وأما العوامل اللفظية فثلاثة.
الأفعال والحروف والأسماء.
فأما الأفعال فكلها عاملة, لأنها إنما وضعت لذلك, لرفع فاعل لابد لها
منه, وتنصب مفعولًا إن اقتضته, على حسب ما يأتي بيانه, [إن شاء الله تعالى].
وجملتها ثمانية أنواع.
منها نوع يرفع الاسم وينصب الخبر.
وذلك ثلاثة عشر فعلًا مع ما حمل عليها.
وهي: كان وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات وصار وما زال وما انفك وما فتيء وما دام وما برح وليس.
وإنما كانت هذه عاملة لأنها أفعال, متصرفة بالوجوه الخمسة, كان ويكون وسيكون وكن ولا تكن.
فعملت كما تعمل الأفعال الحقيقية.
وإنما قدمناها على الأفعال الحقيقية لأنها من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر.
والمبتدأ أول, فكما يجب أن يبتدأ به فكذلك يجب أن يبتدأ بذكر عامله.
فإذا قلت: كان زيد قائمًا, فزيد اسم مرفوع بكان ارتفاع المسند إليه, وقائمًا منصوب بكان في موضع الخبر للك الاسم الذي عمل فيه «كان».
وقول الناس «اسم كان وخبر كان» اتساع, لأن الفعل لا يخبر عنه, وإنما هو خبر عن الاسم المرفوع بها.
والاسم ليس هو اسمًا لها في الحقيقة, وإنما نسب إليها من حيث كان مرتفعًا بها.
فهذا مجاز, والحقيقة ما ذكرناه.
و«كان» هي أم الأفعال, لأن كل شيء داخل تحت الكون.
وإنما أتي بكان لما أريد من الدلالة على الزمان دون الحدث, لأن الحدث مستفاد من خبرها.
وإنما قولك: كان زيد قائمًا, بمنزلة قولك: زيد قائم أمس, فهي
[65] مجردة من الحدث دالة على الزمان حسب.
ولهذا لم / يستعمل لها مصدر ما دامت [ناقصة] ناصبة للخبر, لا يجوز: كان زيد قائمًا كونًا, لأن خبرها قد أغنى عن مصدرها.
فلذلك كانت ناقصة.
وإنما يستعمل هذا المصدر في التامة التي بمعنى وقع وحدث, فتقول: كان زيد كونًا, كما تقول: حدث حدوثًا, ووقع وقوعًا.
وأخوات كان متواخية على ما رتبت في المقدمة.
فأصبح وأمسى أختان, لأنهما لطرفي النهار.
وأضحى وظل أختان, لأنهما لصدر النهار.
وبات وصار أختان, لاعتلال أعينهما.
وما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام أخوات, للزوم «ما» لها.
و «ليس» منفردة لأنها لا تتصرف.
وقد ذكرت مع الأفعال التي لا تنصرف وهو فعل مشكل.
قال أبو بكر [رحمها لله]: أقمت أربعين سنة أقول إن «ليس» فعل تقليدًا.
وكان أبو علي يعتقد فيها الفعلية تارة, والحرفية أخرى.
ومذهب سيبويه [رحمه الله] الفعلية للأدلة المعروفة, من اتصال الضمير بها, واستتاره فيها, وتفسيرها للفعل في مثل: أزيدًا لست مثله, فزيدًا منصوب باضمار فعل دل عليه «ليس», كأنه قال: أخالفت زيدًا لست مثله.
فلولا أنها فعل لما فسرت فعلًا.
والذي حمل عليها: جعل وطفق وكرب وأخذ وكاد وعسى.
يحكم أبدًا على مواضع أخبار أسماء هذه الأفعال بالنصب وإن لم يكن في لفظه غالبًا.
أعني أنك تقول: جعل زيد يتحدث, وطفق يتحدث, وكرب يتحدث, وأخذ يتحدث, وكاد يتحدث.
فيتحدث في جميع هذا في موضع نصب, كما كان إذا وقع بعد كان وأخواتها, لأن هذه الأفعال مشبهة بها.
لأنها إنما أتي بها لمقاربة الفعل, فإذا دخلت على مبتدأ وخبر لزم خبرها الفعلية كما قال سبحانه (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجن), أي طفقا خاصفين عليهما من ورق الجنة, إلا أن النصب لا يظهر في الغالب.
وإنما قلنا في الغالب احترازًا من مثل:
... وما كدت آيبا
وأصله وما كدت أؤوب.
وكذا: «عسى الغوبر أبؤسا», أي عسى الغوير
أن يبأس.
و«عسى» من بين هذه الأفعال تدخل على خبرها «أن» مثل قوله سبحانه: (فعسى الله أن يأتي بالفتح).
و (عسى ربكم أن يرحمكم).
وإنما خالفت أخواتها لأن معناها الطمع والترجي, وهذا المعنى يكون فيما يستقبل, و «أن» تصرف الفعل إلى معنى الاستقبال.
وليس كذلك معنى «كاد» وأخواتها لأنها بمعنى الحال ومقاربة الفعل فلم يحتج في أخبارها إلى أن.
وعليه قولهم: «كاد النعام يطير».
فإن رأيت «أن» في أخبار هذه الأفعال فإنما هي مشبهة بعسى.
وإذا رأيتها محذوفة من خبر عسى فإن عسى مشبهة بكاد وأخواتها للتقارب الذي بينهما.
فمثال مجيء «أن» في «كاد» قول الشاعر:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
ومثال الحذف من «عسى» قول الآخر:
عسى الكرب الذي أمست فيه... يكون وراءه فرج قريب
فهذا وجه مخالفة هذه الأفعال لكان وأخواتها.
لأن كان وأخواتها لا تدخل أن في أخبارها, لا يجوز: كان زيد أن يقوم.
وكذلك أصبح وباقي أخواتها الثلاثة عشر.
لأن هذه الثلاثة عشر تكون أخبارها مفردة, وهو الأصل, فيظهر النصب, مثل: كان زيدٌ قائمًا.
وتكون جملة وشرطًا وظرفًا فيكون النصب مقدرًا.
فمثال الخبر بالجملة من المبتدأ وخبره: كان زيد وجهه حسن.
ومثال الفعل والفاعل: كان زيد يحسن وجهه.
ومثال الشرط: كان زيدٌ إن وصيته قبل.
ومثال الظرف: كان زيد في الدار, أي مستقرًا في الدار.
وجميع ذلك يجوز في كان وأخواتها كيفما تصرفت, مثل كان زيد قائمًا, ويكون قائمًا, وسيكون قائمًا, وكن قائمًا, ولا تكن قائمًا.
وكذلك الباقي في الأكثر تتصرف هذا التصرف إلا «ليس».
وقد ذكرت.
فإن قدر في جميع هذه الأفعال ضمير الشأن والقصة كان الخبر جملة لا مفردًا, مثل: كان زيد قائم, تقديره كان الأمر زيد قائم.
فموضع هذه الجملة نصب, ولا عائد فيها, لأنها هي ضمير الشأن والقصة في المعنى فلا تحتاج إلى عائد.
وأكثر ما يستعمل ضمير الشأن [والقصة] عند تفخيم الأخبار وتعظيمها مثل قوله:
إذا مت كان الناس صنفان, شامت... وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع
ومثل قوله:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها... وليس منها شفاء الداء مبذول
/ فشفاء الداء مبتدأ, ومبذول خبر الابتداء, و «منها» متعلق بمبذول تعلق المعمول, والجملة في موضع نصب خبر اسم ليس المقدر بالشأن والأمر ونحوه.
ولأخبار هذه الأفعال أحكام كثيرة.
منها أنه يجوز تأخيرها وتوسيطها, وتقديمها إلا ما لزم أوله ما.
مثال الأول: أصبح زيد مسرورًا, ومسرورًا أصبح زيد, وأصبح مسرورًا زيد.
