شرح المقدمة المحسبةفصل

وأما قولنا: «وأما الحروف التي ليست بعاملة فنيف وأربعون حرفًا.
منها خمسة عشر حرفًا للابتداء, وهي إنما.
وأنما, وكأنما, ولكنما, وليتما, ولعلما, وأما بمعنى التفصيل, وأما [خفيفة] بمعنى الاستفتاح, ولولا بمعنى الامتناع, وحتى في أحد أقسامها, وألا بمعنى التنبيه, ولام الابتداء, وواو الحال, وإن الخفيفة في أحد أقسامها, ولكن الخفيفة.
وإنما سميت بذلك لكثرة وقوع المبتدأ بعدها».

فإن العلة في كون هذه الحروف غير عاملة هو ما عرض فيها من كف أو اشتراك على ما يأتي تفصيله.
فالكف نحو الستة الناصبة للاسم الرافعة للخبر.
وهي إن وأخواتها لما دخلت عليها «ما» كفتها عن العمل, ولما كفتها عن العمل ارتفع الاسم الذي كان منصوبًا بعدها, فصار ارتفاعه بالابتداء فقلت: إنما زيد قائم, وعملت أنما زيد قائم, وكأنما زيد قائم.
وكذلك / باقيها.
[40] وقد يجوز أن يعتقد أن «ما» زائدة لا كافة.
وإذا اعتقدت ذلك بقيت هذه الحروف على حالها فقلت: كأنما أخاك قائم, ولكنما أخاك قائم, وليتما أخاك قائم, ولعلما أخاك قائم.
وهو في هذه الأربعة [المتأخرة]- أعني النصب وزيادة «ما» - أحسن منه في «إنما» و «أنما».
لأن هذه [الحروف] قد غيرت معنى الابتداء فقوى التصلب فيها.
ومعانيها كلها كمعانيها إذا لم يكن فيها «ما», إلا أنها بـ «ما» أقوى تأكيدا, وأقوى للمعنى الذي تختص به.
ومعنى «أما» لتفصيل ما أجمله المدعي.
ومثالها: أما زيد فقائم, فزيد مبتدأ, وقائم الخبر, والفاء دخلت لما في «أما» من معنى المجازاة.

لأن أصلها: مهما يكن من شيء فزيد قائم, فنابت «اما» مناب فعل الشرط واسمه, وتقدم الاسم المبتدأ الذي كان بعد الفاء فصار قبل الفاء, بينها وبين «أما», لئلا يجمع بين حرفين.
وبقي الخبر مرفوعًا على حاله بعد الفاء.
ولهذا لا يفصل بين «أما» وجوابها مجملة تامة إنما يفصل بمفرد, إما مبتدأ, وإما ظرف, وإما مفعول به.
وإما بجملة ناقصة تقوم مقام المفرد.
مثال المبتدأ قد ذكر.
ومثال الظرف: أما في الدار فزيد, وأما في السوق فعمرو.
ومثال المفعول به: أما زيدًا فضربت, وأما عمرًا فتركت.
ومثال الجملة الناقصة: أما إن كان كذا وكذا فسيكون كذا, والجملة الشرطية ناقصة لافتقارها إلى جواب, فجاز أن يفصل بها بين «أما» وجوابها.
قال الله سبحانه: (فأما إن كان من المقربين, فروح وريحان وجنة نعيم, وأما إن كان من أصحاب اليمين, فسلام لك من أصحاب اليمين).
هكذا رتبة الثلاثة, وفي الكلام بخلاف هذا.
فالفاء جواب «أما», وقد سد جواب «أما» بطول الكلام مسد جواب الشرط, إذ كان معك شيئان محتاجان إلى جواب.
فاعرف ذلك.

