شرح المقدمة المحسبةالاستثناء

في موجب أو ما هو في تأويل الموجب, أو كان مقدمًا, أو منقطعًا, أو بعد تمام الكلام, كان منصوبًا في هذه المواضع الأربعة.
مثالها: قام القوم إلا زيدًا, وما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا.

وما لي إلا الله راحم.
وما بالدار أحد إلا حمارًا.
و (ما فعلوه إلا قليلًا منهم), في قراءة ابن عامر.
فالثلاثة الأول تلزم النصب, ومتى كان الكلام غير موجب, من استفهام أو نهي أو نفي, كان ما بعد «إلا» تابعًا لما قبلها في الإعراب غالبًا, مثل: هل قام أحد إلا زيد.
ولم يقم أحد إلا زيد, [ولا يقم أحد إلا زيد].
وجملة ما يستثنى به إلا وحاشا وغير وسوى وسوى وسواء وليس ولا يكون وما خلا وما عدا.
فالأربعة الأخيرة ينتصب ما بعدها أبدًا.
والأربعة التي قبلها يجر ما بعدها أبدًا.
و «حاشا» تجر عند سيبويه وتنصب عند غيره.
و «إلا» قد ذكرت.
وإعراب «غير» على حد إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» في جميع أحكامها».
قال الشيخ رحمه الله: شرح هذا الفصل الثامن أن تعرف الاستثناء [والمستثنى] والمستثنى منه والمستثنى به, وقد دخل هذا تحت قولنا: «الاستثناء إخراج بعض من كل بإلا أو بكلمة في معنى إلا».
فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا, فـ «زيد» بعض مخرج من كل - الذين هم القوم - بلفظ «إلا» وبما جرى مجراها.
وكذلك (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) فإلا وهي الحرف أخرجت البعض وهو «قليل» من الكل وهو الضمير في قوله «فشربوا» فالمستثنى هو الاسم الواقع بعد «قليل» من الكل وهو الضمير في قوله «فشربوا» فالمستثنى هو الاسم الواقع بعد «إلا».
والمستثنى منه هو الاسم الواقع قبل «إلا».
والاستثناء هو ما دل عليه معنى «إلا», لأنها إن دخلت على موجب أخرجت ما بعدها إلى معنى النفي, مثل ما مثلنا.
وإن

دخلت على منفي أخرجت ما بعدها إلى معنى الموجب.
مثل: ما قام أحد إلا زيد, و (ما فعلوه إلا قليل منهم).
فالموجب لهم الفعل هو «القليل».
فأما الناصب للمستثنى في الموجب إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا, و (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) فهو الفعل المتقدم بتوسط «إلا».
لأن الفعل لما لم يكن متعديًا إلى ما استثنى قوي بالحرف فصار متعديًا.
وهو أشبه الأبواب بباب المفعول معه من قولك: استوى الماء والخشبة, في كون الواو مقوية للفعل.
فكما قوت «الواو» الفعل حتى نصب المفعول معه كذلك قوت «إلا» الفعل حتى نصب زيدًا.
هذا مذهب صاحب الكتاب في كل ما يجري هذا المجرى.
وخالفه أبو العباس [المبرد] فقال: الناصب للمستثنى معنى «إلا».
ومعنى «إلا»: استثنى, فكأنه قال: قام القوم استثنى زيدًا.
وهذا غير صحيح, لأن معاني الحروف لا تعمل شيئًا في المفعول به.
ألا ترى أن حروف الاستفهام لا يعمل ما فيها من معنى «استفهم», وأن حروف النفي لا يعمل ما فيها من معنى «أنفي», وأن حروف الشرط لا يعمل ما فيها من معنى «أشرط», وأن حروف العطف لا يعمل ما فيها من معنى «عطفت», أو «جمعت».
فالقول بما قال أبو العباس يؤدي إلى خرقٍ عظيم لا رقع له.
ولو كان هذا المعنى صحيحًا لوجب أن ينصب في النفي أيضًا, إذا قال: ما قام أحد إلا زيدًا, لأن «إلا» عنده

