شرح المقدمة المحسبةالمفعول به

وما عداه من المفعولات, لأنه يقال فيما عداه «بمن فعل الضرب»؟, فتأتي بالياء, و «في أي زمانٍ

فعل الفعل»؟, فتأتي بفي, و «في أي مكان فعل الفعل»؟, فتأتي بفي.
و «لأي أمر فعل [الفعل]», فتأتي باللام, «ومع أي شيء فعل [الفعل», فتأتي بمع].
فتجد هذه المعاني كلها مقيدة بحرف, خلاف المصدر الذي أطلق الفعل عليه بنفسه, فلذلك سمي مفعولًا مطلقًا.


والثاني هو المفعول به يذكر للبيان عن من وقع به الفعل.
ولما كان الفعل يقع على واحد, ويقع على اثنين مختلفين, ويقع على اثنين متفقين, ويقع على ثلاثة مختلفين ومتفقين, ويقع على شيء بواسطة, وعلى شيء بلا واسطة, احتجنا إلى أن نمثل في هذه المقدمة من كل بمثال لتقيس عليها سائر المثل.
فمثال ما يتعدى إلى واحد «ضربت زيدًا», لأن «ضربت» يقتضي مضروبًا فنصبته.
وكذلك جميع أفعال الحواس الخمس, وهي نظرت وشممت وذقت ولمست وسمعت, لأن النظر يقتضي منظورًا والشم يقتضي مشمومًا,

والذوق يقتضي مذوقًا واللمس يقتضي ملموسًا, والسمع يقتضي مسموعًا.
فنصبت جميع ذلك فقلت: نظرت الشخص, وشممت الطيب, وذقت الطعام, ولمست الثوب, وسمعت الصوت وتفصيلات هذه العمومات تجري مجراها, فقس عليها نظائرها.
وكذلك ما كان في معاني هذه الأفعال, وإن لم تكن بلفظها فإنها تجري في التعدي مجراها.
ومثال ما يتعدى إلى اثنين مختلفين: «أعطيت زيدًا درهمًا», و «كسون عبد الله ثوبًا», ونحوه مما ليس المفعول الأول هو الثاني, ولا الثاني هو الأول.
والأول فاعل بالثاني في المعنى, لأنك أعطيت زيدًا الدرهم فأخذه منك.
وكذلك كوته ثوبًا, لأنك الكاسي وهو المكسو.
فكل ما كان من هذا النوع جاز أن تأتي بالمفعولين جميعًا, [تقول: أعطيت زيدًا درهمًا], وهو غاية البيان في مثلهما, وأن لا تأتي بهما [جميعًا], وهو غاية الإبهام في مثلهما, فتقول: أعطيت, وجاز أن تقتصر على أحدهما, وهو التوسط في البيان, مثل: أعطيت زيدًا, ولا تذكر ما أعطيته, وأعطيت درهمًا, ولا تذكر من أعطيته.
وأكثر ما تترك هذه الأشياء اختصارًا, وإلا فالكلام موضوع للبيان, ومن هما يختلف المفسرون في تفسير الجملة الواحدة اختلافًا كثيرًا عند حذف مفعولاتها ومعمولاتها التي تقتضيها فيفسر كل منهم بما يوضحه له الدليل الشرعي أو العقلي.

ومثال ما يتعدى إلى المفعولين المتفقين ظننت زيدًا عاقلًا, وما كان من بابه مثل: حسبت وخلت وعلمت ورأيت ووجدت وزعمت ونبئت وأنبئت وأريت وأعلمت وخبرت وأخبرت وحدثت.
فهذه الأربعة عشر إذا ذكرت أحد المفعولين لم يكن بد من ذكر الآخر معه, لأن الأصل هو الابتداء والخبر قيل دخول هذا الفعل.
فكما أن المبتدأ لابد له من الخبر, والخبر لابد له من المبتدأ, كذلك إذا ذكرت أحد المفعولين لم يكن يد من [ذكر] الآخر.
فإن حذفتهما معًا جاز, وكان بمثابة من لم يذكر مبتدأ وخبرًا بالجملة, واقتصر بالإخبار على الظن, ولم يذكر من ظن ولا ما ظن.
ومثال ما يتعدى إلى ثلاثة [مفعولين]: أعلمت زيدًا قائمًا, وأخواتها من أريت وأنبأت وأخبرت وخبرت وحدثت, كلها تتعدى إلى ثلاثة

[مفعولين].
وكان أصلها قبل الهمزة والتضعيف أن تتعدى إلى اثنين على ما تقدم, وكسبت الهمزة والتضعيف مفعولًا ثالثًا.
والمفعول الثالث الذي نشير إليه هو [الفاعل] من قولك: علم زيد عمرًا منطلقًا, ثم تقول: أعلمت زيد عمرًا منطلقًا.
فزيد الذي كان فاعلًا في الفعل الثلاثي صار ها هنا مفعولًا أولًا مع الفعل الرباعي.
ولهذا اختلفوا في المفعول الأول هل يجوز حذفه أولا يجوز حذفه على قولين, ولم يختلفوا في المفعول الثاني أنه لا يجوز حذفه, ولا في المفعول الثالث/, لأن أصل الاثنين الآخرين من المبتدأ والخبر, فقد عاد إلى حكم [52] الأصل.
فقس على ذلك.
ومثال ما يتعدى بواسطة: مررت بزيدٍ, ونزلت على عمروٍ, لأن هذا الفعل لا يدل على ممرور به بنفسه, ولا منزول عليه بنفسه.
فلذلك احتاج إلى واسطة.
ولو أردت أن تعديه بالهمزة لم تجمع بينها وبين حرف الجر, لأن القصد تعدية الفعل, فبأي شيء حصل أغنى عن غيره, ولم تجمع بينه وبينها.