ومعنى «أما» الخفيفة الاستفتاح.
ومثالها: أما زيد قائم.
وتكون بمعنى «حقًا» فتفتح «أن» بعدها, فتقول: أما أن هقائم, بمعنى: حقا أنه قائم.
فلا تكون ها هنا حرف ابتداء, ولكنها في تأويل الاسم.
وإذا كانت في تأويل الاسم فذلك الاسم مقدر تقدير الظرف, وتقدير ذلك [الظرف] «أفي حق أنك منطلق», فتكون «أنك منطلق» في موضع رفع بالظرف, على قول الأخفش.
وبالابتداء عند سيبويه في هذا الموضع خاصة.
فاعرفه.
ومعنى «لولا» امتناع الشيء لوجود غيره.
ومثالها: لولا زيد لأكرمتك.
فـ «لولا» حرف ابتداء, معناه ما ذكرنا.
و «زيد» مبتدأ.
وخبر المبتدأ محذوف أبدًا بعد «لولا» لا يظهر بحال, تقديره «لولا زيد موجود», ونحوه.
وإنما حذف للطول وسد طول الكلام بجواب «لولا» مسده.
وليس جواب «لولا» بخبر عن المبتدأ, ومن قال ذلك فهو مخطيء, لتعريه من العائد.
فإذا كانت «لولا» بمعنى «هلا» لم تكن حرف ابتداء, وكانت حرف تحضيض تليها الأفعال, مثل (لولا أنزل عليك ملك), أي «هلا أنزل عليه ملك», ومثل: [تعدون عقر النيب أفضل مجدكم... بني ضوطرى], لولا الكمي المقنعا

أي «لولا تعدون الكمي المقنعا» ومعنى «حتى» قد ذكر في حروف الجر, وأقسامها الأربعة التي أحدها كونها حرف ابتداء.
ومثاله [قول الشاعر]: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله... والزاد حتى نعله ألقاها

وهي ها هنا حرف ابتداء إذا رفعت «النعل», ويكون «ألقاها» في موضع رفع بكونه خبرًا للنعفل, أي «حتى نعله ملقاة».
ومن نصب [النعل] أو جر فليست حرف ابتداءز ومعنى «ألا» التنبيه, ومثالها: ألا زيد قائم, [وألا إن زيدًا قائم], كقوله [تعالى]: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
ومعنى لام الابتداء التأكيد.
ومثالها: لزيد قائم, ولأنت أحب إلي من عمرو.
وقال الله سبحانه (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون).
وقال تعالى: (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون).
كل هذه لام ابتداء.
بخلاف قوله [تعالى]: (لهم ما يشاءون فيها), و (لهم جنات النعيم).
فهذه لام الجر, فتحت لكونها مع المضمر, وهي تتعلق بمحذوف لكونها خبر ابتداء.
وليست كذلك اللام الأولى.
لأنها لام ابتداء وهذه لام جر.
والضمير في الأولى مرفوع في التقدير.
والضمير في الثانية مجرور في التقدير.
وواو الحال معناها الحال, ومثالها: جاء زيد ويده على رأسه, وأقبل

وهو يضحك.
وفي كتاب الله سبحانه: (يغشى طائفةً منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم), فالطائفة الثانية مبتدأ و «قد أهمتهم أنفسهم» الخبر, والجملة في موقع نصب على الحال, والواو واو الحال.
وسيبويه رحمه الله يقدرها بإذ, ليعلمك أن الحال معمولة لما قبلها, كما أن «إذ» ظرف معمول لما قبله.
فاعرفه فإنها نكتة [حسنة].
وجملته أن الحال تكون بالمفرد وبالجملة.
فإذا [41] كانت / بالمفرد كانت منصوبة.
وإذا كانت بالجملة كان الإعراب مقدرًا بالنصب.
كما أن خبر الابتداء يكون مفردًا ويكون جملة, وكما أن صفات النكرات تكون مفردة وتكون جملة.
لكن الواو لا تكون في الصفات, ولا تكون في خبر المبتدأ.
وإنما تكون في الحال رابطة, وخاصة إذا عدم العائد, مثل: جاء زيد والناس يصلون, لم يجز, لأنه لا رابطة, ولا عائد, ولا ما يقوم مقام العائد.
فاعرف ذلك, فإن تحته كثيرًا من الفوائد.
و«إن» الخفيفة في أحد أقسامها, ومثالها: إن زيد لقائم.
فهذه المخففة من الشديدة, ولما خففت بطل عملها, ولما بطل عملها ارتفع ما بعدها بالابتداء [والخبر], ودخلت اللام للفرق بينها وبين النافية.
قال الله سبحانه (إن كل نفس لما عليها حافظ), (وإن كل لما جميع لدينا محضرون).
فـ «إن» حرف ابتداء, لابتداء الكلام بعدها, واللام دخلت للفرق المذكور.
لأن «إن»