ومثال ما لا يجوز ما لزم أوله «ما» في مثل ما دام, لا يجوز قولك: قائمًا ما دام زيد, لأن «ما» قد لزمت صدر الكلام, وهي مشبهة بما النافية التي لها صدر الكلام.
ومنها أن أخبارها إذا كانت استفهامًا لم تكن إلا مقدمة, مثل: كيف كان زيد, لأن الاستفهام له صدر الكلام, فموضع «كيف» نصب, ولا يجوز:
كان زيد كيف.
وكذلك: من كان زيد, وما كان زيد, وأين كان زيد, ونحوه من جميع أسماء الاستفهام.
فأما تقديم خبر ليس عليها فلا يجوز, لأنها لا تتصرف.
وقد أجاز بعضهم ذلك, وهو ضعيف.
ولا خلاف في جواز تقديم خبرها على اسمها مثل: ليس قائمًا زيد, إلا أنه لا يتقدم عليها في نفسها.
وأما قولنا: «ومنها نوع ثان ينصب المبتدأ والخبر جميعًا, ولا يجوز الاقتصار على أحد المفعولين.
وذلك أربعة عشر فعلًا [وهي]: علمت, ورأيت, ووجدت, وظننت, وحسبت, وخلت, وزعمت, ونبئت, وأنبئت, وأريت, وأعلمت, وحدثت, وأخبرت, وخبرت.
كل هذه إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام, ولا لام ابتداء, ولا شيء يمنع من العمل في اللفظ, فإنها تنصب الاسمين, هي وما تصرف منها, نحو: علمت زيدًا قائمًا.
وإن وقعت وسطًا بين الاسمين جاز وجهان, الإعمال والإلغاء, والإعمال أجود.
تقول: زيدًا علمت قائمًا, وزيد علمت قائم.
وإن وقعت أخيرًا جاز أيضًا وجهان, أجودهما الإلغاء.
تقول: زيد قائم علمت, وزيدًا قائمًا علمت.
وكذلك الباقي.
وكل ما جاز أن يقع خبرًا لكان وأخواتها من مفرد وجملة وشرط وظرف جاز أن يقع مفعولًا ثانيًا لهذه الأفعال.
وكلها لا يجوز الاقتصار فيها على أحد المفعولين, ويجوز تركهما جميعًا, ولا يجوز ترك أحدهما.
قال الشيخ: وجملة الأمر أن هذه الأربعة عشر فعلًا متواخية.
ثلاثة للعلم, وهي: علمت ورأيت ووجدت.
وثلاثة للشك, وهي: ظننت وحسبت وخلت.
وواحد متردد بينهما, وهو زعمت.
والسبعة الباقية مبنية لما لم يسم فاعله, لأنها كانت متعدية إلى ثلاثة لما كانت مبنية للفاعل من نحو: نبأت وأنبأت, فلما نقلت إلى ما لم يسم فاعله صار المفعول الأول فاعلًا, فبقي المفعولان الباقيان على أصلهما منصوبين.
وإذا كان كذلك, فكل هذه الأفعال إذا وقعت أولًا وليس بعدها حرف استفهام, ولا لام ابتداء, فإنها تنصب الاسمين جميعًا هي وما تصرف منها, مثل: علمت زيدًا قائمًا.
وإنما نصبتهما لأنه ليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول المنصوب, وهي تقتضي مفعولين فتنصبهما إذا لم يمنعها من ذلك مانع [من ألف استفهام أو لام ابتداء].
فإن دخل عليها مانع من حرف استفهام أو لام ابتداء بطل عملها لفظًا وثبت تقديرًا.
مثاله مع الاستفهام: قد علمت أزيد قائم.
ولا يجوز: قد علمت أزيدًا قائمًا, لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
ومثال لام الابتداء: قد علمت لزيد قائم.
ولا يجوز: قد علمت لزيدًا قائمًا, لأن لام الابتداء لا يعمل فيها ما قبلها.
وكذلك لو دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفعت الجملة, فقلت: قد علمته زيد قائم.
ولا يجوز: قد علمته زيدًا قائمًا, والهاء هاء الشأن.
لأن ضمير الشأن والقصة لا يفسر إلا بجملة.
فإن جعلت الهاء ضمير مصدر أو ضمير زمان أو مكان فلا إشكال في نصب
الجملة.
كأنك قلت: قد علمت علمًا زيدًا قائمًا.
وكذلك بقية هذه الأفعال حكمها هذا الحكم.
فإن توسطت هذه الأفعال كلها بين هذين الاسمين كنت مخيرًا بين نصبهما ورفعهما.
ونصبهما أجود لقرب الفعل من رتبته.
مثال نصبهما: زيدًا علمت قائمًا.
فزيد مفعول أول, وقائم مفعول ثان, وعلمت عمل فيهما.
ومثال رفعهما: زيد علمت قائم.
فزيد مبتدأ, وقائم الخبر, وعلمت ملغي.
وإنما ألغي لأنه جعل في تأويل الظرف, كأنه قال: زيد في علمي قائم.
وكذلك إذا قلت: زيد ظننت منطلق, أي زيد في ظني منطلق.
فكما أن الظرف هنا لا يعمل / شيئًا فكذلك الجملة الواقعة موقعه في هذا, وفي [67] جميع هذه الأفعال.
فإن وقعت هذه الأفعال كلها أخيرًا جاز أيضًا وجهان, أجودهما الإلغاء لبعد الفعل عن رتبته.
مثال الإلغاء: زيد منطلق علمت, أي زيد منطلق في علمي.
ومثال الأعمال: زيدًا منطلقًا علمت.
وكذلك الباقي.
ولما كان أصل هذين المفعولين من المبتدأ والخبر لم يجز حذف أحدهما والاقتصار على الآخر.
كما لا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الآخر, ولا على الخبر دون المبتدأ, كذلك لا يجوز في علمت زيدًا منطلقًا «علمت زيدًا», ولا «علمت منطلقًا» وأنت تريد علم القلب.
فإن أردت علم المعرفة جاز, لأن علم المعرفة يتعدي إلى مفعول واحد, قال الله سبحانه (لا تعلمونهم الله يعلمهم) أي لا تعرفونهم الله يعرفهم.
وكذلك الظن إن كان بمعنى الشك تعدى إلى مفعولين, ولم يجز الاقتصار على أحدهما كفعل العلم, لأن الظن تغليب القلب على أحد مجوزين ظاهري
التجويز, فكان حكمه كحكمه في التعدي.
وإن كان بمعنى التهمة تعدى إلى [مفعول] واحد, تقول: ظننت زيدًا, بمعنى اتهمت زيدًا.
وعلى هذا قوله سبحانه (وما هو على الغيب بظنين), فيمن قرأ بالظاء, أي بمتهم, فعيل بمعنى مفعول.
وفيه ضمير مستتر قام مقام ما لم يسم فاعله.
ومن قرأ بالضاد فظاهره ومعناه سواء, لأن معناه «ببخيل».
ولا يصح أن يكون بمعنى مفعول كقراءة من قرأ بالظاء, لأن فعله لا يتعدى بنفسه, تقول: ضننت بالشيء, إذا بخلت به.
فاعرفه [والله أعلم].
وكذلك «رأيت» إن كانت من رؤية القلب تعدت إلى اثنين, وإن كانت من رؤية العين تعدت إلى واحد.
فمن الأول قوله سبحانه (إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا).
ومن الثاني قوله [تعالى]: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون).
فينظرون في موضع الحال.
وكذلك ما جاء من هذه الأفعال يحتمل معنيين وفيت كل معنى ما يستحقه ولما كانت هذه الأفعال كلها داخلة على المبتدأ والخبر جاز أن يكون المفعول
الثاني مفردًا وجملة وظرفًا, كما يكون خبر المبتدأ مفردًا وجملة وظرفًا.
فإذا كان مفردًا كان الإعراب ظاهرًا.
