كل فصل من هذه الفصول فهو مشتمل على ثلاثة أشياء, ما هو في نفسه وما قسمته, وما حكمه.
لأن بمعرفة هذه الأشياء الثلاثة يتحصل الغرض في كل ما يفسر [في هذه المقدمة] وبالله التوفيق.
قال الشيخ رحمه الله: أما قولنا: «الاسم ما أبان عن مسمى, شخصًا كان أو غير شخص, مثل: رجل وامرأة وزيد وهند ونحوه من المرئيات.
وعالم ومعلوم ونحوه من الصفات.
وعلم وقدرة وفهم ونحوه من المعاني».
فإن هذا جواب عن السؤال الأول, وهو ما الاسم؟.
ولما كانت الأسماء الظاهرة لا تنفك من أن تكون عبارة عن أشخاص, أو عبارةً عن صفات, أو عبارةً عن معانٍ, انقسمت إلى هذه الأقسام المذكورة.
فالأشخاص تعرفها بأنها مرئيات, كرجل وامرأة وزيد وهند [وشبه ذلك].
ولما كانت الأشخاص لا تنفك من أن تكون مذكرة أو مؤنثة مثل بالأمرين.
ولما كان المذكر والمؤنث لا ينفك من أن يكون معرفةً أو نكرة مثل أيضًا بالمعرفة كما مثل بالنكرة, وهو زيد وهند [ورجل وامرأة].
والصفات تعرفها بأنها تكون جارية على الموصوفين.
ومثال جريانها قولك: هذا رجل عالم, ورأيت رجلًا عالمًا, ومررت برجلٍ
عالم.
وكذلك كل صفة من نحو آكل وشارب ونحوهما من صفات الفعلية.
وأحمر وأصفر ونحوهما من صفات الحلية.
ومصري ومغربي ونحوهما من صفات النسبة.
كل هذه صفات لأنها جارية على الموصوفين.
والمعاني تعرفها بأنها مصادر كالعلم والقدرة, مصدر علم علمًا, وقدر قدرة.
ولا تجري هذه صفات كالتي قبلها.
لا تقول: هذا رجل علم, كما تقول: هذا رجل عالم.
فإذا أردت ذلك ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تأتي بـ «ذي» التي بمعنى «صاحب», فتقول: هذا رجل ذو علمٍ, ورأيت رجلًا ذا علمٍ, ومررت برجل ذي علمٍ.
والوجه الثاني: أن تقول: هذا رجل له علم.
فيكون «علم» مبتدأ, و «له» خبرًا مقدمًا [عليه], والجملة في موضع [رفع على] الصفة لرجل.
والكلام جملتان.
فـ «هذا» مبتدأ, و «رجل» خبره, و «له علم» جملة ثانية في موضع الصفة لرجل لا تتغير في نصب ولا جر.
تقول في النصب: رأيت رجلًا له علم, فموضع الجملة [الثانية] نصب.
وتقول في الجر: مررت برجلٍ له علم, فموضع الجملة الثانية جر أيضًا, نعت لرجل.
وليس للجملة الأولى موضع من الإعراب.
لأن الجمل التي لها موضع من الإعراب ثلاث, الجملة التي تكون خبرًا لمبتدأ, والجملة التي تكون صفة, والجملة التي تكون حالًا.
فالجملة التي تكون صفة قد مثلناها.
والتي تكون خبرًا كقولك: هذا أبوه منطلق, فـ «أبوه» منطلق جملة من مبتدأ [وخبر في موضع رفع خبر لـ «هذا» الذي هو مبتدأ أول, «وأبوه» مبتدأ] ثانٍ, و «منطلق» خبر للأب, والأب وخبره خبر «هذا» والجملة التي تكون حالًا نحو قولك: هذا زيد أبوه منطلق.
فـ «هذا» مبتدأ,
و «زيد» خبره, و «أبوه منطلق» جملة من مبتدأ وخبره في موضع نصب على الحال.
كأنك قلت: هذا زيد منطلقًا أبوه, أي أشرت إليه في حال انطلاق أبيه.
[4] فقد بان/ لك [معرفة] الجمل التي لها موضع من الإعراب, من الجمل التي لا موضع لها من الإعراب.
وهذا يأتي في موضعه مستوفى إن شاء الله تعالى.
وإنما ذكر هذا القدر لما ذكر الاسم الذي هو معنى, وكيف يصح أن يوصف به.
وقد بان [لك] أنه إن وصفت به على طريق الإفراد قلت: هذا رجل ذو علم.
وإن وصفت به على طريق الجملة قلت: هذا رجل له علم.
وإن وصفت به على طريق الاتساع والمبالغة, على حد قولهم: هذا رجل عدل, وهذا رجل رضى, فإنك تقول على هذا: هذا رجل علم.
كأنه لكثرة علمه وفهمه جعلته نفس العلم.
كما جعلته عدلًا لما كثر عدله, ورضى لما كثر الرضى عنه [ألا ترى أنك لو قلت قولًا محققًا قلت: هذا رجل مرضي عنه فطال [ذلك], وعرفت الأشخاص بما قدمته لك, فليس يخرج عن ذلك اسم ظاهر معرب.
وأما قولنا: «وإنما لقب هذا النوع اسمًا لأنه سما بمسماه فأوضحه وكشف
معناه».
فإن هذه طريقة البصريين, لأن الاسم عندهم مشتق من السمو, والسمو هو العلو.
فالاسم هو الذي أبان عن المسمى, شخصًا كان أو صفة أو معنى, فرفعه إلى العقل وأخرجه إلى الوجود.
فلولا الاسم لما عرف المسمى.
وقال الكوفيون: إن الاسم إنما سمي اسما لأنه اشتق من السمة التي هي العلامة.
والصحيح هو [القول] الأول أن اشتقاقه من السمو.
لأن لام السمو واو تكون أخيرًا, وفاء السمه واو تكون أولًا, من وسمت [اسم] سمة.
فلو كان الاسم مشتقًا من السمة لوجب أن يقال في جمعه «أوسام», وفي قوله «أسماء» دليل على أن أصله «أسماو», وقلبت الواو الأخيرة همزة [لأن قلبها ألفا] بعد أن قلت ألفًا.
ودليل آخر, وهو قولهم في تصغير اسم «سمي» وأصله «سميو», قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
ولو كان من السمة لوجب أن تقول فيه «وسيم» أو «أسيم», فتقع الواو أولا.
فإن شئت أقررتها [على حالها] وإن شئت همزتها على حد «وقتت» و «أقتت».
وفي عدم ذلك وأنه لم يقل دليل على أنه مشتق من السمو [لا من السمه].
وأما قولنا: «وقسمة الأسماء [كلها] ثلاثة: ظاهر, ومضمر, وما بينهما وهو يسمى المبهم».
فإن هذا جواب [عن] القسمة التي تعرف بها الجملة, فتنحصر لك الأسماء كلها, ولا يشذ عنك شيء منها.
فإن قيل: فما الحاجة إلى قسمتها ثلاثة, وألا جعلت كلها ظاهرة أو مضمرة [أو أسماء إشارة]؟.
قيل: لكل واحد من ذلك غرض صحيح.
فالغرض بالأسماء الظاهرة البيان [عن ذات المسمى] كرجل وزيد.
والغرض بالأسماء المضمرة الاختصار من نحو: أنا وأنت وهو.
والغرض بأسماء الإشارة التنبيه من نحو: ذا [وذه] وذان وتان وألاء.
والغرض بكل واحد من هذه الثلاثة غرض صحيح لا يغني عنه الآخر.
