الفصل الثالث: فصل الحرف
أما قولنا: «الحرف ما أبان عن معنى في غيره, ولم يكن أحد جزأي الجملة, خلافًا للاسم والفعل.
من نحو «من» و «إلى» وشبهه».
فإن القصد بهذه الزيادة الاحتراز من الذي [والتي], وسائر الأسماء الموصولات, فإنها أسماء لا تفيد إلا بصلاتها, كالحروف التي لا تفيد معنى إلا في غيرها, لكنها تكون تارة مبتدأ, وتارة خبر ابتداء, وتارة فاعلة [وتارة مفعولة].
وليس لشيء من الحروف مثل ذلك.
مثال الفاعل: جاءني الذي عندك, ومثال المبتدأ: الذي عندك جاءني, ومثال الخبر: هو الذي عندك, [ومثال المفعول: رأيت الذي عندك].
وأما قولنا: «وإنما لقب هذا النوع حرفًا لأنه أخذ من حرف الشيء, وهو طرفه.
من حيث كان معناه في غيره, فصار كأنه طرف له».
فإن هذا كلام بين في تفسير الاشتقاق كتفسير اشتقاق الاسم «لم سمي اسمًا», واشتقاق الفعل «لم سمي فعلًا».
وأما قولنا: «وقسمنه ثلاثة: حروف عاملة, وحروف غير عاملة, وحروف تعمل على صفة ولا تعمل على [صفة] أخرى».
فإن هذه قسمة الحروف التي تسبب بها إلى حصرها كما تسبب في معرفة قسمة الأفعال والأسماء إلى حصرها.
وأما قولنا: «وأما الحروف العاملة فثمانية وثلاثون حرفًا».
فإنه نظر إلى جميع الحروف العاملة.
ولما كان عملها لا ينفك من أقسام أربعة: نصب الأسماء, وجر الأسماء, ونصب الأفعال, وجزم الأفعال, حصر ذلك بالعد, فإن الحروف العاملة مشكلة جدًا.
ونبدأ بالأولى فالأولى منها على الترتيب.
فلذلك قلنا:
«منها ستة تنصب الاسم وترفع الخبر ما لم يكن معها «ما», وذلك إن وأنوكأن ولكن ولبيت ولعل, مثل: إن فلانًا فاعل, وإنما فلان فاعل.
وكلها تعمل عملًا واحدًا.
وكلها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها, مثل: إنه زيد قائم.
وكلها إذا دخلت عليه «ما» كفتها.
وكل ما جاز أن يكون صلة للذي وأخواتها جاز أن يكون خبرًا لها.
وكلها لا يجوز أن تتقدم أخبارها على أسمائها إلى إذا كان الخبر ظرفًا, أو جارًا ومجرورًا.
وكلها لا تدخل اللام في خبرها إلا في «إن» وحدها.
وكلها لا يعطف على
موضعها بالرفع إلا في «إن» و «أن».
فإن جميع هذه الأحكام الثمانية المجملة لا غنى بك عن معرفتها لكثرة دورها وانتشارها.
فالعلة أولًا في إعمال هذه الحروف أنها مشبهة للأفعال من جهة لفظها ومعناها.
فلفظها بناؤها على الفتح, واتصال الضمير بها.
وأنها شابهت الأفعال لاتصال نون الوقاية بها نحو: إنني.
ومعناها التأكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي.
فأعطيت بهذا القدر من الشبه حكمًا من العمل, وهو نصب الاسم ورفع الخبر, فلذلك قلنا: «إن فلانًا فاعل», بنصب الأول ورفع الثاني.
فإن دخلت «ما» كفت [إن] عن العمل لأنها ليست بمستحقة للعمل إلا بحكم الشبه, فإذا دخل عليها مانع نقلها إلى حال الابتداء.
فصارت هذه الحروف حينئذ حروف ابتداء, وارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر, فقلت: إنما فلان فاعل, و (إنما الله إله واحد).
والعلة في [كونها] كلها تعمل عملًا واحدًا أنها كالأفعال التي يعمل كل جنس منها عملًا واحدًا, فما اقتضى معناه أن يتعدى إلى واحد تعدى إليه, وما اقتضى معناه أن يتعدى إلى اثنين تعدى إليهما, على ما تراه فيما بعد.
فلذلك لم يختلف جنس العمل.
وجعل المنصوب مقدمًا على المرفوع لأنها شبهت من الأفعال بما تقدم مفعوله على فاعله.
والعلة في أنها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها في مثل: إنه زيد قائم, [هو] أن ضمير الشأن والقصة لا يفسر أبدًا إلا بجملة, والجملة محكية مؤداة على ما هي عليه, فصارت في الظاهر كأنها لم تعمل شيئًا, وهي في التقدير عاملة.
لأنك إذا قلت: إنه زيد قائم, فالهاء في موضع نصب, وليست براجعة على مذكور [قبلها], وإنما هي مفسرة بما بعدها, وذلك الذي بعدها هو الجملة المذكورة, تالية [مبينة] لها, فلا تحتاج من هذه الجملة إلى عائد لكونه إياها, إذ الهاء هي قولك «زيد قائم».
والعلة في كون أخبارها مقسمة تقسمة الصلة أن الصلة لا توصل إلا بجملة خبرية محتملة الصدق والكذب.
والجمل الخبرية لا تنفك من أربعة أقسام: مبتدأ وخبر, ومثاله: إن زيدًا أبوه منطلق.
وفعل وفاعل, ومثاله: إن زيدًا انطلق أبوه.
وشرط وجزاء, ومثاله: إن زيدًا إن انطلق أبوه انطلق
أخوه.
وظرف, ومثاله: إن زيدًا عندك.
وهذا الظرف يقدر تارة بالجملة وتارة بالمفرد.
والأجود إذا وقع خبرًا أو صفة أو حالًا أن يقدر بالمفرد, لأنه أخصر من الجملة.