وإذا كان جملة وظرفًا كان الإعراب مقدرًا مثال المفرد: ظننت زيدًا قائمًا.
ومثال الجملة من المبتدأ والخبر: ظننت زيدًا أبوه عالم.
فأبوه مبتدأ, وعالم خبره والجملة في موضع نصب مفعولًا ثانيًا لظننت.
وكذلك الجملة من الفعل والفاعل, مثل: ظننت زيدًا يعلم.
وكذلك الجملة من الشرط والجزاء, مثل: ظننت زيدًا إن يعلم يتقدم.
ومثال الظروف: ظننت زيدًا عندك, أو: في دارك.
فهذا الظرف وشبهه يتعلق باستقرار محذوف على ما أصلنا.
وكذلك الحكم في باقي هذه الأفعال.
ومتى أدخلت «أن» على هذه الأفعال فتحتها وسدت مسد المفعولين, مثل: ظننت أن عمرًا قائم, وعلمت أن زيدًا قائم.
فإن أدخلت اللام في الخبر كسرت «إن» فقلت: علمت إن زيدًا لقائم.
لأن لام الابتداء لو كانت أولًا لمنعت الفعل أن يعمل فيما بعدها.
وكذلك إذا دخلت في خبر إن منعت الفعل من أن يعمل في إن وعلقته عن العمل إلا في التقدير.
فإن أدخلت «ان» في المفعول الثاني نظرت, فإن كان المفعول الأول عينًا كسرت «ان», وإن كان معنى فتحت «ان».
فمثال العين: ظننت زيدًا إنه قائم.
ومثال المعنى: ظننت أمر زيد أنه قائم.
لأن المفتوحة منسبكة انسباك المصدر, والمعنى ظننت أمر زيدٍ قيامًا, فلو فتحتها مع العين لفسد المعنى.
فإن أدخلت اللام كسرت مع العين وغير العين.
فاعرف ذلك.
[ثم قال الشيخ: ] وأما قولنا: «ومنها نوع ثالث يتعدى إلى اثنين أيضًا فينصبهما.
ويجوز الاقتصار على أحدهما.
وهو كل ما ما كان المفعول الثاني فيه غير الأول, مثل أعطيت زيدًا درهمًا, وكسوت خالدًا ثوبًا, وآتيت عمرًا مالًا, وأوليته خيرًا.
ويلحق بهذا استغفرت الله ذنبًا, واخترت الرجال زيدًا.
ولا تلغى هذه الأفعال عن العمل تقدمت معمولاتها أو توسطت أو تأخرت».
قال الشيخ رحمه الله: فإن جملة الأمر أن هذا النوع لا يخلو من ثلاثة أقسام.
إما أن يكون في أصله متعديًا إلى اثنين, مثل: كسوت زيدًا جبة.
أو يكون في أصله متعديًا إلى واحد ثم دخلت الهمزة فعدته إلى آخر, مثل: أعطيت زيدًا [68] درهمًا, أصله من عطوت زيدًا, يقال عطوت / إذا تناولت, وعطوته, إذا ناولته, ثم أدخلت الهمزة فعديته إلى مفعول آخر على حد ضربت زيدًا, وأضربت زيدًا عمرًا, أي جعلته يضربه.
وكذلك أعطيت زيدًا درهمًا, زيد معطى, وهو آخذ للدرهم.
ومنها ما يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر, ثم اتسع في حرف الجر بالحذف فتسلط الفعل على ذلك المفعول فنصبه, مثل: استغفرت الله ذنبًا, واخترت الرجال عمرًا, أي من الرجال, ومن ذنب.
قال الله تعالى (واختار موسى قومه سبعين رجلًا).
وقال الشاعر:
استغفر الله ذنبًا لست محصيه... رب العباد إليه الوجه والعمل
وقال الآخر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
أي أمرتك بالخير.
وأما قول الشاعر:
أستغفر الله غفار الذنوب لما... قدمت من عمل لم يرضه الله
فإن المفعول الثاني «من عمل» في موضع نصب متعلق باستغفر تعلق المفعول به.
وإن جعلت «من» متعلقة بقدمت لا باستغفر كان «لما قدمت» في موضع المفعول الثاني.
فإذا كان كذلك فكل هذه الأقسام تتساوى في عمل الفعل في المفعولين.
وإذا تساوت في العمل فيهما فإنها تعمل فيهما على كل وجه, متقدمة عليهما, أو متوسطة بينهما, أو متأخرة عنهما.
مثل الأول: أعطيت زيدًا درهمًا.
ومثال الثاني: زيدًا أعطيت درهمًا.
ومثال الثالث: زيدًا درهمًا أعطيت.
وإنما لم يجز الإلغاء في هذا كله كما جاز فيما تقدم لأنه ليس يبقى بعد الإلغاء كلام تام, لأن زيدًا ليس بالدرهم, ولا الدرهم بزيدٍ.
وإنما تلغى إذا بقي ماله معنى, وليس
لهذا معنى, [فلذلك لم يجز].
ومن ها هنا ساغ الاقتصار على أحد المفعولين.
أما على الأول فتقول: أعطيت زيدًا, وأما على الثاني فتقول: أعطيت درهمًا, لأنه لما لم يلزم الجمع بينهما قبل دخول العامل عليهما لم يلزم الجمع بينهما بعد دخول العامل عليهما لزوم ما أصله المبتدأ والخبر.
وقد يجوز حذفهما جميعًا, فتقول: أعطيت.
فمتى حذفتهما جميعًا فهو غاية في الإبهام.
ومتى ذكرتهما جميعًا فهو غاية في البيان.
ومتى اقتصرت على أحدهما فهو توسط في البيان.
وذلك كله بحسب ما تدل عليه القرائن.
وفي كتاب الله سبحانه (إنا أعطيناك الكوثر), فالمفعولان مذكوران.
وفيه (وآتينا داود زبورا), فالمفعولان أيضا مذكوران.
وفيه (وارزقوهم فيها واكسوهم).
فاحد مفعولي الكسوة والرزق محذوف, أي اكسوهم مما تلبسون وارزقوهم مما تتناولون.
وفيه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا) فأحد المفعولين محذوف تقديره استغفروه ذنوبكم.
وفيه (واستغفره إنه كان توابًا), على هذا الحكم أيضًا.
فأما قوله تعالى (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا), فيؤت ههنا فيه ذكر مفعوليه جميعًا, لأن المفعول الأول كان منصوبًا ولكنه قام مقام الفاعل
فارتفع واستتر, والأصل: ومن آتاه الله الحكمة فقد آتاه خيرًا كثيرًا.
فاعرف ذلك وقس عليه [النظير] فإنه باب كثير المقال.
[ثم قال الشيخ]: «ومنها نوع رابع, يتعدى إلى ثلاثة [مفعولين] فينصبهما, وهي سبعة أفعال: أعلم, وأرى, ونبأ, وأنبأ, وأخبر, وخبر, وحدث.
تقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا, وكذلك الباقي.
وهي عاملة أبدًا تقدمت مفعولاتها أو توسطت أو تأخرت.
ويقع موقع المفعول الثالث كل ما جاز أن يقع موقع المفعول الثاني من مفعولي «ظننت وأخواتها», مثل أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا, وأعلمت زيدًا عمرًا قام أبوه, وأعلمت زيدًا عمرًا أبوه قائم, وأعلمت زيدًا عمرًا في الدار.
وكذلك الباقي».
قال الشيخ رحمه الله: وجملة الأمر أن هذه السبعة أصلها مما يتعدى إلى اثنين.
فلما دخلت الهمزة في أعلم وأنبأ وأرى وأخبر والتضعيف في نبأ وخبر وحدث عدته إلى آخر فصار يتعدى إلى ثلاثة, ولما تعدى إلى ثلاثة لم يجز أن تلغى هذه الأفعال عن العمل, لأنه لو ألغيت عن العمل في حال توسطها أو تأخرها لبقيت الأسماء لا معنى لذكرها, ولا فائدة في اجتماعها.