ولا يخلو كل اسم ظاهر من جواز الثلاثة فيه.
وأما قولنا: «أما الظاهر فهو كل ما دل بظاهره وإعرابه على المعنى المراد به».
فإن الدلالة دلالتان: دلالة تدل دلالة الذات, ودلالة تدل دلالة الإعراب.
فدلالة الذات هي التي تدل على ذات الشيء في نفسه.
ودلالة الإعراب هي التي تدل على عوارضه التي تعرض فيه.
ألا ترى أنك إذا قلت: ما أحسن زيد [بإسكان النون والدال], يفهم من «زيد» معنى الشخصية, وهي ذاته.
ولا يعرف ما قصدت [إليه] من المعاني, من نفي الإحسان عنه, أو إثبات الحسن له, أو الاستفهام عن ذلك.
فإذا أردت النفي قلت: ما أحسن زيد, برفع «زيد».
وإذا أردت إثبات الحسن [له] على طريق التعجب قلت: ما أحسن زيدًا, بالنصب.
وإذا أردت الاستفهام جررت «زيدا» ورفعت «أحسن» فقلت: ما أحسن زيد؟.
فهذه معانٍ ثلاثة لم يفرق لك بين كل واحد منها وبين الآخر إلا الإعراب.
فبان لك أن الاسم الظاهر ما دل بظاهره وإعرابه على المعنى المراد به.
وبان لك شدة الحاجة إلى معرفة الإعراب كمعرفة الذات.
وكما لا يصح أن تجهل معرفة الذات فيما هذه سبيله, كذلك لا يصح أن تجهل معرفة الإعراب.
لأن البيان مرتبط بهما جميعًا.
وأما قولنا: «وجملة الأسماء الظاهرة المعربة عشرة أنواع».
فإنه لما كانت الأسماء على أنواع كثيرة, من أسماء صحيحة, وأسماء معتلة.
وأسماء مفردة, وأسماء مضافة.
وأسماء منصرفة, وأسماء غير منصرفة.
[وأسماء منقوصة, وأسماء غير منقوصة.
وأسماء مقصورة, وأسماء غير مقصورة].
وأسماء مثناة, [وأسماء غير مثناة].
وأسماء مجموعة [جمع السلامة],
[وأسماء مجموعة جمع التكسير], ولكل واحد من ذلك حكم في الإعراب يخالف الآخر, وجب أن يجمل ذلك على ما ذكرنا من قولنا, ثم يفسر ليقع الحصر.
وأن يبدأ بالأقوى فالأقوى على ما يأتي بيانه [إن شاء الله تعالى].
[5] فلذلك قلنا: «منها نوع أول يدخله الرفع والنصب والجر/ والتنوين.
وذلك كل اسم مفرد صحيح منصرف».
وقولنا: «مفرد» احتراز من التثنية والجمع [السالم, لأن إعرابه كإعراب التثنية والجمع] بالحروف لا بالحركات.
[ما خلا جمع التكسير فإن إعرابه كإعراب الأسماؤ المفردة].
وقولنا: «صحيح» احتراز من المعتل الذي آخره ياء [خفيفة قبلها كسرة] كالقاضي والداعي.
أو ألف كالفتى والمولى.
فإن هذا لا يدخله رفع ولا جر.
وقولنا: «منصرف» احتراز مما لا ينصرف [مثل أحمد وأحمر].
لأن ما لا ينصرف لا يدخله تنوين ولا جر.
وكل ما كان على هذا الشرط دخله الرفع والنصب والجر والتنوين, لأنه متمكن أمكن لم يعرض فيه ما يخرجه من التمكن, فاستوعب الإعراب كله.
مثل: هذا فلس وفرس, ورأيت فلسًا وفرسًا, ومررت بفلس وفرس.
وأما قولنا: «مثل: فلسٍ, وفرسٍ, وكتفٍ, وعضدٍ, وحبرٍ, وعنبٍ, وإبلٍ, وقفلٍ, وصردٍ, وعتقٍ».
فإن هذه الأمثلة العشرة كلها ثلاثية.
وهي جامعة لأصول الثلاثي كله.
ورتبت هذا الترتيب لأنه بديء بالأخف فالأخف منها.
فأخفها فعل مثل فلس,
بفتح الأول وسكون الثاني.
وفرس أخف من كتف, لأن المفتوح العين أخف من المكسور العين.
وكتف أخف من عضد.
لأن المكسور العين أخف من المضموم العين.
فهذه أربعة أمثلة أولها مفتوح.
ثم ننتقل إلى المكسور الأول الساكن الثاني وهو خبر فتجده أخف من عنب.
ثم عنب [فتجده] أخف من إبل, لأن الكسرة الواحدة أخف من الكسرتين.
ثم ننتقل إلى المضموم الأول [الساكن الثاني] وهو قفل فتجده أخف من صرد.
ثم صرد.
[فتجده] أخف من عنق.
وعلى هذا الترتيب.
فكملت عشرة.
وعرفت وجه ترتيبها, والعلة في كثرتها [وكون بعضها أخف من بعض].
وأما قولنا: «ومثل: جعفر, وزبرج, وبرثن, ودرهم, وقمطر وجخدب [عند الأخفش]».
فإن هذه الأمثلة الستة أوزان لجميع أصول الرباعي.
ووزن كل واحد غير وزن الآخر.
لكنه يجمعها كلها كونها رباعيةً.
كما أن العشرة الأول
مختلفة الأوزان ويجمعها كلها كونها ثلاثية.
وأما قولنا: «ومثل: سفرجلٍ, وقرطعبٍ, وجحمرشٍ, وقذعملٍ».
فإن هذه الأمثلة الأربعة أوزان لجميع أصول الخماسي.
ووزن كل واحد غير وزن الآخر يجمعها كلها كونها خماسية.
فقد صار أمثلة [الأسماء] الأصول كلها عشرين مثالًا.
عشرة ثلاثية, وستة رباعية, وأربعة خماسية.
وليس في شيء منها خلاف إلا [في] وزن جخدب.
فإن الأخفش.
بضم الدال بوزن فعلل كبرثن.
وأما قولنا: «وكل ما جاء من هذه الأسماء [وشبهها] بعد «نفعنى» وشبهه فهو فاعل مرفوع.
وكل ما جاء منها بعد «نفعت» وشبهه فهو مفعول منصوب.
وكل ما جاء منها بعد «انتفعت بكذا أو من كذا» [وشبهه] فهو مجرور».
فإن القصد بهذا التمثيل تعريف التصرف في إعراب هذه المثل العشرين.
وما أشبهها من جميع الأسماء الظاهرة الصحيحة المفردة المنصرفة لتنصرف في ذلك.
ولما كانت [هذه] الأسماء لا تخلو من أن تكون مرفوعة أو منصوبة
أو مجرورة - والرفع إنما يكون للفاعل وما أشبهه, والنصب إنما يكون للمفعول وما أشبهه, والجر إنما يكون بحرف الجر وما أشبهه - مثل لكل واحد من ذلك بمثال لتقيس عليه سائر المثل.
فنفعني وشبهه, من ضربني وخاطبني وحدثني, فعل ومفعول [مضمر], وليس بعد الفعل والمفعول إلا الفاعل.
ولذلك وجب أن يكون مرفوعًا.
ونفعت وشبهه, من ضربت وخاطبت وحدثت, فعل وفاعل [مضمر], وليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول.
فلذلك وجب أن يكون منصوبًا.
وانتفعت بكذا أو من كذا وشبهه من قولك لكذا أو إلى كذا أو عن كذا أو على كذا, فجميع ذلك حروف جر, وليس بعد حرف الجر إلا المجرور.