/ وإذا وقع صلة فلا يقدر إلا بالجملة, لأن «الذي» وأخواتها [33] لا تقدر صلاتها إلا بجملة.
فاعرف ذلك.
والعلة في امتناع تقديم أخبارها على أسمائها في جميع المذكور, سوى الظرف والجار والمجرور, هو أن هذه الحروف إنما عملت بحكم الشبه ولم يبلغ من قوتها أن يكون حكمها حكم «كان وأخواتها» التي هي أفعال.
لأنها لما تصرفت في أنفسها تصرفت في أخبارها بالتقديم لها على أسمائها, وعليها في أنفسها.
وليس كذلك «إن» وأخواتها, لأنه لا يجوز أن يتقدم شيء بحال عليها في أنفسها.
فأما على أسمائها فلا يجوز إلا في الظرف والجار والمجرور.
مثال الظرف: إن عندك زيدًا.
ومثال الجار والمجرور: إن في الدار زيدًا, و (إن فيها قومًا جبارين).
وإنما جاز هذا خاصة في الظرف والجار والمجرور لاتساعهم في الظروف وما نزل منزلتها.
ألا تراهم قد فصلوا بالظرف بين المضاف والمضاف إليه في مثل قولهم:
لله در اليوم من لامها
فـ «من لامها» في موضع جر بالإضافة إلى «در», وقد فصل بينهما باليوم.
فهذه الحروف أولى بأن يفصل بينها وبين أسمائها بالظروف, لأن هذه الظروف وإن تعقلت بالاستقرار المحذوف فإن ذلك المحذوف لا يقدر إلا أخيرًا, فإذا قلت: إن عندك زيدًا, فتقديره: إن عندك زيدًا مستقر.
لأن تقديره أولًا قبل الظرف, أو بعد الظرف بينه وبين الاسم, يؤديك إلى تقديم خبر «إن» على اسمها بغير الظرف, وهذا غير جائز.
ولذلك قدر أخيرًا.
وكذلك يقدر في مثل: (إن فيها قومًا جبارين), أي: إن فيها قومًا جبارين مقيمون, لأن جبارين من نعت القوم, وهو من تمام الاسم, وليس بحال لأن الحال لا يحسن من النكرة.
والعلة في امتناع اللام من الدخول في خبر هذه الحروف سوى «إن» المكسورة [هو أن ما سوى إن المكسورة] مثل: ليت ولعل وكأن ولكن قد غيرن معنى الابتداء.
واللام في الأصل هي لام الابتداء فلم يجز دخولها مع هذه الحروف المغيرة المعنى.
لا يجوز: ليت زيدًا لقائم, ولا: لعله لقائم, ولا: كأنه لقائم, ونحوه.
وإنما يجوز هذا مع «إن» وحدها.
وجوازه مع «إن» في ثلاثة مواضع, مع الخبر في مثل: إن زيدًا لقائم, ومع الاسم إذا تأخر بعد الخبر مثل: إن في الدار لزيدًا, ومع الفضلة إذا كانت قبل الخبر مثل: إن زيدًا لطعامك آكل.
والذي لا يجوز ثلاثة أيضًا.
لا يجوز الجمع بين إن واللام, لا تقول:
إن لزيدًا قائم, ولا: إن لفي الدار زيدًا, ولا: إن زيدًا آكل لطعامك.
لأنك في هذه الأخيرة قد أدخلتها على فضلة بعد الخبر.
وفي الأولين [قد] جمعت بين حرفين مؤكدين.
والعلة في أنه لا يعطف على موضعها بالرفع إلا في إن المكسورة [وحدها] بلا خلاف, و «أن» المفتوحة بخلاف, أن ما عدا «إن وأن» حرف قد غير معنى الابتداء.
فقد بطل حكم الحمل على موضع الابتداء.
ولا خلاف في الحمل على موضع «إن» المكسورة, لأنها لمجرد التأكيد من غير تعلق بعامل يعمل فيها يغير معناها.
وأما «أن» المفتوحة ففيها قولان: أحدهما مذهب الفارسي وأمثاله من المحققين.
أنه لا يجوز العطف على موضع «أن» المفتوحة, لأن أن المفتوحة لا تكون مفتوحة إلا بعامل, وذلك العامل لا يخلو من أن يكون رافعًا أو ناصبًا أو جارًا.
فالرافع مثل: أعجبني أنك منطلق, أي أعجبني انطلاقك, والناصب مثل: كرهت أنك منطلق, أي كرهت انطلاقك, والجار [مثل]: عجبت من أنك منطلق, أي عجبت من انطلاقك.
أفلا ترى أنها في هذه الأحوال الثلاثة قد ارتفع عنها معنى الابتداء, إذ المبتدأ لا يكون فاعلًا, ولا مفعولًا, ولا
مجرورًا بعامل يتعلق بفعل يدخله في جملته ويخرجه عن حد الابتداء وحكمه.
ولأجل ذلك اتفق الكل على أنه لا يجوز الابتداء بأن المفتوحة, لأنه لابد لها من عامل لفظي, ولا يعمل فيها الابتداء بحال.
وإذا امتنع [من] أن يبتدأ بها لهذه العلة [المذكورة] ولما تقدم ذكره, فقد ظهر أنه قد ارتفع عنها معنى الابتداء.
وإذا ارتفع [معنى الابتداء] لم يبق لها موضع ابتداء.
[وإذا لم يبق لها موضع ابتداء] فعلى أي شيء يحمل العطف قبل دخولها.
ومن جوز الحمل على موضعها تعلق بنفس ظاهرها, وأجراها مجرى «إن» في كونهما حرفين مؤكدين لفظيين.
وليس اتفاق اللفظ مما يوجب اتفاق المعنى, لأن في كلامهم أشياء كثيرة متفقة اللفظ مختلفة المعنى, في الأسماء والأفعال والحروف والحركات.
مع أنه أيضا ما اتفقا من كل وجه.
لأن «إن» محركة همزتها بالكسر بالأصل, و «أن» محركة همزتها بالفتح.