ألا ترى أنك لو قلت / [69] «زيد عمرو قائم» لم يكن كلامًا, لأن الأول ليس بالثاني, ولا الثاني بالأول.
وشرط الفعل الملغي عن العمل أن يكون للأسماء بعد إلغائه معنى يتحصل, وهذا معدوم [ههنا], فلذلك وجب إعمال هذه الأفعال على كل حال تقدمت أو توسطت أو تأخرت.
فأما المفعولان الأخيران فعلى أحكام المفعولين الأولين في باب «ظننت», لأنهما اللذان كانا مفعولين لباب «علمت», ولا يجوز الاقتصار على الثالث دون الثاني, ولا على الثاني دون الثالث.
فأما الأول ففيه خلاف, فمن الناس من يجيز الاقتصار عليه ويحذف المفعولين جميعًا كما جاز حذفهما جميعًا في باب «علمت».
ومن الناس من لا يجيز الاقتصار عليه ويوجب الإتيان بالمفعولين الباقيين معه, وهو المذهب [الصحيح].
وعليه قولهم: أعلم الله النبي الصلاة خمسًا, فأعلم يقتضي معلما ومعلما وشيئًا أعلم.
فالفائدة متعلقة بالجملة الثانية.
فلذلك كان الأجود الإتيان بالمفعولات الثلاثة.
فإما «أن» فلا تدخل في هذا الباب على المفعول الأول, لا يجوز أعلمت أن زيدًا عمرو قائم, لأنها لا تسد مسد الثلاثة المفعولات, ولأن الأسماء التي في خبره غير مؤتلفة المعنى, ألا ترى أن خبر «أن» هو اسمها في المعنى.
فإذا لم يجز أن تدخل على المفعول الأول جاز أن تدخل على المفعول الثاني.
وإذا
دخلت كانت مفتوحة كقولك: أعلمت زيدًا أن عمرًا قائم, فسدت باسمها وخبرها مسد المفعولين الباقيين.
فإن دخلت على المفعول الثالث كانت مكسورة مثل: أعلمت زيدًا عمرًا إنه قائم, كما كانت في باب «علمت».
لأنه موضع يقع فيه المفرد والجملة.
والكلام في باقي هذه الأفعال كالكلام في «أعلمت» لاشتراك الكل في التعدي إلى ثلاثة مفعولين.
ويجوز أن تعديها إلى مصادرها المخصوصة بها مثل: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إعلامًا, فلا خلاف أن «إعلامًا» مصدر منصوب بأعلم.
فإن قلت: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا علمًا.
ففيه خلاف.
منهم من يقول انتصابه باضمار فعل آخر كأنه قال: فعلم علمًا, لأن العلم مصدر لفعل ثلاثي, والإعلام مصدر لفعل رباعي, فلم يجر مجراه.
ومنهم من يقول: تجريه في النصب مجراه وتجعله مصدرًا قد حذفت زوائده, كما قال الشاعر:
[أكفرًا بعد رد الموت عني]... وبعد عطائك المائة الرتاعا
أي بعد إعطائك.
[ثم قال الشيخ رحمه الله] وأما قولنا: «ومنها نوع خامس يتعدى إلى مفعول واحد فينصبه, وهي أفعال الحواس الخمس وما جرى مجراها, مثل: أبصرت زيدًا, وشممت الريحان.
وذقت الطعام, ولمست الثوب, وسمعت القراءة, ولا تلغى [هذه الأفعال] عن العمل تقدم معمولها أو تأخر».
فجملة الأمر أن هذا النوع الخامس المتعدي إلى واحد إنما تعدى إلى واحد
لأن معناه لا يقتضي إلا واحدًا.
ألا ترى أن الإبصار يقتضي مبصرًا, والشم يقتضي مشمومًا, والذوق يقتضي مذوقًا, واللمس يقتضي ملموسًا, والسمع يقتضي مسموعًا.
ولما اقتضى مسموعًا لم يجز أن يقال سمعت زيدًا, لأن زيدًا ليس مما يسمع فتحتاج أن تقول: سمعت قراءة زيدٍ, لأن القراءة مسموعة.
فإن قيل: فإن الله تعالى يقول: (هل يسمعونكم إذ تدعون), فقد عداه إلى الكاف والميم التي هي للمخاطبين, وليسوا بمسموعين.
قيل: فيه وجهان, أحدهما أنه على حذف مضاف, كأنه قال: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون, فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والوجه الثاني: أن الظرف من قوله «إذ تدعون» لما كان مضافًا إلى «تدعون» كان فيه ما يسد ذلك المسد من المفعول المسموع.
وأما قوله سبحانه (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم).
فلا إشكال فيه, لأن مفعول «لا يسمعوا» هو «دعاءكم», ومفعول «لو سمعوا» محذوف, أي: ولو سمعوا دعاءكم ما استجابوا لكم.
لأن هذه الأفعال كلها تتعدى إلى مفعول واحد ويجوز أن يحذف ذلك المفعول اختصارًا, وخاصة إذا دل الدليل عليه.
وهذه الأفعال مع جوار حذف مفعولاتها لا يجوز إلغاؤها عن العمل لأنه لا يستقل بالمفرد كلام.
ولو قلت: الطعام ذقت, على طريق الإلغاء لم يجز حتى تبرز/ الضمير فتقول «ذقته».
فإن جعلته خبر الابتداء وقدرت الهاء فقلت: [70] الطعام ذقت, فما ألغيت [ذقت] لأنك قد أعملته في ضمير الطعام.
فإن
قلت الطعام ذيق, فليس هناك مفعول منصوب, إنما هناك ضمير مفعول قام مقام الفاعل, مرفوع, كأنك قلت: «الطعام ذيق هو», بمنزلة الطعام مذوق.
ولو أتيت باسم الفاعل عوض «ذقت» خبرًا عن «الطعام» لم يجز أن تقول: الطعام ذائقه, حتى تبرز الضمير فتقول: الطعام ذائقه أنا, لأن اسم الفاعل قد جرى على غير من هو له فصار خبرًا عن الطعام, والفعل للمتكلم فوجب إبراز الضمير, وأن تقول: الطعام ذائقه أنا.
وكذلك بقية [هذه] المسائل إذا رتبتها هذا الترتيب كان حكمها هذا الحكم, مثل: زيد أبصرته, وزيد مبصره أنا, [وزيد أبصر], وزيد مبصر.
والريحان شممته, والريحان شامه أنا, والريحان شم, لمالم يسم فاعله, والريحان مشموم.
والثوب لمسته, والثوب لامسه أنا, والثوب ملموس, والثوب لمس.
والقراءة سمعتها, والقراءة سامعها أنا, والقراءة مسموعة, والقراءة سمعت.
فاعرفه.
وكل ما يأتي من معاني هذه الأفعال [التي] للحواس الخمس يجري مجراها إذا كان في معناها.
فأما قولنا: «ومنها نوع سادس يتعدى بواسطة من حرف جر أو غيره,
مثل: مررت بزيد, ونزلت على عمرو.
فهذا مفعول مجرور في لفظه, منصوب في تقديره.
يدلك على ذلك أنه يجوز أن تعطف عليه بالمنصوب والمجرور فتقول: مررت بزيد وعمرو وعمرًا.
ويلحق بهذا ما يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر, مثل: شكرت زيدًا, وشكرت له.
وكلته, وكلت له.
ووزنته, ووزنت له.
ورجعته ورجعت إليه».
قال الشيخ رحمه الله: وجملة الأمر أن الفعل يتعدى تارة بنفسه, وتارة بغيره, بحسب قوته وضعفه ودلالة وضعه.
فالمتعدي بنفسه قد تقدم ذكره.
والذي يتعدى بواسطة, فجملة الوسائط ثلاث.
