شرح المقدمة المحسبةجملة المجرورات ستة

». لأنا لما حصرنا المرفوعات والمنصوبات حصرنا أيضًا في هذا الفصل المجرورات وقلنا: مجرورات ملكٍ وملابسة, ومجرورات نوع وجنس, ومجرورات لفظ وتخفيف, ومجرورات تشبيه, ومجرورات وصف وحذف, ومجرورات تعدية».
فالأول مثل: غلام زيدٍ, ونحوه من إضافة الملك.
ومثل: سرج الدابة وأخي زيد, ونحوه من إضافة الملابسة.
وكله مقدر باللام, والأصل: غلام لزيدٍ, وسرج للدابة, وأخ لزيد, فحذفت اللام إيجازًا لما أريد من التعريف أو الاختصاص.
لأنه كان الاسم الأول مع وجود حرف الجر نكرة ومبهمًا, فلما زال صار الأول معرفًا بالثاني إذا أضيف إلى المعرفة مثل: غلام زيدٍ, أو مختصا إذا أضيف إلى نكرة مثل: غلام رجلٍ, وسرج دابةٍ, وغلام أخٍ,

ونحوه.
فلهذه العلة أضيف.
ولهذه العلة لم يجز في الاسم الثاني غير الجر, سواء ظهر حرف الجر أولم يظهر.
فإذا أظهرته كان الجر بحرف الجر.
وإذا لم تظهره وأضيف كان الجر بالإضافة التي هي نائبة عن الحرف, فعملت عمله.


والثاني مثل: ثوب خز وباب ساج وخاتم ذهبٍ, ونحوه من مجرورات النوع والجنس.
فهذا ونحوه مقدر بمن, وأصله ثوب من خزٍ, وباب من ساج, وخاتم من ذهب.
فعمل به مثل ما تقدم, من حذف الجار والجر بالإضافة.
لكن هذا النوع يجوز في الاسم الثاني منه أبدًا ثلاثة أوجه, الإضافة بحكم الاسمية.
والنصب مع التنوين على التمييز, مثل قولك: ثوب خزًا وبابٌ ساجًا, وخاتم ذهبًا.
وقد ذكر أصل هذا في التمييز.
والثالث إتباع الاسم الثاني الأول في إعرابه من رفع أو نصب أو جر, فتقول: هذا ثوب خز, ورأيت ثوبًا خزًا, ومررت بثوبٍ خزٍ.
ولهذا تفسيران, أحدهما: أن يكون الأخير نعتًا.
والآخر: أن يكون بدلًا.
فإذا جعلته نعتًا قدرت فيه الاشتقاق, لأن النعت يكون بالمشتق.
كأنك قلت: هذا ثوب لين, أو ناعم, ونحوه.
وإذا جعلته بدلًا بقيته على الجنسية مبينًا للأول تبيين الأبدال كلها.
والأحسن إذا أبدلت نكرة من نكرة أن تنعت النكرة الثانية ليكون فيها زيادة فائدة.


والثالث من المجرورات مثل: هذا ضارب زيدٍ اليوم, وآكل خبزٍ غدًا,

ونحوه من مجرورات اللفظ والتخفيف.
لأن الأصل في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال أن يكون منونًا عاملًا فيما بعده لجريانه على الفعل العامل.
فلذلك جاز في هذا النوع أبدًا وجهان إثبات التنوين والنصب, فتقول: هذا ضارب زيدًا اليوم, وآكل خبزًا غدًا.
والوجه الآخر حذف التنوين تخفيفًا والجر, فتقول هذا ضارب زيد اليوم, وآكل خبر الساعة.
فهذه إضافة لفظية لا حقيقية, لأنها لم تفد [الاسم] الأول تعريفًا, بل الاسم نكرة على حاله, فلذلك جرى نعتًا للنكرة, مثل قوله سبحانه (هذا عارض ممطرنا).
ولهذا جاز أن تدخل عليه «رب» كما قال الشاعر: يا رب غابطنا لو كان يطلبكم... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا [60] / ولو كان اسم الفاعل في جميع هذا للماضي كانت إضافته حقيقية, ولكان اسم الفاعل متعرفًا بما يضاف إليه من معرفة ولم يجز أن يقع حالًا.
مثل ذلك:

هذا زيد مكلمنا أمس.
فمكلمنا نعت لزيد, ولا يجوز نصبه على الحال.
فإن قلت: «مكلمنا غدًا» لم يكن نعتًا, وكان منصوبًا على الحال.
فاعرف الفرق بين اسم الفاعل إذا كان لما مضى وإذا كان للحال والاستقبال.
فليس فيه إذا كان لما مضى إلا وجه واحد, وهو الإضافة.
وإذا كان للحال والاستقبال فوجهان, التنوين تارة, والإضافة أخرى, على ما بيناه.