وأن «إن» المكسورة [34] عاملة غير معمولة, و «أن» المفتوحة عاملة / ومعمول فيها.
وأن «إن» المكسورة مقدرة تقدير الجمل, و «أن» المفتوحة مقدرة تقدير المفرد.
ولأن
المواضع التي تقع فيها «إن» ليست المواضع التي تقها فيها «أن».
حتى [أنه] إذا اتفق أن يقعا في مسألة واحدة كان المعنى مختلفًا, مثل: خرجت فإذا إنه عبد, وإذا أنه عبد.
وإذا ثبت بهذه الوجوه كلها معرفة المخالفة فأي موضع يبقى لها من الابتداء حتى يعطف عليه.
لأن أحكامها في جميع وجوهها أحكام المفرد, والمفرد لا مدخل له في المبتدأ.
وأحكام المكسورة أحكام الجملة, [لأنك] تسقطها فتبقى جملة تامة.
وهذا أوضح من أن يزاد عليه ما لا يحتاج إليه.
فأما إيرادهم الآية في قوله عز وجل (أن الله بريء من المشركين ورسوله) فإنه إذا حسن الظن بمن جوزه فإنما هو محمول على الرواية بكسر «إن»,
وهي تروى عن الحسن البصري, وهارون عن أبي عمرو.
وليس هناك داع يدعو إلى الحمل على موضوع «أن» في الآية, لأن في الكلام مندوحة عنه وهو العطف على المضمر في «بريء».
لأنه قد سد طول الكلام بالجار والمجرور مسد التأكيد, بقوله «من المشركين», وطول الكلام يسد كثيرًا مسد التأكيد مثل: (ما أشركنا ولا آباؤنا) فلا إشكال في عطف الآباء على المضمر المرفوع من «أشركنا», ولا تأكيد هناك ولا فصل ولا شيء أكثر من طول الكلام بقوله «ولا», مع أن الطول بعد الواو, وإنما المراعى أن يكون الطول قبل حرف العطف, مثل: (فأجمعوا أمركم وشركاؤكم).
على من رفع الشركاء,
لأنه يرفعه بالعطف على الواو في «فأجمعوا», وقد سد «أمركم» المنصوب مسد التأكيد للطول به.
وأما أن يكون «الرسول» مرفوعًا بالابتداء, والخبر محذوف, فمنهج مسلوك ونظيره كثير في القرآن.
وإنما امتنع أن يكون محمولًا على موضع «أن» لأن «أن» في الآية لا تخلو من أن تكون مبتدأ, أو خبر مبتدأ, أو مفعولة.
فكونها مبتدأة لا يجوز أن المفتوحة لا يبتدأ بها [بإجماع].
وكونها خبر مبتدأ, لا تخلو من أن تكون خبر مبتدأ محذوف, أو خبر «أذان».
فكونها خبرًا لأذان ممتنع, لأن أذانا نكرة, وأن المفتوحة باسمها وخبرها مقدرة تقدير المعرفة.
والتلخيص «أذان براءة الله ورسوله من المشركين».
وكونه خبر مبتدأ محذوف دعوى تحتاج إلى [إقامة] دليل, وتكلف تقدير محذوف, فلم يعتد به.
فلم يبق إلا أن يكون معمولًا لأذان على تقدير جاز, كأنه قال: «وأذان بأن الله», وإذا كان معمولًا للجار, فالجار والمجرور في موضع نصب بأذان.
وإذا كان في موضع نصب بأذان فقد صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به.
وإذا صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به بطل حكم الابتداء.
وإذا بطل حكم الابتداء بطل أن يكون «الرسول» محمولًا على ذلك.
وهذا واضح.
وإنما وسع الكلام في هذه المسألة حسب ما سألت أيها الأخ - وفقك الله - وحكيت من جريانها بحيث جرت ووقع التنازع فيها على الصفة التي انتهت.
ولكل اجتهاده.
والله الموفق للإجابة [والسلامة] ومجزل الخير لمن تولى في مثله حسن النيابة.
وبالله التوفيق.
وأما قولنا: «ومنها تسعة أحرف تنصب الفعل المستقبل.
وهي: «أن» الخفيفة المصدرية إذا كان قبلها فعل طمع واشفاق.
و «لن» على كل حال, ومعناها نفي المستقبل.
و «إذن»,ومعناها الجواب والجزاء, إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها, ولم يكن معها حرف عطف, ولم يكن الفعل فعل الحال.
و «كي» على كل حال, ومعناها الغرض, و «حتى» إذا كانت بمعنى «كي», أو «إلى أن» و «الفاء» إذا كانت جوابًا لاستفهام, أو أمر, أو نهي, أو جحد, أو عرض, أو تمن, أو تحضيض, أو دعاء.
و «الواو» إذا كانت جوابًا بمعنى الجمع.
و «أو» إذا كانت بمعنى «إلا أن».
«واللام» في الموجب وغيره.
كل هذه إذا كانت على هذه الصفة المخصوصة نصبت الفعل المستقبل من نحو: أريد أن تفعل, وليفعل, [ولن يفعل].
فإن هذا فصل مختصر مستوفى الاختصار, مجمل المعاني في الحروف الناصبة للفعل المستقبل [ومعانيها].
والأصل منها «أن» لأنها الدائرة الكثيرة الاستعمال ظاهرة ومقدرة.
وهذه التسعة على ثلاثة أقسام.
منها أربعة لا تنصب إلا بوجودها ظاهرة.
وهي «أن» إذا لم يخلفها حرف, و «لن» و «إذن» و «كي».
وخمسة تنصب [بأن] مقدرة وهي ما بعد «حتى» و «الفاء» و «الواو» و «أو», و «اللام» في النفي.
فإن هذه [الحروف] الخمسة لا تنصب بنفسها, وإنما تنصب بإضمار «أن» مقدرة بعدها.