واسطة مقدمة في أول الفعل كالهمزة من قولك: قام زيد, وأقمت زيدًا, وخرج عمرو, وأخرجته.
وواسطة في وسط [الفعل], وهو التضعيف, مثل فرح زيد, وفرحته أنا, وحزن زيد, وحزنته.
وواسطة من بعده كحروف الجر.
نحو مررت بزيد, ونزلت على عمرو.
كل واحد من هذه يعدي الفعل, إلا أن تعديته بحرف جر تعدية إضافة, فلذلك كان مجرورًا.
وتعديته بالهمزة أو التضعيف تعدية بنية, فلذلك كان كان المعمول منصوبًا.
ولذلك لا يجوز أن تجمع بين الهمزة وحرف الجر, لا يجوز: أمررت بزيد, ولا: أنزلت على عمرو, إلا أن تأتي بكلام يقتضيه فتقول: أمررت فلانًا بزيدٍ, وأنزلت فلانًا على عمرو.
فإن حذفت ذلك وأنت تريده لم يمتنع.
وكذلك إذا حذفت الجار والمجرور, وبقيت المنصوب لم يمتنع, فقلت: أمررت زيدًا.
فأما الجمع بين الهمزة والتضعيف فلا يجوز بحال لأن الهمزة تقتضي وزن «أفعل», والتضعيف يقتضي وزن «فعل» فلا يجتمعان لاختلاف البناءين:
فقد ظهر لك بهذا أن الجار والمجرور في «مررت بزيد» في موضع نصب
لأنه في مقابلة «أمررت زيدًا», أي جعلته يمر بغيره.
وإذا كان في مقابلته فقد صارت حروف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة بحكم الإضافة, وبمنزلة الجزء من الفعل تارة بحكم النصب مع الهمزة.
فلذلك جاز الجر والنصب في قولك: مررت بزيدٍ وعمروٍ, وعمرًا.
فإن بنيت الفعل لما لم يسم فاعله قلت: مر بزيد وعمرو, وإن شئت نصبت فقلت: مر بزيد وعمرًا, لأن المرفوع في بناء ما لم يسم فاعله منصوب في المعنى إذ كان أصله أن يكون مفعولًا.
ومثله: نزلت على عمرو وخالدٍ وخالدًا, ونزل على عمروٍ وخالدٍ وخالدًا.
فأما الفعل الملحق بهذا وهو شكرت زيدًا وشكرت له فموقوف على السماع وفيه مذهبان.
من الناس من يقول إن الأصل الجر, ثم حذف الجار فتعدى الفعل فنصب.
ومنهم من يقول: هما لغتان بمعنى واحد, لغة قوم يعدون هذا الفعل بواسطة, ولغة لآخرين يعدونه بنفسه.
وفي كتاب الله تعالى الأمران.
[قال الله تعالى]: (أن اشكر لي ولوالديك), وقال في موضع آخر: (واشكروا لي ولا تكفرون), وقال تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون), أي كالوا لهم, ووزنوا لهم.
فأما قوله [سبحانه وتعالى]: (فأوف لنا الكيل), فلا يصح أن يكون «لنا» متعلقًا بالكيل, على حد «كل لنا» لأن الكيل مصدر, والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته.
وإنما «لنا» متعلق بأوف تعلق المفعول به, أو تعلق الصفة بموصوف محذوف, أي: أوف إيفاءً لنا, أو تعلق الأحوال,
أي: متممًا لنا.
أو تكون اللام زائدة على حد (ردف لكم).
فاعرف ذلك.
وأما قولنا: «ومنها نوع سابع يبنى لما لم يسم فاعله, وهو ما كان من صحيح الأفعال أوله مضمومًا, وما قبل آخره مكسورًا مع الماضي ومفتوحًا مع المستقبل, مثل: قد علم زيد قائمًا, وأعطي زيد درهمًا, وأعلم زيد عمرًا قائمًا, وأبصر زيد, ونزل على عمرو».
[قال الشيخ رحمه الله]: لجملة الأمر أن الأصل في هذا الباب أن يكون مبنيًا للفاعل لأنه البيان التام, وإنما يعدل عنه إلى هذا الباب لأحد خمسة أشياء.
إما للمخافة من ذكر الفاعل, وإما لجلالته, وإما لخساسته, وإما للجهالة به, وإما للاختصار والإيجاز.
فالمخافة من مثل قولك: قتل فلان, فلا تذكر قاتله مخافة أن تؤخذ عليك بذلك شهادة أو لطخة أو غير ذلك.
والجلالة من مثل قولك: قتل الجليل, وقاتله خسيس.
أو قتل الخسيس, وقاتله جليل.
أو قتل فلان, وأنت غير عارف بمن قتله.
أو لا يكون قصدك شيئًا من ذلك كله وإنما هو اختصار, كما تقول: قيل كذا وكذا, وأنت تعلم قائله.
وهذا الاختصار يشتمل على ثلاثة أشياء.
حذف الفاعل, وإقامة المفعول مقامه, ونقل الفاعل من صيغة إلى صيغة.
فلما حذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه فقد وجب أن تكون مفعولات هذا الباب أنقص رتبة مما يتعدى إليه الفعل المتعدي, لأنه قد قام المفعول مقام الفاعل.
فيصير باب «ضرب» المتعدى في باب «ضرب» غير متعد.
ويصير باب «أعطيت» يتعدى إلى مفعول واحد, وباب «أعلمت» يتعدى إلى اثنين.
وباب ما لا يتعدى لا يجوز دخوله في هذا الباب من نحو «قام» و «قعد» لأنه لم يبق معه ما يقوم مقام الفاعل.
فإن عديته
بحرف جر جاز.
وقد ذكر.
وصيغة هذا الفعل, لا يخلو من أن يكون ثلاثيًا, أو زائدًا على الثلاثي.
فإن كان ثلاثيًا صحيحًا ضم أوله وكسر ما قبل آخره, مثل: ضرب.
وإن زاد على الثلاثة - من رباعي أو خماسي بزيادة, أو سداسي بزيادة - ضم الأول وكسر ما قبل الآخر, مثل: أعطي, وانطلق به, واستخرج المال.
وهكذا الفعل إذا كان مضاعفًا إلا أن الكسرة تزول لأجل الإدغام, مثل: قد شد ومد, وقد كان أصله شدد ومدد.
وقد اشتد عليه, أصله: اشتدد [عليه].
وإذا كان معتلًا لم يخل الاعتلال أن يكون من أوله أو من وسطه أو من آخره.
فإن كان من أوله مثل: وعد ووزن, جاز فيه وجهان: وعد وأعد, ووزن وأزن.
وقد قرئ بالأمرين جميعًا (وإذا الرسل أقتت) و (وقتت).
فحجة من قرأ بالواو تمسكه بالأصل, وحجة من همز استثقال الضمة على الواو فقلبها همزة.
والمعتل العين مثل قال وباع, ونحو شاء وجاء وخاف وطاب وغاض, فهذا في بنات الواو منه ثلاثة أعمال, حذف الضمة من أوله, ونقل الكسرة من عينه إلى فائه, وقلب الواو ياء لانكسار ما قبلها.
وذلك قولك: قيل, وسيء.
أصله قول, حذفت الضمة من القاف, ونقلت إليها كسرة الواو, ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها, فصار قيل.
وفي هذه الحركة ثلاث لغات.
إخلاص الكسرة كقراءة الجماعة.
وأما الكسائي ومن تابعه فإنهم يشمون الكسرة صوت الضمة
حرصًا على البيان.
واللغة الثالثة إخلاص الضم, وهو أن يقول القائل: قول القول, وبوع المتاع, وأنشد ابن الأعرابي:
ليت وما ينفع ليت ليت... ليت زمانًا بوع فاشتريت
[ويروي:
ليت وما بنفع نفسًا ليت... ليت شبابًا بوع فاشتريت]
وهذا ترجع فيه الياء من «قيل» إلى أصلها, وترجع الياء من «بيع» إلى غير أصلها.
