شرح المقدمة المحسبةفصل الأسماء المضمرة

فصل الأسماء المضمرة

وهو القسم الثاني من أقسام الأسماء أما قولنا: «وأما الأسماء المضمرة فخمسة أنواع.
منها نوع أول يكون مبتدأ فيقع الظاهر بعده مرفوعًا بحق الخبر.
ما لم يكن فصلًا بين معرفتين في باب كان وأخواتها, وظننت وأخواتها.
وذلك كل مضمر منفصل مرفوع الموضع.
وهو اثنا عشر مضمرًا/: أنا, نحن أنت, أنت, [15] أنتما, أنتم, أنتن, هو, هي, هما, هم, هن.
تقول: أنا القائم, [ونحن القائمون], وكنت أنا القائم, وكنا نحن القائمين».
فهذا أول فصول الأسماء المضمرة.
لأنه لما فرغ الكلام على الأسماء المظهرة, وجب أن ننتقل إلى الكلام على [الأسماء] المضمرة.
ولما كانت المضمرات مبنياتٍ غير معربات, وكانت على أقسام, منفصلاتٍ ومتصلات, ومرفوعات الموضع, ومنصوبات الموضع, ومجرورات [الموضع], وجب أن نفصل تفصيلًا يقوم مقام النطق بالإعراب الظاهر لتقيس على ذلك, وتستعمله في مواضعه من النفي والتعجب والاستفهام في مثل المسائل المتقدمة, وفي جميع ما تحتاج إليه من الجمل.
فإن اختصار الإعراب يدخل تحت معرفة هذه المضمرات.

وجملة الأمر أن أصل [هذه] المضمرات اثنا عشر لفظًا.
اثنان للمتكلم, وهما: أنا ونحن.
وخمسة للمخاطب.
وخمسة للغائب, وعلى الترتيب الذي قدمناه ذكر.
فكلها مضمرات منفصلات مرفوعات الموضع.
فقولنا: «مضمرات» لأنها كنايات عن غيره.
وقيل [لها] «منفصلات» لقيامها بأنفسها.
وقيل لها «مرفوعات الموضع» لأنك لو جعلت مكانها ظاهرًا لكان مرفوعًا بحق الابتداء.
ويقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الخبر.
ويستمر ذلك ما لم يفرق بين المبتدأ وخبره كان وأخواتها, أو ظننت وأخواتها.
فإن «كان» ترفع الاسم وتنصب الخبر, و «ظننت» تنصب مفعولين.
فلذلك جاز النصب فيما مثل من قولك: كنت أنا القائم.
التاء اسم كان, والقائم منصوب لأنه خبر كان, وأنا تأكيد وفصل لا موضع له من الإعراب.
وكذلك: كنا نحن القائمين.
وقوله عز وجل: (وكنا نحن الوارثين).
ولو رفعت الكل لجاز, فقلت: كنت أنا القائم.
فيكون «أنا» مبتدأ, و «القائم» خبره, والجملة في موضع نصب خبرًا لكان.
وكذلك: وكنا نحن الوارثون.
نحن مبتدأ, والوارثون الخبر, والجملة في موضع نصب تقديرًا خبر لكان.

فإذا عربت المسائل من كان وأخواتها, وظننت وأخواتها, فليس إلا الرفع.
كقولك: أنا القائم, ونحن القائمون, وأنت القائم وأنت القائمة, وأنتما القائمان, [وأنتما القائمتان] وأنتم القائمون, وأنتن القائمات.
وكذلك الباقي, كله مبتدأ وخبر.
فالأول هو المبتدأ, ولا يتبين فيه إعراب, رفع ولا غيره.
لأنه مبني من حيث كان مضمرًا, والمضمرات كلها مبنيات, وإنما بنيت لشبهها بالحروف.
فعلى هذا فقس كل ما يرد في كتاب الله سبحانه, من قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو), و (أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون).
فاعرفه, وقس عليه.
وبالله التوفيق.