فمن ها هنا تقول: أدخلت زيدًا الدار, ودخلت بزيدٍ الدار, ولا يجوز «أدخلت بزيد الدار» فتجمع بين الهمزة والباء.
ومثال ما يتعدى بنفسه تارة وتارة بحرف جر, وهي أفعال قليلة تحفظ ولا يقاس عليها, مثل: شكرت زيدًا, وشكرت لزيدٍ, ونصحت زيدًا, ونصحت لزيدٍ, وكلت زيدًا, وكلت لزيدٍ, ووزنته ووزنت له.
وإنما كان هذا مسموعًا غير مقيس لأنه ينبغي أن تكون دلالة الفعل [على المفعول] دلالة متفقة غير مختلفة, ودلالة المتعدي دلالة المتسلط بنفسه, ودلالة المتعدي بحرف جر دلالة المتسلط بغيره.
فلذلك وقف [هذا] على المسموع.


[قال الشيخ رحمه الله]: والمتعجب منه يلحق بالمفعول به مثل: ما أحسن زيدًا.
وإنما كان ملحقًا به لأن أصله «حسن زيد» فلما دخلت الهمزة عدته ولزم طريقة واحدة.
وجعلناه لاحقًا بالمفعول به ولم نجعله حقيقيًا في بابه لأنه قد عرضت أشياء تمنع من التصرف فيه بالتقديم والتأخير.
قال الشيخ رحمه الله: والمنادى المضاف والمشبه به يلحق به أيضا مثل: يا عبد الله, ويا رفيقًا بالعباد.
لأن حرف النداء ناب مناب الفعل, فكأنه قال: أنادي عبد الله, وأدعو رفيقًا بالعباد, فناب الحرف عن الفعل, فكان ملحقًا ولم يكن حقيقيًا في كونه مفعولًا به.


«والثالث يذكر للبيان عن أي زمان وأي مكان وقع فيهما الفعل, مثل: قمت يوم الجمعة أمام فلان, ونحوه.
وشرطه أن يكون مضمنًا معنى (في)».

فهذا [هو] المفعول فيه, وهو ظرف الزمان والمكان.
لأن ظرف الزمان ما تقضت عليه الليالي والأيام.
وظرف المكان ما استقر فيه وتصرف عليه, لكن ظرف الزمان يتعدى إليه الفعل بنفسه, مبهمًا كان أو مختصًا, مثل: قمت يوم الجمعة, ويومًا من الأيام.
لأنه يدل عليه دلالة قوية, وهي دلالة الصيغة.
وليس كذلك مع المكان, لأنه يتعدى إلى المبهم منه بنفسه, وهي الأقطار السته, مثل: قمت أمام فلان وخلفه ويمينه وشماله وفوقه وتحته, إذ لا يخلو فعل من الأفعال أن يكون في أحد هذه الأقطار, فهو يقتضيه, فلذلك تعدى إليه.
وليس كذلك الأمكنة المخصوصة التي لها أقطار تحصرها ونهايات تحيط بها, مثل [الدار] والبلد والمسجد والسوق وما أشبه ذلك, لأنه ليس في الفعل دلالة عليه, بل يصلح لها ولغيرها, فجرت مجرى «مررت» الذي لا يتعدى إلى «زيد» إلا بحر جر, فلذلك تقول: قمت في الدار, وفي البلد, وفي السوق, وفي المسجد.
ولا يجوز حذف حرف الجر.
فاعرف الفرق بين المبهم والمختص فإنه أصل كبير.
فأما قولهم: دخلت البيت, وذهبت الشام, ففعلان موقوفان على السماع, وأصلهما أن يتعديا بحرف الجر وأن تقول: دخلت إلى البيت, وذهبت إلى الشام.
ولكنه اتسع في حذف الجار مع هذين الفعلين لكثرة الاستعمال.
ومن الناس من يجعل «دخلت» متعديًا بنفسه لما رأى استمرار ذلك وانتشاره.
وليس بصحيح عند المحققين.
لأن ضد دخلت «خرجت», ونظيره «عبرت» كلاهما لا يتعدى إلا بحر فالجر, مثل: خرجت من الدار, وعبرت في الدار, وكذلك ينبغي أن تكون دخلت.
ولأن مصدر دخلت الدخول,

والغالب على وزن الفعول أن لا يتعدى فعله, مثل: قعد قعودًا, ومضى مضيًا, وما أشبه ذلك.
ومتى كنيت عن ظرف الزمان والمكان وأنت تريد الظرفية أعدت فيه ذكر الجار, لأنه ليس في المضمر دلالة على الظرفية.
فلذلك تقول: «قمت فيه», وأنت تعني زمانًا, و «قمت فيه», وأنت تعني [مكانًا], خلقًا, أو أمامًا, لأن المضمر يرد الأشياء إلى أصولها, والأًل في الظرفين من الزمان واةلمكان أن يكونا متضمنين لـ «في», لأن «في» حرف معناه الوعاء.


«والربع يذكر للبيان عن علة الفعل وعذره, مثل: جئته قضاء حقه, وكلمته طمعا في بره».
فهذا هو

جارٍ التحميل