فلذلك وجب أن تقول: نفعني زيد, ونفعت زيدًا, وانتفعت بزيدٍ.
وكذلك حكم الرباعي والخماسي في الإعراب.
وأما قولنا: «وكل ذلك إذا وصل بكلام [بعده] ثبت فيه تنوينه وحركته.
وإذا وقف عليه سقط منه تنوينه وحركته غالبًا.
ما خلا النصب فإنه يبدل من التنوين فيه ألف».
فإن الإعراب له حالتان, حال وصل, وحال وقف.
فحال الوصل يقتضي ثبات الإعراب للبيان.
وحال الوقف يقتضي زوال الإعراب للاستراحة.
فلذلك قيل: إذا وصل بكلام ثبت فيه تنوينه وحركته [وإذا وقف عليه سقط منه حركته وتنوينه].
فثبات حركته دليل على رفعه أو نصبه أو جره, وثبات تنوينه دليل على صرفه.
وإذا وقف عليه زالت الحركة, ثم تبع الحركة التنوين في الزوال, لأن التنوين تابع للحركة, ولما زالا سكن حرف الإعراب, [6] فقلت في الرفع: نفعني زيد.
وفي الجر: انتفعت / بزيد.
وإنما قلنا «غالبا» احترازًا من وجوه أخر تجوز في الوقف على المرفوع, وهي الإشمام والروم والتضعيف ونقل الحركة.
والسكون هو الأصل الأغلب الأكثر من هذه الوجوه فلذلك قلنا «غالبا».
فمن سكن فهو الأصل لأنه سلب الحركة [بالجملة].
ومن أشم أو رام أو نقل أو ضاعف فإنما هو حرص على بيان الحركة التي كانت في الوصل.
وأما المنصوب فليس فيه في الغالب إلا وجه واحد, وهو أن تبدل من التنوين ألفًا.
وإنما تثبت الحركة في المنصوب [في الوقف] لخفتها.
وأبدل من التنوين ألف للفرق بين حال الوقف والوصل.
ولئلا يلتبس بالنون الأصلية والملحقة.
وكل من أسقط الإعراب في الوصل
[فهو] مخطيء.
وكل من أثبته في الوقف مخطيء أيضًا.
فلذلك شرط [هذا] الشرط المذكور.
وأما قولنا: «ومنها نوع ثانٍ يدخله الرفع والنصب والجر من غير تنوين.
وهو جميع ما ذكرناه إذا كان مضافًا إلى غير ضمير متكلم, أو فيه ألف ولام».
فإن هذا النوع [هو] الثاني من الأنواع العشرة.
وليس ينقص عن القسم الأول إلا حذف التنوين.
وإنما لم يجمع بين «الألف واللام» والتنوين من قبل أن «الألف واللام» دليل على التعريف, والتنوين في الأصل دليل التنكير فلم يجمع بينهما.
فلذلك قلنا: نفعني الغلام, ونفعت الغلام, وانتفعت بالغلام.
وكذلك الإضافة لا يجمع بينها وبين التنوين, لأن التنوين دليل الانفصال, والإضافة دليل الاتصال, ولا يكون الشيء منفصلًا متصلًا في حال [واحد].
فلذلك تقول: نفعني غلام الرجل, وغلامه وغلامك.
وإنما قلنا: «إذا كان مضافًا إلى غير [ضمير] المتكلم» احترازًا من مثل «غلامي», فإن هذا [ونحوه] لا يدخله إعراب بحال.
لأن ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا إذا كان حرفًا صحيحًا, تقول: نفعني غلامي, ونفعت غلامي, وانتفعت بغلامي.
وأما قولنا: «ومنها نوع ثالث يدخله الرفع والنصب ولا يدخله الجر ولا التنوين.
وهو كل اسم غير منصرف مما قد اجتمع فيه علتان فرعيتان من علل تسع.
أو ما يقوم مقامهما.
مثل: إبراهيم, وزينب وطلحة, وعمر, وعثمان, وأحمد, وحضرموت, وأحمر, وحمراء, وأحاد, وسكران, وسكرى, ومساجد».
فإن هذا هو النوع الثالث.
وهو ينقص عما تقدمه بشيئين, وهما الجر والتنوين.
وإنما نقص ذلك لأن كل ما لا ينصرف مشبه للفعل.
والفعل لا يكون فيه جر ولا تنوين.
وإنما أشبه الفعل لأنه قد اجتمع فيه علتان فرعيتان.
وإنما وجب أن يكون مشبهًا للفعل - باجتماع علتين فرعيتين فيه - من قبل أن الفعل نفسه فرع على الاسم.
وإنما كان فرعًا على الاسم من وجهين.
أحدهما: أن الفعل لا يستقل بنفسه ولابد له من اسم يكون معه.
والاسم قد يستقل بنفسه ولا فعل معه.
فدل ذلك على أن الفعل فرع على الاسم ومحمول عليه.
والجهة الأخرى: أن الأفعال مشتقة من المصادر التي هي أسماء عند المحققين من أصحابنا.
وإذا كانت مشتقة منها كانت فرعًا عليها.
فقد ثبت أن الأفعال فروع من الأسماء من الوجهين المذكورين.
وإذا وجد في الاسم علتان فرعيتان صار بتلك العلتين الفرعيتين مشبهًا للفعل الذي هو فرع على الاسم.
وبيان ذلك أن علل ما لا ينصرف تسع.
وتلك التسع هي: التعريف, والتأنيث, والتركيب, والعجمة, والزنة, والصفة, والجمع, والعدل, والألف
والنون الزائدتان.
وكل واحدة من هذه التسع فرع على غيرها.
فالتعريف فرع على التنكير.
والتأنيث فرع على التذكير.
والتركيب فرع على التوحيد.
والعجمة فرع على العربية لأنها مدخلة على كلام العرب.
والصفة فرع على الموصوف لأنها بعده.
والزنة فرع على الموزون.
والجمع فرع على الواحد.
والعدل فرع على المعدول [عنه].
والألف والنون الزائدتان فرع على المزيد عليه.
فقد ثبت بهذا البيان أن [هذه] العلل كلها فروع.
وإذا اجتمع في الاسم علتان فقد اجتمع فيه فرعان.
فأشبه بذينك الفرعين الفعل, فامتنع منه الجر والتنوين كما امتنعا من الفعل.
وقد مثل في [هذا] العقد باثني عشر اسمًا.
لأن كل اسم منها دليل على باب قائم بنفسه.
لأن باب ما لا ينصرف لا ينفك من اثنتي عشر مسألة, فالستة الأول منها احدى علتيها التعريف, وهي ابراهيم, وزينب وطلحة, وعمر, وعثمان/, وأحمد, وحضرموت.
ابراهيم: تعريف [7] وعجمة.
زينب تعريف وتأنيث معنوي.
طلحة: تعريف وتأنيث لفظي.
عمر: تعريف وعدل.
عثمان: تعريف وألف ونون مزيدتان.
أحمد: تعريف
وزنة.
حضرموت: تعريف وتركيب فهذه الستة متى نكرت انصرفت.
تقول: نفعني ابراهيم وابراهيم آخر [ونفعت ابراهيم وابراهيما آخر, وانتفعت بابراهيم وابراهيم آخر].
لما زال التعريف بالتنكير بقيت علة واحدة فانصرف.
وكذلك باقي [هذه] الستة تجري هذا المجرى.
فأما الستة الأخر التي هي: أحمر: صفة ووزن.
وحمراء: تأنيث لازم.