وأما قولنا: «ومنها نوع [ثان] يكون فاعلًا فيقع الظاهر بعده منصوبًا بحق المفعول.
وذلك كل مضمر متصل بفعل قد غير له ذلك الفعل غالبًا.
وهو اثنا عشر مضمرًا أيضًا.
مثل فعلت الشيء, وفعلنا, وفعلت, وفعلت, وفعلتما, وفعلتم, وفعلتن, وفعل, وفعلت, وفعلا, وفعلوا, وفعلن».
فإن هذا هو النوع الثاني من أنواع المضمرات.
وكلها مضمرات متصلات, مرفوعات الموضع.
وقيل لها «مضمرات» لأنها كنايات عن غيرها.
وقيل لها «متصلات» لاتصالها بأفعالها.
وقيل لها «مرفوعات الموضع» لأنها ضمائر الفاعلين,

والفاعل مرفوع.
ولأنك لو جعلت مكانه ظاهرًا لكان مرفوعًا, مثل: فعل زيد الشيء, وفعلت الشيء.
فإن قيل: لم سكنت ما قبل السبعة الأول والأخير منها, ولم تسكن ما قبل الأربعة الباقية؟ فقل: لأنك لو لم تسكن في كل واحد من هذه الثمانية لجمعت بين أربع حركات لوازم, وإذا جمعت ثقل, وإذا ثقل وجب التسكين للحرف الذي قبل الضمير.
فإن قيل: ولم وجب لهذا الذي قبل الضمير التسكين دون الأول أو الثاني أو الرابع؟.
قيل: أما الأول فامتنع لأنه لا يبدأ بساكن.
وأما الثاني فامتنع لأن به يعرف وزن الكلمة, هل هي بوزن فعل كضرب, أو بوزن فعل كعلم, أو بوزن فعل كحسن.
وأما الرابع فامتنع لأنه اسم على حرف واحد فلم يخلل بحذف حركته, ولأنه لو أسكن لالتبس بتاء التأنيث.
فلما بطلت هذه الأقسام الثلاثة لم يبق إلا ما قبل الضمير, وهو اللام فنسكن.
وليس كذلك الأربعة الباقية, لأنه ما اجتمع فيها إلا ثلاث حركات,

وكانت بخلاف [هذه] الثمانية.
فإن قيل: فما معنى [قولك] «قد غير له [ذلك] الفعل غالبًا؟ ». قيل: احترازًا من هذه الأربعة التي لم يغير لها الفعل.
فإن قيل: فما حكم الظاهر بعد هذه الأشياء؟.
فقل: حكمه أن يكون منصوبًا بحق المفعول, لأنه ليس بعد الفعل والفاعل إلا المفعول, ما لم يكن تابعًا.
فإن قيل: ما معنى التابع؟.
فقل: [تابع] المضمرات المرفوعات إن كان تأكيدًا لها كان مرفوعًا - وإن كان ظاهرًا - مثل: فعلنا أنفسنا كذا وكذا, وفعلنا كلنا كذا وكذا.
[فهذا] مرتفع بأنه تأكيد.
والتأكيد تابع للمؤكد في إعرابه.
/ وكذلك لو كان التابع عطفًا لكان هذا حكمه, مثل: فعلنا [16] نحن وزيد.
فزيد مرفوع, لأنه معطوف على النون والألف.
فهذا معنى قولنا: ما لم يكن تابعًا.
وجميع هذه الاثني عشر فعل وفاعل أبدًا.
فاعرف الفرق بين فعلنا وفعلنا من قولك: ضربنا وضربنا, وحدثنا وحدثنا.
إذا سكنت فالضمير فاعل, ويقع الظاهر بعده منصوبًا, وإذا فتحت فالضمير مفعول, ويقع الظاهر بعده مرفوعًا.

فقس على ذلك جميع ما يرد عليك من ذلك [تصب إن شاء الله تعالى].


وأما قولنا: «ومنها نوع [ثالث] يكون مفعولًا فيقع الظاهر بعده مرفوعًا بحق الفاعل.
وذلك كل مضمر متصل بفعل لم يغير له [ذلك] الفعل.
وهو اثنا عشر أيضًا.
[مثل] نفعني زيد, نفعنا, نفعك, ونفعك, نفعكما, نفعكم, نفعكن, نفعه, نفعها, نفعهما, نفعهم, نفعهن».
فإن هذه الاثني عشر هي النوع الثالث من أنواع المضمرات.
وكلها مضمرات متصلات منصوبات الموضع بحق المفعول.
ويقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الفاعل.
وهي ضد ما قبلها.
لأن الذي قبلها فعل وفاعل, وهذه فعل ومفعول.
فمواضع هذه المضمرات كلها نصب بحق المفعول.
والمفعول فضلة لا يلزم كلزوم الفاعل.
ولما كان فضلة - لا يلزم كلزوم الفاعل - لم يعتد باجتماع أربع حركات فيه في قولك: نفعني, ولا في قولك: نفعنا, ولا في قولك: نفعك, وأخواته.
ولما كانت هذه ضمائر المفعولين

