوالة) فيما إذا باع عبدًا وأحال بثمنه البائع على رجل، ثم رده بعيب: أنا إذا أبطلنا الحوالة .. ليس للبائع أن يقبضه للمشتري؛
الحديث: 1878 - الجزء: 1 - الصفحة: 767
لعدم الحوالة والوكالة؛ ولأنه إنما يقبض لنفسه، ولم يبق له حق، فإذًا مجرد الإذن غير معتبر في براءة ذمة المحال عليه، فكذلك هنا.
انتهى 523.
1881 - قول "التنبيه" - وهو في (باب اختلاف المتبايعين) -[ص 97]: (وإن اختلفا في التسليم، فقال البائع: "لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن"، وقال المشترى: "لا أسلم الثمن" .. أجبر البائع على ظاهر المذهب) مثل قول "الحاوي" [ص 279]: (بدأ البائع) ومحله: إذا كان الثمن في الذمة، فإن كان معينًا .. فالأظهر: إجبارهما، وقد ذكره "المنهاج" فقال [ص 226]: (سقط القولان الأولان - يعني: إجبار البائع وإجبار المشتري - وأُجْبِرَا في الأظهر)، وظاهره: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الثمن نقدًا أو عرضًا، وصرح به الرافعي في "الشرح الصغير"، لكنه صور في "الكبير" محل سقوطها: بما إذا باع عرضًا بعرض، وإلا .. فلا يسقط إلا إجبار المشتري 524، وضعفه في "الكفاية" لأن الثمن كما يكون نقدًا يكون عرضًا بإدخال الباء؛ فلذلك استدرك في "الروضة"، وقال: الذي قطع به الجمهور - وهو المذهب - سقوط إجبار البائع أيضًا؛ كما لو باعه عرضًا بعرض 525، كذا في نسخة المصنف من "الروضة"، وليس في أكثرها.
ومحل كلامهم أيضًا: إذا لم يكن البيع عن الغير، فإن باع مال غيره بوكالة أو ولاية .. لم يأت إجبار البائع، ولا عدم إجبارهما، والمذهب: أنه لا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، كما ذكروه في بابي (الفلس) و (الوكالة)، وأفتى شيخنا الإمام البلقيني بحضوري: بأن لأمين الحكم تسليم المبيع قبل قبض الثمن.
1882 - قول "المنهاج" [ص 226]: (وفي قولٍ: المشتري) محله: إذا كان الثمن حالًا في العقد كما عرف قريبًا.
1883 - قول "التنبيه" [ص 97]: (فإن كان الثمن حاضرًا .. أجبر المشتري على تسليمه)، قال في "الكفاية": المراد: حضور نوعه؛ لأنه مفرع على إجبار البائع، ومحله: إذا كان في الذمة.
انتهى.
وقد يقال مثل ذلك في قول "المنهاج" [ص 226]: (وإذا سلّم البائع .. أُجبر المشتري إن حضر الثمن) وقد يقال: لا يتعين ذلك في عبارته، بل هي متناولة لحضور نوعه إن كان في الذمة، وعينه إن كان معينًا؛ لأن قوله: (وإذا سلم البائع) يتناول تسليمه وجوبًا على القول به، وتبرعًا حيث لا نقول به، وعلى ذلك مشى في "الروضة" وأصلها 526، فليس مفرعًا على إجباره، بخلاف عبارة
الحديث: 1881 - الجزء: 1 - الصفحة: 768
"التنبيه" فإنها مفرعة على الإجبار؛ فإنه ذكر هذه الجملة بالفاء مترتبة على قوله: (أجبر البائع على ظاهر المذهب) 527 أي: فإذا أجبر، فسلم .. أجبر المشتري على تسليم الثمن إن حضر نوعه، والمراد: حضوره في المجلس، وعبارة "الحاوي" في ذلك مثل عبارة "التنبيه" فإنه قال بعد البداءة بالبائع: (فيجبر المشتري حالًا) 528.
1884 - قول "المنهاج" [ص 226]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 279]: (فإن كان معسرًا .. فللبائع الفسخ بالفَلَسِ) يقتضي أن له الاستقلال بذلك من غير توقف على حجر الحاكم، وهو مقتضى عبارة "الروضة" وأصلها هنا 529، لكن في الرافعي في أول (التفليس): الذي يدل عليه كلام الأصحاب هنا تعريضًا وتصريحًا: افتقار الرجوع إلى توسط الحجر، وقد حكينا في الكلام على البداءة بالتسليم ما يشعر بخلافه، وأشار إلى المذكور هنا 530.
قال في "المهمات": وكلامه يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في المسألة، وفيها وجهان شهيران حكاهما في "المهذب" 531، وفي افتقار الرجوع بعد الحجر إلى إذن الحاكم وجهان، قال الرافعي: أشبههما: أنه لا يفتقر.
1885 - قولهم فيما إذا كان ماله في البلد: (حجر عليه في أمواله حتى يسلم) 532 قال في "الروضة": هذا الحجر يخالف الحجر على المفلس من وجهين:
أحدهما: أنه لا يسلط على الرجوع إلى عين المال.
والثاني: أنه لا يتوقف على ضيق المال عن الوفاء، قال: واتفقوا على أنه إذا كان محجورًا عليه بالفلس .. لم يحجر هذا الحجر؛ لعدم الحاجة إليه 533.
قال شيخنا الإمام البلقيني: ويخالفه في أشياء غير ذلك: منها: أنه لا تحل به الديون، وإذا وفى الثمن .. لم يتوقف على فك القاضي، وينفق على زوجته نفقة الموسرين، ولا يتعدى للحادث، ولا يباع فيه المسكن والخادم؛ لإمكان الوفاء من غيره قطعًا في كل ذلك.
1886 - قول "التنبيه" [ص 97]: (وإن كان غائبًا في بلد آخر .. بيعت السلعة في الثمن) وجه شرطه: أن يكون ذلك بعد الحجر، والأصح: أنه إن كان غائبًا في مسافة القصر .. كان للبائع فسخ
الحديث: 1884 - الجزء: 1 - الصفحة: 769
البيع والرجوع في عين ماله كالمفلس، فإن صبر .. فالحجر كما ذكرنا، وإن كان دون مسافة القصر .. فكالحاضر في بلدة، فيحجر أيضًا، وقد ذكره كذلك "المنهاج" و"الحاوي" 534.
1887 - قول "المنهاج" [ص 226]: (وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنه إن خاف فوته بلا خلافٍ) فيه أمور:
أحدها: أن ذلك لا يختص بالبائع، بل للمشتري ذلك في الثمن، وإنما صرح بالبائع؛ لأنه قدم تصحيح إجباره، فذكر شرط وجوبه.
ثانيها: تبع في نفي الخلاف في ذلك "المحرر" 535 ولذلك عبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بـ (الصواب) 536، والذي في "الروضة" وأصلها: أنها طريقة الأكثرين 537، قال الرافعي: توهمت طائفة أن الخلاف في الابتداء هو الخلاف في ثبوت الحبس.
إن قلنا: يبدأ بالبائع .. فليس له حق الحبس، وإلا .. فله، ونازع الأكثرون فيه، وقالوا: محل الخلاف: فيما إذا تنازعا في البداية فقط، وكل منهما باذلٌ ما عليه من غير خوف، فإن خاف كل منهما لو بذل تعذر ما عند صاحبه .. فله الحبس جزمًا 538.
ثالثها: محل ذلك في البائع: إذا كان الثمن حالًا، أما المؤجل: فليس له الحبس به؛ لرضاه بتأخيره ولو لم يتفق التسليم حتى حل الأجل كما تقدم، وقد سلم "الحاوي" من ذلك كله بقوله [ص 279]: (ولكلٍّ حبسُ عوضه إن خاف الفوت، لا للبائع إن أجل الثمن).
رابعها: قال القفال في "فتاويه": لو استبدل عن الثمن ثوبًا .. فليس له الحبس؛ لأنه أبطل حقه من الحبس بنقله إلى العين؛ إذ حق الحبس لاستيفاء عين الثمن، وهذا بدله.
انتهى.
وهو بظاهره مخالف لقول "الروضة" وأصلها: ولو صالح من الثمن على مال .. فله إدامة حبسه لاستيفاء العوض.
انتهى 539.
ولعل الأول محمول على ما إذا استبدل عينًا، والثاني ما إذا استبدل دينًا 540.
الحديث: 1887 - الجزء: 1 - الصفحة: 770
بابُ التّولية والإشراك والمرابحة
أهمل "المنهاج" من الترجمة: المحاطة، مع ذكره حكمها في الباب.
1888 - قوله: (اشترى شيئًا ثم قال لعالم بالثمن: "ولّيتك هذا العقد"، فقبل .. لزمه مثل الثمن) 541 فيه أمور:
أحدها: أنه اعتبر في المُولَّى - بفتح اللام - أن يكون عالمًا بالثمن، ولم يعتبر ذلك في المُولِّي - بكسرها -، ولا بد من اعتباره فيه أيضًا.
فإن قلت: لا يحتاج إلى ذكر ذلك فيه؛ لأنه اشتراه، فهو عالم به .. قلت: قد يشتريه له وكيله، وقد يشتريه بنفسه ثم ينسى ثمنه، فلا يكون عالمًا به، وقد قال "المنهاج" بعد ذلك في المرابحة [ص 228]: (وليَعْلَمَا ثمنه)، وهو مثله.
ثانيها: أنه لم يحك في ذلك خلافًا مع قوله في نظيره من المرابحة: (فلو جهله أحدهما .. بطل على الصحيح)، وذلك الخلاف جار هنا، وعبر في "الروضة" بـ (الأصح) 542، وبينهما في اصطلاحه تناف.
ثالثها: قد يلزم نفس الثمن فيما إذا كان عرضًا، وانتقل ذلك العرض بعينه إلى المتولي، فيتولى به، فإن لم ينتقل إليه .. لم تصح التولية، ذكره في "التتمة"، وعبر "الحاوي" عن ذلك بقوله [ص 282]: (وليتك العقد: بيع جديد بالثمن الأول) فعلم من كونه بيعًا جديدًا أنه لا بد من علم المتبايعين بالثمن، وأما قوله: (بالثمن) فمعناه: بمثل الثمن إن كان مثليًا، وبنفسه إن كان عرضًا، وانتقل إليه كما تقدم.
فإن قلت: قد قال "المنهاج" بعد ذلك [ص 227]: (وهو بيع)، فهو مثل "الحاوي" في ذلك، فلا إيراد عليه .. قلت: الإيراد على إيهام "المنهاج" اعتبار ذلك في أحدهما دون الآخر؛ لذكره فيه خاصة.
1889 - قول "المنهاج" [ص 227]: (ولو حُط عن المُوَلِّي بعض الثمن .. انحط عن المُوَلَّى) احترز بالبعض عن حط الكل، وفيه تفصيل: إن كان بعد التولية .. انحط عن المولى أيضًا، وإن كان قبلها .. لم تصح التولية؛ كقوله: (بعتك بلا ثمن)، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 282]: (وحط الكل قبلها يبطلها).
1890 - قول "المنهاج" [ص 227]: (والإشراك في بعضه كالتولية في كله إن بَيَّن البعض)
الحديث: 1888 - الجزء: 1 - الصفحة: 771
اعترض عليه في إدخاله الألف واللام على بعض، وحُكي منعه عن الجمهور 543.
1891 - قول "المنهاج" [ص 227]: (ويصح بيع المرابحة؛ بأن يشتريه بمئة ثم يقول: "بعتك بما اشتريت وربح درهمٍ لكل عشرةٍ") لو عبر بقوله: (كأن) .. لكان أولى؛ لأنه قد يفهم من قوله: (بأن) حصرها فيما ذكره، وهذا مثال من الأمثلة.
