الفصل الخامس: فصل النصب
قال الشيخ رحمه الله: أما قولنا: «النصب ما جلبه عامل النصب».
فإنه على حد ما ذكرناه في فصل الرفع وبيناه من الفرق بين آلة الإعراب وآلة البناء.
«وعلاماته كلها خمس», على ما ذكر, «الفتحة والألف والياء والكسرة وحذف النون والأصل منها الفتحة».
وإنما كانت أصلًا من حيث أنها حركة غير محمولة على غيرها إذا قلت: «رأيت زيدًا وعمرًا».
وليس كذلك الكسرة التي في هذا الباب من قولك: «رأيت الهندات» لأنها محمولة على غيرها.
فعلمت أن الفتحة وحدها هي الأصل في هذا الباب, كما كانت الضمة هي الأصل في علامات الرفع.
«وهذه الفتحة تكون في الأسماء والأفعال, السالمة والمعتلة, سوى المعتل بالألف».
فإن المعتل بالألف مثل: موسى وعيسى والفتى والمولى [ونحوه] لا يظهر في لفظه فتحة نصب, لأن الألف لا تتحرك بحال, إذ تحريكها يؤدي إلى قلبها, وقلبها يؤدي إلى تحريك أصلها, وتحريك أصلها يؤدي إلى الثقل.
فلذلك اجتنب تحريكها, فوجب أن تكون ساكنة أبدًا, منصرفة كانت أو غير منصرفة, منفردة كانت أو مضافة.
فالمفرد كقولك: رأيت مولى والمولى, والمضاف مثل: رأيت مولاه ومولات ومولاي, فتحة النصب في جميعة مقدرة.
وليست هذه الفتحة في «مولاي» فتحة نصب, وإنما هي فتحة بناء على ياء النفس.
لأن المضمرات مبنيات وحركاتها حركات بناء.
فان أضفت هذا المعتل إلى ظاهر, فلا يخلو [من] أن يكون أوله ساكنًا, أو ليس أوله ساكنًا.
فإن كان أوله ساكنًا مثل: الرجل والغلام وابن واسم, فإنها تنحذف في اللفظ لالتقاء الساكنين, وتثبت في الخط.
مثل: مولى الرجل, ومولى ابنك.
ولا يجوز إثباتها بحال في اللفظ, لأنك تجمع بين ساكنين وهذا لا يجوز.
وهذا شيء عرض حسب ما أردت وفقك الله للصواب.
«والألف تكون في الستة الأسماء المعتلة المضافة».
مثل: رأيت أباه وأخاه, وباقيها.
فإن صغرتها ذهبت الألف وعاد النصب إلى الفتحة, فتقول: رأيت [50] أخيه وأبيه.
وكذلك الباقي.
لأن لام / الكلمة قد رجعت في التصغير, فخرجت من الاعتلال ولحقت بإعراب الصحيح.
«والياء تكون في التثنية والجمع [المذكر] السالم».
مثل: رأيت الزيدين والزيدين, علامة النصب الياء.
وكذلك إذا أضفت, مثل: رأيت زيديه وزيديه, لأن النون سقطت للإضافة, فبقيت الياء علامة النصب.
وإن أضفت إلى نفسك قلت: رأيت زيدي العاقلين وزيدي العاقلين, فعلامة النصب الياء الأولى المدغمة في ياء النفس.
لأن الياء الأولى هي ياء الإعراب الساكنة, والثانية هي ياء الإضافة.
ووقع الفرق بين المثنى والمجموع بانفتاح ما قبل ياء التثنية وانكسار ما قبل ياء الجمع.
ولو نسبت إلى «زيد» لقلت: رأيت الزيدي, وكانت علامة النصب الفتحة, لأن حرف الإعراب الآن هو ياء النسب المشددة.
وكل مشدد فنصبه بالفتح, كما أن رفعه بالضم وجره بالكسر.
«والكسرة تكون في جمع المؤنث السالم».
مثل رأيت الهندات, وأكرمت الزينبات.
علامة النصب كسرة التاء, وهي محمولة على حركة الجر, وهي فرع, على ما قلناه.
ولا تزول هذه التاء في إضافة ولا غيرها.
«وحذف النون يكون في تثنية فاعل الفعل وجمعه والواحدة المؤنثة».
مثل: لن تفعلا, ولن تفعلوا, ولن تفعلي.
علامة النصب حذف النون.
وكذلك إذا دخلت المضمرات التي هي مفعولات, مثل: لن يضرباك, ولن يضربوك, ولن يضرباه, ولن يضربوه, ولن تضربيه.
كله منصوب, وعلامة نصبه حذف النون.
فإن كان المفعول ضمير المتكلم دخلت نون الوقاية.
فقلت: لن تضرباني, ولن تضربوني, ولن تضربيني.
علامة النصب حذف النون الأولى.
أصله «تضربيني», فالأولى علامة الرفع ذهبت لأجل الناصب, والثانية نون الوقاية التي تقع عليها كسرة الياء.
ولا يجوز حذف هذه النون بغير ناصب, لو قلت: أنت تضربينني, لم يجز.
وكذا: هما يضرباني, لأنك حذفت النون التي هي علامة الرفع, ولا يجوز حذف علامة الرفع بغير عامل.
فأما قراءة من قرأ: (أتحاجوني), بتخفيف النون, فإن المحذوف هي النون الثانية.
ولا يجوز أن تكون المحذوفة [هي النون] الأولى, لأن [النون] الأولى
علامة الرفع لا تزول إلا بعامل, أو ما يوجب زوالها.
وأما قولنا: «وجملة المنصوبات التي تكون فيها إحدى هذه العلامات المذكورة أحد عشر».
فإنه لما حصر فيما تقدم علامات الرفع والمرفوعات حصر في هذا الفصل أيضًا علامات النصب والمنصوبات.
فعلامات النصب خمس, وقد ذكرت, والمنصوبات في أنفسها أحد عشر:
«