فإن قيل: فهل الضم فيمن أشم مدخل على الكسر أم الكسر مدخل على الضم؟
قيل: الضم مدخل على الكسر, لأن الضم الأصل وقد ذهب بالجملة وخلفته الكسرة حتى صار بوزن فيل وديك / ونحوه من الأسماء, وبطل حكم الضم.
فمن أشم فإنما أشم الكسرة الضم الذي كان حذف ليدل على بيان الأصل الذي كان قبل دخول الكسرة.
وإن كان الفعل معتل اللام مثل: دعا وغزا, فليس فيه إذا بني لما لم يسم فاعله إلا قلب الألف ياء لانكسار ما قبلها, فتقول: دعي وغزي, [وكان أصله دعو وغزو] ولكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها, فكان فيه عملان, إعادة الألف إلى الواو, ثم قلب الواو ياء.
ولو كان من ذوات الياء مثل: رمى وجرى لكان فيه عمل واحد, وهو إعادة الألف إلى الياء لانكسار ما قبلها.
فهذا كلام في تغيير أفعال هذا الباب.
وكل ما كان منه مضاعفًا فإنه يبقى حاله مضاعفًا, مثل: قد شد الثوب, ومد الحبل.
أصله مدد وشدد, ولكنه سكن فأدغم لاجتماع المثلين.
وجملة الأشياء التي تقوم مقام الفاعل عند عدم المفعول أربعة.
المفعول بحرف جر, والظرف المتمكن من الزمان, والظرف المتمكن من المكان, والمصدر المخصص.
مثال المفعول بحرف الجر: سير بزيد, وحير على عمرو, ووشيء به.
الجار والمجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل, ولذلك لا يجوز تقديمه على الفعل, لا تقول: بزيد سير, وأنت قد أقمته مقام الفاعل لأن الفاعل لا يتقدم على فعله.
فإن قلت: بزيد سير السير, جاز تقديمه لأنه هنا في موضع نصب.
وإذا كان في موضع نصب كان مفعولًا والمفعول يجوز تقديمه.
ومثال الظرف المتمكن من الزمان: سير يومان, وليلتان, وشهران, وسنتان.
وما أشبه ذلك.
ومثال الظرف المتمكن من المكان سير فرسخان, وبريدان, وميلان ونحوه
من ظروف الأمكنة المستقرة.
فإن كان مثل «عند» لم يجز إقامته مقام الفاعل لكونه غير متمكن.
ومثال المصدر المخصص سير سير شديد, ومر مرور حسن, وجير جور عظيم.
فإن اجتمعت هذه المسائل الأربع في مسألة واحدة مثل: سير بزيد يومين فرسخين سيرًا شديدًا, كنت مخيرًا أيها شئت أقمته مقام الفاعل وتركت الباقي منصوبًا على حاله.
فإن أقمت «بزيد» قلت: سير بزيد فرسخين يومين سيرًا شديدًا, فالجار والمجرور في موضع رفع قائمًا مقام الفاعل, و «يومين» منصوب نصب ظرف الزمان, و «فرسخين» منصوب نصب ظرف المكان, و «سيرًا شديدًا» منصوب نصب المصدر.
فلك أن تأتي بها كلها بعد «سير», ولك أن تأتي بها كلها قبل «سير».
فأما الذي أقمته مقام الفاعل فليس لك أن تقدمه على «سير».
فإن أقمت «اليومين» مقام الفاعل رفعتهما بالألف ونصبت ما سواهما.
وإن أقمت «الفرسخين» مقام الفاعل رفعتهما بالألف ونصبت ما سواهما.
وإن أقمت «سيرًا شديدًا» مقام الفاعل رفعتهما ونصبت ما سواهما.
فهذه أربعة أوجه.
فإن قلت: سيرت زيدًا, فعديته بالتضعيف ونصبت زيدًا, فليس إلا وجه واحد وهو إقامة زيد دون اليومين والفرسخين والمصدر لأنه مفعول به صريح, ولا يقام مع المفعول به الصريح الذي قد تعدى الفعل إليه بنفسه غيره.
فأما قراءة من قرأ (ويخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورا) فالذي قام مقام الفاعل المفعول
به لا مصدر ولا مفعول بحرف جر, والتقدير: ويخرج له عمله يوم القيامة مكتوبًا, فكتابًا ينتصب على الحال الواقعة موقع «مكتوب», فلذلك لا يجوز أن تقام الحال مقام الفاعل.
فإن قيل: فأين المفعول الذي أقيم مقام الفاعل فيمن قرأ (ونخرج) مذكور؟ قيل: قد كان محذوفًا في قراءة الجماعة (ونخرج له يوم القيامة كتابًا), أي: نخرج له عمله مكتوبًا, لأن المفعول فضله, والفضلات تحذف فالذي أقيم مقام الفاعل فيمن قرأ (ويخرج) هو ذلك المفعول الذي كان منصوبًا محذوفًا.
وأما قراءة من قرأ (ليجزى قومًا بما كانوا يكسبون) فإنها مشكلة جدًا, لأنه أقام المصدر مقام الفاعل مع وجود المفعول به وهو القوم.
والتقدير ليجزى الجزاء قومًا.
وقد جاء في الشعر من هذا قول القائل:
فلو ولدت قفيرة حرو كلبٍ... لسب بذلك الجرو الكلابا
أي لسب السب.
وحقه أن يرفع «الكلاب», ولكنه قد حمل «الكلاب» [73] على أنه منصوب بـ «ولدت», ويكون «جرو كلب» نداء, كأنه قال: ولو ولدت قفيرة الكلاب يا جرو كلب لسب السب بذلك الجرو.
وليس من الأصل المقدم لأنه لا يقام مع وجود المفعول به الصريح مصدر ولا غيره.
فإذا ثبت هذا فإن جميع هذه الأفعال السبعة التي تقدم ذكرها تتعدى من استيفائها ما تتعدى إليه إلى المصدر, وإلى الظرف من الزمان, وإلى الظرف من المكان, وإلى الحال, وإلى المفعول له, وإلى المفعول معه.
تقول فيما يتعدى إلى اثنين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما: علمت زيدًا قائمًا علمًا يوم الجمعة عند فلان ضاحكًا تأملًا مني وجعفرًا.
فهذه الثمانية كلها منصوبة بعلمت.
وكذلك لو أدخلتها في باب «أعطيت زيدًا درهمًا», أو ما كان في معناها لكانت أيضًا ثمانية, وكانت كلها منصوبة بأعطيت.
وكذلك لو أدخلتها في باب «أعملت» المتعدي إلى ثلاثة لكانت تسعة, وكانت كلها منصوبة بأعلمت.
ولو أدخلتها على باب «أبصرت» وشبهه من أفعال الحواس الخمس المتعدية إلى واحد لكانت سبعة, وكانت كلها منصوبة بأبصرت.
ولو أدخلتها في باب ما لا يتعدى مثل قام وانطلق وحسن وتدحرج وما أشبه ذلك لكانت ستة منصوبة بذلك الفعل الذي لا يتعدى, لأن كل فعل يتعدى أو لا يتعدى فإنه يتعدى إلى هذه [الستة] الأشياء لدلالته عليها من جهة اللفظ والمعنى بحسب ما قدمناه.
فإن أدخلت الاستثناء - مع هذه [الستة] الأشياء - الذي يكون ما بعده منصوبًا كان الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة أشياء مع هذه الأشياء السبعة يتعدى
إلى عشرة منصوبات مثل: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إعلامًا يوم الجمعة عند فلان ضاحكًا تفهيمًا له وجعفرًا إلا أخاك.
فهذه مقاييس هذه الأفعال في العمل وكلها لا تخلو من الفاعل ظاهرًا كان أو مضمرًا, لأن الفاعل لابد منه من حيث كان عمدة.
