شرح المقدمة المحسبةفصل الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة

فصل الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة

وهو القسم الثالث من أقسام الأسماء... [19] أما قولنا: «الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة هي أسماء الإشارة.
وهي خمسة: ذا, وذان, وتا, وتان, وأولاء».
فإنه لما فرغ القسمان الأولان شرع في شرح القسم الثالث لأنه بين القسمين الأولين, فلم يجز أن يذكر إلا بعدهما.
والغرض بأسماء الإشارة التنبيه, على ما يأتي بيانه.
فـ «ذا» إشارة إلى مذكر.
و «تا» إشارة إلى مؤنث.
و «ذان» إشارة إلى مذكرين في حال الرفع إذا قلت: نفعني ذان.
فإن كان مفعولًا كان بالياء, مثل: نفعت ذين.
و «تان» إشارة إلى مؤنثين في حال الرفع, مثل: نفعتني تان.
وبالياء في حال النصب [والجر].
مثل: نفعت تين, [وانتفعت بتين], و «أولاء» إشارة لجماعة المذكر والمؤنث مبني على الكسر مستعمل لهما.

وفي المؤنث لغات.
يقال: تا وتي [وته] وذه وذي.
فإذا وقفت سكنت الهاء.
وفي ذان وذين لغتان, تشديد النون وتخفيفها, فتخفيفها هو الأصل.
وتشديدها كالعوض من المحذوف منها.
وتان فيها أيضًا لغتان, تشديد النون وتخفيفها على هذا الأصل.
وقد قريء [بالأمرين جميعًا] (هذان) مخففًا ومشددًا, [وكذلك: هاتان] وفي أولاء لغتان, المد والقصر.
فمن مده كسر همزته, ومن قصره كان بالألف ساكنةً.
وهن في جميع هذه اللغات مبنيات كالمضمرات.
وعلة بنائها شبهها بالحروف.
وقيل: لتضمنها معنى حرف إشارة لا ينطق به.

وأما قولنا: «فهذه من حيث وصفت ووصف بها, وصغرت, أشبهت الأسماء الظاهرة».
فإن مثال وصفك لما قولك: هذا الرجل قائم.
فهذا مبتدأ, والرجل صفة, وقائم خبر الابتداء.
ولا توصف أبدًا إلا بالأجناس أو ما تنزل منزلتها.
ومثال الصفة بها قولك: مررت بزيد هذا, ورأيت زيدًا هذا.
وكذلك المؤنث هذه صفته.
ومثال تصغيرها أن تقول في تصغير «ذا»: ذيا.
وفي تصغير «تا»: تيًا.
وفي «ذان» و «تان»: ذيان وتيان.
وفي «أولاء»: أوليا.
فهذا تصغيره, وهو تصغير المبهمات.
ولما كان التصغير والوصف يدخلان عليها, والوصف للشيء والوصف به إنما هو من خواص الأسماء الظاهرة أشبهتها بهذه الأشياء.
وأما قولنا: «ومن حيث بنيت, واحتلفت صيغها, ولم يفارقها تعريف الإشارة أشبهت المضمرات فصارت بينهما».
فإن تفسير ذلك, أن هذه الأسماء التي للإشارة مبنية كلها, كما أن المضمرات مبنية كلها.
وأن أسماء الإشارة مختلفة الصيغ, شيء للمذكر, وشيء للمؤنث, وشيء لتثنية المرفوع, وشيء لتثنية المنصوب والمجرور.
كما أن المضمرات

مختلفة الصيغ, شيء للمذكر, وشيء للمؤنث, وشيء للمرفوع, وشيء للمنصوب والمجرور.
وأنها لم يفارقها [كلها] تعريف الإشارة, كما أن المضمرات [كذلك] لم يفارقها تعريف الإضمار وإيضاحها, وهو عودها على ما قبلها.
وأسماء الإشارة تفسير بما بعدها.
ألا تراك تقول: زيد هو الذي فعل كذا وكذا, فيأتي بيان المضمر قبله.
وتقول: هذا الرجل الذي فعل كذا وكذا, فيأتي بيان اسم الإشارة بعده.
فقد صار تعريفهما وإيضاحهما لا يفارقهما وإن اختلفت حقائقهما.
فثبت بهذا أن أسماء الإشارة مشبهة للأسماء الظاهرة من الوجوه الثلاثة المتقدمة.
ومشبهة للأسماء المضمرة من الثلاثة الأوجه المذكورة, فصارت بينهما لذلك.
فاعرفه, فإن في معرفة هذا فوائد كثيرة تحتاج إليها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما قولنا: «وقد يكون مع الإشارة تنبيه مثل: هذا وهاتا.
وقد يكون معها خطاب مثل: ذاك وتاك.
وقد يكون معها الأمران جميعًا مثل: هاذاك وهاتاك».

