مجرورات التعدية
إنما دخل حرف الجر فيه للتعدية وإيصال معنى الفعل إلى الاسم, فلا يجوز فيه إلا وجه واحد وهو الجر, إلا أن يكون الحرف زائدًا فيسقط ويرجع إلى الأصل, مثل: ليس زيد بقائم, وليس زيد قائمًا.
فكل جار ومجرور وقع مفعولًا فإن لفظه لفظ الجر وموضعه نصب.
فلذلك يجوز في العطف عليه وجهان, مثل: مررت بزيدٍ
وعمروٍ, وعمرا.
فالجر على اللفظ, والنصب على الموضع.
لأن حرف الجر بمنزلة الجزء من الاسم تارة, وبمنزلة الجزء من الفعل تارة, فلذلك يجوز الوجهان.
قال الشيخ رحمه الله: فأما قولنا: «فهذه جملة المجرورات, وما عداها فمبني على الكسر, مثل: نزال وتراك وحذام وقطام وبداد وفساق وغدار وفجار.
ومثل: هؤلاء وأمس.
ومثل: سيبويه وعمرويه ونفطويه, ونحوه من الأسماء المركبة مع الأصوات».
فإنما أوردنا هذا الفصل آخر المجرورات ليحكم على حركاتها بأنها حركات بناء, لا حركات إعراب.
لأنها كلها مبنيات.
وباب «فعال» يأتي على أربعة أقسام.
اسماء للفعل كنزال وتراك.
وهذا اسم للفعل.
وفعله انزل واترك, أتي به للاختصار على ما تقدم من الكلام عليه في صهٍ ومهٍ.
وحذام وقطام اسمان علمان مبنيان كبناء أسماء الأفعال.
وإنما بنيا - وليس أصلهما فعلًا - لأحد أمرين, احدهما علة أبي العباس أنه كان فيه التعريف والتأنيث, فلما اجتمع إلى ذلك العدل عن حاذمة وقاطمة بني, لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء.
والعلة الصحيحة أنه بني لتضمنه معنى الحرف الذي هو تاء التأنيث من
«حاذمة» و «قاطمة».
لأن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني.
وليس كثرة العلل موجبة للبناء.
ألا ترى أن في «أذربيجان» ونحوه التعريف والتأنيث والتركيب والعجمة والألف والنون, فهذه خمس علل ومع هذا فلم يبن.
فليس كثرة العلل موجبة للبناء.
وبداد وفجار اسمان للمصدر الذي هو البدة والفجرة, كأنه بني المصدر في هذا الوزن كما بني في الأعلام في حذام وقطام, وفي أسماء الأفعال في نزال وتراك, والعلة كالعلة.
وأما فساق وغدار فصفة معدولة عن فاسقة وغادرة, تستعمل في النداء, فيقال: يا فساق ويا غدار, كما يقال للمذكر: يا فسق ويا غدر.
فهذه أربعة أقسام كلها مبنية لما ذكرنا.
وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين, الحرف الأخير والألف الذي قبله.
وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين.
وقيل: إنما خص بالكسر لأن هذه الألفاظ وضعت للمؤنث.
والكسرة من علامات التأنيث فخص بالكسر لذلك.
والدليل على أن أسماء الأفعال مؤنثة قول الشاعر:
ولأنت أشجع من أسامة إذ... دعيت نزال ولج في الذعر
فأنث فعل «نزال» حين قال «دعيت نزال».
و «نزال» اسم ما لم يسم فاعله في موضع رفع.
وأما هؤلاء وأمس فقد مضى الكلام عليهما.
وكذلك مضى الكلام على عمرويه وسيبويه ونفطويه, ونحوه.
وقد ذكرنا أنها أسماء وأصوات.
فالاسم «سيب», والصوت «وبه».
والحركة لالتقاء الساكنين: الياء والهاء.
والكسر على أصل التقاء الساكنين [وبالله التوفيق].