وأحاد: عدل وصفة.
وسكران: مشبهة بباب حمراء.
وسكرى: تأنيث لازم: ومساجد: جمع لا نظير له في الآحاد.
فجميع هذه [الستة] لا تنصرف وإن كانت نكرة.
وإذا لم تنصرف نكرة فأخرى ألا تنصرف معرفة.
فللك تقول: نفعني أحمر, وأحمر آخر.
ورأيت أحمر, وأحمر آخر.
وانتفعت بأحمر وأحمر آخر.
وكذلك الباقي.
فإن دخل على جميع ما لا ينصرف الألف واللام, أو الإضافة انجر في موضع الجر.
مثل: مررت بابراهيمكم ومساجدكم والمساجد.
لأن الألف واللام والإضافة يبعدانه من شبه الفعل [ويقربانه من شبه الاسم المتمكن]
فيدخل فيه ما يدخل في الاسم [المتمكن] وهو الجر.
وأما قولنا: «ومنها نوع رابع يدخله الرفع والجر مع التنوين, أو ما قام مقامه.
وهو كل [اسم] مؤنث مجموع بالألف والتاء, مثل الزينبات والمسلمات والحبليات والصحراوات.
ولا يدخله لفظ النصب».
فإن هذا هو النوع الرابع.
وهو يخالف ما قبله من القسم الثالث.
لأن لفظ الجر يدخله دون النصب.
والذي قبله يدخله لفظ النصب دون الجر.
فمنصوب هذا محمول على مجروره.
ومجرور ما لا ينصرف محمول على منصوبه.
وإنما حمل المنصوب على المجرور في هذا لأن جمع المؤنث السالم فرع [محمول] على جمع المذكر السالم.
فكما أنه قد حمل منصوب الجمع المذكر على مجروره في مثل: مررت بالمسلمين ورأيت المسلمين, كذلك حمل منصوب [هذا] المؤنث على مجروره في مثل: مررت بالمسلمات, ورأيت المسلمات.
فاعرفه.
ولما كان المؤنث لا يخلو من أربعة أقسام, مؤنث بغير علامة كزينب وسعاد, ومؤنث بعلامة هي تاء كمسلمة وصالحة, ومؤنث بعلامة هي ألف مقصورة كحبلى, وسكرى, ومؤنث بعلامة هي ألف ممدودة مثل صحراء
وطرفاء, مثل [من] ذلك بأربع مسائل لتقيس أنت عليها كل ما يجري هذا المجرى [إن شاء الله تعالى].
فما كان مثل زينب وسعاد وعقرب [مما لا علامة فيه للتأنيث], نظرت فإن كان معرفةً زدت على جميع ذلك ألفًا ولامًا [من أوله] ليكون كالعوض من تعريف العلمية الذاهب بالجمعية.
وإن كان نكرةً كعقربات وسلهبات, لم يلزمك ذلك.
إلا أن تريد تعريف من تخبره أو تخاطبه.
وما كان من هذا النوع - الذي لا علامة فيه للتأنيث - ثلاثيًا ساكن الأوسط مثل: دعد وعدٍ وهندٍ وجملٍ, فإن المفتوح الأول منه يحرك وسطه [في الجمع] فيقال: الدعدات والوعدات.
وما كان مضموم الأول جاز فيه ثلاثة أوجه: الضم على الطريق الاتباع, والفتح للتخفيف, والسكون على الأصل.
فتقول: الجملات والجملات [والجملات].
وما كان مكسور الأول فكذلك يكسر للاتباع.
ويفتح للتخفيف ويسكن على الأصل.
فتقول: الهندات والهندات والهندات.
وكل ما كان من هذا النوع الذي علامة تأنيثه تاء فإن فيه حذفًا في الجمع.
فإذا قلت: مسلمات, وصالحات [ونحوه], فإن أصله مسلمتات [وصالحتات].
حذفت التاء الأولى لئلا تجمع بين علامتي تأنيث.
وخصصت الأولى بالحذف دون الثانية لأن الثانية تدل على معنيين, وهما التأنيث والجمع, والأولى تدل على معنى واحد, وهو التأنيث [لا غير].
فكانت أولى بالحذف.
وكل ما جاءك من هذا النوع ثلاثيًا ساكن الأوسط, فما كان منه بوزن فعلةٍ كضربةٍ, وأكلةٍ, وشربةٍ, وجفنةٍ, وقصعةٍ, فإنك تحركه بالفتح في الجمع أبدًا إذا كان اسمًا.
مثل: ضربات, وأكلات, وشربات, وجفنات [وقصعات, ونحوه].
فإن كل صفة مثل: جارية خدلةٍ, وحالةٍ سهلةٍ, فإنك لا تحركه بل تبقيه ساكنًا على حاله, فرقًا بين الأسماء والصفات.
فتقول: جوارٍ خدلات وحالات سهلات.
وإنما لم يحركوا الصفة لثقلها بتضمنها ضميرًا لموصوف.
فلم تزد ثقلًا بالحركة.
وما كان من هذا النوع مضموم الأول كغرفةٍ وظلمةٍ, أو مكسور الأول ككسرةٍ وخرقةٍ, فإنه يجوز فيه ثلاثة أوجه.
الضم والفتح والسكون في المضموم.
والفتح والكسر والسكون في المكسور.
على ما تقدم من العلة.
فتقول [في المضموم]: ظلمات, [وظلمات وظلمات], بالضم / والفتح والسكون.
وتقول في المكسور: كسرات وكسرات وكسرات.
[8]
وهذا كله فيما عينه حرف صحيح.
فإن كان العين حرف علة, مثل: جوزة وبيضة وطوبة وتينة, فإن جميع ذلك يبقى ساكنًا لثقل الحركة على حرف العلة كما قال سبحانه (ثلاث عوراتٍ لكم), وقال تعالى: (في روضات الجنات).
وكل ما كان من [هذا] النوع الثالث - أعني الحبليات والسكريات - فإن ألف التأنيث تقلب فيه ياء.
وإنما قلبت ياء, ولم تحذف كما حذفت تاء التأنيث من «مسلمات», من قبل أن هذه علامة لازمة للتأنيث تتنزل منزلة الجزء من الكلمة.
بدليل قولهم: حبلى وحبالى, وكسرى وسكارى.
فلذلك ثبتت ولم تحذف.
ولما أن تثبت قلبت ياء فقلت «حبليات» [بتحريك الياء].
لأنك لو بقيتها ساكنةً لانحذفت لالتقاء الساكنين, فوجب قلبها ياء.
ولم تقلب واوًا ليفرق بينها وبين الألف الممدودة.
وكل ما كان من [هذا] النوع الرابع مثل صحراء وصحراوات, فإنك تبدل همزته واوًا في هذا الجمع فرقًا بينها وبين المقصورة.
والعلة في ثباتها كالعلة في ثبات المقصورة.
ولا يجمع من هذا النوع شيء بالألف والتاء وهو صفة, مثل حمراوات وصفراوات.
وإنما يجمع ما كان اسمًا لا صفةً, مثل: الصحراء والصحراوات, والخنفساء والخنفساوات.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس في الخضراوات صدقة».
قيل: الخضراوات هنا اسم للبقولات, ولم يقصد بها قصد
الصفة.
وإنما قصد به قصد الاسم فجرى مجرى طرفاء وطرفاوات, فاعرفه.
وبالله التوفيق.
وأما قولنا: «ومنها نوع [خامس] يدخله النصب وحده مع التنوين أو ما قام مقامه من ألف ولام أو إضافة.
ولا يدخله رفع ولا جر.
