عطف البيان
فيجري مجرى النعت, إلا أنه يكون بغير المشتق, كتبيين الأسماء بالكنى, والكنى بالأسماء.
مثل: جاءني أبو علي زيد, وزيد أبو علي.
كأنك انعطفت على الاسم الأول فبينته باسم آخر بغير حرف عطف.
ومثله: مررت بزيد هذا, إذا انعطفت عليه بالإشارة».
لأن الفرق بين النعت الحقيقي وبين عطف البيان هو هذا.
وذلك أن النعت يكون بالأسماء المشتقة, وعطف البيان يكون بالأسماء الجامدة.
وهذا فرق.
وفرق ثان أن عطف البيان يكون غالبًا في المعارف, والنعت يكون في المعارف والنكرات.
والفرق بينه وبين البدل من وجهين, أحدهما: أن البدل والمبدل منه من جملتين, وعطف البيان مع المبين به من جملة واحدة.
والآخر أنه يجوز في عطف البيان في النداء ما لا يجوز في البدل, مثل أن تقول: يا زيد زيدًا الظريف, ويا زيد زيد الظريف.
فالنصب على الموضع, والرفع على اللفظ.
ولو جعلت «زيدًا» الثاني بدلًا لكان مضمومًا لا غير مثل الأول, تقول: يا زيد زيد الظريف, وعلى هذا ينشد:
إني وأسطارٍ سطران سطرا... لقائل يا نصر نصر نصرا
فنصر الأوسط عطف بيان على اللفظ.
ولو نصبته لكان عطف بيان على الموضع.
ونصر الأخير ينتصب إما على المصدر, أي: انصرني نصرًا, وإما على الإغراء بمعنى: عليك نصرًا.
فصل
البدل
قال الشيخ رحمه الله: وأما البدل فهو إعلام السامع بمجموعي الاسم على طريق البيان من غير أن ينوى بالأول الطرح عند سيبويه دون غيره.
والدليل على أنه ليس في نية الطرح أنه قصد به البيان على جهة الإعلام بمجموعي الاسم, فلم يصح أن ينوى بالأول الطرح, لأن جعله في نية الطرح يخرجه من أن يكون مبينًا.
فكما لا يجوز أن يكون المؤكد ولا المنعوت في نية الطرح, فكذلك المبدل منه على جهة البيان لا يكون في نية الطرح.
ولو كان في نية الطرح لما جاز أن تقول: زيد ضربته أخاك, على أن تجعل أخاك بدلًا من الهاء العائدة على «زيد».
لأن الهاء لو كانت في نية الطرح لكان التقدير: زيد ضربت أخاك, وهذا كلام لا يصح لعدم العائد على المبتدأ.
وفي عدم جواز هذه المسألة وأشباهها مما يدل على أنه ليس في نية الطرح, خلافا لما قاله أبو العباس [المبرد] من أنه في نية الطرح.
لأنه اعتقد أن تسميه بدلًا يوجب أن يكون المبدل منه مطرحا.
وليس الأمر كذلك لما ذكرنا.
فأما جملة الأبدال فإنها أربعة بدل كل من كل وبدل بعض من كل وبدل اشمال, وبدل الغلط.
وإنما كان كذلك لأن كل شيء ضام شيئًا فلا يخلو من أن يكون مثله فيكون إياه, أو جزءًا منه فيكون بعضه, أو معنى فيه فيكون مشتملًا عليه, أو ليس بشيء من هذه الأقسام فيكون غلطًا.
فلذلك انقسم البدل إلى هذه الأقسام.
وإذا كان كذلك فالأول الذي هو بدل الكل من الكل لا يخلو من ثماني مسائل.
بدل معرفة من م عرفة مثل [قوله تعالى] (اهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم), وهما معرفتان لأن «الصراط» الأول معرفة بالألف واللام, والثاني معرفة بالإضافة, وهما لشيء واحد, لأن الصراط المستقيم هو صراط من أنعم عليهم.
المسألة الثانية بدل نكرة من نكرة, مثل: (إن للمتقين مفازًا حدائق وأعنابا), فحدائق [نكرة] يدل من نكرة, وهو «مفازًا».
ومثله من الشعر:
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ... ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلت
المسألة الثالثة بدل النكرة من المعرفة, مثل قوله تعالى (لنسفعًا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة), وإنما حسن بدل النكرة من المعرفة - وهي دونها - من قبل أنها قد وصفت فتخصصت, فصار فيها فائدة زائدة على ما تقدم.
المسألة الرابعة بدل معرفة من نكرة, مثل [قوله تعالى] (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله).
فالثاني معرفة بالإضافة, والأول نكرة لتجرده من علامة التعريف.
