شرح المقدمة المحسبةالفصل الثامن: فصل العامل

الفصل الثامن: فصل العامل

قال الشيخ رحمه الله: «العامل هو ما عمل في غيره شيئًا من رفع, أو نصب, أو جر, أو جزم, على حسب اختلاف العوامل».
وإنما كان كذلك لأن العامل لما وجد مؤثرًا في المعمول عملًا سمي عاملا.
كما أن الفاعل لما وجد مؤثرًا في المفعول أثرًا سمي فاعلًا.
ألا ترى أنك إذا قلت «قام زيد», كان «قام» هو الرافع العامل للرفع.
وإذا قلت «رأيت زيدًا», كان «رأيت» هو الناصب العامل للنصب.
وإذا قلت: «مررت بزيدٍ», كانت الباء هي الجارة العاملة للجر.
وإذا قلت: «لم يضرب», كانت «لم» هي الجازمة العاملة للجزم.
فلذلك سميت العوامل عوامل.
فلا تجد مرفوعًا إلا برافع, ولا منصوبًا إلا بناصب, ولا مجرورًا إلا بجار, ولا مجزومًا إلا بجازم.
كما لا يكون محدث إلا بمحدث, ولا مؤثر إلا بمؤثر.
فالله تعالى فاعل كل شيء وخالقه تعالى علوًا كبيرًا.
فإذا ثبت هذا فجملة العوامل أربعة أشياء.
معنى, وفعل, وحرف, واسم.
ثلاثة لفظية, وهي الأخيرة.
وواحد معنوي وهو الأول.
والمعنوي ضربان.
أحدهما

عامل الرفع في المبتدأ.
والآخر عامل الرفع في الفعل المضارع.
فالمبتدأ قولك: زيد قائم, وعبد الله منطلق.
فزيد ونحوه مرفوع, لابد له من رافع.
وليس في اللفظ ما يرفعه من شيء قبله ولا بعده.
فوجب أن يكون العامل معنويًا لا لفظيًا, وذلك المعنوي هو الابتداء, وذلك الابتداء هو الاهتمام, وذلك الاهتمام هو جعلك الشيء أولًا لثانٍ, يكون الثاني حديثًا عن الأول المجرد من العوامل اللفظية.
فإذا قلت: زيد قائم, فزيد أول لثان, وذلك الثاني هو خبر عن الأول, وهو «زيد» المجرد عن العوامل اللفظية.
فعلى هذا فقس كل مبتدأ.
وهذا هو العامل المعنوي.
وقد دقت معرفته على قوم من البصريين والكوفيين فعبروا عنه بغير هذه العبارة.
فقال أبو العباس المبرد: الرافع للمبتدأ هو التجرد من العوامل.
فجعل التجرد هو الرافع.
وهذا فيه بعض ما فيه, لأن التجرد من العوامل عدم العوامل, ولا يكون عدم الشيء موجبًا لعمله.
وقال الكوفيون إن الرفع للمبتدأ هو الخبر, والرافع للخبر هو المبتدأ.
وهذا أيضًا أعجب من الأول, لأنه لا يكون الشيء عاملًا ومعمولًا من جهة واحدة لما فيه من التضاد.
والصحيح ما قدمنا ذكره.
فاعتمد عليه في كل مبتدأ وخبر إذا طالبت نفسك بمعرفة الرافع تصب إن شاء الله تعالى.
وفقك الله للصواب.
وجملته أربع صفات.
أول لثانٍ محدث به عن الأول, مجرد عن العوامل اللفظية.
والعوامل اللفظية أربعة.
باب كان وأخواتها.
وباب إن وأخواتها.
وباب

ظننت وأخواتها.
وباب ما [الحجازية].
لأنه متى دخل واحد من هذه ارتفع حكم الابتداء.
وصار الحكم والعمل لأحد هذه الأشياء الأربعة اللفظية.
فأما الرافع للخبر ففيه أقوال.
أصحها أن الابتداء والمبتدأ جميعًا رفعا الخبر, فإذا قلت: زيد قائم, فزيد يرتفع بالابتداء, والابتداء وزيد جميعًا رفعا الخبر.
والقول الثاني أن الابتداء وحده رفع المبتدأ والخبر جميعا.
والقول الثالث أن الابتداء رفع المبتدأ وحده, والمبتدأ وحده رفع الخبر.
والقول الرابع أن كلًا منهما رفع صاحبه.
والأصح القولان الأولان.
ومثل هذا ما تقوله في الشرط والجزاء من قولك: إن تقم أقم.
قال قوم: إن «إن» جزمت فعل الشرط وجواب الشرط جميعًا بنفسها.
وقال آخرون: إن «إن» جزمت فعل الشرط, وإن فعل الشرط جزم الجواب.
وقال آخرون: إن «إن» وفعل الشرط جميعًا جزما الجواب.