1892 - قول "التنبيه" [ص 95]: (ويجوز أن يبيعه مرابحة إذا بين رأس المال ومقدار الربح) وكذا لا بد أن يبين أيضًا أنه اشتراه من ابنه الصغير، وبمؤجل، أو غبن، أو من مماطل اشتراه منه بدينه، وقد ذكر "الحاوي" ذلك 544، وذكر "المنهاج" من ذلك الأجل خاصة 545.
1893 - قول "المنهاج" [ص 227]: (ولو قال: "بما قام عليّ" .. دخل مع ثمنه أجرة الكيّال والدَّلاَّل) استشكل تصويره؛ فإنهما على البائع، فصوّر ابن الرفعة أجرة الكيّال: بما إذا كان الثمن مكيلًا، فأجرة كيله على المشتري.
قال شيخنا الإسنوي: وصورة أخرى، وهي أن يتردد في صحة ما اكتاله البائع، فيستأجر من يكتاله ثانيا؛ ليرجع عليه إن ظهر نقص.
وقال شيخنا ابن القيب: هي صورة صحيحة، لكن في ضم ذلك إلى الثمن نظر؛ لأنه ليس للاسترباح.
نعم؛ هي قريبة الشبه بالحارس.
انتهى 546.
وصوّر ابن الرفعة أجرة الدلال: بما إذا استأجر من يعرض سلعة على البيع، فاشترى بها عينًا .. فإن الأجرة تضم إلى ثمن العين.
1894 - قوله: (إنه يجب بيان الشراء بعرض) 547 أي: إذا اشترى بعرض .. ذكر أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة، قال السبكي: ولم أره إلا في "التهذيب" 548، والذي في "التتمة" وغيرها خلافه، ويشهد له مسألة الإجارة والخلع وغيرهما؛ فإنه يذكر فيها إذا باع مرابحة بلفظ: (قام عليّ أجرة مثل المستأجر، ومهر مثلها)، وكذا ذكر شيخنا في "المهمات": أن ما في "المنهاج" و"الروضة" وأصلهما غلط، قال: وجزم في "الكفاية"
الحديث: 1891 - الجزء: 1 - الصفحة: 772
بجواز ذكر القيمة من غير شرائه بعرض، ولم يعرج على ما قاله الرافعي 549.
وقال شيخنا الإمام البلقيني: إذا اختلف قيمة العرض في زمن الخيار .. فهل تعتبر قيمة العقد أو يوم الاستقرار؟ لم أقف على نقل فيها، ويحتمل أن يكون كما في الشفعة.
1895 - قوله: (وبيان العيب الحادث عنده) 550 مراده: بيان حدوث العيب عنده، وإلا .. فجميع العيوب القديمة والحادثة يجب بيانها، وقد أحسن "الحاوي" التعبير عن ذلك بقوله [ص 283]: (وحدوثِ عيبٍ) على أنه اعترض عليه: بأنه يشعر بأنه لا يلزم الإخبار بالعيب، ولا يرد ذلك؛ فإنه إنما يُبيِّن هنا الأحكام المختصة بالمرابحة، أما بيان العيوب: فقد تقرر في كل بيع، وقوله بعده: (وجناية) 551 من ذكر الخاص بعد العام؛ لدخولها في العيب، فمقتضى اختصاره حذفها.
1896 - قول "الحاوي" [ص 283]: (أو مماطلًا اشترى بدينه) كذا المعسر، ومفهومه: أنه لا يجب الإخبار به إذا كان غير مماطل، ومحله: إذا اشتراه بدينه الحال، فإن اشتراه بدينه المؤجل .. وجب الإخبار به، كما لو اشتراه بثمن مؤجل، نبه عليه شيخنا الإمام البلقيني.
1897 - قول "التنبيه" [ص 96]: (وإن واطأ غلامه فباع منه ما اشتراه بعشرة ثم اشتراه بعشرين، وخبر بالعشرين .. كره ذلك) فيه أمور:
أحدها: المراد: غلامه الحر، وفي معناه: صديقه، ومن تهيأ له مواطأته، وعبر في "الروضة" بـ (صاحبه) 552، أما لو واطأ رقيقه .. لم يجز أن يخبر إلا بالثمن الأول؛ لفساد مبايعته لعبده، وهذا واضح.
ثانيها: قال النووي في "نكته" قوله: (بعشرة) متعلق بقوله: (اشتراه) لا بالبيع.
قلت: لأن النظر للثمن الذي اشترى به من الأجنبي والثمن الذي اشترى به من الغلام، ولا معنى لمعرفة الثمن الذي باع به للغلام؛ لأنه لا يتعلق به إخبار.
ثالثها: قال الدزماري والنووي في "نكته": الكراهة راجعه إلى المواطأة لا إلى الإخبار.
قلت: إنما كرهت هذه المواطأة؛ لأنها وسيلة إلى الإخبار، فالإخبار أولى بالكراهة، وقول الشيخ: (كره ذلك) يعود للأمرين معًا.
الحديث: 1895 - الجزء: 1 - الصفحة: 773
رابعها: الكراهة قول الأكثرين، وحكاه الروياني عن النص، وذهب القاضي أبو الطيب والروياني إلى تحريمه 553، واختاره السبكي؛ لأنه غش.
خامسها: قد يفهم من عبارته: أنه لا خيار للمشتري، وكذا في "المهذب" 554، لكن قال في "الروضة" من زوائده: الأقوى: الثبوت 555، وعزاه في "الكفاية" لجماعة.
1898 - قوله: (وإن اشترى عبدين بثمن واحد .. جاز أن يبيع أحدهما مرابحة إذا قسط الثمن عليهما بالقيمة) 556، قال في "المهمات": اعلم أنه إذا باع في هذه الحالة .. لا يقول: (اشتريته بكذا)، إلا أن يبين حقيقة الحال، كذا ذكره صاحب "التتمة"، ونقله عنه ابن يونس شارح "التنبيه"، وليس في كلام الرافعي و"الروضة" بيان ذلك، بل فيهما ما يوهم خلافه.
انتهى 557.
وقال القاضي حسين: يخبر بلفظ: (قام عليّ) خاصة.
1899 - قوله: (وإن قال: "اشتريت بمئة" ثم قال: "اشتريته بتسعين" .. ففيه قولان؛ أحدهما: يحط الزيادة وربحها، ويأخذ المبيع بالباقي، والثاني: أنه بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يحط الزيادة وربحها، ويأخذه بالباقي) 558 فيه أمور:
أحدها: الأصح: الأول، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 559.
ثانيها: قوله: (ثم قال: "اشتريته بتسعين") مثال، فلو تبين ذلك بالبينة .. كان كذلك، وهو داخل في قول "المنهاج" [ص 228]: (فبان بتسعين)، وفي قول "الحاوي" [ص 283]: (وإلا) أي: وإن لم يصدق في الإخبار.
ثالثها: أنه ذكر تفريعًا على تخييره أنه إذا أجاز .. أخذه بالباقي، وظاهر التفريع في "الروضة" وأصلها وغيرهما: أنه يأخذه بجميع الثمن 560؛ لأنه فرع ثبوت الخيار على عدم سقوط الزيادة إلا في وجه ضعيف، وهو واضح التوجيه، فلا معنى لثبوت الخيار مع حط الزيادة؛ إذ لا ضرر عليه حينئذ، وعلى ذلك حمل قول "المنهاج" [ص 228]: (أنه لا خيار للمشتري) أي: تفريعًا على الأظهر - وهو حط الزيادة - وفي "الروضة" وأصلها: لو قال البائع: لا تفسخ؛ فإني أحط عنك
الحديث: 1898 - الجزء: 1 - الصفحة: 774
الزيادة .. ففي سقوط خياره وجهان بلا ترجيح 561.
رابعها: كلامه يقتضي جريان القولين في حالتي بقاء المبيع وتلفه، وكذا يقتضيه كلام "المنهاج" وهو الظاهر كما قال الرافعي 562، وقال الماوردي: إن تلف .. حط قطعًا 563، قال النووي: ونقله صاحب "المهذب" والشاشي عن أصحابنا مطلقًا 564.
قال في "المهمات": وكلام الرافعي يقتضي أن ما ذكره من إطلاق القولين لم يأخذه من تصريح، بل من تعميم، وهذه النقول تدفع ما قاله.
خامسها: قال السبكي: صورة محل القولين: ما إذا قال: بعتك برأس مالي، وهو مئة وربح كذا، أما لو قال: اشتريته بمئة، وبعتكه بمئة وعشرة .. فلا حط، ولا خيار؛ لتقصير المشتري بتصديقه، قاله القاضي حسين.
وقال شيخنا الإمام البلقيني بعد نقله هذا عن القاضي وغيره: لكن ذكر النووي تبعًا للرافعي في (فصل تحريم النجش): أنه لو قال البائع: أعطيت بهذه السلعة كذا، فصدقه، فاشتراه، فبان خلافه .. عن ابن الصباغ: أن في ثبوت الخيار الوجهين؛ يعني: في مسألة النجش.
انتهى 565.
وما ذكره القاضي في ذلك وارد على "المنهاج" لتعبيره بقوله [ص 228]: (فلو قال: "بمئة" فبان بتسعين)، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لأن عبارته [ص 283]: (وإلا .. حُطّ التفاوت) أي: وإن لم يخبر في المرابحة صادقًا .. حُطّ التفاوت، وهذه الصورة ليست من المرابحة وإن كان "التنبيه" و"المنهاج" إنما ذكرا هذه الصورة في مسائل المرابحة، لكن الإيراد على اللفظ، فليس فيه تصريح في تصويرها بالمرابحة.
سادسها: يستثنى من ثبوت الخيار للمشتري: ما إذا كان عالمًا بكذب البائع في إخباره الأول، فهو كمن اشترى معيبًا وهو يعلمه.
1900 - قول "الحاوي" [ص 283]: (وإلا .. حُطّ التفاوت) أي: وإن لم يصدق في الإخبار .. حط التفاوت بين ما ذكره وما هو ثابت في نفس الأمر، وهذا إنما هو فيما إذا أخبر بالثمن زائدًا، فأما ما عداه؛ كالغبن ونحوه إذا لم يخبر به .. فلا حط، ولكن يثبت للمشتري الخيار، وهذا هو المعروف في المذهب، كما قال في "الروضة" 566، وحكى فيه الغزالي القولين
الحديث: 1900 - الجزء: 1 - الصفحة: 775
في الكذب، قال الرافعي: ولم أر لغيره تعرضًا لذلك، فإن ثبث الخلاف .. فالطريق على قول الحطّ النظر إلى القيمة، وتقسيط الثمن عليهما 567.
قال في "المهمات": وما قاله الغزالي جزم به الإمام في "النهاية" 568.
قلت: فـ "الحاوي" تابع للإمام والغزالي.
1901 - قوله: (وقَدرُ النقصان إن أخذ أرش قطع اليد) 569 أي: يحط ذلك، وهذا فيه إطلاق؛ فإنه لو زاد قدر النقصان على المأخوذ .. حط المأخوذ لا قدر النقصان، فالحاصل أنه يحط أقل الأمرين من المأخوذ وقدر النقصان.
1902 - قول "التنبيه" [ص 96]: (وإن قال: "اشتريته بمئة" ثم قال: "بل بمئة وعشرة" .. لم يقبل وإن أقام عليه بينة، إلا أن يصدقه المشتري) فيه أمور:
أحدها: أن الصورة أنه باعه مرابحة، كما في المسألة قبلها، والسياق دال عليه وإن لم يصرح به، وكذا في قول "المنهاج" [ص 228]: (ولو زعم أنه مئة وعشرة) أما إذا لم يقع البيع مرابحة .. فلا أثر لذلك أصلًا، ولا يرد ذلك على "الحاوي" لبنائه المسألة على المرابحة.