لأن كل حرف من هذه الحروف الخمسة - سوى / اللام - تدخل على الأسماء وعلى الأفعال.
وليس عملها في الأسماء [35] بأولى من عملها في الأفعال, ولا عملها في الأفعال بأولى من عملها في الأسماء.
ولذلك كان حكم النصب لغيرها, وهي «أن» المقدرة بعدها.
فإذا قلت: سرت حتى تسير, فتقديره: سرت حتى أن تسير.
فتسير منصوب بأن, وأن تسير ي موضع جر بحتى, و «حتى» وما بعدها في موضع نصب بسرت.
هذا هو التحقيق.
وكذلك الحكم فيما بعد الفاء والواو وأو, أعنى بتقدير «أن».
مثال الفاء: أتقوم فأقوم, أي فأن أقوم.
فـ «أقوم» منصوب بأن, و «أن أقوم» في تأويل الاسم, وذلك الاسم محمول على تأويل المصدر, مصدر الفعل المتقدم.
وتلخيص الكلام: أيكون قيام منك وقيام مني.
فالفاء وإن كانت جوابًا فأصلها العطف.
وليس هذا المعنى كمعنى الرفع إذا قلت: أتقوم فأقوم.
لأن الأول استفهام محض, والثاني خبر محض.
ومثال الواو: لا تقم وأقوم, أي وأن أقوم, أي لا يجتمع قيام منك وقيام مني.
وعلى هذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, بنصب الباء.
لأن النهي يتناول الجمع بينهما, أي لا يكن منك أكل للسمك وشرب للبن معًا.
ولو جزمت فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, لكان النهي يتناولهما جميعًا مفردين ومجتمعين.
فمتى تناول أحدهما دون الآخر فقد عصى الناهي, وليس كذلك في المسألة الأولى, فمتى تناول أحدهما دون الآخر لم يكن عاصيًا.
ولو رفع فقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, وجعل الواو واو حال, أي: وأنت تشرب اللبن, لكانت الجملة في موضع نصب على الحال.
أي لا تأكل السمك شاربًا للبن, أي: لا تأكله على هذه الحال.
[وهذا] بمنزلة من مضغ المطعوم وهو يشرب الماء.
وهو خلاف المعنيين المتقدمين.
فاعرف ذلك, فإنه يكشف [لك] المعاني, ويؤكد في نفسك
عظم قدر هذا العلم, وشدة الحاجة إلى معرفته على التحقيق, لما تحته من المعاني المدفونة.
ومثال «أو»: لألزمنك أو تفضيني حقي.
أي: أو أن تقضيني حقي, أي ليكونن لزوم مني أو قضاء حق فيرتفع اللزوم.
ووجه آخر وهو أن يكون معنى الكلام معنى «إلى أن» فيكون غاية, أي: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي.
ومثال «اللام» ما أكرمتك لتكرمني, وما أردتك لتريدني.
أي لأن تريدني.
فالنصب أيضًا بإضمار أن.
ولا يجوز إظهارها ولا استعمالها.
كما لا يجوز مع الأربعة التي قبلها, لأن الحرف قد ناب في اللفظ عنها واستغني بذكره عن ذكرها.
فإن كانت اللام في الموجب جاز أن تأتي بها وألا تأتي بها, فتقول: جئتك لتجيئني, وأردتك لتريدني, وإن شئت: لأن تريدني, أي: أردتك لإرادتك [إياي].
وهي لام الجر, ولام العلة.
وأما معاني هذه الحروف فقد أشرت إليها.
فمعنى «أن» الخفيفة كمعنى المصدر.
وهي تصرف الكلام إلى وجهين وتنقله [نقلين, تنقله] إلى الاستقبال,
وتنقله إلى تأويل الاسم.
فإذا قلت: أطمع أن تغفر لي, فتقديره أطمع في الغفران المرجو.
ولن تخلو الأفعال الواقعة قبل «أن» من ثلاثة أقسام.
إن كانت أفعال طمع وإشفاق كانت الناصبة للفعل [المستقبل].
وإن كانت أفعال علم ويقين كانت المخففة من الثقيلة, فلم تنصب الفعل المستقبل.
وإن صح فيها الأمران جاز فيها الوجهان.
مثال الأول: أطمع أن تغفر لي, وأرجو أن تهب لي, وأخاف أن تفوتني, وأشفق أن يتغير علي.
ومثال الثاني: أعلم أن ستقوم, وأتحقق أن ستفلح, وأرى أن لا يخيب, كل هذه مخففة من المشددة التي تنصب الاسم وترفع الخبر.
ومثال الثالث أفعال الحسبان والظن.
لأن في الحسبان والظن ضربًا من العلم وضربا من الشك, فيجوز أن يقع بعدها الناصبة للأفعال والناصبة للأسماء, وهي المخففة من المشددة.
وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (وحسبوا ألا تكون فتنة).
على القراءتين جميعا,
من نصب جعلها الناصبة [للفعل], وكتبها متصلة, ومن رفع جعلها المخففة من الثقيلة, وكتبها منفصلة.
لأن التقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة.
حذف الاسم, وخففت «أن», ودخلت «لا» عوضًا مما لحق «أن», فاجتمعت مع نون «أن» فأدغمت فيها لفظًا وفصلت في الخط تقديرًا.
والناصبة للأفعال ليست مخففة من المشددة بل أصلها أن.
والمخففة من المشددة التي يرتفع الفعل بعدها أصلها أن, على ما بيناه.
ولأن المخففة قسمان آخران.
أحدهما أن تكون بمعنى أي, وهي التي بمعنى التفسير, كقوله سبحانه: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) بمعنى أي امشوا, فهذه لا تعمل شيئًا.
ومثله: أمرتك أن قم, [بمعنى] أي قم.
والقسم الآخر أن تكون زائدة, مثل: (فلما أن جاء البشير) / أي فلما جاء البشير.
وهذه [36] أيضًا لا تعمل شيئًا.
فهذه أربعة أقسام.
وأما «لن» فقسم واحد.
