شرح المقدمة المحسبةفصل

قال الشيخ رحمه الله تعالى: [وأما قولنا: ] «وأما الحروف التي تعمل على صفة ولا تعمل على أخرى فهي تسعة.
سبعة للنداء وهي: «يا» و «أيا» و «هيا» و «أي» و «آ» و «الهمزة» و «وا».
فهذه إذا وليها المفرد المعرفة أو المقصود كان مضمومًا, مثل: يا زيد, ويا رجل, إذا أقبلت [45] عليه.
وإذا وليها المضاف, أو الاسم الطويل, أو النكرة التي ليست مقصودة / كان منصوبًا, مثل: يا عبد الله, ويا طالعًا جبلًا, ويا رفيقًا بالعباد.
ويا رجلًا, ويا غلامًا, إذا لم تعين شخصاً بعينه».
وإنما جعلنا هذه الحروف خارجة عما تقدم لهذا الاختلاف الواقع بعدها.
ولأن حرف النداء فيها ناب مناب الفعل.
فإذا قلت: يا عبد الله, فكأنك قلت:

أنادي عبد الله, فنابت «يا» عن الفعل.
والدليل على نبيابته عن الفعل جواز إمالة حرف النداء.
والحروف لا تمال.
وقد قالوا يا عبد الله [ممال], ويا زيد.
فلولا النيابة عن الفعل لما جازت الإمالة.
ولأنه قد وقع بعدها المنصوب والمجرور بحرف جر كما يقع بعد الفعل.
فالمنصوب قولك: يا عبد الله.
والمجرور قولك: يا لزيدٍ, كما تقول: ناديت عبد الله, وصحت لزيدٍ.
فدل ذلك كله على نيابة حرف النداء عن الأفعال.
وهذه الحروف تختلف معانيها.
فـ «أيا» و «هيا» و «أي» و «آ» لنداء البعيد والمستثقل في نومه.
والهمزة لنداء القريب والذي بين يديك.
و «وا» لنداء المندوب.
و «يا» هي أم الباب تستعمل للقريب والبعيد, وفي الاستغاثة والندبة وغير ذلك, لأنها قاعدة الباب وعليها المدار.
وأحكام ما بعدها قد ذكرت.
فكل مفرد علم صحيح يكون مضمومًا في النداء, مثل: (يوسف أعرض عن هذا).
وكل مضاف أو طويل يكون منصوبًا على ما مثلنا.
وكل نكرة مفردة فهي على ضربين.
إن كانت مقصودة بالإقبال عليها كانت مضمومة, كالعلم المفرد, مثل: يا رجل, ويا غلام.
وإن كانت غير مقصودة كانت منصوبة, مثل: يا رجلًا أقبل, ويا غلامًا, فمن أجابك فقد أتى على غرضك, لأنك لم تقصد شخصًا بعينه.

وأما قولنا: «ومنها [ما وهي] حرف يرفع الاسم وينصب الخبر في النفي عند أهل الحجاز, ما دام خبرها متأخرًا بعد اسمها, لم يتقدم هو ولا معموله, ولم تدخل «إلا» ولا «إن» المخففة.
وذلك قولك: ما زيد قائمًا, و «ما هذا بشرًا).
وترفع في لغة تميم على كل حال».
فإن الحجة لبني تميم في رفع جميع هذه المسائل وشبهها أن «ما» حرف نفي يدخل على الجملة من المبتدأ والخبر, والجملة من الفعل والفاعل.
وهي كحروف الاستفهام الداخلة على الجملتين.
فكما أن حروف الاستفهام لا تعمل شيئًا فكذلك «ما» عند بني تميم.
والحجة لأهل الحجاز في إعمالها أنها عندهم مشبهة بـ «ليس» التي ترفع الاسم وتنصب الخبر.
والشبه الذي بينهما من وجوه, أنهما جميعًا للنفي.
وأنهما جميعًا داخلان على مبتدأ وخبر.
وأنهما لنفي الحال.
فلذلك نصب خبر «ما» بما كما نصب خبر «ليس» بليس.
ولما كانت «ليس» فعلًا عملت على كل الوجوه بقوة الفعلية.
ولما كانت «ما» حرفًا ضعفت عن العمل على كل حال, فبطل عملها إذا تقدم الخبر, مثل: «ما قائم زيد».
وبطل إذا تقدم معمول الخبر مثل: «ما طعامك زيد آكل».
«طعامك» مفعول «آكل» لما تقدم بطل نصب «آكل» وبطل عملها.
وكلك إذا دخلت «إلا», مثل:

«ما زيد إلا قائم», قال الله تعالى (ما هذا إلا بشر مثلكم) وبطل إذا دخلت «إن» مثل: «ما إن زيد قائم».
لأن إن كفت «ما» عن عملها كما كانت «ما» تكف «إن» عن عملها.