وقد تخلو من المفعول من حيث كان فضله.
والفعل لا ينفك من الفاعل, وقد ينفك من المفعول.
فاضبط هذه الأصول.
[ثم قال الشيخ رحمه الله]: وأما قولنا: «ومنها نوع ثامن لا يتصرف بمستقبل ولا أمر ولا نهي ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا فعل ما لم يسم فاعله.
وذلك ستة أفعال وهي: نعم, وبئس, وحبذا, وعسى, وليس, وفعل التعجب.
وفعل التعجب ينصب المتعجب منه أبدًا إن كان على صيغة ما أفعل, مثل: ما أحسن زيدًا, وما أطول عمرًا, إذا أردت الطول لا الطول.
وإذا كان على صيغة أفعل به كان مجرورًا مثل: أحسن بزيد, وأجمل بعمرو.
وأفعال الألوان, والخلق الثابتة, والزائدة على الثلاثة لا يتعجب منها إلا بأشد أو أبين أو أكشف [أو أكثر] أو أظهر ونحوه.
وتكون مصادرها مضافة إلى المتعجب منه مثل: ما أشد سواد الثوب.
ولا يجوز أن يقال: ما أسود الثوب, ونحوه.
وليس وعسى يدخلان في باب كان غالبًا, إلا أن عسى يكون خبرها فعلًا مستقبلًا معه أن غالبًا مثل (عسى ربكم أن يرحمكم).
ونعم وبئس إذا
وقع بعدهما معرفتان كانت المعرفتان مرفوعتين, وكانت المعرفة الأولى باللام التي للجنس, أو بالمضاف إلى ذلك, مثل: نعم العبد عبد الله, وبئس الغلام فلان.
وإن كان أحدهما نكرة والآخر معرفة نصبت النكرة ورفعت المعرفة مثل: نعم عبدًا عبد الله, وبئس غلامًا غلام فلان.
فإن كان فاعلهما مؤنثًا جاز تذكير الفعل وتأنيثه خلافًا للأفعال مثل: نعمت الجارية جاريتك, ونعم الجارية جاريتك.
وفي كل واحد منها أربغ لغات: نعم ونعم ونعم ونعم.
وحبذا ترتفع بعدها المعرفة وتنتصب النكرة على التمييز إن كانت جنسًا, أو على الحال إن كانت مشتقة مثل: حبذا رجلًا زيد, وحبذا قائمًا زيد.
وكذلك المؤنث: حبذا امرأة هند, وحبذا قائمة هند.
ولا تعمل هذه الأفعال الستة في مصدر ولا ظرف ولا جميع ما ذكرناه لعدم تصرفها في نفسها فلم تتصرف في معمولها.
ولا يتقدم معمولها عليها».
قال الشيخ رحمه الله: وجملة الأمر أن هذا الفصل هو آخر العوامل اللفظية من الأفعال لأنه لما ذكرنا الأفعال المتصرفة العاملة/ ذكرنا الأفعال التي هي غير متصرفة.
وهي مع كونها غير متصرفة عاملة فيها دخلت عليها على ما ما يأتي بيانه [إن شاء الله تعالى].
وإنما منعت هذه الستة وما كان في معناها من التصرف لأنها جعلت أنفس المعاني, لأن ما عداها من الأفعال المتصرفة ليست بأنفس المعاني, وإنما هي دلائل عليها والعمل لغيرها.
وهذه هي نفس العمل.
لأنك إذا قلت في التعجب ما أحسن زيدًا, فهذا هو نفس التعجب, وهو نفس العمل الذي يقصد بالتعجب بخلاف قولك تعجبت من زيد, لأن هذا إخبار عن وقوع التعجب
منك, وليس هو نفس التعجب.
وكذلك: نعم الرجل زيد, هو نفس المدح.
وكذلك: بئس الرجل عمرو, هو نفس الذم.
وكذلك: حبذا زيد, هو نفس المدح المقرب من القلب.
وكذلك: عسى زيد أن يفعل, هو نفس الطمع والرجاء.
وكذلك: ليس زيد قائمًا, هو نفس نفي الحال المشبهة بما.
فلما كانت هذه الأفعال بهذه القضية سلبت التصرف إيذانا بهذا المعنى, ولما سلبت التصرف ألزمت أحكامًا مخصوصة يجب حفظها حتى تؤدى على القضية التي تجب لها.
فأما فعل التعجب فله صيغتان تقيس عليهما.
إحداهما «ما أفعل», والأخرى «أفعل به», فإذا قلت في «ما أفعل»: ما أحسن زيدًا, فـ «ما» اسم تام بمعنى شيء, غير موصول, تقديره «شيء», وهو عند سيبويه في موضع رفع بالابتداء والعامل فيه الابتداء.
و «أحسن زيدًا» جملة من فعل وفاعل ومفعول.
فالفعل «أحسن», وهو غير متصرف أبدًا بمستقبل ولا غيره.
والفاعل مضمر لا يظهر في واحد ولا تثنية ولا جمع, ولا مع تذكير ولا مع تأنيث, ولا في حال من الأحوال.
لأن التعجب باب إبهام, وهو يكون لما خفي سببه وخرج عن نظائره.
فكلما أبهم ما يتعلق به كان أدل على معناه, وأفخم لشأنه.
ولذلك استعمل فيه
«ما» دون «شيء», لأن «شيئًا» اسم معرب متمكن يثنى ويجمع, و «ما» ليس فيها شيء من ذلك سوى الاسمية حسب.
و «زيدًا» مفعول «أحسن» منصوب به, وكان في الأصل قبل دخول الهمزة حسن زيد, فلما نقلته إلى أحسن [بالهمزة] وجعلت الفعل لغيره خرج منصوبًا على جهة المفعول به.
وتقديره لو ظهر - وإن كان لم يظهر [قط]- شيء حسن زيدًا, إلا أنك لو أظهرت هذا الكلام لم يكن تعجبًا دالًا على ما دل عليه ما أحسن زيدًا, لأن هذه الصيغة موضوعة لهذا المعنى.
ومن هذا يروى أن ابنة أبي الأسود الدؤلي كانت في يوم شديد الحر حاضرة مع أبيها فقالت: يا أبت ما أشد الحر, فقال لها: إذا كانت الصقعاء من فوقك والرمضاء من تحتك, فقالت: يا أبه, إنما أردت أن الحر شديد, فقال: فقولي إذن: ما أشد الحر.
فنبهها على غلطها وأعلمها اللفظ الذي يتعجب به, لأنها أخرجت كلامها مخرج الكلام الذي يستفهم به.
ومن شرط فعل التعجب أن يكون مما تصح فيه الزيادة والنقصان مثل الحسن والعقل والفضل والنبل والقول والطول لا الطول, ولا أفعال الخلق الثابتة ولا الألوان ولا الأفعال الزائدة على الثلاثة.
فإذا احتجت إلى التعجب من خلقة ثابتة أو من فعل زائد على الثلاثة من نحو: دحرج وسرهف واحمر واسود, وأحول وأعرج وأعور, ونحوه, فإنك تأتي بفعل ثلاثي مثل: أشد وأبين وأكشف
وأظهر, ونحوه فيعمل في مصادر هذه الأفعال الزائدة, وتضيف هذه المصادر إلى التعجب منه فتقول: ما أشد دحرجته, وما أبين احمراره, وما أكشف حوله, وما أشد سواد الثوب.
ولا يقال: ما أسود الثوب, لأن فعله مما يزيد على الثلاثة مثل: أسود.
وإن كان فعل التعجب [مما] يتعدى إلى مفعولين كان في هذا الباب يتعدى إلى واحد وإلى آخر بحرف جر, مثل: ما أبصر زيدًا لعمرو, وما أ'لم زيدًا بالشيء.