ثانيها: الأصح فيما إذا كذبه المشتري: أن له تحليفه أنه لا يعرف ذلك، ثم إن بيّن لغلطه وجهًا محتملًا .. سُمعت بينته أيضًا، وعلى ذلك مشى "الحاوي" و"المنهاج" 570، لكن ذكر في "المطلب" أن عدم سماع بينته أشهر، وقال السبكي: إنه قول أكثر الأصحاب ومقتضى إطلاق الشافعي ومتقدمي الأصحاب، لكن اختار لنفسه: قبول بينته وإن لم يبين لغلطه وجهًا محتملًا، بل قال: كنت كاذبًا متعمدًا، واعترف بأنه خارج عن مذهب الشافعي، ثم حيث سُمعت البينة .. فهو كما لو صدقه، كما ذكره المتولي وغيره، فيأتي فيه اختلاف الترجيح في الصحة كما سنذكره.
ثالثها: ما ذكره من قبول قوله فيما إذا صدقه المشتري هو الأصح في "المنهاج" وغيره 571، وصحح الرافعي في "المحرر": بطلان البيع 572، وتبعه "الحاوي" بقوله [ص 283]: (وإن نقصَ وصُدِّق .. بطل) ووافقه السبكي، لكنه قال: ينبغي على هذا أن يستثنى: ما إذا كان المشتري
الحديث: 1901 - الجزء: 1 - الصفحة: 776
عالمًا عند العقد بذلك، ويحكم بالصحة للعلم بالثمن - وهو رأس المال - وربحه، قال: وهذا لا شك فيه.
رابعها: عبارته تفهم لزوم الزيادة؛ لأنه استثنى تصديق المشتري من نفي القبول، فدل على أنه إذا صدقه المشتري .. قُبل كلامه، وهو وجه، وحينئذ .. يثبت للمشتري الخيار، لكن الأصح: أنها لا تثبت، وللبائع الخيار، وقد لا يرد ذلك على عبارة "المنهاج" لأنه اقتصر على الصحة، ولا يلزم منها لزوم الزيادة بخلاف قبول قول البائع، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 777
بابُ بيع الأصول والثّمار
1903 - قول "المنهاج" [ص 229]: (قال: "بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة"، وفيها بناءٌ وشجرٌ .. فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن) فيه أمران:
أحدهما: أن محل الخلاف: إذا أطلق، فأما لو قال: (بما فيها) .. دخل قطعًا، ولو قال: (دون ما فيها) .. فلا قطعًا، ولو قال: (بحقوقها) .. دخل عند الأكثرين.
ثانيهما: في قوله: (دون الرهن) نظر من حيث اللفظ؛ لأنه لم يدخل فيما تقدم، فكيف يستثنيه؟ فكأنه قال: (بعتك أو رهنتك)، ولا يرد شيء من ذلك على "التنبيه" و"الحاوي" لكونهما لم يذكرا خلافًا، ولم يستثنيا الرهن، وفي معنى البيع: الهبة، كما صرح به الجرجاني في "الشافي"، وهو مقتضى فرقهم بين البيع والرهن: بأن البيع ينقل الملك، والوقفُ 573، كما هو مقتضى كلام الرافعي في آخر (كتاب الوقف) 574، ولا يدخل في الإعارة، وكذا الإقرار كما هو مقتضى كلام الرافعي في قاعدة ذكرها في الكلام على الإقرار بالحمل 575، وفي الإجارة والتوكيل بالبيع نظر.
1904 - قول "المنهاج" [ص 229]: (وأصول البقل التي تبقى سنتين - كالقَتِّ والهِندِبَاءِ - كالشجر) يقتضي أن ما يبقى سنة فقط ويثمر مرارًا - كالبطيخ والخيار - ليس كالشجر، وفيه وجهان في "الحاوي"، قال البغداديون: هو كالشجر، وقال البصريون: كالزرع 576، والنص كما قال الروياني: إنه كالشجر 577، وهو مقتضى قول "التنبيه" [ص 92، 93]: (وإن كان يجز مرة بعد أخرى)، وقول "الحاوي" [ص 283]: (وأصل البقل) فإنهما لم يقيدا ذلك ببقائه سنتين.
1905 - قول "المنهاج" [ص 229]: (ويصح بيع الأرض المزروعة على المذهب) قيد السبكي محل الخلاف: بما إذا كان الزرع يؤخذ دفعة واحدة، أما لو كان يحصد مرة بعد أخرى .. فيصح قطعًا، وحكاه عن المتولي.
1906 - قوله: (وللمشتري الخيار إن جهله) 578 صورته: أن يكون رآها بلا زرع ثم اشترى بعد أن زرعت، ولم يرها عند العقد.
الحديث: 1903 - الجزء: 1 - الصفحة: 778
ويستثنى من ثبوت الخيار: ما لو ترك البائع الزرع للمشتري، وما لو قال: أُفَرِّغُ الأرض، وأمكن في زمن يسير، وقد ذكرهما "الحاوي" بقوله [ص 283]: (لا إن تركه له، أو قال: أُفَرِّغُ الأرضَ وقَصُرَ زمانه) ويعتبر في التفريغ: ألاَّ يضر قلع الزرع بالأرض، فإن ضر .. بقي الخيار، وذلك وارد على "الحاوي".
1907 - قول "المنهاج" [ص 229]: (ولا يمنع الزرع دخول الأرض في يد المشتري وضمانه) كذا في "الروضة" وأصلها 579، ولا حاجة لقوله: (وضمانه) ولهذا لم يذكره "المحرر"، وكذا "الحاوي" اقتصر على قوله [ص 284]: (وصح قبضه).
1908 - قول "المنهاج" [ص 229]: (والأصح: أنه لا أجرة للمشتري مدة بقاء الزرع) ذكر في "الروضة": أنه قطع به الجمهور 580، وهو مخالف لمشيه هنا على طريقة الوجهين، ثم محل الخلاف: إذا جهل المشتري وجود الزرع وأجاز، فإن كان عالمًا .. فلا أجرة، كما اقتضاه كلام الرافعي اقتضاء كالصريح 581، وصرح به الإمام 582، ذكره في "المهمات".
1909 - قوله: (ولو باع أرضًا مع بذرٍ أو ذرع لا يفرد بالبيع .. بطل في الجميع) 583 أحسن من قول "المحرر": (إذا باع الأرض مع الزرع الذي لا يفرد بالبيع أو مع البذر) 584 لأنه لما أخر ذكر البذر .. تعلق قوله: (الذي لا يفرد بالبيع) بالزرع خاصة، مع أن التفصيل في البذر أيضًا، فالذي لا يفرد بالبيع منه هو ما لم يره، أو تغير بعد رؤيته، أو امتنع عليه أخذه كما هو الغالب، والذي يفرد بالبيع ما رآه قبل بذره، ولم يمض عليه زمن يتغير فيه، ويمكن أخذه من الأرض، كذا صوّره السبكي وقال: ينبغي أن يصح، وكلامهم في المنع محمول على غيره؛ لندور هذه الصورة.
1910 - قوله: (ويدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة فيها، دون المدفونة) 585 أي: من غير إثبات، أما المثبتة: فتدخل على المذهب كالبناء، وهذا وارد على قول "الحاوي" أيضًا [ص 284]: (وعلى البائع نقل الحجر المدفون) وقد يُدعى أن لفظ الدفن يعطي انتفاء الإثبات، لكن يبقى لفظ "المنهاج" ساكتًا عنها؛ لأنها لم تدخل في المخلوقة فيها.
1911 - قول "المنهاج" [ص 229]: (ولا خيار للمشتري إن علم، وكذا إن جهل ولم يضر
الحديث: 1907 - الجزء: 1 - الصفحة: 779
قلعها، وإن ضر .. فله الخيار) فيه أمران:
أحدهما: أن الضرر بقلعها يكون بأن تنقص الأرض به، وبأن يحتاج النقل لمدة لمثلها أجرة، فتناولت عبارته الأمرين، فهو أحسن من قول "المحرر": (ولا يضر قلعها بالأرض) 586 فإنه لا يتناول الثاني.
ثانيهما: يستثنى من ثبوت الخيار: ما لو تركه البائع له حيث لا يكون في بقائه ضرر، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 284]: (وخُيِّر إن تضرر به، ولم يتركه البائع، بلا ضرره)، لكنه أهمل شرطًا ثالثًا، وهو: جهل المشتري بوجود تلك الأحجار فيها؛ ولعله سكت عنه لوضوحه، فلثبوت الخيار ثلاثة شروط، أهمل كل من "المنهاج" و"الحاوي" شرطًا منها غير الآخر.
1912 - قول "المنهاج" و"الحاوي" فيما إذا نقل البائع الحجر: (إنه يلزمه تسوية الأرض) 587 فسر ابن الرفعة التسوية: بإعادة التراب المزال بالقلع من فوق الحجارة؛ أي: وإن لم تستو، ويبعد أن يقال: يجب أن يسويها بتراب آخر من خارج أو مما فيها؛ لأن في الأول إيجاب عين لم تدخل في البيع، وفي الثاني تغيير المبيع.
1913 - قول "المنهاج" [ص 229]: (وفي وجوب أجرة مثل مدة النقل أوجهٌ، أصحها: تجب إن نقل بعد القبض لا قبله) يشترط أيضًا: كون المشتري جاهلًا بذلك، فلو علمه .. فلا أجرة له، كما لو اشترى دارًا فيها أقمشه يعلمها .. فلا أجرة له في مدة نقلها، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 284]: (إن جهل المشتري).
قال شيخنا الإمام البلقيني: فلو أن البائع باع الأحجار لغيره بحيث يصح البيع برؤية معتبرة سابقة .. فهل حل المشتري محل البائع، فلا تلزمه الأجرة إذا كان قبل القبض، أو تلزمه مطلقًا؛ لأنه أجنبي عن البيع؟ لم أقف على نقل في ذلك، والأصح: الثاني.
انتهى.
1914 - قول "المنهاج" [ص 229، 230]: (ويدخل في بيع البستان: الأرض والشجر والحيطان، وكذا البناء على المذهب) الجزم بدخول الحيطان والخلاف في الأبنية هي طريقة الرافعى والنووي؛ بناء على أنه لايسمى بستانًا بدون الحيطان 588، وهي طريقة ضعفها الروياني 589.
قال السبكي: وإيراد الأكثرين مائل إلى إجراء الخلاف في الجميع.
الحديث: 1912 - الجزء: 1 - الصفحة: 780
1915 - قوله: (وفي بيع القرية: الأبنية وساحات يحيط بها السور) 590 يقتضي تنكير الساحات: أن إحاطة السور وصفٌ لها فقط، فثدخل الأبنية المتصلة بالسور التي هي خارجه، وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" تقتضي إخراجها؛ لتعريفهم الساحات 591، فكانت إحاطة السور وصفًا لها وللأبنية معًا، والمفهومان بعكس ما تقدم عن الرافعي والنووي في القصر؛ فإن الرافعي اختار أنه لا يقصر حتى يفارقها 592، فدل على إضافتها إلى القرية، ودخولها في مسماها، وكلامه هنا يخرجها عن مسماها، والنووي يختار القصر قبل فراقها، فليست منها 593، وكلامه هنا يدخلها.
وأما السور نفسه: فعبارة "المحرر" قد تخرجه؛ لأنها لم تدخل من الأبنية إلا ما أحاط به السور، ولا يقال في السور: إنه أحاط به السور، بخلاف عبارة "المنهاج" لكونها جعلت إحاطة السور في الساحات فقط.