وأما قولنا: «ومنها «لا».
وهي تنصب النكرة ما دامت [النكرة] تليها, وما دام النفي مستغرقًا الجنس مثل: لا إله إلا الله.
فإن وقع فصل بطل النصب, مثل: (لا فيها غول) ونحوه».
فإن جملة الأمر في «لا» أنها على ضربين.
تارة يكون النفي بها نفي استغراق.
والأخرى لا يكون نفي استغراق بل نفي اختصاص.
فمتى كان النفي نفي استغراق, وهو ما كان جوابًا لحرف مستغرق مثل أن يقول القائل: هل من أحد في الدار, فتقول: [أنت]: لا أحد في الدار, بمعنى لا من أحد [في الدار].
وكذلك: هل من رجل, فتقول: لا رجل, بمعنى لا من رجل, فبنيت النكرة هنا مع «لا» لتضمنها معنى حرف الاستغراق.
والبناء يقتضي أن يكون مجاورًا للمبني لا فاصل بينهما, ويقتضي أن يكون مفردًا لا مضافًا.
فإذا وقع فصل بين «لا» والنكرة بطل البناء, ووجب أن تقول: لا فيها رجل, ولا فيها أحد.
وكذلك إذا كان مضافًا كان معربًا لا مبنيًا, مثل: لا غلام

رجل [في الدار] ولا صاحب امرأةٍ فيها, لأن المضاف غير مبني في الغالب.
وإنما حملت «لا» في عمل النصب على «إن» التي للإيجاب لأن العرب تحمل الأشياء على أضدادها كما تحملها على نظائرها, فقلت لا غلام رجل في الدار, ولا رجل في الدار.
كما تقول: إن الرجل في الدار.
فـ «لا» في العمل مثل «إن», وإنما تخالفها في أشياء أخر.
فـ «لا» تعمل في النكرة لا غير, و «إن» تعمل في المعرفة والنكرة, و «لا» تبنى مع النكرة [و «إن» لا تبنى مع النكرة].
و «إن» لا يحسن حذف خبرها, و «لا» يحسن حذف [46] خبرها, نحو: / لا بأس, ولا خوف.
وإن يجوز العطف على موضعها بعد الخبر ولا يجوز قبل الخبر, و «لا» يجوز العطف على موضعها قبل الخبر وبعد الخبر, مثاله: لا رجل وامرأة في الدار, ولا رجل في الدار وامرأة, ولا يجوز أن تقول: إن الرجل والمرأة في الدار, إنما تقول: إن الرجل في الدار والمرأة, إذا أردت الحمل على الموضع.
فأما نصبهما جميعًا فلا إشكال في ذلك.
فهذه كلها فروق بين «إن» و «لا» في العمل.

والفرق بين «لا» إذا بنيت مع ما بعدها من النكرة وبينها إذا لم تبن قد ذكر, أعني الاستغراق وترك الاستغراق.
ومثالها في الاستغراق: لا حول ولا قوة إلا بالله, نفيت كل حول وكل قوة على جهة العموم أن يكون لأحد استجلاب

لهما أو دفع لحلولهما إلا بالله جل وعز الذي هو فاعل كل شيء تعالى علوًا كبيرًا.
وخبر «لا حول» محذوف لدلالة الثاني عليه, التقدير لا حول إلا بالله ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] والخبر على التحقيق فيهما [جميعًا] محذوف كأنه قال: «لا حول لمخلوق إلا بالله ولا قوة لمخلوق إلا بالله».
والجار والمجرور المقدر هو الخبر المتعلق بالاستقرار المقدر على الأصل [المقرر,] لأن إلا إنما دخلت للاستثناء, والاستثناء إنما هو من مستثنى, وذلك المستثنى هو الخبر المحذوف على التحقيق.
وبالله التوفيق.

شرح المقدمة المحسبة الجزء الثاني

شرح المقدمة المحسبة لطاهر بن أحمد بن باشاذ المتوفى سنة 469 هـ الجزء الثاني تحقيق خالد عبد الكريم

الطبعة الأولى 1977

جارٍ التحميل