شرح المقدمة المحسبةالوصل والقطع

في هذه الحروف الثلاثة لما حدث معها ووجب [من] التركيب

وتشاكل اللفظ, أو ترك التركيب وحمل كل شيء على أصله, على ما يأتي بيانه [إن شاء الله].
فـ «ما» توصل أبدًا بحروف المعاني إذا كانت على حرف واحد, اسمًا كانت أو حرفًا.
مثل قوله سبحانه (فبما نقضهم ميثاقهم) و (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم).
والعلة في وصلها مع الحرف الواحد أن الحرف الواحد لا يستقل بنفسه, فوجب وصله بها أبدًا.
فإن كانت حروف المعاني على أكثر من حرف مثل: أن وليت ولعل وإلى وحتى, ونحوها, كتبت «ما» منفصلة إذا كانت اسمًا بمعنى «الذي», مثل: (إن ما عند الله هو خير لكم).
وتكتب متصلة إذا كانت حرفًا مثل: (إنما الله إله واحد), فرقًا بين الاسم والحرف.
وذلك أن «ما» إذا كانت كافة «إن» عن عملها فقد اتصلت بها اتصال المانع لها عن عملها, فوجب ألا تكون منفصلة عنها.
وليس كذلك إذا كانت بمعنى «الذي», لأنها اسم منفصل, ومعمولة «إن», وواقعة موقع «الذي».
فكما أنها مع «الذي» تكون منفصلة فكذلك مع ما هو بمعناها.
فإن كانت [ما] استفهامية كتبت متصلة, وإن كانت اسمًا, لأجل الحذف الذي يلحقها, مثل: إلام تنظر, وحتام تغيب, و (فبم أنت من ذكراها).
فعلامة الوصل في «حتام» كتب «حتى» بالألف.
وكذلك علامته في «إلام» كتبها بألف.
ولو وقفت على هذه الاستفهامية لفصلتها, وألحقتها هاء للسكت, وكتبتها إلى مه, وحتى مه, وعلى مه.
لأنها ياء السكت قد صارت على أكثر

من حرف واحد ففصلت.
فقد صار في جملة الأمر أن «ما» إذا كانت اسمًا غير استفهامية كتبت منفصلة مع ما هو أكثر من حرف واحد.
وإذا كانت حرفًا, أو استفهامًا, أو مع حرف كتبت متصلة.
فعلى هذا تقول: أين ما وعدتنا, فتفصلها لأنها بمعنى «الذي», وأينما تعدنا تكن, فتصلها لأنها ها هنا حرف وليست باسم.
وقد كتبت وهي بمعنى «الذي» في مواضع متصلة, وذلك مع «من» و «عن» لأجل الإدغام والأجود فصلها.
تقول: صفحت عن ما صفحت عنه, وعما صفحت عنه.
وهربت من ما هربت منه, ومما هربت منه.
وإنما كان فصلها أجود كما يكون مع غير هذين الحرفين من نحو «في», تقول: قد قلت في ما قلت.
والعلة في جواز وصلها هو ما اقتضاه اللفظ من إدغام النون في الميم, فلما أدغمت فيها وصلت بها.
وليس الإدغام عندنا بموجب للإتصال.
ألا ترى أن التنوين يدغم في الميم في مثل (على أمم ممن معك), ولا يوجب الإدغام وصل هذه الأشياء فاعرف ذلك.
قال الشيخ [رحمه الله]: و «كلما» إذا كانت ظرفًا كتبت معها «ما» متصلة مثل: كلما قمت قمت.
وإن كانت اسمًا كتبت «ما» منفصلة مثل: كل ما عندي لك.
لأن «ما» ها هنا اسم بمعنى «الذي».
وكذلك كل ما في الدنيا فان وليست كذلك إذا كانت ظرفًا.
وهذا الكلام على وصل ما وفصلها.
فإما «لا» فتكتب متصلة مع «أن» إذا كانت [أن] ناصبة للفعل.
ومنفصلة إذا لم تكن ناصبة [له], مثل [قوله سبحانه] (وحسبوا ألا تكون فتنة)

و (أن لا تكون) فمن نصب «تكون» وصلها, ومن رفع «تكون» فصلها لأن التقدير مع الرفع: وحسبوا أن لا تكون فتنة, فلما كانت الهاء مقدرة بين «أن» و «لا» فصلت.
وتكتب [لا] مع «إن» في الشرط متصلة, مثل: إلا تدع شنمي أعاقبك, وإلا تذهب أذهب.
وكذلك مع «هل» إذا خرجت إلى معنى الإنكار والتوبيخ, مثل: هلا خرجت, لأن التركيب لما أخرج الكلمة إلى معنى الإنكار صار الحرفان كالحرف الواحد فكتب متصلًا.
وكذلك حالها في التحضيض إذا قلت: هلا تخرج.
فإن قلت: كيف يصح معنى التوبيخ والإنكار في مثل قوله تعالى (لولا أخرتني إلى أجل قريب), وهو بمعنى هلا أخرتني؟.
قيل: فيه جوابان.
أحدهما: أن هذا يجري مجرى مخاطبة الإنسان لنفسه موبخًا لها, وإن كان في الظاهر خطابًا للرب.
والآخر: أن هذا دعاء, لأن كل ما كان من هذا النوع لمن هو دونك فهو في معنى الأمر, وما كان لمن هو مثلك فهو في معنى السؤال, وما كان لمن هو فوقك كان دعاء, أو هو في معنى الدعاء, وإن اشترك اللفظ فالمعنى مختلف.
فهذا ما عرض.
انقضى الكلام على فصل «لا» ووصلها.
فأما وصل «ها» فإنها توصل مع «ذا», فتكتب متصلة بغير ألف إذا لم يكن معها كاف خطاب.
مثل: هذا زيد, وهذه هند, وهذان الزيدان, وهؤلاء الزيدون, لأنهما قد جعلا كالشيء الواحد.
فـ «ها» تنبيه, و «ذا» إشارة فإن

دخلت كاف الخطاب كتبت منفصلة بألف, مثل ها ذاك وهاذانك [وهاتاك] وهاتانك وهاؤلائك.
لأن كاف الخطاب تقوم مقام التنبيه فلذلك فصلت.
فأما امتناعهم من مثل «هاذالك» فلما فيه من المخالفة.
لأن «ذا» إشارة للقريب, واللام للبعيد, والكاف للخطاب, والهاء للتنبيه, فلم تجتمع اللام مع «ها».
فـ «ذا» لأقرب ما يكون, و «ذاك» لما يليه في البعد, وذلك لأبعد الثلاثة.
انقضى فصل القطع والوصل.

فصل

قال الشيخ [رحمه الله]: وأما قولنا: «وأما

جارٍ التحميل