1916 - قوله: (وتدخل الإجِّانات، والرَّفُّ والسُّلَّم المُسَمّران، وكذا الأسفل من حجري الرحى على الصحيح) 594 فيه أمران:
أحدهما: المراد: الإجَّانات المثبتة دون المنفصلة، كما صرح به في "الروضة" وغيرها 595، وهو مقتضى عبارة "المحرر" حيث قال: (وكذا الإجانات والرفوف المثبتة) 596، فعادت الصفة للجميع، وأما "المنهاج": فإنه وصف الرف والسلم بكونهما مسمرين، فصارت الإجانات خالية عن وصف، ثم إن الإثبات في الرف أعم من المسمر، فالتعبير به أولى، وكذا الأسفل من حجري الرحى لا بد في دخوله من كونه مثبتًا، فلو قال بعد الكل: (المثبتات) .. لكان أولى، ودخل ذلك كله في قول "الحاوي" [ص 284]: (والمثبت للبقاء).
ثانيهما: الخلاف الذي في الأسفل من حجري الرحى يأتي فيما قبله من الإجانات والرف والسلم، فلو قال: (وكذا الإجانات ... إلى آخره) كما في "المحرر" 597 .. لو فى بالخلاف فيها، فأخر في "المنهاج" لفظة: (كذا)، فسقط منه الخلاف في مسائل.
الحديث: 1915 - الجزء: 1 - الصفحة: 781
1917 - قول "الحاوي" [ص 284]: (والعبد .. الثوب) أي: تناول العبد ثوبه الذي عليه، فيدخل في بيعه، تبع فيه "المحرر" 598، والأصح: عدم دخوله؛ ولذلك استدركه "المنهاج" فقال [ص 230]: (الأصح: لا تدخل).
والأمة كالعبد، كما صرح به النووي في "شرح المهذب" وابن الرفعة في "المطلب" على أن ابن حزم الظاهري قال: إن لفظ العبد يتناول الأمة 599.
1918 - قول "المنهاج" [ص 230]: (باع شجرة .. دخل ورقها - وفي ورق التوت وجه -) محل هذا الوجه: فيما يخرج زمن الربيع، كما في "الروضة" وأصلها 600، وأن يكون توته أبيض وأنثى، كما قاله ابن الرفعة، وحُكي عن الأصحاب: أن ورف الذكر لا يصلح للدود، ومن هنا يعلم أن تعبير "الروضة" وأصلها بـ (الفرصاد) معترض؛ فإنه التوت الأحمر، كما في "الصحاح" 601، ويشهد له قول الشاعر 602: [من بحر البسيط]
قَد أَترُكُ القِرنَ مُصفَرًّا أَنامِلُهُ ... كَأَنَّ أَثوابَهُ مُجَّت بِفِرصادِ
وعبارة "التنبيه" [ص 92]: (وإن كان ثمره ورقًا كالتوت .. فقد قيل: أنه إن لم يتفتح .. فهو للمشتري، وإن تفتح .. فهو للبائع، وقيل: هو للمشتري بكل حال)، وقد عرفت أن الأصح: الثاني، وأن شرط جريان الأول: كونه في الربيع وأبيض وأنثى، وهذه الشروط مفهومة من قوله: (وإن كان ثمره ورقًا) فانه لا يعد ثمرة إلا باجتماعها لأجل دود القز، وظاهر كلام "التنبيه" طرد ذلك في ورق السدر، وهي طريقة، والأصح: القطع بأنه للمشتري، وعليه تدل عبارة "المنهاج".
قال في "البيان": وشجر الحناء ونحوه يجوز أن يكون فيه خلاف كالتوت، ويجوز أن يقطع بأنه إذا ظهر ورقه .. كان للباع؛ لأنه لا ثمر لها سوى الورق، بخلاف الفرصاد، فإن له ثمرة مأكولة 603.
1919 - قول "المنهاج" [ص 230]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 284]: (وأغصانها إلا اليابس) فيه أمران:
الحديث: 1917 - الجزء: 1 - الصفحة: 782
أحدهما: أنه يشمل أغصان الخِلاَفِ 604، وبه صرح الإمام هنا 605، لكنه صرح في (باب الوقف) بعدم دخولها 606، وحكى في (باب الرهن) خلافًا 607.
ثانيهما: استثناء اليابس إنما هو في بيع الشجرة الرطبة، ويدخل اليابس في بيع اليابسة، وهذا واضح.
1920 - قول "المنهاج" في الشجرة [ص 230]: (إنه يصح بيعها بشرط الإبقاء) محله: إذا كانت رطبة، أما اليابسة: فلو شرط إبقاؤها .. لم يصح البيع كبيع ثمرة مؤبرة؛ أي: بدا صلاحها بشرط عدم القطع أوان الجذاذ، حكاه الرافعي عن "التتمة"، وأقره 608.
1921 - قوله: (والإطلاق يقتضي الإبقاء) 609 أي: ولو غَلُظَتْ عما كانت عليه وقت البيع، فلو تفرخت منها شجرة أخرى .. فهل يستحق إبقاؤها كالمتجدد من عروق الأصل وغلظها، أم لا؛ لحدوثها، أم يفرق بين ما تجري العادة باستخلافه وما لم تجر به؟ قال بعضهم: فيه احتمالات، والأول أظهر، كذا في "المطلب"، وبقي احتمال رابع، وهو: إبقاؤها مدة بقاء الأصل، فإذا زال .. أزيلت، ثم قال في "المطلب": ما يعلم استخلافه؛ كالموز .. فلا شك في وجوب بقائه.
1922 - قوله: (والأصح: أنه لا يدخل المَغْرِس لكن يستحق منفعته ما بقيت الشجرة) 610، قال في "المهمات": لقائل أن يقول: هل محل الخلاف فيما يسامت الشجرة من الأرض دون ما تمتد إليه أغصانها، أم الخلاف في الجميع؟ فإن كان الثاني .. فيلزم أن يتجدد للمشتري في كل وقت ملك لم يكن.
انتهى.
وقال في "المطلب": ومما تعم به البلوى ولم أره منقولًا: أن يبيع ذلك والأرض في إجارته، ولم تنقض المدة، وعلم المشتري بذلك .. فهل نقول: يستحق الإبقاء بقية المدة بالأجرة؟ وهو الأشبه، وعليه العمل، أو مجانًا كالمملوكة؟ قال: فلو كانت الأرض موصى بمنفعتها .. فيشبه أنها كالمملوكة؛ لأن المنفعة ملكه دائمًا تورث عنه.
انتهى.
الحديث: 1920 - الجزء: 1 - الصفحة: 783
1923 - قوله: (ولو كانت يابسة .. لزم المشتري القلع) 611 أحسن من تعبير "المحرر" بـ (القطع) 612، وهذا مقيد لقوله: (والإطلاق يقتضي الإبقاء) دل على حمل ذلك على الشجرة الرطبة، أما اليابسة: فيلزم قلعها، ويمكن أن يكون قيدًا في الصور كلها التي منها: شرط الإبقاء، وتبين أن ذلك كله في الرطبة دون اليابسة، فيوافق ما تقدم عن "التتمة": أنه لو شرط الإبقاء في اليابسة .. بطل البيع، ويستغنى عن الإيراد عليه هناك؛ ولعل هذا أرجح، والله أعلم.
1924 - قوله: (وثمرة النخل المبيع إن شُرطت للبائع أو للمشتري .. عُمل به، وإلا؛ فإن لم يتأبَّر منها شيء .. فللبائع، وإلا .. فللمشتري) 613، تعبير "التنبيه" و"الحاوي" بـ (الظهور) 614 أولى منه؛ لأنها قد لا تؤبر، بل تتشقق وتظهر ثمرتها بنفسها، فحكمها حكم المؤبرة، لكن "المنهاج" بنى كلامه على الغالب، وتميز بالتصريح بأن ذلك عند عدم الشرط، فإن شرط كونها للبائع أو للمشتري .. اتبع، ولم يتعرضا لذلك، وسوّى "التنبيه" بين ثمرة النخيل وبين ما إذا كانت الثمرة نفسها نورًا يتفتح؛ كالورد والياسمين في أنه إن ظهر ذلك أو بعضه .. فالجميع للبائع، وإلا .. فللمشتري، وهو داخل في عموم قول "الحاوي" [ص 284]: (وثمرًا ظهر، ويتبعه غيره)، والذي في "الروضة" وأصلها: هو ضربان:
أحدهما: يخرج ظاهرًا كالياسمين، فإن خرج .. فللبائع، وإلا .. فللمشتري.
والثاني: يخرج في كمام ثم يتفتح كالورد الأحمر، فإذا بيع أصله بعد خروجه وتفتحه .. فهو للبائع، وإن بيع قبل تفتحه .. فللمشتري في الأصح، ثم حكى بعد ذلك عن البغوي وأقره: أن ما تشقق من الورد .. للبائع، وما لم يتشقق .. للمشتري، وإن كانا على شجرة واحدة، ولا يتبع بعضه بعضًا، بخلاف النخل؛ لأن الورد يُجنى في الحال، فلا يخاف اختلاطه 615.
قال السبكي: وهو الذي تقتضيه عبارة "المهذب".
ويرد على عبارة "الحاوي": التين والعنب؛ فإن مقتضاها أن ما لم يظهر منه تابع لما ظهر في أنه للبائع، لكن حكى الرافعي عن البغوي: أن ما ظهر .. للبائع، وما لا .. فللمشتري، ثم قال الرافعي: وهو محل التوقف 616.
الحديث: 1923 - الجزء: 1 - الصفحة: 784
قال في "المهمات": وما توقف فيه قد صرح به الشيخ في "المهذب"، وصرح به أيضًا المتولي والروياني، وقالا: إنه لا خلاف فيه، لكنهما إنما تكلما في التين خاصة.
انتهى 617.
ولم يتعرض "التنبيه" و"المنهاج" للتصريح بذلك، فقال "المنهاج": [ص 230]: (إن برز ثمره .. فللبائع، وإلا .. فللمشتري)، وقال "التنبيه" [ص 92]: (وإن كان ثمرهُ بارزًا؛ كالتين والعنب .. فهو للبائع).
1925 - قول "المنهاج" [ص 230]: (وما خرج في نَوْرٍ ثم سقط؛ كمشمش وتفاح) مراده: الذي من شأنه ذلك، وإلا .. فكيف يستقيم فرض المسألة في أن النور سقط ثم يفصل بين أن يتناثر النور أم لا؟ فلو عبر بالمضارع كـ "التنبيه" حيث قال [ص 92]: (وإن كان ثمره يخرج في نور ثم يتناثر عنه النور) .. لكان أولى، وصرح "التنبيه" بأن ما لم يظهر من ذلك تابع لما ظهر، ودخل في عموم عبارة "الحاوي" المتقدمة 618، ولم يتعرض "المنهاج" للتصريح بذلك، وتعبيره فيما لم يتناثر عنه النور بـ (الأصح) موافق لـ "الروضة" 619، لكن كان ينبغي التعبير بـ (النص) لأنه محكي عن نصه في "البويطي"، كما ذكره الرافعي 620.
1926 - قول "التنبيه" [ص 92]: (فيما ثمره في كمام لا يزال إلا عند الأكل؛ كالرمان والرانج) مخالف لكلامه في "المهذب" فإنه جعل فيه الرانج مما له قشران كالجوز، وكذا في "الروضة" وأصلها 621، وجمع بينهما: بأنه نوعان؛ نوع ذو قشر، ونوع ذو قشرين، حكاه في "التحرير" 622، وقال صاحب "المذاكرة": لعله كان مكان الرانج: الموز؛ فغيّرهُ النُّسَّاخُ.
