الحال
. وإنما كانت
الحال مشبهة ولم تكن حقيقية لأنها تعمل فيها المعاني, ولأنها صفة الفاعل والمفعول في المعنى.
وإنما الفرق بينهما وبين الصفة أن الصفة ثابتة مستمرة مع الموصوف, والحال منتقلة.
فإذا قلت: جاء زيد الضاحك, فالضاحك صفة له في حال مجيئه, وفي غير حال مجيئه.
فإذا قلت: جاء زيد ضاحكًا, فالضحك حال له في حال مجيئة, بخلاف الصفة, ولذلك كانت منتقلة, ومقدرة بالمنتقل وموطئة للمنتقل.
فالمنتقل مثل: جاء زيد ضاحكًا.
والمقدر بالمنتقل: هذا زيد صائدًا غدًا, لأن تعليق «غدًا» بصائد دليل على أنه ليس بصائد في حال الإشارة إليه, وإذا لم يكن صائدًا في حال الإشارة إليه وجب أن يقدر بما ثنتقل, وهو قولك «مقدرًا», كأنك قلت هذا زيد مقدرًا الصيد غدًا, أو ناويًا الصيد, أو معتقدًا.
وكل هذه تنتقل وهي الحال في الحقيقة.
والحال من المشار إليه وهو «ذا».
والعامل في الحال ما يظهر في «ذا» من معنى الإشارة, أو ما في «ها» من معنى التنبيه.
(وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًا).
فـ «هذا» مبتدأ, و «كتاب» خبره, و «مصدق» نعته, و «لسانًا» حال - في أحد الوجهين, لأنك لما نعت اللسان بعربي - والصفة والموصوف كالشيء الواحد - صارت الحال بالمشتق, وصار «عربيًا» هو الموطيء لكون اللسان حالًا, وليس حقيقة اللسان أن يكون حالًا لكونه جامدًا لولا ما ذكر من الصفة.
وقوله تعالى (وهو الحق مصدقًا) حال من «الحق) مؤكدة, فـ «هو»
مبتدأ, و «الحق» الخبر.
ومعلوم أن الحق مصدق, فلم تفد هذه الحال إلا التأكيد لأنها لا تنتقل, والعامل فيها معنى الجملة التي دل عليها «هو الحق», فلم يجز تقديمها على «الحق», ولا على ما قبله, لأن العامل معنى فلم يتقدم معموله عليه فاعرف ذلك.
«وشرطه أن يكون نكرةً, مشتقةً, تأتي بعد معرفة, قد تم الكلام / [54] دونها, مقدرةً بفي, منتقلة».
فالعلة في كونها نكرة أنها فضلة في الخبر, وأصل الخبر أن يكون نكرة وكذلك يجب في فضلته.
ولأنها مشبهة للتمييز في البيان فوجب أن تكون نكرة كالتمييز.
فإن قيل: فما تصنع بقولهم: رجع عوده على بدئه, وطلبته طاقتك وجهدك ودخلوا الأول فالأول, ونحوه, وهذه أحوال كلها معارف؟ قيل: ليست بأحوال على الحقيقة وإنما هي معمولة للأحوال, والتقدير: رجع يعود عوده, أي عائدًا عوده.
وطلبته تجتهد جهدك, أي مجتهدًا جهدك.
ودخلوا الأول فالأول, أي دخلوا متفرقين الأول فالأول.
فحذفت هذه الأحوال وأقيمت معمولاتها مقامها.
فالحال باقية على تنكيرها.
والعلة في كونها مشتقة كما ذكر أنها صفة في المعنى, وأصل الصفات أن
تكون بالمشتقات.
فإن قيل: فما تصنع بقوله سبحانه (هذه ناقة الله لكم آية) فآية حال وليست بمشتقة؟.
قيل: هي في معنى المشتق لأن الآية العلامة, والعلامة اسم واقع موقع المصدر, والمصدر مشتق, فهو يعود إلى الاشتقاق.
والعلة في كونها تأتي بعد المعرفة أنها فضلة في الخبر, وأصل الخبر أن يكون بعد المعرفة.
فإن قيل: فما تصنع بقوله عز وجل (فيها يفرق كل أمرٍ حكيم.
أمرًا من عندنا) فهذه حال من نكرة لأنها حال من «كل أمر»؟.
قيل: صاحب الحال وإن كان نكرة فقد وصف, والصفة تقرب النكرة من المعرفة, فجاز لذلك.
والعلة في مجيئها بعد تمام الكلام أنها زائدة في الخبر, فينبغي أن تكون لا تأتي زائدة إلا بعد شيء قد تم.
فإن قيل: «فما تصنع بقولهم: ضربي زيدًا قائمًا, ونحوه من الأحوال التي جاءت ولم يتمم الكلام على ما قبلها؟.