بمعنى استثني.
وفي عدم القول بنصب ذلك دليل على فساد [هذا] المذهب.
فإن قيل: ما جملة المواضع التي يكون [فيها] ما بعد إلا من الاسم منصوبًا على هذه القضية؟.
قيل: جملة المواضع الأربعة المذكورة وما كان في معناها.
مثال الموجب: قام القوم إلا زيدًا.
وتجري مجراه الأوامر كلها مثل: قوموا إلا زيدًا.
ومثال ما هو في تأويل الموجب: ما أكل أحد إلا الخبر إلا زيدًا.
فتأويل «ما أكل أحد إلا الخبز» كل أحد أكل الخبز.
وإذا كان تأويله تأويل الموجب كان ما بعد «إلا» منصوبًا.
ومثال الاستثناء المقدم.
ما لي إلا الله راحم, وما لي إلا العمل شراب.
كان أصله: ما لي راحم إلا الله, بالرفع, وكان رفعه على البدل, فلما تقدم بطل أن يكون بدلًا, لأن البدل لا يتقدم على المبدل منه, ولما بطل نصب, لأن الأصل في الاستثناء / أن يكون منصوبًا في الموجب فحمل على [57] الأصل.
وقد يجوز النصب وإن كان متأخرًا, ألا تراك تجيز: ما لي راحم إلا الله, والله, وما لي شراب إلا العسل, والعسل, بالوجهين الرفع والنصب.
فلما قدمت وقد بطل البدل قوى الوجه الضعيف, وهو النصب, ولا يجوز غيره.
ومثله الحال من النكرة ضعيفة إلا إذا تقدمت قويت, مثل: جاءني رجل ضاحك, ولا يحسن: جاءني رجل ضاحكًا, وإن قدمت نصبته لا غير فقلت: جاءني ضاحكًا رجل.
و لمية موحشًا طلل

فصار الوجه الضعيف قويًا لا يجوز غيره.
وكذلك مسألتنا في الاستثناء.
ومثال الاستثناء المنقطع: ما بالدار أحد إلا حمارًا.
وفرقوا بين الاستثناء من الجنس وبين الاستثناء من غير الجنس.
فما كان جنسًا جاز فيه البدل مثل: ما في الدار أحد إلا زيد.
وما كان غير جنس كالحمار وشبهه لم يجز البدل.
وإذا لم يجز البدل نصبت واعتقدت أن إلا بمعنى «لكن» فقلت: ما بالدار أحد إلا حمارًا.
هذا مذهب الحجازيين.
ومذهب بني تميم في هذا الذي ليس من الجنس أنه على قسمين, ما كان منقطعًا بالكلية ليس من الأحدين ولا ما يصحب الأحدين فلا يجوز إلا النصب, مثل ما بالدار أحد إلا حوضًا, وإلا ثوبًا, فالنصب لا غير.
وما كان مما يتبع الأحدين مثل الدواب والآلات جاز عند بني تميم الرفع على البدل, فيقولون: ما بالدار أحد إلا حمار, أبدلوا الحمار من الأحدين المقدرين لما كان يتبعهم, كأنه قال: ما بالدار أحد ولا ما يتبع الأحدين إلا حمار.
ومثال ما يأتي بعد تمام الكلام: ما قام أحد إلا زيدًا, فالكلام قد تم بقولك «ما قام أحد» فجاز نصب زيد, والأجود رفعه, ومثاله قراءة الأكثر (ما فعلوه إلا قليل منهم), بالرفع على البدل من الواو.
وابن عامر رحمه الله نصب لأن الكلام قد تم بالفعل والفاعل قبل الاستثناء فجرى مجرى قولك: «ما قام أحد إلا زيدًا» في الجواز.
ولو سقط «أحد» والضمير من «فعلوه» لم يجز إلا الرفع إجماعًا, مثل: ما قام إلا زيد, وما فعله إلا قليل, لأن النصب هنا يخلي

الكلام من فاعل الفعل, والفعل لابد له من فاعل وخاصًا إذا كان الفعل مفرغًا ومهيأ لاستدعائه.
فهذه وجوه المواضع التي يكون فيها ما بعد «إلا» منصوبًا قد كشفتها لك.
ثم ما عدا ذلك يكون محمولًا على قضية البدل والعامل الذي قبله.
وهو أنه متى كان الكلام غير موجب من استفهام أو نهي أو نفي كان ما بعد «إلا» تابعًا لما قبلها في الإعراب غالبًا.
مثال الاستفهام: هل قام أحد إلا زيد, فزيد بدل من أحد ولذلك رفع.
ومثال النفي: ما قام أحد إلا زيد, فزيد بدل أيضًا [من أحد].
ومثال النهي: لا يقم أحد إلا زيد, فزيد بدل من أحد.
ولو كان العامل الذي قبل هذه المسألة ناصبًا لكان ما بعد «إلا» منصوبًا, أيضا على البدل, مثل: هل ضربت أحدًا إلا زيدًا, وما ضربت أحدًا إلا زيدًا, ولا تضرب أحدًا إلا زيدًا.
وكذلك تبدل في الجر, مثل: هل مررت بأحد إلا زيد, وما مررت بأحد إلا زيد, ولا تمرر بأحد إلا زيد.
وإنما قلنا «غالبا» لأنه يجوز النصب فيما تم الكلام قبله في جميع هذه المسائل, لأنه يجوز وهو ضعيف: هل قام أحد إلا زيدًا, بالنصب على أصل الاستثناء فاحترز من هذا القدر.
فإذا ثبت هذا فجملة ما يستثنى به ما عدد في هذه المقدمة من الآلات العشرة المذكورة فيها.
فالعلة في انتصاب ما بعد «ليس ولا يكون وما خلا وما عدا» أنها أفعال فيها ضمائر فاعلين, وما بعد الفعل والفاعل يكون منصوبًا, فلذلك تقول: قام القوم ليس زيدًا, أي ليس بعضهم زيدًا, فذلك البعض المقدر اسم «ليس» لا يظهر بحال في باب الاستثناء.
وكذلك: قام القوم لا يكون زيدًا, أي لا يكون