والربع من المجرورات مثل: حسن وجهٍ, وكريم أبٍ, وطاهر ذيل, وعفيف يدٍ, ونحوه من مجرورات المشبهة, وهي الصفات المشبهة بأسماء الفاعلين.
فهذه ونحوها يجوز فيها أبدًا ثلاثة أوجه [من الإعراب], الرفع, والنصب, والجر.
مثال الرفع: هذا رجل عفيفة يده.
فهذا مبتدأ, ورجل خبره, وعفيفة نعت للرجل, وقد جرى على غير من هوله وهو في الحقيقة لليد, ويده مرفوعة بعفيفة ارتفاع المرفوع المسبب بالصفة.
والعائد من الصفة إلى الموصوف الهاء في «يده».
فإن أسقطت الهاء من «يده» ومن «عفيفة», ونسبت العفة إلى الرجل في الجملة قلت: هذا رجل عفيف يدًا, أو عفيف يدٍ, فأشعت العفة في جملته ثم بينها بعد ذلك بجارحة من جوارحه.
وإذا أتيت بالهاء رفعت من أول وهلة, فقد قصرت العفة على الجارحه المذكورة.
وكذلك: حسن وجهه,

وكريم أبوه, وطاهر ذيله, كله جار هذا المجرى.
فالنصب على التمييز, وقد قيل على التشبيه بالمفعول به.
والأحسن قولك «تمييز», لأنه يجرى مجرى باب «تفقأ زيد شحمًا» و «تصبب عرقًا», فكما تسمي ذلك تمييزًا لما كان منصوبه فاعلًا في المعنى كذلك تسمى منصوب هذا الباب تمييزًا لكونه فاعلًا في المعنى.
فأما إن أدخلت الألف واللام على «الوجه» ونصبته فإن لا يحسن أن تقول «تمييز», لأن التمييز لا يكون بالمعرفة.
وكذلك يجوز أيضًا مع الألف واللام في الثاني ثلاثة أوجه فتقول: هذا رجل عفيف اليد, وعفيف اليد, وعفيف اليد, وكذلك البقية.
فهذه ستة أوجه.
فإن أدخلت الألف واللام على الأول جاز ثلاثة أوجه أخر, فقلت: هذا الرجل العفيف اليد, واليد, واليد, فصارت تسعة.
فإن أدخلت الألف واللام على الأول وأسقطتها من الثاني جاز وجهان, ويسقط وجه آخر, وهو الجر.
لا يجوز: هذا الرجل العفيف يدٍ, فتجمع بين صريح المعرفة وصريح النكرة.
ويجوز الوجهان الآخران, أغني رفع «وجه» ونصبه, فصار أحد عشر وجهًا.

فأما «عفيف يده», بجر اليد مع المضمر, فمذهب سيبويه [رحمه الله] أنه جائز عنده كما جاز مع الألف واللام في قولك: هذا رجل عفيف اليد, لأن الألف واللام عاقبت الإضافة إلى المضمر.
وليس احتجاج من احتج عليه بأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه حجة, لأن هذه إضافة لفظية لا حقيقية.
وعليها أنشد سيبويه [رحمه الله]: أمن دمنتين عرج الركب فيهما... بحقل الرخامى قد عفا طللاهما

أقامت على ربعيهما جارتا صفًا... كميتا الأعالي جونتا ممصطلاهما

فموضع الشاهد أنه وصف قوله «جارتا صفًا» بقوله «كميتا الأعالي», ثم وصفه بقوله «جونتا مصطلاهما», وقد أضاف «الجونتين» إلى «المصطلى» المضاف إلى الضمير, فهو وزان مسألته في الجواز.
فاعرف ذلك.


والخامس من المجرورات مثل: مسجد الجامع, وصلاة الأولى وجانب الغربي, وحق اليقين, ودار الآخرة, ونحوه من

جارٍ التحميل