وفيها قولان.
أحدهما أنها مفردة.
والآخر قول الخليل [رحمه الله] أنها مركبة.
أصلها «لا أن» فحذفت الألف والهمزة تخفيفًا, فبقيت «لن».
والصحيح قول سيبويه أنها مفردة لجواز تقديم معمول فعلها عليها, مثل: زيدًا لن أضرب.
فلو كان أصلها «لا أن» لم يجز التقديم
لأن «أن» لا يتقدم عليها ما في صلتها.
ومعناها في القولين نفي [الفعل] المستقبل.
وأما «إذن» ففيها أيضًا قولان, أحدهما لسيبويه [رحمه الله] أنها مفردة كلن.
والآخر للخليل [رحمه الله] أنها مركبة أصلها: «إذ أن» ألقيت حركة الهمزة على الذال وحذفت [الهمزة] فصارت إذن.
ومعناها في القولين جميعًا الجواب والجزاء.
ولا تعمل في القولين جميعًا إلا بالشرائط المذكورة, وهي ثلاث.
أن لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها.
ومثال الاعتماد قولك: زيد إذن يقوم, ترفعها ها هنا لأن ما بعد إذن خبر لمبتدأ فقد اعتمد عليه.
وكذلك: إني إذن أقوم, وإن الزيدين إذن يقومان.
والثاني فعل الحال.
ومثال فعل
الحال الذي لا تعمل فيه «إذن» أن يحدثك إنسان بحديث فتقول له في الحال: إذن أظنك صادقًا, وإذن أكذبك, لأن فعل الحال يشبه الأسماء, فلا تعمل فيه النواصب والجوازم شيئًا.
والثالث العطف, ومثاله أن تقول: زيد يقوم وإذن تقعد, فهذا لك فيه وجهان: النصب لوقوع إذن قبله في أول جملة, والرفع بالعطف على الفعل الأول وإلغاء إذن.
فاعرف ذلك, وقس عليه إن شاء الله تعالى.
وأما «كي» فقسم واحد.
ومعناها الغرض [وهي] عاملة على كل حال مثل: قمت كي تقوما يا زيدان, وكي تقوما يا زيدون.
و«حتى» لها في النصب معنيان.
أحدهما كمعنى «كي», وهو إذا كان ما بعدها مسببًا لما قبلها, مثل: قمت حتى تقوم, [أي: كي تقوم], وصمت حتى يغفر الله لي, أي كي يغفر الله لي.
وإذا لم يكن ما بعدها مسببًا لما قبلها كانت بمعنى «إلى أن», مثل [قولك]: سرت حتى تطلع الشمس, بمعنى إلى أن تطلع الشمس.
وليست بمعنى «كي» ها هنا لأن الشمس تطلع
سواء سار سائر أو لم يسر.
فهذان معنيان للنصب أبدًا.
وللرفع معنيان أحدهما: أن يكون الفعل في تأويل الماضي أو في تأويل فعل الحال.
فمثال الذي بمعنى الماضي قولك: سرت حتى أدخلها, بالرفع, أي سرت فدخلتها.
فليست حتى ها هنا عاملة وإنما هي حرف من حروف الابتداء وكذلك إذا أردت الحال, كأنك قلت: سرت حتى أنا الآن أدخلها.
وعلى هذا يقرءون: (وزلزلوا حتى يقول الرسول), رفعًا ونصبًا.
والفاء إنما تنصب إذا كانت جوابًا لأحد الأشياء الثمانية.
الاستفهام.
ومثاله أيقوم فأقوم.
والأمر, ومثاله: قم فأقوم.
والنهي, ومثاله: لا تقم فأقوم.
[والجحد, ومثاله: ما قمت فأقوم.
والعرض, ومثاله: ألا تقوم
فأقوم].
والتمني, ومثاله: ليتك تقوم فأقوم.
والتحضيض ومثاله: هلا قمت فأقوم.
والدعاء, ومثاله: رزقك الله العافية فتصح.
فقس على ذلك [تصب] إن شاء الله تعالى.
و«الواو» و «أو» و «اللام» في الايجاب والنفي.
وقد ذكرت أمثلتها والصفة المخصوصة قد شرحتها.
وأما قولنا: «ومنها ثمانية عشر حرفًا تجر الاسم وتوصل معنى الفعل إليه, وهي: من, وإلى, وفي, واللام في أحد أقسامها, وكاف التشبيه, ومذ ومنذ بمعنى الزمان الحاضر, وحتى بمعنى إلى, وواو القسم وتاؤه.
وحاشا في الاستثناء, وخلا وعدا في أحد الوجهين.
كلها تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى رب.
وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا رب.
وكلها تدخل على الظاهر وعلى المضمر إلا رب, وكاف التشبيه, ومذ ومنذ, وحتى في أحد أقسامها, وواو القسم وتاءه, وواو رب وفاءها.
وكل ما وقع منها خبرًا لمبتدأ, أو صفة لموصوف, أو صلة لموصول, أو حالًا لذي حال, فإنه يتعلق
أبدًا بمحذوف.
وما عدا ذلك فإن الحرف يتعلق بموجود أو ما هو في حكم الموجود».
فإن الأصل في دخول حروف الجر إنما هي لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء.
مثل: خرجت من الدار, وجئت إلى السوق.
فـ «من» أوصلت معنى الخروج إلى الاسم.
و «إلى» أوصلت معنى المجيء إلى السوق.
ولـ «من» أربعة معان.
ابتداء الغاية مع المكان, مثل: خرجت من الدار.
والتبعيض, مثل: أكت من الرغيف, أي بعضه.
والتبيين في الصفات مثل: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) أي «اجتنبوا الرجس الذي هو وثن».
وزائدة مع النكرة في غير موجب, مثل: ما جاءني من أحدٍ.
ومثل قوله سبحانه: (ما لكم من إله غيره).
ومعنى «إلى» انتهاء الغاية.