بعضهم زيدًا فذلك البعض المقدر لا يظهر أيضًا بحال في باب الاستثناء.
وكذلك: قام القوم ما خلا زيدًا, وما عدا عمرًا.
لأن الاستثناء بهذه الأفعال ناب مناب إلا فلم يقع بعدها إلا اسم واحد, كما لم يقع بعد «إلا» إلا ذلك.
[58] / والعلة في جر ما بعد غير وسوى وسوى وسواء أنها أسماء وظروف, وما بعد الأسماء والظروف في مثل هذه يكون جرًا بالإضافة.
إلا أن غيرًا يكون إعرابها أبدًا في الاستثناء على حد إعراب الاسم الواقع بعد «إلا».
فانظر كل موضع ينتصب فيه ما بعد إلا فانصب غيرًا فيه, وكل موضع يرتفع فيه ما بعد إلا فارفع غيرًا فيه, وكل موضع ينجر فيه ما بعد إلا فجر فيه غيرًا.
مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا, وقام القوم غير زيدٍ, وما قام أحد إلا زيد, وما قام أحد غير زيدٍ.
وما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ, وما مررت بأحد غير زيدٍ, فإن استعملت غيرًا صفة لا استثناء كانت جارية على إعراب ما قبلها, مثل قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم), جررته لأنه صفة «الذين» المجرور بصراط جر الإضافة.
ومثل: عندي درهم غير جيد, على النعت.
وأخذت درهمًا غير جيد, على النعت.
وبرثت من درهم غير جيد [على النعت].
فغير أصل في الصفة, ومشبهة بإلا في الاستثناء.
و «إلا» أصل في الاستثناء ومشبهة بغير في الصفة, لأن كل واحد منهما مخالف ما بعده لما قبله في المعنى, فجاز أن يحمل كل واحد منهما على صاحبه فيما ذكرناه, فهذا تفسير قولنا في إعراب هذه المسائل المذكورة.
فأما «حاشا» ففعل عند أبي العباس, ينصب بها, لأنه اشتقها من حاشى يحاشي.
وعند سيبويه حرف يجر بها, ومن حجته (حاش لله ما علمنا عليه من

سوء).
وغير ذلك من لأدلة التي لو ذكرت لطال ذكرها في هذه المقدمة.
وبالله التوفيق.


قال الشيخ رحمه الله: «والتاسع والعاشر والحادي عشر قد ذكرت».
نعني بالتاسع خبر كان وأخواتها لأنه من المنصوبات المشبهة بالمفعول.
ونعني بالعاشر اسم إن وأخواتها, لأن أسماء إن وأخواتها مشبهة بالمفعول أيضًا.
وإنما كانا مشبهين بالمفعول ولم يكونا مفعولين على الحقيقة لأن كل واحد منهما هو المرفوع المذكور معه في المعنى, وليس حقيقة الفاعل أن يكون هو المفعول, ولا المفعول أن يكون هو الفاعل, وإنما كل واحد منهما غير الآخر مثل: ضرب زيدٍ عمرًا, وضرب عمرًا زيد.
فلما خالف منصوب كان وأخواتها ومنصوب إن وأخواتها المفعولات كان مشبهًا بالمفعول.
والحادي عشر هو الفعل المستقبل إذا كان معه ناصب مثل: أريد أن تفعل, ولن تفعل.
وقد ذكر هذا في باب الحروف الناصبة للفعل المستقبل.
فهذه جملة المنصوبات التي عليها مدار الكلام اسمًا كان أو فعلًا.
وما عدا هذا مما لم يعمل فيه عامل - مما أشبه الحرف أو تضمن معنى الحرف أو وقع موقع الفعل المبني - فهو مفتوح لا منصوب, كما قلنا في فصل الرفع والضم.
وذلك مثل: أين وكيف والآن.
والأسماء المركبة من أحد عشر إلى تسعة عشر, كلها

مبنية على الفتح طلبًا للخفة.
وكذلك الحروف المبنية على الفتح مثل: إن وأخواتها.
فيقال لجميعها مفتوح ولا يقال له منصوب.
وكذلك كل حرف مبني على الفتح, مثل واو العطف, وفائه وثم.
وكذلك كل فعل ماض مبني على الفتح للخفة يقال له مفتوح, ولا يقال له منصوب, ليفرق بين حركات الإعراب وحركات البناء.
[فاعرفه إن شاء الله تعالى, وبالله التوفيق].


جارٍ التحميل