شرح المقدمة المحسبةفصل النسق

قال الشيخ رحمه الله: النسق هو الجمع بين الشيئين أو الأشياء بواسطة في اللفظ والمعنى, أو في اللفظ دون المعنى.
فواسطة اللفظ والمعنى أربعة أحرف: الواو, والفاء, وثم, وحتى.
وواسطة اللفظ دون المعنى ستة: أو, وإما, وبل, وأم, ولكن, ولا.
وإنما كان كذلك من قبل أنك إذا قلت: جاءني زيد وعمرو, فقد اشترك الاسمان في الإعراب, فهذا هو اللفظ.
واشتراكهما في المعنى هو المجيء.
وكذلك مع الفاء وثم وحتى.
وإن كانت المعنى تختلف على [حسب] ما بينان في فصل الحرف, وليس كذلك باقي حروف العطف الستة لأنها إنما تجمع بين

الاسمين في الإعراب دون المعنى بحسب معاني الحروف, مثل: جاءني زيد أو عمرو, أي أحدهما.
وكل هذا قد بين في فصل الحروف.
وإنما ذكرنا ها هنا أمثلة ذلك, وهو عطف المرفوع على المرفوع, والمنصوب على المنصوب, والمجرور على المجرور, والمجزوم على المجزوم, ولا تختلف في شيء من ذلك.
و«إما» وحدها تختص بالتكرير.
«ولكن» تختص بالنفي, و «لا» [تختص] بالإيجاب.
و «حتى» تختص بالجنس, وعطف قليل على كثير.
و «أم» تختص بالاستفهام, والمعادلة للهمزة.
وكل ذلك قد أشير إليه في فصل الحروف, ولا فائدة في إعادته والإطالة.
وكذلك كلها تشترك في عطف الظاهر على الظاهر.
مثل: جاء زيد وعمرو, والمضمر على المضمر مثل: رأيتك وإياه.
[وعطف المضمر على الظاهر مثل: رأيت زيدًا وإياك].
وعطف الظاهر على المضمر مثل: رأيتك وزيدًا.
إلا أن يكون مضمرًا مرفوعًا أو مجرورًا فإنه يحتاج مع ضمير المرفوع إلى تأكيد, مثل: قمت أنا وزيد.
ويحتاج مع ضمير المجرور إلى إعادة الجار, مثل: مررت به وبزيد.
ولا يجوز: مررت به وزيد إلا في الشعر كما قال: فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيام من عجب وكذلك يجوز مع المرفوع في الشعر كما قال: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى... كنعاج الملا تعسفن رملا

فـ «زهر» معطوف على المضمر في «أقبلت», ولم يؤكد ذلك المضمر.
وأما قوله تعالى (ما أشكرنا ولا آباؤنا), فـ «آباؤنا» معطوف على النون والألف في «أشركنا», ولم يؤكد لأن طول الكلام بقوله «ولا» قد سد مسد التأكيد.
وكذلك قوله [تعالى] (فأجمعوا أمركم وشركاؤكم), [بالرفع] على قراءة يعقوب.
معطوف على الواو في «أجمعوا», ولم يؤكد لأنه قد سد طول الكلام بالمفعول وهو «أمركم» مسد التأكيد.
وأما قوله [تعالى] (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أممٍ ممن معك).
فإنما أعيدت «على» مع «أمم» لأنه معطوف على الكاف من «عليك» وهو ضمير المجرور.
ولا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار, حسب ما تقدم.
والباء في قوله «بسلام» متعلقة بمحذوف, لأنها في موضع الحال, أي: اهبط مسلمًا عليك.
و «منا» في موضع جر متعلق بمحذوف لأنه نعت لسلام.
و «عليك» في موضع جر, متعلق بمحذوف لأنه نعت لبركات.

و «على أمم» متعلق بما تعلق به «عليك», لأنه أعيد لأجل العطف على الكاف [من «عليك»].
و «من» في قوله [سبحانه] «ممن معك» يتعلق بمحذوف لأنه في موضع جر, نعت لأمم.
و «معك» يتعلق بفعل محذوف, لأنه صلة «من», أي: ممن استقر معك, أو آمن معك, أو ركب معك, أو أنجيناه معك.
وقد تقدم معرفة المواضع التي تتعلق حروف الجر فيها والظروف بمحذوف, والتي تتعلق بموجود أو ما هو في حكم الموجود.
فعلى ذلك يكون القياس أبدًا إن شاء الله تعالى.
وبالله التوفيق.
فأما قراءة حمزة (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بالجر, فإنها عند أكثرهم واو القسم, لا واو العطف.
وإذا كانت واو القسم تعلقت بما تتعلق به باء القسم إذا قلت: بالأرحام لأفعلن, وهو محذوف, أي أقسم بالأرحام.
وذلك القسم محذوف اختصارًا.
وإذا كانت للقسم لم يجز الوقف على (الأرحام) لأنه يحتاج إلى جواب, والجواب على هذه القراءة (إن الله كان عليكم رقيبًا), لأن العرب كانت تقسم بالأرحام تعظمًا لها.
فيكون في قراءة حمزة وقفان أحدهما: الوقف على قوله (تساءلون به).
والوقف الثاني (رقيبا).
لأنهما جملتان مختلفتان تامتان.
إحداهما أمرية, والأخرى قسمية, فأما على قراءة الجماعة بالنصب, فإن الوقف الأول على (الأرحام) لأنها معطوفة على اسم الله تعالى فلا يجوز الوقف على (به), لأنه لا يجوز الوقف على المعطوف عليه دون

المعطوف في عطف المفردات.
وإذا لم يجز ذلك كان الوقف على (الأرحام) المنصوب, فلا تتعلق «إن» على قراءة الجماعة بما قبلها لأنها ليست بجواب, وإنما هي استئناف وخاطب.
وإذا كانت استئنافًا وخطابًا فهي جملة قائمة بنفسها, والوقف فيها على (رقيبا).
و (عليكم) متعلق بـ (رقيبا) تعلق المفعول به, والأصل: كان رقيبًا عليكم, وإنما قدم لتشاكل رؤوس الآي.
فالجار في هذا متعلق بموجود أيضًا, وهو (تساءلون) تعلق المفعول به.
فاعرف هذه النكت.
وللعطف أحكام كثيرة فيها كلام طويل لا يليق ذكره بهذه المقدمة مع ما أنت عليه من إحفاز السفر وضيف الزمان وفيه مقنع مع ما رزقك الله من البصيرة أعانك الله ووفقك للصواب.

جارٍ التحميل