وجب أن يقع الظاهر بعدها مرفوعًا بحق الفاعل, لأنه ليس بعد الفعل والمفعول إلا الفاعل, ما لم يكن تابعًا, فإن التابع يجري مجرى ما تقدم في الحمل على الموضع.
فإذا أكدت قلت: نفعك نفسك زيد, ونفعكم أنفسكم زيد, ونفعكن أنفسكن زيد.
ونفعك وزيدًا عمرو.
فقس على ذلك [تصب إن شاء الله].
فإن قيل: فلم جاءت النون في «نفعني» وليست بضمير؟.
قيل: جاءت وقاية للفعل ليسلم من الكسر فيقع الكسر عليها.
لأن ياء المتكلم يكون ما قبلها مكسورًا.
فالنون في «نفعني» حرف, والنون في «نفعنا» اسم.
[فاعرف ذلك].


[قال الشيخ رضي الله عنه] وأما قولنا: «ومنها نوع [رابع] يكون مجرور الموضع.
وذلك كل مضمر متصل باسم أو بحرف جر, مثل: عملي لي, عملنا لنا, عملك لك, عملك لك, عملكما لكما, عملكم لكم, عملكن لكن, عمله له, عملها لها, عملهما لهما, عملهم لهم, عملهن لهن».

فإن هذا النوع هو النوع الرابع من أنواع المضمرات.
وكلها مضمرات متصلات مجرورات الموضع بحق الإضافة.
فعمله اسمان, مضاف ومضاف إليه.
فالمضاف «عمل», والمضاف إليه «الهاء», وهي في موضع جر, لأنك لو جعلت مكانها ظاهرًا لكان مجرورًا.
مثاله: عمل زيد لزيد.
وقولك: «له», حرف واسم.
فالحرف هو اللام.
وأصل هذه اللام أن تكون مكسورة مع الظاهر, مفتوحة مع الضمير ما لم يكن ضمير متكلم.
مثل: «لك» وفتحتها من «لنا».
[من قولك: عملنا لنا].
واللام في قولك: «عملك لك» لا تكون إلا مفتوحة ولا تكسر إلا مع الظاهر وياء المتكلم.
فإن قيل: ما إعراب «عملنا لنا»؟.
فقل: مبتدأ وخبر.
المبتدأ «عملنا», والخبر «لنا».
فإن قيل: فبأي شيء أخبرت, أبمفرد أم بجملة؟.
فقل: يحتمل أمرين.
إن قدرت فعلًا كان جملة, وإن قدرت اسمًا كان مفردًا.
فتقدير الفعل «علمنا استقر لنا».
وتقدير الاسم «عملنا مستقر لنا».
لأن كل جار ومجرور وقع خبرًا فلابد أن يتعلق بشيء محذوف.
فمتى قدرته فعلًا كان جملة.
ومتى ما قدرته اسمًا كان مفردًا.

فإن قيل: فما الأولى في التقدير؟.
قيل: الأولى الأخف.
والأخف هو الاسم.
ولهذا تقدر هذا وأمثاله بـ «مستقر» و «كائن» و «واجبٍ» وما أشبه ذلك من المفردات.
فاعرفه [وقس عليه].
وسترى ذلك مبينًا في [فصل] العوامل.
[إن شاء الله تعالى].
لكن ها هنا اثنا عشرة مسألة تفسيرها تفسير واحد.
وإنما احتاجت حروف الجر إلى تقدير شيء تتعلق به, لأن حروف الجر إنما دخلت للربط, ولإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد.
فالباء هي التي علقت معنى المرور بزيد.
فإذا قلت: المرور بزيد, فقد صار الكلام مبتدأ وخبرًا, بعد أن كان فعلًا وفاعلًا.
وانتقل من ذلك الحكم فصار له حكم آخر تتعلق الباء فيه بمحذوف.
فقس على ذلك عملت لك, والعمل لك.
وأما قولنا: «ومنها نوع [خامس] يكون منصوبًا في التقدير, منفصلًا.
وهو كل ضمير مفعول, تقدم على فعله.
أو تأخر بعد استثناء.
أو كان مفعولًا ثانيًا أو ثالثًا.
أو كان اغراءً / لمخاطب, فينصب الأسماء [17] الظاهرة.
مثال ذلك كله: إياك نعبد.
وما نعبد إلا إياك.
وعلمته إياه,