1927 - قوله: (وإن كان ثمره في قشرين؛ كالجوز واللوز .. فهو كالتين والرمان على المنصوص، وقيل: هو كثمرة النخل قبل التأبير) 623، قال في "الكفاية": قد يشمل ما إذا تشقق الأعلى، وليس كذلك، بل محله: ما إذا لم يتشقق.
1928 - قول "التنبيه" [ص 93]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 284]: (وإن باع الأصل وعليه ثمرة للبائع .. لم يكلف نقلها إلى أوان الجداد) محله: إذا لم يشرط القطع، فإن شرط .. لزمه، وقد ذكره "المنهاج" 624.
الحديث: 1925 - الجزء: 1 - الصفحة: 785
ويستثنى من كلامهم من التبقية للجداد صور:
إحداها: أن تكون الثمرة مما (1) يُعتادُ قطعُهُ قبل النضج .. فإنه يُكلف قطعه على العادة، وقد لا ترد هذه؛ فإن هذا أوان جدادها.
الثانية: إذا تعذر السقي لانقطاع الماء، وعظم ضرر النخل ببقاء الثمرة .. فأصح القولين: أنه ليس له الإبقاء.
الثالثة: لو أصاب الثمار آفة ولم يبق في تركها فائدة .. فهل له إبقاؤها؟ فيه قولان (2).
1929 - قول "التنبيه" [ص 93]: (وإن احتاج إلى سقي .. لم يكن للمشتري منعه من سقيه) يستثنى من ذلك: ما إذا تضررت الشجرة بالسقي .. فيفسخ العقد إن لم يتراضيا على شيء، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 285]: (وإن ضر وتشاحّا .. فُسخ العقد) وكذا في "المنهاج"، وزاد [ص 231]: (إلا أن يسامح المتضرر)، فاستدرك ذلك على "الحاوي"، وعندي: أنه زيادة تأكيد لا يحتاج لذكره؛ لأنه متى سامح المتضرر .. لا مشاححة، والتصوير: أنهما تشاحّا.
فصلٌ [لا يجوز بيع الثمار قبل بدوِّ الصلاح]
1930 - قول "التنبيه" [ص 93]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 285]: (ولا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إلا بشرط القطع) فيه أمور:
أحدها: شرطه: أن يكون المقطوع منتفعًا به؛ كحصرم لا كَكُمّثْرَى، وقد ذكره "المنهاج" 627، وقد يقال: لا حاجة لذكره؛ فإن كل مبيع شرطه ذلك، فذكر "المنهاج" له لبيان صورة المسألة لا لاشتراط يخص هذا الباب.
ثانيها: محل ذلك: ما إذا باعها منفردة، فإن باعها مع الأصل .. لم يحتج لذلك، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 628.
ثالثها: صورة المسألة: أن يبيع الثمرة على شجرة نابتة، فلو قطع شجرة عليها ثمرة ثم باع الثمرة وهي عليها .. جاز من غير شرط القطع؛ لأن الثمرة لا تبقى عليها، فينزل ذلك منزلة625626
الحديث: 1929 - الجزء: 1 - الصفحة: 786
الشرط، ذكره في "الروضة" من زوائده 629، وهو وارد على "المنهاج" أيضًا.
1931 - قول "التنبيه" [ص 93]: (فإن باع الثمرة قبل بُدوِّ الصلاح من صاحب الأصل، أو الزرع الأخضر من صاحب الأرض .. جاز من غير شرط القطع) كذا صححه في "أصل الروضة" في (باب المساقاة) عند الكلام في هرب العامل 630، ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا، ونقلا في هذا الباب عن الجمهور تصحيح البطلان أيضًا، وعليه مشى "المنهاج"، وهو مقتضى إطلاق "الحاوي" 631، لكن إذا شرط القطع في هذه الصورة .. لا يجب الوفاء به، وقد نبه عليه في "المنهاج" 632، وصورته: أن يبيع الشجرة لشخص، وتبقى الثمرة له، ثم يبيعه الثمرة، أو يوصي لإنسان بثمرة، فيبيعها لصاحب الشجرة، أو يبيع الثمرة بشرط القطع ثم يشتريها قبله.
1932 - قولهم - والعبارة لـ"التنبيه" -: (ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع 633 فيه أمور:
أحدها: أنه ينبغي أن يقال: (إلا بشرط القطع أو القلع)، وكذا في "المحرر" 634.
ثانيها: عبارة "المحرر": (الزرع الأخضر والبقول)، وكذا في "الحاوي" 635، وأراد "التنبيه" و"المنهاج" بالزرع: ما ليس بشجر، فيدخل فيه البقول.
ثالثها: محل ذلك: إذا باعه منفردًا، فإن كان مع الأرض .. فلا يشرط القطع، وقد صرح به "المنهاج" و"الحاوي" 636.
1933 - قول "المنهاج" [ص 232]: (وما له كمامان؛ كالجوز واللوز والباقلاء .. يباع في قشره الأسفل، ولا يصح في الأعلى) فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بقوله: (كمامان) غير مستقيم؛ لأنه جمع، والمفرد: كمامة، وكم بالكسر فالصواب: أن يقول: كمامتان أو كمان؛ لأن مراده: فردان من أفراد الأكمة، ذكره في "المهمات".
ثانيهما: يستثنى من ذلك: قصب السكر، فيجوز بيعه وهو مستور بقشره، كما في "المطلب"
الحديث: 1931 - الجزء: 1 - الصفحة: 787
عن "الحاوي" 637، وفي "شرح المهذب" المسمى بـ "الاستقصاء": ولعل ذلك؛ لأن قشره الأسفل يجري مجرى باطنه؛ لأنه قد يُمص معه، فصار كأنه في قشر واحد كالرمان، ومنع في "التنبيه" بيع الباقلاء والجوز واللوز في قشريه، ولم يصرح بطرد ذلك في كل ما له كمامتان 638.
1934 - قول "الحاوي" [ص 285]: (والبطيخ، والثمار قبل الصلاح دون الأصل) أي: فإنه لا يصح بيعها قبل بُدُوِّ الصلاح إلا بشرط القطع إلا أن يبيعها مع أصولها، وما ذكره في البطيخ موافق لبحث الرافعي، ومخالف لمنقوله؛ فإنه حكى عن الإمام والغزالي: أنه إذا باع البطيخ مع أصله .. لا بد من شرط القطع؛ لتعرضها للعاهة، بخلاف الشجر مع الثمرة، فلو باع البطيخ مع الأرض .. استغنى عن شرط القطع، فالأرض كالشجر، ثم قالط الرافعي: ومقتضى ما ذكرناه في بيع الأصول وحدها إذا لم يخف اختلاطه: أنه لا حاجة إلى شرط القطع 639.
فتبع "الحاوي" هذا البحث، وجزم به 640.
1935 - قول "المنهاج" [ص 232]: (وبدوُّ صلاح الثمر: ظهور مبادئ النضج والحلاوة فيما لا يَتَلوَّن، وفي غيره: بأن يأخذ في الحمرة أو السواد) عبارة "المحرر": (ظهور مبادئ النضج والحلاوة، وذلك فيما لا يتلوّن: بأن يتموّه ويلين، وفيما يتلون: بأن يأخذ في الاحمرار والاسوداد) 641، ومقتضاها: أن بدو الصلاح: بظهور مبادئ النضج والحلاوة مطلقًا، غير أنه يعرف بالتلوّن فيما يتلوّن، وفي غيره؛ كالعنب الأبيض: باللين والتموه؛ أي: بالصفاء وجريان الماء فيه، وجعل في "المنهاج" ظهور مبادئ النضج والحلاوة قسيمًا للتلوّن، والذي في "المحرر" هو المعروف.
قال الرافعي: وهذه الأوصاف وإن عرف بها بدو الصلاح .. فليست شرطًا فيه؛ لأن القثاء لا يتصور فيه شيء منها، بل يستطاب أكله صغيرًا وكبيرًا، وإنما يبدو صلاحه: بأن يكبر بحيث يُجنى في الغالب ويؤكل، وأكله في الصغر نادر، وكذا الزرع لا يتصور فيه ذلك، وصلاحه: اشتداده، فالعبارة الشاملة أن يقال: صيرورتها إلى الصفة التي تطلب غالبًا لكونها على تلك الصفة.
انتهى 642.
الحديث: 1934 - الجزء: 1 - الصفحة: 788
وعبارة "التنبيه" [ص 93]: (وبدو الصلاح: أن يطيب أكله) أي: المعتاد؛ ليخرج بذلك الحصرم والقثاء والباذنجان وإن أكل صغيرًا.
1936 - قوله: (فإذا وجد ذلك في بعض الجنس في البستان .. جاز بيع جميع ما في البستان من ذلك الجنس) 643 أي: بشرط الاتحاد في العقد، وقد ذكر ذلك "المنهاج" و"الحاوي" 644.
1937 - قول "التنبيه" [ص 93]- والعبارة له - و"المنهاج" [ص 232]: (وإن تلفت الثمرة بعد التخلية .. ففيه قولان، أحدهما: أنها تتلف من ضمان البائع، والثاني - وهو الأصح -: أنها تتلف من ضمان المشتري) فيه أمور:
أحدها: أن محل القولين: أن تتلف بآفة سماوية، وعليه يدل تمثيل "المنهاج" بالبرد، وقد ضبطه النووي بخطه بفتح الراء وإسكانها، وكلاهما سماوي، أما لو سرقت .. فالمذهب: أنها من ضمان المشتري، وقيل: بطرد القولين، وبه قطع العراقيون.
ثانيها: يستثنى من القولين أيضًا: ما إذا تلفت بعد أوان الجذاذ بزمن يُعَدُّ التأخير به تضييعًا .. فهي من ضمان المشتري قطعًا، صرح به في "الكفاية"، وحكاه الرافعي عن الإمام، وأنه قال: لا مساغ للخلاف فيه 645.
ثالثها: ويستثنى أيضًا: ما لو تلف بترك البائع السقي .. فالمذهب: القطع بأنها من ضمان البائع، وقد ذكره "الحاوي" بقوله [ص 285]: (وإن ترك وتلف .. انفسخ).
رابعها: ويستثنى من القولين أيضًا: ما لو باع الثمرة مع الشجرة، وخلى بينه وبينها، فتلفت .. فهي من ضمان المشتري بلا خلاف، كما ذكره الرافعي والنووي 646، لكن حكى شيخنا الإمام البلقيني عن نصه في "الأم" إجراء القولين فيه أيضًا 647، وكذا لو باعها لصاحب الشجرة، فتلفت بعد التخلية .. فهي أيضًا من ضمان المشتري بلا خلاف، كما ذكره في زوائد "الروضة" 648، وأجرى شيخنا الإمام البلقيني فيه الخلاف تخريجًا مما تقدم، وهو واضح.
1938 - قول "المنهاج" [ص 232]: (فلو تعيب بترك البائع السقي .. فله الخيار) الذي في "المحرر": (لو تعيب بها؛ أي: بالجائحة .. فله الخيار) 649، فغيره "المنهاج" إلى التعيب
الحديث: 1936 - الجزء: 1 - الصفحة: 789
بترك السقي، واعتذر عنه في "الدقائق" لأن ثبوت الخيار بالتعيب بالجائحة إنما يكون على القول القديم 650، وكذا قال شيخنا الإسنوي: الذي يظهر أن ما في "المحرر" مفرع على القديم، ولكن سقط المفرع عليه.
قال شيخنا ابن النقيب: وهو واضح من حيث الفقه، لكن كلام "الشرح" و"الروضة" صريح في تفريعه على الجديد، أو على كل قول، فحكى كلامًا من "الروضة" هو عليه؛ لأنه إنما هو في التعيب بترك السقي لا في التعيب بالجائحة، فراجعه تجده كذلك 651.
