شرح المقدمة المحسبةالفصل العاشر: فصل الخط

الفصل العاشر: فصل الخط

وهو على ضربين متبع ومبتدع.
فالأول كتابة المصاحف.
والثاني ما اصطلح عليه الكتاب وقاسه النحويون ورسمه العروضيون.
وجملة الأمر أن مداره على معرفة ثمانية أشياء.
وهي: الممدود, والمقصور, والمهموز, والوصل, والقطع, والحذف, والزيادة, والبدل.
وهذا هو الفصل الأخير من فصول المقدمة والحاجة إليه داعية والغلط فيه كثير.
وسأذكر من ذلك ما لا غناء عنه بمشيئة الله تعالى.
فكل ما يتعلق بالمصاحف فمسلم متبع لا يجوز العدول عنه, مثل (بسم الله الرحمن الرحيم).
فيها ثلاث ألفات محذوفات من الخط.
الأولى من «بسم» التي هي ألف وصل دخلت توصلًا إلى النطق بالساكن.
والثانية ألف اسم الله تعالى التي قبل الهاء.
والثالثة ألف الرحمن.
كل ذلك حذف من الخط لكثرة الاستعمال.
والعروضيون يثبتون الألف من الرحمن, والألف من اسم الله تعالى لما يراعونه من الأوزان فيجتنبون ما يفسد عليهم من زيادة أو نقصان.
والقرآن العظيم في أعلى رتب البيان, وليس له تعلق بالأوزان.
فمنه ما يأتي على أقيسة النحويين وهو الأكثر, ومنه ما يأتي على غير أقيستهم.
وخاصة ما يتعلق بالمصاحف, مصاحف أهل الكوفة.
وكل مسلم متبع, كالنص الذي يرتفع معه حكم القياس فلا يجوز العدول إلى القياس مع وجوده.
وفي بسم الله الرحمن الرحيم من القياس الموافق للإتباع ما ذكرناه من كثرة الاستعمال.
فإن

كثرة الاستعمال له أصل كبير في العربية.
ألا تراهم يجتزئون بالحرف الواحد عن الجملة لكثرة استعمالهم, مثل: قلنا لها: قفي, فقالت: قاف أي: وقفت.
ومثله: ألا تا, يريد: ألا تركبون, قال الشاعر: نادوهم أن ألحموا ألا تا قالوا جميعًا كلهم ألا فا ومن ها هنا حذف العامل في الباب من قوله (بسم الله الرحمن الرحيم), ومعلوم أنه لابد لكل حرف جر من شيء يتعلق به.
لأن حروف الجر إنما دخلت توصلًا لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء.
ولولا ذلك وما يجري مجراه لم يحتج إليها.
ولما كان كذلك وجب أن تكون الباء مطالبة بعامل يعمل فيها, وتقديره يحتمل أمرين.
أحدهما «بدأت» أو «أبدأ».
والآخر: «ابتداي».

فإذا كان المقدر فعلًا كانت الباء متعلقة بذلك الفعل الذي هو في حكم الموجود.
وإذا كان المقدر اسمًا كانت الباء متعلقة بمحذوف آخر, كما تتعلق به في كل موضع يكون خبرًا عن مبتدأ.
كأنه قال: ابتداي كائن بسم الله, أو واقع بسم الله تعالى.
فعلى هذا يكون الجار والمجرور من بسم الله في موضع رفع, لأنه نائب مناب الخبر.
وعلى القول الأول يكون الجار والمجرور في موضع نصب, لأنه مفعول لذلك / الفعل المحذوف.
وليس في الجار والمجرور على هذا القول ضمير مستتر, وفيه على القول الآخر ضمير مسترر.
فأما قوله سبحانه (باسم الله مجراها ومرساها), فإن باسم الله يصلح أن يكون في موضع نصب, ويصلح أن يكون في موضع رفع.
فوجه كونه في موضع نصب أن يكون متعلقًا بـ (اركبوا) تعلق الأحوال, أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله.
ووجه كونه في موضع رفع أن يكون خبرًا مقدمًا لـ (مجراها ومرساها), فيكون (مجراها) في موضع رفع بالابتداء, و (باسم الله) خبرًا مقدمًا, وتتعلق الباء بمحذوف مقدر, أي: مجراها كائن باسم.
كما تقول: باسم الله كل خير, ومع اسم الله كل خير.
فعلى هذا الوجه يجوز الوقف على قوله (اركبوا فيها), ويبتدأ (باسم الله مجراها ومرساها).
وعلى الوجه الأول لا يصح الوقف

على (اركبوا فيها), لأنه لا يوقف على العامل في الحال دون الحال.
و (مجراها) على قول من جعل (باسم الله) حالًا في موضع نصب على الظرف, أي: وقت جريها, فيكون اسمًا للوقت, بخلاف الوجه الآخر.
والألف في باسم الله ثابتة في الوجهين جميعًا, لأنه لم يكثر هذا في الاستعمال.
وكذلك (اقرأ باسم ربك الذي خلق), الباء في قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) يجوز أن تكون متعلقة بموجود إذا جعلتها مفعولًا لقولك (اقرأ), ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف إذا جعلتها حالًا, كأنه قال: اقرأ مستفتحًا باسم ربك, ففي الجار والمجرور على هذا الوجه مضمر مرفوع.
وليس فيه على التقدير الآخر ضمير مرفوع, بل الضمير المرفوع في قوله (اقرأ) لا غير.
فاعرف هذه المواضع الدقيقة اللطيفة فإنها كاشفة للمعاني, نفعك الله بذلك.

وأما قولنا: «ومداره على معرفة ثمانية أشياء, وهي:

جارٍ التحميل