الخفيفة تنقسم على أربعة أقسام.
تكون شرطًا, وقد ذكرت في باب الشرط وتكون مخففة من الثقيلة, وقد ذكرت هنا.
وتكون نافية فلا يكون معها لام, كقولك: إن زيد قائم, بمعنى: ما زيد قائم, قال الله سبحانه وتعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه).
فإن نافية, أي في الذي لم نمكنكم فيه, أو: في الذي ما مكناكم فيه.
والرابعة تكون زائدة, مثل قولك: ما إن زيد قائم, وكقول الشاعر: وما إن طبنا جبن ولكن... منايانا ودولة آخرينا أي ما طبنا جبن.
و«لكن» الخفيفة, مثالها: لكن زيد قائم, و (لكن الله يشهد بما أنزل

إليك) فاسم الله مبتدأ, و «يشهد» الخبر.
وكان أصلها [لكن] مشددة تنصب, كما قال الله تعالى: (ولكن الله يفعل ما يريد), فإذا خففت بطل النصب لارتفاع المشابهة بينها وبين الفعل.
فإذا ارتفعت صارت حرف ابتداء, وإذا صارت حرف ابتداء ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر.
فلذلك سميت هذه الحروف الخمسة عشر المشروحة حروف ابتداء لوقوع المبتدأ بعدها.
وبالله التوفيق.


[قال الشيخ رحمه الله]: وأما قولنا: «ومنها عشرة للعطف وهي: الواو, والفاء, وثم, وأو.
وإما - مكسورة مكررة, وأم, وبل, ولكن بعد النفي, ولا بعد الإيجاب, وحتى في أحد أقسامها.
سميت بذلك لأنها تدخل ما بعدها في إعراب ما قبلها وتعطفه عليه».
فإن معنى «الواو» الجمع بين الشيئين, وليس فيها دليل على الأول منهما, مثالها: قام زيد وعمرو, ورأيت زيدًا وعمرًا, ومررت بزيدٍ وعمروٍ.
وللواو ستة أقسام.
هذا أحدها, أعني العطف, وهي الجامعة العاطفة.
والثاني: أن تكون جامعة غير عاطفة, وهي التي تكون بمعنى «مع», تنصب ما بعدها من الأسماء.
ومثالها: استوى الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة, أي مع الطيالسة.
الثالث أن تكون قسمًا فتجر المقسم به, نحو: والله لأفعلن.
الرابع: أن تكون واو حال, مثاله: جاء زيد وهوي ضحك, وقد ذكرت.
الخامس أن تكون

ناصبةً للفعل المستقبل باضمار «أن» بعدها, مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, وقد ذكر.
السادس: أن تكون بمعنى رب فتجر [المظهر], مثل: وبلدٍ عامةٍ أعماؤه... كأن لون أرضه سماؤه وقد ذكر.
وأما «الفاء» فمعناها العطف بلا مهلة.
ولها ثلاثة أقسام.
أحدها: أن تكون متبعة عاطفة, مثل: جاء زيد فعمرو, ورأيت زيدًا فعمرًا, ومررت بزيد فعمرو.
والثاني: أن تكون متبعة غير عاطفة.
وذلك في الشرط والجزاء.
مثل: إن تفعل خيرًا فالله تعالى يعلمه.
الثالث: أن تكون زائدة عند الأخفش بين المبتدأ وخبره, مثل: زيد فمنطلق, أي زيد منطلق, وينشد: وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم... وأكرومة الحيين خلو كما هيا

أي «خولان انكح فتاتهم».
و«ثم» معناها العطف بمهلة, مثل: جاءني زيد ثم عمرو.
وليس لها غير معنى واحد.
و«إما» المكسورة المكررة في العطف لها أربعة معان, الشك, والتخيير, والإباحة, والإبهام, فالشك في الخبر, مثل: جاءني إما زيد وإما عمرو.
والتخيير في الأوامر فيما أصله الحظر, مثل: خذ إما دينارًا وإما درهمًا.
والإباحة فيما ليس أصله الحظر, مثل: تعلم إما فقهًا وإما نحوًا.
والإبهام فيما يقصد به غرض من الأغراض, مثل قول القائل [لمخاطبه]: جاءني إما زيد وإما عمرو, وهو يعلم من جاء منهما, وإنما أبهم على سامعه [لضرب من المصلحة].
فهذه أربعة أقسام لإما التي تأتي بها في العطف مكسورة مكررة.
فأما التي لا تكون مكررة بل هي مكسورة فهي التي تقع في الشرط.
وهي مركبة من «إن» و «ما», مثل: (فإما ترين من البشر أحدًا فقولي... ), و (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي... ), و (فإما تثقفنهم في