ومعنى «في» الوعاء.
ومعنى «اللام» الملك والاستحقاق.
[37] / ومعنى «الباء» الإلصاق.
ومعنى رب وواوها وفائها التقليل, مثل قول الشاعر:
فحور قد لهوت بهن عينٍ... نواعم في المروط وفي الرياط
أي رب حورٍ.
ومثل قوله:
وبلد عاميةٍ أعماؤه
[كأن لون أرضه سماؤه]
ونحوه.
ومعنى «عن» المجاوزة.
ومعنى «على» الاستعلاء.
وأقسامها ثلاثة.
الاسمية إذا دخلت عليها من مثل: جئت من عليه.
والفعلية إذا تصرفت, مثل: (ولعلا بعضهم على
بعض).
والحرفية, وهي التي توصل معنى الفعل إلى الاسم, مثل: جلست على الأرض, وعلوت على الدابة, [ونحوها].
ومعنى الكاف التشبيه.
ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية في الزمان.
فمتى جر بهما فهما للزمان الحاضر, مثل: ما رأيته مذ الليلة, ومنذر اليوم, أى في هذا الوقت.
وإذا ارتفع ما بعدهما كان معناهما للزمان الماضي, وكانتا اسمين.
مثل: ما رأيته مذ يومان, ومنذ ليلتان.
ومعنى «حتى» الجارة كمعنى إلى, وهو الغاية.
لأن لحتى أربعة أقسام.
جاره [للأسماء] وهي هذه, ومثالها (سلام هي حتى مطلع الفجر).
وناصبة للفعل, وقد مضى تفسيرها على معنيين.
وحرف من حروف الابتداء, وهي التي يقع بعدها المبتدأ والخبر, والفعل مرفوعًا.
مثل: قام القوم حتى زيد قائم, [وضربت القوم حتى ضربت زيدًا], ونحوه.
وعاطفة, وهي التي يكون
ما بعدها على حد إعراب ما قبلها, مثل: قدم الحاج حتى المشاة.
[ورأيت الحاج حتى المشاة] [ومررت بالحاج حتى المشاة].
ومعنى واو القسم كمعنى تاء القسم وباء القسم, من قولك: تالله لأفعلن, ووالله لأفعلن, وبالله لأفعلن.
إلا أن التاء تختص باسم الله تعالى وحده, والواو لكل مظهر, والباء لكل مظهر ومضمر.
ومعنى حاشا وخلا وعدا كمعنى إلا في الاستثناء.
إلا أن حاشا عند سيبويه جارة, وعند المبرد ناصبة لاعتقاده فيها الفعلية.
فيقول أبو العباس: كذب الناس حاشا زيدًا, ويقول سيبويه: حاشا زيدٍ, لأنها عنده حرف.
وخلا وعدا فيهما وجهان الجر والنصب.
إن اعتقدت الفعلية نصبت وقلت: قام القوم خلا أخاك, وعدا أباك.
وإن اعتقدت الحرفية جررت, وقلت: خلا أخيك, وعدا أبيك.
وإن دخلت «ما» نصبت على كل حال لأنها مع «ما» فعل لا غير, فتقول: قام القوم ما خلا زيدًا.
وكل هذه الحروف تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى «رب».
لأن «رب» معناها التقليل.
والتقليل يتصور في النكرات الشائعات ولا يتصور في غيرها.
فلذلك تقول: رب طعامٍ أكلته, ولا تقول: رب الطعام, ونحوه.
وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا «رب».
لأن [رب] معناها التقليل.
وتقليل الشيء يقارب نفيه.
والنفي له صدر الكلام.
ومن ثم قال الشاعر:
ربما أوفيت في علمٍ... ترفعن ثوبي شمالات
فأدخل النون الخفيفة في قوله «ترفعن» لما كان التقليل يقارب النفي.
فلذلك تقول: رب طعام أكلته [نفعني].
ولا يجوز: نفعني رب طعامٍ أكلته, لأن «رب» لها صدر الكلام.
والباقي يجوز فيه التقديم والتأخير, مثل: خرجت من الدار, ومن الدار خرجت.
وجئت إلى الدار, وإلى الدار جئت.
لأن الجار والمجرور مفعول, والمفعول يجوز تأخيره وتقديمه إذا كان فعله متصرفًا لا مانع يمنع من تقديمه.
وكلها تدخل على الظاهر والمضمر إلا الستة المذكورة.
وهي: رب, لأن رب لا تدخل إلا على نكرة, فلا يصح أن يقع بعدها المضمر لأنه معرفة.
فلا يجوز: ربك, ولا ربه, ولا: ربي, وأنت تعني مذكورًا جرى ذكره.
فأما قولهم: ربه رجلًا, [وربه امرأةً], فهذا ضمير مجهول فسر بنكرة
بعده, فلا يقاس عليه المضمرات التي تقدمت ظواهرها.
وإنما يقاس على هذا أمثاله من قولك: ربه رجلًا, وربه امرأةً, ونحوه.
والكاف استغني عن وقوع المضمر بعدها بـ «مثل» فتقول: أنت مثله, ومثلي, وهو مثلك.
ولا يجوز شيء من ذلك مع الكاف.
وكذلك «منذ» و «مذ».
لا يجوز: مذه, ولا منذه.
استغني عن ذلك بالأمد إذا قلت: أمده يومان.
وكذلك «حتى» استغني عنها بـ «إلى».
فلا يجوز: حتاه, ولا حتاك, ولا: حتاي.
وواو القسم بدل من ياء القسم, فاقتصر بها على الظاهر دون المضمر.
وإذا اقتصر في الواو فأحرى أن يقتصر في تاء القسم.
و«واو رب» و «فاء رب» جارية مجرى «رب» لا يجوز استعمالها مع المضمر.
وكل ما وقع من حروف الجر خبرًا لمبتدأ, أو صفة لموصوف, أو صلة لموصول, أو حالًا لذي حال, فإنه يتعلق [أبدا] بمحذوف.