وأعلمت زيدًا عمرًا إياه.
وإياك الطريق, [وكذلك الباقي].
وجميع ذلك اثنا عشر مضمرًا على ترتيب ما تقدم.
وفي «إياك» وأخواتها خلاف بين العلماء.
وأصحها أن «إيا» اسم مضمر, والكاف حرف خطاب.
وقد استوفيت ذلك [كله] في شرح الأصول».
فإن هذا النوع هو النوع الخامس من المضمرات.
وهي اثنا عشر أيضًا.
إياي, إيانا, إياك, إياكما, إياكم, إياكن, إياه, إياها, إياهما, إياهم, إياهن.
كلها مضمرات منفصلات, منصوبات الموضع بحق المفعول.
لأنه ضمير موضوع للمنصوب.
خلافًا لـ «أنا» وأخواتها اللاتي هن ضمائر المرفوع, وقد تقدم شرحها.
ولما كانت هذه ضمائر المنصوب وجب أن تكون مواضعها غير مواضع «أنا» وأخواتها.
فإذا وقعت أولًا مثل: (إياك نعبد وإياك نستعين) فهي مفعول مقدم في موضع نصب.
وكان الأصل «نعبدك

ونستعينك».
فلما قدم المفعول لضربٍ من العناية والاهتمام بالمعبود جل جلاله, لم يكن أن يتقدم وهو على حرف واحد, فجعل منفصلًا بعد أن كان متصلًا.
فصار «إياك نعبد».
وقياسه في العربية «نعبدك».
فعلى هذا فقس «إياك خاطبت» و «إياكم أردت», مفعول مقدم كله.
فإذا أردت أن تأتي به مفعولًا مؤخرًا بعد استثناء قلت: ما ضربت إلا إياه, وما عبدت إلا إياه, وما نعبد إلا إياك.
فهذا وقوعه بعد الاستثناء, والتقدير: ما نعبد إلهًا إلا إياك.
ولا يجوز أن يقع ها هنا «أنت» وشبهه.
فإذا أوقعته مفعولًا ثانيًا قلت: علمته إياه.
فالهاء مفعول أول, و «إيا» مفعول ثانٍ, صار منفصلًا لما حصل في موضع المفعول الثاني, إذ لا يجوز علمتهه.
وإذا جعلته مفعولًا ثالثًا قلت: أعلمت زيدًا عمرًا إياه.
فزيدًا مفعول أول, وعمرًا مفعول ثانٍ, وإياه مفعول ثالث.
لأنك إذا فصلته مع كونه ثانيًا فأحرى أن تفصله إذا كان ثالثًا.
وكذلك بقية هذه المضمرات تجري هذا المجرى من المسائل المذكورة.
وإذا أردت الإغراء لم يكن إلا بـ «إياك» وأخواتها مما فيه كاف الخطاب.
لأنه لا يغرى بغائب إلا شاذًا.
فتقول: إياك الطريق, وإياك

والقبيح.
فإياك ها هنا إغراء ناب عن فعل فنصب «الطريق», كما ينصب [ذلك] الفعل المقدر «الطريق» لو قلت: خل الطريق, واجتنب القبيح.
فوقع «إياك» ذلك الموقع فعمل عمله ونصب «الطريق» وشبهه.
[وبالله التوفيق].
فإن قيل: وما الخلاف في إياك الذي بين العلماء؟.
فالجواب: أقوال شتى.
منها قول الخليل رحمه الله أن «إيا» اسم مضمر والكاف اسم مضمر.
وأن هذه الكاف في موضع جر بالإضافة إلى «إيا».
واحتج على ذلك برواية رواها عن العرب أنها تقول: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب», فجر الشواب بالإضافة [إلى إيا], فدل على أن الكاف إذا وقعت موقعها اسم في موضع جر.