فهذه معرفة أحد العاملين المعنويين, وهو عامل المبتدأ.
والعامل الآخر المعنوي هو عامل الفعل المستقبل, الذي يعمل الرفع فيه أبدًا ما لم يكن معه ناصب أو جازم.
وذلك قولك: هذا رجل يضحك, ورأيت رجلًا يضحك, ومررت برجل يضحك.
فيضحك فعل مستقبل مرفوع ليس معه رافع قبله ولا بعده.
فوجب أن يكون الرافع معنويًا, وذلك المعنوي هو وقوعه موقع الاسم, وذلك الاسم هو «ضاحك» / إذا قلت: هذا رجل ضاحك, [64] ورأيت رجلًا ضاحكًا, ومررت برجلٍ ضاحكٍ.

وكان ابن درستويه يقول في هذا وأشباهه إنه يرتفع لوقوعه بنفسه موقع الاسم, وينتصب لوقوعه مع غيره موقع الاسم, وينجزم إذا لم يقع بنفسه ولا مع غيره موقع الاسم.
وكان الكسائي يقول: الرافع للفعل المستقبل هو حرف المضارعة.
وليس هذا بشيء, لأن حرف المضارعة يوجد في الفعل وهو منصوب بالناصب ومجزوم بالجازم.
وكان بعض الكوفيين يقول: هو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
وهذا يجعل عدم العامل عاملًا, وهذا ليس بشيء.
وقال قوم من الكوفيين إن الرافع هو المضارعة.
وهذا ليس بشيء.
لأن المضارعة أوجبت له جملة الإعراب, لا إعرابًا مخصوصًا.
وإنما اختص بنوع دون نوع بحسب العامل.
فهذه أقوال في الرافع للفعل المستقبل.
فإن قيل: ما العلة التي لأجلها كان الفعل المستقبل معربًا؟.
قيل: المضارعة للاسم.
فإن قيل: فمن أين ضارع الاسم؟.
فقل: بالنقل من العموم إلى الخصوص.
فإن قيل: فكيف هذا النقل من العموم إلى الخصوص؟.
فقل: لأنك تقول: «زيد يقوم» فيصلح للزمانين, الحال والاستقبال, وهذا عموم.
فإذا أردت إخلاصه للاستقبال أدخلت عليه السين أو سوف, فقلت سيقوم, أو سوف يقوم.
كما تقول «رجل, أو غلام», فيصلح لرجل معروف ولرجل مجهول,

فإذا أردت إخلاصه لمعروف أدخلت الألف واللام للتعريف, فخلصته من الشركة بالحرف, كما خلصت الفعل من الشركة والإبهام بالحرف.
فاعرف ذلك.
وقد قيل إن المضارعة بين الاسم والفعل إنما هي بدخول لام الابتداء عليه كدخولها على الاسم, فتقول: إن زيدًا ليقوم, كما تقول: إن زيدًا لقائم, ولا تقول: إن زيدًا لقام.
وقد قيل إن المضارعة بالجريان على اسم الفاعل في الحركات والسكنات وعدد الحروف.
فإذا قلت: زيد يضرب, فهو بزنة ضارب - الذي هو اسم - في عدد حروفه وحركاته وسكناته.
بخلاف الماضي الذي هو ضرب.
فمن حيث أعمل اسم الفاعل لشبهه بالفعل, كذلك أعرب الفعل المستقبل لشبهه باسم الفاعل المعرب.
وكل هذه مشابهات ومضارعات.
وبالله التوفيق.
فإن قيل: فهل في العوامل عامل معنوي غير هذين الأصلين؟.
فقل: ليس هناك عامل معنوي يعمل رفعًا غير ما ذكرناه, وقد ذكرنا الخلاف فيه, فاعرفه.
وبالله التوفيق.


جارٍ التحميل