مثال الخبر: زيد من الكرام, تقديره: زيد كائن من الكرام, أو مستقر من الكرام.
ومثال الصفة: هذا رجل من الكرام.
ومثال الصلة: هذا الذي من الكرام.
ومثال الحال: هذا زيد من الكرام, أي كائنًا من الكرام, أو مستقرًا من الكرام.
حذفت هذا العامل وأقمت هذا الجار والمجرور مقامه, ونقلت الضمير الذي كان مضمرًا في العامل إلى [هذا] المعمول.
وما عدا هذه المواضع الأربعة فإن حرف الجر يتعلق بموجود, أو ما هو في [38] حكم الموجود.
فالموجود مثل: مررت بزيدٍ.
/ والذي هو في حكم الموجود مثل: بسم الله الرحمن الرحيم.
فهذا في حكم الموجود في الكلام, ألا تراك تركت ذكره لأنه مستقر في الأفهام.
ومتى قدرت «ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم» كان من القسم الأول الذي عامله محذوف, لأن الابتداء المقدر مبتدأ, و «بسم الله» جار ومجرور في موضع الخبر للمبتدأ.
فهو يتعلق بمحذوف آخر, تقديره: ابتدائي كائن, أو الابتداء كائن بسم الله الرحمن الرحيم.
فبسم الله على هذا في موضع رفع, وعلى التقدير الأول في موضع نصب.
والجملة في هذا التقدير مركبة من مبتدأ وخبر, وفي التقدير الأول مركبة من فعل وفاعل.
فاعرف ذلك وقس عليه, فإنه من أدق ما تحتاج إلى معرفته.
وهو للعربية أكشف شيء للمعاني.
وأما قولنا: «ومنها خمسة تجزم الفعل المستقبل, وهي: لم, ولما, ولام الأمر, ولا في النهي, وإن في المجازاة - مع ما حمل عليها من الأسماء
والظروف.
والذي حمل عليها من الأسماء: من, وما, وأي, ومهما.
ومن الظروف: أين, ومتى, وأيان, وأنى, وحيثما, وإذ ما في أحد القولين, و «إذا» في الشعر, وكيفما عند الكوفيين.
كل هذه تجزم فعلين مستقبلين.
والاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء تجزم فعلًا واحدًا, إذا لم يكن معه فاء فإن كان معه الفاء كان منصوبًا مع [هذه] المعاني السبعة, ومرفوعًا مع الشرط.
فإن هذا [الفصل] هو الفصل الرابع من الحروف العوامل وهي الجوازم.
وإنما جزمت لما اختصت بالدخول على الأفعال, ومن شأن الحرف إذا اختص ولم يتنزل منزلة الجزء من الكلمة أن يعمل.
فـ «لم» يجزم فعلًا واحدًا.
ومعناه نفي الماضي.
مثل: لم يقم فلان لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي.
ألا ترى إلى حسن «أمس» معه, مثل: لم يقم أمس.
ولا يجوز: لم يقم غدًا.
ومعنى «لما» كمعنى «لم» في النفي.
إلا أنها نفي فعل معه «قد», و «لم» نفي فعل ليس معه قد.
يقول القائل: قد قام زيد, فتقول: لما يقم, فإن قال: قام [زيد], قلت: لم يقم.
ولها ثلاثة معان, أحدها ما ذكرناه, وهو كونها بمعنى «لم» في نفي الماضي المقدر بقد.
الثاني: أن تكون اسمًا, وهو إذا كانت ظرفًا يقع بعدها الفعل الماضي ويعمل فيها جوابها.
ومثالها: لما جئتني جئتك, أي حين جئتني جئتك, فهي ظرف منصوب بجئتك الأخير لا بالأول, لأن الأول مضاف إليه, والمضاف لا يعمل فيه المضاف إليه.
والثالث: أن تكون بمعنى إلا, تقول العرب: أقسمت عليك لما فعلت, بمعنى إلا فعلت, وهي ها هنا حرف.
وقد يكتفى بها في الجواب, أعني الجازمة, تقول العرب: فعلك [ذلك] ولما, أي فعلت [ذلك] ولما تفعل, فيحذفون المجزوم وهو مراد على طريق الاتساع.
فاعرف ذلك.
ومعنى لام الأمر للغائب, مثل: ليقم فلان, ولا يكون إلا مع فعل الغائب في الغالب.
لأنه إذا كان للمخاطب كان مبنيًا, ولم تدخل عليه لام, مثل: «قم» و «اذهب» فأما قراءة من قرأ (فبذلك فلتفرحوا), بالتاء.
فإنه استعمل الأصل المتروك.
لأن الأصل في المواجهة أن يكون بلا حرف مضارعة, وأن يقال: فبذلك فافرحوا, لأن المواجهة أغنت عن تاء المخاطبة.
ومثله في الشذوذ: «لتأخذوا مصافكم», وأصله «خذوا مصافكم», ولكنه جاء
على الأصل [المتروك] زيادة في تأكيد المخاطبة والمواجهة.
فقد صار فعل الأمر على ضربين, إن كان باللام كان معربًا, وسمي مجزومًا.
وإن كان بغير لام ولا حرف مضارعة كان مبنيًا, وسمي موقوفًا.
ومعنى «لا» في النهي يتناول المخاطب والغائب.
مثل: لا تفعل يا زيد, ولا يفعل زيد.
[لأنه] ليس له غير هذه الصيغة الواحدة.
وهو معرب مجزوم أبدًا, إلا أن يكون معه نون تأكيد فيكون مبنيًا, على ما قدمنا شرحه.
«وإن» في المجازاة تجزم فعلين.
وهذان الفعلان إن كانا مستقبلين كانا مجزومين, وظهر الجزم فيهما مثل: إن تقم أقم.
وإن كانا ماضيين كانا مبنيين على حالهما, وكان الجزم فيهما مقدرًا, مثل: إن قمت قمت.