وهو كل اسم منقوص آخره ياء [خفيفة] قبلها كسرة مثل: القاضي وقاضٍ والمعطي والمنتمي والمستدعي».
فإن هذا هو النوع الخامس.
وإنما امتنع أن يدخله الرفع والجر لثقلهما على الياء المكسور ما قبلها.
ولذلك سمي منقوصًا لأنه نقص حركتين.
وبقي فيه حركة واحدة, وهي الفتحة في حال النصب.
فإذا قلت: هذا قاضٍ, ومررت بقاضٍ, ففيه عملان: حذف حركة, وحذف حرف.
فالحركة هي الضمة أو الكسرة, حذفت للثقل.
والحرف هو الياء حذفت لالتقاء الساكنين.
والساكنان هما التنوين والياء.
فإن قيل: فلم حذفت الياء دون التنوين؟.
فقل: لأن الياء على حذفها دليل, وهو انكسار ما قبلها, إذ الكسرة من الياء.
وليس على حذف التنوين دليل.
فإذا صرت إلى النصب لم تحذف حركة ولا ياءً.
تقول: رأيت قاضيًا.
لم تحذف الحركة لخفتها, ولم تحذف الياء لتحركها.
فإن كان في هذا المنقوص ألف ولام أو إضافة فليس فيه إلا حذف واحد, وهو الحركة وحدها.
لأنه لا تنوين مع الألف واللام ولا مع الإضافة.
فتثبت الياء ساكنة في الرفع والجر, ومفتوحة في النصب.
مثالها: هذا القاضي, ومررت بالقاضي, ورأيت القاضي.
فإن وقفت على منصوب هذا كان بالسكون لا غير, كالحروف الصحاح.
وإن وقفت على المرفوع والمجرور ففيه وجهان.
أجودهما إجراء الوقف مجرى الوصل, فيكون بالياء الساكنة, مثل: هذا القاضي.
ومررت بالقاضي.
والوجه الآخر حذف الياء منهما.
تقول: هذا القاض.
ومررت بالقاض.
وإنما حذفت الياء على هذا الوجه لأن «الألف واللام» معاقبة للتنوين, فأجريت الياء مع الألف واللام في الحذف مجراها مع وجود التنوين.
والمنصوب ليس في الوقف عليه إلا وجه واحد وهو بالياء الساكنة [لا غير] مثل: رأيت القاضي.
ولا يجوز: رأيت القاض, بغير ياء, كما جاز في المرفوع والمجرور.
لأن الياء قد قويت بالحركة في حال الوصل فلم تحذف في حال الوقف.
فأما الوقف على المنون المرفوع والمجرور فوجهان أيضًا.
أجودهما حذف الياء, فتقول في الوقف: هذا قاض, ومررت بقاض.
والوجه الآخر: هذا قاضي, ومررت بقاضي, باثبات الياء.
لأن التنوين لما زال في الوقف عادت الياء.
فإذا صرت إلى النصب فوجه واحد في الوقف [لا غير], وهو أن تبدل من التنوين ألفًا فتقول: رأيت قاضيا.
ومتى سكن ما قبل الياء جرى مجرى الصحيح فدخلها الرفع والنصب والجر.
وذلك مثل: هذا نحي وظبي ورمي ونهي.
ومررت بظبي ونحي وشبهه.
لأنه لما سكن ما قبلها خفت فلم تثقل عليها ضمة ولا كسرة.
وكذلك الياء المشددة يدخلها ضم الإعراب / وجره لأن احدى اليائين ساكنة لأجل الإدغام.
وذلك قولك: هذا كرسي وولي, ومررت بكرسي وولي.
فاعرفه.
فأما التمثيل بالقاضي والمعطي والمنتمي والمستدعي فإنما المقصد به [بيان] أن الطويل من الأسماء المنقوصة والقصير منها هذا حكمه.
وأقل
ما يكون على ثلاثة أحرف مثل: عمٍ وشجٍ وندٍ, حكمه كله كحكم قاض.
وأما قولنا: «ومنها نوع [سادس] يدخله التنوين وحده.
أو ما قام مقامه من ألف ولام, أو إضافة.
ولا يدخله رفع ولا نصب ولا جر.
وهو كل اسم مقصور آخره ألف مفرده مثل: العصا وعصًا, والمعطى والمنتمى إليه والمستدعى».
فإن هذا هو النوع السادس ويسمى مقصورًا.
وإنما سمي مقصورًا لأنه قصر عن الإعراب كله, أي حبس عنه فلم يدخله رفع ولا نصب ولا جر.
وإنما امتنع ذلك من قبل أن الألف ساكنة أبدًا لا تتحرك بحركة.
وتحريكها يؤدي إلى ردها إلى أصلها.
وردها إلى أصلها يؤدي إلى ثقل استعمالها.
لأن الوصل في «عصًا»: عصو.
وفي «فتى»: فتي.
فلما ثقل هذا وقد تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله, قلبته ألفًا بعد أن حذفت حركة الضمة التي كانت على الواو.
لأن حرف العلة لا يقوى بعد إيهانه بالسكون.
ولما قلبته ألفًا التقى ساكنان, الألف والتنوين, فحذفت الألف لالتقاء الساكنين.
وخصصتها بذلك دون التنوين لأن
على حذفها دليلًا, وهو الفتحة التي قبلها.
فإذا قلت: هذه عصًا, ومررت بعصًا.
ففيه قلب وحذف على ما شرحناه وهو أن الحذف حذفان, حذف الحركة للإيهان, وحذف الألف لالتقاء الساكنين.
وكذلك النصب, فإذا قلت: رأيت عصًا, ففيه قلب وحذفان.
حذف الألف المبدلة من الواو, وحذف الحركة, وقلب الألف المبدلة من الواو.
هذا كله كلام على الوصل.
فإذا وقفت عليه كان [هذا] كله بالألف.
واختلفوا في هذه الألف.
فعند سيبويه [رحمه الله] أنها في حال الرفع والجر المبدلة من لام الكلمة, وفي حال النصب المبدلة من التنوين, وقد انحذفت ألف الأصل.
وذهب آخرون إلى أنها في الأحوال الثلاث مبدلة
من التنوين.
والصحيح [هو] المذهب الأول.
لأن [المعتل] مقيس على الصحيح.
وقد ثبت أنك في الصحيح لا تحذف شيئًا.
ولا تبدل من تنوينه ألفًا, وإنما تبدل في حال النصب, مثل قولك: هذا قلم وقلم, ومررت بقلم وقلم, ورأيت قلما وقلما.
فقس على ذلك تصب إن شاء الله.
وأما قولنا: «ومنها نوع [سابع] لا يدخله تنوين ولا إعراب.
وهو مع ذلك اسم معرب حكمًا وتقديرًا.
وهو كل اسم آخره ألف تأنيث مقصورة, مثل: حبلى وسكرى وذكرى وجمادى».
فإن هذا هو النوع السابع.
وإنما حكمنا عليه بأنه معرب - مع عدم الإعراب فيه وعدم التنوين جميعًا - من قبل أنه لم يشبه الحرف فيكون مثل «الذي» و «التي».
ولم يتضمن معنى الحرف فيكون مثل «أين» و «كيف».
ولم يقع موقع الفعل المبني فيكون مثل «نزال» و «تراك».
لأن العلل الموجبة للبناء احدى هذه الثلاث.
ولما عدم ذلك حكمنا على هذه الكلم بأنها معربة.
وأن لم يكن فيها إعراب.