1939 - قوله: (ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يقطع حتى هلك .. فأولى بكونه من ضمان المشتري) 652 كذا في "المحرر" و"الشرح" 653، وصورها في "الروضة": بما إذا بيعت بعد الصلاح وحكمها عند شرط القطع واحد 654، فالصواب: حذف التقييد بما قبل الصلاح وما بعده.
1945 - قول "التنبيه" [ص 93]: (وإن اشترى ثمرة فلم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى، أو جِزَّةً من الرطبة فلم يأخذها حتى طالت، أو طعامًا فلم يأخذه حتى اختلط به غيره .. ففيه قولان، أحدهما: ينفسخ البيع، والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: إن تركت حقك .. أقر العقد، وإن لم تترك .. فسخ البيع) فيه أمور:
أحدها: محل القولين: في ثمرة يندر تلاحقها فلم تقطع حتى اختلطت، أو يغلب تلاحقها وشرط القطع عند خوف الاختلاط، فلم تقطع حتى اختلطت، فلو غلب التلاحق ولم يشترط القطع .. بطل البيع من أصله، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 655.
ثانيها: الأصح: الثاني، وهو عدم الانفساخ، بل يثبت الخيار، وقد ذكره "المنهاج" كذلك 656، وفصل "الحاوي" فقال: بالخيار فيما يندر تلاحقه، وبالانفساخ فيما يغلب تلاحقه وشرط قطعه، فلم يقطع حتى اختلط، وعبارته: (وما غلب اختلاطه بشرط القطع؛ فإن وقع .. بطل، وفيما يندر .. الخيار)، وتبع الغزالي؛ فإنه صححه في "وجيزه" 657، لكن الذي في "الروضة" وأصلها: التسوية بين الحالتين 658، وصحح الانفساخ مطلقًا النووي في "شرح
الحديث: 1939 - الجزء: 1 - الصفحة: 790
الوسيط" والسبكي، ونقله في "المهمات" عن الأكثرين.
ثالثها: ما ذكره تفريعًا على التخيير من البداية بالقول للبائع حكاه في "المطلب" عن نص الشافعي والأصحاب، ورجحه السبكي، وعكس "المنهاج" تبعًا لأصله فقال [ص 233]: (يتخير المشتري، فإن سمح له البائع بما حدث .. سقط خياره) وكذا في "الحاوي" فيما يندر اختلاطه فقال [ص 285]: (وفيما يندر الخيار إن لم يهب البائع ما تجدَّد)، ومقتضاه: جواز مبادرة المشتري للفسخ، إلا أن يبادر البائع ويسامح .. فيسقط خياره.
رابعها: محل ما ذكروه في التخيير: إذا وقع الاختلاط قبل التخلية، أما إذا وقع بعدها؛ فإن اتفقا على شيء .. فذاك، وإلا .. فالمصدق ذو اليد في قدر حق الآخر، وهل اليد في الثمرة للبائع أو للمشتري أو لهما؟ أوجه من غير ترجيح في "الروضة" 659، وعبارة الرافعي تقتضي ترجيح المشتري؛ فإنه بنى الخلاف على أن الجوائح من ضمان البائع أو المشتري 660.
خامسها: قد يفهم من تخيير المشتري تعاطيه الفسخ بنفسه، وليس كذلك، بل معناه: رفع الأمر إلى الحاكم، ويكون الحاكم هو الذي يفسخ، حكاه في "الكفاية" عن أبي الطيب والماوردي من غير مخالفة 661.
قال في "المهمات": وهو متجه؛ فإن هذا الفسخ ليس للعيب، بل لقطع المنازعة، قال: واستفدنا من كونه لقطع المنازعة أن لا يكون على الفور؛ كالفسخ بعد التحالف.
سادسها: محل الخلاف في الطعام: إذا لم يُعلم قدر أحدهما، وإلا .. فلا انفساخ قطعًا، لكن يخير المشتري.
1941 - قول "التنبيه" [ص 93]: (وإن كانت الشجرة تحمل حملين، فلم يأخذ البائع ثمرته حتى حدثت ثمرة المشتري واختلطت ولم تتميز .. ففيه قولان، أحدهما: أن البيع ينفسخ، والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: إن سلمت الجميع .. أجبر المشتري على قبوله، وإن امتنع .. قيل للمشتري: إن سلمت الجميع .. أجبر البائع على قبوله، وإن تشاحا .. فسخ العقد) فيه أمران:
أحدهما: محل القولين: فيما إذا كانت الثمرة يندر تلاحقها، فلم يقطعها البائع حتى اختلطت، أو يغلب تلاحقها وشرط القطع عند خوف الاختلاط، فلم يَقْطَع حتى اختلطت، فلو غلب التلاحق ولم يشترط القطع .. بطل البيع، كما في المسألة التى قبلها، كذا في "الروضة" وأصلها 662.
الحديث: 1941 - الجزء: 1 - الصفحة: 791
وقال شيخنا الإمام البلقيني: هذا مردود؛ فإن المبيع هنا الشجرة، والشجرة لا خلل فيها، فاشتراط القطع لا معنى له، بخلاف الصورة الأولى، وهي بيع الثمرة التي يغلب تلاحقها؛ فإن المبيع تلحقه الآفة، فأشبه بيع الثمار قبل بدو الصلاح لا يصح إلا بشرط القطع.
انتهى.
ثانيهما: الأصح: الثاني، ولم يتعرض "المنهاج" و"الحاوي" لهذه الصورة، ويعود فيها ما سبق في التي قبلها من التنبيهات.
1942 - قولهم في تفسير العرايا - وهو في "التنبيه" و"الحاوي" في (الربا) -: (بيع الرطب ... إلى آخره) 663 قد يخرج البسر، وليس كذلك، بل حكمه كحكم الرطب، كما صرح به الماوردي 664.
1943 - قول "التنبيه" [ص 91]: (في خمسة أوسق قولان) الأصح: لا يجوز، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 665، فلو باع أكثر من المشروع في عقدٍ .. فالذي يقتضيه كلام الرافعي وغيره: البطلان في الكل، وبه صرح الماوردي 666، وحكى الجوري قولين؛ ثانيهما: يلحق بتفريق الصفقة.
1944 - قوله: (وفيما سوى الرطب والعنب من الثمار قولان) 667 الأصح: أنه لا يجوز، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 668.
1945 - قول "المنهاج" [ص 233]- والعبارة له - و"الحاوي" [ص 265]: (ولو زاد في صفقتين .. جاز) اعلم أن الصفقة تتعدد هنا بتعدد المشتري قطعًا، وبتعدد البائع في الأصح، عكس القاعدة المتقدمة أنها تتعدد بتعدد البائع قطعًا، وبتعدد المشتري على الأصح، فلو باع واحد لاثنين في صفقة بحيث يخص كل واحد القدر الجائز .. جاز، ولو باع رجلان لرجل .. فالأصح: الجواز أيضًا.
1946 - قول "المنهاج" [ص 233]: (ويشترط التقابض) أي: في المجلس.
1947 - قوله: (والأظهر: أنه لا يختص بالفقراء) 669 قد يتبادر إلى الفهم أن المراد بالفقر هنا:
الحديث: 1942 - الجزء: 1 - الصفحة: 792
المذكور في (قسم الصدقات)، وليس كذلك، وإنما المراد به: عدم النقد، كما صرح به المتولي والجرجاني، قال السبكي: وقصة محمود بن لبيد في سؤاله زيد بن ثابت ترشد له، قال: ونقل الروياني عن المزني: أنه لا يجوز إلا للمعسر المضطر، قال: ولعل هذا تسمّح في العبارة 670. قلت: لا شك أنه لم يُرد ظاهر الاضطرار والإعسار، والظاهر: أن مراده: الإعسار من النقد، فهو موافق لما تقدم، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 793
باب اختلاف المتبايعين
1948 - قول "التنبيه" [ص 96]: (إذا اختلف المتبايعان في ثمن السلعة أو في شرط الخيار أو الأجل أو قدرهما ولم يكن لهما بينة .. تحالفا) فيه أمور:
أحدها: تناول كلامه ما إذا كانا مالكين، أو وكيلين، أو مالكًا ووكيلًا، وفي تحالف الوكيلين وجهان في الرافعي من غير ترجيح 671، وقال في "الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: التحالف.
انتهى 672.
وهو مقتضى كلام الرافعي في (الصداق) 673.
ثانيها: في معنى اختلاف المتبايعين: اختلاف وارثيهما أو أحدهما ووارث الآخر، وقد ذكره " المنهاج دا بعد ذلك بقوله [ص 234]: (واختلاف ورثتهما كهما) لكنه لم يصرح باختلاف أحدهما ووارث الآخر، وهو واضح.
ثالثها: في معنى البيع: سائر عقود المعاوضة، قال الإمام: إلا قبل عمل القراض والجعالة 674.
رابعها: لابد في التحالف من اتفاقهما على جريان عقد صحيح، فلو لم يتفقا على عقد واحد .. فلا تحالف، وقد أشار إليه "التنبيه" بعد ذلك بقوله [ص 97]: (وإن قال: "بعتك هذه الجارية"، وقال: "بل زوجتنيها" .. حلف كل واحد منهما على نفي ما يُدعى عليه)، وإن ادعى أحدهما صحة العقد والآخر فساده .. فقد ذكره "التنبيه" بعد ذلك في قوله: (وإن اختلفا في شرط يفسد البيع 675 وسنتكلم عليه.
خامسها: قوله: (في ثمن السلعة) أي: قدرًا أو جنسًا أو وصفًا، وقد صرح "المنهاج" بذكر القدر والصفة، وسكت عن الجنس؛ لأنه مفهوم من طريق الأولى 676، وهو في "المحرر" 677، وصورة الاختلاف في القدر: أن يكون ما يدعيه البائع أكثر، وإلا .. فليس للاختلاف فائدة، وقد نبه عليه الرافعي في (الصداق) 678، وضابط ما يقع فيه الاختلاف: صفة العقد، فالتعبير به أولى؛ لأنه أعم.
الحديث: 1948 - الجزء: 1 - الصفحة: 794
سادسها: قوله: (ولم يكن لهما بينة) وكذا إذا كان لكل منهما بينة وقلنا بالتساقط، وقد أحسن "الحاوي" التعبير عن ذلك بقوله [ص 288]: (وإن اختلف المتعاقدان أو الوارث في صفة عقدِ معاوضةٍ اتفقا على صحته ولا بينة، أو لكلٍّ بينةٌ) فسلم من جميع ما نبهنا عليه، وسلم "المنهاج" من الرابع والخامس بقوله [ص 234]: (إذا اتفقا على صحة البيع، ثم اختلفا في كيفيته ... إلى آخر كلامه).
1949 - قولهما: (ويُبدأ بالبائع) 679 أي: ندبًا، كما صرح به "الحاوي" 680، ثم قال الإمام: هذا إذا كان الثمن في الذمة، أما إذا تبادلا عرضًا بعرض .. فلا يتجه إلا التسوية 681، قال الرافعي: وينبغي تخريجه على أن الثمن ماذا؟ 682
وناقشه في "المطلب" لأن مأخذ البداءة قوة جانب على جانب، كما ذكروه في تعليل الأقوال، وذلك مفقود هنا.
1950 - قول "المنهاج" [ص 234]: (والصحيح: أنه يكفي كل واحدٍ يمينٌ تجمع نفيًا وإثباتًا) يفهم أنه لو أتى بيمينين .. جاز، وقال السبكي: لم أر فيه تصريحًا، وعبارة الماوردي تشعر بالمنع، وقد يقال: إذا عرضهما الحاكم عليه .. له أن يمتنع.