وإن كان الأول ماضيًا والثاني مستقبلًا فعلى هذا الحكم, مثل: إن قام أقم, الأول مبني والثاني معرب.
ولا يجوز عكس هذا الوجه.
لا يكون الأول مستقبلًا والثاني ماضيًا, لا يجوز: إن تقم قمت.
وجميع ما حمل على «إن» في المجازاة فإنه جار هذا المجرى, أعني في الفعلية.
والذي حمل عليها من الأسماء أربعة: «ما» «ومن» و «أي» و «مهما».
فـ «من» شرط فيمن يعقل, مثل: من يقم أقم معه.
و«ما» شرط فيما لا يعقل, مثل: ما تأكل آكل.
و«أي» شرط في بعض من كل, مثل: أي إنسان يقم أقم معه, وأي طعام تأكله آكله.
«مهما» شرط في جميع الأفعال, كبيرها وصغيرها.
فإذا قال القائل: [39] / مهما تصنع أصنع, فمعناه لا أصغر عن كبير فعلك ولا أكبر عن صغيره.
وفيها خلاف, منهم من يجعلها اسمًا واحدًا مبنيًا.
ومنهم من يجعلها مركبة من شيئين, أصلها «ما ما تفعل أفعل».
فأبدل من الألف الأولى هاء, لأن الألف والهاء من مخرج واحد.
ومنهم من يقول: [هي] «مه» اسم للفعل وزيدت عليها «ما» وجوزي بها.
والصحيح أنها اسم.
والدليل على اسميتها عود الضمير إليها من [نحو] قوله سبحانه: (مهما تأتنا به من آية) فالهاء في «يه» عائدة على «مهما», والعوائد إنما تعود على الأسماء.
والظروف التي يجازى بها أربعة [أيضًا]: أين وأنى ومتى وحيثما.
فـ «أين» شرط في الأمكنة, مثل: أين تقم أقم.
و «أنى» شرط في جهة, مثل: أنى تكن أكن.
و «متى» شرط في الزمان, مثل: متى تصنع أصنع.
و «حيثما» شرط مبهم في المكان, مثل: حينما تكن أكن.
إلا أن «حيث» لا يجازى بها إلا مع «ما» لتكون قاطعة لها عن إضافتها.
لأنها من ظروف المكان التي ألزمت الإضافة, وليست أين وأنى ومتى بمضافات, بل هي مفردات, فلذلك جوزي بها بـ «ما» وبغير «ما», مثل: أين تكن أكن, وأينما تكن أكن, و [قال الله تعالى]: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا), [و (أينما تكونوا يدرككم الموت)].
وإذ ما في قول سيبويه رحمه الله حرف.
وفي قول غيره ظرف.
وحجة سيبويه أنها لما ركبت مع «ما» وأخرجت عن معناها الذي كان لما مضى من الزمان, وصارت لما يستقبل من الزمان, جرت مجرى إن في الحرفية, فتقول: إذ ما تقم أقم, كما تقول: إن تقم أقم.
وهي عند غيره ظرف منصوب بالفعل الأخير المجزوم بها.
فأما «إذا» فلا خلاف أنها ظرف على بابها.
لأنها لم يتنقل معناها, لأنها موضوعة للزمان المستقبل, فلم يدخل عليها ما يخرجها عن أصلها.
إلا أنه
لا يجزم بها إلا في الشعر إذا كان معها «ما».
وأما «كيفما» فإنها يجزم بها عند الكوفيين دون البصريين.
يقول الكوفيون: كيفما تصنع أصنع.
والبصريون يرفعون ذلك.
وكيف عند سيبويه اسم, وعند الأخفش ظرف.
والدليل على مذهب سيبويه أنها اسم أنك [تبدل] منها الاسم فتقول: كيف زيد أصالح أم سقيم.
ولو كانت ظرفًا لأبدلت منها الظرف كما تبدل من «أين» و «متى», وفي عدم ذلك دليل على صحة مذهب سيبويه في الاسمية.
وحجة الأخفش في الظرفية أنها تتقدر بالجار والمجرور.
وهو أنك
إذا قلت كيف زيد, فمعناها عنده «على أي حال هو».
والحروف للظروف.
وليس في ذلك دليل, لأن حروف الجر قد تقدر فيما لا إشكال في اسميته ولا يخرجه ذلك إلى الظرفية.
ألا ترى أن كل مضاف ومضاف إليه لا يخلو من أن يكون مقدرًا باللام أو بمن, مثل: غلام زيدٍ, تقديره: غلام لزيدٍ, وثوب خز, تقديره: ثوبٌ من خز, ونحوه.
وهذا شيء عرض فذكر.
ثم نعود إلى ما نحن بصدده وهو أن هذه الأشياء كلها تجزم فعلين مستقبلين لفظًا ومعنى, وفي الماضي تقديرًا, على ما قدمنا.
فإن أوقعت موقع هذا لأشياء أحد سبعة أشياء - وهي الاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء - جزمت فعلًا واحدًا إذا لم يكن معك [فاء] فمثال الاستفهام: أتقوم أقم, ومثال الأمر: قم أقم.
وكذلك الباقي.
لأن هذه الجمل نابت عن أفعال شرطية, كأنه قال: أتقوم إن تقم أقم.
فإن دخلت الفاء بطل الجزم, ورفعت أو نصبت.
مثال النصب: أتقوم فأقوم, لأن الجواب بالفاء يكون منصوبًا على ما أصلناه في الحروف الناصبة للفعل.
ولو كانت الفاء مع الشرط المحض لكان ما بعد الفاء مرفوعًا, مثل: إن تقم فأقوم.
فهذا مرفوع, لأن ما بعد الفاء مبتدأ مقدر, كأنه قال: فأنا أقوم, والفاء دخلت لتعلق الجواب بالشرط.
وكذلك تفعل بالفاء في باقي كل ما يشرط به.
فاعرف ذلك فان هذه جملة كافية في هذه المقدمة, [إن شاء الله تعالى].