قيل: هذا وشبهه مقدر بالتمام لأن «ضربي زيدًا» في معنى «ضربت زيدًا», أو في معنى «ضربي زيدًا إذا كان قائمًا».
فحذف الخبر وسد الحال مسد الخبر.
والعلة في كونها مقدرة بفي أنها مشبهة بالظرف, فقدرت بفي كما تقدر
الظروف
والعلة في كونها منتقلة أنها هيئة الفاعل والمفعول, والهيئات متغيرات لكونها معاني حادثات, متصرفات أحوالها, غير لازمات.
«ومتى كان عامل الحال فعلًا متصرفًا جاز تقديمها على العامل.
ومتى كان معنى فعل لم يجز.
مثال المتصرف: جاء زيد ضاحكًا, ونحوه.
ومثال معنى الفعل: هذا زيد ضاحكًا, ونحوه».
فإنما نعني أنه يجوز في حال «جاز يد ضاحكًا» وشبهه ثلاثة أوجه, هذا الذي وقعت حاله أخيرًا «جاء زيد ضاحكًا», «وجاء ضاحكًا زيد», «وضاحكًا جاء زيد», لأن العامل إذا تصرف في نفسه تصرف في معموله كالمفعول به, وليس كذلك إذا كان العامل معنى فعل مثل: هذا زيد ضاحكًا, لا يجوز تقديم «ضاحكًا» على «هذا» بحال, لأن «هذا» عامل معنوي, والعامل المعنوي يضعف عن رتبة العامل اللفظي القوي.
بل يجوز «هذا ضاحكًا زيد» بالتوسط, لأنه على كل حال بعد العامل, وهو «ذا» أو «ها».
وكذلك يجوز «ها ضاحكًا ذا زيد», إن كان العامل «ها» جاز, لأنه قبله.
وإن كان العامل «ذا» لم يجز.
فقس على ذلك.
وتجري مجرى اسم الإشارة الظروف وحروف الجر إذا وقعت أخبارًا, كقولك:
زيد في الدار ضاحكا, فضاحكا حال, والعامل فيه «في الدار» النائب عن الاستقرار, ولا يجوز بحال «ضاحكًا زيد في الدار».
فإن قلت: زيد ضاحكًا في الدار, فوسطت الحال فالأخفش يجيزها, وسيبويه لا يجيزها.
وعلة سيبويه ظاهرة, وهو أنه قد تقدمت الحال على عاملها المعنوي.
وعلة الأخفش أن تقديم الحال على أحد الجزأين كلا تقدم, لأن زيدًا مبتدأ فهو مطالب بخبره, وخبره في نية التقديم إلى جانبه, وإذا كان في نية التقديم إلى جانبه صارت الحال كأنها بعده.
فاعرف ذلك.
فإن قلت: إن في الدار قائمًا زيدًا, اتفق الكل على إجازته وإن كانت متوسطة, لأنها على المذهبين بعد العامل - وهو الظرف - وإن كان المذهبان مختلفين.
وبالله التوفيق.
ثم قال [الشيخ رحمه الله]: والسابع يذكر للبيان والتفسير والتبيين للجنس.
وشرطه أن يكون نكرة, جنسًا, مفردًا, مقدرًا بمن.
مفسرًا لمعدود أو موزونٍ أو مكيلٍ أو ممسوحٍ أو مقدر بالمسوح, أو لشيء مبهم.
وهو يقع بعد الفاعل في مثل: تفقأ زيد شحمًا, وبعد النون في مثل: عشرون
درهما, وبعد التنوين في مثل: رطل زيتا, وبعد المضاف إليه في مثل: لله دره فارسًا, وبعد المقدر بالتنوين في مثل: أحد عشر درهمًا».
[55] فإن العلة في المجيء بالتمييز إنما هو للبيان.
والبيان/ يسمى تفسيرًا وتبيينًا.
فإذا قلت: عشرون درهمًا, فإن شئت قلت ينتصب على التبيين.
وإن شئت قلت على التفسير, أو على التمييز, كله بمعنى واحد.
والعلة في كونه نكرة شبهه بالحال لأنه مبين كتبيين الحال, وإن اختلفت الطريقان.
فالحال لتبيين هيئة الفاعل والمفعول.
والتمييز لتبيين جنس الشيء المفسر في نفسه.
والعلة في كونه جنسًا أنه مقدر بمن, و «من» تدخل على الأجناس.
والعلة في كونه مفردًا استغناؤه بالمفرد عن الجمع.
ومثال كونه مفسرًا لمعدود قولك: هؤلاء عشرون رجلًا, وثلاثون امرأة, وكذلك في جميع الأعداء كان أصله «عشرون» من الرجال», فحذفت «من» والتعريف ولفظ الجمع, واستغنى بواحد عن جميع ذلك.
ومثال كونه مفسرًا لموزون: هذا رطل زيتًا, وأوقيه ذهبًا.
ومثال تفسيره للمكيل: هذا إردب قمحًا, وويبة برًا, [وشبهه].