الحرب فشرد بهم من خلفهم).
أصله إن / تثقفنهم.
فـ «إن» هي [42] حرف الشرط, و «ما» زائدة للتأكيد, ولذلك دخلت النون الشديدة في فعل الشرط, ولا يجوز دخولها بغير «ما».
و«أو» لها في العطف [أيضًا] أربعة معانٍ كمعاني إما في جميع ما ذكرنا.
مثل: جاءني زيدٌ أو عمرو, [ورأيت زيدًا أو عمرًا, ومررت بزيدٍ أو عمروٍ] وخذ دينارًا أو درهمًا, وتعلم فقهًا أو نحوًا.
إلا أن الفرق بينهما أن الكلام مع «إما» مبني على الشك وغيره من أول وهلة, ومع «أو» مبني على اليقين ثم يأتي الشك وغيره بعد أن بني الكلام على اليقين, فيسري من آخر الكلام إلى أوله فيعود معناه كمعنى «إما».
و«أم» معناها الاستفهام وهي في العطف على ضربين, متصلة ومنقطعة.
فالمتصلة هي المعادلة لألف الاستفهام في العطف, المقدرة بأي, المقتضية للتعيين.
كقولك: أزيد عندك أم عمرو, وتقدير: أيهما عندك.
وجوابك أن تعين أحد الاسمين.
والمنقطعة هي التي تكون بين جملتين, وتقدر ببل

والهمزة, ولا تعادل همزة الاستفهام, ولا تقتضي تعيينًا.
وذلك قولهم: إنها لإبل أم شاء.
تقديره: بل أهي شاء, كأنه أضرب عن الكلام الأول واستأنف الكلام عن الجملة الثانية.
وجواب هذا «نعم» أو «لا».
وكذلك إذا كانت «أو» مع همزة الاستفهام كان جوابها «نعم» أو «لا» من غير تعيين, كقول القائل: أزيد عندك أو عمرو, فتقول: «نعم», أو «لا».
لأنها [ها هنا] مقدرة بالأحدية لا بأي.
كأنه قال: أحدهما عندك أو لا.
وهذا لا يقتضي إلا «نعم» أو «لا».
فالسؤال أولًا بالهمزة [وأو], ثم السؤال ثانيًا بأم, لأن التعيين بعد الاستقرار.
و«بل» معناها الإضراب عن الأول وإثبات الحكم للثاني.
مثل: جاءني زيد بل عمرو.
وما جاءني زيد بل عمرو.
و«لكن» معناها الاستدراك بعد النفي في باب العطف.
مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو.
وتكون حرف ابتداء, وقد ذكرت مع حروف الابتداء.
و «لا» معناها إخراج الثاني مما دخل فيه الأول.
ولا يعطف بها إلا بعد موجب, مثل: قام زيد لا عمرو.
ولـ «لا» أقسام كثيرة, تكون عاطفة,

وقد ذكرت.
وناهية فتجزم, مثل: لا تفعل.
وجوابًا للقسم في مثل: والله لا تقوم فلانة.
ومبنية مع النكرة العامة, مثل: لا رجل في الدار, ولا شك, ولا ريب, ولا إله إلا الله.
وتكون بمعنى «لم» مثل: (فلا صدق ولا صلى), أي لم يصدق ولم يصل.
و«حتى» تكون عاطفة بشرطين.
أن تعطف قليلًا على كثير, ومن جنسه.
مثل: قام القوم حتى زيد, ورأيت القوم حتى زيدًا, ومررت بالقوم حتى زيد.
وقد ذكرت مع أقسام حتى في موضعين متقدمين.
والعلة الجامعة في تسمية هذه الحروف كلها حروف عطف ما ذكر في المقدمة من كونها مدخلة ما بعدها في إعراب ما قبلها وعاطفة له عليه.
وسيأتيك من ذلك أصول آخر في فصل التوابع من هذه المقدمة إن شاء الله تعالى.