وألف التأنيث لا يدخلها إعراب ولا تنوين بحال من الأحوال, لأنها من جملة ما لا ينصرف, وكل ما لا ينصرف لا ينون بحال من الأحوال.
ولا ألفها منقلبة عن شيء.
بخلاف المقصور الذي قبلها.
فمن قال: هذه دنيًا, فقد أخطأ, وكذلك «حبلى» وما أشبهه.
وكذلك قول من قال: حبلاة ودنياة خطأ أيضًا.
لأنه جمع بين علامتي تأنيث, وذلك غير جائز.
فاعرف ذلك تصب إن شاء الله.
وأما قولنا: «ومنها نوع [ثامن] رفعه بالواو, ونصبه بالألف, وجره بالياء.
وهو ستة أسماء معتلة مضافة إلى ظاهر, أوم ضمر ليس بمتكلم, مثل قولك: أخوه, وأبوه, وحموه, وفوه, وهنوه, وذو مال».
فإن هذا هو النوع الثامن.
وهو أول شيء أعرب بالحروف, وهو على هذه الحالة.
لأن جميع ما تقدم من الأقسام السبعة معرب بالحركات [لفظًا أو تقديرًا على ما بينا].
وإنما أعربت بالحروف, وهي على هذه الحالة - أعني إذا كانت مضافة - لأنها أسماء حذفت لاماتها وضمنت معنى الإضافة.
فجعل إعرابها بالحروف كالعوض من حذف لاماتها.
وقيل: جعل إعرابها بالحروف
توطئةً لإعراب التثنية والجمع بالحروف, حتى لا يستوحش من الإعراب بالحروف لأن أصل الإعراب أن يكون بالحركات لا بالحروف.
وقيل: [إن] [10] إعرابها بالحروف على طريق الشذوذ / لأنه لا يقاس على هذه الستة غيرها من نحو يدٍ ودمٍ ونحوه من المحذوف اللام.
فأما تسمية هذه الأسماء الستة معتلة فلأن فيها حرف العلة, وهو الواو في «أخ», وأصله أخو.
وفي «أب», واصله أبو.
وفي «حم», وأصله حمو.
وفي «هن», وأصله هنو.
وفي «ذي مال», وأصله ذوي.
وفي «فم», وأصله فوه.
فهذا وحده لامه هاء.
والهاء مشبهة بحروف العلة فحذفت كحذفها.
فلذلك سميت أسماء معتلة.
أي اعتلت بحذف لاماتها في حال إفرادها, لأنها إذا أفردت أعربت بالحركات لا بالحروف.
فيقال: هذا [أخ] وأب وحم وفم وهن.
فإذا أضيفت أعربت بالحروف على ما تقدم تمثيله.
وقد اختلف الناس في هذه [الحروف] على أقوال مذكورة في عدة من الشروح.
لكن جملة ما تحتاج إلى معرفته في [شرح] هذه المقدمة حسب ما التمست - وفقك الله [تعالى] أن منهم من يقول: إنها حروف
إعراب دالة على الإعراب.
فالواو من قولك: هذا أخوك, هي حرف الإعراب, وعلامة الرفع.
وفي حال الجر [من قولك]: مررت بأخيك, الياء هي حرف الإعراب, وعلامة الجر.
والألف من قولك: رأيت أخاك, هي حرف الإعراب, وهي علامة النصب.
كما تقول في علامة التثنية من قولك: جاءني الزيدان, أنها حرف إعراب, وتدل على التثنية.
وكذلك الجمع السالم.
ومنهم من يقول: إنها معربة من مكانين بالحروف وبالحركات التي هي قبل هذه الحروف.
وهذا ذعيف لأنها لو كانت معربة من مكانين أو جهتين لاحتاجت إلى معربين أو عاملين.
وفي عدم القول بذلك دليل على فساده.
ومنهم من يقول: إنها أنفسها إعراب, وأن الواو كالضمة, والألف كالفتحة, والياء كالكسرة.
وهذا ضعيف [أيضًا].
لأن من جملة هذه الأسماء
«فوك», و «ذو مال», فلو كانت هذه الحروف كالحركات لأدى ذلك إلى أن يكون في الكلام اسم معرب على حرف واحد, وهو معدوم.
ومنهم من يقول: إنها على ثلاثة مراتب.
فإذا قلت في الرفع: هذا أخوك, فأصله «أخوك».
فنقلت من الواو إلى الخاء الضمة.
فإذا قلت في النصب: رأيت أخاك, فأصله «رأيت أخوك», فقلبتها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وإذا قلت: مررت بأخيك, فأصله «مررت بأخوك».
نقلت كسرة الواو إلى الخاء, ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فصار «بأخيك».
وصار فيه نقل وقلب.
وفي الذي قبله قلب فقط, وفي الأول نقل فقط.
وكان شيخ شيخنا رحمهما الله وهو الربعي يميل إلى هذا القول ويستحسنه.
ومنهم من يقول: إن هذه الحروف إشباع للحركات التي قبلها.
وإن الواو في قولك: هذا أخوك, مشبعة عن الضمة.
والألف في [قولك]: رأيت أخاك, مشبعة عن الفتحة.
والياء في [قولك]: مررت بأخيك, مشبعة عن الكسرة.
فهذا يعتقد أن الإعراب بالحركات, وأن هذه الحروف إشباع حدث عن الحركات.
وهذا ضعيف, وهو أضعف الكل.
لأن هذا لا يكون
إلا في ضرورة شعر, ولا داعي إلى هذا, ولا دليل عليه.
فهذه أقوال العلماء.
والذي تعتمد عليه [منها] أولها.
وهو مذهب صاحب الكتاب [رحمه الله, وبالله التوفيق].
فإن قيل: فأين تكون هذه الستة معربة بالحركات وإن كانت مضافة؟.
قيل: إذا صغرت أو كسرت.
فتصغيرها كقولك: هذا أخيه وأبيه وحميه وفويهه وهنيه وذوي مال.
فالضمة [هي] علامة الرفع.
وفي النصب: رأيت أخيه, فالفتحة [هي] علامة النصب, وإذا جررت قلت: مررت بأخيه, فالكسرة علامة الجر.
لأن هذه الأسماء لما صغرت عادت إليها لاماتها فأعربت بالحركات.
وكذلك إذا كسرت فقلت: هؤلاء إخوته وآخاؤه, ورأيت إخوته وآخاءه, ومررت بإخوته وآخائه.
معرب [كله] بالحركات سواء أضفته أو أفردته.
فإن قيل لك: أي شيء من هذه الستة لا يستعمل قط إلا مضافًا؟.
فقل: «ذو مال» وحدها.
لأنها لو أفردت لأدى الأمر إلى استعمال اسم ظاهر على حرف واحد.
فلذلك لم يستعمل إلا مضافًا.
ولا يضاف إلا إلى اسم جنس من نحو: مال [وفضل] وعقل, ونحوه, ولا يشاف إلى صفة.
لا يقال:
ذو صالح, ولا ذو طالح, لأنه إنما دخل وصلةً إلى وصف الأسماء بالأجناس.
ولا يضاف أيضًا إلى مضمر.
لا يقال: ذوه ولا ذوك, ونحوه, للعة المذكورة.
ومن ها هنا استضعف قول من يقول: اللهم صل على محمد وذويه, لإضافته إلى المضمر.
[11] فإن قيل: فأي اسم من هذه الستة إذا أضيف أعرب / بالحروف وإذا أفرد أبدل من حرف العلة غيره وأعرب بالحركات دون إخوانه؟.
فقل: فوه.
إذا أفرد أبدل من واوه ممًا, وأعرب بالحركات.