ومثال تفسيره للممسوح: ما في السماء قدر راحةٍ سحابًا, وما في الأرض قدر قبضة نباتًا.
ومثال المقدر بالمسوح: على التمرة مثلها زبدًا, وعلى الرغيف مثله دهنًا, [وعلى الرقعة مثلها ذهبًا].
ومثال التفسير لشيء مبهم: عليه شعر كلبين دينا.
فجميع هذه المنصوبات [منصوبة] على التمييز والتفسير للاسم الأول, لا يجوز تقديمها على شيء من مفسراتها.
فأما وقوع التمييز بعد الفاعل مثل: تفقأ زيد شحمًا, وتصبب عرقًا, فإن في تقديم [هذا] التمييز على عامله خلافًا.
فمذهب سيبويه أنه لا يجوز تقديمه على عامله, وهو الصحيح.
لا يجيز: شحمًا تفقأ زيد, ولا: عرقًا تصيب فلان.
لأن هذا التمييز فاعل في المعنى, والفاعل لا يتقدم على فعله.
فإن قيل: كيف كان فاعلًا في المعنى, ومن أين صار منصوبًا بعد أن كان مرفوعًا؟ قيل: الأصل في «تفقأ زيد شحمًا» تفقأ شحم زيد, فالشحم مرفوع يتفقأ, لأن التفقؤ منسوب إليه, ثم اتسع في هذا الكلام بأن قدم المضاف إليه على
المضاف, وهو «زيد» الذي كان مجرورًا بالإضافة, فارتفع بتفقأ فصار «تفقأ زيد شحم», والفعل لا يكون له فاعلان على غير جهة الاشتراك.
فخرج الشحم مميزًا منصوبًا, لبطلان رفعه وجره, فلم يبق إلا صحة نصبه.
وأبو العباس المبرد يجيز تقديم المميز في هذا على عامله ولا يمنع [منه], بل يقول: شحمًا تفقأ زيد, وينشد:
[أتهجر ليلى للفراق حبيبها]... وما كان نفسًا بالفرق تطيب
وليس في البيت دليل, لأن الشعر تأويلًا لا يحتمل في غيره, ولأن الرواية:
وما كان نفسي بالفرق تطيب
فاعرف مذهب سيبويه وتمسك به فإن المعتمد عليه.
وأما وقوعه بعد النون في مثل عشرين درهمًا, وبعد التنوين في مثل رطل زيتًا, فإن هذا وشبهه لا يجوز تقديم التمييز فيه بوجه, لأن العامل فيه اسم غير متصرف, وإنما هو عمل شبهي.
ولذلك قلنا إن التمييز ينتصب على الشبه بالمفعول به, وكان الأصل أن يكون مجرورًا بحرف أو بإضافة.
فالحرف مثل: عشرون من الدراهم, والإضافة مثل: رطل زيتٍ, فلما دخل التنوين بطلت الإضافة.
وكذلك بعد المضاف إليه من قوله: لله درك فارسًا, كان الأصل «لله در فارس» فلما حجزت الإضافة إلى الكاف بين الدر وفارسٍ خرج منصوبًا بعد المضاف إليه, كما خرج بعد التنوين.
وكونه بعد المقدر بالتنوين في الأعداد المركبة وغيرها في مثل: أحد عشر, إلى تسعة عشر, لأن تنوين هذا مقدر, وأصله: واحد وعشرة, وتسعة وعشرة.
فضمن معنى الحرف الذي هو الواو فبني, وخص بالبناء على الحركة لأن له أصلا في التمكن, وخص بالفتحة [طلبًا] للخفة لأنها ثلاثة أشياء جعلت شيئًا واحدًا.
ولا يجوز بحال: أحد عشر الرجل, لأن التمييز لا يكون معرفة, وكذلك جميع المميزات.
فإن قيل فما تصنع بقوله تعالى (إلا من سفه نفسه), و (بطرت معيشتها), ونحوه.
قيل: ليس هذا منتصبًا على التمييز عند المحققين لتعريفه.
وانتصابه من
وجوه غير ذلك.
إما لأن البطر في معنى الجهل, كأنه قال «جهلت معيشتها», فانتصابه على هذا انتصاب المفعول به.
وكذلك السفه كالجهل, فكأنه قال: «إلا من جهل نفسه».
وقيل: إنه على حذف الجار, فإن الأصل: سفه في نفسه, وبطرت في معيشتها, فلما سقط الجار تعدى الفعل فنصب على حد (واختار موسى قومه سبعين رجلا).
وغير ذلك, فاعرفه, [وقس عليه.
وفقك الله تعالى].
[56] «والثامن / يذكر للبيان عن إخراج بعض من كل بإلا أو بكلمة في معنى إلا, مثل: قام القوم إلا زيدًا, و (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) [وشبه ذلك].
وشرطه أنه متى كان