وأما قولنا: «ومنها ستة للجواب, وهي: نعم, وبلى, وإي وجير في القسم, وأجل, وإن في أحد أقسامها».
فإن هذه [الستة] كلها حروف معناها في غيرها.
وفي «نعم» لغتان:

نعم ونعم.
وقد قريء بهما جميعًا.
ومعناها العدة والتصديق.
فالعدة بعد الأوامر وشبهها, من نحو: افعل كذا وكذا, فتقول: نعم.
والتصديق بعد الإخبار وغيره, يقول القائل: زيد قائم, فتقول: نعم, مصدقًا لكلام المخبر.
وكذلك المستخبر إذا كان مخرجه مخرج المستعلم أو المقرر.

ومعنى «بلى» الإيجاب بعد النفي والاستفهام.
يقول القائل: أليس زيد قائمًا, فتقول: بلى.
أي هو قائم.
ولو قال في [هذه] المسألة: «نعم» لكان غير قائم.
ومثله [قوله تعالى]: (ألست بربكم قالوا بلى) ولو كان ها هنا «نعم» لكان كفرًا معاذ الله, إنما أخرج الجواب إيجابًا وتقريرًا.

و «إي» معناها كمعنى «نعم», وهي فصيحة جدًا ما لم تفسد بالزيادة العامية.
وهي قولهم «إيوه».
والفصاحة المجيء بها كمجيئها في القرآن الكريم (قل إي وربي إنه لحق).
وهي كثيرة الاستعمال في القسم كالآية.
وكذلك «جير لأفعلن», بمعنى «نعم» في القسم أيضًا.
لكن هذه تنوب عن المقسم به كثيرًا, وقلنا يستعمل معها المقسم به.
و«أجل» فصيحة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم, وهي جواب.
و «إن» في أحد أقسامها تكون بمعنى «نعم», كما قال: «إن وراكبها» ومثله قوله: [بكر العواذل في الصبو... ج يلمنني وألومهنه] ويقلن شيب قد علا... ك وقد كبرت, فقلت: إنه

ومثل [قوله تعالى]: (إن هذان لساحران) فيمن رفع في أحد الوجوه.
وقد ذكرنا معنى إن في غير هذا الحد.


وأما قولنا: «ومنها أربعة للتحضيض وهي: لولا وهلا ولوما وألا.
إذا وليهن الفعل المستقبل كن تحضيضًا.
وإذا وليهن الماضي كن توبيخًا».
[43] فإن هذه الأربعة مربكة من حرفين, ولهن هذان المعنيان.
/ وتختص

في هذين المعنيين بالأفعال.
ومثال الماضي معهن: لولا فعل, وهلا فعل, ولوما فعل, وألا فعل, كل هذا توبيخ.
ولو قال: لولا تفعل, وهلا تفعل, ولو ما تقوم, وألا تقوم, لكان تحضيضًا على الفعل لتفعله.
والأول توبيخ على الفعل لم لم يفعله.


وأما قولنا: «ومنها أربعة للمضارعة.
وهي: الهمزة, والنون, والتاء, واةلياء».
فإن هذه الحروف هي التي تكون في أول الفعل المستقبل.
مثل: أقوم, ونقوم, وتقوم, ويقوم.
وإنما سميت حروف مضارعة لأن بها ضارع الفعل الأسماء فأعرب كما أعربت الأسماء.
والمضارعة المشابهة.
وقد مضى ذكر ذلك.


وأما قولنا: «ومنها أربعة للإعراب.
وهي: الياء, والواو, والألف, والنون».
فإن هذه الأربعة هي التي تكون في المعربات من آخرها.
فالواو والياء والألف هي في الأسماء الستة وفي التثنية والجمع السالم.
والنون علامة الرفع في الأفعال

الخمسة التي ثباتها فيها علامة الرفع, وسقوطها علامة الجزم والنصب.


وأما قولنا: «ومنها أربعة تختص بالفعل من أوله.
وهي: قد, ولو, والسين, وسوف».