لأنا قد أصلنا أن فعل التعجب لا يتعدى إلا إلى واحد ولا ينصب مصدرًا, لا يجوز ما أحسن زيدًا إحسانًا, لأنه لا يتصرف فلا يؤكد, ولذلك لا يتقدم مفعوله عليه, ولا على «ما», ولا يفصل بينه وبين فعل التعجب بظرف ولا غيره عند كثير من النحويين, مثل: ما أحسن عندك زيدًا, والصواب ما أحسن زيدًا عندك.
كل هذا لأنه قد ألزم طريقة واحدة من ترك التصرف وجرى مجرى المثل.
وأما الصيغة الأخرى وهي صيغة أفعل به مثل: أكرم بزيد وأحسن بعمرو.
فلفظه / لفظ الأمر وليس بأمر, إنما هو خبر في المعنى.
فإذا قلت: أكرم بزيد, إنما هو بمنزلة كرم زيد جدًا, و «أكرم» فعل يحتاج إلى فاعل, وفاعله عند المحققين هو الجار والمجرور, أعني «بزيد», لأن الجار والمجرور قد جاء فاعلًا في مثل: (كفى بالله حسيبًا), أي كفى الله حسيبا.
وفي مثل: ما جاءني من أحد, أي: ما جاءني أحد, وكذلك الجار والمجرور هنا فاعل, ولكن الباء
زيادة تلزم ولا يجوز حذفها, لأنها وضعت دلالة على هذا المعنى, كما خصت «ما» باللزوم دون غيرها.
وقد كان أبو اسحاق وغيره يعتقد أن الفاعل في «أكرم بزيد» مستتر لا يظهر, وأن الجار والمجرور في موضع نصب.
وإنما جعل الفاعل هنا مستترًا كما كان في «أحسن» مستترًا.
وليس هذا مشبها لذلك, لأنه في كونه في «أحسن» مستترًا راجع على «ما» الذي هو مبتدأ, وليس هو كذلك في «أحسن», لأنه لا يأمر المخاطب بشيء فيكون خطابًا له.
ولو كان خطابًا لمأمور لخرج عن معنى التعجب وصار بمنزلة أكرم زيدًا, وليس هذا المعنى ذلك المعنى.
فهذا تفسير الصيغتين المختصتين بالتعجب.
وأما نعم وبئس فإنهما فعلان فيهما أربع لغات فتح الأول وكسر الثاني, وكسرهما معًا, وكسر الأول وتسكين الثاني, وفتح الأول وتسكين الثاني.
وهذا أصل في كل فعل أو اسم كان عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق.
فالفعل مثل: شهد وشهد وشهد وشهد.
والاسم مثل: فخذ وفخذ وفخذ.
وقد غلب على هذا الباب كسر الأول وتسكين الثاني مثل: نعم الرجل فلان, وبئس الرجل فلان.
وهذا من الفروع التي غلبت على الأصول في الاستعمال, كالواو في القسم هي بدل من الباء, وقد غلبت استعمالها على الباء.
فلا تنكر غلبة الفروع على الأصول.
وإذا ثبت أنهما فعلان, وأن الدليل على فعليتهما بناؤهما على الفتح من غير عارض عرض لهما, وأن علامة التأنيث تلحقهما على حد لحوقها الفعل, فإن فاعلهما على ضربين يكون ظاهرًا, ويكون مقدرًا مفسرًا.
فإذا كان ظاهرًا كان معرفة, وإذا كان معرفة كانت تلك المعرفة بالألف واللام التي للجنس
أو بالإضافة إلى ما فيه ألف ولام الجنس.
مثال الأول: نعم العبد زيد.
ومثال الثاني: نعم صاحب العبد زيد.
ومثال الذي فاعله مستتر: نعم رجلًا زيد, وبئس رجلًا زيد.
أي: نعم الرجل رجلًا, وبئس الرجل رجلًا.
فإن كانت النكرة المنصوبة المفسرة مضافة كان الفاعل المقدر مضافًا مثل: نعم غلام رجل زيد, أي نعم غلام الرجل غلام رجل زيد.
وجميع ما ذكرناه من بعد هذا كله يحتاج إلى مرفوع آخر يبين به, وهو المقصود بالمدح والذم, مثل: نعم الرجل زيد, فزيد يرتفع من وجهين.
أحدهما أن يكون مبتدأ, ونعم الرجل خبرًا له مقدمًا عليه.
وإذا كان خبرًا له احتاج إلى عائد من الجملة, وإذا احتاج إلى عائد كان ذلك العائد معنويًا, وذلك المعنوي هو الرجل الدال على الجنس الذي قد دخل تحته زيد وغيره.
فهذا وجه.
والوجه الآخر أن يكون زيد خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هو زيد.
فالكلام على هذا جملتان.
وعلى ما تقدم [ذكره] جملة واحدة.
ولا موضع لهاتين الجملتين من الإعراب.
ولها فيما تقدم موضع من الإعراب.
والكلام في تقدير الجملتين أمدح, لأنه يستحب في المدح التطويل والتكثير بالجمل.
وأما حبذا فإنها مجراة مجرى «نعم» في احتياجها إلى اسمين, فاعل ومقصود.
ففاعلها «ذا» الذي هو اسم الإشارة, وقد جعل مع «حب» كالشيء الواحد.
ولما جعلا كالشيء الواحد غلب بعض أصحابنا عليهما معنى الإسمية, لأنه لما اجتمع فعل واسم وقد صيرا كالكلمة الواحدة وكان الاسم أقوى من الفعل غلب حكم الإسمية.
ولما غلب حكم الإسمية جعلا جميعًا كالشيء الواحد في موضع المبتدأ, وخبره الاسم الأخير المقصود بالمدح من قولك: حبذا زيد.
ومن أصحابنا من غلب عليهما حكم الفعلية لأن حب عمل في «ذا» الرفع كما يعمل كل فعل في فاعله, وللبداية به أيضًا فكان بالتغليب أولى, وإذا كان بتغليب الفعلية أولى كان الاسم الأخير فاعل حبذا.
والكلام كله على هذا الوجه فعل وفاعل, وعلى الذي قبله مبتدأ وخبر.
وفيهما من بعد ذلك وجهان آخران, أن تكون «حب» على حالها فعلًا, و «ذا» على حالها اسمًا لا يغلب أحدهما على الآخر.
فيكون الاسم الأخير إما مبتدأ, وإما خبر مبتدأ, على حد نعم الرجل زيد.
وأصل حب حبب, ببائين, بوزن فعل, بدليل قولهم: حببت, فسكن وأدغم, لأن فعل قد كثر في باب نعم [وبئس], وعليه حمل قوله تعالى (كبرت كلمة تخرج من أفواههم), أي كبرت الكلمة كلمة كلمة تخرج من أفواههم, فالكلمة الأولى فاعلة, والكلمة الثانية تمييز, والكلمة الثالثة المقصودة بالذم مرفوعة بالابتداء.
و «تخرج من أفواههم» جملة في موضع رفع نعت لها, كأنه قال: كلمة خارجة من أفواههم.
وإذا وقع الاسم بعد حبذا منصوبًا نظر فإن كان جنسًا, مثل: حبذا رجلًا, وحبذا امرأة, قيل هو تمييز مقدر بمن.
ومتى كان المنصوب مشتقًا مثل: حبذا
قائمًا زيد, وحبذا قائمة هند, قيل هو حال مقدر بفي.
فاعرف الفرق بين النصبين.
وهذه الأفعال التي لا تتصرف لا تعمل في مصدر لعدم تصرفها في نفسها.
وكذلك لا تعمل عند بعضهم في ظرف.
وكذلك لا يتقدم شيء من معمولاتها عليها.
كل ذلك لأنها أفعال غير متصرفة.
إلا أنه قد ثبت لك من هذه الجملة كونها عاملة في الفاعل وفي التمييز وفي الحال.
[فقس على ذلك تصب إن شاء الله تعالى].