ولم يلتزم أصحاب سيبويه هذه الحكاية لقلتها وشذوذها.
فلا يقاس عليها.
ومنها قول الكوفيين إن «الكاف» اسم مضمر, و «إيا» دعامة للكاف ووصلة إليها.
ولم يبينوا هذه الدعامة ما هي, أمضمرة هي أم مظهرة؟.
وقد رد هذا بأن قيل: إن أكثر الشيء لا يكون دعامة لأقله, لأن أقل ما في هذه الكلمة «الكاف» على قولهم, وقد دعمت بأربعة أحرف.
ومنها قول لهم أيضا أنه بكماله اسم مضمر.
وهذا أيضًا ضعيف.
لأن أكثر هذه المضمرات مركبات من أسماء وحروف, وخاصة المنفصلات, مثل: أنت وأنتما وأنتم [وأنتن].
الاسم منها الألف والنون, والباقي حروف خطاب, ودلائل تثنية وجمع.
ولهذا إذا سميت بشيء منهن حكيت, لأنه مركب من اسم وحرف.
وكل شيء سمي به من حرف واسم أو حرفين فإنه محكي لا يعرب.
ومنها قول رابع.
وهي أنها كلها اسم مظهر موضوع للنصب لا غير, بمنزلة «سبحان» الذي هو اسم موضوع للنصب لا غير.
وهذا

أضعفها.
لأنه لا خلاف في كون «سبحان» معربًا, وفي كون «إياك» مبنيًا.
وهذا يدخله التنوين, أعني «سبحان», إذا احتيج إليه في شعر [أو صرفٍ] كما قيل: سبحانه ثم سبحانًا يعود له... وقبلنا سبح الجودي والجمد ويروى: ثم سبحانًا نعوذ به.
ولا ينون «إياك», فلو كان مظهرًا لجاز تنوينه.
ومنها القول المعتمد عليه وهو المذكور في المقدمة أن «إيا» اسم مضمر, والكاف حرف خطاب.
وهذا القول هو قول الأخفش وقول سيبويه.
وعليه [18 [العمدة, لأنه قد قام الدليل على كون الكاف حرف خطاب / لامتناع أن يكون لها موضع من الإعراب, الرفع والنصب والجر.
فامتناع الرفع لأنها ليست من

ضمائر المرفوع.
وامتناع النصب لأنه ليس لها ناصب, وامتناع الجر لأن المضمرات لا تضاف, لأنها معارف لا يفارقها تعريفها, فلا يجوز إضافتها إلى غيرها.
فهذا كله طرف مما أشير إلى شرحه في الأصول مقنع ها هنا.


وأما قولنا: «فهذه جملة المضمرات.
وهي نيف وستون مضمرًا.
كلها مبنيات.
وكلها معمولات لغيرها.
وكلها معارف.
وإنما أتي بجميعها للاختصار».
فإن معنى [هذا] النيف المشار إلى ذكره وإن كان ما تقدم إلا ستون [مضمرًا], لأن أصلها من اثني عشر مضروبة في خمسة.
فاحتيج إلى معرفة هذا النيف, وهو يوجد في فصل «نفعت» وأخواته, إذا حول الفعل الماضي إلى [الفعل] المضارع لم يكن الفاعل في الواحد مظهرًا, بل كان أبدًا مستورًا مع المتكلم [والمخاطب والغائب] مثل أنفع وننفع وتنفع [وينفع].
فهذا خلاف نفعت ونفعنا ونفعت.
إذ كان الفاعلون مع الماضي مذكورين, ومع المستقبل مستترين مقدرين.
وإنما استتر مع المستقبل لما فيه

من الدلائل.
فالهمزة موضوعة للمتكلم, فأغنت عن إظهار الفاعل.
والنون للجماعة وللواحد المعظم, فأغنت [أيضًا] عن إظهار الفاعل.
والتاء للمخاطب, فأغنت [أيضًا] عن إظهار الفاعل.
والياء للغائب.
فقد صار كل حرف من حروف المضارعة يدل على المعنى الذي وضع له فأغنى عن إظهاره.
ووجب أن يعتقد أنه مضمر مستتر.
فإذا قلت: أنفع زيدًا, فتقديره أنفع أنا زيدًا.
وكذلك ننفع زيدًا, فتقديره ننفع زيدًا.
وكذلك: تنفع زيدًا, تقديره تنفع أنت زيدًا.
[وكذلك ينفع زيدًا, تقديره ينفع هو زيدًا].
فاستغنيت بحرف المضارعة عن إظهاره.
فإذا صرت إلى الاثنين والجماعة [والمؤنث] كان بالألف والواو [والياء], كقولك ينفعان وينفعون وتنفعين.
فالألف ضمير وهي الفاعلة.
[والواو