ولم يجمع بين الميم والإضافة إلا في الشعر [في قول بعضهم:
يصبح عطشان وفي البحر فمه
كالحوت لا يرويه شيء يلهمه]
مثاله: هذا فم, ورأيت فمًا, وعجبت من فم.
وإنما أبدل في الإفراد [من الواو] ممًا دون غيرها.
لأن الميم من مخرج الواو, [والواو] والميم من الشفتين, فهما متقاربتان.
فإن قيل: فما حكم هذه الأسماء الستة إذا أضيفت إلى ياء النفس؟.
قيل: لا يكون لها إعراب في اللفظ لا بحركة ولا بحرف, بل يكون مقدرًا.
لأن ياء النفس لا يكون ما قبلها إلا مكسورًا, كقولك: هذا أخي, ورأيت أخي, ومررت بأخي.
فياء النفس في موضع جر بالإضافة.
وما قبلها مكسور في الصحيح أبدًا.
وأنت مخير في إسكان هذه الياء و [في] تحريكها بالفتح.
فمن سكنها فحجته أنه استغنى بالحركة [التي] قبلها عن تحريكها مع طلبه للتخفيف فيها.
ومن حركها فحجته أنها على حرف واحد كالكاف ففتحها كفتحة الكاف, فقال: أخي, أبي, كما تقول: أخوك وأبوك.
فإن قيل: فأي اسم يضاف من هذه الأسماء الستة إلى ياء النفس ولا تكون ياء النفس فيه إلا محركة؟.
فقل: «الفم» إذا أضيف إلى ياء النفس, ومثاله: هذا في, وفتحت في, ووضعته في فِي.
فالياء مشددة مفتوحة لا غير.
فإن قيل: ومن أين جاء [هذا] التشديد؟.
ومن أين وجدت الفتحة؟.
فقل: أما التشديد فلأن «فوه» أصله «فوه», انحذفت الهاء ثم دخلت الياء فصار «فوي», فاجتمعت الواو والياء وقد سبقت الأولى منهما بالسكون, فقلبت الواو ياء, وأدغمت الياء المقلوبة في ياء الإضافة, وفتحت ياء
الاضافة, لأنك لا تدغم إلا في متحرك.
فلذلك وجب التشديد ووجب التحريك, فاعرفه.
فإن قيل: ما الفرق بين قولك: «هذا في» و «قد تكلم فلان في», وهل هما شيء واحد, أم شيئان مختلفان؟.
فالجواب أنهما شيئان مختلفان وأن اتفقا في اللفظ.
فإن قلت: هذا في, فأشرت إلى الفم, فهما اسمان احدهما مضاف إلى الآخر.
وإذا قلت: تكلم في, فإنها حرف واسم.
فالحرف «في» الذي معناه الوعاء, [والياء اسم].
فاللفظ متفق, والمعنى مختلف.
فإن قيل: فأي شيء من هذه الستة يعرب تارة بالحركة وتارة بالحرف وتارة بالتقدير؟.
فقل: «الحم».
وذلك أن فيها ثلاث لغات.
الهمز, والقصر, وأن تكون كأخواتها.
فمن همزها أعربها بالحركات فقال: هذا حمء, وحمؤك.
ورأيت حمًا, وحمأك.
ومررت [بحمءٍ و] بحمئك.
ومن قصرها فقال: هذا حمًا, كتفىً, كان الإعراب مقدرًا, وقال: هذا حماك [ورأيت حماك] ومررت بحماك.
فاعرف ذلك.
ومن قال: هم حم, كأخ وأبٍ, أعرب بالحروف فقال: هذا حموك, ورأيت حماك, ومررت بحميك.
فاعرف ذلك.
فإن قيل: كيف يضاف «الحم» في هذه اللغات الثلاث إلى [ياء] النفس؟.
فقل: إذا كان مهموزًا فإضافته كإضافة الأسماء الصحاح كلها, لأن الهمزة حرف صحيح.
تقول: هذا حمئي, كما تقول: هذا شيئي.
وكذلك النصب والجر.
وإذا كان مقصورًا فإضافته كإضافة المقصور.
فتقول: هذا حماي, ورأيت حماي, ومررت بحماي.
مثل فتاي وعصاي وهداي وبشراي.
وإذا كان كأخواته بقيته على حالته, فقلت: هذا حمي, ورأيت حمي, ومررت بحمي, كأبي وأخي.
والياء في هذه اللغات الثلاث يجوز تحريكها وتسكينها, إلا في لغة من قصر فلا تكون إلا متحركة لا غير, لأجل سكون الألف.
فلو سكنت الياء لجمعت بين الساكنين.
فأما قراءة من قرأ (ومحياي), بإسكان الياء.
فإنه غير مقيس عليها.
بل قراءة الجماعة أمضى وأشبه بالقياس.
ووجه هذه القراءة اعتقاد الوقف.
لأنه في الوقف يجمع بين ساكنين فيكون [الوقف] كالساد مسد الحركة, مع أنه قد استغنى بأحد الشرطين, وهو المد الذي في الألف.
والشرطان المراعيان اللذان يجوز الجمع فيهما بين ساكنين, هو أن يكون الساكن [الأول] حرف مد ولين, والثاني مدغمًا كدابةٍ, وشابةٍ, وتمود الثوب, وجيب بكرٍ.
وأما قولنا: «ومنها نوع [تاسع] رفعه بالألف, ونصبه وجره بالياء المفتوح ما قبلها.
وهو كل اسم مثنى, مثل الرجلين والمرأتين».
فإن هذا هو النوع التاسع.
والعلة في إعراب التثنية بالحروف, أن المثنى أكثر من الواحد فجعل إعرابه بشيء أكثر من إعراب الواحد, ولا أكثر من [12] الحركة إلا الحرف.
والعلة في اختصاص المرفوع بالألف دون الواو/, التي هي علامة الرفع, أنهم لو أعربوا المثنى في الرفع بالواو لالتبس بالجمع.
ولو بقوا الفتحة قبل الواو في التثنية, كما بقوا الضمة قبل الواو في الجمع, لالتبس بجمع المقصور.
لأن جمع المقصور يكون ما قبل الواو فيه مفتوحًا إذا قلت: المصطفون والمجتبون.
فإن قيل: فأي ليس يكون في هذا ونون التثنية مكسورة ونون الجمع مفتوحة؟.
قيل: النون عارضة تزول في الإضافة فيبقى الالتباس.
فلذلك عدل عن إعراب رفع التثنية بالواو إلى الألف, فقيل: جاءني الرجلان والمرأتان.
وفي الجر: مررت بالرجلين والمرأتين, وكذلك النصب.
والمنصوب محمول على المجرور دون المرفوع.
وإنما حمل على المجرور دون المرفوع لأن النصب أخو الجر.
وإنما كان أخاه لأنه يوافقه في كناية الإضمار من نحو: رأيتك, ومررت بك, ورأيته, ومررت به.
وهما جميعًا من حركات الفضلات - أعني الجر والنصب - والرفع من حركات العمد.
فلذلك حمل المنصوب على المجرور.
فإن قيل: كم في الأرض [من] علامة إذا قلت: الرجلان؟.
فقل: ثلاث علامات: [علامة] الرفع, وعلامة التثنية, وحرف الإعراب.
هذا مذهب
سيبويه.
لأن الجرمي يقول: الانقلاب بمنزلة الإعراب.
والأخفش يقول: هذه الحروف دلائل الإعراب.
والكوفيون يقولون إنها أنفسها إعراب.