فإن «قد» معناها التقريب والتوقع مع الماضي, مثل: قد فعل.
والتقليل مع المستقبل, مثل: قد يفعل.
و«لو» معناها امتناع الشيء لامتناع غيره, مثل: لو جئتني جئتك.
فالمجيء الثاني امتنع لامتناع المجيء الأول.
ولو دخلت «لم» عليها وعلى جوابها لانقلب المعنى فيها, وكان معناها وجود الفعل لوجود غيره.
كقولك: لو لم تجئني لم أجئك, فقد كان المجيئان [جميعًا].
ولو كانت «لم» مع الأول دون الثاني مثل: لو تجئني لجئتك, لكان الأول قد وقع والثاني لم يقع.
وعكسه عكس هذا المعنى, كقولك: لو جئتني لم أجئك, فالأول لم يكن والثاني قد كان.
فاعرف ذلك فإنه من ألطف شيء.
و«السين» و «سوف» معناهما قد ذكر, وهو التنفيس وإخلاص الفعل للاستقبال.
ومنه: (ولسوف يعطيك ربك فترضى).
ولا يجوز دخول هذه اللام على السين وحدها.
لو قلت: إن زيدًا لسيقوم, لم يجز, ويجوز: إن زيدًا لسوف يقوم, كالآية.
لأن سوف بكونها ثلاثة أحرف قد خرجت إلى شبه الأسماء, فجاز أن تدخل عليها لام الابتداء.

قال الشيخ رحمه الله تعالى: فأما قولنا: «ومنها ثلاثة للاستفهام.
وهي الهمزة وهل وأم.
وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف».
فإن هذه الحروف الثلاثة إذا دخلت على الكلام غيرت المعنى دون اللفظ.
لأن الاستفهام قد كان قبل دخولها خبرًا, فلما دخلت على الجملة صارت استفهامًا واستخبارًا.
كقولك: زيد قائم, ثم تقول: أزيد قائم؟, وهل قام زيد؟, وأزيد قائم أم عمرو؟.
والحروف في تغيير الجمل وترك تغييرها على أربعة أقسام, حرف يغير المعنى دون اللفظ, وهي هذه.
وحرف يغير اللفظ دون المعنى.
وهي «إن» و «أن», لأن معناهما التأكيد والتأكيد لا يغير معنى.
وحرف يغير اللفظ والمعنى جميعًا, مثل: «ليت» و «لعل» و «كأن».
تقول: زيد قائم, فإذا قلت كأن زيدًا قائم, تغير اللفظ كما ترى.
وقد صار المعنى [مع كأن] تشبيهًا, ومع «ليت» تمنيًا, ومع «لعل» ترجيًا, فقد تغير اللفظ والمعنى.
وحرف لا يغير لفظًا ولا معنى, وهي لام الابتداء, كقولك: زيد قائم, ولزيد قائم.
وأما قولنا: «وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف» فهو إشارة إلى [التسعة] الأسماء التي يستفهم بها.
وقد شرحت في فصل الأسماء.


وأما قولنا: «ومنها ثلاثة للتأنيث.
وهي: التاء, والألف المقصورة, والألف المقصورة, والألف الممدودة».
فإن مثال التاء: قائمة وغرفة وامرأة وقمحة ونسابة وزنادقة ومهالبة وبرابرة.
كل هذه تاءات للتأنيث, تتفق في الدلالة على التأنيث وتفترق في أشياء أخر ليس هذا موضع ذكرها.
وكلها يوقف عليها بالهاء.
والتأنيث إنما هو بالتاء لا بالهاء, خلاف ما يقول الكوفيون إن التأنيث بالهاء.
لأنهم راعوا الصورة الثابتة في الخط.
والبصريون راعوا الأصل, وهو الوصل الثابت في النطق تاء, والوصل هو الأصل, والنطق كذلك, ولا يعتبر بعوارض الوقف.
ومثال الألف المقصورة في التأنيث: حبلى وجمادى وحبارى, ونحوه من التأنيث بالألف.
والكوفيون يقولون [إن التأنيث] بالياء, مراعاة للخط لكونها ياء في الخط.
والبصريون يقولون التأنيث بالألف, مراعاة للفظ على ما تقدم.
ومثال الألف الممدودة حمراء وقفها وأنبياء.
فالكوفيون يقولون [إن] التأنيث بالهمزة [مراعاة للفظ].
والبصريون يقولون [التأنيث] بالألف