فإن جملة الأمر أن أسماء الإشارة لا تنفك من أربعة أقسام.
إما أن تستعمل مفردة ليس معها تنبيه ولا خطاب, كقولك: ذا زيد, وتا هند.
فهذا أخصر ما يكون.
وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه فقط مثل: هذا زيد, وهاتا هند.
فـ «ها» حرف تتنبيه, و «ذا» اسم إشارة.
وكذلك «هاتا» والبقية.
وكل واحد منها حرف واسم.
وإما أن يكون مع الإشارة خطاب فقط مثل: ذاك وتاك.
فـ «ذا» اشارة, والكاف [حرف] خطاب.
إن كان لمذكر فتحتها, وإن كان لمؤنث كسرتها.
تقول: كيف ذاك الرجل يا رجل, وكيف ذاك الرجل يا امرأة, إذا كنت تسأل امرأة [عن رجل].
فإن سألت رجلًا عن امرأة فتحت الكاف, فقلت: كيف [تاك أو] تلك المرأة يا رجل.
فإن سألت امرأة عن امرأة كسرت الكاف فقلت: كيف تلك المرأة يا امرأة [وكيف تاك المرأة يا امرأة].
وعلى هذا فقس بقية الأمثلة.
كلها إشارة وخطاب فقط.
وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه وخطاب جميعًا, فيكون التنبيه من أوله

والخطاب من آخره مثل: هاذاك وهاتاك.
وهذا أبلغ ما يكون في استعمال [20] هذه الأسماء, أن يجتمع فيها / الإشارة والتنبيه والخطاب.
فإن قيل لك: فأي شيء منها لا تجتمع فيه هذه الثلاثة؟.
فقل: إذا دخلت اللام في «ذاك», وفي «تاك».
لا يجوز «هاذالك» ولا «ها تالك».
لأن «اللام» موضوعة للبعد, و «ها» موضوعة للقرب فلم تجمع بينهما.
فإن قيل [لك]: فما الفرق بين «ذا» و «ذاك» و «ذلك» في المعنى؟ فقل: «ذا» لأقرب الأقربين إليك.
و «ذاك» لمن يليه.
و «ذلك» لأبعد الثلاثة.
والكلام في السؤال: سؤال لمذكر عن مؤنث.
ولمؤنث عن مذكر.
ومذكرين عن مذكرين.
ومؤنثين عن مؤنثين.
ومؤنث عن مذكرين.
ومذكر عن مؤنثين.
ومذكرين عن مؤنث.
وجماعة عن واحد.
وواحد عن جماعة.
وغير ذلك من المسائل التي يطول ذكرها.
وتخرج منها

ست وثلاثون مسألة ينبغي أن تروض نفسك في الإجابة عنها.
فإن هذا الفصل الغرض به معرفة ما هذا سبيله.
وأما قولنا: «وكلها مبنية, وكلها معمولة».
فقد تقدم بيانه.
وأما قولنا: «وقد تكون هي عاملةً في الحال بخلاف المضمر, مثل: هذا زيد واقفًا, وهذه هند واقفة».
فإن تفسير هذه المسألة وأشباهها أن تقول: «هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره, و «واقفًا» منتصب على الحال.
والناصب له أحد شيئين: إما «ها» لما فيها من معنى التنبيه.
وإما «ذا» لما فيها من معنى الإشارة, ك أنك قلت: أشرت إليه واقفًا, أو: نبعت عليه واقفًا.
وكذلك قولك: هذه هند واقفةً.
تفسيرها كتفسير ما قبلها, «هذه» مبتدأ, و «هند» خبر الابتداء, و «واقفة» منتصبة على الحال من هند.
والعامل في الحال إما «ها», كأنك قلت: نبهت عليها واقفةً, وإما «ذه» كأنك قلت: أشرت إليها واقفةً.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقدم «واقفعًا» و «واقفة» إلى جانب اسم الإشارة؟.
فقل: ذلك جائز, لأنه بعد العامل المعنوي.
فإن قيل: هل يجوز تقديمه على نفس «هذا» أو «هذه»؟.