انتهى 683.
وعبارة "التنبيه" و"الحاوي" تقتضي الاقتصار على يمين واحدة أيضًا 684، وإنما الإيراد على ما تفهمه لفظة: (يكفي) من جواز يمينين، وأنه أكمل.
1951 - قول "المنهاج" [ص 234]: (ويُقدَّم النفي) وكذا صوّره "التنبيه" 685، وهو في "الحاوي" بقوله [ص 288]: (على النفي ثم الإثبات) وقد يفهم من عبارتهم الإيجاب، وليس كذلك، وإنما هو على الاستحباب؛ ولذلك عبر "المحرر" بقوله: (ينبغي أن يقدم النفي) 686.
1952 - قولهما: (ولقد بعت بكذا) 687 مخالف لتعبير "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" بقوله: (وإنما بعت بكذا 688، والأول أحسن؛ لأن الذي يُراد من الحصر من النفي قد
الحديث: 1949 - الجزء: 1 - الصفحة: 795
استُفيد من قوله أولًا: (ما بعت بكذا).
1953 - قول "التنبيه" [ص 97]: (فإن تراضيا بأحد الثمنين .. أقر العقد، وإن لم يتراضيا .. فسخا العقد) أي: على سبيل البدل، حتى لو فسخه أحدهما .. انفسخ، ولا يحتاج لاجتماعهما عليه إلا في وجه، حكاه في "الكفاية"، وقد صرح به "المنهاج" بقوله [ص 234]: (وإلا .. فيفسخانه أو أحدهما أو الحاكم) و"الحاوي" بقوله [ص 288]: (ثم فسخ الحاكم أو من أراد منهما)، وفي بعض نسخ "التنبيه": (فُسِخ العقد) على البناء للمفعول، وهو أحسن.
1954 - قول "التنبيه" [ص 97]: (وإن اختلفا في عين المبيع فقال البائع: "بعتك هذه الجارية"، وقال المشتري: "بل بعتني هذا العبد" .. لم يتحالفا، بل يحلف البائع أنه ما باع العبد، ويحلف المشتري أنه ما ابتاع الجارية) للمسألة حالتان:
إحداهما: أن يكون الثمن معينًا .. فيتحالفان كما لو اختلفا في جنس الثمن، وقد عبر عنه شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" بـ (الصواب) 689، وهو يقتضي عدم الخلاف فيه.
والثانية: أن يكون في الذمة، وهي صورة "التنبيه"، والأصح فيها أيضًا: التحالف؛ فإن في "الروضة" في الصداق في (باب الاختلاف): أن الزوج إذا قال: أصدقتك أباك، فقالت: بل أمي .. أن الصحيح: التحالف 690، والرافعي لما ذكرها .. قال: إن هذا هو الخلاف فيما إذا اختلفا في عين المبيع 691، ولذلك رجح في "الشرح الصغير" في هذا الباب: التحالف، وعلى ذلك مشى شيخنا الإسنوي في "تصحيحه" 692، لكنه قال في "المهمات": الأصح: عدم التحالف؛ فقد نص عليه في "البويطي" في السلم.
انتهى.
ونازع في "الكفاية" الرافعي في قوله: إن الخلاف في مسألة: (أصدقتك أباك)، فقالت: بل (أصدقتني أمي) هو الخلاف فيما إذا اختلفا في عين المبيع، وقال: ليست نظيرها؛ لأن كلًا من العوضين هنا غير معين، أما المبيع: فلم يتفقا عليه، وأما الثمن: فما في الذمة لا يتعين إلا بالقبض، وإنما نظيره لو كانا معينين، وما لو قال: (بعتك هذا العبد بهذا الألف)، فقال: (بل بعتنيه مع هذا الآخر بالألف)، كما صرح به المحاملي والماوردي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم 693.
الحديث: 1953 - الجزء: 1 - الصفحة: 796
قال النووي في "نكته": وصورة المسألة: أن يختلفا في الثمن أيضًا، وظاهر إيراد ابن الرفعة يقتضي أن ذلك ليس بشرط.
1955 - قول "المنهاج" [ص 234]: (فإن كان وقفه أو أعتقه أو باعه أو مات .. لزمه قيمته) 694 كذا أطلق في "الروضة" لزوم القيمة 695، ومحل الوفاق فيه: إذا كان متقومًا، وإلا .. فالذي صححه الماوردي: وجوب القيمة أيضًا 696، والمشهور كما قال ابن الرفعة في "المطلب": وجوب المثل، وصححه السبكي، قال: والمصنف موافق في إطلاقه لأكثر الأصحاب، ويجب تقييد كلامهم.
انتهى.
وهو كالخلاف في البيع الفاسد، والأصح فيه: وجوب المثل، وسواء في وجوب القيمة كانت أكثر مما ادعاه البائع أم لا على الأصح.
1956 - قوله: (وهي قيمة يوم التلف في أظهر الأقوال) 697 كذا في "المحرر" أن الخلاف أقوال 698، لكن رجح في "الروضة" وأصلها: أنه أوجه 699.
1957 - قول "التنبيه" [ص 97]: (وإن اختلفا في شرط يفسد البيع .. فالقول قول من يدعي الشرط في أحد القولين، والقول قول من ينكر ذلك في الآخر) فيه أمور:
أحدها: أن اختلافهما في شرط مفسد مثال لا يختص الحكم به، فلو قال أحدهما: إن الثمن ألف، والآخر: إنه زق خمر، أو غير ذلك من الصور التي يدعي أحدهما فيها صحة العقد والآخر فساده .. كان الحكم كذلك؛ ولهذا عبر "المنهاج" و "الحاوي": بدعوى الصحة والفساد 700، وهو أعم، فالضبط به أولى، وقطع القاضي حسين بالبطلان فيما إذا رجع للعوض لكونه خمرًا أو مجهولًا.
ثانيها: الذي في "الروضة" وأصلها: أن الخلاف وجهان 701، وعليه مشى "المنهاج" فعبر بـ (الأصح) 702، وسبب ذلك أنهما مخرجان، فيعبر عنهما بالقولين تارة، وبالوجهين أخرى.
الحديث: 1955 - الجزء: 1 - الصفحة: 797
ثالثها: الأصح: تصديق مدعي الصحة، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي" 703.
رابعها: يستثنى من هذه القاعدة مسائل:
الأولى: إذا باع ذراعًا من أرض وهما يعلمان ذرعانها، فادعى البائع أنه أراد ذراعًا معينًا حتى يفسد العقد، وادعى المشتري الإشاعة ليصح .. فأرجح الاحتمالين في "الروضة": تصديق البائع 704.
الثانية: إذا اختلفا في أن الصلح وقع على الإنكار أو مع الاعتراف .. فأنه يصدق مدعي الإنكار على الصواب، كما قاله في "الروضة" من زياداته 705؛ لأنه الغالب.
الثالثة: لو قال المشتري: (ما رأيت المبيع)، فقال البائع: (بل رأيته) .. ففي "فتاوى الغزالي": أن القول قول البائع 706، قال الرافعي: ولا ينفك هذا عن خلاف 707، قال النووي: هذه مسألة اختلافهما في مفسد للعقد، وفيها الخلاف المعروف، والأصح: أن القول قول مدعي الصحة، وعليه فرعها الغزالي 708، وقال في "المهمات": إنه مردود نقلًا وبحثًا؛ فقد ذكر الشيخ أبو على والشيخ أبو محمد والقاضي حسين والمتولي والروياني والجرجاني وغيرهم: أن القول قول المشتري؛ لأنه أعلم بنفسه، فعلى هذا تستثنى هذه من القاعدة.
الرابعة: عكسه، قال المشتري: (رأيت المبيع)، وأنكر البائع، فذكر البغوي والعمراني في "فتاويهما": تصديق البائع، وقال القفال في "فتاويه": إن سُمع من البائع إقرار بالبيع مطلقًا .. لم يلتفت لقوله، وإن لم يسمع منه إلا كذلك .. فقد أقر بالبيع، ولكن وصل به ما يبطل إقراره، فيخرج على القولين، قال: والحكم في عكسه كما ذكرنا.
الخامسة: قال السيد: كاتبتك وأنا مجنون أو محجور عليَّ، وعرف للسيد ذلك .. صدق، كما ذكره الرافعي في بابه 709، فلو ادعى اتحاد النجم، وادعى المكاتب تعدده .. فحكى الرافعي عن البغوي: تصديق السيد أيضًا، ورأى النووي طرد الخلاف 710.
السادسة: قال الجرجاني في "الشافي": فيما إذا قال المشتري: بعتني هذا العصير وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 798
خمر، وقال البائع: بل عصير وصار خمرًا .. أن القول قول مدعي الفساد، ولكن الرافعي جعلها على الخلاف 711.
السابعة: قال الروياني: إذا كان في يد المشتري خل فقال: باعنيه خمرًا، وصار عندي خلًا، وقال: ما بعته إلا خلًا .. فالقول قول المشتري، قال السبكي: وهو أشكل من قول الجرجاني.
خامسها: قال السبكي: للاختلاف في الصحة والفساد مراتب:
الأولى: أن يجري في صفة المعقود عليه، مثل أن يقول: الذي وقع العقد عليه حرُّ الأصل أو أم ولد أو ملك غير البائع .. فالذي جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين: أن القول قول البائع، وجعلوه أصلًا قاسوا عليه أحد الوجهين؛ لأن قول مدعي الفساد لم يعتضد بأصل، فاعتضاد قول مدعي الصحة بالظاهر سالم من المعارض، لكن الجرجاني قال ما نقلناه عنه، وجعله الرافعي على الخلاف، وأظن ذلك تفقهًا منه لا نقلًا، ولا يظهر فرق بين ذلك والاختلاف في ملك المبيع إلا أن الموجود في يد البائع خمر، ودعوى كونه كان عند العقد عصيرًا على خلاف الظاهر، بخلاف الحرية وعدم ملك المبيع ليس معنا دليل عليه، وملاحظة هذا يقتضي الجزم بقبول دعوى الفساد أو ترجيحه، وهو خلاف مقتضى ترجيح الرافعي.
الثانية: أن يختلفا في صفة العقد والمفسد زائل بحيث لو لم يوجد .. لصح العقد؛ كالاختلاف في شرط أجل مجهول أو خيار مجهول أو زائد على الثلاث، وكل شرط يقتضي انضمامه للعقد فساد العقد .. فهذا محل الخلاف، والأصح: قبول قول مدعي الصحة.
الثالثة: أن يختلفا في شيء يكون وجوده شرطًا لصحة العقد؛ كالرؤية، فذكر مسألة الرؤية.
الجزء: 1 - الصفحة: 799
بابٌ العبد المأذون
1958 - كذا ترجم في "التنبيه" 712، وفيه أمور:
أحدها: أنه حذف الجار والمجرور؛ للعلم به، والتقدير: المأذون له.
ثانيها: أن الترجمة بذلك أعم من ترجمة الشافعي له بمداينة العبيد؛ لأن الباب ليس مقصورًا على المداينة فقط، كما نبه عليه الرافعي 713، ولهذا ترجم في "الروضة" بمعاملات العبيد 714.
ثالثها: تبع "المنهاج" الشافعي رضي الله عنه في وضعه هذا الباب هنا 715، وقدمه "الحاوي" على (اختلاف المتبايعين)، كما في "الروضة" وأصلها 716، وأخره "التنبيه" إلى بعد (القراض) 717، لمشاركته له في تحصيل الربح بالإذن في التصرف، فمقصودهما واحد.
رابعها: لو عبروا بالرقيق .. لكان أولى؛ ليتناول الأمة على أن ابن حزم الظاهري ذكر أن لفظ العبد يتناول الأمة 718، والله أعلم.