الممدودة, لأنها التي كانت مقصورة فمدت لما وقع قبلها ألف المد.
وأما قولنا: «ومنها حرفان للتنفيس, وهما السين وسوف».
وقد ذكرناهما والفرق بينهما فلا معنى لاعادتهما.
إلا أنك لو سميت / رجلًا [44] بسوف لأعربت ولم تزد على الكلمة شيئًا سوى الإعراب, فتقول: جاءني سوف.
ورأيت سوفًا, ومررت بسوفٍ.
ولو سميت رجلًا بالسين من «سيقوم» لاحتجت إلى زيادتين تزيدهما على الكلمة, لأنه لا يكون اسم معرب على حرف واحد, فيجري فمجرى التسمية بالفاء [التي] للعطف, ولام الابتداء.
فتقول: جاءني فاء ولاء وساء.
لأن السين المستعملة من «سيقوم» ليست هي السين من «سوف», لأن الحروف لا تصريف فيها, بل لكل حرف منها حكمه على ما تقتضيه الأصول.
وهذا شيء عرض.


وأما قولنا: «ومنها حرفان لتأكيد الفعل, وهما النونان الشديدة والخفيفة».
فقد ذكرا في فصل الأفعال وحكمهما وحكم ما قبلهما.


وأما قولنا: «ومنها حرف للتعريف.
وهو اللام عند سيبويه, والألف واللام عند الخليل».
فإن هذه مسألة خلاف عند سيبويه رحمه الله, يقول: إذا قلت: الرجل والغلام, فالتعريف إنما هو باللام وحدها, والهمزة إنما دخلت توصلًا إلى النطق

بالساكن.
والحجة له في كون التعريف باللام وحدها [هو] أن اللام في مقابلة التنوين الذي هو في أصله للتنكير, فكما ثبت أن التنوين على حرف واحد وبه وقع التنكير, فكذلك التعريف بحرف واحد.
والحجة للخليل رحمه الله في [أن] التعريف بهما جميعًا [هو] أن حروف المعاني أكثرها يأتي على حرفين, مثل: هل وبل وأو وإن وأم, وغير ذلك مما يطول ذكره, فأجرى الألف واللام هذا المجرى, واعتقد أن الحكم لهما جميعًا.
إذا كان ما هو [على] حروف واحد - مثل باء الجر ولامه وكاف التشبيه وغيرها - قليلاً ليس في كثرة ما هو على حرفين فتمسك بالأكثر.


وأما قولنا: «ومنها حرف للتنكير مثل تنوين ما لا ينصرف والأسماء المبنيات».

فإن التنوين نون ساكنة تخرج من الخيشوم بلا كلفة, بدليل أن الممسك إذا أمسك أنفه لم يخرج للنون مخرج بل تحبس, وإنما الحركة التي تراها بعدها في مثل: (أحدن الله) إنما هي حركة التقاء الساكنين, وإلا فهي في الأصل ساكنة.
ولذلك تبدل ألفًا في النصب من «رأيت زيدًا» ونحوه.
وقد ذكر أقسام التنوين وأحكامه فيما تقدم.
[فافهم ذلك وفقك الله تعالى].


قال الشيخ: وأما قولنا: «ومنها حرف للنسب, وهي الياء المشددة».
فإن الياء المشددة التي للنسب إذا دخلت على الكلمة الجامدة جعلتها في حكم المشتق, وحملت الاسم الضمير, وجعلته صفة بعد أن لم يكن كذلك, ونقلت الإعراب الذي كان قبلها إليها, وقلبت الألفات واوات.
ولها آثار كثيرة في النسب.
فلذلك تقول: هذا رجل زيدي وعلوي وفتوي وحنفي, وشبهه.
فتجد ما ذكرته لك.
وكل هذه الياءات حروف وليست بأسماء عند البصريين, خلافًا لما يقول بعض الكوفيين من أنها أسماء.
ويحتجون بقول بعض العرب: «رأيت التميمي عدي» جر «عدي» على البدل من الياء.
قالوا: فدل [ذلك] على

كونها أسماء, لأنه لا يبدل الاسم إلا من الاسم.
وهذا غلط في التأويل عند البصريين.
بل الياء في «رأيت التيميمي» حرف نسب لا موضع له من الإعراب, وجر «عدي» إنما هو على حذف مضاف مراد, كأنه قال: «رأيت التيمي تيم عدي», فعدي مجرور بالإضافة, لا [على] ما قالوا من البدل.
فاعرف ذلك.
إن شاء الله تعالى.


جارٍ التحميل