فقل: لا يجوز أن تقول: واقفًا هذا زيد.
ولا: واقفةً هذه هند.
لأن العامل إذا كان معنويًا لم تتقدم الحال عليه, بخلاف الفعل الصريح.
لأنه يجوز أن تقول: واقفًا نبهت على زيد, وواقفًا أشرت إلى زيدٍ, ولا يجوز: واقفًا هذا زيد.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقول: ها واقفًا ذا زيد, فتجعل الحال بين «ها» و «ذا»؟.
فقل: إن اعتقدت أن العامل في الحال «ذا» لم يجز.
وإن اعتقدت أن العامل في الحال «ها» جاز.
وكذلك ها واقفةً ذه هندٌ, يجوز على وجه ولا يجوز على وجه آخر.
فإن قيل: فلم جاز الحال مع أسماء الإشارة ولم يجز مع المضمرات؟.
فقل: لأن الأسماء المضمرة ليس فيها معنى فعلٍ بحال, بل هي خالصة الأسمية, مجردة من معنى الفعلية.
فلذلك لا يجوز: هو زيد واقفًا, ويجوز: هذا زيدٌ واقفًا.
فعلى هذا فقس جميع أسماء الإشارة, وجميع الأسماء المضمرة.
ولا يجوز: أنتما الزيدان قائمين, ويجوز: هذان الزيدان قائمين.
ولا يجوز: أنتم الزيدون قائمين وقيامًا, ويجوز: هؤلاء الزيدون قائمين وقيامًا.
فقس على ذلك.

فإن رفعت الكل جاز مع المضمر ومع اسم الإشارة, لأنه ليس هناك حال, فتقول: هذا زيد واقف, وهو زيد واقف.
«هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره, و «واقف» مرتفع من أربعة أوجه.
أحدها: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف, كأنك قلت: هذا زيد هذا واقف.
الثاني: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» بدلًا من «هذا», و «واقف» الخبر.
الثالث: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» الخبر, و «واقف» بدلًا من زيد.
الرابع: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره.
و «واقف» خبر بعد خبر, أخبرت بالاسمية وبالوقوف.
وكذلك إذا قلت مع المضمر: هو زيد واقف, يفسر هذا التفسير المذكور.
فاعرفه وقس عليه [تصب] إن شاء الله تعالى.
وأما قولنا: «وكلها معارف».
فقد تقدم شرحها, وأن تعريفها بالإشارة.
وقد اختلف الناس هل هي أعرف من الأعلام أو الأعلام أعرف منها.
فمذهب جمهور النحويين أن الأعلام مثل زيدٍ وعمروٍ أعرف من أسماء الإشارة, لأن تعريف العلمية لا يفارقها, معدومة كانت أو موجودة, وتعريف الإشارة يفارقها عند العدم.
ومذهب أبي بكر بن السراج أن أسماء الإشارة أعرف

من الأعلام لأنها تتعرف بشيئين, بالعين والقلب, والأعلام تتعرف بالقلب [لا غير].
وما تعرف من وجهين أعرف عنده مما تعرف من وجه واحد.
والأولى القول الأول لأنه لو اجتمع على [أسماء] الإشارة ما عسى أن يجتمع من التعريفات لكان ذلك لا يزيد فيها على تعريف العلمية, لأن العلم له مجموع الصفات, وأسماء الإشارة قد تكون للأعلام صفاتٍ, ولا تكون الأعلام لأسماء الإشارة صفاتٍ.
فقد صارت أسماء الإشارة تابعة للأعلام, فوجب أن تكون الأعلام أعرف منها.
وبالله التوفيق.
[21] وأما قولنا/: «وجملة المعارف خمسة: المضمرات, والأعلام, وأسماء الإشارة, وما عرف بالألف واللام, وما أضيف إلى واحد منها».

فإنه لما ذكرنا أن أسماء الإشارة معارف جملنا جملة المعارف لتعرفها, وهي الخمسة المذكورة.
وقدمت المضمرات لأنها أعرف المعارف.
وثني بالأعلام لأنها أعرف من أسماء الإشارة عند النحويين إلا أبا بكر [بن السراج], وقد ذكر.
وثلث بأسماء لأنها أعرف [عند النحويين] مما فيه الألف واللام.
لأن أسماء الإشارة تنعت بما فيه الألف واللام, ولا ينعت ما فيه الألف واللام بأسماء الإشارة, لا تقول: «جاءني الرجل هذا», وأنت تريد النعت.
فإن أردت البدل جاز, لأنه قد يبدل الأعرف من الأنكر مما هو دونه في التعريف, ولا ينعت بالأعرف ما هو دونه في التعريف.
وربع بما تعريفه بالألف واللام لأنه أعرف مما أضيف إلى ما فيه الألف واللام.
«فالرجل» أعرف من «غلام الرجل».
لأن تعريف «الرجل» تعريف الإفراد, وتعريف «الغلام» تعريف الإضافة, فالتعريف سار إليه من اسم آخر [غيره], وليس كذلك «الرجل».
وكذلك ما أضيف إلى المضمر أعرف مما أضيف إلى العلم, «فغلامك»

أعرف من «غلام زيد».
وكذا «غلام زيد» أعرف من «غلام هذا».
وكذلك «غلام هذا» أعرف من «غلام الرجل».
فقس على هذا فإن له فوائد [كثيرة] تظهر في باب النعت وغيره.

وأما قولنا: «وفي الأسماء أسماء مشكلة, مثل

جارٍ التحميل