1959 - قول "المنهاج" [ص 235]- والعبارة له - "والحاوي" [ص 285]: (العبد إن لم يؤذن له في التجارة .. لا يصح شراؤه بغير إذن سيده في الأصح) حكى الماوردي وأبو الطيب مقابله - وهو الصحة - عن الجمهور 719، قال السبكي: وفي النفس منه - أي: من تصحيح الفساد - شيء، ومن يلتزم تصحيح ما عليه الأكثر ينبغي أن يصحح الصحة هنا، ولا سيما لم ينهض دليل قوي على فساده.
1960 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ويسترده البائع سواءٌ كان في يد العبد أو سيده) كان ينبغي أن يقول: (سواءٌ أكان في يد العبد أم سيده)، فحذف الهمزة وأتى بـ (أو) موضع (أم).
1961 - قول "التنبيه" [ص 120]: (إذا كان العبد بالغًا رشيدًا .. جاز للمولى أن يأذن له في التجارة)، قال النشائي في "نكته": لم أر التصريح باعتبار رشده إلا في "التنبيه"، ولا يقال: هو مفهوم من علة صحة العبارة؛ فإن كل مكلف صحيح العبارة لا سيما من لم يحجر عليه بعد رشده.
انتهى 720.
الحديث: 1958 - الجزء: 1 - الصفحة: 800
وحُكي عن الماوردي أنه صرح باعتبار رشده أيضًا، واعتُرض على "التنبيه": بأنه يشمل من بلغ رشيدًا وطرأ عليه السفه في المال، ولا بد من إنشاء حجر عليه على الأصح في الحر، والظاهر: أن العبد مثله، فإذا أذن له سيده قبل إنشاء حجر .. صح تصرفه مع أنه غير رشيد.
قلت: لا يحتاج لإنشاء حجر على العبد، بل يُكتفى بالحجر العام المستمر، والله أعلم.
1962 - قوله: (فإن أذن له في التجارة .. لم يملك الإجارة، وقيل: يملك ذلك في مال التجارة ولا يملك في نفسه) 721 الثاني هو الأصح، وعليه مشى "المنهاج" و"الحاوي"، فمنعا إجارة نفسه 722، ومفهومه: جواز إجارة غيره، ويستثنى من منع إجارة نفسه: ما إذا أذن له السيد فيه .. فإنه يجوز.
1963 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ولا يأذن لعبده في التجارة) أي: بغير إذن السيد، فإن أذن له السيد .. جاز، وقد ذكره "الحاوي" 723، ومحل المنع أيضًا في الإذن: في التجارة مطلقًا، فلو أذن لعبده في تصرف خاص .. صح عند الإمام والغزالي 724، وعليه مشى "الحاوي" 725، ومقتضى كلام البغوي منعه 726، وليس في "الروضة" وأصلها تصريح بترجيح 727.
1964 - قول "المنهاج" [ص 235]: و"الحاوي" [ص 285]: (ولا ينعزل بإباقه) أي: فله التصرف في البلد الذي أبق إليه، ويستثنى منه: ما إذا خص السيد الإذن ببلدة.
1965 - قول "المنهاج" [ص 235]: (ومن عَرَفَ رق عبدٍ .. لم يعامله حتى يعلم الأذن) ينبغي أن يقول: (رق شخص) لأن العبد معلوم الرق، أما من لا ترف حريته ولا رقه .. فأصبح القولين: جواز معاملته، ومحلهما: في غير الغريب، أما الغريب: فيجوز جزمًا، للحاجة، قاله في "المطلب"، والمراد بعلم الإذن: ظنه؛ فإن البينة إنما تفيد الظن، وفي "المحرر" و"الروضة": (حتى يعرف) 728.
1966 - قوله: (ولا يكفي قول العبد) 729 أي: في أنه مأذون، أما من علم أنه مأذون، فقال:
الحديث: 1962 - الجزء: 1 - الصفحة: 801
(حجر عليّ سيدي) .. لم تجز معاملته ولو قال السيد: لم أحجر عليه في الأصح؛ لأنه العاقد، وهو يقول: إن العقد باطل، وقد ذكر ذلك "الحاوي" بقوله [ص 286]: (وفي الحَجْر قولُهُ وإن جحده السيد).
1967 - قول "المنهاج" [ص 235] و"الحاوي" [ص 286]: (بسماع سيِّده أو بينةٍ أو شيوعٍ بين الناس) يقتضي أنَّه لا يجوز بخبر عدل واحد، قال السبكي: وينبغي أن يجوز؛ لأنه يحصل الظن وإن كان لا يكفي عند الحاكم.
1968 - قول "المنهاج" [ص 235]: (فإن باع مأذون له وقبض الثمن، فتلف في يده، فخرجت السلعةُ مستحقةً .. رجع المشتري ببدلها على العبد) أي: ببدل العين، وهو سهو، والذي في "الروضة" و"المحرر": (ببدله) 730 أي: بدل الثمن، وهو الصواب.
1969 - قوله: (وله مطالبة السيد أيضًا، وقيل: لا، وقيل: إن كان في يد العبد وفاءٌ .. فلا، ولو اشترى سلعةً .. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف)، ثم قال: (ولا يتعلق دين التجارة برقبته، ولا ذمة سيده) 731 فما ذكره من أن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد مخالف لقوله قبله: إن السيد يطالب ببدل الثمن التالف فى يد العبد وبثمن السلعة التى اشتراها أيضًا، وقد وقع الموضعان كذلك في "المحرر" و"الروضة" وأصلها 732، واقتصر "الحاوي" على الموضع الأول فقال [ص 286]: (وطولب بالديون [وإن عتق؛ كالعامل والوكيل] 733 برب المال).
قال في "المطلب": ولا يجمع بينهما بحمل الأول على مجرد المطالبة، والثاني على بيان محل الدفع؛ فإن الوجه الثالث المفصل يأبى ذلك.
قال السبكي والإسنوي: وسبب وقوع هذا التناقض أن المذكور أولًا هو طريقة الإمام 734، وأشار في "المطلب" إلى تضعيفها، وثانيًا هو طريقة الأكثرين ممن وقفت على كلامهم، فجمع الرافعي بينهما 735، فلزم منه ما لزم، وحمل شيخنا الإمام البلقيني قولهم: (إن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد) على أن المراد: بسائر أمواله.
1970 - قول "التنبيه" [ص 120]: (وما يلزم من دين التجارة يجب قضاؤه من مال التجارة، فإن بقي شيء .. اتبع به إذا عتق) يقتضي أنَّه لا يتعلق بما يكسبه قبل الحجر من احتطاب ونحوه،
الحديث: 1967 - الجزء: 1 - الصفحة: 802
والأصح: خلافه، وقد ذكره "المنهاج" و"الحاوي" 736، ويقتضي أيضًا أن السيد لا يطالب به، وقد عرفت ما فيه.
1971 - قول "التنبيه" [ص 121]: (وإن اشترى من يعتق على مولاه بغير إذنه .. لم يصح الشراء في اْصح القولين) قال شيخنا الإمام البلقيني: هذا التصحيح مخالف لما صححه الشَّافعي؛ فإنه ذكر في "الأم" في (باب دعوى الولد) في ذلك قولين، ثانيهما: أنَّه يعتق عليه، وقال: وهذا أصح القولين، وبه آخذ.
انتهى 737.
ومحلهما: إذا أذن له في شراء العبيد، فإن لم يأذن له في ذلك .. لم يصح قطعًا، قاله صاحب "المعين"، وفيه نظر.
1972 - قوله: (وإن اشترى أباه - أي: أبا السيد - بإذنه .. صح الشراء، وعتق عليه إن لم يكن عليه - أي: على العبد - دين، وإن كان عليه دين .. ففي العتق قولان) 738 أصحهما في "تصحيح التنبيه": أنَّه لا يعتق 739، وليس في "الروضة" وأصلها تصحيح، وفي "المطلب" في (باب القراض) عن الأصحاب: أن فيه الخلاف في عتق الراهن، وأشار إليه الرافعي أيضًا بتشبيهه بالمرهون 740. قال في "المهمات": فيكون الصحيح: التفصيل بين الموسر وغيره، ولا يتجه غيره، ولو قال: (وإن اشتراه) .. لكان أحسن، ليعود الضمير على المذكور أولًا، وهو من يعتق على مولاه، فيكون أعم وأبعد من الإيهام، على أن قوله: (أباه) ليس في نسخة المصنف كما قيل.
1973 - قول "الحاوي" [ص 287]: (وإتلافه الوديعة) أي: و"ما يؤدي بدل الوديعة عند إتلافه إياها من كسبه ومال التجارة.
اعترض عليه: بأنه إن كان الاستيداع بإذن السيد - وهو الذي يشعر به كلامه - .. فالمنقول: أنَّها وديعة عند السيد، فالضمان عليه؛ لأنه بإبقائها في يده مسلط له على الإتلاف، وإن كان بغير إذنه .. تعلق الضمان برقبته على الأصح، وبذمته على وجه، ولا تعلق له بالكسب، ففي أي صورة يتعلق الضمان بالكسب ومال التجارة؟
وأجيب عنه: بأن قياس تعلقه بالذمة عند عدم الإذن تعلقه بالكسب عند وجوده؛ لأن الإمام
الحديث: 1971 - الجزء: 1 - الصفحة: 803
وغيره أطلقوا أن ما وجب برضا صاحب الحق وإذن السيد يتعلق بالذمة والكسب 741، وإن قلنا: يتعلق بالرقبة عند عدم الإذن .. فيحتمل أن يقول هنا: يتعلق بالكسب؛ لأن العدول إلى الرقبة عند عدمه لفقد شيء يتعلق به غيرها، وقد وجدنا هنا الكسب، وليس من شرط التعلق به إذن السيد في الإتلاف، ألا ترى أن الذي اشتراه العبد فاسدًا أو صحيحًا يتعلق بالكسب، ولم يأذن السيد في إتلافه، ويحتمل أن يقال: يتعلق بالرقبة، ذكره السبكي، وقال: فقد ظهر لكلام "الحاوي" محمل على حال، وقد أشكل على جماعة.
انتهى.
1974 - قوله: (ويسري) 742 أي: إذا وَهْب للمأذون جزء بعض السيد - كأبيه وابنه - فقبل .. فإنه يسري، كذا ذكره الرافعي في أثناء العتق، واستشكله النووي، وقال: ينبغي المنع؛ لدخوله في ملكه قهرًا كالإرث 743، وكذا صحح: عدم السراية في "الروضة" وأصلها في (الكتابة)، وحكيا السراية وجها في "الوسيط" 744.
قال في "المهمات": والصواب: السراية؛ لأن قبول العبد كقبوله شرعًا؛ ولهذا صححوا: أن السيد يحلف على البت حيث حلف على نفي فعل عبده؛ وعللوه: بأن فعله كفعله.
1975 - قولهما: (وإن ملكه السيد مالًا .. لم يملكه في أصح القولين) 745 احترزا بتمليك السيد عما لو ملكه أجنبي؛ فإنه لا يملكه بلا خلاف، كما ذكره الرافعي 746، لكن صرح بإجراء القولين في تمليك الأجنبي أيضًا الماوردي والقاضي الحسين 747.
1976 - قول "التنبيه" [ص 121]: (ولا يبيع بنسيئة) محله: إذا دفع السيد إليه مالًا، فإن قال: اتجر بجاهك .. فله البيع والشراء في الذمة وبالأجل والرهن والارتهان، فإن فضل في يده مال .. فهو كالذي دفعه له السيد، والله أعلم 748.
الحديث: 1974 - الجزء: 1 - الصفحة: 804