والصحيح مذهب سيبويه [رحمه الله] أنها حروف [إعراب], أعني الألف في الرفع, والياء في النصب والجر.
ولا إعراب فيها, لا ظاهر ولا مقدر.
وإنما هي حروف إعراب وعلامة الإعراب.
فإن قيل: النون في التثنية لم دخلت, ولم حركت, ولم كسرت؟.
فقل: دخولها للعوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد.
وتحريكها لالتقاء الساكنين, الألف والنون.
وكسرتها على أصل التقاء الساكنين.
لأن الأصل في كل ساكنين التقيا أن يحرك الثاني [منهما] بالكسر, كهؤلاء وأمس ونزال [ودراك وتراك].
فإن قيل: فأي موضع تكون النون [فيه] عوضًا من الحركة وحدها, أو من التنوين وحده, أو منهما جميعًا؟.
فقل: ما لا يكون في واحده
إلا حركة فالنون [فيه] عوض من تلك الحركة, مثل: يا زيد, ويا زيدان, وجاءني الرجل والرجلان.
وما لم يكن في واحده إلا تنوين [فقط] مثل: عصًا وفتىً, فالنون عوض من [ذلك] التنوين وحده, مثل: هذا فتى, وفتيان.
ورأيت فتى وفتيين, ونحوه.
وما كان في واحده حركة وتنوين جميعًا فالنون [فيه] عوض منهما جميعًا, مثل: هذا رجل ورجلان, وامرأة وامرأتان [ونحوه].
فقس على ذلك [تصب إن شاء الله تعالى] فإن أشكل عليك شيء [من هذا] إلى أن تبينه فقل: النون كالعوض من الحركة والتنوين جميعًا [كما] قال سيبويه رحمه الله.
فإن قيل فالنون في [قولك]: «هذان» و «هاتان» عوض من ماذا؟ فقل: هذه مسألة خلاف بينهم.
منهم من يقول: النون عوض من الألف المحذوفة من الواحد, لأن الواحد «ذا».
فإذا ثنيت قلت: ذان, فذهبت الألف التي كانت في الواحد وبقيت ألف التثنية [في حال الرفع], وياء التثنية في النصب والجر, إذا قلت: رأيت ذين, ومررت بذين.
ومنهم من لا يجعلها عوضًا من شيء, ولكن يقول: هذه صيغة صيغت للتثنية, وليست بتثنية صناعية.
لأن حد المثنى عندهم ما تنكرت معرفته, وتعرفت نكرته, كزيد والرجل.
وهذه أسماء الإشارة لا تتنكر بحال, فلذلك كانت صيغا للتثنية.
ألا ترى أنها لو كانت تثنية على الحقيقة لوجب أن يفعل في «هذا» ما فعل في «فتى» من قلب ألفه ياء, كما قلبت ألف «فتى» فقلت: فتيان.
فلما لم تقلب بل حذفت دل على أنها ليست تثنية صناعية, وإنما هي صيغة صيغت للتثنية كما صيغت «اللذان» و «اللتان» في الأسماء الموصولة.
فإن قيل لك: ولم لا تكون «اللذان» و «اللتان» تثنية حقيقية وفيهما الألف واللام, وواحدهما «الذي» و «التي» كالشجي والعمي؟.
فقل: لو كان مثله لوجب أن تثبت الياء في التثنية كما ثبتت ياء الشجي والعمي فتقول: اللذيان واللتيان, كما قلت الشجيان والعميان.
[ولا يجوز ذلك.
لأن «الذي» و «التي» اسمان مبنيان غير متمكنين.
و «شج» و «عم» اسمان معربان متمكنان.
والإعراب مقدر في أواخرهما.
فحذفت الياء من «الذي» و «التي» في التثنية للفرق بين [تثنية] المعرب والمبني, والمتمكن وغير المتمكن.
فلذلك كانت تثنيتهما غير حقيقية فقلت: «اللذان» و «اللتان», بحذف يائهما.
وقلت في تثنية «شج» و «عم» الشجيان والعميان باثبات يائهما, ولو كانت تثنية «الذي» و «التي» صناعية لأثبت الياء في آخرهما كما أثبتها في آخر «شج» و «عم» وكنت تقول: اللذيان واللتيان, كما قلت: الشجيان والعميان].
وفي عدم ذلك دليل على ما قلناه.
فإن قيل: ما حكم التثنية في الإضافة؟
فقل: تحذف نونها أبدًا, كما يحذف التنوين في الإضافة.
لأنها كالعوض من الحركة والتنوين.
فتقول: هذان رجلاك وامرأتاك, ورجلاه وامرأتاه, ورجلا زيد وامرأتا زيد.
فإن أضفت المثنى إلى ياء النفس, كانت ياء النفس مفتوحة أبدًا لاجتماعها مع ألف التثنية وياء التثنية, فحركتها لالتقاء الساكنين.
فتقول: هذان رجلاي, ورأيت رجلي, ومررت برجلي.
أدغمت في الجر والنصب لاجتماع ياءين.
ولم تدغم في الرفع لأن الألف لا تدغم ولا يدغم فيها.
فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله.
[13] وإن ثنيت مثل مصطفى ومجتبي فعامله مثل/ هذه المعاملة.
وإن ثنيت مهموزًا همزته أصلية مثل: قثاء وحناء ووضاء, فأقر الهمزة على حالها.
وإن ثنيت ما همزته زائدة للتأنيث مثل: حمراء وصفراء وسوداء, فاقلبها أبدًا في التثنية واواً, مرفوعةً كانت أو منصوبة أو مجرورة.
فإن ثنيت ما همزته منقلبة عن حرف أصلي كرداء وشفاء وغطاء وعطاء ونحوه.
فأنت مخير, إن شئت أقررت الهمزة على حالها وشبهتها بالأصلي.
وإن شئت قلبتها واواًَ وشبهتها بالزائد, فتقول: غطاءان وغطاوان وما أشبه ذلك.
وإقرارها على لفظها أكثر وأقيس وأجود.
وإن ثنيت ما همزته [زائدة] للإلحاق, مثل: علباء وزبزاء وقيقاء,
[وقوباء] وهو قليل, فلك وجهان أيضًا, أجودهما القلب.
فاعرف ذلك, وقس عليه, فإن هذه الأصول لا يحسن جهلها لأن جهلها يفسد اللغة ويخلط ما يجوز بما لا يجوز.
وأما قولنا: «ومنها نوع [عاشر] رفعه بالواو المضموم ما قبلها ما لم يكن آخره ألفًا.
ونصبه وجره بالياء المكسور ما قبلها ما لم يكن آخره ألفًا أيضًا.
وهو كل جمع لمذكر علم يعقل.
أو لصفات من يعقل مثل: الزيدين والمسلمين».
فإن هذا النوع هو النوع العاشر, وهو الجمع السالم.
وإنما كان رفعه بالواو لأنه أكثر من التثنية فجعل إعرابه في الرفع بحرف أقوى وأثقل وهو الواو المضموم ما قبلها.
وفي الواو ست علامات: الجمع, والتذكير, والسلامة, والقلة, وعلامة الرفع, وحرف الإعراب.
والنون كأنها عوض من الحركة والتنوين اللذين كانا في الواحد, على حد ما ذكرناه في التثنية, وحركت لالتقاء الساكنين, الواو والنون.
وخصت بالفتح فرقًا بينها وبين نون التثنية.
وتحذف في الإضافة كما تحذف نون التثنية, تقول [في الرفع]: جاءني الزيدون والمسلمون, وزيدوك ومسلموك.
وفي النصب والجر بالياء المكسور ما قبلها, مثل: مررت