ضمير وهي الفاعلة].
والياء عند سيبويه ضمير وهي الفاعلة, وعند الأخفش حرف يدل على التأنيث, والفاعل عنده مضمر تقديره «تنفعين أنت».
فهذا تفسير النيف المشار إلى ذكره لئلا يورد عليك مثله.
وليس هو مذكورًا في جمله الستين الممثلة.
وكل هذه المضمرات مبنيات كما ذكرنا.
وإنما كانت مبنياتٍ لشبهها بالحروف.
وإنما أشبهت الحروف بافتقارها إلى غيرها من المظهرات واختلاف صيغها كالحروف.
وكلها معملولات.
وإنما كانت معمولاتٍ لأنها لا تخلو من أن تكون فاعلاتٍ, أو مفعولاتٍ, أو مضافاتٍ, أو مبتدآتٍ.
فإذا كانت مبتدآت, فالعامل فيها الابتداء, مثل: أنا زيد, ونحن الزيدون.
وإذا كانت فاعلاتٍ فالعامل فيها أفعالها التي هي مسندة إليها, مثل: نفعت ونفعنا.
كما تقول: نفع زيد, ونفع الزيدون.
فكما أن «زيدًا والزيدين» مرفوعان بنفع, ومعمولان له, فكذلك «التاء» وأخواتها في «نفعت» مرفوعة

بنفع ومعمولة له.
وكذلك في حال النصب إذا قلت: نفعني [الزيدون].
الياء معمولة لنفع, لأنها منصوبة في التقدير.
وكذلك الياء في «عملي لي» معمولة للعمل وللجار, بحكم الإضافة, وهي في موضع جر بذلك.
فظهر لك أنها [كلها] معمولات, ولا يكن قط عاملات.
لأنه ليس في المضمرات فعلية ولا معنى فعلٍ.
فلذلك كانت كلها معمولات ولم تكن عاملات.
فإن قيل: فما تصنع بالمضمرات التي تكون فصلًا في باب كان وأخواتها, وفي باب ظننت وأخواتها إذا قلت: كان زيد هو العاقل, وظننت زيدًا هو العاقل, بالنصب.
أهي ها هنا [أيضا] معمولة كما كانت في قولك إذا رفعت ما بعدها وقلت: كان زيد هو العاقل, وظننت زيدًا هو العاقل؟.

فالجواب: أن هذا موضع مشكل, ولا يكاد يحققه إلا مثل الفارسي وأصحابه من المتأخرين, وسيبويه رحمه الله من المتقدمين وأصحابه.
فإنهم يقولون إنها لا موضع لها من الإعراب, لا رفع ولا نصب ولا جر.
فإذا منعوا من ذلك بطل أن تكون معمولة لعامل من العوامل كلها, اللفظية والمعنوية, لأنها إنما دخلت للفصل لا غير.
وهي زائدة كزيادة «ما» و «لا» اللذين هما حرفان يدخلان زائدين.
ولذلك شبه سيبويه رحمه الله هذه المضمرات إذا كن فصلًا بهذين الحرفين فألحقها بالحروف.
وأطلق بعض المحققين لأجل ذلك على هذه الأسماء أنها حروف لما أجراها سيبوبه مجرى «ما» و «لا» اللذين هما حرفان زائدان.
وهذا تصريح من صاحب الكتاب عليها بالحرفية, فوجب لذلك ألا تكون معمولات إذا كن فصلا.
وما عداها مما ليس بفصل فمعمول بلا إشكال, على ما قدمناه.
وكل هذه المضمرات معارف.
وإنما كانت كذلك لأنها لم تضمر

إلا وقد عرفت.
وكلها إنما أتي بها للاختصار, لأنه لولاها لطال مع المظهر التكرار في كل موضع من أنواع الإخبار أو الاستخبار.
وهذا بين لا يحتاج معه إلى الإكثار.
وبالله التوفيق.

/

جارٍ التحميل