المسألة الخامسة بدل ظاهر من ظاهر, وهو كل ما تقدم, لأن الظاهر هو ما دل بظاهره وإعرابه على المعنى المراد به.
المسألة السادسة بدل المضمر من المضمر, مثل: رأيته إياه.
فإياه مضمر منفصل بدل من المضمر المتصل.
وإنما حسن ذلك من قبل أن المضمر المنفصل يجري مجرى الأجنبي, ألا تراهم يجيزون: ما ضربت إلا إياى, كما يجيزون: ما ضربت إلا نفسي, ولا يجيزون: ضربتني.
المسألة السابعة بدل الظاهر من المضمر, مثل قولك: زيد رأيته أخاك, وفي كتاب الله سبحانه: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) و «أن أذكره» بدل من الهاء في «أنسانيه», أي: ما أنساني ذكره إلا الشيطان.
المسألة الثامنة بدل مضمر من ظاهر, مثل: رأيت زيدًا إياه.
فإياه مضمر منفصل بدل من «زيد», لأنه يجري مجرى الأجنبي إذا قلت: رأيت زيدًا أخاك.
وأما بدل البعض من الكل فإن هذه الأقسام الثمانية تجوز فيه إلا بدل مضمر من مضمر, أو بدل مضمر من مظهر.
لأن الإضمار يرفع لفظ البعضية, فإذا ارتفع لم يتصور فيه بدل البعض من الكل, ويتصور فيه سواه.
فمثال بدل معرفة من معرفة في بدل البعض من الكل: رأيت زيدًا وجهه, [وقوله تعالى] (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فـ «من استطاع» معرفة بالصلة, وهو بدل من «الناس» المعرف بالألف واللام.
ومثال
بدل النكرة من النكرة قولك: رأيت رجلًا وجهًا له.
ومثال [بدل] النكرة من المعرفة: رأيت زيدًا وجهًا له.
ومثال [بدل] المعرفة من النكرة: رأيت رجلًا وجهه.
[ومثال بدل الظاهر من الظاهر كل ما تقدم, وإن شئت قلت: أكلت الرغيف ثلثه].
ومثال بدل الظاهر من المضمر: زيد رأيته وجهه, فوجه بدل من الهاء.
فهذه ست مسائل في بدل البعض من الكل.
وإنما سقط منها المضمر من المضمر, وبدل المضمر من المظهر لما ذكرناه.
وقوله سبحانه: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم), فهذا بدل البعض من الكل, وهو بدل معرفة موصولة من معرفة موصولة لأن «الذين» اسم موصول بـ «استضعفوا» و «من» اسم موصول بـ «آمن منهم».
والهاء في «منهم» تعود إلى الذين استضعفوا.
وأما بدل الاشتمال فيجوز فيه كل ما جاز في بدل البعض من الكل.
ويمتنع منه ما امتنع منه.
فمثال المعرفة من المعرفة: أعجبني زيد حسنه.
ومثال النكرة من النكرة: أعجبني رجل حسن له.
[ومثال النكرة من المعرفة: أعجبني زيد حسن له].
ومثال المعرفة من النكرة: أعجبني رجل حسنه.
وأما قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه), فهو بدل الاشتمال, وهو بدل نكرة من معرفة, لأن القتال بدل من الشهر الحرام.
وأما قوله تعالى: (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود), فإنه من بدل الاشتمال, وهو بدل معرفة من معرفة, وهما الأخدود والنار.
وإنما كان بدل
اشتمال لأن الأخدود هو الشق في الأرض, والنار فيه, فكان من بدل الاشتمال.
والفرق بين بدل البعض وبدل الاشتمال من وجهين.
أحدهما: أن بدل الاشتمال يكون بالمعاني وما يتنزل منزلة المعاني, من نحو الحسن والعقل, وما أشبه ذلك.
وبدل البعض إنما يكون جزءًا من المبدل منه, لا معنى فيه.
والفرق الآخر أن بدل الاشتمال تذهب النفس إلى معرفته وإن لم يذكر, ألا ترى أنك لو قلت: أعجبني زيد, وسكت لفهم منك أنه إنما أعجبك معنى فيه, لا من حيث هو لحم ودم.
ولا تقول مثل ذلك وأنت تريد عضوًا من أعضائه, ولا جزءًا من أجزائه.
فقد افترق ما بينهما, وصار كل واحد من البدلين غير الآخر.
وأما بدل الغلظ فلا يكون في القرآن, ولا في كلام فصيح.
والأولى في مثله إذا وقع وسبق إلى اللسان ما لم يقصده المتكلم أن تأتي ببل, فتقول في قولك: رأيت رجلًا حمارًا, رأيت رجلًا بل حمارًا, فتأتي ببل ليعلم أنك غالط.
والله الموفق للصواب.